رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد، فهذا هو الدرس التاسع قبل الأخير لشرح موقظة الذهب في علوم الحديث. قال الإمام الذهبي: كنا وصلنا إلى آداب المحدث، انتهينا مما قبل ذلك، وكان آخرها «وأن ندر الغلط».
فمحض العناية به؛ حقيقة للأسف، المدارس، الجامعات الأكاديمية لا تعتني غالبا بهذا الفصل لأنه فيه يعني اشياء قد تكون ماذا نقول يعني امور يرونها أو من الناحية الأكاديمية ليست بذات أهمية في جوهر العلم، والحقيقه أن أهميتها كبيرة جدا؛ لأن طالب العلم ينبغي أن يتعلم الأدب قبل أن يتعلم العلم، والأدب مهم جدا.
يعني مثلاً: أنا أذكر لكم في كنت في جامعة من الجامعات، وهذا من الاستطرادات، طلاب كثيرين وأهل حديث، وكلنا أهل حديث، وكان أمامنا أحد الأساتذة وأمامه طاوله مثل هذه الطاولة الموجودة دائما على منصة المدرس أو الاستاذ وخلفه السبورة، فأراد أن يكتب على السبورة فقام وأزال الطاولة، ولما رفع الطاولة كانت الطاولة صغيرة خفيفه نوعا ما فيها مصحف، فسقط المصحف على الأرض وهو لم ينتبه.
فلما سقط المصحف على الأرض ارتاع الشيخ، فكانت ردة فعله ردة طبيعية؛ يعني ارتاع، فأخذ المصحف وقبله ووضعه على رأسه، وهذا أمر طبيعي جدا وجيد أنه فعله، لكن قامت عليه الدنيا؛ طلاب كلهم صرخوا أو معظمهم: بدعة! بدعة! بهذه الطريقه. فانا اقول يعني: لو كانوا تعلموا الادب هل كانوا سيقولون ذلك؟
وانا كنت متفوقا، كنت ماخذ الأول في الفصل، وكان عادة الاوائل يجعلونهم في الكرسي الاول هنا، ربما بعضكم يعرف اسلوب هذه الجامعه فعرف انا اتكلم عن أي جامعه. المهم أني حاولت المدرس أو الاستاذ انصدم برده فعل الطلاب فسكت، فانبريت أنا للدفاع عنه، قلت هذا، وصرت احتج -تعرف الشباب الحماس، الحماس عند الشباب- وصار هناك نقاش حاد، حتى إنني قلت لهم أن عليّ رضي الله عنه قد وضع المصحف على رأسه.
فقالوا: أين هذا؟ فقلت: أولا أجيبوني إذا أتيت بهذا الأثر أن عليّ وضع المصحف على رأسه هل سترجعون عن قولكم؟ فسكتوا، فقلت: إذا هذا هوى؛ لأنهم كانوا يعني يقلدون بعض أهل العلم في ذلك العصر أو في هذا العصر.
وهذا الأثر أورده صاحب المعرفة يعقوب بن سفيان الفسوي بسند صحيح كالشمس في رابعة النهار: أن عليا اخذ هذا المصحف ووضعه على رأسه، ويقول الراوي: فكاني باوراقه تقعقع على رأسه، قال: فقال: اللهم إنهم منعوني أن أن اعمل بما فيه، اللهم فابدلهم فابلي خيرا منهم وأبدلهم شرا مني، كان هذا دعاؤه رضي الله عنه.
الشاهد: الأدب؛ فكنا في ذلك الفصل بحاجة إلى أن نتأادب مع أهل العلم، إلى أن نتعلم الأدب، حتى إني من ضمن ما ذكرت لهم، ذكرت لهم يعني الأدب ليس هناك يعني قال جماعه من اهل العلم ومنهم صاحب تعظيم قدر الصلاة أبو نصر المروزي قال: إن الأدب لا حد له؛ يعني ليس بالضرورة أن يأتي له دليل، الأدب العام قال: هذا عثمان لا يغتسل إلا جالسا وليست هذه بسنة، ولم يعب عليه، وصار يعدد اشياء من الأدب، أن الأدب فضل.
أني خرجت عن نعم، فقلت إن الأدب لابد من تعلم الأدب، فكنا كان من نقاش مع الطلاب صارت يعني أيام ونحن نتناقش وصار هناك حاجه عجيبه جدا لو ذكرتها لكم لا هلا أذكر هؤلاء -خليني أذكر لكم بعض النقاشات- وراسلنا بعض العلماء الكبار في هذا الموضوع وجاءنا ردان مختلفان من عالمين كبيرين، أحدهما بدع التقبيل والآخر رجع عن قوله وكان يبدع لأجل الأدلة التي يعني استدللنا بها.
والحقيقة أنا الذي بعثت رسالتين على كل حال وأريتها الطلاب، فمن ضمن الاستدلالات أني قلت لهم: النبي صلى الله عليه وسلم لما هاجر إلى المدينة -قال الشيخ من ضمن الاستدلالات الشيخ على الطلاب يقول: أنا ذهبت إلى أما قال ماليزيا أو إندونيسيا بلد من هذه البلدان ورايتهم في المسجد إذا كانوا في الطابق العلوي وتحت في بموازاتهم مصاحف، لا يمرون فوق المصاحف في الطابق العلوي، بل يحيد عن المكان الذي فيه المصحف الأسفل- فقالوا: هذا بدعة، أنت تحتج لنا بفعل أناس لا دليل في قوله. فتذكرت أنا لما قال هذا حديث مسلم، قلت: لحظه يا جماعه، النبي صلى الله عليه وسلم لما هاجر وسكن عند أبي أيوب الأنصاري من أخواله بني النجار، كان النبي صلى الله عليه وسلم يبيت في الغرفة السفلية وأبو أيوب يبيت في الغرفه العلوية، فاستيقظ أبو أيوب فزعا في الليل وأيقظ زوجته، قال: كيف ننام ورسول الله تحتنا -وهم الآن في الطبقة الطابق العلوي- فناما في زاويه البيت البيت يعني الغرفه إلى الصباح احتراما وادبا مع النبي صلى الله عليه وسلم لأنه كان نائما في البيت في الأسفل، فاحتج بهذا الخبر فسكت وكان حجة في مكانها.
النبي صلى الله عليه وسلم لما استيقظ قال له أبو أيوب: يا رسول الله أنا لا يمكن أن أبات في الغرفة العلوية وانت في السفلية، لابد أن ترقى هناك، قال: إن هذا أرفق بي، قال: مستحيل أني أبات فوق وأنت تحت أو بهذا بهذا التعبير، ارجعوا إليه في صحيح مسلم، فالشاهد أن النبي ما انكر عليه هذا الأدب. وهناك أمور كثيرة، فنحن حقيقه طلاب العلم يحتاجون إلى تعلم الأدب.
ومن قصص من الأخبار اللي كنت أقول: إنني هل أذكرها أو لا؟ أن أحد الشباب الهنود كان معنا وكان يحتج على يحتج على خصومنا الذين يقولون ببديع تقبيل المصحف ووضع على الرأس، وهو صار في صفنا، واحتجنا باثر عكرمة وأشياء كثيرة وبقول الله تبارك وتعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: 32]. قالوا: هذا عام، وصار نقاشات طويله. المهم أن واحد من أصحابي وهو يعني من أهل الحديث -تعرفون الهنود عندهم اهل الحديث وعندهم الحنفية، وأهل الحديث يعني سلفيين متمسكين جدا- واحد منهم وقف في صفّي.
فلما ذهبت الايام يومين أو ثلاثة ونحن نتناقش يعني بقي هذا النقاش ربما يومين أو ثلاثة، فكنا نصلي في المسجد، وكان هذا الصاحب لي -لن أسميه- واضعا للمصحف مصحف بحجم الكف فوق لأننا نراجع القرآن، وهكذا كل من يعني يعني أراد أن يحفظ القرآن لابد أن يكون القرآن معه.
فلما جئنا في الصف ورفع يديه ليصلي وأنا بجانبه كانت يعني نافلة قبل الإقامة، اخذ المصحف ووضعه على الأرض، أخذه من جيبه ووضعه على الأرض! لا حول، ووضعه على الأرض! هذا أنا أحكيها لكم وأنا صاحبها، صاحب القصة، خذوها سندا عاليا، فانا في جنبه كنت جالسا، اخذت المصحف وامسكته حتى سلم، قلت له -عرفان سميته، وهو من الصلحاء-: كيف تاخذ المصحف وتضعه على الأرض هكذا؟ ما الذي يضيرك أن يكون المصحف في جيبك فوق؟ متى كنا نفعل هذا؟
فقال: إنهم يقولون إنني غير سلفي! وأنت تريد تثبت السلفية بوضع مصحف في الأرض؟! ما هذه السلفية؟!
فأحيانا لابد مو ليس أحيانا، بل لابد لطالب العلم من تعلم الأدب، وأنتم سترون أن مالك بن انس لم يكن يحدث إلا على وضوء! هل هذا واجب أو مستحب أو ماذا؟ نعرف أن القرآن لا يقرا لا يمس القرآن إلا على وضوء، لكن يقرأ على غير وضوء، هذا لا يحدث إلا على وضوء! ما هذا؟ وأمام دار الهجرة مالك بن انس! لابد أن نتعلم هذا الفصل.
وقد عقد النووي رحمه الله عليه في مقدمة كتابه المجموع فصلا كاملا عن هذا عن عن عن هذا الأدب وهذا المبحث نقراه، قال: آداب المحدث.
قال: تصحيح النية من طالب العلم متعينة، فمن طلب الحديث للمكثرين يعني يعني واجبة للكاثر يعني نيته فيها فيه فاسده، أو للمفاخرة، أو للوجاهة، فهذا قد خاب وخسر، واما من طلبه للعمل به وللقربه بكثره الصلاه على نبيه صلى الله عليه وسلم ونفع الناس فقد فاز.
هذا المعنى واضح لا يحتاج إلى تعليق، وان كانت النيه ممزوجه بالأمرين -يعني هو يريد أن يروي أو يعني شيئا من الدنيا وأيضا يريد الآخرة، لأنه لو كان يريد الدنيا فقط لذهب إلى غير علم الشريعه، ولا لا واحد يذهب إلى علم الشريعه معناه أنه عنده حب للشريعه، عنده إرادة الله سبحانه وتعالى، وإن خالطها شيء من إرادة الوظائف أو نحوها- قال: وإن كانت النيه ممزوجه بالأمر فالحكم للغالب، ان كان الغالب النيه الصالحه فهذا ينجو إن شاء الله، وإن كان الغالب للنيه الفاسده فيحتاج إلى تصحيح النية.
وإن كان طلبه لفرط المحبه -لا أَدري هل الصوت جيد بهذه الطريقه؟ أنا أشعر أن هناك ضجيج في الصوت أبُعده أو أبقيه؟ الأقرب أوضح، الأقرب أوضح نعم- وإن كان طلبه لفرط المحبه فيه مع قطع النظر عن الأجر وعن بني آدم -يعني من الناس من يطلب العلم للعلم لذاته محب للعلم، فهذا كثير ما يعتري طلبه العلوم، العلوم جميلة، وبعض العلوم احسن من بعض، وفيها من اللذه ما يشعر به طالبها، ولذلك بعضهم يرقص إذا حل مسألة عويصة أو اكتشف شيئا- وحصل هذا معي في في رسالة الدكتوراه كنت أريد أن أمثل بمثال -أنا ساخف صوتي لعله يكون احسن يعني كنت أمثل بمثال فافسدها صالح من الرواة- فتمعنت في الروايه، فقلت: لعل صالحا هذا سرق الحديث؛ لأن الحديث كان متفردا به أحد الرواة، وكنت أريد أن أمثل به، إن كان سرق الحديث فالحمد لله يعني بقي لي المثال سالما، وإن كان لا ثبت عنه هذا وهو ليس بسارق، وأنتم تعلمون السارق من هو؟ الذي يسمع الحديث من المتفرد به عن شيخ، فيسرق ويقول: أنا سمعت من ذلك الشيخ- فعكر مزاجي.
ثم بحثت عن هذا الاسم أريد أن أتعرف عليه، ففي النهاية عرفته يعني ببعض الطرق والشيوخ والتلاميذ، فعرفت اسمه كاملا، ووجدت الكامل لابن عدي، فكان أول جمله ذكرها صاحب الكامل: وكان يسرق الحديث! فقمت أرقص! الوالدة تقول: ايش فيك؟ ماذا ما أصابك؟ فقلت: أنا وجدت شيئا جميلا وكذا.
فبعض العلوم أحيانا يعني فيها لذه يطلب طالب العلم العلم لذات العلم، لكن الأحسن وال يعني يعني الذي يطلب العلم لمنصب أو لغيره لابد أن يعرف أن العلم -وعلم الحديث أنا ازعم أنه من أمتع العلوم لمن عاناه وتعاطى- هذه المتعه الذي يحصل عليها طالب العلم لا اشكال فيها، لكن ينبغي عليه أن يصحح نيته، صحيح أني حصلت على هذا الاستمتاع واكتشفت هذه المسألة، لكن هذا ليس بجهدي ولا بقوتي وإنما بتوفيق الله لي، لابد أن يستحضر مثل هذا، وأن هذا العلم الذي هداني الله إليه وهو علم الشرع الشرع علم من علوم الشريعه وسرت أطلبه، لابد أن أصحح النيه فيه؛ لأنه حاصل للأمرين، حاصله لي الدنيا إن شاء الله، وحاصل لي العلم الذي هو من اشرف العلوم، ينبغي عليه أن يستحضر هذا.
نعم، قال: وإن كان طلبه لفرط المحبة فيه مع قطع النظر عن الأجر وعن بني آدم، هذا كثير ما يعتري طلبة العلوم، فلعل النية أن يرزقها الله بعد -يعني هو دخل على العلم محبة للعلم، ثم مع الوقت العلم نفسه يرشده إلى النية، ولذلك هناك عبارة جميلة أظنها للغزالي رحمه الله عليه: تعلمنا العلم لغير الله فأبى العلم إلا أن يكون لله-.
قال: وأيضا، فمن طلب العلم للآخرة كسره العلم وخشع لله -الذي يصحح النية من البداية هذا العلم يجعله من المتقين واستكان وتواضع، ومن طلبه للدنيا تكبر به وتكثر وتجبر وأزدرى بالمسلمين العامة- هذا ينبغي أن يفطن له طالب العلم؛ لأنك ممكن أن يفتح الله عليك في علم من العلوم وترى أنك قد غلبت نظراء فيه، فاعلم أن هذا ليس من حولك ولا قوتك، وانه من كرم الله عليك، فعليك أن تتواضع.
وكان الصحابه يفعلون ذلك، وكانوا يتواضعون، وكانوا يعني يزهدون يعني يقللون من أنفسهم إذا شعروا بزهو؛ تعلمون عمر بن الخطاب لما ذهب لفتح بيت المقدس وأركبه على تلك الأتان الفارعة استنكرها وشعر بزهو في نفسه فتركها ونزل، وعبد الرحمن بن مهدي أو غيره من الأئمة كان إذا كثر المجلس من الطلاب توقف؛ لأنه يشعر بنفسه أنه هو، فيريد أن يبعد عنه كل ما يخدش نيته.
اللهم صل على سيدنا محمد، والصحابة كانوا يفعلون؛ أبو بكر كان يقول: طوبى لك يا طير تأكل من الثمر وتقع على الشجر وليس عليك حساب ولا عذاب، لَوْجِدْتُ أني مثلك. يروى هذا عن أبي بكر، إذا كان هذا أبو بكر الذي هو ثاني اثنين إذ هما في الغار، هو الأول بعد الأنبياء، يقول هذا الكلام، فما بال بنا نحن؟!
قال هنا: وكان عاقبة أمر أمم وازد المسلمين بالمسلمين العامة -يعني رأى أن العام لا يفهمون، هذا يحصل أحيانا وقد يقع منك دون شعور وقد نقول: هذا لا يعلم كذا، لا يفهم أو كذا، أو هذه العبارات ترى معناها أني أنا أفهم، معناها أني أنا أحسن، معناها أني، فينبغي علينا المراعاة، أو يقول: هذا من الجنسية الفلانية دعه أو كذا- يعني هذا كله فيه احتقار للغير وفيه زهو بالنفس، ينبغي على الإنسان الانتباه.
قال: والزراء بالمسلمين العامة وكان عاقبة أمره إلى سفال وحقارة، في النهاية هذه نهايته سيئة، فليحتفظ بحديثه رجاء الدخول في قوله صلى الله عليه وسلم -هذا ينتبه إليه-: «نضّر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها ثم أداها».
أما من لم يسمعها، والحديث له طرق كثيرة حتى عده السيوطي من الأحاديث المتواترة، وهذا دعاء النبي صلى الله عليه وسلم. فإذا دخل الإنسان إلى علم الحديث سيتعرض لدعاء النبي صلى الله عليه وسلم، ولذلك يقولون: إن أهل الحديث أكمل الناس نظارة في الوجوه؛ هكذا يقولون يعني من طلبه لله.
ويبذل نفسه للطلبة الأخيار، لا سيما إذا انفرد. ما معنى هذا؟ هذا يتكلم عن الروايات بالأسانيد، أحيانا يكون بعض المحدثين ينفردوا عن أقرانه بالحديث، بمعنى يبقى بعدهم ويكون هو عالي، أعلى الناس إسنادا. أظن ابن عيينة راى أن أسنانه سقطت. ماذا؟ راى أن أسنانه سقطت، فذكر ذلك لشيخه محمد بن مسلم الزهري ابن شهاب، فقال: يموت أسنك وتبقى بعدهم أسنك. يعني أترابك يموتون وتبقى أنت بعدهم، وهذا الذي حصل. بقي إلى سنة 198، مع أنه ليس بينه وبين الصحابي إلا واحد، وهذا في غاية من العلو، حتى تلاميذه ماتوا قبله؛ عبد الله بن المبارك توفي سنة 181، وهو تلميذ له وغيره من الناس.
ولذلك ازدحم مجلسه. وقلت لكم قبل مدة إن الإمام أحمد أغمي عليه في الزحام عند ابن عيينة من شدة الزحام. ومرة اجتمعوا على بابه، فذهب إلى السطح هربا منهم. تعرف المحدث الحديث شهوتهم للحديث. وذاك الوقت، يعني الآن الوقت، المحدث يجلس يريد الناس يحدثون يروون عنه، فلا يجد أحدا. ذاك الوقت لا، لا يذهبون عن الباب، ينامون عند الباب فيذهب إلى السطح. يقول له ابن خشرم: أتريد أن ينصرفوا عنك؟ حدثهم بلا إسناد. فيغضب. ماذا يقول؟ هذا حدثهم بلا... فيحدث بالاسانيد مع أنه كان هاربا منه.
ومرة كان في مجلسه، يقول أبو العباس الترقفي: قال كنا نجلس في مجلس علي بن المديني. لا، هذا علي بن المديني ها! في رواية أخرى أظنها من روايته أيضا، أنه قال: ازدحم الناس في مجلس ابن عيينة، فقال: هل هنا أحد من أهل مصر؟ قالوا: نعم. قال: ما فعل الليث بن سعد؟ طبعا هو الليث بن سعد مات من مدة، لكن كأنه يقول لهم، يريد أن يفهمهم أني أنا بقيت بعد هؤلاء، وهؤلاء أترابي وأسناني، فأنا يعني في حالة سيئة، هو يرثي لنفسه. هل هنا أحد من أهل كذا من أهل حمص؟ قال: ما فعل بقية؟ هل هنا أحد من أهل دمشق؟ قالوا: نعم. قال: ما فعل الوليد بن مسلم؟ هل هنا... صار يعدد قيسارية: ما فعل محمد بن يوسف الريابي؟ قالوا: توفي. فأنشد: ألا يا دهر قد فسدت غير مسودي، ومن الشقاء تفردي بالسؤدد.
فالشاهد هنا يقول: وليبذل نفسه للطلبة، يعني لا يمتعض عليه أن يصبر، لأنه هو تحفة للطلبة، هو الوحيد الموجود بهذا الاسناد العالي، عليه أن يصبر. وكان الذهبي أو غيره يستحضر ابن عيينة ويستحضر أبو بكر بن عياش ويستحضر الناس الذين يعني ضاقوا ذرعا بالمحدثين بسبب أنهم كانوا من أهل العلو، فيقول: وليبذل نفسه للطلبة الأخيار، لا سيما إذا انفرد. ويمتنع مع الهرم وتغير الذهن، يمتنع من ماذا؟ من التحديث، إذا شعر أنه هرم وأن ذهنه تغير، يمتنع عن التحديث. وقد امتنع أناس.
وهناك قصة جميلة، لا أدرى هل أتذكرها؛ أبي إسحاق... لا ليس السبيع، السبيع قديم، واحد متأخر نوعا ما، حدث وقد بلغ المئة سنة، مئة وثلاث سنوات. فظن الطلاب لعله يعني ضيع أو كبر سنه، لعله لم يعد مميزا، فكانوا يقرؤون عليه حديث عائشة المشهور في الموطأ وفي مرض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لما جاء إلى المدينه. وكان من ضمن ما يقرأ والله ربما تتذكرون أنتم بعض الأبيات فيها بيت يقول: اللهم كل امرئ مصبح في... والموت والآخر مجاهد. كل امرئ مجاهد بطوه، كالثور يحمي جسمه بروقه. روقه قرنه، فالقارئ قالوا له: بدل هذا البيت، اجعله كالكلب! لا، نعم، اجعله كالكلب. فقال: كالكلب يحمي جسمه بروقه بقرنه؟ الكلب ما عنده قرن! يريدون يمتحنون الشيخ أبو إسحاق الهجيمي، نعم تجدونها في ترجمته.
فقال له الشيخ: قل ثور يا ثور! ففرحوا جدا بصحة عقله: قل ثور يا ثور! هكذا قال التلميذ. فالشاهد أن من تغير ويمتنع مع الهرم وتغير الذهن، ويعاهد إلى أهله وأخوانه حال صحته، يعاهد لهم إذا رأى أنه يعني زاد به العمر، يعاهد إليهم ماذا؟ أنكم متى رايتموني تغيرت فمنعوني من التحديث أو من الرواية. وقد فعل ذلك أولاد أبي سعيد بن إياس الجريري، لما اختلط منعه أولاده من الخروج للنناس، ولذلك صح حديثه، وليس محسوبا من المختلطين، لم يروي أحد عنه بعد الاختلاط ببركة أولاده. يعني عتابهم، الله! أين وصلنا؟ أنكم متى رايتموني تغيرت فمنعوني من الرواية.
ثم قال: فمن تغير بسوء حفظ وله أحاديث معدوده قد أدمن على في دربتها، يعني هذا هو مخ اختلط مثلا، أو اصابه اختلاط، أو اصابه سوء حفظ بسبب كبر، أو بسبب قضاء، ونحوه، لكن هناك بعض الأحاديث التي يحفظها كاسمه مثل الفاتحه؛ الفاتحة الآن لما تأتي شخصا هرما كبيرا مخرفا لا يعرفك وأنت ولده، ولده، فتقرأ عنده الفاتحة تراه ياتي بها كما هي. فبعض الأحاديث تكون عند بعض المحدثين يعني محفوظة لا يمكن أن يخطئ فيها، يقول: من أدمن في دربتها هذا، فلا باس بتحديثه بها زمن تغيره، يعني يمكن أن تؤخذ منه هذه الأحاديث.
وتعلمون المحدثين منهم عجائب، منهم من يقرأ الأحاديث يمر فيها كالفاتحة. لا أدري هل هو ابن عقدة أو غيره، محدث ومن كثره تحديثه كان يمر على الحديث دون أن يتردد: حدثنا فلان حدثنا... بشكل عجيب، حتى أنه كبر مرة بهم الصلاه، يصلي بهم، فقال: حدثنا... بدون... قبل أن يقول، يعني مكان الفاتحة جاء بالتحديث، فقالوا: سبحان الله! فرجع إلى الفاتحة. فيقول هنا: إذا كان المحدث قد أدمن على بعض الأحاديث يمكن أن ناخذها في حال تغيره، وكيف نعرف هذا؟ يردون عليه الحديث فيجدونه متقنا له المرة الأخرى، يجدونه متقنا له، يعلمون أن هذا الحديث لم ينسه ولم يتغير عنده زمن تغيره.
ولا باس بأن يجيز مروياته حال تغيره. يقول: الإجازة حالة تغير... التغير يختلف عن الاختلاط، الاختلاط شديد، التغير هو بداية الاختلاط. ولا باس بأن يجيز مروياته حال تغيره، يعني يقول: أجذتك بمروياتي. لماذا؟ قال: فإن أصوله مضبوطة، ما تغيرت، أصول الشيخ المجيز موجودة وهو قد وعى ما أجاز بما أنه فقط عنده تغير بسيط. لأن التغير متى يكون مشكلا؟ لما يحدث بالسند، لما يحدث بالاسناد، ربما التغير هذا يختلط عليه الاسناد فيه، فياتي باسناد غير الاسناد المراد. لكن الاجازه، الاجازه يقول: أجذتك هذا لا يكلف شيئا، وحتى مع التغير يمكن أن يعيه المتغير.
الذي... المتغير من هو؟ والذي يسالك السؤال مرتين، ويسألك عن فلان ثم يقول لك مرة أخرى: هل هو... ما أدري لماذا حصل هذا؟ يقول: هل هو يسألك عنه مرة أخرى وقد يكون مات فلا ينتبه، ثم يقول: آه نعم، أنا علمت أنه مات. ثم بعد مرة يسألك عنه، هذا هو التغير. التغير هو يعني بداية الاختلاط، ثم إذا استمر الشخص في الكبر في السن يصبح التغير أشد، ثم يصل إلى مرحله أنه لا يعرف الناس، وقد لا يعرف إلا واحدا أو اثنين نعم.
ففي حال التغير تجوز الإجازة، وتجوز بعض الأحاديث التي أدمن النظر فيها. وأما في حال الاختلاط فالإجازة غير مقبولة، لا أدري هل يذكرها أو هو قد وعى ما أجاز، فإن اختلط وخرف امتنع من اخذ الاجازه منه، هذا نص عليها؛ إذا خرف وصار مخلطا مختلطا هنا يمتنع، تمتنع الإجازة، نقول: الإجازة غير صحيحة لأنه لا يعيها لا يعقلها.
ومن الأدب ألا يحدث مع وجود من هو أولى منه لدينه واتقانه. يا سلام! شهادة، هذا من الأدب، يعني عندك واحد من العلماء وهو اعلم منك بما تتحدث به، ليس من الأدب أن تتكلم وهو موجود، إلا أن يأذن أو يصر عليك كما يفعل الأئمة. ولذلك ابن المبارك مرة من المرات قيل له: حدث، وكان ابن عيينة موجود، شيخه. فقال: لقد نهينا أن نتكلم عند كبارنا أو بين يدي كبارنا. ولا أدري هل هو ابن المبارك الذي حدث؟ أصر عليه شيخه بالتحديث طلبوا منه التحديث فرفض. لا أدري هل هو... أظنه ابن المبارك، فرفض التحديث، فاستشفع بشيخه لأن عنده أحاديث ليست عند الشيخ فقال: حدثهم. أمره الشيخ أن يحدث فحدث، لكن تعرفون ماذا فعل؟ لم يحدث بحديث ليس عن شيخه، حدثهم عن الشيخ نفسه من أدبه. يقول: لا تسالوني الشيخ موجود، أنا الأحاديث التي يحدثكم عن شيخي كلكم سمعتم، وبالتالي يعني لا نفع فيه بين يدي الشيخ، هكذا يعني هذا يدل على الأدب. الإمام ابن المبارك من أهل الأدب الكبار، واجتمعت فيه خصال الخير كما يقول غير واحد من أهل العلم.
قال: ألا يحدث مع وجود من هو أولى منه لدينه واتقانه، وأن يحدث بشيء يرويه غيره أعلى منه. يعني هذا أيضا يعني ينبغي أن تروي الأشياء التي تساوي فيها غيرك، أو تعلو على غيرك، وأما أن تكون أنزل من غيرك فما الفائدة؟ عليهم إن ذهبوا إلى ذلك الغير. وأيضا يدل على الشيوخ، لا أدري هل سيقول ذلك؟ اه قال: وألا يغش المبتدئين. المبتدئين الذين لا يعرفون الحديث جيدا ياتون يطلبون الأحاديث، ينبغي على العارف أن ينصح لهم، ألا يغشهم، بمعنى أن يغش بمعنى أن يترك رك النصيحة. إذا ترك النصيحة فكانه غشهم، عليه أن ينصح لهم، ينصحهم بالذهاب إلى عالي الاسناد، أو الذهاب أو أخ... الدلالة على الشيوخ أيضا، هذا من النصح ومن عدم الغش.
وقد أراد أحدهم أن يذهب –نسيت القصة لكني أذكر معناها– إلى علي بن حجر. علي بن حجر عالي الاسناد، وهو في بلد آخر. فقال له الشيخ شيخه: انزل درجة وأعطيك ما تريد! انزل درجة يعني ابقى عندي اروي عندي، وأنا أعطيك كل الأحاديث، فك... أما قال: النزول شؤم أو كذا، لأن علي بن حجر عالي وربما إذا لم يرحل إليه يموت فلا يدرك هذا العلو.
نعم قال: وألا يغش المبتدئين بل يدلهم على المهم فالمهم، يدلهم على أهم الناس أو أهم الأحاديث. أيضا من الدلالة أيضا الأحاديث، انتبهوا أحيانا هناك أحاديث مهمة جدا عند الشيخ، عند فلان، أو مهمة عندك، فعليك أن تعطيهم الأحاديث المهمة. ما معنى مهم؟ هو يتفرد بها، فإذا ذهب نزلت درجة، ولذلك لما جاء أظنه علي بن المديني من الكوفة قال له ابن أبي خدوي... اللهم صل على... من أين جئت؟ قال: من الكوفة. من عند من؟ قال: من عند حفص بن غياث. قال: فهل اخذت حديثه كله؟ قال: نعم. قال: هل اخذت أن النبي صلى الله عليه وسلم ضحى بكبش فحيل ياكل في سواد ويمشي في سواد؟ قال: لا. قال: أسخن الله عينك! ماذا كنت تفعل؟ (حفص بن غياث من أشهر الأحاديث التي يتفرد بها هذا الحديث). قال: فوالله ما وضع خرجه من الدابة، رجع مباشرة إلى الكوفة مرة أخرى، فقال: ما أتا بك؟ قال: حديث كذا وكذا. قال: أخبرني به ابن أبي خدوي. قال: نعم، حدثنا. وحدثه به، فأخذه ورجع. فعلى العالم أن يدل التلاميذ على الأحاديث عند الشيوخ.
وأحيانا يكون بسبب المنافسة أو البخل بالحديث لا يدل، وهذا ليس من الجيد. يعني بعض العلماء يقول: ما طابت نفسي أن أفيد إنسانا. ما معنى أن أفيد إنسانا؟ ألا أخبره بأفضل الأحاديث عند فلان، هذه يسمونها الفائدة. وقد سأل أحدهم أظن شعبة بن الحجاج عن فلان: إذا جئته ماذا أطلب منه؟ لأن الكبار هم الذين يعرفون عند فلان ما هي الأحاديث المهمة، والطلاب لا يريد أن يضيع وقته كله لسماع كل حديث فلان فيذهب عليه الشيخ الفلاني، يريد أن يأخذ الزبدة ما عند هذا ثم يذهب إلى الآخر. ثم قال فقال لي: حديث سلمان أنه البزاق يتوضأ منها وكذا، يعني حديث لا أثر لا قيمة له. فقال هذا التلميذ: أتظنون لو كان عنده أسوأ من هذا كان أفادني به؟ يعني أنه ما أفادني شيئا. ما أدري هل شعبة أو غيره نسيت أنا من.
ولذلك جاء شيء يسمونه الانتخاب. سمعتم بالانتخاب؟ الانتخاب على الشيوخ أو التخريج. ليس التخريج، تخريج الحديث، هذا تخريج هذا حديث مثلا أبي إسحاق فلان الفلاني، تخريج الخطيب أو تخريج الدارقطني، سمعتم بهذا؟ إذا اسمعوا، هذه الأجزاء التي مكتوب فيها تخريج الطبراني -ما في طبراني- تخريج الخطيب، تخريج الدار، تخريج فلان، حديث فلان، تخريج فلان. ما معناه؟ أو انتخاب فلان.
هؤلاء علماء حديث، لا يكون عندهم من الحفظ والمعرفة إدراك أهمية الأحاديث التي عنده، يعلم أن عنده أحاديث مهمة وعنده أحاديث ليست مهمة. الأحاديث التي ليست مهمة التي يشاركه فيها كثير من الناس، والأحاديث المهمة هي التي يتفرد هو أو اثنان معه بها. فياتي واحد من هؤلاء، وياتون الطلاب أيضا إلى بعض الحفاظ كالدارقطني، ويقولون: نريد أن تنتخب لنا من حديث فلان! فينتخب لهم من حديث فلان، يكتب جزءا بانتخاب الدارقطني عن شيخه فلان، فيأخذون هذا الجزء ويذهبون للشيخ، ويقراون عليه الجزء، فيكونون قد اخذوا أفضل ما عند ذلك الشيخ من الحديث. وهكذا، التخريج يسمونه تخريج ويسمونه انتخاب. فعادة يأتي المحدث أو طلاب الحديث، يأتي المحدث الذي عنده أحاديث كثيرة، فيقول لفلان من المحدثين الكبار: انتخب لي، بين لي الأحاديث المهمة هنا حتى إذا جاءوا الطلاب...
علم الانتخاب حتى يمكن أن يؤلف فيه، أنا لا أدري هل ألف فيه شخص كعلم أو كظاهرة عند المحدثين، الانتخاب أو التخريج، لعل ألف في أحد، ربما تصلح بحثا أو تصلح كتابا وتنبئنا عما وراء ذلك من الحالة الطلبية للمحدثين. ما الذي جعل هذا العلم يبرز علم الانتخاب وعلم التخريج هو حالة الطلاب، أنهم لا يريدون المكث طويلا عند شيخ عنده أحاديث موجودة عند غيره، يريدون أن يأخذوا من هذا ومن هذا، فنشأ هذا العلم الذي هو علم الانتخاب، ولا يستطيعه إلا النقاد الكبار، هم الذين يعرفون ما عند هذا وما عند هذا.
ولذلك كان الثوري رحمه الله عليه يأتي الشيوخ لعلمه فكان أحيانا ينفرد ببعض الشيوخ، وهذا من المنافسة ليس من الحسد -وإن كان الأفضل أن تجعل سؤالك للشيخ أمام الناس لأنهم لا يدركون ما تدركه-. الثوري رحمه الله عليه كان مرة اختصر بثور بن يزيد، ثور بن يزيد نعم، وكان هذا الرجل يعني ثقة لكنه كان قدريا، فاختصر به سفيان الثوري ساعة من الزمن، وطلاب الحديث في الخارج، وطبعا سفيان الثوري له مكانته عند ثور وعالم كبير ويعني محدث وفقيه في نفس الوقت.
ثم لما خرج سفيان الثوري -طبعا لماذا اختصر به حتى يسأله من أشياء ويتفرد بها؟- ولذلك وقعت له وقائع عجيبة؛ لما مات الأعمش كان من تلاميذ الأعمش أبو معاوية الضرير محمد بن خازم، مكث مع الأعمش ربما عشرين سنة، وصار إسناده أعلى الاسانيد وأكثر أحاديث الأعمش في السنن والكتب الستة عن طريق أبي معاوية لأنه تأخر في الوفاة، مع أن الثوري أعرف بحديث الأعمش من الأعمش، الثوري يعرف حديث الأعمش أكثر من الأعمش نفسه والأعمش يعترف بذلك، ومع ذلك أكثر الأحاديث كانت عن أبي معاوية لأنه تأخر في الوفاة، وسفيان توفي قديما.
لكن الشاهد من الكلام أن أبا معاوية بقي مع الأعمش عشرين سنة والناس لا يسالونه عن أحاديثه الأخرى عن الشيوخ الآخرين، يسألونه عن الأعمش فقط حتى صار يقول: أصبح حديث الأعمش في فمي كالعلقم من كثرة ما يكرر يريدهم يسألونه عن أحاديث أخرى. قالوا: لا، هذا مختص بالأعمش. فلما مات الأعمش وكانوا في جنازته، سفيان الثوري وأبو معاوية الضرير قال: يقول أبو معاوية يقول هذا الكلام، فقال لي سفيان: تعرف حديث كذا وكذا؟ وساق عدة أحاديث لم أسمع بها قط. فقلت: لا. قال: حدثني صاحب الجنازة الآن. أخبره طبعا كيف حصل عليها هذا سفيان؛ لمعرفته بالعلم وانتخابه، وفعل ذلك مع الضحاك بن مخلد أبي عاصم النبيل في شيخه ابن جريج.
كان أبو عاصم من أكثر الناس عن ابن جريج، لما مات ابن جريج قال: سمعت كذا وكذا وكذا وكذا. قال: لا، قال: حدثني ابن جريج. وهكذا رحمه الله عليه، وهذا دليل على يعني حبّه للعلم وتفانيه فيه وانفراده به.
دخلنا هنا وهنا: وأن لا يغش المبتدئين بل يدلهم على المهم فالمهم. وأنا لما ذهبت إلى الشيخ -حفظه الله ولا زال حيّا- الشيخ تقي الدين العثماني أقرأ عليه بعض الاحاديث والمسلسلات في كراتشي هو مدير جامعة -صح، ما اسم الجامعة؟ نصير؟ اسمها مظاهر العلوم، دار العلوم كراتشي- وهو مفتي الباكستان له منزلة عالية جدا، عالم صاحب المفهم أو الملهم، الملهم في شرح مسلم وهو في المجامع الفقهية الكثيرة.
ذهبت إليه إلى مدرسته لأقرأ عليه، وجزاه الله خيرا خلاني أقرأ عليه، وقرأت عليه شيء من المسلسلات، ثم قال لي: يا بني، هناك رجل في كراتشي من أعلى الناس إسنادا. من هو؟ أنا لم أكن أعلم به، كنت رايح له. قال: عبد الرشيد النعماني رحمه الله عليه مات يعني لن تلحقه خلاص. فذهبت إليه في بيته وقرات عليه صحيح البخاري، جزءا من صحيح البخاري، وجلست عنده وصليت به، وكان شيخا كبيرا جدا، بينه وبين نذير حسين محدث الهند شخص واحد، فهو عالي الإسناد جدا.
الذي دلني عليه تقي الدين العثماني حفظه الله، هذا كان من نصحه ولولاه لم أعرف هذا الرجل، وهو صاحب ابن ماجه، صاحب كتاب على سنن ابن ماجه، نعم. بل يدلهم على المهم فالمهم، فإن دلهم على معمر عامي وعلم قصورهم في إقامة مرويات العامي نصحهم ودلهم على عارف يسمعون بقراءته. ما معنى هذا الكلام؟
أحيانا يكون بعض الناس العالين إسنادا ناس عوام، كيف عوام وهو عنده إسناد؟ نعم، حضر المجالس وأجيز لكنه عامي لا يقرأ ولا يكتب فيكون عنده إجازة وسمع، فيقدر رب العالمين أن يكون معمرا فيعيش دهرا طويلا فيلحق الأحفاد بالأجداد لطول عمرهم. ومنهم أبو الحجار، أبو العباس الحجار ابن الشحنة صاحب راوي صحيح البخاري، أعلى إسناد في صحيح البخاري كان يروى من طريقه، لم يبق أحد ما أخذه عنه، الذهبي وجماعة من الحفاظ الكبار كلهم جلسوا عنده مع أنه عامي.
ولذلك قال: فإن دلهم على معمر عامي وعلم قصورهم هم -لأنهم مبتدئون- عن إدراك المرويات في إقامة مرويات العامي، هذا نصح، ودلهم على عارف يسمعون بقراءته، يقول: فلان خذوه معكم حتى يقرأ لكم، أو حضر هو مع العامي وروى بنزول جمعا بين الفوائد. ايش معنى وروى بنزول؟ يعني يروي لهم عن شيوخه، طبعا هو روايته بالنسبة لهذا العامي نازلة، فالتلاميذ صاروا أخذوا من شيخين: شيخ يقرا وشيخ يقرا عليه، الذي يقرا عليه هو العامي وهو عالي الإسناد، والذي يقرا أنزلوا منه إسنادا.
نعم، وهذا كثير من الناس يفعل ذلك يعني يستكثر من الإجازات ومن السماعات فيقول للقارئ أيضا: أجزنا ونحن سمعنا بقراءتك وهو عنده إسناد، فبدلا أن يروي عن الشيخ يروي عن الشيخ وعن القارئ أيضا.
وروي أن مالكا رحمه الله كان يغتسل -ها شوف هذا من الأدب- يغتسل للتحديث! بالله عليكم ايش هذا؟ ليس يتوضا، يغتسل بالتحديث، ويتبخر، ويتطيب، ويلبس ثيابه الحسنة، ويلزم الوقار والسكينة، ويزبّر من يرفع صوته يعني يسجر من رفع صوته في حديث النبي صلى الله عليه وسلم، كأنك أنت بين يدي رسول الله.
والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لَبْعَضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ﴾ [الحجرات: 2]. فكان الذي يقرأ في عند في في حلقة أحاديث رسول الله كأنهم بين يدي رسول الله، فكيف يزبر الناس؟
وتذكرت الآن كنت ذهبت إلى الباكستان إلى في التبليغ مع جماعة التبليغ، وبما أني طالب علم أحب أن أسمع الحديث على بعض المشايخ وكان هناك في مركز اسمه رايوند في مدرسة علمية والمدرسة ليست هي عند المسجد ومرافق المسجد التي فيها الناس الذين يخرجون مع التبليغ، المدرسة مستقله فيها التلاميذ وفيها الشيوخ والشيوخ الذين يحدثون على الخارجين هم أنفسهم أهل المدرسة.
فعند الخارجين يحدثون بمواعظ وعند المدرسة يقرؤون الكتب الستة وغيرها من كتب العلوم، فكان أحد المشايخ اسمه جمشيد رحمه الله عليه توفي يروي عن أحمد حسين مدني عن محمود الحسن ناسي عن نذير حسين، بينه وبين نذير حسين اثنين، ولذلك قلت لكم النعماني هذا عالي جدا بينه وبين نذير فقط واحد، لكن جمشيد أيضا كان يعتبر عاليا لأنه يروي عن أحمد حسين مدني، وكان عنده درس البخاري فوق السطح.
ويمنعونهم الناس الخارجيين جاؤوا لمقصد معين معين، فانت تبقى في مقصدك هذا ولا تاتي إلى الطلب، الطلب تريد أن تطلب العلم لابد أن تمكث سنين، عندهم مدرسة، تسجل في المدرسة وتبقى فيها، وتتعلم القرآن أولا ثم تتعلم الفقه والنحو والصرف، ثم الحديث آخر سنة السنة الثامنة هو الحديث تقرأ الستة.
فكان من ضمن القراءة قراءة صحيح البخاري وكان هو الذي يقرأ عليه، وكان مجلسا مهيبا، وكنت اتفقت مع التلاميذ أنهم يسترونني خلفهم، أجلس خلف اثنين حتى لا يراني، لأن لو أراني ربما عرفني وقال لي: اذهب إلى المسجد، أريد أن أسمع الاحاديث، وكنت أدون ما أسمعه متى بدأت ومن أين انتهيت، فكنت اختبئ خلف اثنين وعلى جنب وهو في وجهه إلى الجهة المقابلة لأنه لا يمكن أن يلتفت 90 درجة أو 40 درجة على اليمين.
فكان من المشاهد العجيبة التي رايتها هو أمامه صحيح البخاري على على مسند كهذا مرتفع وهو جالس على كرسي والطلاب تحت معهم صحيح البخاري على مساند أصغر، وهناك دكان مرتفع -دكان يعني دكة مرتفعة هي من من قبة المسجد الأسفل مرتفعة ربما نصف متر- وهو والدكان هذا امام الشيخ. خرج شخص من الدرج وركب على الدكان وصار مستواه في مستوى البخاري، البخاري مرتفع.
انظروا يعني ماذا حصل؟ الذي اتى بهما توقير الكتاب والسكينة واغتسال للعلم،ها ويسبر من يرفع صوته لما ركب ذاك على المرتفع هذا القبة صرخ الشيخ عليه بأعلى صوته فهمت منه بخاري شريف، يصرخ عليه ويقول: بخاري شريف! التلاميذ كأنهم يعني أمروا بأمر جازم سريع، قاموا كلهم وأمسكوا هذا الرجل وأننزلوه من الدكان من المرتفع: كيف تعلو على بخاري الشريف؟
عجيب، شوف هذا الأدب وهذا يعني العلم، هذا ذكرني به قوله هنا: ويزبر من يرفع صوته. يزبر من يرتفع، هم يزبروني في مستوى البخاري. ولذلك بقي العلم عندهم كثيرا، ويحدث البخاري والكتب الستة مستمرة أسانيدها هناك في الهند والباكستان، ولو دخلتم على المواقع مثل يوتيوب وكتبت مثلا ختمة البخاري في ديوبند أو في شيء من المدارس ستجدون العجب، تجدون آلافا مؤلفة والشيخ يقرأ علي بصوت ندي، والكاميرا طبعا هم هناك يكرهون التصوير يكرهونه جدا، فهذا الذي صور يبدو أنهم لا لم ينتبهوا لأنه كان يصور من فوق فكان يشاهد وتصوير قديم، كان يشاهد المشهد، كان مشهدا مهيبا المسجد ممتلئ وساحات المسجد كلها ممتلئة من الناس كلهم يسمعون صحيح البخاري.
نعم، أشوف واحد رفع يده أمسكوه ونزلوه من لا، ما بص بس نزلوه فقط ها ها ما بها أذاية؟ لا لا لا، ما في أذى لله، ما في أذى. لا أدري هل يعني أنت الحين شككتني في الرواية وهي أنا ارويها، هل هم أنا أذكر أنهم انطلقوا إليه لكن هل شدوه أو أنه نزل وحده؟ لكن انطلق عليه ربما خمسة أو ستة من الطلبة نعم.
قال: ويرتل الحديث وقد تسمع يرتل الحديث يعني يقرؤه مسترسلا بصوت ندي وربما يعني تغنى به شيئا ما، الترتيل نوع فيه نوع من ويرتل القرآن ترتيلا، لكن الحديث قالوا يرتل أيضا. واستدل على ذلك الأئمة بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرتل الحديث أو كان حديثه مرتلا، وقد أورد في ذلك وكيع بن الجراح في كتابه الزهد بابا في ترتيل الحديث على ما أتذكر، أنا أتوقع أنه وكيع بن الجراح وربما غيره، تريدون أن نتاكد من هذا أو نتركه إن شاء الله في أظنه صحيح إن شاء الله نعم.
وقد تسمح الناس في هذه صار بالإسراع المذموم، لماذا؟ لكي يقرؤوا كثيرا، فتجد بعضهم يعني يتمتم بالقراءة، وهذا أمر ليس محمود بالإسراع المذموم الذي يخفى معه بعض الألفاظ، والسماع هكذا لا مزية له على الإجازة لأنك ما سمعتها شيئا، تسمع شيئا ويفوتك شيء، يقول: لا مزية، الإسراع مع الإفصاح هذا لا إشكال فيه، لكن الإسراع مع الهذر الغير مفصح للحروف هذا هو الإشكال.
قال: بل الإجازة صدق، وقولك سمعت أو قرأت هذا الجزء كله مع التمتمة ودمج لبعض الكلمات كذب. طبعا هو شدد في هذا قوله كذب يعني فيه مبالغة. وقد قال النسائي في عدة أماكن من صحيحه -عجيب هو يسمي سنن النسائي الصحيح، وهذا يدلنا على قوة سنن النسائي، وكذا وغير واحد من النقاد يسمون السنن الأربعة أنها كتب صحيحة، أنا كنت أخرج ذلك على أنها صحيحة بمعنى ليس فيها أخطاء وإن كان فيها أحاديث ضعيفة لأن الاحاديث قد يكون فيها خطأ من الراوي ولا وجود له، لكن أصحاب السنن تحروا أن لا يكون فيها أخطاء منهم.
يعني أحيانا يصنف مصنف كتابا ويكون في تصنيف فيه أخطاء منه هو، فظننت كنت أظن أن مقصود من قال أنها صحيح أنها لا تقع منهم هذه الأخطاء وقد تحروا فيها، لكن ربما يقولون صحيحة يعني أنها أصح ما وجد في أبوابها- وذكر كلمة معناها كذا وكذا أن النسائي يروي ثم يقول: وذكر فلان كلمة معناها كذا وكذا، لانه لم يسمعها بوضوح أما لبعد المكان أو لسرعة القراءة فيقول: وكلمة معناها كذا وكذا.
والنسائي من هو وغيره من أهل الورع تعلمون في روايته عن الحارث بن مسكين كان يقول: قال الحارث بن مسكين، لا يقول أخبرنا، وربما وقع -أظن وقع في بعض النسخ للاسف خليني أتاكد نسخ النسائي- وضع وقع فيها كلمة أخبرنا في بعض النسخ وأظنها خاطئة. لأن النسائي لما دخل على الحارث بن مسكين منعه من الدخول واختلفوا في سبب منعه هل هو بينه وبينه شحناء أو أنه خاف منه لأنه هيأته أصبحت كأنها هيئة الشرطي فظن أنه جاسوس وطرده، فكان النسائي يجلس خلف الباب ويسمع الحديث، وبما أنه يسمع الحديث لا يقول أخبرنا لأنه ليس من ضمن المخبرين ولم يقصده بالإخبار، فكان يقول: قال الحارث بن مسكين. لكن ربما وجد في بعض النسخ المطبوعة، خليني أشوف النسائي لحظة النسائي، ناخذ السنن، سنن النسائي سنن النسائي نكتب سنن النسائي، سنن النسائي الطبعة المصرية من أشهر الطبعات ونقول الحارث بن مسكين.
الحارث بن مسكين، أخبرنا الحارث بن مسكين. هذا مما أشار إليه السخاوي رحمه الله عليه في ختم ابن السني، في ما اسمه كتابه شيخ عادل؟ بغية المتمني. بغية المتمني في ختم ابن السني لرواية ابن السني للنسائي. قال السخاوي: إن هناك في بعض النسخ قول النسائي: أخبرنا الحارث المسك. وهو خطأ من النساخ؛ لأنه لم يكن يقول ذلك.
الان لو انتقلنا إلى هنا، أخبرنا أيضاً، أخبرنا، أخبرنا، أخبرنا وحدثنا، هذا كله أخطاء ها هنا. أخبرنا أبو عبد الرحمن، من أبو عبد الرحمن؟ النسائي. قال الحارث بن المسكين، هو يقول: قال فقط، لا يقول: أخبرنا. لكن في بعض النسخ، ربما من النساخ أخطأ، انتبهوا إلى ما بعد ذلك.
قال الحارث بن المسكين، قال الحارث بن المسكين، قال الحارث بن المسكين، هذا هو الصواب، لم يكن يقول: حدثنا ولا أخبرنا، نعم قراءة عليه وأنا أسمع. من دقته ها، والذي بعده قال الحارث المسكين قراءة عليه وأنا أسمع، قال الحارث مسكين، هذا هو الصواب.
ولذلك قال السخاوي في بغية المتمني بأن ما وجد في سنن النسائي من قولهم أخبرنا الحارث المسكين هذا من النساخ، من تصرف النساخ، ظنوا أن، لأنهم لم يكونوا يعلمون هذه القصة، ويجدون أنه شيخ له فقالوا: خلاص أخبرنا، وبعضهم كتب حدثنا.
طيب، نرجع إلى كتابنا، فهذا من ورع النسائي رحمه الله عليه، وهكذا من ورعه يقول كلمة هو يعرفها، سمعها، لكن لانه لم يسمع اللفظ جيداً يقول كلمة معناها كذا وكذا. وكان الحفاظ يعقدون مجالس للإملاء، وهذا قد عُدم اليوم. الذهبي يقول في عصره: مجالس للإملاء، ما معنى الإملاء؟ يعني يلقنهم وهم يكتبون حدثنا، يكتبون حدثنا، هذا إملاء، يملي عليه، وأما التحديث بدون إملاء فيقول: حدثنا فلان، حدثنا، يمشي الذي يكتب يكتب، والذي لا يكتب.
أما الإملاء يمكنهم من الكتابة. قال: وهذا الإملاء لا يقع اليوم. والإملاء عادة يكون من حفظه، ويأتبي بأسانيد. قال: وهذا قد عُدم اليوم، ثم أحياه بعد ذلك بعض الأئمة، العراقي وابن حجر العسقلاني والسيوطي والسخاوي، كل هؤلاء صاروا يملون.
ومن الإملاءات المشهورة، الأمالي المطلقة للحافظ ابن حجر والسخاوي. والإملاء يكون محققاً ببيان الألفاظ للمسمع والسامع؛ لانه يتأنى، وليتجنب رواية المشكلات مما لا تحمله قلوب العامة إذا أراد أن يملي، لأن الإملاء عادة يكون للمجلس المشترك فيه الناس، يكون للناس عامة. يقول: في هذا الإملاء يتجنب ما لا تحمله قلوب العامة من الأخبار التي يعني لا تعيها عقول فهمهم أو لا يدركونها، فإن روى ذلك فليكن في مجالس خاصة.
ورربما ما ذكرته لكم عن سفيان كان ينبغي هو مجلس خاص، ليس كذلك؟ لكنهم مبثوث على هذا، من الأسباب التي ربما أنا أقول: ربما تكون يعني تصلح للخاص دون العام، لأن العامة قد يفهمون أن سفيان الثوري هذا يعني عنده حسد أو عنده كذا، وهي من باب المنافسة، ويعلم أنه لن يكون هو المتفرد وحده، هناك من أخذوه عنه، لكنه يريد أن يتفرد عن فلان فيكون أعلى إسناداً من فلان، ويكون إسناد يحتاج إليه شيء من هذا القبيل، وهذا منافسة، وأخبارهم في المنافسات كثيرة جداً.
قال: ويحرم عليه رواية الموضوع في الإملاء، ورواية المطروح الذي لا يقبل البتة إلا أن يبينه للناس ليحذر، هو يرويه ويقول: هذا مطروح أو هذا موضوع.
نعم، أين وصلنا؟ الثقة، نقرا قليلاً أو نتوقف ها، خمس دقائق، عشر دقائق.
الثقة تشترط العدالة في الراوي كالشاهد، ويمتاز الثقة بالضبط والاتقان. هناك شرطان للرواية: العدالة بمعنى الديانة وعدم الفسق، وهذا مشترط في الشاهد والراوي يشترط فيه زيادة على ذلك الاتقان الحفظ. طيب، اليس الشاهد أيضاً حافظاً؟ ينبغي عليه أن يكون حافظاً؟ لا، لأن الحفظ المقصود هذا أمر زائد؛ لأنه يحتاجه في الأسانيد، الشاهد إنما يقول شيئاً شاهده، وعادة ما تشاهده يكون منطبعاً في ذهنك، والعدول يعني في الغالب أنهم يحفظون ما يشاهدونه، أما الروايات ففيها اختلاط وفيها التباس لكثرتها، فأحتاج أهل الحديث الى أن يشترطوا مع العدالة الضبط والحفظ.
نعم، فإن انضاف إلى ذلك، يعني إلى الحفظ والضبط، انضاف إلى ذلك المعرفة والإكثار، يعني هو مكثر من الحديث وأيضاً عارف، فماذا؟ هذا فهو حافظ. من الحافظ؟ هو الذي عنده روايات كثيرة وهو عدل وضابط متقن، فجمع، اجتمع فيه ثلاثة أوصاف: العدالة والضبط والإتقان والحفظ، فالحفظ ليس دليلاً، إذا قالوا: فلان حافظ، ليس دليلاً على الضبط، قد يكون حافظاً، ليس هو دليل على الضبط، لكن ليس دليلاً على العدالة، يعني يمكن أن يكون حافظاً غير عدل.
فلكن إذا قالوا: ثقة، ثقة عادة تطلق على العدل الضابط، وصدوق نفس الشيء. هناك عبارات: كلمة حافظ الأغلب أن تطلق على الثقة الضابط، لكن قد تطلق على ليس بعدل، مثل مثلت لكم: الشاذكُوني رحمه الله عليه، حافظ، كانوا يتعجبون من حفظه، وكان الإمام أحمد نفسه يتعجب من حفظه، ويقول: هو أحفظنا للابواب، ومع ذلك أعرض الناس عن حديثه؛ لانه كان يكذب في الحديث.
فإن انضاف إلى ذلك المعرفة والإكثار فهو حافظ، والحفاظ طبقات. ولذلك كنت ساقول شيئاً في تعبير الحافظ ابن حجر لما ترجم لأبي حنيفة رحمه الله عليه في التقريب ذكره بالحفظ، أو ذكره بالاماعة فقط، ولم يذكر الضبط ولا، فكانه أراد يعني أن يكون في الوسط، لا ذاكراً أنه مثلاً غير حافظ أو غير ضابط، وإنما قال: هو إمام، أو إمام متبوع، أو نحو هذا الكلام. لا يبرز من كلمته أنه متقن للحديث؛ لأن الإمام أبا حنيفة رحمه الله عليه هناك من ينتقده في الحفظ ويقول: إنه لا يحفظ الأحاديث أو لا يضبطها؛ لأنه فقيه، لكنه فقهه ممتد من الصحابة ومن مدرس مسعود ومن العلماء الذين يعني يخالطهم، فليس بالضرورة أن يحفظ الأسانيد مادام أنه يحفظ العلم ويعرف أن هذا العلم ثابت عن فلان أو ثابت عن فلان.
نعم، الذي أتى بهذا أن بعض العبارات لابد أن ننتبه هل هي دالة على الثقة أو العدالة والضبط معاً، أو دالة على أحد الطرفين؟ قال: والحفاظ طبقات، في ذروتها، وهذه اللفظة أظنها مثلثة الذال: ذروتها وذروتها وذروتها، أبو هريرة في الصحابة.
طبعاً الصحابة الحفاظ كثيرون، لكن هو أعلاهم أبو هريرة رضي الله عنه، وإلا المكثرون من الصحابة الحفاظ مشهورون: أبو هريرة فوق الخمسة آلاف يقال، وعندك ابن عمر فوق الألف، وعندك عائشة مثل ابن عمر يبدو، وأنس بن مالك وجابر بن عبد الله وابن عباس، ومن السابع؟ ها أنس ذكرتُ، أنس ناتي بها مرة أخرى. والمكثرون من رواية الخبر: أبو هريرة، يليه ابن عمر وجابر وزوجه النبي والحبر.
إذا هم سبعة: أبو هريرة، أنا نسيت أبو سعيد الخدري، هم سبعة: أبو هريرة وأنس بن مالك وعبد الله بن عمر وعائشة رضي الله عنها وجابر وابن عباس وأبو سعيد الخدري، هؤلاء المكثرون كلهم فوق الألف. وأما دون الألف فجماعة، أبو بكر رضي الله عنه مع أنه توفي في السنة الثالثة عشرة، لم، وكان مشغولاً بالجهاد وأهل الردة، فلم يكن الأمر مهيئا للتحديث ولتلقي الناس عنه.
وممع ذلك كلما اختلفوا في شيء طار بها أبو بكر وقال: سمعت رسول الله، وهذه كلمة عائشة في أبيها اختلفوا في اين يدفن النبي صلى الله عليه وسلم فقال لهم أبو بكر: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «أنبياء يدفنون حيث ماتوا». لم يكن عند أحد منهم علم إلا هو. لأن الصحابة، أنس مثلاً عمر متى توفي؟ اثنين وتسعين، فرق بين واحد توفي سنة اثنين وتسعين وواحد توفي سنة ثلاثة عشر، هذا سيدركه الناس، سوى يلحق الأحفاد بالأجداد.
نعم، فذكر هنا وفي ذروتها أبو هريرة، وفي التابعين ابن المسيب، وفي صغارهم كالزهري، وفي اتباعهم كفيان وشعبه ومالك، سفيان ينطبق على الاثنين: سفيان بن عيينة وسفيان الثوري. ثم ابن المبارك، لأنه قال كابن المسيب، ويحيى بن سعيد ووكيع وابن مهدي، ثم كأصحاب هؤلاء كابن المديني وابن معين وأحمد بن حنبل وأحمد وإسحاق وخلق، ثم البخاري وأبي زرعة وأبي حاتم وأبي داود ومسلم، هؤلاء هم تلاميذ الذين قبلهم تقريباً في العلم.
ثم النسائي وموسى بن هارون وصالح جزرة وابن خزيمة، ثم ابن الشرقي. صالح جزرة من المشاهير ترى من أهل النقد، لكنه ليس له كتاب، وهو اسمه صالح بن محمد من الحفاظ الكبار، يعني يقارنون بابن خزيمة والنسائي وهؤلاء، وسمي صالح جزرة لأنه صحف حديثاً كان فيه اسم رجل خرِزة فقَرَأ جزرة، فسمي صالح جزرة، يعني لصق في هذا الخطا.
وممن يوصف بالحفظ أن بعد هؤلاء جماعة من الصحابة، يعني هؤلاء في الطبقة العليا من الصحابة، من الصحابة والطبقات التي بعدها، عدهم، عد الصحابة والتابعي وتابع التابعي ومن بعدهم إلى ابن الشرقي. ثم قال: وممن يوصف بالحفظ والاتقان بعد هؤلاء، يعني في الدرجة التي بعدها، جماعة من الصحابة والتابعين. ذكر التابعين ذكراً هكذا عاماً، ثم أتى إلى اتباع التابعين مثل سفيان ومالك وشعبة، فذكر عبيد الله بن عمر وابن عون ومسعر، ثم زائدة والليث وحماد، هؤلاء بعد اتباع التابعين، حماد بن زيد.
ثم بعدهم يزيد بن هارون وأبو أسامة وغندر وابن وهب. اللهم صل على سيدنا محمد، وهذا هؤلاء بعضهم عنده يعتبر من اتباع التابعين مثل يزيد، لكنهم أصغر من أولئك. ثم أبو خيثمة زهير بن حرب، أبو بكر بن أبي شيبة وابنه أيضاً ابن أبي خيثمه من الحفاظ، وأبو بكر بن أبي شيبة وابن نمير، ابن نمير الابن محمد بن عبد الله بن نمير، أبوه أعلى منه رتبة ينبغي أن يضاف في الذين قبله. وأحمد بن صالح المصري الذي ذكرت لكم مذاكرته مع الإمام أحمد وأنه ما استفاد، لو قال: لو كنت، لو لم استفد من بغداد إلا هذا الحديث، هو هذا الرجل أحمد بن صالح.
ثم عباس الدوري، هذا تلميذ يحيى بن معين، راوية يحيى بن معين في تاريخه، وابن وارة محمد بن مسلم بن وارة مشهور، والترمذي أنتم تعرفونه، وأحمد بن أبي خيثمه هذا ابن أبو خيثمه ابن زهير بن حرب، وعبد الله بن أحمد ابن الإمام أحمد، ثم ابن صاعد وابن زياد النيسابوري وابن جوصا وابن الأخرام، ثم أبو بكر الإسماعيلي وابن عدي وأبو أحمد الحاكم، كل هؤلاء من الحفاظ الكبار وأصحاب تصانيف.
ثم ابن منده ونحوه، ثم البرقاني شيخ الدارقطني، وأبو حازم العبدوي، ثم البيهقي وابن عبد البر. لماذا لم يعد الدارقطني هنا؟ أين عده؟ غريبة. ثم الحميدي وابن طاهر الحميدي صاحب الجمع بين الصحيحين، ثم السلفي وابن السمعاني، السلفي أبو طاهر السلفي، ثم عبد القادر والحازمي، ثم الضياء الحافظ الضياء، وابن سيد الناس خطيب تونس، وابن سيد الناس محمد بن أحمد، ثم حفيده حافظ وقته أبو الفتح شيخ الذهبي، وهو اسمه محمد بن محمد بن محمد، اسمه ثلاثة كلها فيها محمد: محمد بن محمد بن محمد بن أحمد بن سيد الناس.
وممن يعد من الحفاظ في الطبقة الثالثة عدد من الصحابة وخلق من التابعين. ما شاء الله مررنا على أناس كثيرين، انتهت العشر دقائق أو، ها ما أسمع؟ نكمل الطبقات هذه وتابعيهم وهلم جرا إلى اليوم. ها لا، هذا ينبغي أن نحن نقف عنده لأن فيه دقائق جميله جداً وتحتاج إلى انتباه ربما أمثل عليها.
هذا وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه اجمعين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
د. سعيد المري