أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد: نسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا لما يحبه ويرضاه، وأن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. هذا الدرس هو في أصول الحديث أو في علوم الحديث أو في مصطلح الحديث، وهذا العلم علم جليل في العلوم الإسلامية؛ لانه يتعلق بالحديث النبوي، بل يتعلق بسائر علوم الشريعة؛ لانه يتكلم عن قواعد وأصول معرفة الاسانيد وصحتها وسقمها.
والاسناد كما تعلمون من خصائص هذه الامة، لا توجد أمة عندها إسناد إلا أمة محمد صلى الله عليه وسلم، قال ذلك عدد من أهل العلم، فله سبحانه وتعالى اختص هذه الامة بهذه الاسانيد والتوفيق من رب العالمين للأمة بحفظ الاسانيد والبحث عنها وتقعيد ومعرفة ما يصح منها وما لا يصح، هذا يعني من الاعجاز الالهي لهذه الامة.
هناك عدد من العلوم يتضح فيها الاعجاز الالهي، وكلها العلوم المتعلقة بالشريعة، يعني النحو مثلا الشيخ كان يتكلم عن علوم القرآن أتوقع وانا داخل سمعته يتكلم عن النحو نوعا ما. النحو نفسه الدارسون للنحو لما ينظرون إلى قواعد النحو يتعجبون كيف هدي النحات إلى هذه القواعد التي ضبطت كلام العرب؟ وهكذا في علم الصرف يظهر فيه الاعجاز الالهي، كيف اهتدوا إلى أن قام أصلها قوم ثم استقام أصلها استقم وانفتح ما قبلها فتحركت، يعني قواعد منضبطة بشيء عجيب جدا لا يكاد العقل البشري أن يستوعب كيف انضبطت هذه العلوم والقواعد؟
بل هناك أناس من أفراد الأمة تجلى فيهم الاعجاز لاجل حفظ هذا الدين، حتى بعضها يعني في علوم قد لا ترونها مهمة، مثلا العروض، عروض الشعر الذي يتزن به الشعر، تعرفون أن الشعر ديوان العرب وبه عرف أشياء في القرآن وأشياء في الحديث. الخليل بن أحمد الفراهيدي، هذا العالم اللغوي الكبير صاحب العين، وإن كانت نسبته إليه فيها كلام، لكنه عالم كبير، وهو شيخ لسيبويه وشيخ الأخفش وجماعة من النحات الكبار، هدي إلى ضبط علم العروض وهو أوزان الشعر بطريقة من نظر إليها قال: هذا لا يمكن أن يهتدي إليه إلا بوحي، كيف اهتدى إلى هذا؟
طبعا الذي هداه إلى هذا رب العالمين لحفظ لغة العرب ليساهد في حفظ لغة العرب، ففي ذلك يتجلى شيء من الاعجاز. هكذا في علم الحديث، يعني هذه الأسانيد الكثيرة والعلماء الذين ضحوا بالغالي والنفيس لأجل حفظ الأسانيد ولاجل كتابتها ولاجل البحث فيها ومعرفة الصحيح، وبعضهم أصبح العلماء الكبار مثل البخاري وأبو حاتم الرازي وأبو زرعة الرازي وأحمد بن حنبل ويحيى بن معين وعلي بن المديني وهؤلاء الكبار جدا في الحديث، نجد أن حفظهم للأحاديث يشبه الإعجاز، بل هو إعجاز. أنا لا أريد أن استرسل في هذا؛ لان المقصود المرور على هذا الكتاب كله إن شاء الله في هذه الدورة المباركة، لابد من هذه المقدمة وبعدها سننطلق إن شاء الله.
هؤلاء الأئمة الحفاظ، قبل أن استرسل في هذا، ودي أن أسأل أحد منكم درس النحو؟ ليس النحو، من درس علوم الحديث؟ من درس كتابا في علوم الحديث أو درس مصطلح الحديث يرفع يده، يعني الصحيح والسقيم والمتصل والمنقطع، حتى أعرف أمشي مع المستوى العام. البقية لم يدرسوا؟ من لم يدرس يرفع يده؟ طيب ما شاء الله، الله يبارك فيكم. إذا ينبغي علينا أن نمشي بشكل وسط، لا هو مستوى مرتفع ولا هو مستوى نازل.
فقلت لكم، المحدثون حفظوا الأحاديث حفظوا الأسانيد حفظا يتجلى فيه الإعجاز. البخاري رحمه الله عليه يحفظ مئات الالوف، لما دخل إلى بغداد، طبعا هؤلاء الأئمة الحفاظ يطير خبرهم في الآفاق أن في بخارى رجل كذا، في نيسابور رجل كذا، من أهل النقد في الري أبو حاتم وأبو زرعة، في نيسابور مسلم، في بخارى كذا، في بغداد أحمد بن حنبل، وهكذا. فإذا جاء واحد من هؤلاء الحفاظ لبلدة، ازدهرت هذه البلدة واجتمع الطلاب، وأحد الأمراء يذكر الخطابي رحمه الله عليه في كتابه في الشرح في شرح أبي داود أن أميرا من الأمراء في بلدة من البلدان ذهب إلى أبي داود صاحب السنن وطلب منه أن يأتي إلى بلدته يعيش فيها كي تعمر هذه البلدة بطلاب العلم، أن المحدث إذا دخل بلدة تعمرت هذه البلدة بالناس، فأجاب إليه وطلب منه مجموعة من الطلبات، منها أن يسمع هو وأولاده السنن كتاب السنن لأبي داود، ثم قال في الطلب الثالث ويجيبه أبو داود لذلك، ثم قال في الطلب الثالث: أن يكون سماعنا لهذا لوحدنا نحن لسنا مثل العامة نسمع في شيء خاص، فقال: أما هذه فلا؛ لان العلم يستوي فيه الخاص والععام، فوافق الأمير وصار يسمع مع الناس وأولادهم يسمعون مع الناس.
الشاهد أن هذا العلم علم الحديث الله سبحانه وتعالى وفق له علماء كبار يحفظون مئات الألوف. البخاري لما دخل بغداد جاء من بلده إلى بغداد، سمع به أهل بغداد، فالتقاه بعض الطلاب من مسيرة ثلاثة أيام وشيعوه حتى دخل بغداد. فلما دخل بغداد بعض الناس في بغداد أخذتهم الغيرة وبعضهم قالوا نريد أن نختبر هذا العالم، فجمعوا له عشرة من التلاميذ وحفظوا كل واحد منهم عشرة أحاديث معكوسة الأسانيد، مقلوبة، إسناد هذا لهذا، وإسناد هذا لهذا، وإسناد هذا لهذا، وهذا من أصعب ما يكون معرفة الأحاديث المقلوبة، أن تضع متنا على سند.
أنا مرة في بداية الطلب هناك كتاب اسمه المسند الجامع تأليف بشار عواد ومجموعة، جمع لبعض المعاصرين، وكتاب قيم، الآن أصبح اسمه المسند المصنف المعلل، فبدأت بمسند انس بن مالك؛ لانه مقسم على الحروف الابجدية، فأنس بن مالك كان من أوائل المسانيد، مسانيد يعني أحاديث الصحابي فلان هذا يسمى مسند، فأحاديث أنس بن مالك عن رسول الله مجموعة في مكان واحد، والرواة عن أنس بن مالك متعددون، مرة ثابت، مرة قتادة، مرة عبد العزيز بن صهيب، مرة حميد، مرة هناك مشاهير طلبة أنس بن مالك وابن سيرين وأمثالهم.
فأردت أحفظ، حفظت مئة حديث بأسانيد، والاسانيد أسانيد الكتب الستة متشعبة، البخاري يقول: حدثنا محمد بن بشار عن غندر عن قتادة عن أنس، ومسلم يقول: حدثنا محمد بن المثنى عن غندر عن قتادة عن شعبة عن قتادة عن أنس، والثاني يقول: حدثنا سليمان بن حرب عن شعبة عن قتادة عن أنس، فتحفظ عن قتادة عن شعبة فقط عشرة أسانيد إلى شعبة ثم تصل إلى أنس بن مالك. حفظت ما يقرب من مئة على هذا المنوال، مئة حديث بأسانيد ومتونها، وكان معي أحد الطلبة الذين يدرسون عندي أحيانا، قلت: هاك امسك سمع اقرا أي شيء، سالني أي سؤال، والله ما تجاوزت خمسة إلا ولخبطت كل ما سالني سؤال ضيعت، إذا هذا ركب على المسند الآخر، وهذا تركب على المتن الآخر، اشتبكت علي فتعجبت كيف هؤلاء يحفظون مئات الألوف دون أن يخطئوا؟ ويخطئون الناس.
البخاري لما دخل على بغداد ركبوا له مئة حديث على مئة إسناد، وقام، طبعا الحافظ مثل هؤلاء لما يقال عنه حافظ لا يمكن أن يعزب عن ذهنه أحاديث كثيرة حديث حديثين ممكن. أحمد بن صالح المصري، شيخ مصر في زمنه وهو من طبقة أحمد بن حنبل، جاء من مصر إلى بغداد يريد أن يلقى الشيوخ، فكان من ضمن ما التقى بهم أحمد بن حنبل، يسمع هذا بهذا وهذا يسمع بهذا، ما راوا بعضا. شوف أنا مرة أدخل هنا ومرة أخرج من هنا لكن إن شاء الله فيها الفائدة. المهم أن أحمد بن صالح المصري هذا حافظ جليل عالم من أحفظ الناس، ومع ذلك تكلم فيه النسائي رحمه الله عليه، ويقول الذهبي في ترجمته: لقد أذن النسائي نفسه بكلامه في أحمد بن صالح، يعني كلامه ما كان مقبولا، النسائي تكلم فيه بسبب، ونحن بشر ولذلك كان من قواعد الجرح والتعديل أن لا يكون بين الجارح والمجروح عداوة أو منافسة أو تحدي أقران.
النسائي جاء يريد يسمع من أحمد بن صالح، فلما دخل عليه طرده من مجلسه أحمد بن صالح، طرد النسائي، لما طرده؛ لانه كان أمرد ما فيه لحيه، فغضب النسائي، سئل عنه فقال: ليس بثقه ولا مامون، كبيرة، ليس بثقه ولا مامون، ما جرحه أحد، كل على الاتفاق على ثقته. المهم أن أحمد بن صالح دخل بغداد والتقى بالناس، ولم يغرب عليه أحد من أهل بغداد، تعرفون شو معنى لم يغرب عليه؟ لم يأتوا بحديث ليس عندهم، ما أحد منهم جاب له حديث وإسناد لا يوجد عند أحمد بن صالح المصري، حتى التقى باحمد بن حنبل ورحب به أحمد وجلس، وابن زنجويه هو الذي يحكي القصة يقول: جالس أنا أسمع المذاكرة، فتذاكروا إلى المساء لا يغرب أحدهما على الآخر.
هذا ذكر سند، المذاكرة غير عن التحديث، التحديث يكون الواحد جالس حدثنا، المذاكرة ما تحفظ في كذا؟ أتحفظ الزهري عن فلان؟ نعم، كذا وكذا، تحفظ عن فلان عن فلان، بدون أسانيد مسندة، وقد يسندها، لكن لا تعتبر المذاكرة، عندنا الآن العرف في المذاكرة يعني مذاكرة الدروس عندهم نفس الشيء، لكن مذاكرة أسانيد ولا يتهيئون يعني لا يتحفظون فيها أكثر حينما يحفظون عند الدرس والقائه. ولذلك لما يروي أحد في المذاكرة يقول: حدثني فلان مذاكرة، حتى يبين للناس أن هذا جاي في المذاكرة يمكن أخطأ، يمكن كذا.
المهم أن ابن زنجويه يقول: فلما قال أحمد حدثنا عبد الرحمن سمى سندا زهري عن فلان فقال أحمد بن صالح: تقول هذا وأنت الإامم؟ فتبسم أحمد، يعني معناه اغرب عليه، جاب حديث ما هو عنده. فتبسم أحمد فقال: حدثنا به ثقتان، قال: من هما؟ قال: بشر بن المفضل وإسماعيل بن علية، قال: أسألك بالله إلا أمليت علي؟ يعني أمليته تقوله وأنا أكتبه، فقال: من الكتاب، من الكتاب، ودخل وأخرج الكتاب وأملاه على أحمد بن صالح المصري. خرج أحمد بن صالح من بغداد على كثرة حفاظها وهو يقول: لقد استفدت من بغداد فائدة عظيمة، حديث كذا وكذا، هذا الحديث الوحيد استفاده.
فالبخاري لما دخل، قام أشخاص الأول وحدث باحاديث: أتعرف هذا يا أبا عبد الله؟ حدثنا فلان فلان، قال: لا، لا أعرفه، والثاني قال: لا أعرفه، الناس تعجبوا، الثالث قال: لا أعرفه، الرابع، العاشر، فصار الناس الذين في المجلس يذهبون بعضهم هنا وبعضهم هنا، قالوا: هذا ليس بحافظ، فاته عشر أحاديث. قام الثاني حتى قاموا مئة، كلهم يقول لكل واحد منهم: لا أعرفه، يعني أول مرة أسمع هذا. والبخاري علم؛ لانه من أول واحد علم أن هذا امتحان وانه خدعة لاحاطت بكثير من الأحاديث والأسانيد وهو يعرف، طبعا هذا يحتاج منكم إلى ممارسه للأحاديث وتخريج ولتتبع حتى تعرفون مدى صعوبة مثل هذا للحفاظ.
المهم أن البخاري لما رأى أنهم انتهوا العشرة وتاكد أنه ما في حادي عشر، قال: أما ما ذكرت يا هذا وقلت فيه كذا وكذا وكذا فهو خطأ وصوابه كذا وكذا، وما قلت فيه كذا، فعدد المئة باخطائها وحفظها بأخطائها وصلحها. يقول الحافظ ابن حجر، هذه يرويها ابن عدي في الكامل، يقول الحافظ ابن حجر: العجب ليس من تصحيحه للخطأ، العجب من حفظه للخطأ! يعني هذه الأخطاء حفظها من جلسة واحدة! بالله عليكم هذا ما هو إلا أن يكون فيه إعجاز من رب العالمين؟!
فالله استخدم لهذا الدين أناس من أهل العلم، والله وفقهم للاستخدام، الله هيأ لذلك لما فيهم من الخير، لما فيهم من التقوى، لما فيهم من الورع، وصرنا نحن عيال على كتبهم وعلى ما أدوها لنا، رحمه الله على الجميع. فهذا العلم علم علوم الحديث أو أصول الحديث، ومنه هذا الكتاب، كتاب التذكرة، كتاب الموقظة للذهبي رحمه الله عليه، هذا من أهم العلوم الإسلامية؛ لانه يعرفنا بالأحاديث الصحيحة، بالأخبار الصحيحة، بالنقول الصحيحة، سواء عن النبي صلى الله عليه وسلم وهذا هو الأهم، أو عن غير النبي عليه الصلاة والسلام.
لكنه يحتاج منا إلى تعمق، ليس هذا هو أول المشوار، درس أصول الحديث وعلوم الحديث من كتاب هو أول المشوار، ثم ندرس كتابا آخر، ثم نتطور وندرس التخريج، ثم بعد التخريج ندرس أقوال النقاد في الرجال، ثم بعد ذلك ندرس الطرق وكيف يعللون، ثم نعلم بعد ذلك كيف جاءنا هذا العلم.
هناك العلم هذا لما بدا بدا في زمن التابعين تقريبا، الصحابة كانوا يتلقون عن النبي صلى الله عليه وسلم مباشرة أو عن الصحابة الذين تلقوه عن النبي صلى الله عليه وسلم، فلما جاء التابعون ظهرت فتن، فصار هناك وظهر كذب وصارت مشاكل ولذلك قال ابن سيرين إنها قال: لم يكونوا يسألون عن الإسناد حتى وقعت الفتنة، فقالوا سموا لنا رجالكم، فما كان من أهل البدعة تركوا حديثه وقال آخرون الإسناد من الدين ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء.
الآن هذا الإسناد هو كما ذكرت لكم من خصائص هذه الأمة المحمدية أولا دون سائر الأمم، لا يوجد إسناد عند سائر الأمم. نحن الآن عندنا الإسناد حتى في هذا العصر، وإن كان الأسانيد موجودة مدونة في الكتب، البخاري ومسلم وأمثاله من الكتب السته وغيرها، لكن هذه الكتب الستة تعلمون أنها إلى يومنا هذا لا زالت تقرا بالآلاف مؤلفة، ولا زالت أسانيدها منتشرة منا إلى البخاري في كثير من الأصقاع الإسلامية.
المدارس الإسلامية الكبرى يدرس البخاري، ويدرس مسلم بالإسناد من الشيخ إلى البخاري، ومن البخاري إلى رسول الله ﷺ. هذا لا يوجد في الأمم أبدًا.
أضف إلى ذلك، لا يوجد في الأمم ولا يوجد في المبتدعة، خص به أهل السنة وحدهم، ولذلك أهل البدع كالرافضة -إن ما سمعناه من النبي عليه الصلاة والسلام- والأسانيد متضافر.
إذا درسنا درسا آخر ورأيت بعض الأسانيد كيف تأتي لحديث واحد، تتعجبون تقولون كيف من كل البلدان كل يروي هذا الحديث؟ من نيسابور، من بخارى، من ترمذ، من نسا، من كذا، من بغداد، من مكة، من المدينة؛ أسانيد متشعبة. شفتم كما يقولون الشبكة العنكبوتية، يعني شيء عجيب.
ولذلك هؤلاء الناس المستشرقون الذين ينكرون الأحاديث ويقولون إنها مثلا إن الناس المسلمين وضعوها، البخاري وضعها وفلان وضعها من عنده، طيب البخاري لما البخاري وضع مسلم؟ أينه يضع نسائي في بلد نسا؟ وأخر وأخر، كيف تواطؤوا على هذا الوضع، وكل واحد من صقع وشيوخ متعددون؟ اللهم صل على سيدنا محمد، هذا أولا أهم هذا العلم.
ثانيا، بالنسبة لهذا الكتاب، كتاب الموقظة هو للحافظ الذهبي رحمه الله عليه مؤرخ الإسلام، وهو من الحفاظ الكبار في القرن الثامن الهجري، في سنة سبعمائة وكم؟ ثمانية وأربعين تقريبا، 748. هذا الحافظ لخص هذا الكتاب من كتاب شيخه ابن دقيق العيد؛ الاقتراح. هذا الكتاب تلخيص من كتاب الاقتراح. وهذا يجعلني أظن أنه ألفه أو اختصره في بداية الطلب؛ الذهبي في بداية طلبه كان يختصر الكتب. اختصر المستدرك، واختصر سنن البيهقي، واختصر اقتضاء الصراط المستقيم لابن تيمية شيخه، واختصر كتبا كثيرة. وكانه في هذا الاختصار يبني معرفته العلمية في أيام الطلب، يقرأ على الشيوخ ويختصر كتبهم.
فابن دقيق العيد صاحب الاقتراح هو شيخ للذهبي، فجاء واختصر كتابه. طبعا ابن دقيق العيد أقرب إلى الفقهاء منه إلى المحدثين، لكن تعلمون أن الفقهاء في ذلك الزمن في زمن ابن الصلاح فما بعده اهتموا بالحديث. فابن الصلاح صاحب المقدمة هو فقيه لكن اهتم بالحديث وعرف الحديث. وصار هناك يعني سماعات لهم، لكلهم سماعات تقريبا. فألف في الحديث في اصول الحديث، هكذا ابن دقيق العيد ممن ألف في اصول الحديث كتاب الاقتراح، جاءنا الذهبي واختصر هذا الكتاب.
ولذلك كل ما ترونه في هذا الكتاب هو من كتاب ابن دقيق العيد، يمكن للذهبي أن يزيد عليه بعض الزيادات، وهذا يدل على أن نفس الذهبي أقرب إلى المحدثين منه إلى الفقهاء. وهذا حقيقة، الذهبي أقرب إلى أهل الحديث وأعرف بالحديث منه بالفقه، ومثله ابن رجب الحنبلي، ومثله ابن عبد الهادي الحنبلي؛ كل هؤلاء يعني منحىهم إلى الحديث أقرب منه إلى الفقه. وإن كان ابن رجب فقيه، فقيه كبير جدا من فقهاء الحنابلة.
طيب، بسم الله الرحمن الرحيم. قال المؤلف رحمه الله عليه: الحديث الصحيح هو ما دار على عدل متقن، واتصل سنده. فان كان مرسلا ففي الاحتجاج به اختلاف. وزاد أهل الحديث: سلامته من الشذوذ والعلة. وفيه نظر على مقتضى نظر الفقهاء فإن كثيرا من العلل يابونه.
فالمجمع على صحته إذا: المتصل السالم من الشدود والعلة، وأن يكون رواته ذوي ضبط وعدالة وعدم تدليس. كلمة وعدم تدليس، لاحظوا هنا في النسخ، نسخة ركائز قبلها زاي. ما معنى زاي؟ مع أنهم ما أظن أنهم ذكروها في المقدمة، لكن المقصود بها أن هذا من زيادة الذهبي رحمه الله عليه، يعني الكلام الذي قبله كله موجود في الاقتراح، لكن وعدم تدليس من كلام الذهبي.
نرجع إلى الكلام من بدايته ونحاول تفسيره. يقول: الحديث الصحيح هو ما دار على عدل. فالعدالة مشترطة، والعدالة هي الديانة، لابد أن يكون من أهل الديانة، ليس من أهل الفسق والفجور. وتعلمون العدالة يعرفونها بتعابير، لكن المقصود العام من هذه التعابير أنه صاحب دين يوثق به من حيث الديانة أنه لا يكذب.
فمنهم من يقول: العدالة ملكة تحمل صاحبها على ملازمه التقوى والمروءة. ومنهم من يقول: ابن عاصم يقول في منظومته الشهيرة في الأصول: والعدل من يجتنب الكبائر ويتقي في الغالب الصغائر، وما يرى وهو في العيان يقدح في مروءة الإنسان.
يقول: هذا هو العدل. العدل من يجتنب الكبائر؛ لا يقع في كبيرة، ويتقي في الغالب الصغائر؛ يعني يقع في الصغائر لكن يتقيه غالبا. العدل من يجتنب الكبائر ويتقي في الغالب الصغائر، وما يرى، يعني ويتقي ما يرى، وما يرى وهو في العيان يقدح في مروءة الإنسان. هذا الذي يقدح في مروءة الإنسان ليس فسقا، لكنه يقدح في مروءته، يعني يستهجنه الناس وهو بسبب عدم مبالاته لنظر الناس.
تعلمون أن الاحتراز على العرض هذا مطلب ديني. النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه»، حتى ما يقع الناس في عرضه هذا مطلب ديني. فالذي لا يهتم بعرضه، ما يهتم بنظر الناس، هذا يخشى أن يكذب، إذا لم يراعي نظر الناس وانتقادهم لسلوكه فهذا يسهل عليه أن يقع في الكذب. ومن هنا اشترطوا أنه يجتنب ما يخرم مروءته.
أمثلة طبعا ما يخرم المروءة في السابق غير عن ما يخرم المروءة في الوقت الحاضر. في الوقت الحاضر ممكن أن نقول يخرم المروءة مثل واحد يأتي له مجلس رجال في الخليج ناس لابسين غتر وعقال وهيئة وعزيمه مهمه أو عرس، ويأتي لابس هاف. تعرفون الهاف تبان في اللغة العربية؟ يسمونه التبان وهو الشورت. يأتي عند الناس لابس الشورت طالعة ركبه، يصلح هذا؟ هذا يقدح في مروءة مثل هذا الرجل كيف تأتي مجلس الرجال؟ نحن، أبناؤنا قديما طبعا هذا حسب كل بلد وطبيعة كل مجتمع، كانوا إذا رأوا الشاب الصغير الذي لا يلبس غطرة يسجرون، ايش هذا؟ جاي الرجل جاي رأسك صومعة أو كذا، يسمونه بأسامي طبعا هذا بحسب الثقافه.
الشاهد في السابق الأكل في الطرقات يخرم المروءة، الآن كلنا ناكل في الطرقات في أحد منا ما يأكل في الطرقات؟ كان يخرم المروءة في السابق. الشاهد أن ما يخرم المروءة في بيئتك التي أنت فيها هذا لابد أن تحترز منه وإلا كنت غير عدل عند الفقهاء أو عند المحدثين.
طيب الشرط الثاني: أين هو متقن؟ متقن هذه العباره استخدمها الذهبي ولا أدري هل هي في الاقتراح؟ ممكن أحد منكم يرجع إليها في الاقتراح وهي ليست هي اللفظة المستخدمة عند المحدثين، لكنها بمعناها يستخدم عند المحدثين ضابط أو صاحب ضبط. والضبط والاتقان واحد بنفس المعنى. واتصل سنده.
طبعا المتقن معناه الحافظ المجود لحفظه لما حفظه، يعني يحفظ الشيء ولا يختلط عليه، وبحسب حفظه بعده من الحفظ وقربه منه يكون درجة حديثه. قد يكون حديثه في أعلى مراتب الصحة، وقد يكون في أدنى مراتب الصحة بحسب قوة ضبطه. بعض الناس ضبطه قوي جدا، يعني مثلا سفيان الثوري، سفيان الثوري هذا من أحفظ الناس في زمنه. هو في زمن مالك بن أنس في سنة 160 أو 61، هو وشعبه. أحدهما 61 والثاني 60، أنا دائما لخبط بينهم، 160، 161. شعبه نظيره هذا من أهل البصرة، شعبه والثوري من أهل الكوفه. وهو إمام علم شهير فقيه، هو فقيه؛ شعبه ليس بفقيه، محدث فقط، لكن سفيان الثوري محدث وفقيه وحافظ متقن.
عبد الرحمن بن مهدي تلميذه تلميذ سفيان الثوري، يحكي من حفظ سفيان ما يتعجب منه. يقول: مرة حدث سفيان بحديث فلان عن فلان، فقلت: إن غيرك يحدث به عن فلان. يعني شيخ سفيان ذكر لسفيان شخصا، أظن الشيخ سفيان لا أدري هو الحماد أو غيره، قال: عن فلان، وغير سفيان يقولون عن آخر غير فلان هذا. قال: من يقول ذلك؟ قال: هشام. أو لما قال، قال: شعبه. قال: امضه امضه؛ يعني مش مهتم أنا في مخالفته لي، لأن مخالفة الحفاظ لك يوهن حديثك، يدل على أنك ما ضبطت. قال: من قال؟ هشام. قال: هشام، أمضه من فلان! أمضه أربعة، عدد من الأساطين. شعبه يقال له أمير المؤمنين في الحديث، وهشام الدستوائي سنبر يقال له ميزان، وكلهم حفاظ. ومع ذلك سفيان يقول: أمضه، أمضه.
قال عبد الرحمن بن مهدي: فكنت أحمل الخطا على سفيان، شيخ يرى أنه مخطئ لأن أربعة من الكبار يخالفونه، قال: حتى وجدت في كتاب غندر عن شعبه أنه حدثه فلان عن فلان، وفلان جمع بين الرجلين اللذان روى عنه، فعلمت أن سفيان إذا حفظ شيئا لم يبالي من خالفه. يعني هو يحفظ هذا ويحفظ معه المئات، فإذا يجي واحد ويشكك في واحد منهم ممكن تشك، لكن سفيان لقوه حفظه كان متوثقا لما يروي الرواية، ولذلك أبو حاتم الرازي لما قال: خالفه أربعة، خالف سفيان، قال: ولو كان 4000، يقول: لو كان اللي خالفوه 4000 القول قول سفيان.
الشاهد، ماذا كنا نقول؟ الضبط نعم. الاتقان يختلف من شخص إلى شخص، بعضه بعضهم أتقن من بعض، وبعضهم مسكين مخلط يقولون سيء الحفظ، وبعضهم يتلقن تقول له عن كذا يقول نعم عن كذا وهو مهوب عنه، ممكن تقلب عليه الأحاديث ما يدري عنها، لكن بعضهم ما تستطيع تقلب عليه. أبو نعيم الفضل بن دكين هذا شيخ الإام أحمد وشيخ السته، أدركه الستة وهو شيخ الإمام أحمد وشيخ يحيى بن معين، لما ذهب يحيى بن معين إلى اليمن هو وأحمد بن حنبل إلى عبد الرزاق الصنعاني. عبد الرزاق إمام عنده كتاب المصنف مشهور، 11 مجلد تقريبا، ذهبوا لأخذ حديث عبد الرزاق ورجعوا من اليمن، وعبد الرزاق كان ممتنعا من التحديث. فلما جاء أحمد ويحيى بن معين حدث الناس، يعني صاروا بركة على الناس، لأن أحمد بن حنبل له وزن عند مشايخه، وهكذا يحيى بن معين يخافون منه المشايخ؛ لأن هذا الرجل يحيى بن معين إذا تكلم في رجل أنهاه، إذا قال: فلان لا يحفظ، يجعل عليه إكس انتهى أمره. ولذلك يقول الذهبي بابن صبر أحوال الرجال؛ الرجال نعرف ثقتهم بمن معين.
فكانوا المشايخ إذا جاهم ابن معين، أحمد، أحمد مع ورعه ما كانوا يخافون منه كانوا يجلون، ولذلك أحمد بن يونس اليربوعي تكلموا في مجلسه وتضحكوا، فنظر فرأى أحمد قال: ويكم! ويحكم تضحكون! أنا الحين هذه القصة ربما تكون من سوء حفظي أني جئت بها عن غير صاحبها، لكن هذا توقعي أنه أحمد بن صالح، أحمد بن عبد الله بن يونس اليربوعي هو الذي قال ذلك، أو غيره من شيوخ أحمد يقولون: تضحكون أحمد موجود في المجلس! شوف جلالة الإمام أحمد مع أنه تلميذ، كان مشايخه إذا جاء تحرزوا من الضحك لجلالته.
وهكذا عبد الرزاق لما جاء أحمد بن حنبل وجاء يحيى بن معين حدث الناس، ويحيى بن معين يخاف منه، الشيوخ يخافون من الخطأ؛ لأنه رجل ينقش الخطأ بالمنقاش. يقول للشيخ: لا ليس هذا من حديثك، هذا خطا. الشيخ يقول: نعم صح خطأ؛ لأنه عارف أن هذا الرجل اعرف منه وأتقن منه الأحاديث وأحفظ منه للروايات؛ الرواية الواحدة يأخذها من 30 جهة، من 30 طريقا أو أكثر، وكان يكتب كل شيء، حتى المكتوبة يكتبها وأحمد يقول: لما تكتب صحيفة كذا أنت تعلم أنها موضوعة؟ قال: حتى إذا جاءني من يرويها بسند آخر أكشفه. هكذا الله سبحانه وتعالى سخر هؤلاء العلماء.
المهم أن الفضل بن دكين هذا أبو نعيم متقن، حتى إنه قيل إنه لم يخطئ، وقيل إنه أخطأ مره أو مرتين من شدة إتقانه، وعنده أحاديث كثيرة. لما رجع أحمد بن حنبل ويحيى بن معين من اليمن قال يحيى بن معين: دعنا نمر على الفضل بن دكين نختبره. شوف هذا يحيى بن معين صاحب اختبارات، فقال أحمد بن حنبل: دعه فإن الرجل ثقه، يعني ما يحتاج الرجل نعرف ثقته ونعرف حفظه، قال: لابد من اختباره.
فمروا عليه وطرقوا عليه الباب، وكان يحيى بن معين يحكي هذه القصة، أحمد بن منصور الرمادي تلميذه وهو الذي كان معهما في الرحلة وكان يحمل أشياءهما، يقول: فطرق عليه الباب، وماذا صنع يحيى بن معين؟ طبعا يحيى بن معين ناقد حافظ يعرف الأسانيد، وإذا اختبر اعلموا أن الاختبار سيكون دقيقا جدا، ممكن يمشي على الشخص الغير متقن. فكتب 30 حديثا من حديث أبي نعيم، وكل عاشر من الثلاثين ليس من حديثه، من حديث آخر، حديث شخص آخر. طبعا هم يعرفون هذه الأحاديث حتى حديث الشخص الآخر قد يكون عنده من جهة أخرى.
فقرأ، فطرق عليه الباب فخرج وجلس على الدكان وهي مرتفع أمام البيت، وجلس أحمد عن يمينه وابن معين عن شماله، وصار ابن معين يقرا. طبعا هذا نوع من أنواع التسميع على الشيوخ؛ لما يأتون إلى الشيخ وياخذون من حديث من الأحاديث أو جزء من الأجزاء، يأتون في أيام أخرى ويقرؤون عليه الجزء مرة أخرى. ولذلك يوجد في بعض المخطوطات بعد كل حديث دائرة، والحديث الذي عرض على الشيخ يضعون في وسط الدائرة نقطة، أن هذا أخذناه في المجلس الأول وجئنا مجلسا آخر وعرضناه يعني أكد عليه.
فالمسألة ليست مسألة بسيطة، هناك عدد من الإجراءات التي تمكن العلماء من تثبيت الأحاديث. وشعبه يقول: إن الحديث لا أخذه من الشيخ حتى أعرضه عليه 30 مره، مر عليه كل مرة يعرض عليه مرة، يعرض عليه هو ذكر عددا، أنا أتوقع أن 30 مرة، لكن هذا من حفظي فقد يكون الحفظ خَوَّان. والبخاري تجدونه، وهذا من الأمور المهمة جدا الانتباه لها: البخاري أحيانا يروي بسند واحد عن شيخ واحد، يروي هذا السند عدد من المرات وفي كل مرة تراه.
في المتن يتغير شيء منه فيظن بعض الناس من الشراح أن البخاري يتصرف والحقيقة أنه ليس تصرف من البخاري وإنما هو عرض ثان وثالث على الشيخ فثبته البخاري واضح يعني أشياء بسيطة يعني فروق بسيطة جداً لا تخل بالحديث لكن البخاري لدقته يأتي بالحديث عدد من المرات بعدد عرضته على الشيخ وتغير ما فيه نعم وهكذا علي بن المدين الشيخ البخاري كان يقول: سمعته من سفيان غير مرة فمرة يقول كذا ومرة يقول كذا ومرة يقول كذا وهذا في صحيح البخاري موجود هذه العروضات نعم.
فقرأ يحيى بن معين يعرض كأنه يعرض ما قرأناه عليك يا أبا نعيم نعرضه مرة أخرى ودخل في هذا العرض أحاديث ثلاثة من غير حديث أبي نعيم فقرا العشرة الأولى التسعة الأولى فلما قرأ العاشر قال: اضرب عليه فليس من حديثي شخص صاحي عارف ش منتبه متقن فقرا العشرة الثانية فلما قرأ التاسع عشر وقرا رقم عشرين قال: اضرب عليه فليس من حديثي لما قرأ العشرة الثالثة وقرا رقم ثلاثين تلون وجه أبي نعيم يعني عرف أنه يختبر فأمسك بيد أحمد بن حنبل وقال: أما هذا فأورع من أن يفعل هذا يقول أحمد بن منصور وأشار إلي قال: وأما هذا فأدنى من أن يفعل هذا يقول هذا ما يعرف مع أن أحمد بن منصور هذا من العلماء الكبار لكن ذاك الوقت طالب علم قال: وما أراه إلا من فعلك يا فعل وأخرج رجله ورفسه حتى أسقط قطه من الدكان من الدكة ودخل مغضباً فقال أحمد بن الحنبل: ألم أقل لك أن الرجل ثقة؟ قال: والله رفسته عندي أحب إلي من ذهابي إلى اليمن ذهاب إلى اليمن لعبد الرزاق هذه الرفسة عندي أحب لأنها ثبتت هذا الرجل العظيم وهو رجل يعني له مكانة.
أنا ما الحديث يأتي بالحديث خليني أعطيكم من مكانته أنه لما جاء المحنة محنة القرآن أنتم تعلمون أن الذي قام في الدفاع عنها أحمد بن حنبل هذا هو المشهور لكن هناك من شيوخه أيضاً من وقفوا وقفات لكن أحمد بن حنبل لجلالته عند الناس وشهرته ومكانته كانت مكانته هي المهمة حتى عند الخلفاء مهتمين أن أحمد يجيب غيره ليس ليسوا بذي أهمية أبو نعيم من الناس الذين اختبروا في القرآن دعاهم والي الكوفة ومعه كتاب المأمون وفيه استدلالات المأمون وأحمد بن أبي دؤاد على أن القرآن مخلوق من ضمنها الله خالق كل شيء والقران شيء فالقرآن مخلوق وهكذا أقرا على أهل الكوفة علماء أهل الكوفة وكان منهم أحمد بن يونس الربوعي هذا الذي ذكرته لكم شيخ الإمام أحمد وأبو نعيم الفضل بن دكين أبو نعيم فيه تشيع هذا الفضل بن دكين صاحب الدكان فيه شيء من التشيع ما هو هذا التشيع الذي فيه كان يقدم علياً على عثمان هذا يسمى تشيع عند أهل السنة ولم يكن يتكلم في معاوية لا يمدحه لكنه لا يتكلم فيه فلمزه يتكلم فيه أحمد بن يونس الربوعي هذا من أهل السنة من الناس يعني الشديدين في السنة فكان يتكلم على أبي نعيم ويبدعه وكلاهما كانوا في زمن واحد وفي بلد واحد فدعاهم والي الكوفة وقرا عليهم الكتاب وفي أجره من أجابك فأطلق سراحه ومن لم يجبك فاضرب عنقه مسألة صارمة ما في إلا ضرب عنق فقام واحد وأجاب فتكلم عليه أبو نعيم قام الثاني أبو نعيم وتكلم على ذلك ثم جاء أمام الوالي وأخذ زره الذي في قميصه وقطعه ثم ألقاه بين يدي الوالي وقال: والله أن نفسي عندي لأهون من هذا الذي سقط بين يديك ولقد أدركت من من أدرك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كلهم يقول يقول القرآن كلام الله غير مخلوق افعل ما شئت.
فاحمد بن يونس اليربوعي هذا الذي كان يتكلم في أبي نعيم قام من طرف المجلس وذهب إلى أبي نعيم وقبله بين عينيه وقال: جزاك الله من شيخ عن الإسلام والمسلمين يعني الخلافات التي بينهم هناك ذاك الوقت تبخرت في هذا الموقف هذا أبو نعيم من المتقنين فإذا الحديث الصحيح هو ما دار على عدل والعدالة هي الديانة ومتقن هذا الضبط إذا هناك شريطان رئيسيان العدالة والضبط العدالة لماذا حتى لا يكون هناك كذب على رسول الله لأن غير العدل يمكن أن يكذب طيب إذا كان عدلاً يمكن أن يخطئ يمكن فاشترط ماذا الاتقان أو الضبط فالإتقان لإزالة الإشكالية التي تطرأ على البشر وهي الخطأ والعدالة لإزالة الإشكالية الأخرى المتعلقة بالديانة التي يمكن أن تكذب بسببها الراوي فاحترز أهل الحديث من هذين الشيئين من المتعمد وهو الكذب ومن غير المتعمد وهو الخطأ باشتراط العدالة واشتراط الإتقان.
طيب عدل ومتقن لابد أن يكون الإسناد متصلاً لماذا لأنه لو كان هناك انقطاع أو واسطة ساقطة ربما يكون هذه الواسطة غير عدل أو غير متقن فاشترط اتصال الإسناد اتصال الإسناد ما معناه أن يكون كل راو قد أخذه ممن قبله ولهذا لمعرفة الاتصال والانقطاع طرق عند المحدثين هناك التصريح بالتحديث إذا صرح الراوي عمن فوقه بحدثنا أو سمعت التصريح بالتحديث هي ألفاظ معلومة أخبرني حدثني سمعت قال لي إلى آخره كل هذه ألفاظ صريحة في السماع فهذا إذا كان القائل له عدل متقن يقبل هذا التصريح طيب إذا لم يصرح قال عن فيشترط المعاصرة أن يكونا متعاصرين ويمكن سماع أحدهما من الآخر فإن كان السماع مستبعداً توقفنا في العنعنة أقول لازم تصريح بالسمع هذه من القواعد التي يذكرونها إذا الشرط الأول الصحيح العدالة الاتقان أو الضبط واتصال السند.
قال: فان كان مرسلاً مرسلاً يعني منقطقاً ففي الاحتجاج به اختلاف الاتصال ما في ما في اختلاف في الاحتجاج به لكن الانقطاع فيه اختلاف يعني بعض الناس قد يروي رواية منقطعة إما مرسلة أو منقطعة لأن الإرسال يطلق على الانقطاع ويطلق على الانقطاع العام ويطلق على انقطاع خاص وهو أن يروي التابعي عن النبي صلى الله عليه وسلم دون ذكر الصحابي هذا يسمى مرسل وأيضاً يسمى المرسل الانقطاع المشهور الذي بعد التابعي كلة تسمى إرسال طيب المرسل الذي يرسله التابعي أو بعض المنقطعات بين بعض الرواه هل هو محتج به في ناس يحتجون به لكن أغلب أهل الحديث لا يحتجون بالمنقطعات بعض الفقهاء يحتجون بالمنقطعات أو يحتجون بالمراسيل بعض أهل الحديث يحتجون ببعض المراسيل دون بعض لكن القاعدة العامة عندهم أي انقطاع في الإسناد هو مؤذن بضعف الإسناد وبالتالي لا يحتجون بأي حديث فيه انقطاع فالذهب ليس كلام الذهبي هذا كلام ابن دقيق العيد قال: فان كان مرسل ففي الاحتجاج به اختلاف نعم قال: وهذا من كلام ابن دقيق العيد وزاد أهل الحديث طبعا كلام ابن دقيق العيد مختلف لكن الذهبي كان يعني يلخصه فياتي به بعبارة أسهل أو أخصر قال:
وزاد أهل الحديث سلامته من الشذوذ والعلة السلامة من الشذوذ والعلة هي الضامن للضبط أنا كيف أعرف أنه ضبط هذا الحديث بسلامته من الشذوذ والعلة إذا كان معلولاً أو شاذاً معناه أنه أخطأ لأن احنا افترضنا أنه عدل لا يكذب طيب ضابط أو متقن صحيح طيب كيف نعرف أنه أتقن هذا الحديث بسلامته من الشذوذ هذان شرطان منفيان والحقيقة أنهما شرطان ذكرهما ابن الصلاح أظن أول من ذكرهم ابن الصلاح وسبب ذكره لهما لما أراد أن يعرف الحديث الصحيح وجد أن الحاكم يذكر من أنواع الحديث المردود الشاذ والمعلول في معرفة علوم الحديث فاشترطهما أو اشترط نفيهما وإلا فإذا قلنا أنه متقن فنحن نفترض أنه متقن لذلك الحديث إذا وجدنا في الحديث علة عرفنا أنه ليس بمتقن فلا يحتاج ذكر السلامة من الشذوذ والعلة لأننا نفترض إتقانه ليس الإتقان المطلق الإتقان الخاص في ذلك الحديث هذه مسألة دقيقة وأنا ما أريد أتوه فيها بما أن كثير منكم ربما أول مرة يعني يدرس أو ثاني مرة يدرس هم يشترطون الشذوذ نفي الشذوذ ونفي العلة وهذان الشرطان لهما مكان لشرحهما شرحهما باختصار الآن السلامة من الشذوذ أن يكون الحديث شاذاً إيش معنى أن يكون شاذاً يكون مخالف لأصول في الإسلام مخالف لقواعد يعني يروي شخص سند عن أبي هريرة أو عن أحد من الصحابة الآخرين عن النبي صلى الله عليه وسلم ويكون هذه الرواية مخالفة لقواعد في الإسلام مخالفة لأصول أحاديث كثيرة على سبيل المثال حديث العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة إذا انتصف شعبان فلا تصوموا هذا الحديث إذا انتصف شعبان فلا تصوموا أو فافطروا في بعض الروايات هذا الحديث استنكره جماعة من أهل العلم منهم عبد الرحمن بن مهدي وهو تلميذ شعبة بن الحجاج الذي تعلم منه العلل وعبد الرحمن بن مهدي هذا أتذكر ماذا قال أيوه عبد الرحمن بن المهدي هو شيخ لعلي بن المديني وشيخ لأحمد بن حنبل وليحيى بن معين هؤلاء الثلاثة يحيى بن معين أحمد بن حنبل علي بن المديني هذول طبقة واحدة 200 أحمد بن حنبل 241 230 علي بن مديني 233 معين توفوا فكلهم يعني زملاء وهم في تلك الطبقة أعم الناس بالحديث وبعله ثلاثة هؤلاء هؤلاء الثلاثة تعلموا على يد عبد الرحمن بن مهدي العلل والحديث وعلى يد يحيى القطان.
في واحد اسمه سليمان الشاذكوني نظير لأحمد بن حنبل ومن نظير أحمد بن حنبل أبو بكر أبي شيبة عثمان أبي شيبة جماعة لكن هؤلاء أعم الثلاثة اللي ذكرتهم أعم الناس في زمنهم الشاذكوني يقال إن حفظه كحفظ أحمد بن حنبل وجاء مرة يكلم عبد الرحمن مهدي ويعني يبين قدرته الحفظية فوجد أن عبد الرحمن بن مهدي أعم منه وأحفظ منه وحجله أمام الناس لما راح خرج وكان معه علي بن المديني قال: ماذا ماذا خرج لنا من صلب مهدي هذا يقول مهدي هذا أبو عبد الرحمن المهدي يقول: إيش الذي خرج لنا من صلبه يعني خرج لنا آفة من الآفات وكان علي بن المديني يقول: لو حلفت بين الركن والمقام أنه لا يوجد أعلم بالحديث من عبد الرحمن بن مهدي ما حنثت علي بن المديني تعرفونه من يعرفه يرفع يده.
ما تعرفون علي المديني ها شيخ البخاري أحسنت إذا قال البخاري في الصحيح حدثنا علي فهو علي بن المديني وهو الذي يقول فيه البخاري ما استصغرت نفسي عند أحد ما استصغرت عند علي بن المديني هذا إمام العلل في زمنه صحيح أنكم تعرفون البخاري ومسلم تعرفون بعض هؤلاء المشهورين بسبب الكتب لكن هناك أناس عظماء يعني هم الذين علموا البخاري وعلموا مسلما وهم فعلي بن المديني يقول لو حلفت ما فيها أعلم من عبد الرحمن والبخاري يقول أنا استصغرت نفسي عند علي المديني ما أقدر أمامه ما لست شيئاً.
فالسلام اه فحديث نعم فانا قلت لكم حديث من هو العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة إذا انتصف شعبان العلاء بن عبد الرحمن هذه السلسلة ستاتنا هنا إن شاء الله أوريكم اياها يعني من باب قال فأعلى المراتب كذا كذا يعني أسانيد ثم قال بعده كذا ثم بعده كذا إذا جاء العلا خبروني ها العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبيه هذا من قسم الصحيح هذا شايفينه العلا بن عبد الرحمن عن أبيه ما ظهر عندكم ليش ما يتحرك يا شيخ.
لحظة دقيقة واحدة عندي تحرك عندكم ما تحرك إن شاء الله العلاء العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة هذا من الأسانيد التي يخرجها مسلم كثيراً فعلاء بن عبد الرحمن أتى بحديث إذا انتصف شعبان أنكره عبد الرحمن بن مهدي إمام العلل وأنكره أحمد تبعاً لابن مهدي وأنكره جماعة من النقاد الكبار لماذا أنكروه لأنه يخالف عدداً من الأحاديث الأصح منه إسناداً كثير منها عن أبي هريرة وهي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يواصل الصيام شعبان برمضان ولا يصل شعبان برمضان فكيف ينهى عن الصيام في نصف شعبان وكان يقول في حديث أبي هريرة المتفق عليه من رواية سعيد بن المهدي بن المسيب إذا لا يتقدمن أحدكم صيام رمضان بصوم يوم أو يومين إلا أحد كان له صوم فليصم ذلك فليصم صومه يقول لا يتقدمن أحدكم صوم رمضان بيوم بصوم يوم أو يومين طيب يتقدم بثلاث أيام ممكن أربعة أيام ممكن دخلنا في في نص شعبان ولا ما دخلنا دخلنا وهذه أحاديث صح وكثيرة الأحاديث التي تخالف هذا الحديث ولذلك أنكروا هذا الحديث مع أن راويه ثقة فهذا معناه السلامة نصوا على أن هذا الحديث شاذ نص عليه ابن رجب الحنبلي طبعا هناك من صحح هذا الحديث وحاول يخرج له معنى معين الطحاوي قال إنه صحيح لكن منسوخ لأنه لا يستطيع أن ينكر مثل هذا الحديث لأن الرجل كان متثبت ع بن عبد الرحمن كلموه الناس يا علاء انظر ما تقول قال:
والله لقد حدثني أبي كذا وكذا وكذا فكان يعني مصر على أنه سامعه فبعض الحفاظ قال إنه صحيح لكنه منسوخ وبعضهم قال ما هو بصحيح هو أخطأ لكن لا يعلم أنه أخطأ وهذا مر مرة في حديث من الأحاديث كان نسيت أن اسم الحافظ أنكر عليه أهل بغداد حديثاً وكان يقول: والله لقد سمعته من شيخي وكتبته من كتابه يعني متوثق لكن لا يرويه إلا هو هذا في سنة كم في سنة ثلاثمائة وزيادة يعني بعد تاريخ طويل من الأسانيد يعني كيف أنت في ثلاثمائة تتفرد بسند يعني يتفرد تابعي مقبول
يتفرد تابع تابعي، مقبول، لكن واحد في سنة ثلاث مئة يتفرد! هذا يكاد يكون مستحيلاً. ولما جاء إلى -أظن- ابن عقدة أو أحد من الحفاظ الكبار أو الدارقطني، أفسح له: تعال يا أبو فلان، واجلسه. فلما جلس، صار الناس يسألون عن الحديث، يستنكرون عليه، فكان يقول -يا- يكلم الحافظ الذي في جنبه: ما لقيته أنا من الناس من أهل بغداد كذا وكذا، وقد سمعته كذا وكذا! يعني يبرر أنه متثبت منه. فيقول له الحافظ: لعلك سمعته في الشبيبة! يعني حتى الحافظ يرى أنه مخطئ، فهو يرفض، يقول: أنا كتبته. ثم جاءنا حافظ آخر وقال إنه أخطأ، وهو ينقل الحديث من كتاب شيخه؛ ركب سنداً على سند على حديث، ونقل السند الأول، فلما انتقل بصره إلى المتن، انتقل بصره إلى المتن الثاني، وركب هذا على هذا، ولذلك تفرد.
والعجيب أنني في بحث لي وقفت على هذا الحديث ومثلت به في البحث، ووجدت في كتاب لأبي عروبة الحراني الحديثين الذي كان الحافظ يقول إنه التبس عليه حديث كذا بحديث كذا وركب، وإذا الحديثين فوق بعض! وإذا السند هذا الذي ركبه ذاك موجود وتحته السند الآخر! يعني كان استنباط الحافظ الذي قال: لعله دخل له حديث في حديث فركب سند ذا على متن ذا، يعني وجدته في كتاب أبي عروبة الحراني. أحياناً هؤلاء النقاد يكتشفون أشياء يتعجب منها الواحد لما يبحث فإذا هي صحيحه، ويكاد يكون سحراً!
حتى إن بعض الحنفية -أهل الرأي- جاء إلى أبي حاتم الرازي وقال له: كيف تقرأ عليه جزءاً؟ ففي هذا الجزء مرة يقول: صحيح، ومرة يقول: باطل، ومرة يقول: ضعيف، ومرة يقول: منكر! فقال: أتععرف هذا الجزء لمن؟ قال: لا. قال: كيف تحكم عليه وأنت ما تعرف صاحب الجزء من هو؟ قال: إذا جئت إلى جوهري ومعك ذهب مزيف، أيُعرف؟ قال: نعم. قال: فهذا علم أتانا الله إياه. قال: وكيف أعلم أنك أوتيت هذا العلم فعلاً؟ يعني كيف استطيع أن أعرف هذا؟ أريد أن أتثبت من كلامك أنه صحيح. قال: اذهب إلى أبي زرعة وساله. قال: ويقول ما تقول؟ قال: اذهب إليه انظر. ذهب إلى أبي زرعة وسأله عن الجزء، فصار يقول مثل ما يقول أبو حاتم الرازي! فجاء متعجباً وأخبر أبا حاتم الرازي، فقال: لكي تعلم أننا لم نجازف، وأنه علم أتيناه.
أتيناه بماذا؟ بالخبرة والحفظ؛ يعني الحافظة فيها مئات بل ألوف الأسانيد، مجرد ما يأتي واحد بإسناد خطأ -مثل ما ذكرنا عن البخاري- تتذكر، تشتغل الذاكرة في الأحاديث الموجودة عنده، ويعل أين وقع الخطا فيقول: هذا خطأ، هذا منكر، هذا كذا. نحن الآن متى نعرف هذا؟ بعد البحث الطويل والشامل، اللي منكم يعرف الشامله، ونجمع الأسانيد، ونتعب تعباً شديداً حتى نجد المشكلة، وكل بحسب قدرته وطاقته وفهمه ومعرفته. يعني حتى الباحثين لابد من المعرفة ولابد من الذكاء، ولذلك كان يقول الحاكم النيسابوري: إن هذا العلم -يقصد العلل- أنه يقوم على الحفظ والمعرفة. ماذا قال؟ الحفظ والمعرفة، أظن قال: والذكاء لا غير. يعني أشياء، حفظ ومعرفة، أظنه قال: ذكاء، إن لم تخني الذاكرة، لا غير.
طيب، نرجع إلى حديثنا. إذاً، هل يمشي؟ أه، مشى الحمد لله. خلاص، ما أطيل عليكم، يبدو أن أو ساعة ها، خلاص خمس دقائق تعطوني خمس دقائق حتى أنهي. إذاً قال: وزاد أهل الحديث سلامته من الشذوذ والعلة. وفيه نظر على مقتضى نظر الفقهاء؛ فإن كثيراً من العلل يأبونه. هذا الكلام يجينا الفقيه ويقول: لا، أنتم يا محدثين ترى هذه الشروط نحن لا نقبلها، لأننا لا نرد مثل هذه الأحاديث لأجل هذه العلل التي تذكرها، بعض العلل ليست صحيحة، مثل ماذا؟ قال: مثلاً وهذا يقوله ابن حزم الظاهري -ابن حزم أيضاً فقيه ويعتبر نفسه محدثاً وهو من اهل الحديث لكن مذهبه على مذهب الفقهاء- فماذا يفعلون إذا جاءت زيادة؟ يعني أربعة ذكروا حديثاً، والخامس زاد زيادة في الحديث أما في الإسناد أو في المتن، أهل الفقه يقولون: هذه الزياده مقبولة، زيادة ثقة، فتقبل.
طبعا المحدثون زيادة الثقة عندهم مقبولة، لكن ما معنى زيادة الثقة عندهم المقبولة؟ إذا كانت متساوية في القوة مع الذي لم يزد، يشترطون أن تكون الزيادة في القوة مساوية للنقص حتى تقبل الزيادة. وهذا علم الحديث هو مثل قائم على العادة الجارية بين الناس، يعني المحدثين لما يسمعون الأحاديث من الناس، مثلنا في هذا الزمن، لكن ذاك الوقت كانوا يطلبون حديث النبي صلى الله عليه وسلم، نحن الآن نطلب الأخبار؛ فأنا سمعت خبراً من ما اسمك اخي الكريم؟ ها، ناصر، سمعت خبراً من ناصر، فعشان أتثبت -ناصر صدوق عندي- لكن يمكن أخطأ، فممكن أني أسأل الناس الذين كانوا مع ناصر في القضية، أقول: هل سمعتم كذا وكذا؟ فقالوا: نعم، فتثبت لي خبر ناصر، هذا شيء عادي طبيعي عندنا، هكذا المحدثون.
لكن إذا سالت أربعة ممن حضروا القضية مع ناصر ونفوا هذه المعلومة التي قالها ناصر، ألا يدخلني التشكك؟ هكذا المحدثون، المحدثون علمهم قائم على العادة، ليس على ماذا نقول؟ العادة أو التجويز العادي العبارة أحسن، قائم على التجويز العادي أن هذا في العادة جائز أن يصح حديثه، لكن الفقهاء يستحضرون التجويز العقلي، يقول: عقلاً لا يستحيل أن يزيد فلان، وأن يكون نقصوا هؤلاء الاربعه، لم يحفظوا من حيث العقل، نعم، اليس كذلك؟ لكن من حيث العادة، فالغالب أن الاربعة هم الأضبط، ولا لا؟ فالمحدثون مشوا على هذه العادة؛ لأن علم الحديث يجري بجريان العادة بالتجويز العادي وليس بالتجويز العقلي، ولذلك نجد كثير من الفقهاء المتأخرين يخالفون النقاد في أحاديث.
يعني أنا بضرب لكم مثالاً وخلاص سانهي هذا الدرس، وإن شاء الله في الدروس القادمة أكون أقل استطراداً حتى ننهي حديث من الأحاديث؛ يرويه أظن شعبة عن سفيان بن صالح عن عن أبي هريرة قال: «لا وضوء إلا من صوت أو ريح». فقال الفقهاء أو النقاد إن هذا حديث -بعضهم قال خطأ كأبي حاتم الرازي وغيره- هذا خطأ، أراد حديث الصلاة: إذا شك أحدكم وهو في الصلاة هل خرج منه شيء أم لا فلا ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً. فهذا مقيد بالصلاة، وأما التعميم هكذا: «لا وضوء إلا من صوت أو ريح» معناه لا وضوء من رعاف، لا وضوء من أشياء ثانية، كل نواقض الوضوء الآن انتهت!
فقالوا: اختصره -ليس شعبة أظن معمر أو المهم يعني المثال- ربما ليس مثالاً دقيقاً، لكن المعنى؛ فهو حديث الاستثناء الذي فيه معمر وعبد الرزاق، حديث الاستثناء في اليمين قال: أيما من حلف على يمين ثم قال: إن شاء الله، لم يحنث، وهو حديث مطول لسليمان عليه الصلاة والسلام عن قصة سليمان لما قال: «لأطوفن الليلة على تسعين امرأة»، أو «على مائة امرأة، كلهن يأتين بفارس يجاهد في سبيل الله» ولم يقل: إن شاء الله، قال: لو قال إن شاء الله لم يحنث. فهو حديث فيه قصة، لكن يختلف المعنى من حيث الفقه، فجاءنا معمر واختصره أو عبد الرزاق، والبخاري يرد هذا الحديث وقال: هذا حديث مختصر اختصره معمر والبزار، وهم لا يعلمون أنه مختصر، لكن بحسهم الحديثي قالوا: هذا مختصر من ذاك.
وجاءنا بعض المتأخرين مثل الشوكاني رحمه الله تعالى قال: كيف مختصر؟ وجاء الشوكاني في حديث «لا وضوء إلا من صوت أو ريح» وقال: هذا حديث وهذا حديث ونحن نتمسك بهذا الحديث، هذا اللفظ مختلف والمعنى، ولو كان السند واحداً، ورد كلام النقاد بالتجويز العقلي: يجوز أن يحفظ، وأن يكون حديثاً آخر، لكن كلاهما في متقاربين المعنى، في صعب أن يكون من شخص واحد متقاربين المعنى أحدهما طويل والثاني قصير، إلا أن يكون هذا مختصراً من هذا، وتفرد به هذا المختصر! فتفرد علامة على أنه عنده خلل ما، وذاك لم يتفرد به الطويل، فقال: ردوه، فرد الشوكاني وغيره رد كلام البخاري وكلام أبي البزار وغيرهم، قالوا: هذا يحتمل أن يكون حديثاً آخر، ليش؟ وأبو هريره له أحاديث كثيرة، وقالوا من هذا الكلام.
طبعا هذا تجويز عقلي، لكن أولئك تجويز عادي، راوا أن العادة تبعد أن يكون عند نفس الشخص حديثين احدهما طويل والثاني قصير، كلاهما في نفس القضية، لكن معناهما مؤدى معناهما يختلف. ثم وقفت على شيء أنا في هذا الحديث عجيب يدل على حفظ هؤلاء العلماء، وهو رواية الإمام أحمد عن عبد الرزاق، أحمد ماذا قلنا؟ ذهب إلى اليمن وأخذ عن عبد الرزاق، روى هذا الحديث عن عبد الرزاق عن معمر مختصراً وقال عبد الرزاق لأحمد: قد اختصره لنا معمر! هذا صريح. طيب أولئك كيف البخاري والبزار كيف وصلوا إلى هذه النتيجة وهم لم يسمعوا عبد الرزاق يقول هذا الكلام؟ يدل على أن هؤلاء أهل صنعة.
فلما ياتينا الفقهاء ويقول: لا والله هذه علل غير مقبوله عندنا، طيب غير مقبوله عندكم، لكن الشأن في أهل الحديث، هم أهل الصنعة وهم الذين يقدم كلامهم. طبعا هناك بعض -أقصد بالفقهاء غير المحدثين- أما فقهاء أهل الحديث فإن أكثر أهل الحديث فقهاء، فإنهم على منوال واحد وعلى طريقة واحدة. هذا، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه اجمعين. اللهم وفقنا لما تحبه وترضاه وجنبنا ما تبغضه وتأباه، اللهم انفعنا بما علمتنا وعلمنا ما ينفعنا يا رب العالمين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
د. سعيد المري