دخولتسجيل الدخول

الدرس 7

سعيد المريد. سعيد المري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

فهذا الدرس السابع من دروس الموقظة للإمام الذهبي رحمه الله عليه، كنا وصلنا في كلامنا عن التدريس، ووصلنا إلى قوله: ولهم في ذلك أغراض؛ يعني للمدلسين في تدليسهم أغراض، يعني مقاصد. قال: فان كان لو صرح بمن حدثه عن المسمى المسمى الذي هو شيخه، ويسمي شيخه وبينه وبينه واسطة، فإن صرح، فإن كان لو صرح بمن حدثه عن ذلك الذي سماه، إن كان لو صرح لعرف ضعفه، يعني ضعف الساقط هذا، فهذا غرض مذموم؛ لأنه ماذا يريد؟ يريد أن يسوق الحديث، أن يمشي الحديث؛ لأنه يعرف أنه لو حدث عن هذا الضعيف لما أخذه الناس عنه. قال: فهذا غرض مذموم وجناية على السنة، ومن يعاني ذلك جرح به، فإن الدين النصيحة.

هنا يمكن أن يعني ماذا نقول؟ يول نقيد قيداً، وهو أن يكون الساقط ضعيفاً عند من أسقطه؛ لأنه قد يكون ضعيفاً عند المتلقي، ليس ضعيفاً عند المدلس، فالمدلس يراه غير ضعيف، فهنا لا يكون جرح فيه. وربما هذا هو غالب حال المدلسين؛ لأنه يرى عنده ثقة بشيخه، لكن لأجل ألا ينفض مجلس عنه، ويذهب الناس، يسقط هذا المدلس عنه، أو هذه الواسطة، وهذا يحدث.

يعني أهل الحديث أحياناً يكون عند المحدث أحاديث قليلة؛ مائة، مائتين، أكثر، فاذا انتهت الاحاديث لم يبق عنده شيء، عنده المراسيل والموقوف، فينفض الناس عن المجلس، ونحن بشر نحب أن يبقى المجلس، وإن فممكن بعضهم يعني يأتي بروايات أخرى، نفس الروايات السابقة، لكن يغير الأسماء، أو يسقط بعض الرواة، فيكون كأنه حديث جديد، لكن العلماء عرفوا المدلسين، وضبطوا أمورهم، وألف فيهم المؤلفات، وتقصي فيهم بشكل يعني مستوفى.

قال: وإن فعله طلبا للعلو فقط. ما معنى طلبا للعلو؟ يعني حتى يكون بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم يعني سنداً قصيراً؛ لأن هذا يشترط به أن يكون المذكور في السند شيخاً له أو معاصراً له، مثلاً إذا جاءنا على سبيل المثال الثوري، فبدلاً من أن يروي عن شعبة، عن أبي إسحاق، عن البراء، يمكنه أن يسقط شعبة ويقول: عن أبي إسحاق، عن البراء، بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم اثنين، فهذا طلب للعلو، فالطلب للعلو هذا أمره يسير؛ لأنه لم يكن يعني يريد تسويق حديث ضعيف على الأمة، وإنما يريد أن يعلو، والحديث عنده صحيح، نعم، أو إهامه لتكثير الشيوخ، فيفعل ذلك مثلاً أما يسمي الشيخ، أو يكيه، يكيه وهو معروف باسمه، أو يسميه وهو معروف بكنيته من باب تكثير عدد المشايخ، وهذا يفعله الكثير، يعني حتى من الحفاظ، يعني حتى من المكثرين.

بعض المكثرين من رواية عندهم أحاديث كثيرة، لم يكتفوا بكثرة الروايات التي عندهم حتى ذكروا أسماء الشيوخ ويكنوه، وكنا شيوخ بأسمائهم، لكن العلماء والنقاد يعرفون أن هذا المقصود به كذا وهذا المقصود به كذا. وأنا تذكرت شيئاً، أنا ربما أكون من المدلسين، يعني أحياناً يعني هناك قرية حادثة، قرية جديدة يعني ما لها إلا ربما كم نقول 50 سنة أو نحوها في السعودية، وهذه القرية يعني لنا فيها معارف، لنا فيها ناس، وكان معي أحد الفضلاء صالح، فقلت له: أتعلَم يا فلان من باب المزح كنا نمشي يعني رياضة أن هذه القرية مذكورة في التاريخ؟ قال: إيش تقول يا شيخ؟ مذكورة في التاريخ؟ قلت: نعم، ما سمعت، ألم تسمع أبا محمد الهمداني حين يقول: هذا وقد ندوته بالعصلاء، وصحبتي قواعد الإملاء؟ قال: سبحان الله من أيام أبي محمد الهمداني؟ وأبو محمد الهمداني هو أنا، وظن أنه شخص قديم، لكني بدل ما أقول سعيد قلت: أبو محمد، وبدل ما أقول المري قلت: الهمداني؛ لأن بني مرة ينتسبون إلى همدان.

وللأسف أني إلى اليوم لم أخبره أن هذا البيت لي، فأحياناً لإهام تكثير الشيوخ فيسمي الشيخ مرة ويكني أخرى، وينسبه إلى صنعة، ويكون الغرض من هذه الأغراض إما تكثير الشيوخ، أو تمرير مسألة مثل ما مررت أنا على صاحبي هذا، وينسبه إلى صنعة أو بلد لا يكاد يعرف به، وأمثال ذلك كما يقول: حدثنا البخاري، ويقصد من يبخر الناس، أو يقول: حدثنا علي بما وراء النهر، وهو لا يعني جيحون وما هو النهر؟ وراء النهر أظن هنا عم جيحون ويعني نهراً معيناً آخر قريب منه، أو يقول: حدثنا بزبيد، وتعلمون أن زبيد قرية في اليمن، ويكون هو من أهل مصر مثلاً، ويريد موضعاً بقوص قرية في مصر، أو حدثنا بحران ويريد قرية المرج، فهذا محتمل، يعني هذا الذي فيه؛ لأنه ليس فيه إسقاط للواسطة، وإنما فيها أما التزيين، أو فيها تكثير الاسناد.

وأحياناً يعني لما يقول: حدثنا بما وراء النهر، وتظن أنه يقصد نهر جيحون البعيد هذا، وهو يقصد نهراً قريبا منه، فهو يوهمك أنه رحل، فقط هي هذه المساله، وهذا لا أشكال فيه، ولا يضر الرواية شيئاً إذا كان الواسطة أو المذكور الذي حدثه بما وراء النهر إذا كان ثقة، لا أشكال في هذا. قال: والورع تركه، نعم. ومن أمثلة التدليس: الحسن عن أبي هريرة.

ذكرنا الليلة البارحة بأن من الناس من ينسب الحسن إلى التدليس، وذكرت لكم أن الحسن لم يكن من عصر المدلسين، التدليس انتشر متأخراً، والحسن كان عالماً واعظاً أعجوبة، حتى أن ابن عمر مرة مر عليه وهو يحدث عن غزوة من الغزوات حضرها ابن عمر أظنها غزوة الأحزاب، فاستمع ابن عمر إلى كلامه فتعجب وقال: والله لكأنه حاضر فيها من تفاصيله وعلمه.

وهكذا راه أحد الصحابه أيضاً يحدث الناس فتعجب من علم هذا الرجل، فهو عالم جليل، وله منزلة في البصرة منزلة عظيمة جداً، وفي عصره علماء آخرون، لكنه كان هو بالنسبة للبصرة كان هو المقدم في عصره. محمد بن سيرين المشهور صاحب أبي هريرة وصاحب أنس، وصاحب رجل عالم والناس يعرفونه بالتفسير، تفسير الرؤى وهو بالحديث أعلمه، وتفسير الرؤى مسألة ثانوية يعني، لكنه من علماء الحديث المقدمين الذين اتفق عليهم الناس في بثقته، ومنهم قتادة بن دعامة السدوسي أيضاً من البصريين، ومنهم ثابت بن أسلم البناني، كل هؤلاء كانوا في عصر الحسن، وكانوا علماء كبار.

ثابت بن أسلم البناني كان يقسم الليل ثلاثة أثلاث، بينه وبين زوجته وخادمه، فواحد يصلي أول الليل الثلث الأول، الثاني الثلث الثاني حتى يكون في هذا البيت معموراً بالصلاة طول الليل، شوف إلى أي مدى يفكرون هؤلاء الناس. مع ذلك الناس يقدمون الحسن على ثابت وعلى قتادة وعلى محمد بن سيرين لجلالة الحسن البصري، حسن بن الحسن، أبو سعيد.

ومن الملَح التي تذكر، وإن كنت لست على ثقة من صحتها لكني سأذكرها، وهي قد تكون بعض الروايات التي في إسنادها شيء، إذا لم تكن عن النبي صلى الله عليه وسلم قد تكون صحيحة، ويقولون بأن الحسن البصري رأى رؤيا في المنام، رأى أنه يضرب على العود، تعرفون العود الذي عند المغنين، يضرب على العود وأمامه مزبلة وهو عارٍ من ثيابه، ليس عليه ثياب، فغتمت جداً. وكان له مجالس؛ الحسن كان عنده مجلس في الفقه، مجلس في الحديث، مجلس في التفسير، مجلس في المواعظ، وكان له طلاب، فاغتم من هذه الرؤيا، وكان بينه وبين ابن سيرين شيء تجافي، وكان ابن سيرين يقال بأن أجداده كانوا يحيكون الثياب، يعني أهل خياطة، فقال: والله ما أرانا إلا احتجنا إلى هذا الرجل، أو أو بعد أحد تلاميذه إلى ابن سيرين أسأله، وكان سابقاً سئل سؤالاً وعارضه ابن سيرين فقال: لا لا تسمعون يعني كلام الحاكة أو نحو هذا الكلام.

وهذا يحصل للإنسان أحياناً يأتيه شيء من عدم التوفيق في كلمة، أو قال: لا تنقلوا لنا أخبار الحاكة. الحاكة يعني الخياطين، فكأنه يلمز ابن سيرين بهذا مع ورعه وتقواه، فأرسل أحد تلاميذه إلى ابن سيرين وقال: أسأله عن هذه الرؤيا ولا تخبره لمن هي، كأنها لك. فلما سأله قال ابن سيرين: قل لمن راها لا يسأل الحاكه؛ لمن رأى الرؤيا علم أنها ليست له، لا يسأل الحاكة. فلما جاء وأخبره قال: والله ما أرانا إلا احتجنا إلى هذا الرجل، فقام وذهب إليه، فلما راه ابن سيرين أقبل إليه وتعانق، المسألة بسيطة جداً، وأحياناً التلاميذ يشوشون بين الأساتذة، وهذا ما يحصل كثيراً للأسف.

ثم جلس وسار بينهما كلام وعن الحال والاحوال، ثم قال: أخبرني عن الرؤيا. قال: لا عليك فإنها لا تضرك. قال: أخبرني عنها. قال: بداية قال: كيف عرفت أنها ليست لهذا الذي سالك؟ قال: إن هذه الرؤية لما أخبرني علمت أنها لا تقع إلا لمثلك، لا تصح إلا لانت لك أو أمثالك. قال: وما هي؟ قال: أما عريك فإنه عريك من الدنيا، يعني أنت لم تتشبث بالدنيا، والمزبلة الدنيا فإنها تحت الأقدام، وأما العود فإنك رجل واعظ، وكان الناس يتعجبون من وعظه، العود؛ لأن العود يحبه الناس وأنه جميل، فهكذا شبه وعظه بالعود.

الشاهد أن الحسن البصري إمام، وكان يعني يعلم الناس، يعني أنا أجله عن أن يكون مدلساً، وليس مثله يصلح له التدليس، يكفيه من العلم ما عنده، فهذا من الأشياء التي يعني لا استطيع قبولها حقيقة أنه قول الذهبي رحمه الله، وهو قلد الذهبي رحمه الله عليه، وربما تساهلوا في هذا الوصف ومن أمثلة التدليس: الحسن عن أبي هريرة؛ لأن الحسن لم ير أبا هريرة، بل قال هنا: وجمهورهم على أنه منقطع لم يلقه.

هناك من يثبت اللقاء، هناك من يعني يجعل اللقاء محتملاً، لا يعني من حيث المعاصرة محتمل جداً، لكن بعض النقاد الكبار كانوا يقولون لما كان الحسن هنا كان أبا هريرة هنا، يعني ما التقي في مدينة واحدة، وقد روي عن الحسن أنه قال: حدثنا أبو هريرة، فقيل عن بحدثنا اهل بلده. هذه الجمله انتشرت في كتب الاصطلاح، وسار يعني الآن الذهبي يقول: روي، وهذه العبارة جيدة من الذهبي أنه قال: روي، كأنها غير ثابتة، لكن كثير من كتب المصطلح، لاسيما المتأخرة، أصبحوا يثبتون هذا عن الحسن البصري، وكانوا يمثلون بأن حدثنا أحياناً يستخدمها بعض الناس للتدليس ويقصدون بها حدث أهل بلده، لكن أبا زرعة الرازي وأبا حاتم وغيرهم من النقاد لم يثبتوا التحديث هنا، وردوه على من رواه، وقالوا: الحسن لم يسمع من أبي هريرة، وعللوا الرواية.

ومن العلماء من أثبتها وقال: هذا يثبت سماع الحسن. البخاري رحمه الله عليه لو كان هذا ثابتاً عن الحسن لأثبت سماع الحسن من أبي هريرة؛ لأنه قال في حديث أبي بكرة لما قال الحسن: حدثنا أبو بكرة، قال البخاري: قال علي بن المديني بهذا الحديث ثبت لنا سماع الحسن من أبي بكرة. فلو كان هذا ثابتاً عن الحسن لأثبت سماعه، لكن أبا حاتم رده، وأبا زرعة الرازي رده، وغير واحد من النقاد، وبالتالي التمثيل له بهذه الطريقة يوهم أن الحسن فعلاً مدلس، وأنا قلت لكم إن البخاري لم يعامله معاملة المدلسين، وذكرت لكم أن النسائي في جزئه في المدلسين نسب أناساً كثيرين إلى التدليس، ربما لمجرد عدم السماع، كأنه يتوسع في أن من روى عن شخص وأرسل عنه أنه يمكن وصفه بالتدليس، ولذلك الوصف بالتدليس لابد أن يجتمع عليه الناس، أو أو يكون كثيراً عند النقاد، لا يكون واحد كل من وصف بالتدليس خلاص مقبول كلامه.

ولذلك ماذا قال مسلم في مقدمته: وأما من عرف بالتدليس وشهر به، فاشترط هذين الشرطين: عرف به وشهر به، وليس كل واحد نقول عنه إنه يقول عنه عالم أنه دلس خلاص. ولأسف كثير من تطبيقات المعاصرين مجرد ما يجدون في واحد أنه دلس يعتبرون هذا غير مقبول العنعنة، ويقولون: لم يصرح بالتحديث، مع أن المدلس الذي يتوقف في التدليس هو المشهور بالتدليس، وهؤلاء المشاهير بالتدليس من هم؟ هناك بعضهم مختلف فيه، مثل الأعمش، الأعمش مشهور عند الناس أنه مشهور بالتدليس، ومع ذلك لم نرى أصحاب الصحيح يتوقفون في ذلك في عنعنة، ولما سئل أحمد بن حنبل أو علي بن مديني أو أحد هؤلاء العلماء يعقوب بن شيبة -نسيت أنا أظنه أحمد بن حنبل- عن عنعنة الأعمش قال: وأين تجد التحديث أو التصريح؟ يعني كأنه يقول: هذا صعب، الأعمش تحديثه كثيراً بالعنعنة، وكانهم قبلوا عنعنة، بينما يقول ابن عبد البر في التمهيد بأنه يتوقف في عنعنة الأعمش، لكن صنيع الأئمة وبعض عباراتهم تدل حتى أن الأعمش لا يتوقف في تدريسه.

الشاهد أن هؤلاء المشاهير ليس الناس الذين يندر منهم التدليس، مشاهير بالتدليس فيهم خلاف، في بعضهم خلاف، فلا يكون المدلس مردود العنعنة إلا أن يتوفر فيه عدد من الاعتبارات، وقلت لكم إن الكتب الصحيحة الستة وأمثالها أنها ربما تكون خالية من التدليس.

طيب نعود إلى كلامنا هنا، قال: فقيل عنا بحدث أهل بلده. طبعا أول من ذكر هذا الكلام الخطيب البغدادي في الكفاية وق قلده كل من جاء بعده، والخطيب أيضاً قال: قيل إنه عننا به أهل بلده فكأنها مسألة ليست ثابتة، وإنما ذكروه من باب التمثيل. قد يؤدي تدليس الأسماء إلى جهالة الراوي الثقة؛ لأن التدليس، قلنا التدليس -ما أدري قلنا هذا ولا لا- التدليس ينقسم إلى نوعين: تدليس الإسناد، وتدليس الشيوخ. تدليس الإسناد هو الإسقاط، إسقاط الواسطة والتحديث أو ذكر الحديث عن الشيخ بصيغة تحتمل السماع، عن، ذكر، ويكون أسقط الواسط، هذا يسمى تدليس.

الإسناد تدليس الإسناد، التدليس الثاني الذي فيه تغيير اسم الشيخ؛ مثل: أبو محمد الحمداني، هذا يسمى تدليس الشيوخ. تدليس ماذا؟ الشيوخ؛ يسميه باسم غير الاسم المعروف، ولذلك قال هنا: «وقد يؤدي تدليس الأسماء إلى جهالة الراوي الثقة»، تدليس الأسماء يقصد تدليس الشيوخ، فيرد خبره الصحيح. يعني مثلاً شخص ثقة ومَعْروف عند الناس ثقةً، مثلاً قال: حدثنا أبو محمد الهلالي. أحد منكم يعرفه؟ ابن عيينة، أحسنت! ابن عيينة معروف بأن الناس يقولون: حدثنا سفيان أو ابن عيينة، لكن واحد يقول: حدثنا أبو محمد الهلالي، يعني غريب هذا الاسم وهو أبو محمد الهلالي. فربما إذا غيرت اسمه إلى كنيته ونسبة غير معروف بها، أن الناس لا يعرفونها فيقولون مجهول، فيترتب على ذلك ضعف الحديث. ولذلك قال هنا: «فيرد خبره الصحيح»، فهذه مفسدة.

لكن هذه المفسدة إنما هي مفسدة نظرية، في ظني أنها لا عمل تحتها أو لا يوجد تطبيق عملي صحيح؛ بمعنى لا يمكن أن نجد شخصاً عمَّى شيخه وضعف الحديث بسبب هذه التورية؛ لأن الحديث إن كان حديثاً صحيحاً لابد أن ينتشر، يرويه غير هذا المعمَّى اسمه. وإن كان حديثاً غريباً فحتى لو ذكر اسمه وهو من المتأخرين -لأن عادة تعمية الشيوخ هذه في المتأخرين- إذا عمَّى اسمه وغيره، فحتى لو ذكره وكان هناك تفرد لبقي الحديث متوقفاً فيه. فهذه المفسدة أنا أشك في وجودها حقيقة في العمل، لكنها من حيث النظر هي مفسدة. لكن هل يوجد هناك تطبيق عملي؟ يعني هل هناك حديث ذكره عالم عن شيخه ولم نعرف شيخه بسبب أنه دلس تدليس الشيوخ ولا طرق أخرى له؟ هل يوجد هذا؟

هناك أمثلة لأشياء صنعها بقية بن الوليد، وفي ذلك مثالان: مثال ذكره أهل المصطلح، ومثال آخر أنا وقفت عليه في بعض التخريجات؛ أنه عمَّى اسم شيخه، لكن هذا الاسم المعمَّى هو ضعيف، وفي مكان آخر عمَّى اسم الشيخ، عمَّ -يعني غير- عمَّى على الناس اسم الشيخ لكي يسقط شيخه، شيخه ضعيف فاسقط. وهذا المثال المشهور في كتب المصطلح، وهناك مثال آخر مثله: غير اسم الشيخ فقال حدثنا أبو فلان وهو معروف باسمه، لكي يسقط شيخه؛ لأن الحديث أصلاً ضعيف بسبب الضعيف الذي بعد شيخه. فبدلاً أن يقول حدثنا مثلاً من؟ نقول: عبد الرحمن بن جبر عن فلان الضعيف، عمَّ اسم هذا عبد الرحمن وأسقط الضعيف حتى لا نعرف، ويكون راوي مجهول عن راوي آخر، وهناك سند فيه عبد الرحمن فيكون هذا يتقوى بهذا فيصبح الحديث. وهذه مفسدة أخرى. لكن أن المفسدة تؤدي إلى تضعيف الحديث هذه أشك في وجودها، وإن كان نظرياً هي صحيحة.

واضح كلامي يا مشايخ؟ نعم. ولكنها في غير جامع البخاري ونحوه. هذه مسألة مشكلة صراحةً، مثل: الحسن البصري عن أبي هريرة، لا أستطيع بلعها! تعرفون؛ لأنه ماذا يقول؟ يقول: التعمية هذه التي في أسماء الشيوخ إذا جاءت في صحيح البخاري، فكأن البخاري يعمل ذلك، أليس كذلك؟ والبخاري ليس بحاجة لأن يعمي شيوخه أو يغير أسماءها. قال: «ولكنها في غير جامع البخاري ونحوه»، ماشي؛ الذي تقرر أن موضوعه للصحة. يعني لما البخاري يعمي علينا شيخه، هو أصلاً كفل لنا أن الحديث الذي يريده في الصحيح أنه صحيح، وبالتالي هذه التعمية وعدمها لا مفسدة فيها؛ المفسدة التي ذكرها ليست موجودة في الصحيح، لكن نحن نناقشها في افتراض المسألة أصلاً. الذي تقرر أن موضوعه للصحة؛ فإن الرجل قد قال -الرجل يعني البخاري- قد قال في كتابه الصحيح: حدثنا عبد الله، وأراد به ابن صالح المصري.

طيب، سؤالي: هل هو عمى؟ هل هو غير اسم عبد الله بن صالح المصري واسم عبد الله ما غير اسمه؟ وربما اتكل على معرفة الناس به، لو كان عبد الله بن صالح المصري لو كان هو، ولأن عبد الله بن... خليني أنظر الذي بعده ماذا سيقول. قال: وقال -يعني الرجل الذي هو البخاري-: حدثنا يعقوب، وأراد به ابن كاسب. ابن كاسب وفيه ما فيه، يعقوب بن حميد بن كاسب فيه كلام، وكثير من الأئمة يوثقونه وإنما طعن فيه أبو داود رحمه الله عليه وألقى بأحاديث بعد أن سمعها منه لسبب ذكره، والله أعلم بالصواب.

لكن إذا قال البخاري: حدثنا يعقوب، وهو يعني يعقوب بن كاسب، فهل هذا فيه تغيير اسم الراوي؟ ليس فيه تغيير، وإنما أهمله، أهمل؛ بمعنى... ما معنى المهمل؟ المهمل هو أن تسمي الرجل دون أن تنسبه إلى أبيه وغيره، وهذا الإهمال موجود في كثير من الكتب اكتفاءً بأن هذا معلوم لدى السامعين. فمثلاً لما يقول لك الإمام أحمد: حدثنا محمد عن شعبة، أليس هذا إهمالاً؟ إهمال بمعنى المهمل؛ معناه لم تذكر أباه، وهذا كثير في المسند، لكنه يقصد من؟ يقصد محمد بن جعفر غندر، وهو معروف أن الذي يروي عن شعبة غندر. فهذا الذي صنعه، غاية ما صنعه البخاري هو أنه أهمل الاسم فقط، ربما هو مكتفٍ بمعرفة أن الناس يعرفون أنه فلان، وربما أنه ذكر اسمه لكن في بعض النسخ؛ ولذلك يوجد في رواية ابن السكن أنه قال في عبد الله بن صالح إنه عبد الله بن مسلمة، ليس عبد الله بن صالح.

ثم إن عبد الله بن صالح من الثقات الكبار، يعني ليس هناك داعٍ لأن يعمي اسمه. ولذلك، وتكلم فيه أناس... تكلم فيه أناس بعد في أحاديث متأخرة في آخر حياته؛ كان له صاحب يقال له خالد بن نجيح، يقولون: كان يكتب أحاديث -هكذا قيل- أحاديث بخط عبد الله بن صالح ويرميها في بيته، فيظن عبد الله بن صالح أنها حدثه، ومن هنا جاء الإشكال، وذكر ذلك الإمام أحمد، وإن كانوا يوثقونه، يقولون: صالح (يعني من الثقات) وأنه يعني أجل من أن يكذب؛ لأن الناس الآخرين لما سمعوا هذه الأحاديث التي أخذها عن عبد الله عن خالد بن نجيح، إذا كان حدث ببعضها لكنها ليست موجودة في هذه الكتب التي حدث ببعضها المنكرات، ألغاها الأئمة وتركوها، فقال بعضهم إن عبد الله بن صالح يكذب؛ لأن الأئمة لما يجدون شخصاً يتفرد بحديث معين، وهذا الحديث يمكن أن يكون فضيحة لمن حدث به ويدل على كذبه، فربما يقع فيها بعض الناس لكن ليس متعمداً، كان يدخل عليه دون أن يشعر، وهذا يدلنا على أن منزلته ليست بالمنزلة العليا في الثقة، فهكذا عبد الله بن صالح.

لكن البخاري يعني علق عنه أشياء كثيرة، وكان يرى أصوله وأعرف الناس به، وكان غير عبد الله بن صالح بكير وغيرهم من تلاميذ الليث بن سعد، كانوا يقولون: أكرِمْ على عبد الله بن صالح أن يتفرد عن الليث وهو يصحبه ليل نهار! كاتبه، كاتب الليث، وسافر معه، لا يذهب الليث إلا وهو معه. فهل ينكر أن يتفرد بشيء عن الليث؟ لا ينكر ذلك، لكن بعض هذه التفرد كانت مستنكرة، ربما بسبب ما ذكر عن خالد بن نجيح. فالشاهد أن البخاري لما قال: حدثنا عبد الله، لو كان عبد الله بن صالح، لا إشكال في ذلك؛ لأن البخاري يعلم حديثه الصحيح من المنكر. فأين التدليس الذي دلسه البخاري؟ طبعا الحافظ الذهبي مقلد في هذا الكلام، أظنه قلد فيه ابن منده رحمه الله عليه، لكن البخاري أجل من أن يققال عنه دلس في ظني والله سبحانه وتعالى أعلم.

وين هذا الكلام؟ يقول: «فيرد خبره الصحيح»، ولكنها في غير جامع البخاري؛ لا لا، يقصد المفسدة ليست في جامع البخاري وأنه وقع في جامع البخاري هذا الفعل، لكن المفسدة التي يخشى منها لتضعيف الحديث ليست موجودة؛ لأن البخاري تكفل لنا بالصحه فنحن أخذنا صحة هذا الحديث الذي لا نعلم الراوي الذي فيه بسبب أن البخاري قال صحيح، هذا قصده، وذكرت هذا في بداية الكلام.

طيب، وبكل حال، التدليس مناف للإخلاص لما فيه من التزين؛ لأن التدليس فيه تزين، كأنك يعني تتزين بشيء ليس على حقيقته، وهكذا التدليس في البيع والشراء. طيب، نحاول أن نمشي بشكل سريع لعلنا ننتهي من الكتاب إن شاء الله.

ننتهي، قال: المضطرب ما روي على أوجه مختلفة في عِلَل الحديث، يصبح معلولاً بسبب الأوجه المختلفة المتساوية (لا يستطيع الناقد أن يرجح وجهاً على وجه)، فإن كانت العلة غير مؤثرة بأن يرويه الثبت على وجه ومخالفه الواهي فليس بمعلول؛ هذا الأوجه المختلفة لا يمكن أن نقول إنه مضطرب إذا كان بعض الأوجه ضعيفاً، فهذا الضعيف لا يعني لا عبرة به.

قال زاي، زاي يعني من زيادات الذهبي رحمه الله عليه: «وقد ساق الدارقطني كثيراً من هذا النمط في كتاب العلل فلم يُصِبْ؛ لأن الحكم للثبات». الدارقطني يسأل ويذكر الخلافات الاختلافات، وهذا لا إشكال فيه، بل البخاري نفسه ذكر الاختلافات في كتابه التاريخ الكبير، بل ذكر الاختلافات حتى في صحيحه ومسلم فعل ذلك، لكنها لا تضر. وهكذا الدارقطني ذكر اختلافات كثيرة في كتابه، وأحياناً يرجح، هذا لا إشكال فيه. فقوله هنا: «فلم يُصِبْ»، قال: فلم يُصِبْ؛ لأن الحكم للثبت؛ يعني هذا لم يُصِبْ ربما في كونه أورده في العلل؛ لأن من نظر إليه قال إنه معلول، والحق أن العلل فيها الصحيح وفيها غير الصحيح، لكن هذا اصطلاح أو منهج، فقوله: لم يُصِبْ، لا أتجاَسَرُ في أن أقول لم يُصِبْ فيها.

فإن كان الثبت أرسله مثلاً والواهي وصله، فلا عبرة بوصله لامرين: لضعف راويه، ولأنه معلول بإرسال الثبت له. نعم، يقدم المرسل؛ لأن الثبت هو الذي وصله -أرسله-. ثم اعلم أن أكثر المتكلم فيهم ما ضعفهم الحفاظ إلا لمخالفتهم للاثبات، هو يقول بأن الدرجة الحاصله لهذا الضعيف إنما حصلت بسبب سَبْرِ الأحاديث ومخالفتهم للثقات. المتكلم فيهم، متكلم في حفظهم، وإن كان الحديث قد رواه الثبت باسناد أو وقفه أو أرسله، ورفقاؤه الأثبات يخالفونه، فالعبرة بما اجتمع عليه الثقات؛ فإن الواحد قد يغلط، وهنا قد وهنا قد ترجح ظهور غلطه فلا تعليل، والعبرة بالجماعة. يقول: قد يكون الخلاف بين واحد وجماعة، فالعبرة هنا بمن؟ بالجماعة؛ سواء أرسلوه أو وصلوه أو رفعوه أو وقفوه.

لكن أحياناً يكون الخلاف من الراوي الذي اختلفوا عليه؛ عندنا زيد من الناس إذا اختلف عليه جماعة؛ جماعة قالوا: ذكر الحديث على وجه، وآخرون ذكروا الحديث على وجه، فهنا يكون الخلاف من الشيخ، يعني مرة ذكره هكذا ومرة ذكره...؛ لأن الجماعة تؤيد أنه ذكره (ثلاثة، أربعة، خمسة قالوا إن زيداً من الناس أرسل هذا الحديث، فلا بد أنهم سمعوه مرسلاً)، وهكذا مثلهم في القدر قالوا إنه وصل الحديث، فلا بد أنهم سمعوه متصلاً، فيكون الخلاف من الشيخ نفسه؛ مرة وصله ومرة أرسله، وهنا الترجيح في أيهما الصواب، المرسل أو المتصل؟ يحتاج إلى قرائن ويحتاج إلى نظر؛ لأن الخلاف من الشيخ نفسه.

لكن إذا كان الخلاف من جماعة مقابل واحد، فالأغلبية تدل على أن الواحد هو محتمل، وبالتالي يخطئ هذا الواحد، هذا في الغالب، إلا أن يكون هذا الواحد من الأئمة المتقنين الحفاظ مثل سفيان الثوري، وقد ذكرت لكم سابقاً ربما أنه مرة حفظ حديثاً، فقيل له: يخالفك هشام، يخالفك شعبة، ولم يبالِ بهذه المخالفة، ثم وجدت رواية تجمع بين الروايتين، بين روايته هو ورواية الآخرين، فدل على أنه كان متثبتاً، وهذا يندر، هذا يكون في الأئمة الحفاظ.

وهكذا إذا كان المخالف للحافظ اثنين، لا يمكن تخطئة هذا الحافظ في مقابلة الاثنين، فكل حديث يحتاج إلى نظر وإلى تمعن.

طيب، قال: «وإن تساوى العدد واختلف الحافظان ولم يترجح الحكم لأحدهما على الآخر، فهذا الضرب يسوق البخاري ومسلم الوجهين في كتابيهما». يعني لو روي الحديث عن رجل، رواه جماعتان أو حافظان؛ لأن الحافظ يقابل الجماعة (كأنه جماعة)، أو حافظان عن رجل؛ وغير مثلاً التابعي، جماعة غيرت التابعي؛ روت عن رجل عن تابعي عن صحابي، وجاءت جماعة أخرى وروت عن نفس الرجل عن تابعي آخر غير الأول عن نفس الصحابي، فهنا خلاف على تابعي، فكثيراً ما نجد في البخاري أنه يخرج الوجهين؛ لأنهما صحيحان، أما هذا صحيح -يعني كلا الوجهين صحيح-، فإما أن يكون الرجل عنده شيخان، وإما أن يكون بعضهم أخطأ، فيخرجون على الاحتمال، أما هذا وهذا؛ لأن هذا التابعي ثقة وهذا التابعي ثقة، فأينما دار الحديث فهو صحيح.

نعم قال: فهذا الضرب يسوق البخاري ومسلم الوجهين في كتابيهما، وبالأولى سوقهما لما اختلف في لفظه إذا أمكن جمع معناه؛ يعني إذا كان اللفظ مختلفاً والجمع ممكن، يسوقون هذا. ومن أمثلة اختلاف الحافظين أن يسمي أحدهما في الإسناد ثقة، ويبدله الآخر بثقة آخر، كما مثلت قبل قليل، أو يقول أحدهما عن رجل، ويقول الآخر عن فلان فيسمي هذا؛ لا خلاف؛ لأن ذاك لم يذكر اسمه، والأخر عينه فيسمي ذلك المبهم، فهذا لا يضر في الصحة.

فأما إذا اختلف جماعة فيه وأتوا به على أقوال عدة، فهذا يوهن الحديث ويدل على أن راويه لم يتقنه. إذا اختلف الجماعة على وجه يوهن الحديث؛ ايش معنى على وجه؟ يعني أحد الخلافين لو اعتبرناه لكان الحديث ضعيفاً، والخلاف الثاني إذا اعتبرناه كان الحديث صحيحاً، فهذا الخلاف ما دام أن أحدهما يوهن الحديث، هذا الذي يقال فيه المضطرب، ولا يمكن يعني إذا لم يمكن الترجيح. طيب نعم، لو حدث به على ثلاثة أوجه ترجع إلى وجه واحد، فهذا ليس بمعتبر. بالمثال كان يقول مالك عن الزهري عن السائب عن أبيhyperref، ويقول عقيل عن الزهري عن أبي سلمة، ويرويه ابن عيينة عن الزهري عن سعيد وأبي سلمة فيجمع بينهما.

فيدل على أن الزهري كان عنده الحديث عن رجلين، مرة رواه عن أحدهما، ومرة رواه عن الثاني، ومرة جمع بينهما. وهذا الذي ذكرت لكم أن ابن عيينة نفسه عند الزهري كان صغيراً، وحدث الزهري بأحاديث عن أبي سلمة عن أبي هريرة، وعن أبي سلمة عن وعن سعيد عن أبي هريرة، فثم خرج عليهم، عاد إليهم، وجد أصحابه قد اختلفوا: هل الحديث الفلاني ذكره عن أبي سلمة أو عن أبي عن سعيد بن المسيب؟ لم يكونوا يكتبون، وكان الغلام موجوداً، فقال له: ما تقول يا غلام؟ فقال: عن كلاهما فضم الكاف، فضحك للحنه وتعجب من حفظه، وكان صغيراً.

ثم قال هنا: المدرج. المدرج هي ألفاظ تقع من بعض الرواة متصلة بالمتن، لا يبين للسامع إلا أنها من صلب الحديث، ويدل دليل على أنها من لفظ راو. يعني يكون الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، ويدرج فيه كلمة، الراوي يدرج من باب الاستمتاع مثلاً والاسترسال في الحديث، يعني كأنه إما يفسر الحديث، أو يعني أطرب مثلاً فقال كلمة، فظن الراوي السامع أن هذا من لفظ الحديث، من الحديث النبوي. فهذا يسمى المدرج إذا لم يتبين للسامع أنه ليس من الحديث.

ويتبين أنه ليس من الحديث برواية أخرى، تجد نفس المحدث الذي أدرج هذه الكلمة روى عنه آخرون وبينوا أن هذه مدرجة. أو يكون المجلس بعضهم انتبه إلى أنها مدرجة، وبعضهم لم ينتبه، خصوصاً من يكون منشغالاً بالكتابة، فاحياناً يفوته بعض الكلمات فلا ينتبه أنه قال قتادة كذا، يظن أنها من الإسناد.

وفيه مؤلفات بأن يأتي الحديث من بعض الطرق بعبارة تفصل هذا من هذا. يعني كيف نعرف أنه مدرج؟ يأتي في بعض الطرق أحاديث تفصل هذا من هذا، وهكذا تفصل الموقوف من المرفوع. وهذا طريق ظني، يعني طريق فصل قول هذا من هذا هذا طريق ظني، لكن العلماء يعتبرون فإن ضعف توقفنا، أو رجحنا أنها من المتن، يعني إن ضعف هذه الطريق -أحياناً قد يكون الذي فصل فيه شيء من عدم الحفظ، ويكون الذين أدرجوا الكلمة في الحديث كثيرون وفيهم متقنون لا يمكن أن يعزب عنهم هذا المدرج- فهنا هذا مهما جاءنا شخص آخر وفصل كلمة بحيث تبدو أنها مدرجة قد لا نقبلها إذا كانت الثقات المتقنون الحافظون قد رفعوها أو وصلوها بالحديث.

ويبعد الإدراج في وسط المتن، كما لو قال: «من مس أنثييه وذكره فليتوضأ»، لأن الحديث المشهور: «من مس ذكره فليتوضأ». فكلمة أنثييه كأنها مدرجة، لكنها مدرجة في وسط الحديث. فيقول هذا الإدراج من قال به، هو قال به اعتماداً على أن أغلب الروايات فيها: من مس ذكره. طيب، يمكن أن يكون حافظ زاد وأتقن أن هناك كلمة أخرى وهي هذه اللفظة لأنها في وسط الحديث، ويمكن أن يكون هذا فتوى أن شخصاً أدرجها، فينبغي أن يدرجها بعد ذلك. يقول: من مس ذكره فليتوضأ وأذنيه (كأنه قاسها). ولذلك قال: إذا جاءت في الوسط يصعب الحكم بإدراجها.

طبعا لكل حديث نظر. قال: وهذا من زيادات الذهبي، وقد صنف فيه الخطيب تصنيفا كبيرا، وكثير منه غير مسلم له إدراجه. يقول: إن الخطيب ألف التصنيف المشهور (الفصل للوصل المدرج في النقل)، وهو وهو تصنيف عظيم جداً، ويقول: كثير منه غير مسلم له إدراجه. والله بعدنا في توجس من هذه الكلمة، يحتاج إلى نظر. الحافظ الذهبي حافظ وقد يخالفون الخطيب، لكن الخطيب إمام، فالمخالف ينبغي أن تكون من أئمة، فإن كان الذهبي معتمدا على مثلاً إخراج الأحاديث قال إنها مدرجة وهي في الصحيحين مثلاً، فهذا يعني لا باس به، لأن البخاري ومسلم أعلم من الخطيب بالحديث، لكن إن كان الانتقاد من بعض المتأخرين عن الخطيب فهذا يحتاج إلى يعني مزيد بحث.

أنا قرأت الفصل ربما أغلبه، وما أذكر أنني انتبهت إلى مخالفة في حديث أنه ليس بمدرج. الله سبحانه وتعالى، محتاج إلى بحث على كل حال، وممكن أن تعلقوا على هذه الكلمة، وكثير منهم لأنه يقول: كثير منهم، يعني فيها فيها نوع مبالغة والله أعلم، يمكن قليل، يمكن أن نقبل، كثير منه لا يسلم له. وهي تحتاج إلى بحث كما ذكرت لكم.

ألفاظ الأداء قال: فحدثنا وسمعت لما سمع من لفظ الشيخ، أو لما سمع من لفظ الشيخ. واصطلح على أن حدثني لما سمعت منه وحدك، إذا قلت حدثني فكأنك سمعت من الشيخ وحدك، هذا اصطلح عليه، وحدثنا لما سمعته مع غيرك، وبعضهم يسوغ حدثنا فيما يقرأه هو على الشيخ. هذا هذا قديم في القدماء أيام في زمن اتباع التابعين ومن بعدهم قليل، مثل تلاميذ مالك وأمثالهم، ربما لا فرق عندهم بين حدثنا في كون الشيخ هو الذي يحدث من لفظه وحدثنا وهم يقراون على الشيخ، فالذي يحدث ليس الشيخ في الحقيقة، الذي يحدث القارئ، لكن الشيخ لما يقر بهذا كأن هو الذي يحدث، فبعضهم يقول حدثنا في هذا. لكن اصطلح المتأخرون على أن القراءة يعبر عنها بالقراءة أو بالأخبار، أما تقول: قرئ على الشيخ وأنا أسمع، أو تقول: أخبرنا، ويمكن أن تضيف إليه: أخبرنا قراءة. فاصطلحوا على أن كلمة أخبرنا هذه للقراء، وأن حدثنا من لفظ الشيخ.

ومالك جاءه بعض -أظن- العراقيين، ومالك يقرأ عليه فقط، ولذلك أكثر الرواة عن مالك تجدهم يقولون: أخبرنا أخبرنا أخبرنا. ولذلك أظن هشام بن عمار لما قال: حدثنا، خطَّوه الناس وقالوا: مالك لا يحدث وهو يقول: حدثنا مالك، لكن ربما هو يرى أن حدث وأخبرنا واحد. ولأنه لما قال لمالك هو أو غيره: ماذا أقول؟ أقول حدثنا؟ قال: قل ما شئت، حدثنا ولا أخبرنا (يعني واحد عنده هذا إن كنت لم أذهل عن المعلومة لأنها قديمة، ممكن تراجعون)، لكن أذكر أن مالك بن انس ليس عنده فرق بين أخبرنا وحدثنا، والله سبحانه وتعالى أعلم.

طيب، نعود إلى قوله قال: وحدثنا لما سمعته مع غيرك، وبعضهم يسوغ حدثنا فيما يقرأه هو على الشيخ. وأما أخبرنا فصدقه على ما سمع من لفظ الشيخ أو قراه هو (من حيث المعنى اللغوي). لما تقول اخبرنا كأنك سمعت من الشيخ هو الذي يخبر، أو كأنك تقرأ على الشيخ، لأن القراءة عليه إخبار، لأنه هو موافق لهذه القراءة ومقر بها، فكأنه هو الذي يخبرك أو قراه آخر على الشيخ وهو يسمع. فكلمة أخبرنا تستعمل في هذه كلها؛ في التحديث وفي العرض على الشيخ، فلفظ الإخبار أعم من التحديث، وأخبرني للمنفرد، وأخبرنا للجماعة. وسوى المحققون ما شاء الله -ها الله- جابها كمالك والبخاري بين حدثنا وأخبرنا، والامر في ذلك واسع.

لأنه يشمل التحديث، ينطلق على التحديث وعلى القراءة، فإذا قلت أخبرنا ممكن أن تكون أنت سمعت من لفظ الشيخ وهذا واحد، وممكن أن سمعت من لفظ قارئ على الشيخ والشيخ ساكت مقر، هذا كله أخبرنا، فيدخل فيه القراءة ويدخل فيه التحديث. وأما حدثنا فهي نص في التحديث، وبعضهم يطلقها على القراءة، فإذا اعتبرنا هذا البعض قلنا إنهما سواء، لكن إذا اعتبرنا المصطلح المشهور الذي تواطأ عليه المتأخرون فالاخبار أعم من التحديث. ووضحت الحين؟

كلاهما يعني من الناس من يقول: السماع من لفظ الشيخ على القراءة، ولذلك جاء أحد العراقيين إلى مالك وكان يريد أن مالك هو الذي يقرأ (ربما إن لم تخني الذاكرة أن مالكا غضب عليه وطرده أو نحو هذا، يعني كأنه متعنت، يعني إذا قرأت على الشيخ من كتابه فكانه حدثك) وهو مصر ألا يسمع من لفظ مالك.

السؤال: من يقول اخبرنا؟ مثلاً أنا إذا حدثت عن مالك، نفرض أن أنا عند مالك ومالك قرأ قرأ عليه كتابه، فالطالب ماذا يقول عن مالك؟ كيف يروي الرواية عن مالك؟ يقول: أخبرنا مالك. والذي قرأ وغيره وغيره: إن كنت قرأت وحدك وما معك أحد تقول: أخبرني (تبين أنك ليس معك أحد)، وإن كان معك أحد أو يقرا غيرك تقول: أخبرنا، ومنهم من يقول: أخبرنا قراءة أو بقراءه فلان ويسمي القارئ.

طيب، قال: والامر في ذلك واسع. وطبعا ألف في هذا ترى ألف فيه أشياء، أظن الطحاوي ألف فيه اليس كذلك يا شيخ؟ ابن الصلاح صحيح أكيد، لكن أظن أن الطحاوي إما ألف فيه أو أورده في كتاب (شرح المعاني). الطحاوي نعم.

قال: فأما أنبأنا فكذلك، لكنها غلبت في عرف المتأخرين على الإجازة. إذن أنبأنا إذا سمعتموها من المتأخرين فمعناها ماذا؟ أجاز لنا، ليست لا قراءة ولا تحديث. واضح؟ وقوله تعالى: ﴿قَالَتْ مَنْ أَنبَكَ هَذَا * قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [التحريم: 3] دال على التساوي، فالحديث والخبر والنبا مترادفات من حيث اللغة، لكن من حيث الاصطلاح اصطلح الناس على خلاف ذلك، فصاروا يقولون في التحديث -المتأخرون من بعد البخاري، صاروا يقولون في التحديث ومسلم أيضا يقول ذلك، التحديث يقولون فيها حدثنا، والخبر والقراءة يقولون فيه أخبرنا، والإجازة يقولون فيها أنبأنا. صار هذا كأنهم مصطلح، بل هو مصطلح خصوصا عند المتأخرين.

وأما المغاربة فيطلقون -ولذلك إذا تجد في كتب المتأخرين كالبيهقي في ذلك فيقرا المخطوطه فيها أنبا فيكتب أنبأنا في التحقيق وهذا خطا ينبغي أن تكتبها كما هي وتشير تحت إلى أنها اختصار لأخبارنا.

وأما المغاربة فيطلقون أخبرنا على ما هو إجازة، حتى أن بعضهم يطلق في الإجازة حدثنا، وهذا تدليس هذا توسع غير صحيح. ويقول المغاربة، ومن المغاربة عندهم -يعني أهل الغرب بصفة عامة- ومن الناس من عد قال لنا إجازة ومناولة، وبعضهم يعبر عنها بقال لنا. وهنا هذه من الأشياء التي يعني ذكر عن ذكرت عن البخاري أنه دلس، فإنه يقول: قال لنا في الإجازة. وهذا تدليس، أو كذا، أو في المناولة. والحقيقة أن البخاري إذا قال قال لنا أو قال ربما تكون مذاكرة، في المذاكرة ربما، يعني على كل حال، يعني كونك تطلق التدليس على إمام دون أدلة واضحة هذا فيه ما فيه.

ومن التدليس أن يقول المحدث عن الشيخ الذي سمعه في أماكن لم يسمعها: قرئ على فلان، أخبرك فلان.

ومن التدليس أن يقول المحدث عن الشيخ الذي سمعه في أماكن كذا الذي سمعه -نشوف في أماكن لم يسمعها- قرئ على فلان. عجيب يقول إن الراوي يمكن أن يدلس عن شيخه الذي سمع منه بطريقة أخرى مختلفة. كيف؟ يقول هو في بعض الاماكن التي لم يسمعها من الشيخ مباشرة (يعني في بعض الاحاديث الاماكن مع الاحاديث التي لم يسمعها من الشيخ)؛ يعني هو سمع منه أحاديث ولم يسمع منه أشياء أخرى، لكنها قرأت على الشيخ وهو يعلم، فيقول: قرئ على فلان، أخبرك فلان (قرئ على مالك، أخبرك الزهري مثلاً). طيب، هل أنت كنت حاضرا هذه القراءة؟ لا، هذا تدليس، لأن من سمع هذه الكذا ظن أنه حاضر، فهذا نوع من التدليس. فربما فعل ذلك الدارقطني، لا حول، الذهبي رحمه الله عليه، وهذا يمكن يعني يعني ذكر أئمة كبار بالتدريس، ربما فعل ذلك الدارقطني، يقول: قرئ على أبي القاسم البغوي، أخبرك فلان. وقال أبو نعيم (هذا صاحب الحلية): قرئ على عبد الله بن جعفر بن فارس، حدثنا هارون بن سليمان. كأنهم يقولون أن هذه الكلمات من هؤلاء الأئمة فيها تدليس، لا أدري هل اكتشفوا ذلك أو أنهم ظنوا ظناً، لأن الأئمة لو كانوا سمعوا لقالوا: قرئ عليه وأنا أسمع، أو أخبرنا أبو القاسم، يعني كونه يذهب إلى اللفظ المبني للمجهول فيه ما فيه.

ومن ذلك: أخبرنا فلان من كتابه. رايت ابن مسدي يفعله. وهذا في في زمنه ابن مسدي هكذا انت قال في الأسفل في الأصل (ابن مسيب) وفي ميم (مسدد) وعليه علامة الإشكال، والتصويب من الشرح المطول للعقود فإنه ذكر صور من تدليس الإجازة إذا شافها بها المجيز المجاز له أو كاتبه بها ثم قال: وأشد من ذلك تدليساً: أخبرنا فلان من كتابه. وكان الحافظ أبو بكر ابن مسدي يفعله، وهو الحافظ أبو بكر محمد بن يوسف بن مسدي الأندلسي. قال المصنف في تاريخه: وابن حجر كان يدلس الإجازة، وأورده ابن حجر في الطبقة الأولى. أخبرنا فلان من كتابه، يدلس الإجازة معناه أنه استخدم أخبرنا في الإجازة، فكأنه هو مجاز بالكتاب لكنه يريد أن يوهمك بأنه سمعه من كتابه أو عرضه عليه.

واضح؟ قال: ومن ذلك اخبرنا فلان من كتابه، رايت ابن مسدي يفعله، وهذا لا ينبغي فانه تدليس. والصواب قولك: في كتابه، أخبرنا. في كتابه، ما معنى هذا والمراد وإن شيخه كتب إليه بهذه الإجازة؟ اه، يعني كتب له مكاتبته. وقوله من كتابه يوهم أنه سمعه، وأما قوله أخبرنا في كتابه فهذه ليست صريحة بأنه يعني سمعه، وإنما يعني تكون للإجازة.

طيب، ماذا خلا انتهينا من هذا في كتابه.

نعم، ثم قال: ومن التدليس أيضا أن يكون قد حضر جزءا على شيخ وهو ابن سنتين أو ثلاث، فيقول: أخبرنا فلان، ولم يقل: وانا حاضر. فهذا الحضور هنا هذا مصطلح اصطلح عليه المتأخرون. دونوه عندكم: كلمة حضر. حضر معناه أحضر وهو صغير، إذا قالوا حضوراً: أخبرنا فلان حضوراً حضوراً، معناه هذا فلان كان صغيراً جداً، أبو سنة وسنتين. يأتي العلماء بأطفالهم الصغار هؤلاء ويحضرون المجلس حتى يعلوا الإسناد، لأن هذا الشيخ الآن سيموت بعد سنة أو سنتين لأنه كبير السن، فيأتي بشخص صغير حتى يحضر المجلس، ويسمى هذا حضور ولا يعي، لكن الشيخ يجيزه.

فالإجازة إجازة الحاضر هذه تغني عن حضوره؛ لأن حضوره لا معنى له، لكنهم من باب هذا أحسن من الإجازة بدون حضور، فحضوره هذا، ولذلك يقول بعضهم: حضورا في الأولى، أو حضورا في الثانية، أو حضورا في الثالثة. ما معنى هذا؟ يلا، من يقول لي؟ لا، الشيخ عادل.

ها؟ حضورا في الأولى؛ يعني في السنة الأولى، يعني هو ابن سنة، حضورا في الثانية؛ ابن سنتين، حضورا في الثالثة؛ ابن ثلاث، حضورا في الرابعة؛ ابن أربع إلى خمس، هذا يسمى حضور، بعد الخمس لا أدري هل يسمى حضور أو لا، ربما يكون يعني.

لأن البخاري أورد رواية من، ما اسمه الشيخ عادل؟ ذكرنا هذا الذي عقل مجة عمر، النبي صلى الله عليه وسلم، محمود بن الربيع. محمود بن الربيع يقول: عقلت مجة مجها رسول الله صلى الله عليه وسلم في وجهي، وكان ابن خمس سنين. فأوردها البخاري في مكان السماع، في، في متى يصح السماع، فكانه يرجح أن الخمس يصح السماع؛ لأن هذا يقول: عقلته، وأكثر النقاد على أنه لابد أن يكون مميزا، سواء كان تمييزه، أو، يعني خمس سنين، أو ست، أو سبع؛ لأن من الناس يختلفون في التمييز، فقد يصبح مميزا الصغير، وقد يتاخر تمييز بعض الأطفال فلا يميز إلا بعد مدة من السنين.

فهنا يقول: ومن التدليس أن يكون قد حضر جزءا على شيخ وهو ابن سنتين أو ثلاث، فيقول: أخبرنا فلان؛ لأن أخبرنا ما معناه؟ أخبرنا يعني قراءة، قرئ على فلان وانا حاضر، فيوهم لما تقول: أخبرنا فلان، أنه قرئ عليه وأنت حاضر، لكن الحقيقة حضورك هذا لا معنى له؛ لأنك ابن سنة أو سنتين، فينبغي أن تقول: حضورا. وهنا، هل قوله: أخبرنا حضورا، له فائدة؟ لا، لابد أن يقترن بالإجازة، وإذا لم يكن لهذا الحضور معنى، ولم يقل: وانا حاضر، فهذا الحضور العري عن إذن المسمع لا يفيد اتصالا، بل هو دون الإجازة.

لو أجزت الصغير، قبله العلماء، قبلوا رواية هذا الصغير عن الشيخ لأنه أجازه، أذن له، هذا شيء اصطلح عليه المحدثون، لكن إذا لم يجزه أنت جايب ولدك، والشيخ ما عندك خبر، وتجعله كأنه سماع وهو إن أذن وسمح بكتابة اسمه في الطباق؛ لأن هناك دائما في السماعات يكتبون شيئا يسمونه الطباق، فلان حضر، فلان حر، وفلان حضر بفوت من، من كذا إلى كذا، كل هذا يدونون في، وتجدونه في كثير من كتب السنة في المخطوطات. وقد ألف في الطباق. نعم، صحيح.

يعني مزيد، يعني مثلا الحين هم يقولون: الإجازة المقترنة بالمناولة، تكتب وتعطيه تلميذا، وتقول: ارو عني هذا، أجزه بالرواية برواية صحيح البخاري من روايتك، مثلا. ما فائدة أن تعطيه الكتاب أو لا تعطيه؟ هم كلما اقترنت الإجازة بعمل آخر، كلما كان عندهم هذا أعلى. فالإجازة إذا اقترنت بالحضور الصغير هذا أحسن، وربما هذا الصغير يعي أحيانا، وأحيانا ربما الكبير السامع لا يكون في سماعه فائدة، هو حاضر لكن لا يسمع ولا يفهم أو لا ينتبه.

وكنت قرات على شيخ من الشيوخ، وللاسف هو أجازني، لكني كنت متشددا في البدايه، فقرات عليه صحيح البخاري، وقطعت شوط كثير جدا في الصحيح، وهو عالي الإسناد، ولكنه كان يسبح، أنا أقرأ وهو يسبح مسبحة لا ينفك عنها، وهو من أهل الصلاح، فهو يستغل وقته في السماع، في الإسماع، ويرى أن السماع لا أشكال فيه مادام أنه يقرأ من الكتاب، فالكتاب مضبوط، ولا يحتاج أني أسمعه أو أنتبه له، فجالس يذكر الله سبحانه وتعالى.

فأنا في بداية الطلب كنت أسمع النقاد وأسمع أنه لابد أن يكون ضابطا وكذا، فأردت اختبار الشيخ في الضبط، فصرت أقرأ حديثا وأقرأ حديثا آخر من عندي ليس من الكتاب وأشوف لا يوقفني، فرأيت أنه ليس بضابط، وهذا خطأ، لكني كنت يعني في بداية الطلب، فرتكت الشيخ بعد أن قرات عليه نصف الصحيح، وتندمت ندما كبيرا. يعني قراءة جيدة أنك تقرا على الشيخ حتى لو لم يسمع قراءتك، مجرد أنك تقرا من الكتاب والكتاب منضبط، هذا هو.

لا شك أن انتباه الشيخ هذا أصح وأحسن. نعم. فالشاهد أن أخبرنا هنا قال فلان، كأنك تقول: إني أسمع القراءة وأنت صغير، فهذا السماع وهذا الحضور إذا لم يقترن بالإجازة، هنا قال: فهذا الحضور العري، العري عن إذن المسمع يعني عن الإجازة، لا يفيد اتصالا، يعني لو واحد قال: أخبرنا في الأولى، وليس هناك دليل على أنه مجاز من الشيخ لا يعتبر هذا الإخبار، هذا اصطلحوا عليه هكذا.

وحضور ابن عام أو عامين إذا لم يقترن بإجازة كلاشيء، إذا نحن نعتمد على الإجازة وهي الإذن، إلا أن يكون حضوره على شيخ حافظ أو محدث يفهم، فيكون إقراره بكتابة اسم الطفل بمنزلة الاذن منه له في الرواية.

نعم، ومن صور الأداء: حدثنا حجاج بن محمد، قال: قال ابن جريج. وصيغته: قال، لا تدل على اتصال، يقول: قال، لا تدل على اتصال، وقد اغتفر في الصحابي كقول الصحابي: قال رسول الله.

هنا في كلام حجاج بن محمد: قال ابن جريج، المشهور عن حجاج بن محمد من أوثق الناس في ابن جريج، وروايته عن ابن جريج بـ(قال) كثيرة، والمعتمد ثبوتها. لا أدري لماذا الذهبي وقف عند هذه الرواية بالذات، وهل في الحاشية شيء؟ قال: أي في نفسها، ومع ذلك فهي محموله على السماع بالشرط المذكور، أي أنها في نفسها لا تدل المعان عنه، وهو إذا علم اللقي وسلم من التدليس، لاسيما من عرف من حاله أنه لا يروي إلا عما سمعه، كحجاج بن محمد.

حجاج بالعكس هو هو ضابط حديث ابن جريج، والحديث الذي يحدث به حجاج عن ابن جريج لا تدلس فيه، ابن جريج مدلس، لكن حديث، لكن الحجاج ضبط حديث ابن جريج ولا يحدث عنه إلا بما هو سماع له، هذا الذي كنت أعرفه، فاستغربت من التمثيل؛ فروى كتب ابن جريج بلفظ: قال ابن جريج، فحملها الناس عنه واحتجوا بها، قاله العراقي في التبصرة، وما سياتي تفريع على ذلك.

نعم، إذا هو فقط مثل بالكلمة نفسها: قال ابن جريج، فصيغة: قال، لا تدل على الاتصال، يعني هي في ذاتها لا تدل على الاتصال، لكنها محموله على الاتصال، مثل: عن، عن لا تدل على اتصال دلالة بينة إلا لأنهم اصطلحوا؛ فلأنه اصطلحوا في التحديث على أن (عن) محموله على الاتصال، صارت محموله على الاتصال.

ما يأتينا محدث ويجلس على الكرسي وبين أيديه الطلاب ويقول: عن، وهو ليس بسماع، هذا تدليس، فعن محموله على السماع؛ يعني تعارف الناس عليه. وهكذا قال المحدث لما يحدث عن شيخ ويقول: قال فلان، قال فلان، ينبغي أن تكون محموله على السماع، فإن لم يسمع فهو مدلس. لأن عن وقال وهذه الألفاظ التي تقال في مجلس التحديث ينبغي أن تكون محموله على السماع. فقوله هنا: قال، صيغته: قال لا تدل على السماع، يعني في أصلها، وإلا فهي محموله على السماع.

ثم قال: وقد اغتفر في الصحابي كقول الصحابي، يعني كأنه لما قال: اغتفر في الصحابي أنها لا تغتفر في غيرهم، إذا كان فيهم مدلس ينبغي بتقييدها بذلك: قال رسول الله، فحكمها الاتصال إذا كان ممن تيقن سماعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فإن كان لم يكن له إلا مجرد رؤية فقوله: قال رسول الله، محمول على الإرسال، كمحمود بن الربيع، وأبي أمامة بن سهل، وأبي الطفيل، ومروان، لكن قول هؤلاء: قال رسول الله، وإن كان مرسلا لكنه محتج به؛ لأن مراسيل الصحابه يحتج بها.

أظن وصلنا يعني إلى نهاية الدرس، لا أدري كم بقي؟ هل ننهي هذا؟ نحن الآن في صيغ السماع، ها؟ ننهي إلى المقلوب؛ لأنه بقي شيء على الماء مقلوب. وكذلك قال من التابعي المعروف بلقاء ذلك الصحابي، كقول عروة: قالت عائشة، وكقول ابن سيرين: قال أبو هريرة، فحكمه الاتصال.

إذا هو قال: اغتفر في الصحابي، وأيضا اغتفر في من بعد الصحابي، وأرفع من لفظه (قال) لفظة (عن)، وأرفع. هذا الكلام صحيح، مع أنهم يقولون: بعضهم يقول إن المحدث لا يقول (عن) وإنما يقول (قال)، فيعبر عن (قال) بـ(عن)، والحقيقة أن المحدثين يقولون (عن)، وهناك أمثله كثيرة أنه ينطق لفظة (عن) يقول: حتى قال: عن فلان، وهي (عن) أدل على الاتصال من (قال) وإن كانت كلها محموله على الاتصال.

وأرفع من (عن): أخبرنا، وذكر لنا، وأنبأنا. وأرفع من ذلك: حدثنا وسمعته، وقد مرت. وأما في اصطلاح المتأخرين فإنبأنا وعن وكتب إلينا، وأنبأنا معناه إجازة، وعن عندهم إجازة في المتأخرين؛ لما يقولون: أخبرنا فلان عن فلان، فمعناه أن الذي قبل عن رووا عن من بعد عن بالإجازة، هذا عند المتأخرين أصبحوا يستخدمون أنبأ وعن في الإجازة، وكتب إلينا هي في الكتابة، وبعضهم قد يستخدمها في الإجازة.

نعم، نتوقف عند هذا الحد، ويكون درسنا إن شاء الله في الليلة المقبله إن أحيانا الله في المقلوب. هذا وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه اجمعين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.