الله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الانبياء والمرسلين، سيدنا محمد، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد، فهذا الدرس العاشر والأخير في هذه الدورة المباركة في شرح موقظة الحافظ الذهبي رحمه الله عليه في علوم الحديث. وصلنا إلى قوله: وممن يعد من الحفاظ في الطبقة الثالثة عدد من الصحابة.
ذكر طبقتين، يعني الطبقات هنا على معنى الدرجات في القوة. قال: في الطبقة الثالثة عدد من الصحابة وخلق من التابعين وتابعيهم وهلم جرا إلى اليوم. فأخذ يمثل بأتباع التابعين أو صغار أتباع التابعين، فمثل يحيى القطان، يقال فيه إمام، وحجة، وثبت، وجهبذ، وثقة ثقة.
تعرفون يحيى القطان، يحيى بن سعيد، هذا تلميذ عبد الرحمن بن مهدي، هذا تلميذ مالك بن أنس، وهو نظير عبد الرحمن بن مهدي. هذان الرجلان هما من أعلم الناس بالحديث في زمنهما، كلاهما توفي سنة 198 تقريبا في هذا الحدود، وكلاهما تلميذ لمالك، وهما أوثق من روى عن مالك بن أنس.
عبد الرحمن، من الناس من يقدم عبد الرحمن على يحيى، ومنهم من يقدم يحيى على عبد الرحمن، وشيخهما أيضا في الحديث شعبه بن الحجاج صاحب العلل، وهو أول من استفاض أو توسع في علم الرجال وعلم العلل، وقد تخرج على يديه وعلى يدي مالك أيضا. ومن شيوخه الكبار سفيان الثوري وهو من أعظم شيوخه، و يعني بين سفيان الثوري ويحيى القطان مساجلات.
يحيى القطان يققال عنه، لا أدري أما الأحول أو الأعور، أظنه الأحول، فأحيانا يختلف سفيان الثوري مع غيره أو شعبة مع غيره فيقولون: الحكم بيننا الأحول الذي هو يحيى القطان هذا.
ومره في بداية معرفة سفيان الثوري ليحيى القطان، كان سفيان الثوري مختبئا في مكة من المهدي، كان يطلبه ويريد قتله وكان يختبئ بسبب من الأسباب، يعني كان يطلبه لسبب من الأسباب، يعني غيض ربما فقط غضب لأنه أراده على القضاء وأراده في المجلس، فكان يتفلت منهم سفيان الثوري.
يعني مرة أدخلهم مجلسه وقال يعني انصح، يعني ماذا تريدنا أن نَفْعَل؟ فإما قال له: أحسن فيما عندك أولا حتى أنصحك فيما ليس عندك، يعني ما ليس، ما لم تفعله، افعل ما، أحسن ما هو تحت يديك، أو نحو هذا الكلام.
ثم فكان يعني صعبا عند الحكام، يعني كان غليظا عليهم، ما كان يعني، يعني ماذا نقول، يجامل أو يداهن، وحتى إنه مره من المرات أُدخل عليه فاعتذر بالماء، يعني بالذهاب للحاجة فقال: البول البول، خرج ثم لم يعد، فهنا غضب غضبا شديدا.
الشاهد أنه رجع إلى الكوفة أو البصرة في بيت وسكن فيه، وقال: آتوا لي بمن أذاكره، أريد شخصا. سفيان من الناس الذين يقولون إنه يذهب عقله في المذاكرة، من حب المذاكرة مع الناس يكاد عقله يذهب، يبحث عن من يحفظ الحديث حتى يذاكره، ولذلك كان هو من أحفظ الناس، فتي له بيحيى القطان هذا.
ربما هذه كانت أول معرفته مع أن يحيى القطان من تلاميذه النجباء المشهورين، فلما تذاكر وطالت المذاكرة ربما إلى الصباح، فلما خرج يحيى قال: قلت لكم آتوني بإنسان، فأتيتموني بشيطان. هذا يعني من قوته وحفظه، هذا ليس إنسانا عاديا.
فيحيى القطان من العلماء الكبار، إذا كان عبد الرحمن بن مهدي نظيره والناس منهم يفضل يحيى القطان عليه ومنهم من يفضل عبد الرحمن بن المهدي على يحيى القطان. إذا كان عبد الرحمن بن مهدي يقول عنه علي بن المديني -ومن هو علي بن المديني؟ إمام في العلل لا يباريه أحد- يقول: لو حلفت بين الركن والمقام أنه لا يوجد أعلم بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم من عبد الرحمن بن مهدي ما حنثت، يعني كنت بارا.
وعلي بن المديني هو الذي يقول في البخاري: ما استصغرت نفسي عند أحد، ما استصغرت عند علي بن المديني. يقول: أنا عند علي بن المديني صغير. هذا من يقوله؟ البخاري. وعلي بن المديني يقول عن عبد الرحمن ذلك الكلام، والناس بعضهم يفضل يحيى القطان على عبد الرحمن.
فمن هو يحيى القطان؟ ينبغي أن يعرف عند كل المسلمين أن هناك جهابذة، هناك قادة للأمة، أناس حفظوا عليهم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم. هؤلاء الأئمة لا يمكن أن يكذب عندهم أحد، لا يمكن أن يفوت عليهم حديث. ولذلك الذين يقولون الأحاديث فيها الموضوع، لا، لا.
لما سئل عبد الله بن المبارك يقولون إن الزنادقه وضعوا أربعة آلاف حديث، قال: يعيش لها الجهابذه. يعني هناك حراس للأمة، حراس لحديث رسول الله عليه الصلاة والسلام. الدارقطني يقف في بغداد ويقول: اتحداكم يا أهل بغداد أن يكذب أحد منكم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا من يستطيع الكذب وأنا موجود؟ لا يستطيعون. هؤلاء حفاظ الإسلام.
نرجع إلى كلام ابن الذهبي رحمه الله عليه قال: فمثل يحيى القطان يققال فيه: إمام، حجة، ثبت، جهبذ، ثقة ثقة، ثم ثقة حافظ، ثم ثقة متقن، ثم ثقة عارف، وحافظ، صدوق، ونحو ذلك من العبارات. هذه العبارات متقاربة، إلا أنها يمكن أن يكون فيها اختلافات بسيطة.
فهؤلاء الحفاظ، نرجع لكلمة ثقة حافظ، وثقة متقن. قد يققال طبعا ثقة حافظ -مر معنا أن الحافظ هو الذي له معرفة وكثرة رواية- فكونه ثقة معناه أنه مقبول الحديث، وكونه حافظ معناه أن عنده معرفة كبيرة بالحديث، عنده حفظ.
أما ثقة متقن، فقد لا يكون عنده الكثير من الحديث، عنده قليل لكنه متقن لذلك القليل. فمثلا الفضل بن دكين أحاديثه ليست كثيرة، أبو نعيم، لا أدري هل هي ألف أو نحوها، لكنه متقن، ربما لم يستطيعوا أن يمسكوا عليه خطأ، هذا يققال له متقن، ثقة متقن.
وهو الذي ذكرت لكم أن يحيى بن معين اختبره مع الإمام أحمد في ثلاثين حديثا، وجعل كل عاشر منها ليس من حديثه، فكان يتفطن لذلك.
وأما ثقة حافظ، فهو يجمع بين، يعني الاصابة والاتقان، يجمع مع ذلك المعرفة والحفظ وكثرة الرواية. ثم قال: ثقة عارف. عارف أيضا ربما يكون عارفا بالأحاديث وبصحتها وسقمها، لكنه ليس مكثرا من حيث الرواية، وهذا تصعب، عارف ينبغي أن يكون مكثرا أيضا.
وحافظ صدوق، هذا حافظ من الحفاظ لكنه أقل درجة ممن يققال فيه حافظ ثقة أو ثقة حافظ ونحو ذلك من العبارات. فهؤلاء الحفاظ، وأحيانا يقولون للحافظ مثل يحيى القطان ربما قالوا فيه حافظ صدوق، لأن كلمة صدوق تنطبق على المنزلة العالية وعلى المنزلة الوسطى، لكن ثقة تنطبق على المنزلة الأعلى، فيمكن أن يقال في الوسطى صدوق ولا يققال فيه ثقة، ويمكن أن يقال في العليا صدوق وثقة، يعني هي تنطبق ولا عكس.
نعم، فهؤلاء الحفاظ الثقات إذا انفرد الرجل منهم من التابعين -وهذا من أهم الأمور التي ينبغي التنبه لها، وقد نبهت عليها في درس سابق- إذا انفرد الرجل منهم من التابعين فحديثه صحيح. هؤلاء الطبقة العليا، إذا كان تابعيا حديثه صحيح ولو كان منفردا، إلا إذا كان مخالفا، مخالفا لغيره من الثقات الكبار أو مخالفا لأصول الإسلام، وهذا يبعد وجوده، يعني هو نظريا يمكن أن يرد، لكن عمليا هل يوجد هذا؟ الله أعلم.
وإن كان من الأتباع مثل من الأتباع؟ مالك بن أنس، شعبة بن الحجاج، أبو بطان العتكي، سفيان بن سعيد الثوري، سفيان بن عيينة الهلالي، وأمثال هؤلاء من الثقات الكبار، هؤلاء أتباع التابعين. فاذا كان من الأتباع قيل: صحيح غريب عجيب.
هؤلاء الثقات الكبار يقال عن حديثهم صحيح غريب. لماذا يقال غريب؟ يعني كأنهم يقولون: أين، يعني قرناؤه، لما لم يرووا هذا الحديث معه؟ لأنه في مج- في، في عهد صغار التابعين أصبح هناك أناس يسمون أهل الحديث، مجالس أهل الحديث، تبلور الحديث، تبلورت مجالسه من عهد الزهري فمن بعده صار هناك مجالس وصار هناك رحلات. ثم لما جاء عهد مالك وأمثاله اتسع الأمر وصارت الرحلة يعني من كل البلدان الإسلامية إلى مالك بن أنس وإلى سفيان بن عيينة وأمثالهم، فيصبح مجلس الواحد منهم فيه آلاف الناس. ولذلك قال: وإن كان من الأتباع قيل: صحيح غريب. هو صحيح لكنه غريب.
بمعنى، يعني ليست، ليست كلمة غريب، ماذا أقول، ليست مكروهه بل محببه، هو صحيح لكنه غريب نادر، واضح.
وإن كان من أصحاب الأتباع، يعني من تبع أتباع التابعين، مثل من؟ تبع أتباع التابعين: يحيى القطان، عبد الرحمن بن مهدي، وكيع بن الجراح، وأمثالهم من تلاميذ مالك بن أنس. وإن كان من أصحاب الأتباع قيل: غريب فرد عجيب.
غريب فرد يعني يمكن أن يتوقف في مثل هؤلاء ولا يصحح، لأنه من الصعوبة بمكان أن يتفردوا، لأن الوقت خلاص، عهد مجلس مالك وهو من أتباع التابعين كان يغص بالناس. مجلس، الليث بن سعد الفهمي المصري كان يغص بالناس، بل كان يمكن الحاضرين من كتابة بعد ما يقرأه عليهم يعطيهم الكتاب يعني اكتبوا منه ما سمعتم.
فالتفرد عن هذه الطبقة فيه صعوبة، ولذلك قال: يققال عنه غريب فرد، لكن لم يتجرأ على القول بأنه ضعيف لأنه أحيانا يكون صحيحا. قال: ويندر ماذا تفردهم؟ تفرد هؤلاء نادر جدا، قال: فتجد الإمام منهم عنده مائة ألف حديث لا يكاد ينفرد بحديثين أو ثلاث.
ثم قال: ومن كان بعدهم؟ من هم الذين بعدهم؟ طبقة شيوخ الشيخين غالب، طبقة شيوخ الشيخين يعني من شيوخ الشيخين، قد يكون فيهم تبع أتبع التابعين وهم صغار، لكن غالب شيوخ الشيخين هم في الطبقة التي تلي تبع أتبع التابعين، مثل التبوذكي ومثل أبو نعيم الفضل بن دكين وأمثالهم من هؤلاء الرتب، وإن كان أبو نعيم قديم نوعا ما، لكن من صغار القدماء.
ومن كان بعدهم فأين ما ينفرد به؟ يعني يعني أمثال طبقة شيوخ الشيخين العامة قال: ما علمته. يقول: ما علمت هذا التفرد، وقد يوجد. يعني جعل هناك، يعني نا وقد يوجد لكنه يكون، ما معنى قوله: ومن كان بعدهم فأين ما ينفرد به والذي قبله؟
فتجد الإمام لا يكاد ينفرد بحديثين أو ثلاث. هذا الانفراد معناه انفراد صحيح، انتبهوا! أما الانفرادات الخاطئة فهذه كثيرة، لكن قصده في قوله: ينفرد بحديثين أو ثلاث من هذه الطبقة.
وأما من بعدهم فما علمته، وقد يوجد، يقصد الصحيح من التفرد واضح. وأما أن نجد تفردات، يعني يمكن أن تكون خاطئة فهذا كثير، ويكون السبب في من بعدهم في من روى عنهم، أو يكونوا قد أخطأوا هم، لأن تفرد مثل هذه الطبقات غالبا ما تكون خطأ. ولذلك كان الأئمة الكبار -أنا ذكرت لكم مرة الدارمي رحمه الله عليه، عبد الرحمن عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي صاحب السنن، أنه سئل: ما الحديث الذي استغربه منك أهل بغداد؟ فقال: حديث كذا وكذا.
ذكر ذلك الترمذي في آخر العلل، سأله هو الترمذي اللي سأله فقال: أنكروا علي حديث كذا وكذا. مع أنه متثبت من روايته، ومع هذا التثبت من روايته وأنه حديث غريب بالنسبة له، قد يكون منقبة، إلا أنه لم يرده في السنن، تتحاشاه.
ومالك ومن هو هو مالك؟ لما سألوه عن حديث المغفر استغرب كل من جاء من الغرباء يسألون عن هذا الحديث، فقال: ما خطبهم؟ قالوا: إنه لا يوجد إلا عندك. قال: لو علمت ما رويته. مع أن مالكا يعني في طبقة متقدمة وحديثه هذا في الصحيحين، يعني متفق على صحته.
فالشاهد أن الذهبي هنا أعطانا أن التفرد طبقة، التفرد لها كبير، طبقة التفرد كلما تأخرت الطبقة كلما كانها أضعف للتفرد، وسيأتي هنا هو الآن يتكلم عن الحفاظ، طبقة الحفاظ. الآن سيأتينا عن من هم أقل منهم في الحفظ وسيسمي في الطبقات نفسها، فاستمعوا.
ثم ننتقل إلى اليقظ الثقة المتوسط المعرفة والطلب. ذاك كان عالي المعرفة والطلب، هذا متوسط المعرفة والطلب، فهو الذي يطلق عليه أنه ثقة، وهم جمهور رجال الصحيحين.
ثم قال: فتابعي إذا انفرد، لماذا هنا فراغ؟ ماذا قال هنا تحت مكان النقط؟ كلمة يظهر أنها: وتابعييهم، وهذه صورتها، إذا انفرد خرج حديثه ذلك في الصحاح.
كأن التابعي حديثه صحيح، لكنه قال: خرج في الصحاح، كأنه يقول: هو يخرج في الصحاح، هل هو صحيح دائما؟ ربما يكون فيه شيء، ولذلك قال: وقد يتوقف كثير من النقاد في اطلاق الغرابه مع الصحه في حديث اتباع الثقات، يقصد أتباع التابعين الثقات اللي هم في مرتبة مالك بن أنس، ألم يقل فيهم صحيح غريب؟ هذا يقول: يتوقفون في اطلاق الغرابه مع الصحه.
وقد يوجد بعض ذلك في الصحاح دون بعض. هنا الذهبي يتكلم عن درجة الراوي وعن الطبقة، تفرد حسب الدرجة وحسب الطبقة، ولذلك قال: وقد يوجد بعض ذلك في الصحيح دون بعض. هذه بسبب القرائن، يعني أحيانا بعض القرائن تجعل الناقد يصحح لهذا التفرد، وأحيانا لا يستطيع تصحيحه ويرده.
وهذه القرائن ذكرت لكم أنا في حلقة ماضية أو في درس ماض أن القرائن التي تحف بالتفرد خمسة أنواع أو خمس قرائن، منها طبقة التفرد وهي التي يتكلم عنها الذهبي، ومنها درجة المتفرد وتكلم عنها الذهبي، ومنها درجة المتفرد عنه وهذه لم يذكرها الذهبي وهي معلومة عنده قطعا، لكن أحيانا لا يستحضر الإنسان وهو يكتب بعض التفاصيل، وربما هو تبع فيها ابن دقيق العيد، لكن أنا كنت أظن أن هذا الكلام كلام الذهبي.
منها قلت: المتفرد عنه، ما منزلته؟ إذا كان هذا من له أصحاب كثيرون فيكون التفرد عنه صعبا، وإذا كان أصحابه قليلين أو كان هو نفسه يعني ليس من المبرزين في العلم الذين يطلب عندهم الحديث فيمكن.
فرد عنه، فالتفرد عنه أيضاً له أثر في التفرد. والمسألة الأخرى: الحديث المتفرد به. المتن إذا كان مهماً في الأحكام فيصعب التفرد به، لأن دائماً الفقهاء يبحثون عن مسائل الأحكام.
ولذلك حديث سعيد سيف بن سعد، أو سعيد بن سيف الذي يرويه في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بالشاهد واليمين عن عمرو بن دينار عن ابن عباس، توقف فيه كثير من النقاد؛ منهم البخاري وابن معين، وقدحوا في هذا الحديث، والشافعي والنسائي صححوا هذا الحديث، فكان الحديث متجاذباً.
قضى بالشاهد واليمين؛ مثل هذا المتن تحكم به في الأموال وتحكم به في أشياء كثيرة، والله سبحانه وتعالى يقول في الآية: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: 282]، هذا كأنه في ظاهره أتى بشيء زائد على القرآن؛ يمين شاهد مع يمين صاحب الحق، فأقام يمين صاحب الحق مقام الشاهد الثاني، فتوقف فيه كثير من النقاد، وصاروا يبحثون عن علة له؛ منهم البخاري ومنهم ابن معين كما ذكرت لكم.
فهذه التفرد أيضاً ترتبط بالمتن بأهمية المتن، بينما يأتيهم متن آخر يعني سائغ أمره، وأما في الفضائل، أو أن له نظائر في الأحكام، فيمشي.
الإسناد الإسناد له أهمية كبيرة، فبعض الأسانيد لا يمكن التفرد بها، يعني إذا تفرد بها شخص ربما يتهمونه لنظافة الإسناد، أو لندرة الإسناد، أو نحو هذا، فهي خمس أشياء تتعلق بالتفرد.
وهناك سادس، وهو رواية وهي التي ذكرتها في رسالة الدكتوراه، وهي رواية الحديث من طريق مشهور خلافاً من طريق مشهور كان الأحق أن يشتهر به ذلك الغريب أو ذلك الفرد؛ يعني أنت عندك تفرد، تفرد به زيد من الناس وهو ثقة، لكن عندك حديث آخر عن رجل أقل قدر ومنزلة من هذا الثقة الذي تفرد في ذلك، ناقداً علة في هذا، فيتوقف في التفرد.
الشاهد أن التفرد الذهبي هنا ذكر مما يؤثر عليه الطبقة والمتفرد نفسه، وهناك أشياء أخرى، ولذلك كان يقول: وقد يوجد بعض ذلك في الصحاح دون بعض، لكنه لم يفصل لماذا يوجد هذا، لأنه هناك قرائن أخرى تجعل الأئمة إما يقبلون هذا التفرد أو لا يقبلونه.
وأما كثير من المعاصرين الذين لم يتوغلوا في علم الحديث أو في علم العلل، أحياناً لا يدركون لماذا الناقد هنا في هذا الحديث بهذا السند رده، وفي المكان الفلاني قبله، يتعجبون من هذا، طيب هذا الناقد هو يعرف أن هذا السند هو نفس ذلك السند، لكنه هنا له اعتبارات معينة رعاها، وهناك اعتبارات معينة رعاها، بل نجد بعضهم يقول معقباّ على الناقد لما يقول الناقد مثلاً: تفرد به فلان، على وجه النقد وعلى وجه الرد، هو يقول: تفرد في هذا الحديث فلان، يقوله من منطلق التشكك في الحديث، فيأتي معاصر ويقول: لكنه ثقة فهو صحيح.
طيب هذا التعقيب على الناقد هل هو مقبول؟ يعني الناقد منعنى عرفت أنه ثقة من الناقد، فكأنك تخبره بشيء هو عنده هو يعرفه، ولذلك الحديث ومعرفة الصحيح من السقيم معرفة العلل معرفة دقائقه أمر دقيق في غاية الدقة، يحتاج إلى أهل معرفة وخبرة طويلة جداً.
ولذلك كان النقاد في العصر المتقدم في عصر أحمد وأمثاله معدودين على الأصابع، في عهد ابن مهدي اثنين ثلاثة، في عهد أحمد خمسة ستة، في عهد البخاري تسعة عشر، ومن بعدهم قلوا ثم قلوا، ثم في عهدنا مئات أهل النقد، مئات وهم ليسوا حفاظاً، أولئك يحفظون عجائب، بعضهم يحفظ ألف ألف حديث، يقول أبو زرعة عن الإام أحمد: كان يحفظ ألف ألف حديث، قال: كيف علمت؟ قال: ذكرته الأبواب، معناه هو يحفظ ألف ألف.
ونحن كم نحفظ؟ ولذلك لما سئل أحمد عن بعض الأسئلة: هل يفتي من يحفظ مئة ألف حديث؟ قال: لا. مئتان؟ قال: لا. قالوا: ثلاثمائة؟ قال: أرجو. الآن كم واحد يفتي الآن؟ كم يحفظ؟
طبعا الـ مئة ألف حديث هذه ليس معناها مئة ألف متن، يقصد مئة ألف طريق، لأن المتن الواحد قد يكون له ثلاثون طريقاً، وقد يكون له أكثر أو أقل، فكل هذا يسمونه أهل الحديث حديثاً، كل طريق يسمى حديثاً.
نعم، نعود إلى كلام الذهبي: وقد يوجد بعض ذلك في الصحيح دون بعض، وقد يسمي جماعة من الحفاظ الحديث الذي ينفرد به مثل هشيم وحفص بن غياث منكراّ. هشيم وحفص بن غياث من شيوخ يعني بعضهم من شيوخ الشيخين، حفص بن غياث أظنه شيخ شيخ الشيخين، يعني الشيخان يرويان عن عمر بن حفص عنه، وهشيم أيضاً يرويان عنه بواسطة وإن كان صغاراً، ومع ذلك مثل هؤلاء لأنهم منزلتهم ليسوا في الطبقة العليا من الثقة، وهم ثقات جبال، وقد يتفرد الواحد منهم ويقبل تفردهم.
وذكرت لكم بالامس أو قبله أن رجلاً، وهو علي بن المديني، ذهب إلى حفص بن غياث وأخذ حديثه كله، فلما رجع لقيه ابن أبي خدويه فقال: سمعت حديثه كله؟ قال: نعم. قال: هل سمعت أن النبي صلى الله عليه وسلم ضحى بكبش يأكل في سواد ويمشي في سواد؟ قال: لا. قال: أسخن الله عينك، ماذا كنت تصنع؟ ارجع. رجع إليه وأخذ عنه الحديث. هذا الحديث تفرد به حفص بن غياث وهو صحيح، يصحح العلماء مع تفرده به.
لكن بعض تفردات يقولون منكر، مثل تفرده بحديث عبيد الله بن عبد الله بن العمري عن نافع عن ابن عمر أنهم كانوا يأكلون وهم يمشون على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، ويشربون وهم يشربون وهم يمشون، ويأكلون وهم يمشون وهم وقوف، فانكروه على حفص بن غياث، وقالوا: نعس حفص، نعس! ما بقي إمام ما أنكره، أنكره أحمد، وأنكره علي بن المديني، وأنكره أبو حاتم الرازي والبخاري وكل النقاد.
فيأتي متأخر معاصر يقول: أنا لا أفهم هذا الإنكار، هذا الحديث صحيح، عبيد الله ثقة وحفص ثقة وفلان ثقة والحديث صحيح، وأنتم لا عبرة بقولكم هذا صحيح، كل هؤلاء النقاد لا عبرة بقولهم! يا رجل افهم ماذا قالوا.
وكان السبب يعني يحتاج إلى شرح حقيقة، فالشاهد أنهم يقبلون لحفص أحاديث في الصحيح متفرد بها، ومع ذلك يردون بعض تفردات، معناه أن نظرتهم في التفرد ليست واحدة، على حسب القرائن، وحسب الحديث، وحسب الإسناد.
طيب ثم قال: وقد يسمي جماعة من الحفاظ الحديث الذي ينفرد به شوف وقد، يعني ليس دائماً مثله شيء من و حفص بن غياث منكراً. فان كان المنفرد من طبقة مشيخة الأئمه، يعني شيوخ الشيخين، أطلقوا النكارة على من تفرد به؛ مثل من؟ مثل عثمان بن أبي شيبة وأبي سلمة التبوذكي وموسى بن إسماعيل وقالوا: هذا منكر، يعني شيوخ الشيخين الذين هم غالب شيوخ الشيخين، انفراده يعتبر منكراً، يعني هذا في الغالب، وقد يصح منهم شيء، هذه من عندي، وقد يصح منهم شيء ممكن تدونها.
فإن روى أحاديث من الأفراد المنكرة، يعني إن أكثر من رواية الأفراد المنكرة مثل هذه الطبقه، غمضوا ولينوا حديثه وتوقفوا في توثيقه. المنكرة يعني الأحاديث المردودة بينة الخطأ، فإنه الثقة الفاهم العارف لا يأتي بالحديث المنكر، وإنما يأتي بالحديث المنكر الذي فيه شيء من الضعف، فإن كثر منه المنكر ربما تركوه، ربما ضعفوه مرة واحدة.
قال: وتوقفوا في توثيقه، فإن رجع عنها وامتنع من روايتها وجوز على نفسه الوهم أو الوَهْم فهو خير له.
وتذكرون القصة التي ذكرتها عن أبي داود الطيالسي، فلما قالوا: هذا ليس من حديثك هذا حديث شبابه، تذكرون هذا البارحه ذكرته ما أسرع ما نسيتم البارحة ولا أول البارحة! قال: دعوه إذاً، دعوه إذاً ما هو من حديثي دعوه. وكان الدارقطني يقول: هذه قصة مهولة في أبي داود، كيف هو يروي هذه الرواية وهي خطأ أصلاً من شبابه؟
قال: فإن رجع وجوز على نفسه الوهم فهو خير له وأرجح لعدالته. من الذي يسلم من ذلك؟ غير المعصوم الذي لا يقر على خطأ، يقول: كل الثقات معرضون للخطأ وللوهم.
قال: فصل: الثقة من وثقه كثير ولم يضعف قوله. من وثقه أكثر الناس ولم يضعفه أحد، فهذا مرتبه عالية، ودونه في الرتبه من لم يوثق ولا ضعف، هذا دون ذلك، لكن بينهما أيضاً درجات، من وثقه واحد أو اثنين هذا أعلى من من لم يوثق.
فإن خرج حديثه في هذا في الصحيحين هذا الذي لم يوثق، إن خرج حديثه في الصحيحين فهو موثق بذلك، وإن لم نجد نصاً على توثيقه، وهناك عدد من رجال الصحيحين لا يوجد فيهم توثيق، ومن أجل ذلك نجد أن ابن القطان الفاسي، وهو من أهل المغرب توفي سنة ستمئة وعشرين، نظير نظير ابن الصلاح، ابن الصلاح من أهل المشرق وهذا من أهل المغرب، نجده كل رجل في الصحيحين لم يوثق يضعفه، ويقول: مجهول الحال. ولذلك تعقبه كثير من العلماء؛ منهم الذهبي.
قال: وإن صحح له مثل الترمذي وابن خزيمة فجيد أيضاً، يعني إذا وجدنا هذا الرجل الذي لم يوثق لكن وجدنا تصحيح للترمذي معناه كأنه توثيق له هذا جيد.
وإن صحح له كالدارقطني والحاكم فأقل أحواله حسن حديثه. طبعا ليسوا على رتبه واحدة، الدارقطني أعلى رتبه من الحاكم، والحاكم قد يصحح أحاديث لا تصح، وله في المستدرك أشياء من هذا القبيل، وقد تعقبه الذهبي نفسه، لكن هذا من حيث العموم إن كان مصححاً له تصحيحاً جازماً به وندرك أنه يعني قد جمع لهذا التصحيح معرفته، كما يفعل في المعرفة لا في المستدرك، فتلك الاماكن نعم في المعرفة معرفة علوم الحديث تصحيحات الحاكم قوية وتوثيقهم للرجال قوية، لكن في المستدرك فيها ضعف كثير، الذهبي يريد أن يقول: إذا لم نجد التوثيق الصريح في الرجل فيكفينا تصحيح هؤلاء الأئمة هذا مقصوده.
وقد اشتهر عند طوائف من المتأخرين إطلاق اسم الثقة على من لم يجرح مع ارتفاع الجهالة عنه، وهذا يسمى مستوراً ويسمى محله الصدق ويقال فيه شيخ، يعني أن يقصد بالمتاخرين أظنهم من بعد الشيخين، ليس المتأخرين الذين في عصره، لا، المتأخرين بعد الثلاثمائة، كالدارقطني والحاكم وهؤلاء، يقول: إطلاق اسم الثقة على من لم يجرح شخص ليس مجروحاً وارتفع عنه اسم الجهالة برواية اثنين فأكثر يطلقون عليه ثقة، فكانه يقول: انتبهوا لهذا الإطلاق، ليس على ليس معتمداً عليه، وهذا يسمى مستوراً، ويسمى محله الصدق، ويقال فيه شيخ.
محله الصدق أعلى من هؤلاء؛ من مستور ومن شيخ.
وقولهم طبعا المجهول فيه كلام طويل في الحقيقة يحتاج إلى دورة، ولذلك لن أدخل فيه بشكل كبير، لكني ربما أشير إشارات إلى الأماكن المهمة. قوله مجهول، وقولهم مجهول لا يلزم منه جهالة عينه، فإن جهل عينه وحاله فأولى أن لا يحتجوا به. هناك يفرقون بين جهالة العين وجهالة الحال، والمصطلح في المصطلح أن جهالة العين من لم يرو عنه إلا واحد ولم يوثق، هذا يقولون مجهول العين، وهذا الاصطلاح أظنه من ابن الصلاح فمن دونه، يعني لم يكن معروفاً قبلهم.
ورايت كلاماً للخطيب البغدادي يقصد بجهالة العين عدم معرفة اسمه، إذا قيل فلان، إذا قيل مثلاً شيخ حدثنا شيخ أو حدثنا رجل، يسميه مجهول العين لأننا لم نعرف عينه، فإذا سمي قال: عرفت عينه باسمه، فهذا يختلف عن المصطلح الذي استقر عليه أهل الاصطلاح، أهل الاصطلاح ولو كان مسمى لكنه لا يروي عنه إلا واحد يسمونه مجهول العين.
وأما القدماء فلم يكن عندهم شيء اسمه مجهول العين، وإنما يقولون مجهول ويقصدون أنه لا يعرف حاله، يعني مجهول الحال، نعم.
وأما الذي لم يرو عنه إلا واحد لا يسمونه مجهول العين، وإنما يسمونه مجهول ويقصدون به جهالة حاله، فجهالة الحال عندهم برواية الواحد، وإذا روى عنهم اثنين فأكثر، فقسم كبير من النقاد يسمونه مرتفع الجهالة وهو المستور.
فالفرق عندهم بين المجهول والمستور أن المجهول هو الذي لم يرو عنه إلا واحد، هذا في الغالب، لأن بعضهم حتى الواحد هذا يقول إنه ليس بمجهول إذا كان هذا الواحد مهم الذي يروي عنه، وأحياناً يكون يروي عنه أكثر من واحد ويقولون عنه مجهول، لأن رواية الأكثر من واحد هذه لا تعطيه قيمة قوية بسبب أنهم ليسوا من الكبار، لكن الغالب من الأئمة يسمون من روى عنه اثنين فأكثر مستوراً، لا يسمونه مجهولاً، ويقول: هذا ارتفعت عنه الجهالة، وهذا كثير في كلامهم.
ومحمد بن يحيى الذهلي قد نقل عنه الخطيب البغدادي في كتابه أن من روى عنه اثنان معروفان بالعلم فقد ارتفع عنه اسم الجهالة، ما معنى ارتفع؟ لا يسمى مجهولاً.
بينما في المتأخرين يسمونه مجهولاً ما دام أنه لم يوثق. احتجوا بكلام للخطيب بعد هذا الكلام الذي نقله عن محمد بن يحيى الذهلي قال: لكن لا تثبت له العدالة، يقوله الخطيب، فاعتمدوا على هذه الكلمة وصار أنه ليس بعدل مهما كان.
لكني أزعم أن مذهب الأئمة الكبار ما دام هو ما ذكره ابن حبان لكن بقيود، أن الرجل قد ذكر هذا الدارقطني ونسبه إلى أئمة الحديث في كلام له: أن من روى عنه اثنان فقد ارتفع عنه اسم الجهالة، وأنه يعني معناه يحتج به، وهذا نجده في تطبيقات الصحيحين في أشياء كثيرة ما دام أنه لم يستنكر عليه حديث، وخصوصاً إذا كان عنده مجموعة أحاديث ولم يستنكرها أحد، فهذا عندهم ثقة ضمناً وإن لم يوثقوه، وهو المستور الذي يمكن أن يطلق عليه مستور.
نعم، هذا بس يعني تلميحات لما يمكن أن نتكلم فيه لو أقمنا دورة أخرى في.
المجهول قال: فإن جهل عينه ومقصوده، جهالة عينه لم يروا عنه إلا واحد وحاله، فأولى أن لا يحتج به. حاله لماذا قال حاله؟ إذا جهل عينه قد يوثق عندهم. جهالة عند المتأخرين هي من لم يرو عنه إلا واحد، ولكن يوجد من لم يرو عنه إلا واحد وهو موثق، وهذا دليل على أن تصنيفهم لجهالة.
وابن حبان بل وأحمد، وتطبيقات لأحمد كثيرة. يعني هذا صاحب حديث السفينة، تعرفون حديث السفينة الذي فيه الخلافة، كم قال؟ أربعين سنة أو ثلاثين سنة؟ نعم. ما أسمع؟ ثلاثين. نعم، هذا يرويه سعيد بن جهمان، وقال عنه بعض النقاد إنه مجهول، فقال أحمد: كيف مجهول وقد روى عنه فلان وفلان وفلان؟ وعدد خمسة، فكأنه رفع عنه الجهالة، وكأنه يقبل حديثه، وكان يغضب أشد الغضب إذا وجد أحدا يضعف هذا الحديث، مع أنه لم ير سعيد بن جهمان جمهان ولا جهمان لم يره الإام أحمد، وإنما يحتج برواية بعض العلماء عنه. فالذي المستقر عند المتأخرين أن سعيد بن جهمان ما دام أنه ليس فيه توثيق فهو مجهول، مجهول الحال. لكن ما يذكره الإمام أحمد وما يذكره، ولذلك هنا ستجد أنه يقول: الإمام أحمد يفعل ذلك، فكأنهم جعلوه اصطلاحا للإمام أحمد وأمثاله.
هنا يقول: كالنسائي وابن حبان ربما يأتيك أنه كأحمد أيضا. وينبوع معرفة الثقات: تاريخ البخاري يعني التاريخ الكبير، وابن أبي حاتم اللي هو الجرح والتعديل، وابن أبي حاتم، وابن حبان اللي هو كتاب الثقات، وكتاب تهذيب الكمال. هذه الكتب هي العمدة في معرفة الثقات، بل وفي معرفة الضعفاء دون كتاب ابن حبان الثقات، لأنها أصول. هذه الكتب وتهذيب الكمال طبعا هو في تراجم رجال الكتب الستة أو رواة الكتب الستة.
فصل: من أخرج له الشيخان أو أحدهما على قسمين: أحدهما ما احتجا به في الأصول، وثانيهما ما خرج له متابعة شهادة واعتبارا. فمن احتج به أو أحدهما ولم يوثق ولا غمز فهو ثقة، حديثه قوي. هو يقول: البخاري ومسلم فيهما رواة ليس فيهم توثيق، لكن البخاري احتج به يعني أورده على سبيل الاحتجاج في كتابه، كان يكون صدر الباب به أو نحو ذلك أو يتضح منه، وهناك من احتج به أو أحدهما وتكلم فيه، يعني الأول لم تكلم فيه، الثاني تكلم فيه. فتاره يكون الكلام فيه تعنتا والجمهور على توثيقه، فهذا حديثه قوي أيضا، وتاره يكون الكلام في تليينه وحفظه له اعتبار، فهذا حديثه لا ينحط عن مرتبة الحسن التي قد نسميها من أدنى مراتب الصحيح.
هذا من احتج به من أداة في الأصول أو في الاحتجاج، فما في الكتابين بحمد الله رجل احتج -شايفين احتج به- البخاري ولا مسلم في الأصول ورواياته ضعيفة، بل حسنة أو صحيحة. طبعا هناك بعض الرواة قد يكون فيهم أخذ وتجاذب، وحتى الناس الذين طعن فيهم في الصحيحين تجد أن الصحيحين أو صاحب الصحيح قد انتقيا من رواياتهم ما يصح، لأنهم عاينوا الأصول كما يقول الذهبي، ويعرفون شيوخهم.
يعني إسماعيل بن أبي أويس متكلم فيه، وهو شيخ البخاري وقد أكثر منه جدا، ولا شك أن البخاري لم يكثر منه إلا وقد خبر وعلم ما يصح من حديثه مما لم يصح، وهكذا محمد بن فليح وأمثالهم.
قال: ومن خرج له البخاري ومسلم في الشواهد والمتابعات ففيهم من في حفظه شيء وفي توثيقه تردد. طيب، كيف نعرف المتابعات والأصول؟ هذا من أصعب المواطن التي لا يمكن معرفتها إلا لمن له خبرة كبيرة، أو عن طريق نصوص الأئمة. يعني هناك أئمة ألفوا في ذلك، فيقولون في الرجال لما يذكرون الرجال: احتج به البخاري، أو يقول: ذكره في المتابعات، وهكذا تهذيب الكمال يفعل ذلك كثيرا، فنحن كصغار الطلبة لا ينبغي أن يكون اعتمادنا على أنفسنا في مثل هذا الباب، علينا أن نرجع إلى كلام الناس الحفاظ الذين يعني لهم دربة بالصحيحين ويعرفون من هو الذي أخرجوا له احتجاجا ومن الذي أخرج له اعتبارا.
أو يعني هناك بعض الأماكن واضحة، مثلا رجل لا يخرج عنه البخاري إلا مقرونا بغيره، يعني دائما يكون يقول: حدثنا فلان وفلان، فدائما يقرنه، نعرف وتجد صاحب تهذيب الكمال يقول: أخرج له مقرونا، يعني هذا لا يحتج به على وحده، لابد أن يكون معه أحد. وشخص آخر تجده يقرنه بطريقة أخرى، إذا أورد سنده يورد سندا معه، فلا يرد سند ذلك الرجل بعينه إلا ويورد سندا آخر معه، دلنا هذا على أنه لا يعتمد عليه لوحده، فهناك اعتبارات معينة.
وهناك من لم يورده إلا تعليقا، يعني بدون إسناد، فيذكر روايته دون أن يذكر الإسناد، يعني يقول: وقال عبد الله بن صالح كذا وكذا، ولم يذكر إسناده إليه مثلا، وعبد الله بن صالح من شيوخه لكن لا تجد يقول: حدثنا عبد الله بن صالح. فهنا كأنه يقول لك: إن هذا الرجل لا أحتج به وإنما أذكره استشهادا. التعليق دائما المعلقات يعتبرها الذهبي وغيره هي الشواهد هي الاستشهادات، أما المتابعات هي الأحاديث التي يسوقها، لكنه يسوقها ثانيا أو ثالثا بعد الحديث الأصلي. نعم، لكن معرفة ذلك يحتاج إلى أهل خبرة، فكل من خرج له في الصحيح فقد قفز القنطرة فلا يعدل عنه إلا ببرهان بين.
يعني من خرج له في الصحيح فهذا تجاوز القنطرة، قنطرة التضعيف مثلا. لكن يمكن أن يتكلم فيه، لكن ببينة ببرهان، ليس معنى هذا أنه قفز القنطرة يعني لا يمكن جرحه، يمكن للقدماء أو للنقاد أن يجرحوا أناسا في الصحيحين، فان كان جرحهم بينا وله ه إنه يقبل، لكن لا نضعف به الحديث الذي في الصحيحين، لأن الصحيح صاحب الصحيح يكون قد انتقى من حديثه وعنده خبره فيما يصح من حديثه وما لا يصح.
ثم هذه الدرجات أصلا من أين جاءت؟ من معرفة أحاديثه ما صحت وما لم يصح، فيقولون: فلان صدوق، لماذا يقولون واحد يقولون عنه ثقة والآخر يقولون عنه صدوق؟ لأن هذا الصدوق والذي لا باس به مسكوا عليه أخطاء، فهذه الأخطاء نزلت رتبته، من الذي مسك عليه الأخطاء؟ النقاد. فالبخاري من النقاد يعرف أخطاء فلان ويعرف ما أصاب فيه، فإذا أخرج لرجل قد جرح فاعلم أنه إنما أخرج ما أصاب فيه ذلك الرجل.
واضح؟ أما نحن فنحتاج إلى معرفة ونحتاج إلى تتبع ونحتاج إلى دربة ونحتاج لكومبيوتر أيضا، لأنه يمكن أن يعينا في حفظ العصر، نحن لا نحفظ، لكن هذه البرامج كأنها بمثابه الحفظ لكن تحتاج إلى فطن كيف يستخدمها وكيف يتتبع الروايات.
نعم لا إله إلا الله، مر معي عجيب لا أدري إن أتذكره هذه الأيام. مر معي حديث يرويه هقل بن زياد عن الأوزاعي عن أبي سلمة عن أبي هريرة في، اللهم صل على سيدنا محمد، في كتيب أو جزء للمخلل، واحد اسمه المخلدي، مخطوط، وأنا كلفْت بعض الطلاب بكتابته، فهذا الحديث لم يجده الطالب، كأنه تفرد به المخلدي، لكن سنده نظيف: هقل بن زياد ويروي الحديث عن أبي هريرة.
أنا الآن أحاول أتذكر مضمون الحديث، المهم من الحديث في معنى فيه كلمة تذكرت أنها في حديث لأبي هريرة في معنى آخر نفس الكلمة لكنه معنى مختلف، فرحت أذهب إلى ذلك الحديث الذي فيه تلك الكلمه فوجدت أن المعنى واللفظ مختلف، لكن الكلمة التي في ذلك الحديث هي في حديث أبي هريرة أيضا، وقد رواه هقل نفسه عن الأوزاعي عن أبي سلمة عن أبي هريرة، فعلمت أن الذي رواها عن هقل هناك عند المخلدي قد اختلط عليه حديث أبي هريرة هذا بحديث جابر، ذك الحديث الذي فيه تلك الكلمة هو حديث لجابر مشهور، فهو يذكر الكلمة وجاء استجلب حديث جابر هنا عن أبي هريرة فاختلط عليه هذا بهذا، وهذا إنما عرفته أنا بالكومبيوتر.
فاقول: استخدام الكومبيوتر إذا كان بفنه وببحث دقيق ربما هذا يقوم مقام الحفظ نوعا ما الذي كان عند النقاد. نعم، طيب، إلا ببرهان مبين.
نعم الصحيح مراتب، والثقات طبقات، فليس من وثق مطلقا كمن تكلم فيه مطلقا، يعني ليس فيه كلام كثقة الذي تكلم فيه، وليس من تكلم فيه سوء حفظه مع صدقه واجتهاده في الطلب كمن ضعفوه، يعني هذا تكلم فيه فقط لكنه ثقه بس تكلم في حفظه، يعني حفظه أقل. نعم، لكن ليس هذا كمن ضعفوه، يعني معناه أنه سيء الحفظ فهذا أعلى، ولا من ضعفوه ورووا له كمن تركوه.
فالناس سبقت، ولا من تركوه كمن اتهموه كذبوه، من تركوه قد يكون بعض الائمه يروي له ويرى أنه غير متروك، ولذلك من مذهب النسائي وغيره أنهم يخرجون عن كل من لم يجمع على ضعفه، ولو بعض الناس تركه، ولكن ما دام أن هناك من يقبله يخرجون له. هذا يقال إنه من مذهبهم.
ورواو له كمن تركوه، ولا من تركوه كمن اتهموه وكذبوه. فالترجيح يدخل عند تعارض الروايات، فإذا تعارضت الروايات ننظر ونرجح بحسب هذه الطبقات أو هذه الدرجات.
قال: وحصر الثقات في مصنف كالمتيقن جهولين مستحيل، يعني لا يمكن أن يأتي مصنف وتقول: إن هذا المصنف جمع لك جميع الثقات، فقد يوجد من الثقات من هو خارج ذلك المصنف. قال: وهكذا ضبط المجهولين مستحيل. لماذا؟ لأن الجهالة أحيانا تقع بسبب خلل من الناقل، فيغير اسم راو فيصبح مجهولا، ولا يمكن أن تجده في كتاب أو أن يحويه كتاب، فأما من ضعف أو قيل فيه أدنى شيء فهذا قد أُلفت فيه، يعني من سار فيه تضعيف، يعني هو كأنه يقول: المجهولين أنا ذكرتهم في كتابي، لكن ما لا يمكن استيعابهم كلهم هذا يستحيل.
وهكذا الثقات استيعابهم في كتاب واحد هذا كالمتعذر، فقد يوجد من الثقات من قيل فيه ثقه وعنده رواية واحدة أو لم يرو، حتى هؤلاء يعتبرون من الثقات. هو يقول: لكن من ضعف أو قيل فيه أدنى شيء، يعني تكلم فيه بأدنى كلام، فهذا قد ألفت فيه مختصرا سميته بالمغني، وبسطت فيه مؤلفا سميته بالميزان، ميزان الاعتدال.
وهذا من أعظم الكتب في ضعفاء الرجال ميزان الاعتدال في ضعفاء الرجال. هذه العبارة من الذهب، حددت لي أن الذهبي لم يؤلف هذا الكتاب وهو صغير. قلت لكم في بداية الموقظة أن الذهبي كان يختصر الكتب، وهذا في بداية طلبه، هذا الكتاب اختصره وليس هو في بداية طلبه، لأنه ذكر فيه الميزان، والميزان كان قد ألفه بعدما تضلع من العلم وبعدما أصبح ناقدا، وقد كانت عباراته هنا وتفريقه بين الطبقات تدل على أنهم إنما ألف هذا بعد أن تضلع في العلم. يعني كان هذا استشعره، لكني كنت أظن أن التلخيص دائما يكون في بداية الطلب، واستغرب كلامه هنا ليس مثل كلامه في بداية طلبه. فالآن هذا النص دلني على أن هذا الاختصار لم يكن في بداية الطلب.
نعم، ميزان الاعتدال سمى فيه رجالا وذكر فيه رجالا، بعضهم من الجبال، وذكرهم يذب عنهم. تعلمون اليوم، معانكم الله علينا، ربما نطيل الدرس حتى ننهي الكتاب، وصحيح أن الاستطرادات هي أحيانا تؤخر، لكن بعضها جيد.
ميزان الاعتدال أورد فيه الذهبي، أورد فيه علي بن المديني. تعرفون علي بن المديني الذي ذكرته قبل قليل، إمام العلل، الذي يقول البخاري فيه: ما رأيت نفسي عند أحد إلا استصغرته إلا عند علي بن المديني؟ كيف يريده في كتاب الضعفاء؟ الذهبي أورده ليذب عنه، وأنا سانقل لكم كلامه حتى تتعجبوا من.
نعم، في ميزان الاعتدال. نعم، أما أورده أو ذكره ذكرا، خلنا نشوف ميزان ل هنا فوق ميزان ميزان الاعتدال، هو كلام نفيس، ولذلك اريدكم تسمعونه، وجميل، والذهبي دائما عباراته رائعة، أنا أحفظ هذه الجمله ولذلك ساذهب إليها.
العقيلي، تعرفون العقيلي هو ذكره من النقاد. العقيلي له كتاب اسمه الضعفاء الكبير، أورد فيه علي بن المديني لأنه أجاب في المحنة، محنة القرآن، أجاب فيها علي بن المديني. لم يكن، الذين أجابوا في المحنة من أصحاب أحمد اثنان: علي بن المديني ويحيى بن معين، وهما نقاد كبار، وكانوا يقولون لأحمد: إننا لا نستطيع على العصا والسيف كما تستطيع أنت. ويقولون، يحتجون بقول الله تبارك وتعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: 106].
وكان الإمام احمد تجافى عنهم نوعا ما، لأنكم أنتم قادة الناس ينبغي عليكم أن تثبتوا، مع أنه يعلم أنه يجوز لهم ذلك، بل وقد وعظ أحمد بأن هذا يجوز لك، فما التفت إليه. وهذا من فقهه، لأنه يمكن لو فعل ذلك وفعله الآخر والآخر ربما ضر ذلك العامة، فلا بد من واحد أو من بعض من يقف لله سبحانه وتعالى في مثل هذه المواقف.
المهم، يقول هنا: أظنه أورد، نعم، هذا هو أورده. أنا لن أتي بالكلام كله لكن شوف هنا: قلت: قد كان ابن المديني خائفا متقيا في مسألة القرآن، مع أنه كان حريصا على إظهار الخبر. فقد قال أحمد بن أبي خيثمة إلى آخره، ثم قال: وقال أبو بكر الأثرم: قلت لأبي عبد الله إن ابن المديني حدث عن الوليد بن مسلم حديث عمر لما تل فاكه وأبا، فقال: ما الاب؟ ثم قال: لعمر الله هذا التكلف، أيها الناس ما بين لكم فاعملوا به، وما لم تعرفوه فكلوه إلى ربه. قال الأثرم: ذكرت لأبي عبد الله هذا، وأنه قال فكلوه، فكلوه إلى خالقه فكله أن يعني رواية كله، فقال: هذا كذب، وقد كتبناه عن الوليد إنما هو إلى.
روى المروزي عن أحمد هذا الحديث، وقال أحمد: هذا كذب؛ إنما هو كلوه إلى عالمه. وأخبار ابن المديني مستقصة في تاريخ بغداد، وقد بدت منه هفوة ثم تاب منها، والذهبي يقول: ابن المديني بد؛ لأن السلطان كان شديداً فكأنه أُهيم نوعاً ما. وهذا أبو عبد الله البخاري وناهيك به، قد شحن صحيحه بحديث علي بن المديني، يعني حديث علي بن المديني مملوء به صحيح البخاري، وقال: ما استصغرت نفسي بين يدي أحد إلا بين يدي علي بن المديني. ولو تركت حديث علي وصاحبه محمد -يعني البخاري هذا يقوله الذهبي وشيخه-، لو تركتُه وشيخه عبد الرزاق، وعثمان بن أبي شيبة، وإراهيم بن سعد، وعفان، وأبان العطار، وكل هؤلاء تكلم فيهم بكلام لا يضر، وإسرائيل، وأزهر السمان، وبهز بن أسد، وثابت البناني، وجرير بن عبد الحميد؛ لغُلِق الباب، وانقطع الخطاب، ولماتت الآثار، واستولت الزنادقة، ولخرج الدجال.
أفما لك عقل يا عقيلي؟ عقيلي هو الذي صاحب الضعفاء الكبير الذي أورد ابن المديني في كتابه. أفما لك عقل يا عقيلي؟ أتدري في من تتكلم؟ وإنما تتبعنا في ذكر هذا النمط لذب عنهم ونزيف ما قيل فيهم، كأنك لا تدري أن كل واحد من هؤلاء أوثق منك بطبقات، بل وأوثق من ثقات كثيرين لم تذدهم في كتابك، فهذا مما لا يرتاب فيه محدث. وانا أشتهي أن تعرفني من هو الثقة الثبت الذي ما غلط ولا انفرد بما لا يتابع عليه؟ بل الثقة الحافظ إذا انفرد بأحاديث كان أرفع له وأكمل لرتبته، وادل على اعتنائه بعلم الأثر وضبطه، إلى آخر كلامه.
فهنا يقول: وبسطت فيه مؤلفاً سميته بالميزان، وهذا المؤلف من أنفع المؤلفات، وفيها فيه كلام الذهبي عجيب في أماكن متعددة، وفيه قواعد ينبغي أن تجمع، أحياناً يوردها في أثناء الكتاب، وبعض كثير منها يوردها في صدر الكتاب، وبعضها في آخر الكتاب.
فصل: ومن الثقات الذين لم يخرج لهم في الصحيحين خلق، منهم من صحح لهم الترمذي وابن خزيمة، ثم من روى لهم النسائي وابن حبان وغيرهما، ممن لم يضعفه أحد، واحتج هؤلاء المصنفون برواياتهم يعتبرون من الثقات. وقد قيل في بعضهم: فلان ثقة، فلان صدوق، فلان لا باس به، فلان ليس به باس، فلان محله الصدق، فلان شيخ، فلان مستور، فلان روى عنه شعبة أو مالك أو يحيى بن سعيد، وأمثال ذلك، كفلان حسن الحديث، فلان صالح الحديث، فلان صدوق. يقول: يعني معرفة الثقات هناك عدد من الاعتبارات التي يمكن أن الشخص، ولو لم يجد فيها تصريحاً بالتوثيق، أن يتلمس توثيقهم من بعض القرائن.
نعم، فهذه العبارات كلها جيدة، ليست مضعفة لحال الشيخ، نعم ولا مرقية لحديثه إلى درجة الصحة الكاملة المتفق عليها، لكن كثير ممن ذكرنا متجاذبة. نعم، ليس بجرح مفسر ولا مفسد من كلام النسائي. قال: المثبت من ميم، وهو الأصل. قال: قولنا، وهو يفيد أن المقولة من كلام النسائي. وظن أن هذا خطأ؛ لأنني لم أوقف بعد تتبع على، لا، ليس من كلام النسائي، هذا من كلام الذهبي، ليس بمفسر، أو ليس بمفسر، يمكن ليس بالقوي، يمكن أن يدخل فيه الثقة ويمكن أن يدخل فيه الضعيف، ويمكن أن يدخل فيه الوسط؛ لأن كل من هؤلاء قد يعبر عنه بأنه ليس بالقوي، يقصد في الثقة الذي يقال فيه ليس بالقوي: يعني ليس بالقوي جداً من المرتفعين في الثقة، ويقال في من يقال فيه لا باس به أو صدوق ليس بالقوي: يعني ليس في مقام من يصحح له، ويقال للضعيف ليس بالقوي: يعني أنه ضعيف، فكلمة ليس بالقوي بحسب من تقال فيه. ولذلك النسائي قال في عدة: ليس بالقوي، ويخرج لهم في كتابه.
نعم، والكلام في الرواة يحتاج إلى ورع تام، وبراءة من الهوى والميل، وخبرة كاملة بالحديث وعلله ورجاله. ثم نحن نفتقر إلى تحرير عبارات التعديل والجرح وما بين ذلك من العبارات المتجاذبة، عبارات الجرح والتعديل هي جزء مهم في معرفة صحة الحديث وعدمه، لكنها ليست كل شيء، كما هو الحال الآن أصبحت هذه العبارات هي كل شيء في التصحيح والتضعيف، الحقيقة أن التصحيح والتضعيف لا يكفي فيه أن نعرف العبارات، هي جزء مهم، لكن هناك أشياء كثيرة، وقد ذكرنا لكم في التفرد الطبقة، والمتفرد عنه، والمتفرد، والحديث نفسه متنه، وأيضا السند نفسه، واعتبارات أخرى كلها تحتف بها الأحوال التي هي حول الحديث لكي نقول: هذا حديث صحيح أو ليس بصحيح، والعبارات التي في الجرح والتعديل وتهذيبها وهذا جزء أيضاً من الأجزاء المهمة في معرفة أحوال الأحاديث ودرجاتها.
ثم أهم من ذلك أن نعلم بالاستقراء التام عرف ذلك الإامام الجهبذ واصطلاحه ومقاصده بعباراته، أحياناً يكون لبعض الناس عبارات تخصه يتورع فيها أو متعود على قولها أو بسبب المقارنة باخرين، فكثيراً ما يقول البخاري: سكتوا عنهم، ذكرنا هذا لكم، وظهرها أنهم ما تعرضوا له بجرح ولا تعديل، يعني لما قال: سكتوا عنه، ظاهر العبارة أن ما حد تكلم فيه لا بجرح ولا بتعديل، وعلمنا معتقده أو مقصده بها بالاستقراء أنها بمعنى تركوه، البخاري إذا قال: سكتوا عنه، معناه تركوا هذا الرجل، معناه أنه ضعيف جداً.
وقد نوقش الذهبي أو غيره أو شيخه في هذا، وكان بعض الناس متوقف في ذلك، أو يقول أنها ليست دليلاً على الترك، لكن هذا الذهبي وهو من أهل الاستقراء يقوله، وكذا عادته إذا قال: فيه نظر، بمعنى أنه متهم أو ليس بثقة، فهو عنده أسوأ حالة من الضعيف. وذكرنا لكم أن البخاري يعني كلامه في الرجال ليس بالكثير مثل يحيى بن معين أو غيره، وكلامه دائماً فيه نوع من اللطافه أو التورع، وبالاستقراء أبو حاتم الرازي: ليس بالقوي، يريد بها أن هذا الشيخ لم يبلغ درجه القوي القوي الثبت، والبخاري قد يطلق على الشيخ: ليس بالقوي، ويريد أنه ضعيف، إذاً كلمة ليس بالقوي تحتمل أنه ضعيف، وتحتمل أنه ليس في الدرجه العليا من الثقة. ومن ثم قيل في حكام الجرح والتعديل، فيهم من نفسه حاد في الجرح، وفيهم من هو معتدل، وفيهم من هو متساهل؛ يعني حكام الجرح والتعديل أو النقاد فيهم المتشدد وفيهم المتساهل وفيهم المعتدل.
قال: فحاد فيهم يحيى بن سعيد القطان -يعني هذا متشدد-، وابن معين، وأبو حاتم الرازي، وابن خراش وغيره؛ يعني هؤلاء إذا وثقوا رجلاً فمعناها أنه عندهم في الدرجة العليا، خصوصاً يحيى القطان، وابن معين ربما أقل شدة منه، وكذا أبو حاتم. والمعتدل فيهم أحمد بن حنبل، والبخاري، وأبو زرعة، هؤلاء معتدلون، فيعطون الراوي درسته المناسبة. والحاكم والدارقطني في بعض الأوقات -يعني الدارقطني متساهل في بعض الأوقات هذا في التوثيق- معناه متساهلين في التوثيق، والبخاري وامثاله معتدلين في التوثيق، ومن قبلهم يحيى القطان وابن معين متشددين في التوثيق لا يوثقون كل أحد. وقد يكون نفس الإمام، لكن ابن حبان عنده هم المتشددين في التوثيق والتعديل أو معتدلين في التوثيق والتعديل، وفي التجريح والتعديل ابن حبان قد اخذ من المتساهلين صفة ومن المتشددين صفة، ففي التوثيق أو التعديل متساهل وفي الجرح متشدد، وقد ذكر ذلك الذهبي أظنه في الميزان أو في غيره، ويقول فيه: ابن حبان له عبارة، دعني ابحث في الميزان أيضاً، عبارة جميلة للذهبي في ابن حبان هنا، هذا هو الميزان، يعني ابحث عنهم، مقصود كلمة قصب أظن قصب.
أبان، له، هنا أوردها في الحاشية، ايش هذا؟ الميزان، ما اخترت الميزان، ميزان الاعتدال، نختاره هنا ونختار المتن فقط دون التعليقات والحواشي. نقول: يلا انظر، لا ما أوردها.
شوف هذا الرجل من هو؟ صالح أفلح بن سعيد صح إمام أفلح بن سعيد، يعني المعتمد توثيقه، هذه العبارة لما يكتب صح أمام الرجل معناها المعتمد توثيقه، يعني كأنك اختصرت عليك الجهد، وهذا من ميزات هذا الكتاب، قال: صدوق، روى عن عبد الله بن أبي رافع، وأم سلمة، ومحمد بن كعب، وعنه ابن المبارك، والعقدي، وعده والثقة ابن معين، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، وقال ابن حبان: يروي عن الثقات الموضوعات، شايفين المباينة؟ أحد يقول: ثقة، وأحد يقول: صالح، وهو يقول: يروي عن الثقات الموضوعات، يا رجل، شديد، لا يحل الاحتجاج به ولا الرواية عنه بحال، لا حول ولا قوة إلا بالله، ولذلك قال: قلت: ابن حبان ربما قصب الثقة حتى كأنه لا يدري ما يخرج من رأسه، يقول: ما يدري ايش اللي طلع، ابن حبان ربما قصب الثقة حتى كأنه لا يدري ما يخرج من رأسه، ثم إنه بين مستنده، فسق حديث عيسى، وذكر هذا الشاهد أنه في أماكن يقول لك: إن ابن حبان متشدد في الجرح، متساهل في التعديل، فيأتي إلى ثقات جبال ويجرح جرحاً شديداً، حتى ما يجرحهم جرحاً مقبولاً، يأتي بكلام عجيب، ويكون عنده في هذا دليل؛ لأنه يولد هذا في المجروحين، لكن الدليل ليس بقائم، ليس مقبولاً.
نرجع إلى كلام الذهبي هنا، فيقال: وقد يكون نفس الإمام فيما وافق مذهبه، أو في حال شيخه الطف منه فيما كان بخلاف ذلك، والعصمة للانبياء والصديقين وحكام القسط. هنا يقول: وقد يكون نفس الإمام ألطف منه في مكان آخر، أظنه قال: وقد يكون نفس العالم في شيخه ألطف منه في غيره، يعني هو شيخه ربما يمشيه، ويكون غيره من الناس يتكلمون فيه، فيقول: لا بد أن نراعي عند قبول الجرح والتعديل هذه الصفات، فإذا كان هناك محاباة أو عداوة أو تشدد يمكن أن لا نقبل ذلك الجرح وذلك التعديل، ولكن هذا الدين هنا عبارته قال: والعصمة لماذا للانبياء والصديقين حكام القسط، هذه العبارة قلقة صراحه، ونعلم أن الذهبي لا يقصد أن غير الأنبياء معصوم، فتخريج والله أعلم لهذه الكلمة أنه يقصد ما اجتمع عليه هؤلاء الناس؛ يعني إذا اجتمع الصديقون على كلام فهذا اجتماعهم يدل على أنه معصوم، وهكذا حكام القسط، يعني النقاد إذا اجتمعوا على توثيق راو أو على تضعيفه فلا بد أن يكون هذا صحيح، ربما هذا هو القصد، وليس قصده أن كل واحد منهم معصوم، وإنما جماعتهم إذا اجتمعوا على شيء فكلامهم يكون أقرب إلى العصمة، معصوماً.
ولكن هذا الدين مؤيد محفوظ من الله تعالى، لم يجمع علماؤه على ضلالة، يعني هذا يفسر لنا الكلام السابق، لا عمدا ولا خطأ، فلا يجتمع اثنان على توثيق ضعيف ولا على تضعيف ثقة، يقول: حتى اثنان لا يجتمعون على توثيق ضعيف ولا على تضعيف ثقة، وإنما يقع اختلاف عباراتهم في مراتب القوة أو مراتب الضعف، يعني هل يمكن لإمام جليلين أن يجتمع على تضعيف واحد ثقة؟ إذا قلنا إن واحداً منهم متحامل، ما حاله الثاني؟ واضح، وهكذا العكس، والحاكم منهم -شايفين يسمي الناقد أو الجارح حاكماً- والحاكم منهم يتكلم بحسب اجتهاده وقوه معارضه، فإن بدر خطاه في نقده فله أجر واحد، والله الموفق، وهذا فيما إذا تكلموا في نقد شيخ ووزنه في حفظه وغلطه.
فإن كان كلامهم فيه من جهة معتقده فهو على مراتب؛ هناك الكلام في جهة صدقه وحفظه، وهناك الكلام في جهة معتقده، وهذا كثير من الكلام يكون غير مقبول، فمنهم من بدعته غليظة، ومنهم من بدعته دون ذلك، ومنهم الداعي إلى بدعته، ومنهم الكاف -غير الداعي-، وما بين ذلك فهم مختلفون في طبقاتهم هؤلاء المبتدعة. فمتى جُمِع الغلظ والدعوة -متى كان المبتدع بدعته بدعته غليظة وداعية إلى بدعته- تجنب الأخذ منهم، فمثل عمرو بن عبيد بدعته غليظة بدعة الاعتزال، وكان داعية إلى بدعته، ولذلك تجنبه العلماء كلهم قاطبة بل كذبوه.
وهناك من بدعته غليظة أو فيها غلظ، لكنه صادق وغير داعية، فقبل حديثه، مثل عبد الوارث بن سعيد، وعبد الصمد بن عبد الوارث، وقتادة بن دعامة السدوسي، وأناس كثيرون في الصحيحين، ما تخلف أحد من الأخذ عنهم وهم من المبتدعة، وبدعته قد يكون فيها شيء من الغلظ على حسب يعني توغلهم فيها وعدم توغلهم. فمتى جمع الغلظ والدعوة تجنب الأخذ منه، ومتى جمع الخفة -بدعته خفيفة كالارجاء مثلاً-، والغلظة كالاختزال وكالقدر، ومتى جمع الخفة والكف -بدعته خفيفة وهو كاف غير داعية- أخذوا عنه وقبلوه.
فالغلظ كغلاة الخوارج والجهمية والرافضة، والرافضة هنا درجات، ليس مقصوده بالرافضة الكامل وأنه محرف، هذا الكلام لا، هذا مما علم من الدين بالضرورة ولا يقوله إلا كافر، كلها أقوال كفرية. نعم، أين وصلنا؟ فالغلظ كغلاة الخوارج والجهمية والرافضة، والخفة كالتشيع والإرجاء، التشيع تعرفون التشيع ما هو المقصود هنا من يقول لي؟ نعم تقديم علي على عثمان، هذا تشيع عنده، وإذا تكلم في معاويه ربما يعني يكون جلدا في التشيع أو محترقا في التشيع هكذا يقولون.
وأما من استحل الكذب نصرا لرأيه كالخطابية فبالأولى رد حديثه، هؤلاء الخطابية ليسوا من أهل الحديث حتى نقول هذا الكلام، هذه مسألة نظرية؛ لأن الشافعي رحمه الله عليه قال: اقبلوا شهادة كل أهل الأهواء إلا الخطابية من الرافضة، لأن الخطابية اتباع أبي الخطاب، ما اسمه؟ محمد بن أبي الأجدع، هذا كان في البداية يعني تلميذاً لجعفر الصادق ويدعو لجعفر الصادق وثم جعله نبيا وإلها وتبرأ.
جعفر الصادق ثم دعا لنفسه وأصبح هو الإله، وعندهم عجائب، هؤلاء ليسوا أهل الحديث أصلاً حتى نقول حديثهم. ماذا يعني لا نقبل حديثهم؟ أصلاً لا يحدثون، نعم، يمكن أن يقول أحد منهم حديثاً لكن بدون إسناد، ويكذب على النبي صلى الله عليه وسلم، فالأحاديث التي بدون إسناد هذه غير مقبولة أصلاً، ولا يعتمد عليها. ولا أدري هل منهم أحد ما زال، لأنهم اندثروا، هذه الفرقة اندثرت منذ قديم، وأظن أن بعض الأئمة أو بعض الحكام هو من قضى عليهم، قضى على بقيتهم من تلاميذ أبي الخطاب هذا.
قال شيخنا ابن وهب: العقائد أوجبت تكفير البعض للبعض أو التبديع، وأوجبت العصبية، ونشأ من ذلك الطعن بالتكفير والتبديع، وهو كثير؛ أن أحياناً يكون هناك تكفير وتبديع من أجل الاختلاف في العقائد، ويكون ذلك غير صواب، وهو كثير في الطبقة المتوسطة من المتقدمين. والذي تقرر عندنا أنه لا تعتبر المذاهب في الرواية، أن العمدة في الرواية على الصدق وعلى الثقة وعلى الضبط، ولذلك نجد في الصحيحين نجد فيهم بعض الخوارج، عمران بن حطان من الخوارج وهو في صحيح البخاري، يعقوب الرواجني من الرافضة وهو في صحيح البخاري، ونجد من القدرية في صحيح البخاري، فكان العمدة عندهم على صدق الراوي وعلى صحة حديثه لا على معتقده. هذا الذي جرى عليه أهل الحديث، لكن هناك من أئمة أهل الحديث من امتنع من رواية الرواية عن المبتدعة إخمالاً لذكرهم، لأنه يجد روايتهم عند غيرهم، لكن لو لم نجدها إلا عندهم وهم أهل صدق فينبغي أن نترك روايتهم، ونحن نقصد بهم أهل الرواية القدماء.
قال: ولا نكفر أحداً من أهل القبلة إلا بإنكار متواتر من الشريعة، فإذا اعتقدنا ذلك وانضم إليه الورع والضبط والتقوى فقد حصل معتمد الرواية. وهذا مذهب الشافعي رضي الله عنه، حيث يقول: أقبل شهادة أهل الأهواء إلا الخطابية من الروافض. قال شيخنا: وهل تقبل رواية المبتدع فيما يؤيد به مذهبه؟ فمن رأى رد الشهادة بالتهم لم يقبل؛ هناك من الأئمة من يرد رواية المبتدع إذا كانت تؤيد روايته، والذي عليه أهل الحديث أنها مقبولة؛ لأننا إذا اعتمدنا ثقته وأمانته فينبغي قبول روايته، سواء أيدت بدعته أم لا. وقد روى قتادة بن دعامة السدوسي أحاديث تؤيد بدعته وأحاديث تعارض بدعته، وهذا دليل على صدقه. ومن كان داعية متجاهراً ببدعته فليترك إهانة له وإخماداً لذكره، اللهم إلا أن يكون عنده أثر تفرد به فنقدم سماعه منه.
وينبغي أن نتفق قد حال الجارح مع من تكلم فيه باعتبار الأهواء، فإن لاحظت انحراف الجارح ووجدت توثيق المجروح من جهة أخرى فلا تحفل بالمنحرف؛ وجدنا جارحاً لكنه متحامل، ووجدنا توثيقاً للرجل من جهة أخرى فنقبل ذلك التوثيق ونرد كلام الجارح، فلا تحفل بالمنحرف وبغمض المبهم، وإن لم تجد توثيقاً للمغموص فتأنَّ وترفق، إذا لم نجد فيه إلا جرح هذا المنحرف فتأنَّ في حاله فقد يكون صواباً. نعم، من أمثال ذلك الجوزجاني في كتاب الشجرة أو أحوال الرجال، الجوزجاني يقولون فيه شيء من النصب، فما يترك كوفياً إلا وينزل فيه نزلة لأنه يعتبر أهل الكوفة شيعة، وهو يتهم بالنصب، فتكلم في كبار من أهل الكوفة، وكثير من كلامه يكون عن المعتقد، وأحياناً يقول كلمات غريبة عجيبة يقول: هذا قد فرغ الله منه، فرغ الله منهم، إيش هذا؟ إلى هذه الدرجة من الكلام الذي يمكن أن يحاسب عليه، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يعفو عنه وأن يغفر له.
قال شيخنا ابن وهب: ومن ذلك الاختلاف الواقع بين المتصوفة وأهل علم الظاهر، فقد وقع بينهم تنافر أوجب كلام بعضهم في بعض؛ كان أهل علم الظاهر الذين هم أهل الحديث والصوفية كأنهم أهل علم بباطن، فقد وقع بينهم تنافر، وأنا لا أدري ما دخل الصوفية هنا في الرواية. التكلم فيهم من أهل الحديث عامة هذا يتناول الاعتقاد ويتناول السلوك، لكن ما أدري ما دخله في الروايات، هل هناك من المتصوفه من يروون وردت روايتهم أو جرحهم أهل العلم بالحديث؟ أنا لا أدري عن هذا إلا من نُسب إلى التصوف وهو نسبته معناه الزهد والتصوف المحمود كما يقال، أو ربما قصد المتأخرين، لأن المتأخرين فيهم كثير من التصوف الذي قد يُشنع على أصحابه وهم أهل رواية. ولذلك الآن في الروايات من الغرائب والعجائب أن بعض مشايخنا يقول: أنا لا أروي إلا عن سلفي مثلاً، ولكنه لا بد بعد مرحلة من المراحل أن يقع في من هو متصوف ومعروف بتصوفه، وهذا في المتأخرين كثير من يكون عنده طريقة النقشبندية أو التيجانية أو غيرها من الطرق وهو في الأسانيد موجود، ولا يمكن أن أقول من المستبعد جداً حتى إن سُلِّم لك إلى الحافظ ابن حجر أو إلى من دونه لا يسلم بعد ذلك، فإذا كان هذا المقصود المتصوفة المتأخرون نعم.
قال: فقد وقع بينهم تنافر أوجب كلام بعضهم في بعض، وهذه غمرة لا يخلص منها إلا العالم الوافي بشواهد الشريعة، ولا يحصل ذلك في العلم بالفروع، فإن كثيراً من أحوال المحققين من الصوفية لا يفي بتمييز حقه من باطله علم الفروع، بل لا بد معه من معرفة القواعد الأصولية والتمييز بين الواجب والجائز والمستحيل عقلاً والمستحيل عادة. يقصد أن بعض الصوفية حالهم أحياناً قد يلتبس على بعض النقاد، ويظن أنه مثلاً من المبتدعة في الاعتقاد أو من المنحرفين في الاعتقاد، ولو كان عنده علم محيط بالأصول والفروع والتمييز بين الواجب وغيرها فتأنَّ في ذلك، إنه يغمز بعض المحدثين بالشدة على المتصوف وربما يقصده شيخ الإسلام ابن تيمية، لا أدري الله أعلم. وهو مقام خطر، إذ القادح في محق الصوفية داخل في حديث: «من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب»، والتارك لإنكار الباطل، هناك عند الصوفية أشياء باطلة، والتارك لإنكار الباطل مما سمعه من بعضهم تارك للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إذاً المسألة تحتاج إلى علم دقيق جداً.
ومن ذلك الكلام بسبب الجهل بمراتب العلوم فيحتاج إليه في المتأخرين أكثر، فقد انتشرت علوم للأوائل وفيها حق وباطل؛ حق كالحساب والهندسة والطب، وباطل كالقول في الطبيعيات وكثير من الإلهيات وأحكام النجوم، فيحتاج القادح أن يكون مميزاً بين الحق والباطل لئلا يكفر من ليس بكافر أو يقبل رواية الكافر، تلك العلوم لا بد من معرفة دقائقها وتعرف ما يكفر منها مما لا يكفر حتى لا تقع في تكفير مسلم أو قبول كافر، فيحتاج إلى سعة علم. ومنه الخلل الواقع بسبب عدم الورع والأخذ بالتوهم والقرائن التي قد تتخلف، أن بعض الأحيان يكون الجارح وهو يقصد المتأخرين قطعاً أنه قد يستعجل، وبسبب عدم ورعه وأخذه بالتهم وعدم الالتفات إلى القرائن الصادقة ينظر إلى القرائن المتوهمة مثلاً التي قد تتخلف، فيقع الخلل بهذا السبب، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث»، فلا بد من العلم والتقوى في الجرح، فلصعوبة اجتماع هذه الشرائط في المزكين عظم خطر الجرح والتعديل.
ماذا بقي؟ ما شاء الله هذا آخر ما عندنا. قال المؤتلف والمختلف، وهذا باب لم يطل الكلام فيه وهو موجود في كتب علوم الحديث، وقد توسع فيه كثير من الأئمة منهم، وأفضل كتاب في هذا الفن هو كتاب ابن ماكولا، الأمير، ما اسمه شيخنا عادل؟ رافع الارتياب في الكنى والألقاب. وهذا الفن ما معناه؟ هو فن يضبط أسماء الرجال، أي يضبط الشكل ويضبط الحروف؛ فأحياناً يلتبس ما فيه فاء بما فيه قاف، ويلتبس ما فيه باء بما فيه ياء، ويلتبس المصغر عن المكبر. فهذا ألف فيه علماء كثيرون، وهذا يدلنا على أن علم الحديث ليس علماً عادياً، هناك كثير من العلوم لخدمة هذا العلم، ومنها المؤتلف والمختلف وهو ما ائتلف في الخط واختلف في اللفظ، الخط واحد أو متقارب لكن اللفظ مختلف. قال: هو فن واسع مهم، وأهمه ما تكرر وكثر، وكثير منه يتكرر، فمثلاً سلام وسلام، كل ما فيه سلام فهو بالتشديد إلا أربعة رجال: فمحمد بن سلام البيكندي هذا فيه خلاف هل هو سلام ولا سلام وهو شيخ البخاري، عبد الله بن سلام الصحابي الذي كان يهودياً هو بالتخفيف، وابن أبي الحقيق بالتخفيف، ومحمد بن سلام البيكندي بالتخفيف في الأظهر، وهناك رابع، وبقية سلام كلها بالتشديد سلم، وهكذا يذكرون أشياء من هذا القبيل، وموجود في كتب المصطلح باب خاص بهذا، ومن العلماء من ألف فيه مؤلفاً.
فمن أوائل من ألف فيه الدارقطني المؤتلف والمختلف، فجاء تلميذه ابن ماكولا أو تلميذ تلميذه وألف كتاب رافع الارتياب الذي هو أعظم كتاب في هذا الباب، وجاء بعدهم الحافظ ابن ناصر الدين وألف كتاباً في ذلك، والذهبي أيضاً ألف الموضح، الذهبي اسمه الموضح كتابه التوضيح، وجاء الحافظ ابن حجر العسقلاني وألف، وهناك الكتب التي في المؤتلف والمختلف في الأنساب أيضاً، هذا فن واسع مهم جداً، وقد يندر فيه الأسماء، مثل ما إذا قال كاجمني وأبي اللحم، أبي اللحم تعرفونه هذا صحابي اسمه أبي اللحم من الصحابة، وله حديث واحد أو حديثين، وابن أتش الصنعاني، ومحمد بن عبادة الواسطي العجلي، ومحمد بن حبان الباهلي، يعني أكثر من اسمه هذا حبان، وهناك حبان بالفتح، وهذا حبان بالضم، وشعيب في هذا الفن، وبه نكون قد انتهينا من شرح هذا الكتاب المبارك للإمام الذهبي رحمه الله عليه.
نسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا لما يحبه ويرضاه، وأن يغفر لنا خطايانا ما قدمنا منها وما أخرنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. اللهم صل على سيدنا محمد في الأولين، وصل على سيدنا محمد في الآخرين، وصل على سيدنا محمد في الملأ الأعلى إلى يوم الدين. اللهم لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك ولعظيم سلطانك، الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، اللهم اغفر لنا ما قدمنا وما أخرنا وما أعلنا وما أسررنا وما أنت أعلم به منا، أنت المقدم وأنت المؤخر وأنت على كل شيء قدير.
اللهم إنا نسألك خشيتك في الغيب والشهادة، وكلمة الحق في الغضب والرضا، والقصد في الفقر والغنى. اللهم إنا نسألك نعيماً لا ينفذ وقرة عين لا تنقطع، ونسألك الرضا بعد القضاء، وبرد العيش بعد الموت، ولذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة. اللهم زينا بزينة الإيمان، واجعلنا هداة مهديين، لا ضالين ولا مضلين. اللهم اغفر لنا ولوالدينا ولمن له حق علينا ولمن وصانا واستوصى. اللهم وفق وانصر عبادك المجاهدين في سبيلك في فلسطين وفي غزة يا رب العالمين، اللهم وثبت إخواننا المجاهدين في سوريا ووفقهم وأعلِ شأنهم ووحد كلمتهم يا رب العالمين، واحمهم من عتاة هذا الزمن، يا حي يا قيوم إنك ولي ذلك والقادر عليه، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
د. سعيد المري