الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين.
أما بعد، فهذا الدرس الثامن من شرح كتاب الموقظة للإمام الذهبي رحمه الله عليه، وقد اقتربنا من نهاية الكتاب إن شاء الله، وإن شاء الله أن ننهيه في هذه الدروس القادمة بإذن الله. لذلك ربما نستعجل في بعض المواطن التي لا تحتاج إلى وقوف عندها.
يقول المؤلف رحمه الله عليه: المقلوب هو ما رواه الشيخ بإسناد لم يكن كذلك، فينقليب عليه، وينط من إسناد حديث إلى متن آخر بعده. أظن هذه اللفظة هو حط عليها؛ قال في القاموس: نط في الأرض نط ذهب؛ هي دارجة من الألفاظ التي كنا نظنها عامية، يعني نط ينط قفزا، وهنا قال: فينقلب عليه وينط من إسناده، كأنه قفز من إسناد إلى آخر، من إسناد إلى متن آخر بعده. وزاد الذهبي هنا -حسب النسخة التي عندنا، معناها الكلام الأول كان كلام الحافظ ابن دقيق العيد- قال الذهبي: أو ينقلب عليه اسم راوٍ؛ مثل مرة بن كعب بكعب بن مرة، وسعد بن سنان بسنان بن سعد. يعني هذا القلب في اسم الرجل يجعل اسم والده قبل اسمه، واسمه اسم والده، وهذه من زيادة الذهبي، وإن كان هذا القلب في الاسماء يعني ليس بكبير مشكلة، يعني سهل الوصول إليه، وأظن فيه مؤلف، بعض الأئمة ألف فيه. لكن الإشكالية في الأول؛ القلب في الإسناد هو أن يأتي بإسناد ويركبه على متن غير متنه، كما فعل أهل بغداد للبخاري، فأتوا بعشرة أسانيد -كل واحد من العشرة أتى بعشرة أسانيد- وركبها على متون غيرها، فعرفها البخاري رحمه الله عليه.
هنا قال: المقلوب هو ما رواه الشيخ بإسناد لم يكن كذلك، فينقلب عليه وينط من إسناد حديث إلى متن متن آخر بعده. قال: فمن فعل ذلك خطأً -يعني من ركب إسناداً على متن من باب الخطأ- فقريباً ذلك، وركب متناً على إسناد ليس له فهو سارق الحديث. يعني هناك تركيب إسناد على متن ليس تعمدا، وهناك التعمد. الغير متعمد هو المقلوب، ويسمونه أيضا دخل؛ يقولون: دخل له حديث في حديث أو إسناد في إسناد. مرة دخول الحديث في الحديث قد يكون دخول إسناد في إسناد أو دخول إسناد في متن، هو دخول الإسناد في الإسناد هو دخول الإسناد في المتن هو بمعنى. فقال: المقلوب هو نوع يذكر في دخول الحديث في الحديث، الحديث دخول الحديث في الحديث أيضا من المقلوب. لكن القلب قد يكون يجمع بين أمرين أو يحتمل أمرين؛ يحتمل أن يكون متعمدا، فان كان متعمدا فصاحبه مجروح، وان كان غير متعمد فهذا هو دخول الحديث في الحديث. دخول الحديث في الحديث هو قلب غير متعمد نعم.
وقوله: فان تعمد وركب متناً على إسناد ليس له فهو سارق. لا أدري هل هذا أظنه ليس كلام الذهبي وإنما كلام ابن دقيق العيد، وهو الذي يقال في حقه: فلان يسرق الحديث. ومن ذلك أن يسرق حديثاً ما سمعه فيدعي سماعه من الرجل، هذه هي السرقة الحقيقية. ربما ابن دقيق العيد يعني ذهب إلى أن تركيب متن على إسناد على متن أو متن على إسناد ذهب إلى أنه سرقة، لأن أصله بدايته سرقة، وإلا هو ليس سرقة، وإنما هو قلب أو يسمى إلصاق؛ تلصق إسنادا بمتن. السرقة ما هي؟ سرقة الحديث هي أن تدعي أنت سماعه من شيخ وأنت لم تسمعه منه، لأنك سمعت فلانا يحدث به عن ذلك الشيخ فسرقته، وكأنك سرقته من ذلك الرجل. يعني مثلا الدكتور عادل يحدث عن الدكتور عبد السلام المجيدي، فجئت أنا -لا سُمِع ولا قُدّر الله- فسمعت الشيخ عادل يحدث به، فادعي أني سمعته من الشيخ عبد السلام، وأنا لم أسمعه منه، هذا يسمى سرقة. السارق هو لا ياتي، لا يضع حديثا رأسا، وإنما مثل السارق الطبيعي؛ السارق الطبيعي يسرق سلعة، يسرق مادة موجودة أصلا، فسارق الحديث هو يدعي سماعا لم يكن له، وعاده يكون ذلك المسروق منه الحديث متفردا بذلك الحديث، فياتي ويقول: أنا أيضا لي هذه المنقبة، وأنا قد سمعتُه من ذلك الشيخ الذي سمعه منه عادل، هذا هو السرقة.
طيب، الإلزام لماذا سماه ابن دقيق العيد بأنه سارق؟ هو في الحقيقه ليس بسارق، لكنه لا يتم له التركيب إلا بعد السرقة. كيف ذلك؟ الحديث الذي حدث به الدكتور عادل عن عبد السلام المجيدي عن زيد من الناس عن عمر، لما أنا آخذه من الدكتور عادل وأدعي سماعه من الدكتور عبد السلام فهذه هي سرقة، لكن بعض السراق -يعني ماذا نقول؟ شيطان، يعني عنده دقة- يقول: أنا لو أدعيت سماعه عبد السلام من عبد السلام سأكشف بطريقه أو بأخرى، فأركب له إسنادا آخر بعيدا عن سند الدكتور عبد السلام، فأصله سرقة ثم ركب، وواضح ولعله لذلك سماه ابن دقيق العيد سارقا وإلا هو ملزق. ولذلك نجد ابن حبان يقول: يلزق الأخبار أو المتون بأسانيد صحيحة ليست لها لا يستريب فيها من حديث صناعته في أنها موضوعة، وكما ذكرت لكم الوضع يختلف عن السرقة والإلزام. الوضع هو أن يضع المتن والسند رأسا على النبي، يكذب على النبي فيأتي بشيء لم يكن موجودا أصلا هذا هو الوضع، وأما السرقة فهو يدعي ادعاء لشيء موجود أو يركب سندا لمتن وسند آخر موجود، نعم فيدعي سمعه من رجل ومن ذلك بل هذا هو الأصل هو قال: ومن ذلك أن يسرق حديثا سمعه فيدعي سمعه من رجل، هذا هو الأصل هنا.
في أربعة، ماذا قال في أربعة؟ قال: فيستفاد من هذا أن سرقة الحديث تركيب متن على إسناد ليس له عمدا. في الحقيقه هذا ليس سرقة هذا تركيب قلب إلصاق. وقال المصنف في تاريخه -المصنف الذي هو الذهبي-: سرقة الحديث أن يكون محدث ينفرد بحديث، فيجيء السارق ويدعي أنه سمعه أيضا من شيخ ذلك المحدث. إذا أتَى بالتعريف الأوضح للسرقة، هذا هو الذي ذكره في تاريخه ابن الذهبي رحمه الله عليه. قال: سرقة الحـ- في الحاشية كما ترون أمامكم في الشاشة -أن يكون محدث ينفرد بحديث، يجيء السارق ويدعي أنه سمعه أيضا من شيخ ذلك المحدث، وقد يكون أكثر حنكة فيركب له إسنادا مختلف حتى لا يكشف. وهذا أساسه السرقة، لأنه لم يكن على علم بذلك الحديث إلا بعد ما سمعه من ذلك الشيخ أو سمع أن ذلك الشيخ يحدث. أحيانا لا يكون سمعه من الشيخ نفسه السارق، وإنما سمع أناسا يذكرونه عن فلان، ومن الأمور التي تكشف هذا السارق -وكثير منهم ينكشف- أن يكون الشيخ الذي انفرد بالحديث أخطا أصلا في الحديث. وهناك قصة مهولة تذكر عن أبي داوود رحمه الله عليه -أبي داود ليس السجستاني وإنما الطيالسي- في حديث تفرد به شبابه عن شعبة عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن القزع. هذا الحديث في الصحيحين لكن من طريق نافع عن ابن عمر، ورواه عن نافع كثيرون.
هنا رواية شعبة؛ شعبة من الثقات الكبار يروي حديث القزع وتفرد به، أين أصحاب شعبة؟ أين أصحاب عبد الله بن دينار؟ مقبول تفرد شعبة، لكن تفرد شبابه -وهو ثقة- عن شعبة بهذا الحديث أيضا من الأمور المستبعدة. ولذلك قامت الدنيا على شبابه وخطؤوه، وقالوا: إنما أراد حديث شعبة عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الولاء وعن هبته، وهذا حديث مشهور من رواية شعبة عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر نهى عن بيع الولاء وعن هبته، وهذا نهى عن القزع؛ فكانه دخل له حديث نافع في حديث عبد الله فواضح خطا شعبة عند النقاد. ثم تفاجأ الناس بأن أبا داود الطيالسي يقول: حدثنا شعبة عن عبد الله بن دينار عن النبي صلى الـ- عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن القزع، فصاح الناس بأبي داود: هذا ليس من حديثك، يعني هذا خطا معروف لك. فقال: دعوه، دعوه، كأنه أخطأ أبو داود إمام! وهذه القصة قصة كبيرة جدا، دعوا الحديث، يعني تراجع، لأنه لو لم يتراجع لكذب، الحمد لله لسقط، لكن هذه الحركة من أبي داود يعني كبرت على كثير من العلماء واستنكروها جدا: كيف يخطئ في مثل هذا الخطا؟ لكن الخطا وارد على مثله، قد يكون زل لسانه سبق، فعلم لما آثاروا عليه فتراجع.
فبعض السراق يفعل مثل هذا ويكون مكشوفا؛ لأن الشخص الذي تفرد بالرواية أصلا هو مخطئ، فكيف أنت تتابعه إلا وأنك سرقته منهم؟ ويحضرني الآن بعد قصة حصلت في هذا العصر بين بعض المعاصرين -أنا ساذكر لكم دون أن أذكر أسماء- رجل مدقق، كلاهما مدقق، والإنسان لا يخلو من يعني هفوة، البشر كلنا معرضون للهفوات. هذا المدقق أخرج حديثا وتكلم عليه وبكلام طويل، وجاء الثاني وأخذ الكلام نفسه وجعله في تحقيقه لكنه غير فيه. فخاطبه ذاك الآخر برساله وقال: أنت هذا الحديث وتخريجه بهذه الطريقه هي عملي أنا، فلما لم تنسب الفضل إلي؟ هذا داب العلماء. قال: إنما أنا فعلت بنفسي ما فعلت أنت ولم أرجع إليك. قال: لست بصادق. كيف؟ قال: لانني أخطأت في نقل في ذلك التحقيق، كان الكتابان بين يدي، فسبق نظري إلى أحدهما دون الآخر وكتبت الرقم الآخر الخطا، وأنت تقع في نفس الخطا لا يمكن! فعند ذلك انكشف.
فالسارق كثيرا ما ينكشف، وكان ينبغي على المؤمن إذا استفاد فضلا من أحد أن ينسبه إليه ولا يغيظه هذا، لكن كان بينهما ما بين الأقران.
نعم أين وصلنا؟ إذا قال: فيدعي سَمْعَه الرجل. ثم قال هنا -الزاى يعني من زيادات الذهبي- قال: وإن سرق فأتى بإسناد ضعيف لمتن لم يثبت سنده فهو أخف جرما ممن سرق حديثا لم يصح متنه وركب له إسنادا صحيحا. هذا واضح يعني، إذا كان السارق وضع سندا لكنه سند ضعيف، يعني ما يضر وجود هذا السند لكنه نوع من يعني من الجناية على كل حال، ربما يكون هذا الضعيف يستفاد منه يعني مثلا عمل في فضائل الأعمال أو نحوها. قال: فإن هذا نوع من الوضع والافتراء فهو أخف جرما ممن سرق حديثا لم يصح متنه وركب له إسنادا صحيحا، يعني هذا الذي سرق حديثا متنه غير صحيح يعني إسناده أصلا ضعيف ويركب له إسنادا صحيحا هذا جرمه كبير مثل الذي يضع الحديث. أنا قلت لكم إن السارق ليس لا يضع حديثا رأسا، ولكن من وضع له إسناد صحيح لمتن أصلا كان ضعيفا فكانه وضع ذلك الحديث. وهذا وإن كان مسألة يعني مطروقة هنا ومذكورة هنا إلا أنها نظرية بمعنى أنه لا يمكن أن يوجد سارق يضع حديثا صحيحا لمتن ويمشي ذلك على العلماء. هناك النقاد الذين لا يتركون، يكون سارقا إلا ويبينون سرقته، ولا يتركون حديثا فيه إشكال إلا ويبينون إشكاله، بل وقفوا للثقات الكبار بالمرصاد فما بالك بالناس المجاهيل والسراق؟ نعم، فهي مجرد أنه يقول: هذا أصله. لكن في كتب الأئمة الموجودة؛ الأحاديث التي وصلت إلينا لا يمكن أن يوجد مثل هذا ويمشي على النقاد، يعني يجينا واحد يقول والله البخاري نعم صار فيه سرقة وهو منتبه! هذا ما يمكن لاعتبارات كثيرة جدا.
والعجيب أننا نجد بعض الناس يقول إن البخاري دسوا عليه اليهود في كتابه؛ اليهود دسوا على البخاري! من وين هذا؟ طيب دسوا على البخاري بعد دسوا على أحمد؟ لا، ما اظنه يوجد حديث في البخاري إلا ويوجد في مسند أحمد، إلا ما ندر، وهكذا المساند الأخرى؛ مسدد، إسحاق بن راهويه، أبو يعلى الموصلي، ابن أبي شيبة، نجد هذه الأحاديث موجودة في هذه الكتب، فمن السذاجة أن يدعي شخص مثل هذا الادعاء بكل سهولة.
ويوجد في هذا العصر طيب عشان أنا كل مره أقول لكم سنمشي بسرعه. طيب، وركب له سند صحيح أن هذا نوع من الافتراء من الوضع والافتراء، فإن كان ذلك في متون الحلال والحرام فهو أعظم إثما وقد تبوأ بيته في جهنم، لكن هذا كما ذكرت لك لا يكون والنقاد موجودون، وأما يعني يمكن أن يكون لكن يكشفون، وقد كشف كثير منهم فبالتالي لا يتخارج عندنا ونظن أن هناك شيء بقي من هذا ولم يكشفه أهل العلم.
وأما سرقة السماع والدعاء ما لم يسمع من الكتب والأجزاء فهذا كذب مجرد، ليس وضعا للحديث، لأن الكتب أصلا موجودة، ليس من الكذب على الرسول صلى الله عليه وسلم بل من الكذب على الشيوخ، ولن يفلح من تعانه، وقل من ستر الله عليه منهم؛ فمنهم من يفتضح في حياته ومنهم من يفتضح بعد وفاته، فنسأل الله الستر والعفو.
ولذلك كثيرا ما نجد النقاد يقولون إن روى فلان كذا إن كان صح أنه رواه فهو فضيحة له. يعني أحيانا استنباطات النقاد لتركيبة الإسناد يعلمون أنه مفتعل لهذا أو مدع ادعاء فيكون فضيحة له. يعني ما أدري سمعتم بواحد اسمه عمرو بن حكام تلميذ شعبة؟ يمكن عنده عن شعبة أربعة آلاف حديث، ومع ذلك الغى النقاد حديثه كله، حذفوه من الوجود، وأحاديث موجودة عند غيره، حديث عن شعبة موجودة عند غيره لاجل ماذا؟ لاجل حديث أو عدة أحاديث، لكن أحد هذه الاحاديث هو الذي...
كشفه. وهو حديث الزنجبيل، لما سئل عنه الإمام أحمد، قال: الزنجبيلية جبيلية. وآخر يقول: وما تريدون من هذا، اتركوا المسكين؛ يعني واضح أمره مكشوف.
لكن هناك من الكذبة أو السارقين من هو محنك، خصوصاً بعض الحفاظ؛ يعني مثل الشاذكوني. الشاذكوني حافظ كبير جداً، لكن الله سبحانه وتعالى لم يبارك في علمه، ولذلك ليس مشهوراً عندكم ولا تعرفونه مع أنه كان من نظراء أحمد في الحفظ، لكن ألغي حديثه وترك بسبب ما عاناه من السرقة ومن وضع الأسانيد. ولذلك هو متهم في كلام كثير من أهل العلم.
المسألة الأخرى أو الباب الآخر: التحمل. التحمل معناه: سماع الحديث أو أخذه من الشيخ بطريقة من الطرق. طرق التحمل كثيرة. قال هنا: لا تشترط العدالة حال التحمل. عندنا التحمل وعندنا الأداء. التحمل ماذا؟ السماع والأخذ. والأداء: أن تكون أنت الشيخ فتعطي الناس الحديث. قال: لا تشترط العدالة حال التحمل، يعني بإمكان أن يتحمل الصغير وحتى الكافر، بل حالة الأداء يعني تشترط العدالة عندما تؤدي؛ فيصح سماعه كافراً وفاجراً. فقد روى جبير بن مطعم رضي الله عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في المغرب بالطور، فسمع ذلك حال شركه ورواه مؤمناً. تعرفون هذا الحديث؟ حديث عجيب؛ يقول جبير بن مطعم: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في المغرب بالطور، فكاد قلبي أن يطير؛ يعني من قوة ما سمع من القرآن وعظمة ذلك تلك الآيات، قال: فكاد قلبي أن يطير.
واصطلح المحدثون على جعلهم سماع ابن خمس سنين سماعاً. إذاً، من سمع من حضر المجلس وهو ابن خمس سنين يعدونه سماعاً، يمكن أن يقول: أخبرنا فلان، بمعنى قرئ عليه وأنا أسمع، ويكون بمثابه الكبير، هذا اصطلحوا عليه. وما دونها حضوراً، فإذا كانت في الأولى يقولون ماذا؟ يقولون حضوراً، في الأولى حضوراً، في الثانية حضوراً، في الثالثة حضوراً، في الرابعة، أما في الخامسة فيقول سماعاً ويقول: أخبرنا. والحضور لا ينفع إلا إذا كان اقترن بالإجازة، فإذا كان مجرد حضور ولم يجزه المحدث لا يعتبر شيئاً، فإن أجازه عليه أن يقول: أنبانا. ولذلك في اللفظة السابقة يبدو أنها كانت في بعض النسخ «أنبانا»، فنبه المحققون هنا في ركائز على أن الصواب «أخبرنا» أو «أخبر» نعم؛ لأنه إذا قال «أنبانا» معناه أنه مجاز بها، وهذا سواء كان صغيراً أو كبيراً هي سائغة.
والذهبي قال: إنه تدليس إذا حضر وهو صغير ثم قال «أخبرنا»؛ لأن «أخبرنا» معناه قرئ عليه وأنا أسمع، وأنت حضور، هذا حضورك لا يعتبر ولا يستفاد منه شيء إلا إذا اقترن بالإجازة، فكلمة «أخبرنا» هي الصواب في النسخة، وربما يكون في بعض النسخ الأخرى «أنبانا» وهي خطأ؛ لأنها يصبح المعنى ملبساً.
نعم، أين وصلنا؟ قال: واصطلح المحدثون على جعلهم سماع ابن خمس سماعاً، وما دونها حضوراً، وتأنس بأن يعني احتجوا أو استانسوا بأن محموداً -كما ذكرنا البارحة- محمود بن ربيع عقل مجة مجها رسول الله صلى الله عليه وسلم في وجهه، ولا دليل فيه؛ يقول هنا ابن دقيق العيد: لا دليل في هذا؛ لأن الأطفال يختلفون، قال: والمعتبر فيه إنما هو أهلية الفهم والتمييز، فقد يفهم وهو أكبر وقد يفهم وهو أصغر، لكن هذا الذي اصطلح عليه المحدثون ونحن لا نستطيع أن نخالف اصطلاحهم، وهذا هو السائد، فإذا اصطلح الناس على شيء مثل -مثل يعني بلوغ- اصطلح كثير من أهل العلم على أن البلوغ هو سن الخامسة عشرة، وقد يبلغ من هو دون ذلك، وقد لا يبلغ في سن الخامسة عشرة ولا يبلغ إلا بعدها، لكن هذا المصطلح عليه والذي تجري عليه الأحكام.
نعم، مسألة: يسوغ التصرف في الإسناد بالمعنى إلى صاحب الكتاب أو الجزء، وكره بعضهم أن يزيد في ألقاب الرواة في ذلك، وأن يزيد تاريخ سماعهم وبقراءة من سمعوا؛ لأنه قدر زائد على المعنى. معنى هذا الكلام: هناك يحصل قراءة لكتب بأسانيد من الشيخ إلى صاحب الكتاب، يقول: يسوغ التصرف في الإسناد بالمعنى إلى صاحب الكتاب أو الجزء الذي نقرا نحن إليه، فالإسناد منا إلى صاحب الجزء يجوز التصرف فيها بالمعنى.
كيف التصرف؟ يعني مثلاً قال: حدثنا محمد بن أحمد بن علي البلقاني أبو حفص، يمكن أن تقول: محمد بن علي البلقاني مباشرة وتحذف بعض اسمه أو أبو حفص خلاص، هذا معنى؛ فتتصرف في هذه الأسانيد لطولها، وربما تحذف حتى التحديث إذا كان فيها تحديث تقول: عن عن عن. فيقول: يسوغ يعني يجوز التصرف في الإسناد بالمعنى إلى صاحب الكتاب أو الجزء؛ لماذا؟ لأن الإسناد الذي بيننا وبين صاحب الجزء إنما هو البركة و يعني لبقاء السلسلة الإسنادية، وإلا فالأصل الجزء، والجزء موجود، فالتصرف في الإسناد قبل الجزء لا أشكال فيه.
ثم قال: وكره بعضهم أن يزيد في ألقاب الرواة في ذلك، وأن يزيد تاريخ سماعهم وبقراءة من سمعوا؛ لأنه قدر زائد على المعنى. يعني الزيادة لما تزيد على الإسناد هذا الذي إلى صاحب الجزء، هذه الزيادة كرهها بعضهم؛ لماذا كرهها؟ قال: لأنها أمر زائد على المعنى، أنت ما تصرفت في المعنى بالنقص، وإنما جئت بامر زائد قد تكون مخطئاً فيه، فمثلاً تاتي إلى اسم رجل من الناس ويكون هذا من المشتبه -محمد بن علي، يعني سبحان الله تذكرت الآن أو ذكرتها الدكتور في في في مرة من المرات كان معهم أحد علماء الرجال من العصر الف فيه وفّ في شيوخ البيهقي، وكنت في أيام الدكتوراه بحثت في حديث للبيهقي أو أحاديث للبيهقي طلبها منا أستاذ، فوقفت على رجل عند البيهقي على ما أذكر اسمه أنه علي بن الحسين أو ابن الحسن المهرجاني كذا اسمه واسم أبيه واسم جده ونسبه وكنيته، خمسة أشياء كلها موجودة في رجلين من شيوخ البيهقي ليس واحداً، عنده رجلان يشتبهان في الكنية، شيخان له في الكنية والاسم واسم الاب واسم الجد والنسبة، فالتمييز بينهما في غاية من الصعوبة، لكن أحدهما اسمه ابن المقرئ والآخر ابن السقا على ما أذكر السقا.
فمر معي الاسم مرة مرتين، فانقدح في ذهني أنهما رجلان، فسرت أبحث تركت بحثي وسرت أبحث فيهما، ففعلا وجدت أنهما رجلان؛ لأن البيهقي جمع بينهما بينهما في أحد الأسانيد: حدثنا أبو الحسن ابن السقا، وحدثنا، وذكر المهرجاني، وكلهم المهرجاني. فمثلاً إذا جاءنا واحد يريد أن يزيد في الاسم ممكن يأتي إلى ابن السقا. ولذلك لما جاءني الشيخ بصاحبه الذي ألف في شيوخ البيهقي تذكرت هذه المساله ففحصت، ووجدته قد انتبه إلى الفرق بينهما وزاد على ذلك أنه وقف على أناس من أهل العلم كثيرون أو كثيرين أخطأوا في الرجلين، فمرة يذكرون هذا باسم هذا، ومرة يذكرون هذا باسم هذا، أو يعرفون أحدهما بالآخر من المعاصرين. فلماذا كره بعض الناس أن يزاد في الألقاب؟ لأنك يمكن أن تزيد لقباً ويكون الرجل ليس هو الذي أنت تعنيه، أنت يكون الذي في السند يختلف مشتبهاً بآخر، ولذلك قال: تتقيد بما وجدت في الإسناد.
وهكذا تتقيد بتاريخ السماع، يمكن أن تجد سماعاً في مكان آخر لنفس الجزء وبنفس السند في تاريخ، ويكون هذا السماع يختلف عنهم في في وقت آخر؛ لأنهم قد يسمعون الكتاب مرات كثيرة، يعني منهم من يقول: سمع البخاري يعني يعني مئات المرات، حتى في هذا العصر أعرف رجلاً أتوقع أنه سمع البخاري أكثر من مئة مرة كاملاً، فأحياناً يتكرر السماع.
ماذا قلنا؟ لأنه قد وبقراءة من سمعوا، كان يقول: أخبرنا بقراءة فلان، يزيد في كلمة «أخبرنا» التي في إسناد الجزء الذي قبل من الشيخ إلى الجزء يقول: بقراءة فلان، وهو ليس بقراءة فلان في هذه المره وإنما بقراءة آخر، فيقول يعني طبعا هذا لا يضر لمن لمن كان حاذقاً؛ لأنه سيكتشف إذا كان هناك خطأ، وهو قال: كره؛ لأنه يعني قد يحصل الخطأ، ليس بالضرورة أن يحصل الخطأ.
نعم، قال: ولا يسوغ إذا وصلت إلى الكتاب أو الجزء أن تتصرف في تغيير أسانيد ومتون. ما معنى هذا الكلام؟ يقول: التصرف في الإسناد إلى الجزء هذا يسوغ، لكن التصرف في أسانيد الجزء أو الكتاب نفسه -يعني كتاب البخاري مثلاً- نحن تصرفنا في الإسناد منا إلى البخاري، كتاب البخاري من البخاري إلى رسول الله لا يجوز لك تصرف فيه، لا في متنه ولا في إسناده. قال: ولا يسوغ إذا وصلت إلى الكتاب أو الجزء أن تتصرف في تغيير أسانيده ومتونه؛ يعني لا لا حالة التحديث ولا غيرها من الحالات؛ لأن المصنف المصنف أمامك كيف تتصرف فيه وهو بين يديك؟ ولأنك إذا تصرفت فيه ستكون قد خالفْتَ وضع مصنفه له.
نعم، ولهذا قال شيخنا ابن وهب: ينبغي أن ينظر فيه: هل يجب أو هو مستحسن؟ هو يعني فيما أظن أنه يجب، ولعل هذا من عبارة ابن الصلاح ربما قال هذا يعني أنه يجب المنع، عدم أنه لا يسوغ. وقوى بعضهم الوجوب. من قال هنا من بعضهم هذا؟ وهو ابن الصلاح، فقال في علوم الحديث -أنا أقرأ من الحاشية الآن-: ليس لأحد أن يغير لفظ شيء من كتاب مصنف ويثبت بدله فيه لفظاً آخر مع معناه؛ معناه يعني بمعناه، فإن الرواية بالمعنى رخص فيها من رخص لما كان عل لما كان عليهم في ضبط الألفاظ والجمود عليها من الحرج والنصب؛ لأن أولئك الذين رخص لهم الرواية بالمعنى يحفظون فيؤدون، فاذا كان طلب منهم التقيد بالألفاظ سيكون هذا فيه حرج عليهم، ويحتاج أنهم يرجعون إلى اصولهم ويقراون عده مرات حتى يحفظ.
قال: لما كان عليهم في ضبط الألفاظ من الجمود عليها من الحرج والنصب، وذلك غير موجود فيما اشتملت عليه بطون الأوراق والكتب؛ ما دام أنك أمامك الورق فلما تروي بالمعنى؟ خذ هذا الذي موجود في في الكتاب. ولأنه إن ملك تغيير اللفظ فليس يملك تغيير تصنيف غيره؛ لو أنك أنت عندك اللفظ تحفظه وغيرت غيرت اللفظ والمعنى واحد، قام بدل قام تقول وقف، بدل قعد تقول جلس، هذا تغيير اللفظ وسائغ، غيرت التصنيف؟ المصنف صنف على هذه الكيفية، فلا يجوز لك تغييرها.
نعم، ولذلك قال هنا: وقوى بعضهم الوجوب مع تجويزه الرواية بالمعنى، وقالوا: ما له أن يغير التصنيف؟ قال: وهذا كلام ابن وهب -الذي هو ابن دقيق العيد- وهذا كلام فيه ضعف، يعني اللي هو تغيير التصنيف أنه يجوز يعني معناه أو ليس بواجب.
أما إذا نقلنا من الجزء شيئاً إلى تصانيف وتخاريج، فإنه ليس في ذلك تغيير للتصنيف الأول؛ يعني إذا أنا أصنف أنا المصنف الحين وأخذ من البخاري وأخذ ممكن إني اختصر وأقول: رواه البخاري بسنده أو عن فلان عن فلان، وأتي بجزء من الحديث ثم أقول: الحديث، فهذا يسوغ لي؛ لأنني أنا الذي أصنف. وأما أني انقل كلام البخاري أو أنقل تصنيف البخاري وأغيره أطبعه على أساس أنه البخاري وأنا مغير في هذا لا يجوز. لكن عندي في كلام ابن دقيق العيد هنا أو في هذا الكلام عندي فيه كأنّه في يعني فيه قلق.
ولا يسوغ إذا وصلت إلى الكتاب أو الجزء أن تتصرف في تغيير أسانيد ومتونه، ولهذا قال شيخنا ابن وهب: ينبغي أن ينظر فيها، هل يجب أو هو مستحسن؟ وقوى بعضهم الوجوب مع تجويزه رواية بالمعنى، وقالوا: ما له أن يغير التصنيف؟ قال: وهذا كلام ضعيف. هل الكلام الضعيف يعني تغييره تصنيف؟ لأن الكلام الذي بعده: أما إذا نقلنا من الجزء شيئاً إلى تصانيفه وتخاريجه، هذا خارج عن ذاك، الأول كان الكلام فيه عن التصنيف نفسه، لا ينبغي أن نغيره.
ما رايكم من نبحث في كلام ابن دقيق العيد أصلاً أساس، من هو المحقق عندك؟ ركائز ولا من نفس الصفحة هذه في أي في أي حاشية؟ ستة، أي إن التعليل لوجوب المنع من التصرف بأن فيه تغييراً للتصنيف، التعليل لوجوب المنع من التصرف بأن فيه تغييراً للتصنيف فيه ضعف؛ طيب، لأنه يلزم منه جواز التصرف فيما ننقله إلى أجزائنا وتخاريجنا، فإنه ليس فيه تغيير للتصنيف المتقدم.
قال في الاقتراح: وليس هذا جارياً على الاصطلاح، فإن الاصطلاح على أن لا تغير الألفاظ بعد الانتهاء إلى الكتب المصنفة، سواء رويناها. طيب، هذا هذا الذي أنا أقول إن فيه إشكال، ظهر أن فيه إشكال. يبدو أن اختصار الذهبي لكلام ابن دقيق العيد كان فيه مشكلة، الذهبي كيف اختصره؟ قال: وهذا كلام فيه ضعف. أما إذا قلنا هذا لم يقله ابن دقيق العيد في النقل الذي قراناه قبل قليل، ليس كذلك؟
فلنبحث عن كلام ابن دقيق العيد في الاقتراح، نقرا الاقتراح ما رأيكم؟ وين الاقتراح صفحة وليس هذا جارياً، نفتح الشاملة ونقول في البحث هنا، هذا سيطيل علينا للأسف الدرس، لكن لا باس إذا أدركنا قال إيش: وهذا ليس جارياً، عبارته: وهذي وليس هذا جارياً على الأصح، وليس هذا وليس هذا جارياً على الاصطلاح. طيب نقرا كلام دقيق العيد الآن.
البحث الثاني الذي اصطلحوا عليه -ترونه في الشاشة- دعني أكبر المكان وهكذا: البحث الثاني الذي اصطلحوا عليه من عدم تغيير الألفاظ بعد وصولهم إلى المصنف، ينبغي أن ينظر فيه: هل هو على سبيل الوجوب أو هو اصطلاح على سبيل الاستحسان؟ وفي كلام بعضهم ما يشعر أنه ممتنع. هناك عند الذهبي ماذا قال شو عبارته؟ وقوى بعضهم الوجوب، يعني حتى تغيير الذهبي للكلمة أصبحت مشكلة، غير بعضهم الوجوه، هو ليس وجوباً.
هناك لما قال هل يجب أو مستحسن، هنا قال: وفي كلام بعضهم ما يشعر أنه ممتنع، لأنه وإن كان له الرواية بالمعنى فليس له تغيير التصنيف، وهذا كلام فيه ضعف. يعني معناه أن ابن دقيق العيد كأنه يجوز التغيير في التصنيف، وأقل ما فيه أن يقتضي تجويز هذا فيما ينقل من المصنفات المتقدمة إلى أجزائنا وتخاريجنا. يعني هو كلام السابق ابن صلاح يقول: لا تغير التصنيف، ويستنبط منه أننا إذا نقلنا من التصنيف يجوز لنا التغيير، فهو يقول: إن هذا الكلام من ابن الصلاح فيه ضعف.
خلوكم معي يا مشايخ، الآن اتضحت الصورة: ابن دقيق العيد أورد أن ابن الصلاح يقول: تغيير التصنيف لا يجوز، وكان ابن الصلاح يقول: إذا نقلنا من التصانيف جاز لنا التغيير -هذا المفهوم من كلام ابن الصلاح- قال: وهذا كلام فيه ضعف، وأقل ما فيه أنه يقتضي تجويز هذا فيما ينقل من المصنفات المتقدمة إلى أجزائنا تخاريجنا، فانه ليس فيه تغيير للتصنيف المتقدم، وليس.. ثم قال: وليس هذا جاريا على الاصطلاح، فإن الاصطلاح على أن لا تغير الألفاظ بعد الانتهاء إلى الكتب المصنفة، سواء رويناها فيها أو نقلناها منها.
هنا اتضحت الصورة، وتبين ما في هذا الاختصار من قلق العبارة، اتضحت لكم الصورة يا مشايخ ولا لا؟ شوي، ها. على كل حال هذه العبارة فيها قلق ويرجع إليها. قال: وهذا كلام فيه ضعف، يقصد كلام ابن الصلاح؛ لأنه قصر المنع على التغيير في التصنيف، وهو يقول: لا، المنع حتى لو نقلناها نحن من هذه الكتب إلى ما عندنا؛ يعني هذا أيضا لا يجوز.
لكن الذهبي كأنه.. ذكر كلام الذهبي ربما هنا لم يختصر، اختصر فقط كلام ابن دقيق العيد عند قوله: وهذا كلام فيه ضعف، ثم لم يبين وجه الضعف الذي أراده ابن دقيق العيد، وجاء هو من نفسه بكلام مستأنف وقال: لا، أنا مع ابن الصلاح يا ابن دقيق العيد حيث قال: أما إذا نقلنا من الجزء شيئا إلى تصانيف وتخاريج فإنه ليس في ذلك تغيير للتصنيف الأول. فكان الذهبي منحى إلى نحو كلام ابن الصلاح.
نعم. قلت: ثم الذهبي يستدرك هنا، بس كأنه لما قال: قلت، إن الكلام السابق لابن دقيق العيد، ووضع (زاي) الجماعة؛ لأنهم يرون كلام ابن دقيق العيد، ثم ما لم يوجد في كلامه يضعون (زاي)، فقد يكون.. أما أيضا يوضع فيها (زاي)، ربما يحسن أن يوضع عندها (زاي). ثم قال: قلت، يعني يقيد ذلك الذي فيه (أما)، هو الآن جوز عند النقل إلى التخاريج وإلى التصنيفات أن جوز أن يتصرف في الرواية.
ثم بين الآن هنا يقول: قلت هذا التصرف ليس على إطلاقه، قلت: ولا يصوّب تغيير ذلك إلا في تقطيع حديث أو في جمع أحاديث مفرقة إسنادها واحد فيقال فيه: وبه إلى النبي صلى الله عليه وسلم. هذا الكلام ممتاز جدا، يعني كأن، ماذا أقول؟ كأن أربى بين الرجلين، بين ابن دقيق العيد وبين ابن الصلاح: ابن الصلاح يجوز التصرف إذا نقلناها إلى تخاريج وتصنيفات، وابن دقيق العيد يقول: هذا خلاف الاصطلاح، لا نتصرف بل ننقلها ما دام الكتب موجودة، والذهبي لا، مال إلى جواز التصرف لكن ليس مطلقا في تقطيع حديث؛ يعني نأخذ حديث من البخاري طويل، يمكن أن ناخذ منه وجه الشاهد ونترك الباب، جئنا إلى أحاديث بسند واحد في البخاري فبدلا من أن نقولها كل مرة بالسند نجمعها في سند واحد، فهذا تصرف حسن لأنه ما غيرنا شيء.
فقال: ولا يسوغ تغيير ذلك إلا في تقطيع حديث أو في جمع أحاديث مفرقة إسنادها واحد فيقال فيه: وبه إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
الحمد لله ظهرت صورة العبارة وأنا كنت استشكلت حقيقة. طيب.
مسألة أحيانا في الشروح وفي المسائل التي تمر معنا يمكن أن لا تفهمها في البداية ويحتاج منك إلى تأمل، خصوصا إذا كانت من النقاد، لكن بالبحث والتامل وعدم التعجل يمكن إدراك بعض الأشياء المنغلقه عليك، ويمكن تدركها في شرح آخر أخ في البدايه لم تدركها ثم تدركها في وقت آخر.
نعم قال: تسمح بعضهم أن يقول: سمعت فلانا فيما قرأ عليه أو يقرأ عليه الغير، وهذا خلاف الاصطلاح أو من باب الرواية بالمعنى؛ يعني المفترض الذي اصطلح الناس عليه إذا كان هناك قراءة على شيخ أن تقول: قرئ على فلان وأنا أسمع وأخبرنا فلان، أو إذا كنت أنت القارئ وحدك تقول: أخبرني فلان، أما أن تقول: سمعت فلانا، ما ما تكلم حتى تسمعه! صح، لكنه يعني قال هنا: هذا خلاف الاصطلاح أو أنه رواية بالمعنى؛ يعني توسع في مسألة التحديث أو مسألة السماع؛ يعني أقام مقام القراءة أو أقام القراءة مقام السمع.
ومنه قول المؤرخين: سمع فلانا وفلانا. هنا أظنه يقصد بالمؤرخين أهل التراجم يسمون مؤرخين. إيش ق.. هنا؟ ويمكن الفرق بأن الذي في التراجم مجرد الأخبار بالشيوخ لا خصوص التمييز بين السماع وغيره قاله فتح المغيث.
نعم. ومنه قول المؤرخين: سمع فلان وفلانا. أكثر من يقول هذه الكلمة البخاري في التاريخ الكبير يقول: سمع فلان وروى عن فلان. وهناك الكثير من المؤرخين أو المترجمين أو يعني كتب الرجال ربما هي أدل على هذا المعنى الذي أراده الذهبي لما يقول المؤرخين يقصد كتب الرجال، يقولون: فلان روى عن فلان وسمع من فلان أو روى عن فلان وفلان وفلان. فكلمة روى هذه أسلم من قوله سمع؛ لأن السماع قد لا يكون سماعا حقيقة، قد يكون إخبارا قراءة. فيقول: هذا من التجوز أو من التوسع أو التسمع.
نعم وهي تدل على المعنى ما دام أنه يقولها في ترجمة فهذا لا إشكال فيه؛ لأنه يريد أن يثبت أن فلانا قد أدرك فلانا وسمع منه ولو كانت قراءة، أما عند التحديث فينبغي عليك التقيد: إذا كانت قراءة تقول: أخبرنا، وإذا كان تحديثا تقول: حدثنا، وإذا كان سماعا تقول: سمعت أو يقول هو: سمعته.
نعم لكن هنا في المؤرخين هم فقط يريدون أن يحكوا اللقاء والسماع عامة فيمكن أن يطلقوا هذه الكلمة سمع فلان ولا يقصدون السماع من لفظ الشيخ.
مسألة: إذا أفرد حديثا من مثل نسخة همام أو نسخة ابن مسهر فإن حافظ على العبارة جاز وفاقا. هناك نسخ تروى بأسانيد مثل نسخة همام ونسخة المسهر ونسخة أبي الزناد الأعرج، وفي الصحيح منها الشيء الكثير، فإن حافظ على العبارة جاز وفاقا؛ يعني حافظ على عبارة النسخه؛ لأن النسخة تكون موجودة ومروية والآن طبع منها، هناك نسخ طبعت مثل نسخة همام بن منبه مطبوعة كما يقول ماذا.. مسلم. فذكر أحاديث منها وقال رسول الله..
يعني النسخة سلّمكم الله تكون السند في بدايتها ثم الأحاديث البقية مسروده سردا، الحديث الأول هو الذي يتصل بالسند همام بن منبه عن.. ها همام عن وهب بن ابن أسف عن أبي هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا وكذا، وقال رسول الله، وقال رسول الله.. ففي البقية لا يوجد سند، فماذا يفعل المصنف؟ هل يجوز له أن يأخذ السند ويركبه على الحديث الثاني؟ جائز؛ لأنه لما قال وقال وقال يقصد بنفس السند الأول.
فهنا ماذا قال الذهبي؟ قال: إذا أفرد حديثا -أفرد يعني اختار حديثا من تلك الأحاديث التي ليست الإسناد متصلا بها، وإنما كان الإسناد في بداية النسخة- إذا أفرد حديثا من مثل نسخة همام ونسخة ابن مسهر فإن حافظ على العبارة جاز وفاقا. كيف حافظ على العبارة؟ يأتي بالسند ولا يصل به المتن الذي أراده، وإنما يبين بعبارة معينة فيقول: حدث.. مثلا محمود بن محمد بن رمح عن عبد الرزاق عن معمر عن همام عن وهب عن أبي هريرة.. أو فحدث بأحاديث ومنها قال رسول الله كذا، وقال رسول الله كذا.. يقول: هكذا حافظ على العبارة في الأحاديث، في الحديث الذي أخذه؛ لأن الحديث الذي أخذه فيه وقال، فحافظ عليها بهذه الطريقة يقول: جاز وفاقا كما يقول مسلم.
يعني هذا متفق عليه فذكر أحاديث منها وقال رسول الله، وإلا -إن لم يحافظ على العبارة وإنما اخذ السند وركبه على المتن لأنه متنه وسنده- فالمحافظ على الترخص في التصرف السائغ.. هنا هنا مسألة أحب أن أنبه عليها، وهي أن كثيرا ما يقولون إن مسلما هو الذي يحافظ على العبارة، وكثير منهم يقول بأن البخاري لا يحافظ على العبارة، وهذا غير صحيح، البخاري كمسلم في ذلك، ولكن البخاري سلك طريقة مختلفة.
فمثلا البخاري روى من نسختين وكلا النسختين لأبي هريرة بدايتها: نحن السابقون الآخرون. فهو إذا أراد أن يروي من تلك النسخ ماذا يفعل؟ يأتي بالحديث الأول ثم يعطف عليه وقال.. فهذا يعني هذا واضح أن البخاري أراد أن يبين اللفظ وأن هذا من نسخة و..
وقد ذهب كثير من الشراح إلى تفسيرات غريبة في نحن الآخرون السابقون؛ يعني مثل.. أوجد من هذا القبيل في في كتاب الطهارة وغيره. فتعجب.. تعجب الناس في أبواب من أبواب الطهارة، ما علاقة نحن السابقون الآخرون بهذا الباب؟ فصاروا يفسرون تفسيرات عجيبة وغريبة، والبخاري لم يرد هذا، وإنما أراد أن يقول لك إن هذه.. هذا الرواية، أنا أريد الحديث الآخر، وهذه نسخة، ولعلي أريكم إياها بشكل سريع إذا استطعنا.
ناخذ هنا نقول البخاري.. صحيح البخاري ها، صحيح البخاري ونختار النسخة السلطانية ونحذف الاقتراح، ونقول هنا: نحن الأيش؟ الآخرون السابقون الآخرون السابقون.. الآخرون، واحدة من رواية الأعرج. خلينا ناخذ رواية الأعرج، نسخة الأعرج. إذا أنا أخطأت في لحظة ربما اللفظ هنا نقول: السابقون أولا.. السابقون ونجعل.. ولا اللاحقون، خلاص. السابقون نجعل أمامها نجمة حتى لو قال والسابقون مثلا، نقول أعرج ما شاء الله يرويها البخاري هذه النسخة من رواية أبي اليمان عن شعيب عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أنه سمع قال: نحن الآخرون السابقون.
هذا في أي باب؟ باب البول في الماء الدائم. ما علاقة هذا المعنى بالبول في الماء الدائم؟ لو ترجعون إلى كثير من الشروح تجدون العجب كيف أنهم استطاعوا بقدرتهم على الشرح أن يوفقوا بين هذا اللفظ وبين الباب عجيبين الشراح! لكن اقلب الصفحة الآن وإسناده قال: لا يبولن أحدكم.. وهو يريد هذا! ذاك يريد أن يقول لك: هذه بداية نسخة، أنظر إلى ما بعده؛ مثلا هنا نفس السند ونفس المسألة في أي باب؟ باب يقاتل من وراء الأمم. طيب، ما علاقة السابق الآخر بالمقاتل؟ ثم اقلب الصفحة ستجده يقول: وبهذا الإسناد.
فالبخاري كمسلم، لكني للاسف وجدت بعض المحققين أو بعض المعاصرين يقول على خلاف البخاري فانه يتصرف في النسخة، يقول هكذا. طيب، نرجع إلى مسألتنا هنا، طبعا هو له نسخة أخرى.
التطبيق رائع، نعم. تطبيق ولذلك أنا أردت أني أريكم إياها في الشاملة حتى تكون المسألة بشكل أوضح، ومع ذلك المحققون على أن التصرف في هذا بغير ما ذكره البخاري، لكن الأفضل والأجود ما يذكره البخاري ومسلم. مسلم طريقته مختلفة: يأتي بالسند ثم يقول: فذكر أحاديث ومنها قال رسول الله أو وقال رسول الله. والبخاري طريقته كما رايتموها مسألة اختار، لو خولف هذه الطريقة فركبت السند الأول على المتن الأخير لا إشكال فيه؛ لأنه هو هو سنده.
مسألة اختصار الحديث وتقطيعه جائز إذا لم يخل بالمعنى أو إذا لم يخل معنى. ومن الترخيص تقديم متن سمعه على الإسناد وبالعكس، كان يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الندم توبة، أخبرنا به فلان عن فلان.
مسألة هذه واضحة: إذا ساق حديثا بإسناد ثم اتبعه بإسناد آخر وقال: مثله، ايش معنى مثله؟ يعني مثل المتن السابق، وروى حديثا سند ومتن ثم يأتي بسند ويقول: مثله، أو أنه يعيد نفس المتن. جوز العلماء أن تقول: مثله، فهذا يجوز للحافظ المميز للألفاظ، فإن اختلف اللفظ قال: نحوه، أو قال: بمعناه، أو بنحو منه. إن كان نفس اللفظ يقول: مثله وقد يقول: به، وإن كان اللفظ متقارب والمعنى واحد يقول: بنحوه أو بمعناه.
ومن الأمور التي يعني ألبست على البعض من المتأخرين أن الخطيب البغدادي وغيره أوردوا كلاما لشعبة بن الحجاج وسفيان الثوري، وفهموا منه أن شعبة بن الحجاج لا يقبل الحديث المعنعن، والحقيقة أن مقصود شعبة بن الحجاج لا يقبل كلمة مثله. يقول: إن شعبة بن الحجاج رفض أن تقول حدثنا عن فلان عن فلان عن فلان مثله، وأجازه سفيان، ففهم بعض الناس أن سفيان يجيز العنعنة وأن شعبة لا يجيز العنعنة، والخلاف في الحقيقة ليس في هذا، وإنما في مثله، أو تسوق المتن؛ فكان شعبة يوجب أن تسوق المتن.. ليس واضحا، أعيدها أو الصوت؟
أقول: هناك خلاف وقع بين شعبة وغيره من النقاد وذكروها في كتب الاصطلاح، وهذا الخلاف ظن بعض الناس أنه خلاف على العنعنة أو الحديث الذي ليس فيه تصريح بالسماع؛ لأن السند كان فيه عن.. والحقيقة أن الخلاف في كلمة مثله، هل تجوز ولا ما تجوز؟ وكان شعبة يتشدد في ذلك، لا يقبل أن تقول في حديث ذكرته سابقا ثم ذكرته بإسناد آخر أن تقول: مثله، عليك أن تاتي بالمتن؛ لأن شعبة يخشى من أن تكون غير عارف بالمتن أو بالمعنى، وأن تتجاوز وتقول مثله وهو ليس مثله، فكانه تشدد في هذا، لكن هنا قالوا: يجوز لمن.. لمن هو مميز للألفاظ، للحافظ المميز للألفاظ.
نعم مسألة أنا بعيد عهد بها ألقيتها لكم جزافا حقيقة ولم أراجعها، لكن أنتم راجعوها، إن وجدتموها كما قلت الحمد لله، وإن وجدتموها على خلاف ما ذكرت لكم فأخبروني، من..
وجدها منكم مسألة؛ إذا قال: حدثنا فلان، مذاكرة، دل على وهن ما؛ لأن المذاكرة لذلك قال هنا: إذ المذاكرة يتسمع فيها. ما معنى المذاكرة؟ المذاكرة ليست مثل المذاكرة التي في المدارس، المذاكرة هي أن يلتقي حافظان ويتذاكرا في محفوظاتهما بطريقة مختلفة عن التحديث؛ فيقول: ما تحفظ فيما يروي الزهري عن أنس؟ فيقول: أحفظ حديث المغفر، وحديث كذا، وحديث كذا، وحديث كذا.
فقد يقول له: حديث المغفر من رواه لك؟ فيقول: رواه لنا فلان وفلان. فهنا يذكر الإسناد، لكن لم يذكره على صيغة التحديث في مجلس وهو متهيئ للتحديث، قد راجع الأصول، وإنما قاله مذاكرة.
ولذلك لما تذاكر أحمد بن صالح المصري وأحمد بن حنبل، كما ذكرت لكم سابقا، وذكر أحمد بن حنبل حديث أبي طالب في جلوس النبي صلى الله عليه وسلم عند أبي طالب، وقوله: «قل لا إله إلا الله»، بسند للزهري عن أحد بني مطعم، فقال: أتقول هذا وأنت الإمام؟ تبسم أحمد، فقال: حدثنا به ثقتان: بشر بن المفضل وإماعيل بن علية، كلاهما ثقة جبلان. فقال: أسألك بالله ألا أمليت علي الآن؟ كان مذاكرة وسمعه، قال: حدثنا به ثقتان.
كان بإمكانه أن يكتفي بهذه المذاكرة وأخبار أحمد له بهذا التحديث، ويروح يقول: حدثنا أحمد بن حنبل عن بشر بن المفضل إلى آخره، فماذا قال له؟ قال: أسألك بالله ألا أمليته علي، يعني الآن حدثني. فإذا أحمد سيحدثه سيكون لابد أن يجمع رامز، فقال: من الكتاب، من الكتاب، ودخل وأخرج الكتاب وحدثه وأملاه عليه. فحديث يختلف عن المذاكرة، المذاكرة قد يقدح فيها شيء من الخلل، ولذلك أخذ حديثا أو ساقه مساقا في كتاب فعليه أن يبين أنه مذاكرة. ولذلك يقولون إن البخاري في بعض الأحاديث الذي هو متوثق من صحتها، لكن لأنه أخذها مذاكرة لا يقول فيها حدثنا، وإنما يقول: قال لي فلان، فيميز الحديث بطريقة الأداء.
نعم، ومن التساهل السماع من غير مقابلة، يعني أن يسمع من المحدث ثم لا يأتي يقابل ما سمعه بأصل المحدث، لابد من المقابلة. قال: هذا من التساهل، فإن كان كثير الغلط لم يجز، يعني إذا كان الشخص عرف بالأخطاء، يعني ليس متقنا، لم يجوز أن يؤخذ منه وهو لم يقابل، وإن جوزنا ذلك فيصح فيما صح من الغلط دون المغلوط، يعني إذا قلنا نقبل منه فنتاكد من صحة ما رواه وما سمعه وإن لم يعارض أو يقابل، وإن ندر الغلط فمحتوى سمع ولم يقابل، سمع ربما كتب ولم يقابل ما أخذه من الشيخ على أصل الشيخ.
المقابلة هي أن تأتي إلى الشيخ وتقول: اريد أن أقرأ ما اخذته عنك مقابلة، فيرخص لك الشيخ في ذلك ويجعلك تقابل، فإن قابلت خلاص صلحت ما أخطأت فيه، ما قدمت، ما آخرت، ما لم تسمعه جيدا، أو كتبته بطريقة، أو ربما قفز من سند إلى متن آخر فيصلح هذا المقابلة. قال: إن لم يقابل لا يجوز له أن يأخذ كتاب الشيخ ويحدث منه على أنه سمعه، واضح؟ فلابد من المقابلة.
طيب، كم الساعة الان؟ هل نقف عند آداب المحدث؟ أظن نقف؛ لأن ما شاء الله قاربنا على الساعة تقريبا، وإن شاء الله في آداب المحدث وفي ألفاظ الجرح والتعديل أو في ما سياتينا من كتابه سنسر إن شاء الله أكثر من ذلك حتى ننهي الكتاب. هذا وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله واصحابه اجمعين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
د. سعيد المري