رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد، فهذا الدرس الثاني من شرح كتاب الإمام الذهبي، الموقظة في علوم الحديث.
ذكرت في الدرس الماضي نبذة قصيرة عن الكتاب، وأيضاً عن مقدمة حول الحديث، وحول الحفاظ، ونهج الله سبحانه وتعالى وإعجازه في علم الحديث؛ كيف أن هذا العلم من العلوم العظيمة التي اختص بها أهل الإسلام، بل واختص بها أهل السنة دون سائر المذاهب الأخرى؛ فلا نجد أسانيد عند أهل البدع. الأسانيد والاهتمام بها وتنقيحها وبيان ما فيها من صحة وضعف واتصال وانقطاع؛ هذا لا يوجد إلا عند أهل السنة، ولا يوجد إلا عند أهل الإسلام. وقد ذكرنا أنه ذكر ذلك عدد من الأئمة الأجلاء.
كنا شرعنا في بداية الكتاب؛ قال المؤلف رحمه الله تعالى –طبعاً هو هذا الكتاب ذكرت لكم أنه اختصار لكتاب الاقتراح لابن دقيق العيد شيخ الذهبي، ويسميه عادة ابن وهب، وهو جده؛ أظنه وهب جده، ابن دقيق العيد هو اشتهر عند المتأخرين بابن دقيق العيد، وكان إماماً في الفقه، وإماماً في فهم الحديث وفي شرحه، يعني كان آية من الآيات في زمنه، وكان متألهاً أيضاً، حتى إنه ذكر كلاماً عجيباً نقله عنه عدد من الأئمة وهو قوله: ما فعلت فعلاً أو قلت قولاً إلا واعددت له جواباً بين يدي الله سبحانه وتعالى. وهذا لا يوجد يعني؛ كل فعل يقوله هو لا يقول إلا شيئاً قد احترز فيه وأعد له جواباً، ولا يفعل فعلاً إلا وأعد له جواباً. كم من الأفعال التي عندنا وكم من الأقوال التي عندنا التي يصعب أن نجيب عنها! نسأل الله سبحانه وتعالى أن يعفو عنا جميعاً.
فالذهبي اختصر كتاب شيخه توفي سنة 702 على ما أذكر، الذي هو ابن دقيق العيد، أما الذهبي فتوفي سنة 748. اختصره وأضاف إليه بعض الإضافات، وقد ذكرت لكم أن الذهبي كان في بداية الطلب يختصر كتب مشايخه ويختصر الكتب المهمة، مثل كتاب الحاكم المستدرك، مثل سنن البيهقي، مثل كتب شيخ الإسلام ابن تيمية، مثل كتب في الحديث كثيرة اختصرها؛ الموضوعات، العلل المتناهية، وكان هذا من بناء نفسه أيضاً؛ كما أنه يدرس على مشايخه فيلخص كتبهم، فبذلك يبني حصيلته العلمية. فهذا من المختصرات، لما أذكر هذا لأني أظن أن هذا الاختصار كان في بداية الطلب، ومع ذلك نفسه فيه يضارع نفس الحفاظ الكبار.
قال المؤلف رحمه الله تعالى الذي هو الذهبي: الحديث الصحيح هو ما دار على عدل متقن واتصل سنده. وذكرنا معنى العدل ومعنى المتقن ومعنى اتصال السند، وأن هذه الشروط الثلاثة متفق عليها بين أهل العلم؛ لابد للحديث أن يكون برواية العدل حتى لا يكون فيه كذب، العدل اشتراط العدالة حتى نأمن جانب الكذب في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم قال: متقن، متقن يعني ضابط وبنفس المعنى، وهذا اشتراط الاتقان أو الضبط لكي نسلم من الخطأ؛ لأنه الثقة أو العدل يمكن أن يخطئ، فاشترط الضبط، العدل في دينه يمكن أن يخطئ، ولذلك كثير من الصلحاء أو الصالحين لا يقيم الحديث ويتوهم وقد يقول، وقد إذا كذب معناه هذا الصلاح فيه خلل، وأكثرهم يخطئ يعني يقول قولاً لا عن تعمد هو كذب لكنه لا يتعمد ذلك، ولذلك اشترطوا الاتقان أو الحفظ أو الضبط، واشترطوا اتصال السند.
اتصال السند لأن بسقوط الساقط قد يكون هذا الساقط غير عدل أو غير ثقة أو غير ضابط، وبالتالي يعود على الشرطين الأولين بالاخلال. لكن قال المؤلف هنا: فإن كان مرسلاً –مرسلاً هنا يعني منقطعاً، ويدخل فيه الارسال المشهور وهو قول التابعي قال رسول الله على رسول الله– قال: فإن كان مرسلاً ففي الاحتجاج به اختلاف. هذا الكلام صحيح، هناك اختلاف في الاحتجاج بالمراسيل لاسيما مراسيل التابعين، فمن المحدثين من يحتج ببعض المراسيل لكبار التابعين، بل ومن الفقهاء أيضاً من يحتج بالمراسيل، وطبعاً لهم نظرهم الخاص في المراسيل. فمن الناس من يقول بأن هذه المراسيل التي يحتج بها الفقهاء ليست كل المراسيل؛ لأننا وجدنا الفقهاء يحتجون مراسيل ويتركون مراسيل، فمعناه أن لهم نظراً دقيقاً في تلك المراسيل. المقصود بالفقهاء الكبار أصحاب الحديث أيضاً، كمالك وأحمد وغيرهم من الأئمة اللهم صل على سيدنا محمد.
لكن هذا الشرط عند عامة المحدثين أو اغلب المحدثين، وهو اتصال السند، لابد منه، فلا يقبلون المرسل أياً كان مرسله. ولذلك لا نجد في الصحيحين أحاديث مراسيل احتج بها أصحاب الصحيح؛ إن جاءت فيها مراسيل فتأتي تتبعاً، تتبعاً للرواية تكون الرواية فيها سند متصل وسند آخر مرسل، فيأتي بها كما سمعها، ويكون المرسل غير مقصود له، ليس معنياً أو ليس مقصوداً له أو ليس من موضوع الكتاب، إنما لأنه سمع الحديث المتصل وبجانبه حديث مرسل أو فيه شيء مرسل فورد الحديث لأنه يريد ذلك المتصل.
ثم قال: وزاد اهل الحديث –وهذا من كلام ابن دقيق العيد وإنما لخصه الذهبي رحمه الله عليه– سلامته من الشذوذ والعلة. وفيه نظر على مقتضى نظر الفقهاء، فإن كثيراً من العلل يأبونه. ذكرنا شيئا من هذا الكلام في الدرس السابق؛ وهو السلامة من الشذوذ والسلامة من العلة، المقصود بها عند المحدثين صيانة هذا الحافظ المتقن أو الضابط من الخطأ؛ لأنه بشذوذه يكون مخطئاً، وبوجود عله في حديثه يكون مخطئاً. فحتى يتيقن من أن هذا الذي الوصف فيه أنه ضابط ليس مع الضابط أنه معصوم وبالتالي قد يخطئ، فحتى نحترس من هذا الخطأ لابد أن ننفي عن هذا الحديث العلة وننفي عنه الشذوذ. والمقصود بالعلة: العلة القادحة؛ لأن هناك من العلل ما ليس بقادح يسمونه علة تجوزاً وإلا فلا يردون الحديث به.
ولذلك نجد كثيراً من الأحاديث في الصحيحين موجودة في علل الدارقطني وموجودة في علل ابن أبي حاتم ومع ذلك هم يصححون، وإنما أورد لأن في الحديث خلاف؛ يعني هناك راو خالف أو راويان خالف ونحو ذلك. والفرق بين الشذوذ والعلة سياتي إن شاء الله، لكن مختصراً استطيع أن أقول –وإن كان هذا الكلام الذي أقوله ليس عليه كثير من الناس، عليه بعض أهل النقد كابن رجب وغيره، لكن الموجود في المصطلح أن المقصود منتشر في المصطلح، طبعاً كلام للحافظ ابن حجر وغيره من الحفاظ– أن الشاذ هو مخالفة الثقه لمن هو أوثق منه، وأخذوا هذا من كلام الشافعي، فسروا كلام الشافعي أن الشافعي يقول: ليس الشاذ من الحديث ما انفر به الراوي إنما الشاذ ما يخالف فيه الناس، ففهموا من كلام الشافعي أن الشاذ مخالفة الثقة لمن هو أوثق منه.
والحقيقة أن كلام الشافعي أوسع من هذا؛ وهو يريد المخالفة العامة؛ يعني مخالفة راو روى عن صحابي عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثاً وهذا الحديث يخالف الأصول ويخالف الأحاديث، ينفرد عن تلك الأحاديث، فهذا هو معنى الشاذ عند الشافعي رحمه الله عليه. وبه مثل الحاكم ومثل الخليل في الإرشاد؛ وما رأوا أن مخالفة الثقة لمن هو أوثق منه هو الشاذ. مخالفة الثقة لمن هو أوثق منه هو المعلول، المعلول هو مخالفة في شيخ، والشاذ مخالفة في أصل الحديث.
الشذوذ مخالفة في أصل الحديث؛ ياتينا حديث لأبي هريرة يخالف أحاديث مثلاً لعائشة وابن عباس وفلان وفلان، فهذا يسمى شاذ إن كان هناك تفرد ولم يمكن أن يقال بأنه منسوخ. وأما المخالفة في شيخ في مخرج السند –يعني السند مثلاً عن ابن عمر، وعن ابن عمر نافع، فيختلف على نافع، فإذا انفر واحد عن نافع دون بقية أصحاب نافع نقول هذا معلول المنفرد– فالعله على شيخ في سند واحد، والشذوذ هو خلاف لأصل السند عن أسانيد أخرى، ونستطيع أنه في أن نقول هو في مقابلة ما عرف مؤخراً بالشاهد والمتابع.
الشاهد والمتابع ما هما؟ وإن كان سياتينا هذا، لكن من باب توضيح المسألة، المتابع اصطلح عليه المتأخرون، مع أن المتقدمين يعممون المتابعة أنها متابعة الصحابي لصحابي آخر عن النبي صلى الله عليه وسلم يسمى متابعاً، لذلك يقول البخاري في صحيحه: تابعه جابر، وتابعه فلان. لكن اصطلح المتأخرون على أن الأسانيد المتعددة إذا كان الأسانيد عن صحابة متعددين؛ يعني عن جابر وابن عباس فهذا يسمى شاهد لهذا وهذا شاهد لهذا. إذا كان تعدد الطرق عمن دون الصحابي؛ الصحابي واحد لكن روى عنه نافع وسالم؛ فسالم يشهد يتابع نافعاً ونافع يتابع سالماً. عند القدماء المتابع والشاهد واحد؛ لأن المعنى واحد. لكن اصطلح المتأخرون على أن المتابع ما تكون المتابعة في حديث واحد، والشاهد ما يكون اختلف الحديث عن صحابيين مختلفين. ولذلك حتى أقرب الصورة: الشاهد هو متابعة صحيحة موافقة لصحابي لصحابي آخر أو لسند فيه صحابي لسند فيه صحابي آخر، هذا هو الشاهد، إذا وافقه فهو متابع. طيب إذا خالفه شاذ، عكس واضح، وهذا فيه شين وهذا فيه شين، هذا لضبط العلم، شاذ وشاهد.
هناك في المتابع والمعلول كلاهما فيه عين، الذي يتابع في فرع السند يعني عن شيخ؛ يعني مثلاً خمسة عن الزهري: معمر، وسفيان بن عيينة، ومالك بن أنس، وشعيب بن أبي حمزة، وكلهم توافقوا عن الزهري، فكل واحد منهم يسمى متابعاً للاخر، هذا متابع لهذا وهذا متابع لهذا. طيب لو واحد منهم خالف، فلنفرض أن معمراً خالف الجميع، خالف يونس الأيلي وخالف مالكاً وخالف ابن عيينة، نقول حديث معمر معلول وفيه عين لأنه خالف، لكن لو تابع معمر لقلنا متابع. اتضح المتابع والشاهد والمعلول والشاذ؟
نعم، فالمحدثون ذكروا السلامة من الشذوذ والسلامة من العلة. والحقيقة أن الذي ذكر هذا من المحدثين الحاكم النيسابوري يعني ذكر، وطبعاً كلمة الشاذ موجودة عند الأئمة القدماء حتى ذكرها الترمذي رحمه الله عليه لكن ما عرفوها (يعني الترمذي قال: أن لا يكون شاذاً في الحديث الحسن كما سياتينا)، الحاكم جعل نوعاً من الأنواع الشاذ وجعل نوعاً من الأنواع المعلول وقال: المعلول غير الشاذ، وأن هذه الأحاديث المعلول والشاذ غير صحيح. فجاء الحافظ ابن الصلاح وقال: إذاً هذان شرطان منفيان في الصحيح من غير شذوذ ولا علة. وأما تعريف القدماء فقد عرفه جماعة الصحيح، الحديث الصحيح عرفه جماعة من القدماء ولم يذكروا فيه كلمة الشاذ ولا كلمة المعلول، فمثلاً الذهلي محمد بن يحيى الذهلي نقل عنه الخطيب أنه قال: الحديث الصحيح ما نقله العدل عن العدل من غير انقطاع أو نحو هذا الكلام، يعني ذكر الشروط الثلاثة تقريبا، ليس فيه مجهول ولا مجروح، ولم يذكر مسألة الشاذ والعلة.
طيب، هل هناك مخالفة بين تعريف القدماء وتعريف ابن الصلاح؟ لا، تعريف ابن الصلاح من باب التوضيح؛ وإلا لما نقول إنه ما رواه عدل ضابط، إيش معنى ضابط؟ ضابط لذلك الحديث؛ فعدم مخالفته لغيره وعدم شذوذه عن غيره هو دليل على ضبطه، فكلمة الشذوذ والعلة، نفي الشذوذ والعلة هما دليلان على ضبط الرجل. وبالتالي في الحقيقة هو ليس مما يدخل في الحدود. وأنا عندي نظم بدأته لكني توقف فيه ربما أقرأه عليكم أو أقرأ منه عليكم، لكن بعد أن ننتهي هنا في كلام الحافظ الذهبي فيما اختصره من شيخه قال: وفيه نظر، يعني هذا الشرط الشذوذ والعلة. طبعاً الناس اللي بعد ابن الصلاح من أهل النكت تكلموا في هذين الشرطين بكلام طويل وتجادلوا، وسار وكيف الشذوذ؟ الشاذ إذا كان مخالفة الثقة لمن هو أوثق منه فهذا هو المعلول، لماذا لا نقول من غير علة بدون كلمة شاذ بناءً على أن تعريف الشاذ عندهم هو في حديث واحد؟ فكثر نقاشهم فيما بينهم هنا.
يقول صاحب الاقتراح وقلده أو اختصر كلامه صاحب الموقظة: إن هذا الشرط نفي الشذوذ ونفي وهذين الشرطين قال فيهما نظر على، أو وفيه نظر على مقتضى نظر الفقهاء؛ فإن كثيراً من العلل يأبونه. مثل ماذا؟ مثل زياده الثقه؛ المحدثون عندهم يقولون هذه زيادة الثقة، والفقهاء يقولون زياده الثقة، لكن الفقهاء يتوسعون نوعاً ما، فكل زيادة من ثقة مقبولة عند الفقهاء ولو خالفه أكثر منهم، سواء كانت الزياده في وصل الاسناد المرسل، أو في رفع الاسناد الموقوف، أو في زياده جملة في الحديث في المتن، يعتبرونها. فيقولون هذه زيادة الثقة، بينما المحدثون نجد أنهم يعتبرون قرائن أخرى، يقبلون زيادة الثقة لكن متى يقبلون زيادة الثقة؟ إذا كانت هذه الزيادة في القوة قريبة من عدم الزيادة قريبة من الطرق الأخرى التي ليس فيها الزيادة، وهناك قرائن عند المحدثين يعتبرونها؛ منها سلوك الجادة، منها زيادة رجل يكون صعباً أن يزيده، أشياء ربما تاتيكم في بعض الدروس المتعلقه بالعلل.
أنا ساضرب مثلاً سهلاً عليها؛ مثلاً عندنا حديث التسليم المشهور الذي عليه الفقهاء الأربعة وغيرهم أن المسلم يقول: السلام عليكم ورحمة الله، بدون وبركات، تمام؟ السلام عليكم جرى على اللسان، وبركات الآن هذا ورد في في حديث أو في بعض الأحاديث القليلة وفيها تفردات، وأكثر الرواة يقولون: السلام عليكم ورحمة الله، بدون زيادة وبركات. فهنا إذا قلنا بأن النظر نظر الفقهاء الصرف سيقولون: هذه زيادة ثقة، ومن علم حجة على من لا يعلم، أو من لم يعلم. زيادة علم، هذه ضبطها وهذا لم يضبطها. لكن المحدثين يقولون: لا، هنا الأكثر لم يروها وهناك قرينة تسهل خطأ ذلك الزائد، ما هي هذه القرينة؟ أن العادة أن العادة جارية بأن المسلم إذا سلم على الناس يقول: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأن النبي قال.
إذا سلم أحدكم على ناس؛ فإن قال السلام عليكم له عشر حسنات، وإن قال السلام عليكم ورحمة الله له 20، وإن قال السلام عليكم ورحمة الله وبركاته له 30 حسنة، فيتعود الناس على أنهم يقولون السلام عليكم ورحمة الله، فهذه على اللسان يسمى الجادة، والذي يخالف الجادة هو الأضبط، حتى لو كانوا اثنين عند المحدثين، بينما عند الفقهاء هي زيادة الثقة.
لكن هذه الزيادة هناك ما يعتورها، وربما أضرب لكم مثالاً حياً ربما وقعتم فيه أو وقع فيه الناس من حياتنا؛ لأني قلت لكم سابقاً بأن الحديث هو جارٍ على عادة الناس، وأهل الحديث يعتبرون التجويز العادي، فإذا العادة تبعد المسألة ردوها، بينما الفقهاء إذا كان العقل يجوز المسألة قبلوها ولو كانت العادة تبعدها.
ومما يجري لنا وقد جرى لي أنا مثلاً؛ مرة كنا ساكنين في سكن وعندنا دكان بجانبنا، ولي زميل هذا الزميل دائماً يذهب إلى الدكان على رجليه، الدكان قريب ربما 100 متر من السكن وهو في زاوية، يذهب إلى هذا الدكان ويأتي، ويذهب إليه ويأت، ثم يوم من الأيام ما رايته إلا جاء وقال يا أبا محمد سيارتي سرقت ما وجدتها عند الباب، فذهبنا نبلغ عنها عند الشرطة ونحن راجعون مررنا على الدكان فإذا السيارة واقفة عند الدكان، صاحبنا وقف عند الدكان وأخذ حاجته ولما رجع إلى البيت سلك الجادة التي تعود عليها وهذا خطأ.
هذا معنى سلوك الجادة، ولذلك والله ما كنت أريد الاستطراد لكني حتى تفهمون هذا المعنى: البخاري رحمه الله عليه دخل عليه مسلم بن الحجاج أو كانوا في مجلس، فقال يا أبا عبد الله هل رايت حديثاً أحسن من هذا؟ قال ما هو؟ قال حجاج بن محمد عن موسى بن عقبة عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة: ما جلس أحد مجلساً فكثر فيه لغطه، وذكر الحديث، فقال لا ما رايت أحسن منه أو لا أعلم أحسن منه إلا أنه معلول.
يقول البخاري، فتحجب مسلم، قال ما علته؟ قال استر ما ستر الله، يعني هذا حديث في الموعظة في يعني في في ذكر طيب استر ما ستر الله، قال فما زال يكلمه حتى كاد مسلم أن يبكي فقال إن كان ولا بد فاكتب حدثنا موسى بن إسماعيل يعني التبوذكي عن وهيب بن خالد عن سهيل بن أبي صالح عن عون بن عبد الله قوله، يعني هذا قول عون بن عبد الله.
أنا ساشرح لكم هذه الإشكالية إن شاء الله ساشرحها لكم، فمسلم ماذا قال؟ قال لا إله إلا الله أشهُد بالله أنه ليس في الدنيا مثلك وأنه لا يبغضك إلا حاسد، يعني أقر له بهذه العلة.
طيب ما هي العلة؟ ما صورة العلة؟ ما أدري اكتب لكم ولا تستوعبون، عندنا لا لا لأنه فيه بث والبث لن يرى السبوره.
طيب عندنا الحديث محوره سهيل بن أبي صالح، السند الذي جاء به مسلم وهو معروف عند البخاري حجاج بن محمد من الثقات الكبار عن ابن جريج -أنا أسقطت ابن جريج- عن ابن جريج عن موسى بن عقبة، موسى بن عقبة صاحب المغازي والسيرة مشهور مثل ابن إسحاق لكنه أوثق من ابن إسحاق، عن موسى بن عقبة عن سهيل، إذن موسى بن عقبة يروي عن سهيل، وهنا النكته الجميله الذي الناس تعجبوا منها لما يقول مسلم للبخاري هل رايت أحسن من هذا، الناس يتعجبون المتأخرين يقولون أين الحسن؟ ما هو الحسن الذي يقصده مسلم؟ مش فاهمين ايش الحسن.
الحسن هو أن موسى بن عقبة يروي عن سهيل وكلاهما عالمان من علماء المدينة في نفس الوقت وربما توفي في نفس السنة أو متقاربين، عالمان جليلان، يعني مثل في في زمننا مثلاً لما ناتي هل سمعتم ابن باز مثلاً ولا ابن عثيمين أحد منهم يروي عن الآخر أو ينقل عن الآخر؟ لو سمعتم هذا لقلتم هذا عجيب واستحسنتموه صحيح أو لا؟ فهذا هو الاستحسان، عالم يروي عن عالم وكلاهما في نفس الطبقة علماء كبار، فكان مسلم متعجب من هذا الاسناد، يعني قرينة نعم، هذه القرينة رواية الأقران ولذلك لها مبحث في المصطلح.
لكن موسى بن عقبة روايته عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة، هذه سهيل بن أبي صالح عن عن أبي هريرة هذه جادة، مجرد ما يسمع أي محدث سهيل على طول يذهب إلى أبيه عن أبي صالح، سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة، يعني سهلة على اللسان ولا يوجد أكثر، سهيل بن أبي صالح غالب روايته عن أبيه عن أبي هريرة، يمكن رواياته عن غير أبيه قليلة جداً، أنا عددت بنفسي في مسلم وحده 100 حديث لسهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة، 100 حديث أكثر من 100 حديث.
لكن البخاري أورد عليه سند، ما هو هذا السند؟ قال حدثنا موسى بن إسماعيل التبوذكي شيخ البخاري قال عن وهيب بن خالد، عن من؟ عن سهيل بن أبي صالح، إذن وهيب بن خالد يروي عن سهيل، وهناك موسى بن عقبة يروي عن سهيل، أيهما أجل موسى بن عقبة أو سهيل؟ موسى أجل، موسى عالم ووهيب عالم أيضاً، لكن موسى مدني يروي عن مدني، وهيب عراقي يروي عن مدني هذه غريبة، لكن سهيل، لكن وهيباً من الثقات الكبار لكن وهيب ماذا قال؟ ما قال عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة، قال عن سهيل عن عون بن عبد الله تابعي قوله، هنا غير لم يسلك الجادة.
فهل سهل على وهيب أن يحفظ عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة؟ أو سهل عليه أن يحفظ عن سهيل عن عون بن عبد الله؟ الأسهل الجادة، فلما خالف الجادة دل على أنه متثبت، ولذلك لما انتقد البخاري هذه الرواية بهذه الرواية سلم مسلم، يعني اعترف له.
بينما المتأخرون في هذا الزمان كثير منهم من المعاصرين يقول ما نفهم هذا التعليل، لا ندري ما هذا، موسى بن عقبة أوثق من وهيب والحديث صحيح هكذا يقولون واضح.
وهكذا الفقهاء ممكن يقولون هذا لأنهم يقولون هذا أوثق من هذا وهذه زيادة ثقة، وربما يكون حديثان رواه مرة عن هذا ومرة عن هذا.
طيب ما الجواب للفقهاء؟ أنه ربما سهيل بن أبي صالح مرة رواه عن عن أبي هريرة عن رسول الله، ومرة عن عون بن عبد الله، يمكن يكون عنده حديثين، صح؟ هذا محتمل عقلي ولا مش محتمل؟ محتمل عقلي، لكن في العادة هل هو في العادة القريبة ولا في العادة البعيدة؟ هل هو مستبعد عادة؟ أضرب لكم مثال آخر بالمشايخ المشهورين عندك شو اسمه كان تقول لي ها عمار عندك يا عمار سماع من ابن باز فتوى في مسألة وأنا أتيتك بهذه المسألة، أنت لما تذهب إلى الناس تخبرهم عني ولا تخبرهم عن ابن باز؟ ما تخبرهم عني تخبرهم عن ابن باز، لماذا تنزل درجة أو درجات وتترك العلم الإمام؟
فهكذا إذا كان عند سهيل عن أبيه عن أبي هريرة رسول الله، ينزل إلى عون بن عبد الله؟ لا، فروايته عن عون بن عبد الله دليل على أنه ليس عنده عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة، عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة عن رسول الله، وأن ذلك الذي روى ذلك تلك الرواية سلك الجادة.
ولذلك البخاري لما سئل عنها لما ساله مسلم وقال معلول قال موسى بن عقبة لا يذكر سماعاً، أو لا أدري سمع من سهيل أم لا، يعني كأن يقول المشكله من ليس من موسى بن عقبة ربما موسى بن عقبة سمعه من آخر، فهنا المشكلة لأنه يذكر عن.
الشاهد أن أهل الحديث هم أهل العلم في هذا الفن، وأن علم الحديث قائم على يعني جريان العادة، أما استبعادها أو تجويزها، فإذا جوزت العادة تصحيح الحديث صححوه، وإذا استبعدت العادة تصحيحه ردوه، هذه طريقة المحدثين، طريقة الفقهاء قائمة ربما على التجويز العقلي، وذكرت لكم أمثله أو مثال في الدرس الماضي.
اللهم صل، فالقول هنا ينبغي أن يكون قول من؟ قول المحدثين.
قال الذهبي: فالمجمع عليه ظهر لكم هنا؟ نعم.
قال الذهبي: فالمجمع على صحته إذن المتصل السالم من الشذوذ والعلة.
ما معنى هذا الكلام؟ ليش قال المجمع عليه؟ لأن الفقهاء الذين يشترطون الشذوذ ونفي العلة إذا جاهم حديث ليس فيه شذوذ ولا علة يقبلونه ولا ما يقبلونه؟ يقبلونه، إذن الصحيح المجمع على صحته لم يقل المجمع على اشتراطه، قال المجمع على صحته إذن المتصل السالم من الشذوذ والعلة.
لأناني أنا لماذا قلت لكم هذا؟ لأني رايت بعض المعلقين يقول اخطا الامام هذا ليس مجمعا على صحته خالف الفقهاء وكان المخالفة سابقة، لو انه يعني نظر الى الكلام السابق لعرف ان هناك يعني يعني خلاف، فالمجمع على صحته معناه الذي يقبله الجميع، لكن هناك ما يقبله الفقهاء ولا يقبله المحدثون.
قال: وأن يكون رواته ذوي ضبط وعدالة.
إذن هذا مجمع على صحته، لابد أن يكونوا ضابطين عادلين من أهل العدالة، ثم قال: وعدم تدليس.
طبعاً كلمة عدم تدليس هذه من زيادات الذهبي لم يذكرها شيخه ابن دقيق العيد، تلاحظون في النسخة التي أمامكم على الشاشة أهل هذه الطبعة وضعوا كلمة زاي أو حرف زاي معناه زيادات.
لماذا زاد الذهبي وعدم تدليس عن حديث المدلس إذا صرح بالتحديث وكان ثقة؟ لأن هناك من أهل العلم من ردوا حديث المدلس إذا ثبت عنه مطلقاً حتى لو صرح بالتحديث ففيه خلاف، لكن الذي استقر عليه كلام الجمهور أن المدلس الثقة إذا روى الحديث بالتحديث أن حديثه مقبول.
ثم قال هنا لما ذكر المجمع على صحته جاء بأمثلة على المجمع على صحته فقال: فأعلى مراتب المجمع عليه مالك عن نافع عن ابن عمر وهذه تسمى السلسلة الذهبية، مالك بن أنس إمام دار الهجرة المشهور، ونافع مولى ابن عمر رضي الله عنهما.
ثم قال هنا: أو منصور عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله.
قبلها حرف زاي والذي بعده كله من زيادات الذهبي رحمه الله عليه، ابن دقيق العيد ذكر أسانيد أخرى غير هذه لكن هذه التي يذكرها الذهبي أشهر مما ذكره ابن دقيق العيد، مالك عن نافع عن ابن عمر هذا سند مدني كله، منصور عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله، منصور بن المعتمر إمام أهل الكوفة فقيه من الفقهاء الكبار جداً، وإبراهيم بن يزيد النخعي، وعلقمة هو ابن قيس النخعي أخص تلاميذ عبد الله بن مسعود، عبد الله وعبد الله بن مسعود هذا اسناد كوفي، وعبد الله بن مسعود هو الذي أنشأ مدرسة الكوفة التي امتدادها أو امتدادها مدرسة الحنفية.
هذا السند منصور عن إبراهيم هو أصح سند لهذا لأحاديث عبد الله، طبعاً إبراهيم هو أكثر من يروي عن عبد الله بن مسعود، إبراهيم عن علقمة عن عبد الله، لكن الرواة عن إبراهيم أكثر من منصور، هناك شخص آخر أحد منكم يعرفه؟ منصور هو أوثق الناس في إبراهيم ولا يقدم عليه أحد، لكن هناك شخص يروي عن إبراهيم وهو الأعمش سليمان بن مهران توفي سنة 148 وأحاديثه في السنن وفي الصحيحين كثيرة جداً بهذا السند، ربما نجد في الصحيحين يعني فوق الـ 50 أو ربما أكثر من ذلك، بينما حديث منصور عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله ليست كثيرة، لا أدري في العشرة أكثر بقليل أو حول هذا العدد، لكن منصور أوثق من الأعمش يقدم على الأعمش.
طيب لماذا الأعمش كثرت أحاديثه في الكتب الستة دون منصور؟ ربما لأجل سنة الوفاة، الأعمش ثقة جبل لا إشكال في صحته، ولذلك قال بعض أهل العلم بأن أصح الأسانيد عن عبد الله بن مسعود الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله بن مسعود، لكن الذي عليه الأكثر أن منصور أوثق من الأعمش.
طيب لماذا أحاديث الأعمش في الصحيحين وبهذا السند أكثر من أحاديث منصور؟ لأن الأعمش تاخر في الوفاة، أنا أقوله أظن هذا، وأيضاً الأعمش أكثر حديثاً، فالأعمش توفي سنة 148 بينما توفي منصور بن المعتمر سنة 132، طيب 16 سنة ما معناه؟ معناه أن طلاب الحديث الذين فاتهم منصور ما أدركوه سيدركون الأعمش وبالتالي يكثر الرواية عن الأعمش.
نعم، ومن الأسانيد أيضاً المجمع على صحتها نعم لا لا كلاهما من أهل الكوفة، أظنه عامر الشعبي الذي قال ذلك أظنه والله أعلم.
والسند الذي بعده الذي ذكره الحافظ الذهبي: الزهري عن سالم عن أبيه، سالم من؟ سالم بن عبد الله بن عمر.
لاحظوا أن قبل ذلك هناك مالك عن نافع عن ابن عمر وهذا الزهري عن سالم عن ابن عمر، مالك ما أدرك سالماً، وسالم يقولون أوثق من نافع يقدم على نافع ومنهم من يقدم نافعاً على سالم.
نعم الأعمش ومنصور نعم نعم كلاهما تابعي وكلاهما ثقة جبل لا يرد حديث أحد منهما، لكن إذا رجحنا جينا نرجح فنرجح منصور على الأعمش نعم، أكثر إتقان منصور أكثر إتقان.
قلنا الزهري عن سالم عن أبيه، وسالم سالم بن عبد الله وهو من التابعين الكبار المتألهين، كان عبد الله بن عمر يقول يلومونني في حب سالم ابنه، وتعلمون أن عبد الله بن عمر له مكانة جليلة في الإسلام، حتى إن أباه عمر بن الخطاب الملهم المحدث كان يقول لأهل الشورى: ادخلوا عبد الله واستشيروه.
وليس له شيء في هذا الأمر.
هو لا يكون خليفة، لكن أستشيره ثقة، عمر في ابنه عبد الله بن عمر، يعني تدل على ماذا؟ على جلالة عبد الله بن عمر. وعبد الله بن عمر يقول عن ابنه سالم: تلوموني في حب سالم؟ يعني يحبه، طبعاً عنده بنين آخرين يعني، لكنه كان الناس يعلمونه يعني؛ كيف تقدم سالماً على هذا وهذا؟ وكيف تظهر المحبة؟ فهو يقول: يلومونني في حب سالم، يستغفر ويقول بيت شعر نسيته. وسالم كان متألهاً وكان حافظاً، ولذلك حفظ عن أبيه الكثير جداً.
وهناك قصة جميلة ربما نتحدث بها المجلس: جاء أحد خلفاء بني أمية -نسيت من هو وفي أي زمن هو؟ إما سليمان بن عبد الملك أو الذي قبله-، وتعلَمون أن ابن عمر وآل عمر أخوال لعمر بن عبد العزيز، يعني أم عمر بن عبد العزيز بنت لابنه عاصم بن عمر بن الخطاب، فجده من أمه عاصم بن عمر بن الخطاب. فلما جاء الخليفة، جاء الناس ودخلوا في المجلس، وكل يسلم على الخليفة، فدخل سالم رضي الله عنه وكان رث الهيئة زاهداً. فلما دخل قام له الخليفة واستقبله عند الباب وجاء به وأجلسه بجانبه، وعمر بن عبد العزيز هناك في طرف المجلس. فقال رجل في جانب عمر بن عبد العزيز: أما وجد خالك غير هذه الثياب؟ يأتي الخليفة بهذه الثياب؟ ما وجد خالك غير هذه الثياب؟ فجاءه الرد المسكت الذي يحسب في الردود المسكتة، قال: والله ما رأيت ثيابه أنزلتْه في منزلتِك، ولا رأيت ثيابك أنزلتْك في منزلته. يرد عليه يقول: ثيابك ما نفعتك، ما ودتك هناك، ولا ثيابه أنزلته في مكانك هذا. سالم فيقولون إن كثيراً من الأئمة أن حديث الزهري عن سالم عن أبيه من أصح الأسانيد المجمع عليها، وأيضاً من الأسانيد المجمع عليها: أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة، وهذه نسخة شهيرة أخرج بها البخاري الكثير من الأحاديث وأخرج بها مسلم كثيراً من الأحاديث. أبو الزناد عبد الله بن ذكوان رضي الله عنه والأعرج عبد الرحمن بن هرمز، كلهم من أئمة أهل المدينة، وأبو هريرة مشهور.
طبعاً هناك أسانيد أخرى، نعم الزهري قديم، الزهري أدرك سالماً، مالك ما أدرك سالماً، لو أدرك مالك سالماً لكانت سلسلة مالك عن سالم عن أبيه أقوى السلاسل. ولذلك هم يقولون في سلسلة مالك عن نافع عن ابن عمر أنها السلسلة الذهبية، طبعاً ممن يصححها ويقول هي أصح الأسانيد البخاري رحمه الله عليه. المقصود أن الأحاديث التي تأتي بهذه السلسلة أنها أحاديث قوية، وقد يكون بعض السلاسل الأخرى أقوى منها إذا تظافرت مع أحاديث أخرى، يعني هذا من حيث ثقة الرجال لا من حيث المتون. يعني أقرب لكم المسألة: يعني حديث يرويه مالك عن نافع عن ابن عمر هذا يعتبر من أصح الصحيح، لكن لو جاءنا أحاديث أخرى عن الزهري عن سالم عن أبيه، وعن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة، كلها بمعنىً مختلف عن ذلك -يعني ذلك حديث وهذه أحاديث- لكانت هذه الأحاديث المتظافرة أقل صحة من الآخر الذي بعده.
طيب وهذه السلسلة الذهبية، من الناس من زاد فيها اللي هي مالك عن نافع عن ابن عمر، يقول السيوطي في ألفيته: فمالك عن نافع عن سيده. سيده من هو؟ ابن عمر، لأن نافعاً مولى ابن عمر. فمالك عن نافع عن سيده، وزاد الشافعي فأحمد، يعني رواية الشافعي عن مالك ورواية أحمد عن الشافعي، هذه سلسلة في غاية الجمال: أحمد عن الشافعي عن مالك، ثلاثة من أئمة الفقه والحديث في نفس الوقت، عن نافع عن ابن عمر. وهذه السلسلة لا يوجد فيها منها إلا حديث واحد أو خمسة أحاديث جمعها الإمام أحمد في مكان واحد، وأما عن الشافعي عن مالك يوجد منها الكثير، وعن مالك عن نافع عن ابن عمر أيضاً يوجد منها الكثير ربما تسعون أو نحو ذلك. قال الذهبي: ثم بعده، يعني بعد هذا هذه السلاسل التي ذكرتها في الصحة، هناك تأتي سلاسل أخرى أيضاً صحيحة مجمع على صحتها، منها: معمر عن همام عن أبي هريرة. معمر بن راشد الصنعاني هذا كان بصرياً وذهب إلى صنعاء، وهذا يبدو أنه داب أهل اليمن جزاهم الله خيراً، إذا أرادوا نشر العلم مسكوا العالم وزوجوه، فزوجوه هناك في اليمن، فبقي هناك ونشر العلم.
معمر عن همام، همام بن منبه من التابعين المشهورين، وهذه نسخة أيضاً نسخة شهيرة عن أبي هريرة وهي نسخة صحيحة ومنها الكثير في الصحيحين وفي مسند أحمد. أو ابن أبي عروبة عن قتاده عن أنس، أيضاً هذه من الأحاديث الشهيرة، أبو عروبة سعيد بن أبي عروبة مشهور، وقتادة قتادة بن دعامة السدوسي، وأنس أنس بن مالك. هذا الحديث أو ابن أبي عروبة عن قتاده عن أنس هذا إسناد بصري، إسناد أهل البصرة، أنس سكن أغلب حياته في البصرة وتلاميذه كثيرون في البصرة من أشهرهم قتادة. وابن أبي عروبة من أشهر من روى عن قتادة، لأن علم قتادة أكثره عند ابن أبي عروبة هو أكثر رواية من غيره، وإن كان من الناس من يقدم شعبة عليه، شعبة بن الحجاج أبو بسطام إمام العلل في زمنه، هو الذي علم الناس البحث عن الرجال والعلل وتوسع في ذلك، فهو يروي عن قتادة شعبة بن الحجاج، يعني يحفظوا هذا الاسم.
أيضاً من الأسانيد: ابن جريج عن عطاء عن جابر، ابن جريج هذا إسناد مكي، ابن جريج عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج رحمه الله عليه توفي سنة خمسين ومائة، عن عطاء عطاء بن أبي رباح الحبشي، عن جابر جابر بن عبد الله رضي الله عنه. عطاء بن أبي رباح من أئمة التابعين الكبار المشهورين، كان يقال في زمن بني أمية: لا يفتي في الحج إلا عطاء بن أبي رباح، وكان يعني رغم علمه وكذا الله سبحانه وتعالى يعني أعطاه وأخذ منه، كان أعور، كان أسود، أطس، أشل، أعرج، شوفوا هذه كلها كانت فيه، لكن كان إماماً، لذلك يقول البدوي إن شاء الله أن أذكر أبياته: والحبشي ابن أبي رباح مولاهم المشهور بالصلاح أشل، أعور، أسود، أشل، أطس...
هذا لما جاء سليمان بن عبد الملك يريد أن يسأل سؤالاً، تعلمون يفترض الخليفة لما يأتي إلى أحد أن هذا الأحد يعني يعطي الخليفة مقامه أو ينتبه له، وهذا دابنا نحن، لا يمكن إلا أن نفعل ذلك، لكن هذا الرجل ما كان عنده الدنيا ليست في قلبه أبداً، لما جاء الخليفة فإذا هو مثل الناس عنده، لا فرق بينه وبين غيره. فكان الخليفة ينتظر منه أن يقدمه وأن يهتم به، ويقول ما سؤالك؟ ويقوم له كأنه لم يأته خليفة، يجيب هذا ويجيب هذا، ثم التفت: ماذا عندك؟ فسأله فأجابه، وكان معه ولداه، ثم لما أدبر قال لولديه: تعلما العلم، فوالله لا أنسى ذلي أمام هذا العبد الأطس، يقول: هذا الذل الذي حصل لي لا أنساه، والسبب عدم العلم، فتعلما العلم فإنه يزينك. وله عبارة جميلة، هذا هو عطاء الذي في هذا السند. ابن جريج إمام أهل مكة، والامام الثاني لأهل مكة ابن عيينة، وعنهما أخذ الشافعي رحمه الله عليه، طبعاً الشافعي أخذ -لا أدري هل أدرك ابن جريج أو لا؟- لكنه أدرك سفيان بن عيينة بلا شك، وأدرك مسلم بن خالد الزنجي، الزنجي من فقهاء مكة وهذا من فقهاء مكة أيضاً الكبار، عن عطاء عن جابر، قال وأمثاله.
ثم بعده في المرتبه -الآن نزل مرتبة في الصحيح، كل هؤلاء من أرباب الصحيح المتفق عليهم، لكن الناس درجات- الليث وزهير، وطبعاً الليث أوثق من زهير بكثير، عن أبي الزبير محمد بن مسلم بن تدرس عن جابر، وهذا من أفراد أبي الزبير، من أفراد مسلم، البخاري لم يخرج لأبي الزبير احتجاجاً، ربما استشهد به، أو سماك عن عكرمة عن ابن عباس، وأيضاً سماك لم يخرج له البخاري، لكنه ممن اتفق الناس على يعني صحة حديثه، لكن البخاري كان شرطه يعني صعباً، فكان يتحاشى سماكاً. وأيضاً رواية سماك عن عكرمة ربما تكلم فيها بعض الناس. وأبو بكر بن عياش -أنا ما شيخنا لا تجيب يا شيخنا، أنا سأسألهم عن أبي بكر بن عياش، أحد منكم يعرف أبو بكر بن عياش؟ لاني ذكرت الشيخ، أكيد بتروحون للقراء، هو القارئ المشهور مع حفص، وهو من أهل الحديث الكبار، وكان داب المحدثين أو أهل الحديث من طلبه العلم أنهم يزعجون المشايخ-.
أنا لا أريد أن يذهب الوقت دون أن أنتبه، مضت ساعة ولا بقي خمس دقائق؟ بقي نكمل هذا قليلاً. أبو بكر بن عياش كان من الناس العالي إسناداً، عالي الإسناد مع تأخره في الوفاة، فكان الطلاب يعني يكثرون يعني المجيء إليه مثل غيره من الناس العاليين في الإسناد، فإذا جاءنا شخص عالي الإسناد وتاخر في الوفاة تكون الرحلة له من كل مكان ويجتمع الناس بالألوف، تخيلوا بعض المجالس يزيد بن هارون مجلسه كان فيه سبعون ألفاً، سبعون ألفاً! هذا لا يوجد في هذا العصر في محاضرة، نعم يوجد في الكرة، ممكن يوجد في الملاعب أو في بعض المغنين الذين يأتون إلى ساحات كبيرة تجد فيهم يمكن هذا العدد، وانظر إلى الفرق بين العصور، هذا العصر وتلك العصور.
وسفيان بن عيينة كانوا يزدحمون على بابه ولا يكاد يخرج من بيته حتى إنه يرقى إلى السطح خوفاً منهم، وكان الفضيل بن عياض يقول: والله إن الباب ليطرق فيأخذني البول فرقاً من أهل الحديث! مزعجون، يطلبون الحديث طلباً حثيثاً ولا يتركون الناس يعني يعني يأخذون راحتهم نوعاً ما. عفان بن مسلم الصفار شيخ الإمام أحمد، وأبو نعيم الفضل بن دكين -الذي ذكرت لكم أنه قطع زره شيخ الإمام أحمد- هذان الرجلان أوردهم بعض من ألف في الضعفاء، في الضعفاء مع أنهم ثقات من كبار الثقات، لما؟ لأنهم كانوا يأخذون مالاً على التحديث. لما يأخذون مالاً على التحديث؟ لأن أهل الحديث لا يتركونهم يكتسبون. فأبو بكر بن عياش من ضمن هؤلاء، يقولون إنه أخذ -أعزكم الله والملائكة- كلباً ووضعه عند الباب، كلباً ضارياً حتى يبعد الناس عنه ثلاثة أيام، والشخص والشيخ ما شاء الله مرتاح، بعد ثلاثة أيام وجد أن أهل الحديث يطرقون عليه الباب، ففتح الباب فإذا جمهور أو جماعة من أهل الحديث، من طلاب الحديث طلاب العلم، ها أخرج رأسه يبحث عن الكلب فإذا الكلب ميت! ماذا فعل هؤلاء؟ سموه! أعطوه السم حتى مات! فقال: مات الذي كان يأامر بالمعروف وينهى عن المنكر! هذا أبو بكر بن عياش رحمه الله عليه. يروي عن أبي إسحاق السبيعي، هذا من التابعين الأجلاء الذين يدور عليهم الأسانيد، كما قال علي بن المديني: يدور الإسناد على ستة نفر، وذكر منهم هذا الرجل، وذكر منهم عمرو بن دينار من أهل مكة، وقتادة بن دعامة السدوسي من أهل البصرة عن البراء. ثم ذكر: أو العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة، هذا أيضاً من الأحاديث التي تفرد بها مسلم، من الأسانيد التي تفرد بها مسلم، وأظن العلاء حديثه أقوى من حديث، وحديث أبي بكر بن عياش أقوى من حديث السماك عن عكرمة.
نعم، إذا وصلنا إلى الحديث الحسن، وهذا نرجئه إلى الدرس القادم إن شاء الله، نسأل الله سبحانه وتعالى أن ينفعنا بما علمنا وأن يعلمنا ما ينفعنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
د. سعيد المري