دخولتسجيل الدخول

الدرس 6

سعيد المريد. سعيد المري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد، فهذا الدرس السادس من دروس الموقظة للإلام الذهبي رحمه الله عليه، وقد وصلنا إلى الحديث المسلسل.

انتهينا مما سبق، ليس كذلك؟ ويكون لما تفرد به عن شيخ معين، كما يقال: لم يروه عن سفيان إلا ابن مهدي. هذا الراوي كان يتكلم عن الغريب، أليس كذلك؟ والتفرد، صحيح. وذكرنا يعني ما يؤثر في التفرد من الأشياء الخمسة، لا أدري في الدرس السابق أو الذي قبله، طبعا هناك قرائن كثيرة، لكنها تعود فيما أظن إلى خمسة أمور.

قلت بأن التفرد يتاثر بالطبقة؛ الطبقة التي وقع فيها التفرد، وذكر هذا الذهبي رحمه الله عليه بعد ذلك؛ فإذا وقع في طبقة الصحابة أو التابعين فهذا مقبول، وفي أتباع التابعين منه هو مقبول ومنه ما ليس مقبول، وفي من بعدهم من تبع الأتباع الغالب عدم القبول، وقد يقبل من الإمام الناقد أو الحافظ. وأما من بعدهم فأينما يتفرد به، كما يقول الذهبي كما سيأتي.

فالطبقة التي وقع فيها التفرد هذه لها أهمية في الحكم على التفرد. أيضا حال المتفرد عنه، إن كان إماماً فيعسر التفرد عنه، وإن كان شخصاً عادياً فيمكن أن يتفرد عنه المتفرد إذا كان ممن يحتمل تفرده، وهكذا المتفرد نفسه، بعض الأئمة قد يتفرد يكون هذا منقبة له، وبعض الناس الذين حديثهم قليل أو متوسط الطلب ربما يعسر تفرد الواحد منهم ويقال فيه منكر، مثلاً.

ثم إذا قلنا: المتفرد والمتفرد عنه وطبقة التفرد والإسناد الذي وقع به التفرد. فبعض الأسانيد يحرص على الرواية بها، تجد العلماء يتكالبون على الرواية بها، فالتفرد بها صعب جداً، كمالك عن نافع عن ابن عمر، أو سفيان بن حسين أو صالح عن أبيه عن أبي هريرة، وأمثال هذه الأسانيد المعروفة.

وعندنا أيضاً علو الإسناد؛ هذا من الأشياء التي ترجع إلى الإسناد، الإسناد العالي يحرص عليه، فلما يأتينا إسناد عالي تفرد به شخص، وإسناد نازل بنفس الحديث وانتشر عند الناس، فهذا يقدح في العالي، لأن العالي يحرص عليه، فكيف الناس لم يحرصوا على العالي هذا وحرصوا على هذا؟ فهذا يدل على أن من تفرد بذلك العالي أنه وقع له خلل ما.

كل هذه من القرائن التي تحف بمسألة التفرد، فليست مسألة التفرد... صحيح أن القاعدة أن الثقة إذا تفرد بحديث فحديثه صحيح، والوسط الصدوق إذا تفرد بحديث فحديثه حسن، لكن هذه القاعدة هناك ما يحف بها من القرائن التي تقبلها أو لا تقبلها، وهي ما ذكرت لكم بعضها.

وأيضاً من الأمور التي تقدح في التفرد ما ذكرته في رسالة الدكتوراه، وهي إعلال الحديث الغريب بالحديث المشهور. فالحديث الغريب الذي يتابع فيه الراوي الحديث المشهور، قد يكون علة للحديث المشهور، قد يكون الحديث المشهور علة للحديث الغريب ليس متابعاً له، وهذا يحتاج إلى فهم بعض القواعد، وهي من هذه القواعد: أن يكون الحديث الغريب مرغوباً فيه، والحديث المشهور ليس مرغوباً فيه، فكيف يشتهر ما لا يرغب فيه ويترك ما يرغب فيه؟ هذا مما لا ينبغي، وهذا يدلنا على أن ذلك المتفرد وقع في مشكلة أو حصل له خلل ما.

على سبيل المثال، رجل يروي حديثاً عن تابعي عن صحابي من قوله، من قول الصحابي، وهذا الرجل الراوي تابع التابعي، انتشر عنه الحديث فرواه عنه خمسة مثلاً، فصار مشهوراً عن ذلك تابع التابعي. وجاءنا تابع تابعي آخر، ويروي عنه شخص متفرد عن ذلك تابع التابع الآخر، ويأتي بنفس الحديث من طريق آخر عن تابع التابعي عن تابعي عن صحابي، لكنه يرفع الحديث.

الآن عند المحدثين ما المرغوب فيه من هذين النوعين؟ هل هو الحديث الموقوف أو الحديث المرغوب المرفوع؟ المرفوع، لأنه سنة عن النبي صلى الله عليه وسلم. فلما يأتينا الموقوف مشتهرا عند الناس والمرفوع غير مشتهر، هذا في العادة لا يقع، يستبعد. وأنا قلت لكم إن العلل الحديثية أو القرائن الحديثية هي تجري مجرى العادة.

وضربت لكم مثالاً بابن باز رحمه الله عليه وبي، فقلت: إذا كانت هناك فتوى عن ابن باز وهناك فتوى عني نفس المعنى، هل الناس سيرون الفتوى عني أو سيرونها عن ابن باز؟ ما الأوقع لها؟ عن ابن باز رحمه الله عليه، وهكذا غيره من العلماء.

فهكذا الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم هو أوقع في نفوس الناس من الحديث عن أبي هريرة مثلاً أو عن ابن عمر. فلما يأتينا الحديث الذي عن النبي متفرد به واحد، وذاك مشهور، دل على أن هذا الواحد أخطأ خطأ ما وهو يريد الموقوف ولكنه رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، واضح؟

ولذلك نجد النقاد يعلون كثيراً من المراسيل بالمتصلات، وكثير من المرفوعات بالموقوفات لأجل هذا السبب، لأن الأحب عندهم هو المرفوع والمتصل، فلما لا يأتي هذا من وجه واضح وياتي غيره من وجه أوضح، دل على أن هناك خلل ما؟ لأنهم كيف يتركون المرغوب عنه؟ كيف يرمون المرغوب عنه ويتركون المرغوب فيه؟

فنستطيع أن نقول: هناك عنوان ربما يأخذه أحد ممن يسمعني الآن -وأنا كنت أريد التأليف فيه، لكن العلم رحم بين الناس- وهو هذا العنوان، عنوان بحث أو عنوان كتاب: إعلال المرغوب فيه من الحديث بالمرغوب عنه. عنوان مهم جداً.

ومن الصور الداخلة فيه ما ذكرته أنا في رسالة الدكتوراه، إعلال الحديث الغريب بالحديث المشهور، لأن ذلك الغريب كان مرغوباً فيه، فأُعل به لأن الناس تركوه. يبدو أني دخلت مدخلاً آخر في المراجعة، نمشي ولا نمشي الآن؟

المسلسل. معنى المسلسل: المسلسل -طبعا العوام يعرفون المسلسل- من هذا الذي يأتي في التلفاز من البرامج التي تكون لها عدد من الحلقات. المسلسل عندنا في الحديث: ما تسلسل إسناده بصفه ما. ماذا قال هنا؟ ما كان سنده على صفة واحدة في طبقاته، فيأتي في كل طبقة صفة واحدة، إما بالسماع كلهم يقول سمعت سمعت سمعت أو حدثنا حدثنا، فيكون مسلسلاً بالسماع مسلسلاً بالتحديث، وربما يتسلسل بالسماع والتحديث، يكون هذا كله تصريح بالسماع.

قال: كما سلسل بسمعته، أو كما سلسل بالأولية إلى سفيان. تعلمون الحديث المسلسل بالأولية، ولعلي أقرأه عليكم الآن حتى لا يفوتكم. هذا المسلسل بالأولية هو حديث يطلبه طلاب العلم أول ما يلتقون بالشيوخ إذا كانوا يريدون أن يقرأوا عليهم الأحاديث بالاسناد.

طبعا هناك شيء يسمونه السماع، لازال إلى اليوم السماع موجود في دول كثيرة، وعندنا هنا سماع موجود. السماع هو أن تأتي إلى شيخ وتقرأ عليه كتاب بإسناده إلى المؤلف إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فباسم وله سنده، وأكثر الناس يعني يتوافق في الأسانيد، يعني الأسانيد أصبحت منتشرة.

مثلا البخاري أنا سمعته مثلا على عشرة من المشايخ، وسمعه معي هذا الرجل الجالس الشيخ عادل على العشرة أنفسهم، وهكذا، وهؤلاء العشرة يسندونه إلى شيوخهم إلى شيوخهم إلى البخاري ثم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

لكن دائماً طلاب العلم يحرصون على أن يحصلوا على الحديث المسلسل بالأولية حتى لا يفوتهم، فيقولون للشيخ: قبل أن أسمع عليك البخاري، قبل أن أسمع، حدثنا بالحديث المسلسل بالأولية، لأنه إذا سمع عليه البخاري قبل هذا الحديث انقطع، لم يكن له يعني امكانية الرواية بالحديث المسلسل بالأولية.

ما معنى المسلسل بالأولية؟ هو أن يكون الراوي قد سمعه من شيخه أول شيء، فيقول كل واحد منهم: وهو أول حديث سمعته من شيخي، فسمي المسلسل بالأولية. وهنا قال: إلى سفيان. طبعا إلى سفيان، سفيان بن عيينه رحمه الله عليه، انقطع عند سفيان التسلسل. الراوي عن سفيان قال: وهو أول حديث سمعته من سفيان. أما سفيان فلم يقل، عن أبي قابوس على ما أذكر، شيخ عادل، عن أبي قابوس...

يعني أنا قديم عهد بالمسلسل بالأولية، لكن سأحدثكم به، وقد حدثني به عدد من المشايخ، أذكر منهم مثلاً عبد الرحمن بن ملا الأحسائي، الذي كان في الأحساء، الأحساء كان قريباً منا، توفي رحمه الله عليه في 1420 تقريبا، وأول ما سمعت منه هذا الحديث وقرأت عليه بعض الأجزاء، لكن سمعت، طلبت منه هذا الحديث.

وهكذا الشيخ محمد بن عبد الهادي المنوني توفي رحمه الله عليه قريبا من هذه السنة، وهو من أهل المغرب. ومنهم عبد الفتاح راوه المكي، الذي في مكة أيضاً. أنا أذكر هؤلاء لأني سأجمعهم في شيخ واحد، وإلا فالأسانيد كثيرة، وجمع أيضاً أبو تراب الظاهري رحمه الله عليه.

ومنهم أيضاً عبد القادر كرامه الله البخاري، من كان في ينبع رحمه الله عليه، في رابغ أسف، كان في رابغ توفي، كلهم توفوا في قريب من هذه السنة 1418، 1419 و20 أو 21 بعضهم. كل هؤلاء لهم أسانيد كثيرة، لكنهم من الأسانيد التي تجمعهم: عمر بن حمدان المحرسي، محدث الحجاز. فهم يروون هذا الحديث عن عمر بن حمدان المحرسي، يقولون: كل واحد منهم قال لي بأنه أول حديث سمعه من شيخه، وعمر بن حمدان أيضاً يقول عن شيخه أبي نصر الخطيب إنه أول حديث سمعه منه، إلى أن يصل إلى سفيان، وسفيان يسوق السند إلى عبد الله بن عمرو بن العاص، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء».

العجيب الآن أنتم سمعتموه مني عن مشايخي هؤلاء وغيرهم من الناس، ممكن تجدون الأسانيد من أرادها بعد ذلك يجدها وسهلة. العجيب أن هذا الحديث يعني من الغرائب والعجائب، أن المحدثين يطلبون هذا الحديث، وأصبح هذا الحديث أول حديث يطلبه طالب الحديث، وهذا الحديث يحتوي على معنى عجيب، وهو الرحمة: «الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء».

إذا طلب المحدث أو طالب العلم هذا الحديث وكان أول حديث يسمعه، هل سيكون نظرته للإنسان أو للعالم نظرة سيئة؟ سيكون في قلبه الرحمة على الناس: «ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء».

والا... ما أدري أقول هذا أو لا أقوله، صار مرة بيني وبين أناس جدل، لن أذكر التفاصيل. دعوني... فرقة من الفرق دعوني للنقاش، لأني كنت في الخطب أحذر منهم، وكانوا يعني يحترمونني فقالوا: أنت لم تفهم وضعنا، أنت انسقت وراء الإعلام. قلت: لا مهلا، محدث من اهل الحديث لا أقول شيئاً إلا وقد تحريت عنه، فأنا أعرف يعني مذهبكم وأدين بالفاظي، وجئتم وصار نقاش.

كان من ضمن النقاش الذي تذكرته، قلت: بالله عليكم، لو أن أمامك نصراني أو كافر، ما الذي يتخارج في نفسك؟ كيف استطيع... ما الذي يتخارج في نفسك؟ هل ترغب أن يذهب إلى النار أن تقتله فيذهب إلى النار، أو أن تدعوه إلى الإسلام فيذهب إلى الجنة؟ قال: لا والله، أريد أن يذهب إلى النار. قلت: والله ما هذه عاطفة رسول الله صلى الله عليه وسلم! الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107]. ولو كنت طالب حديث عرفت حديث المسلسل بالأولية الذي يوصينا بالرحمة بالناس.

قال كلاماً غريباً عجيباً! قال: أليس رسول الله يقول: «إنما جئت بالذبح أو بالسيف»؟ قلت: يا أخي، النبي قال هذا في موقف كان قد أغضبه الكفار ووضعوا على كتفيه السلا والدم فار، وقصد هؤلاء بالذات، وإلا فالله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107]. لماذا ذهبت وتركت هذه الآية وأخذت هذا الحديث الفرد الذي له وقع وله يعني حادثة عين؟

المهم، هذا الذي حصل، والذي ذكرني بذلك النقاش هو هذا الحديث، الحديث المسلسل بالأولية، فهذا من العجائب أن طالب العلم أول ما يقرا على الشيخ يقرأ هذا الحديث. نعم، سفيان بن عيينه رحمه الله عليه عن أبي قابوس... ها، أظن عن عمرو بن دينار عن أبي قابوس عن عبد الله بن عمرو، نعم، عن عمرو بن دينار عن أبي قابوس عن عبد الله بن عمرو بن العاص، ارجعوا إليه ستجدونه إن شاء الله، وقد رواه أصحاب السنن، رواه الترمذي وغيره.

نعم، يرحمكم فيها وجهان: يرحم بالسكون، ويرحمكم، وهذه ستجدونها في الكتب، الكتب التي ألفت في المسلسلات، ستجدونهم دائماً يضبطون هذا الحديث بهذين الضبطين.

نعم، قال الحافظ الذهبي: وعامة المسلسلات واهية، وأكثرها باطلة لكذب رواتها. للاسف، تعرفون التأليف في الحديث قد يعني سبقنا المحدثون الكبار وألفوا في السنن وألفوا فيما يهم الأمة، فصار المتأخرون من أهل الحديث ليس عندهم... لابد أن يؤلفوا شيئاً، مثلنا الآن لما الواحد يريد أن يؤلف بحثاً، لابد أن يبحث عن بحث جديد، هكذا من الشروط ما سبقك إليه أحد، ويسمونه الأصالة، فهم هكذا يبحثون ويتفننون في العلم، وهذا من سعة العلم ومن الفضيلة أيضاً والتنافس.

فمما ألف فيه المسلسلات، فأصبحوا يحرصون على البحث عن المسلسلات ويجمعونه، فأحياناً يكون بعض الكذبة وبعض الضعفاء يردون المسلسلات ويصلونها وهي ليست مسلسلة، هي سلسلت في البداية، فهؤلاء يأتون بإسناد مسلسل عن شيوخهم وشيوخهم لم يسلسلوا، فنجد في بعض المسلسلات أو في أثنائها أناساً كذابين هم الذين جاؤوا بهذا التسلسل.

والدليل عليه أن أكثر الرواة والمشاهير لم يأتوا بهذا التسلسل، لكن يأتيك ضعيف آخر، لكن هناك من المسلسلات ما هو قوي، مثل المسلسل بقراءة سورة الصف، وهو أن يقرأ الشيخ على التلميذ سورة الصف كما قراها شيخه عليه، كما قراها شيخه إلى أن يصل إلى عبد الله بن سلام رضي الله عنه الصحابي المشهور.

لكن عامة المسلسلات فيها يعني ضعف، وكثير منها باطل. قال: أقواها المسلسل بقراءة سورة الصف، والمسلسل بالدميين، والمسلسل بالمصريين، والمسلسل بالحمدين إلى ابن شهاب. يعني يأتيك حديث مسلسل بكل كل واحد منهم اسمه محمد، فأنت يا عمار هنا هذا المسلسل لا...

ثم قال: المعنعن. ما إسناده فلان عن فلان. المعنعن هو الحديث الذي فيه حرف عن، سواء في أثنائه، في أوله، ولو كان كله بالتحديث إلا موضعاً واحداً فيه العنعنة، فهذا يسمى إسناداً معنعناً. فمن الناس من قال: لا يثبت حتى يصح لقاء الراوي لشيخه يوماً ما. التحديث الذي فيه سمعت وحدثنا هذا لا إشكال فيه. الذي فيه العنعنة، قال: إن من العلماء من قال هذا لا يثبت إلا أن يثبت سماع بين المعنعن والمعنعن عنه ولو مرة واحدة. يعني إذا زيد من الناس يروي عن عمر بالعنعنة لابد أن نتاكد أن زيداً التقى بعمر يوم ما، وإلا أصبح حديثه المعنعن غير مقبول. هذا مذهب، ومنهم من اكتفى بمجرد إمكان اللقي.

طبعا هذا المذهب الأول يعزى أو ينسب إلى الإام البخاري وإلى علي بن المديني، وهذه النسبة فيها نظر، ذكرها عدد من أهل المصطلح لكن بها نظر، نظر قوي. وربما من الناس الذين يقولون بذلك البزار رحمه الله عليه، لأني وجدت له كلاماً يشبه أن يكون عنده اشتراط هذا الشرط. ولعل مسلماً يقصده، أو يقصد غيره مع البزار إمام. لكن مسلماً لما تكلم في مقدمة صحيحه عمن يشترط هذا الشرط، اشتد عليه وتحامل جداً، وقال إنه خامل الذكر ووصفه بالجهل.

ولا شك أنه لا يعني البخاري، لأن البخاري الذين قصدوا قالوا إن المقصود هو البخاري، احتجوا بأشياء عند النظر تدل على أنها غير صحيحة. حتى ما متشعب بكم، قال: ومنهم من اكتفى بمجرد إمكان اللقي، وهو مذهب مسلم. ما معنى هذا؟ أن يكون الراوي زيد عن عمر بحسب طبقتهم وسنّ وفاتهم وولادتهم متعاصرين، يعني يمكن أن يلتقي هذا بهذا. فإذا كان إمكان اللقي موجوداً، أصبحت العنعنة مقبوله، ولو لم يصرح بالتحديث حتى ولو مرة واحدة. وبعضهم يقول هذا مذهب الجمهور، لكن مسلماً ينقل عليه الإجماع. إمكان اللقي يعني معناه ليس هناك شيء يبعده، إذا كان هناك شيء يبعد اللقي، حتى مسلم بن الحجاج يبحث عن السماع فيه. مفهوم كلامي يا مشايخ؟

يعني عندنا راو وشيخه في السند وبينهما عنعنة، ولم يثبت بينهما سماع قط، لكنهما السماع بينهما ممكن لكونه من بلد، أو لكون أحدهما رحل إلى بلد آخر والسن محتمل للسماع. ما معنى محتمل للسماع؟ ليس مبعداً للسماع. كيف يكون مبعداً للسماع؟ مثلاً نحن لا نعلم ولادة هذين الرجلين لكن نعلم وفاتهما. فوفاة زيد كانت سنة مثلاً مائة وثمانين، ووفاة عمر وهو شيخه سنة مائة. كم بين الوفاتين؟ ثمانون سنة. هل إمكانية السماع هنا موجودة عقلاً؟ موجودة، لكن عادةً بعيدة.

لأن عشان هذا يدرك سماعاً صحيحاً ويكون عنده تمييز، لابد أن يكون ولادته قبل سن وفاة ذلك بعشر سنين أو عشرين سنة أو خمس عشرة سنة. فإذا كان ولادته قبل وفاة ذلك بخمس عشرة سنة، وهو توفي بعد وفاته بثمانين، معناه كم كان عمره؟ خمس وتسعين سنة. ونادراً ما يبلغ الناس هذا السن. لكن متى نعلم أنه يبلغون هذا السن؟ لما نرى إسناده فيه. هذه من القرائن التي يستخدمها المحدثون. هذا الذي توفي بعد مائة وثمانين، إذا راينا الناس يتكالبون على روايته ودائماً روايته مشهورة، يتبين لنا أنه عالي الإسناد وأنه معمر، فهنا يكون هناك إمكانية نوعاً ما، إمكانية إلى السماع أو احتمالية جيدة.

لكن في المحصله، إذا كان بين وفاتهما مدة طويلة حتى لو ستين سنة، كافية لأن تبحث عن السماع وأن تتوقف فيه. لأنه يحتاج حتى يسمع ممن قبله شيخه أن يكون عمره عشرين سنة قبل وفاة ذلك، يعني بلغت ثمانين أو خمسة وثعين وقل من يفعل ذلك، خصوصاً إذا كان الرجلين في بلدين مختلفين. فهذا هناك ما يبعد السماع، فمسلم يقصد في إمكانية السماع أن لا يكون فيه مثل هذه القرائن التي تبعده.

فالبخاري، الذين قالوا إن البخاري يشترط السماع ولا مره، هم وقفوا على بعض الأماكن التي قال البخاري فيها: لا أعلم فلاناً سمع من فلان، وهو وإنما قالها لأجل هذا الذي ذكرته أو لغيره من القرائن. وقد قالها في حديث في صحيحه قال: سمع يوسف الماجشون من صالح، وصالح يروي عن إبراهيم، وإبراهيم يروي عن أبيه، وسمع إبراهيم من أبيه. ولم يذكر سمع صالح من أبيه. يعني نص على سماعين من طرفين وترك الذي في الوسط.

فلما اختبرت ذلك، وجدت أن بين وفاتي الماجشون وصالح ستين سنة، وبين وفاة إبراهيم والذي قبله ستين سنة، بينما بين وفاة صالح وإبراهيم ثلاثين سنة وأبوه. فهنا لم يبحث عن السماع ولم أجد سماعاً بين صالح وإبراهيم. بحثت بشتى الوسائل الحديثة في كل الروايات فلم أجده قال سمعته، لكنه يروي عن والده، ومن العادة أن الرجل لقي والده خصوصاً إذا كان بين وفاتهما ثلاثين سنة، معناه أدرك من عمره ثلاثين سنة وأكثر.

واضح؟ فهنا من الناس من قال البخاري هذا شرطه. لكن مسلماً ينقل الإجماع، يقول: أجمع الناس على أن هذا الشرط غير مشترط. وجاء من قرأ مسلم، كل من جاء من المحدثين، مثلاً الدارقطني، الدارقطني انتقد مسلماً في أحاديث بشير بن عمارة الشهيد، وانتقد مسلماً في أحاديث، وانتقد كلاهما، والدارقطني انتقد البخاري في أحاديث. وجاء بعدهما الخطيب، وجاء البيهقي، وجاء الحاكم النيسابوري قبلهما، وليس هناك واحد منهم ذكر أن مسلماً يقصد فلاناً.

وكلهم كانوا كأنهم متفقون مع ما قاله مسلم من الإجماع، بل نقل الإجماع على ذلك جماعة منهم الداني، نقل الإجماع الحاكم، نقل الإجماع على ما ذكره مسلم. فبالتالي من الصعوبة بمكان أن يكون المخالف لمسلم البخاري ولا يعلمون به. وهذا الأمر كان ينقدح في نفسي قديماً، وكنت أجمع فيه أدلة على أن البخاري ليس هو صاحب هذا القول، وأنه مبرأ من هذا القول. لا أدري، ربما الناس الذين لم يدرسوا المصطلح قد يكون هذا عليهم صعباً، لأنه يحتاج إلى مقدمات. لكن الذين درسوا المصطلح هم يستوعبون هذا الكلام في اعتقادي.

فكنت أجد للبخاري كلاماً يدل على أنه لا يشترط السماع بين المعاصرين مرة واحدة، من ذلك أحاديث يسأله عنها الترمذي في العلل، وجدتها. قال: فلان، هذا الحديث أتراه محفوظاً؟ قال: نعم هو محفوظ. قال: أترا فلاناً سمع من فلان؟ قال: ينبغي أن يكون سمع فلان قديم. فقوله ينبغي أن يكون سمع دليل على أنه لم يقف على سماع ومع ذلك قال محفوظ.

هناك عدد من الأدلة، وقد ذكر ذلك الشيخ الشريف العوني حفظه الله وهو من علماء العصر في الحديث، ذكره في كتاب سماه الاجماع على نفي اشتراط السماع بين المعاصرين، نفس ما ذكره مسلم، وجاء بأدلة ربما خمسة عشر دليلاً، وكلامه فيها قوي جداً. وإن كان في بداية المقدمة فيه حدة نوعاً ما في تقرير بعض الأشياء، وحتى بعض الأدلة في تقريره لها أحياناً يأتيها باسلوب قد ينفر القارئ من احتجاجه به. وإلا فأغلب ما رايت، إن لم يكن كل ما رايت مما احتج به، كانت حججه فيها قوية جداً. وأما حجج الآخرين القائلين بأن البخاري اشترط السماع، فليس عندهم إلا مثل هذه العبارات عند البخاري، وقد يتوسعون في أن هذه العبارات موجودة عند ابن المديني وأحمد، ولكن كل هذا في فلك مختلف عما يقصده مسلم.

فيأتون مثلاً في أحاديث قال أحمد لم يسمع فلان من فلان، وتجدهم يبحثون عن السماع، إنما يبحثون عن السماع لقرائن قامت عندهم في عدم وجود أو وجود ما يبعد السماع إذا وضعناها تحت البحث. على كل حال، أنا حاولت أن ألخص الخلاف في هذه المسألة، وقد ذكرها الذهبي رحمه الله عليه، قال: ومنهم من اكتفى بمجرد إمكان اللقي، وهو مذهب مسلم. هذا قطعا مذهب مسلم. الأول لم يقل إنه مذهب البخاري أو غيره، وقد بالغ في الرد على مخالف مسلم في المقدمة. بالغ في الرد على مخالفه ووصفه بالجهل والخمول وغير ذلك من الأوصاف، وأن الأئمه، عدد الأئمة أنهم لم يكونوا على هذا الطريق.

ثم بتقدير تيقن اللقاء، فلنفترض أن اللقاء متيقن، يشترط أن لا يكون الراوي عن شيخه مدلساً. هذا المعنعن هل نشترط فيه اللقاء أو إمكانية اللقاء؟ إمكانية اللقاء هي شرط مسلم، وهو الشرط المشهور والناس تتابعوا عليه، وإلا كيف سيفعلون بصحيح مسلم؟ هل سيقولون إن مسلماً ما رعى هذا الشرط وبالتالي أحاديثه ربما يكون فيها مشكلة؟ بعضهم يقول لا، نحن خبرنا أحاديث مسلم وجدنا فيها كلها بها سماع، يعتذرون لمسلم. طيب، هو مسلم بنفسه هذا منهجه، ويقول هذا هو المنهج الذي قام عليه حديثه وحديث الناس.

ثم بتقديره، فإذا تيقنا أنه حاصل لقاء، وهذا يكون متفقاً عليه إذا حصل اللقاء بين المتعاصرين، يصبح ذلك الذي قصده مسلم، والذي خالف الإجماع، يصبح موافقاً لنا ماشي، ونحن موافقين له. بتقدير تيقن اللقاء، يشترط ماذا في المعنعن؟ قال: ألا يكون الراوي عن شيخه مدلساً. ما هو المدلس؟ سياتينا المدلس.

المدلس هو الذي يوهم السماع ما لم يسمعه، فيقول عن فلان وهو لم يسمع، والناس يظنون أنه سمع، وهم. وهذا بالمناسبه يحصل، ربما يحصل منا نحن في العصر في أخبارنا، تجد شخص سمع خبراً جميلا أو قصة معينة، ويسوقها مساقاً يشعر السامع أو المتلقي أنه حاضر، وهو يريد أن يتجمل بها. هذا يحصل من عامة الناس، وقد يحصل منا نحن.

قال: فان لم يكن، يعني إن لم يكن الشيخ مدلساً، حملناه على الاتصال. يعني العنعنة إذا ثبت اللقي فإذا ثبت اللقي بينهما في حديث أخرى محموله على الاتصال. بل مسلم يقول: إذا أمكن اللقي فهي محموله على الاتصال، وهو إجماع. نعم، فان لم يكن مدلساً حملناه على الاتصال. فان كان مدلساً، فالأظهر أنه لا يحمل على السماع. يعني إذا جاءنا عنعنة من مدلس وهو الذي يوهم السماع، فقال الأظهر، معناه أن هناك خلاف. من الناس من يقبل حتى العنعنة من المدلس، لكنه قال الأظهر عدم القبول.

والذين درجوا على عدم القبول لهم عبارات كثيرة، لكن يشترطون في المدلس. هناك فيه مذهبان في المدلس، غير مقبول العنعنة إلا بالتصريح، مذهب المحدثين أو غالب المحدثين، وهو ذكره مسلم في صحيحه. أما إذا عرف الراوي بالتدليس وشهر به -شوف عطف كلمتين: عرف بالتدليس وشهر به- معناه شخص كل الناس يعرفون أنه مدلس بسبب كثرة تدليسه، وبما يعانيه، بسبب ما يعانيه من التدليس، ما يستعمله، فسار الناس على توجس من روايته، فهذا هو الذي يبحث عن ويفتش عن سماعه. وأما الذي دلس مرة أو مرتين أو قليلاً، فهذا لم يشتهر بالتدليس أو لم يعرف بالتدليس، هذا هو المذهب الذي عليه جماهير أهل العلم من المحدثين.

هناك مذهب آخر، وأول من ذكره الشافعي رحمه الله عليه في الرسالة، قال: من دلس مرة فقد أبان لنا عورته فلا يقبل، ومشى على هذا المذهب ابن حبان، أو نقله ابن حبان في كتابه أظن في الصحيح في بداية الصحيح أو في الثقات -نسيت- فإن من دلس مرة أنه لابد من البحث عن سماعه في كل حديث.

ولكن صنيع الأئمة أهل الحديث أنهم لا يبحثون عن تدليس كل مدلس، بل يقصرون ذلك على المشاهير. وهذا البخاري رحمه الله عليه في الصحيح لا يعامل كل من نسب إلى التدليس معاملة المدلسين، إنما يعامل أفراداً معينين، كقتادة بن دعامة السدوسي وحميد الطويل وأمثال هؤلاء. وأما أغلب من نسب إلى التدليس، فنجد في البخاري أنه لا يتحرى في سماعاته، وربما يعلم أنهم سمعوا.

لكني أجد بعض الرواة في البخاري لا يترك روايته إلا ويعقبها بسمع، فمثلاً حميد الطويل لا نجد له في البخاري رواية يقول عن أنس إلا وأجد البخاري يروي بسند آخر، وخصوصاً بسند ابن أبي مريم سعيد بن أبي مريم، وياتي بتصريح حميد من أنس، حتى إن حديثاً واحداً كرره في موضعين، فاتى بذلك التصريح مرتين عقب الحديث، فلم يترك العنعنة، ولم تكف المره الأولى كي يترك المرة الثانية، بل أتى بالتصريح مما يدل على أن مثل هؤلاء المدلسين عند البخاري وهو أحد الأئمة، معاملته للمعطين لابد أن يفتش عن السماع في كل حديث حديث.

وهكذا قتادة نجده يتعقبه في كثير بل في أغلب أحاديثه، فقط ربما هناك أربعة أحاديث ولها وجهها في عدم تعقبه أو في عدم إيجاد رواية أخرى تصرح بالتحديث لأسباب، وقد ذكرتها وكنت ذكرت بحثاً في هذا لكنه لم يطبع. نعم أين وصل؟ ثم بتقدير تيقن اللقاء يشترط ألا يكون الراوي عن شيخه مدلساً -هنا مدلساً يعني مشهوراً بالتدليس ينبغي أن يقيد هذا- فإن لم يكن حملناه على الاتصال. يعني فإن لم يكن مدلساً حملناه على الاتصال. فإن كان مدلساً أي مشهوراً بالتدليس، فالأظهر أنه لا يحمل على السماع، بل يفتش عن سماعه.

نعم، ثم هذه زياده: إن كان المدلس عن شيخه ذا تدليس عن الثقات فلا باس. يعني من المدلسين من لا يدلس إلا عن ثقات. معنى التدليس يا أحبه هو إسقاط الواسطة، يعني هو لم يسمع من الشيخ مباشرة، سمع من واسطة أسقطها. فمن المدلسين من لا يدلس إلا عن ثقات، مثل من؟ مثل سفيان بن عيينة، هو يدلس، لكنهم فحصوا تدليسه ووجدوه لا يدلس إلا عن ثقات.

ثقات بل كبار الثقات. طيب لماذا يدلس؟ له غرض آخر، وهو العلو؛ يكون المدلس عنه أو الواسطة الساقطة في منزلته، أما نظيره زميله في طبقته، أو حتى أصغر منه. وهكذا سفيان الثوري مرة ذكرت لكم أنه دلس عن عبد الله بن المبارك، وعبد الله بن المبارك تلميذه ومن أكثر الناس رواية عن سفيان الثوري، فلما حدث بالحديث أسقط ابن المبارك.

وكان ذلك الحين أسقطه، صادف دخول عبد الله بن المبارك عليهم الحديث في المجلس، فلما راه استحى وقال: عنك أخذناه، عنك أخذناه. طيب، لماذا المدلس الكبير مثل هذا يترك الواسطة؟ لأنه لو أبرزها ما عاد في داعي لتحديث، الواسطة موجودة أذهب إلى الواسطة كي يعلو سندي، فهو يريد يعني أن يكون عنده شيء وهو فيه شيء من الشهوة؛ التدليس فيه شيء من شهوة الحديث وشهوة الحديث، يعني الذي لم يحدث ولم يعاني ما عاناه المحدثون لا يفهمه، فيه لذة الإغراب على الناس، هذا من شهوة الحديث يعني فيه فخر.

تعلمون مرة من المرات ابن هبيرة، ليس ابن هبيرة، أعطيني اسمه، شيخ الوزير هذاك الذي جمع بين الجعابي والطبراني، نسيت اسمه، وزير من الوزراء جمع عنده مجموعة من الحفاظ منهم الطبراني. الطبراني توفي سنة ثلاث مئة وستين متأخر، لكن الطبراني أدرك تلاميذ عبد الرزاق الصنعاني. البخاري توفي سنة مئتين وستة وخمسين، كم بين وفياتهما؟ فوق المئة سنة! هذا توفي مئتين وستين، ثلاث مئة وستين الطبراني، والبخاري توفي سنة مئتين وستة وستين، بين وفاتهما مئة وأربع سنوات، وهو يساوي البخاري في إسناده، ما رايكم بهذا؟ علو منقطع النظير؛ لأنه يروي عن عبد الرزاق من طريق أربعة من تلاميذ عبد الرزاق مباشرة عن عبد الرزاق، والبخاري يروي عن عبد الرزاق بواسطة محمود بن غيلان وغيره من الوسائط، فحصول رواية عبد الرزاق للطبراني هذا علو عجيب.

لما التقوا عند هذا الوزير أنا جالس أتذكر اسم الوزير، ها من هو؟ آل ابن العميد، أحسنت. لا يكون جوجل علمك،ها؟ يضحك يقول: جوجل علمني ابن العميد. نعم، ها الشيخ جوجل! المهم أن ابن العميد هذا جمع هؤلاء الحفاظ؛ منهم الطبراني ومنهم ابن الجعابي ومنهم مجموعة، وابن الجعابي كان من بغداد، فلما جمعهم قال: تذاكروا، أريد أن أسمع مذاكرة الحديث. شوف كيف تأثير المحدثين والحديث على حتى الأمراء والوزراء. فقالوا: أجري الحديث بيننا، يعني أنت تذكر شيء، يعني ابدأ حتى نحن نتذاكر.

فبدأ لهم ببدايه فتصاير ابن الجعابي، طبعا الطبراني أوسع رواية من ابن الجعابي، كلهم حفاظ، لكن ابن الجعابي كان ذكيا، فكان يأتي باسماء شيوخ ويكني وياتي بكنى شيوخ ويسميهم، يعني يحاول أن يلبس على الطبراني ويغير الأسانيد بطريقة أو بأخرى حتى يظهر أن عنده أكثر من إسناد. وكان الطبراني فطنا لذلك وكان عالما، فقال له: يا أخي، هذا دادا وبابا، دادا وبابا يعني هذا حق الأطفال، ماذا سمعت في كذا؟ فقال لما قال له دادا وبابا قال له: عندي حديث ليس في الدنيا إلا عندي، يريد أن يغرب على ابن الطبراني. والطبراني صاحب الأوسط، الأوسط كتاب الأوسط هذا تحفة، وإن كان يعني أكثره مناكير لكنه تحفة، لماذا؟ لأن الطبراني فيه أورد فيه من الغرائب الشيء العظيم والكثير، يعني مجلدات ذات كلها غرائب تدل على سعة رحلته، ربما يفوق مشايخه الألف شيخ.

المهم أن الطبراني آنذاك قال: حدثني من؟ أما خلف بن خليفة، واحد من مشايخهم عن سليمان بن خالد، أو سليمان، يعني عن سليمان بن فلان عن فلان عن فلان، فضحك الطبراني قال: أتريد تغرب علي؟ أتدرى من سليمان هذا الذي يروي عنه شيخك؟ وهذا الشيخ توفي سنة مئتين وخمسة أو كذا، يعني توفي سنة ثلاث مئة يعني قبل هذه الحادثة بخمسين أو خمسة وخمسين سنة أو ستين سنة، قال: أتدرى من فلان شيخ شيخك اللي هو سليمان هذا بن خالد؟ قال: لا. قال: هو أنا، يقول شيخك حدث عني أنا فأخذه عني! يعلو إسناد عجيب وتعجب ابن العميد وقال: سبحان الله! شيخ من مشايخنا يحدث عن شيخ منذ ستين سنة؟ وتعجب وقال: تمنيت أن الوزارة كلها لم تكل لي وأكون أنا الطبراني!

لهذا ما حصل له من الزهوه الذي جاء بهذا الكلام، الشهوة شهوة الحديث؛ فالتدليس أحيانا يكون بسبب شهوة الحديث. لكن بعض الناس يكونون حرصا على عدم التدليس، ومنهم شعبة بن الحجاج وغيره من العلماء.

ثم قال: ثم إن كان المدلس عن شيخه ذا تدلس عن الثقات فلا باس. وقلت لكم ليش يدلس عن الثقات؟ ليعلو اسناده حتى تكثر شيوخه مثلا، وإن كان ذا تدليس عن الضعفاء فمردود. فاذا قال الوليد أو بقية، وليد بن مسلم الدمشقي أو بقية بن الوليد، الحمصي، بقية بن الوليد اسمه أظن بقية بن الوليد الحمصي عن الأوزاعي فواه؛ يعني إذا قال هذين الرجلين رويا عنه عن شيخ الشام الأوزاعي فهذا واهي. لماذا؟ قال: فإنهما يدلسان كثيرا عن الهلكى، ولهذا يتقى يتقي أصحاب الصحاح حديث الوليد، فما جاء إسناده بصيغة عن ابن جريج أو عن الأوزاعي تجنبوا. هكذا قال الذهبي رحمه الله عليه.

ويحتاج إلى تتبع حقيقة، أنا رأيت كثيرا من أحاديث الوليد بالذات عن الأوزاعي وعن ابن جريج بعن عنه ولم أجدهم يعني يتحرون في ذلك، وربما كان لمعرفة واسعة عندهم بهذه الحيث. أنا أقول فقط ينبغي علينا أن نراجع هذه المسألة التي حكم بها الذهبي رحمه الله عليه.

وهناك أمر ينبغي التنبه له؛ التدليس أو العنعنة المردودة هذا كان كثيرا قبل التدوين، تدوين الأئمة الستة كان كثيرا جدا، لكن في ظني وفي زعمي، ويحتاج هذا إلى تتبع أيضا، أن الأئمة الستة قد تحروا وتجنبوا ما فيه تدليس من العنعنة، وهذا يحتاج إلى بحث حقيقة، لأن هذه الكتب قد اختيرت من مئات الألوف من الأسانيد وأصحابها نقاد، فلا يمكن أن يعني من البعيد أن ياتوا برواية فيها عن عن مدلس تحتمل التدليس ويتركونها بلا يعني بيان أو بلا فحص.

ولذلك ربما يكون هذا الزعم صحيحا بعد البحث، إذا يعني ماذا أقول؟ إذا شخص أو أشخاص جعلوا هذا من بغيتهم وبحثوا ودققوا بحيث يعرفون أن الكتب الستة هل هي فعلا قد تحرى أصحابها؟ هل هناك من يعني هذا الزعم الذي أقوله يمكن أن يرد بأمثلة؟ ما هي هذه الأمثلة؟ أن ناتي إلى أحدث في هذه الكتب الستة أو في بعضها وقد رواها مدلس بالعنعنة ونجد خارج، ونجد بعض الأئمة النقاد يقولون بأن هذا الحديث تدليس، ونجده في السنن مثلا، هنا سنقول بأن افتراض نظافتها من التدليس هذا أصبح هذا الافتراض خاطئا. واضح كلامي؟ فيحتاج إلى بحث حقيقة، لكني ما زلت أحسن الظن بهذه الكتب وأرى أنها كتب عظيمة، وأن مسألة العنعنة الموجودة عند المدلسين ربما تكون هذه الكتب قد سلمت منها، وبالتالي -خصوصا الصحيحين- وبالتالي انتقاد هذه الكتب أو الصحيحين بعنعنة المدلس يكتنفها يعني نظر. من هذا النظر لا بد من معرفة أن هذا المدلس مكثر من التدليس أو مشهور، لا ناتي إلى كل مدلس وتوقف في عنعنته ونرد أحاديث في الصحيحين.

بعضهم يتوقف في عنعنة مثلا، أنا لا أريد أن أسمي حتى لا تعرفوا من هو، يعني لا أريد أن أسمي العنعنة المتوقف فيها، لكن هناك عنعنة في الصحيحين توقف بها فيها بعض المعاصرين مع أنها في الصحيحين، والغالب على ذلك أنها نظيفة من التدليس. ربما يكون ليس غالبا أنها نظيفة فعلا من التدليس، يحتاج إلى بحث، هل فعلا نقدت بالتدليس أو لا؟ خصوصا الصحيحين، بل والسنن الأربعة.

نعم، من الأمور التي تكتنف التدليس أو الطعن فيه بالتدليس قلنا إن أن هذا المدلس لا بد أن يكون مكثرا من التدليس، ما نأتي إلى أي مدلس ونقول خلاص نتوقف؛ يعني مثلا الحسن البصري سياتينا هنا خل أعلق به عن الحسن البصري، قال: فما جاء إسناده بصيغة عن ابن جريج أو عن الأوزاعي تجنبوه. نعم، وهذا في زماننا يعسر نقده على المحدث، وهذا جيد من الذهبي، يعني حتى يقول لك: لا تذهب إلى الكتب المشهورة هذه وتنقد بهذا النقد لأنه يعني يعسر عليك هذا النقد لأنك لم تطلع إلى الأصول.

البخاري طلع إلى الأصل ثم جاء به، ولو جاء به بالعنعنة مثلا، لأن أحيانا يكون اعتياد الناس المحدثين عن التحديث بالعنعنة كثير. ما معنى هذا؟ يعني هو يكتب أحاديث ينقلها من مصادر أو من نسخ لشيوخه أو من أجزاء وهي كانت في تلك الأجزاء مصرحة بالتحديث، فلما ينقلها لأجل أن يتخفف يذكر كلمة العنعنة من باب التخفف، لكن العكس لا يكون، يعني هي عنعنة ثم يقول حدثنا، هذا لا يقع، ولذلك البخاري يكتفي من التصريح بالتحديث بمره واحدة. فمثلا حميد الطويل لما يقول عن أنس ونجد أن كل من رواه عن حميد الطويل رواه بالعنعنة إلا سعيد بن أبي مريم يأتي ويرويه بالتحديث فيقبله البخاري، فالبخاري لما يقبل هذا التصريح بالتحديث الواحد لأن اعتيادهم عن التحديث بالعنعنة كثير ولا عكس. واضح كلامي؟ نعم.

طيب، وهذا في زماننا يعسر نقده على المحدث، فإن أولئك الأئمة كالبخاري وأبي حاتم وأبي داوود عاينوا الأصول وعرفوا عللها، وأما نحن فطالت علينا الأسانيد وفقدت العبارات المتيقن. ومثل هذا ونحوه دخل الدخل الداخل -أو الدخل والداخل هكذا الداخل- على الحاكم في تصرفه في في المستدرك، إذا كان الحاكم المتوفى سنة أربع مئة وخمسة دخل عليه الداخل في كتابه، وهو متقدم بالنسبة لنا لكنه متاخر بالنسبة للمتقدمين، إذا دخل عليه الداخل لأنه لم يعاين تلك الأصول التي عاينها البخاري وأمثاله، فما بالكم بنا نحن من باب الأولى!

لكن لا يعني هذا إلا نبحث عن التصريح بالسماع عند المدلس، وعن العلل في في في في ماذا يقول؟ صيغ الأداء، لأننا ممكن أن نقف على عدد من الكتب التي تفيد في ذلك، والمتاخر وقف على أشياء لم يقف عليها كثير من المتقدمين، خصوصا في هذا الزمن توفرت كثير من البرامج التي تعين على معرفة ما يكتنف الأحاديث في صيغ الأداء وغيرها.

نعم، ثم قال الذهبي رحمه الله عليه؛ التدليس -انتهى من العنعنة وذكر فيها ما ذكر أشار إلى التدليس فيها- ثم الآن خصص هذا الكلام عن التدليس. أرى بعضكم ينظر إلى الساعة،ها؟ بقي عندنا عشر دقائق ولا ربع ساعة؟ عشر دقائق؟ ها، يلا، إذا تجاوزت العشر دقائق أخبروني.

نعم، التدليس قال: ما رواه الرجل عن آخر لم يسمعه منه، أو لم لم يدركه حقي هو زايدها لو تلاحظون في كلمة في حرف الزاي لم يدركه، ربما توسع الذهبي في العبارة أو سيقيد بعد ذلك. فما رواه الرجل عن شخص سمع منه أو عاصره، هذه العبارة التي المشهورة ما لم يسمعه منه هذا هو التدليس بشرط أن يكون موهما للسماع، وهذه العبارة لابد منها في تعريف التدليس. لكن بعضهم يعني تجوز في ذكره، مثلا هنا الذهبي تجوز في هذا الذكر ما رواه الرجل عن آخر لم يسمعه منه. طيب عندنا المرسل وروى عن آخر لم يسمعهم وليس بتدليس.

وهناك المراسيل الخفية، يعني كثير من الأحاديث التي رواها هشام -وذكر هذا مسلم في مقدمته- هشام بن عروة عن أبيه عروة بن الزبير وعروة عن عائشه هناك عدد من الأحاديث ما سمعها منهم ولم يصفهم أحد بالتدليس. طيب ما معنى عدم السماع؟ هذا معناه إرسال، لأن هناك فرقا جوهريا بين التدليس والارسال، وصورته واحدة؛ التدليس والإرسال لهما صورتان، وهما رواية الراوي عن رواية الراوي عن شيخ سمع منه ما لم يسمعه منه، أو عن شيخ عاصره ما لم يسمعه منه موهما. إن قلنا موهما أنه سمعه منه فهذا هو التدليس، وإن تركنا كلمة موهما فهذا هو الإرسال؛ لأن المرسل لا يقصد الإيهام. طبعا الشريف العوني حفظه الله استبعد مسألة القصد وهي حاضرة وذكرها عدد من أهل العلم، وقد كتبت فيها بحثا صغيرا اسمه الفرق، بحث في الفرق بين التدليس والارسال في كتيب صغير ولم يعد عندي منه ولا أدري أين هو، ولا حتى من من يعني أظنه دار المعرفة أو كذا.

المهم فيه أن التدليس والإرسال له صورتان؛ الصورة الأولى: أن يروي الراوي عمن سمع منه أو لقيه من العلماء من الشيوخ ما لم يسمعه منه، طيب إن كان لم يقصد الإيهام، إيهام السماع -قالها من باب تبليغ العلم مثلا- فهذا يسمى إرسال خفيا ولا يسمى تدليسا. الصورة الثانية: أن يروي عن راو عاصره ولم يسمعه منه، فالمعاصرة هذه ملبسة، إن كان أراد إيهام أنه سمع من هذا الراوي وأنه شيخ له فهذا تدليس، وإن لم يكن قصد الإيهام فهذا إرسال خفي.

لكن نجد من الناس من يجمع بينهما، مثلا الذهبي هنا لم يذكر مسألة الإيهام، ولذلك أجد الذهبي في كثير من الرواة يقول: دلسه، بينما نجد النقاد لا يصفون الراوي بالتدليس إلا يعني بعد ماذا أقول؟ يعني إلا بصعوبة. ولذلك وصف الرواة بالتدليس لأن هذا مذمة، فكون يعني تتساهل في وصف بعض الرواة بالتدليس لأجل أنه اسقط راويا لا تدري ما كانت نيته في ذلك يعني فيه فيه ما فيه، لأنك إذا قلت إنه مدلس قد قد نتوقف في كل عنعنة له بسبب وصفه بالتدليس، وهذا حصل وحصل حتى من أكبر من من الذهبي، من النسائي رحمه الله عليه. فالنسائي مثلا وصف الحسن البصري تدليس، بينما صاحب الصحيح لا يعامله نه معاملة المدلسين، والحسن البصري تعرفون كان واعظا، ومسكوا عليه بعض الكلمات التي يمكن أن تكون عند غيره في قوله حدثنا أبو هريرة مثلا وهو يقصد حدث جماعتنا، أو حدث وهو لم.

غيره، لكن الحسن البصري لم يكن قصده التدليس، ولذلك البخاري وأمثاله لا يعاملونه هكذا. البخاري روى للحسن البصري خمس عشرة أو خمسة عشر حديثاً، صادف أن عشرة منها فيها التصريح بالسماع عند البخاري، وخمسة ليس فيها التصريح بالسماع، واحد منها فيه تصريح بالسماع خارج الصحيح، وأربعة لا يرد فيها تصريح بسماع لا في البخاري ولا خارجه؛ بل بعضها انتقد على البخاري، مثل حديث أبي بكرة، حديث الحسن عن أبي بكرة انتقد الدارقطني، ومع ذلك قال البخاري في آخره: قال علي بن المديني شيخه إنما ثبت لنا سماع الحسن من أبي بكرة بهذا الحديث لأنه قال: «سمعت» في جزء منه.

فيقول البخاري: إنما ثبت لنا سماع الحسن من أبي بكرة بهذا الحديث. إذا كان الحسن مدلساً عند البخاري، هل هذا يفيد أنه ثبت السماع أو لم يثبت؟ سنتوقف في كل عنعنة ولا؟ لا، لكنه لما قال: إنما ثبت لنا سماعه من أبي بكرة، يدل على أنه لا يعامله معاملة المدلسين، وأنه بمجرد ثبوت السماع سيقبل كل رواياته المعنعنة عنه، ولذلك قبل عدد من الروايات المعنعنة عن أبي بكرة وعن غيره.

نعم، قال: ما رواه الرجل عن آخر لم يسمعه منه أو لم يدركه، فإن صرح وقال: حدثنا، فهذا كذاب. يعني واحد يقول: حدثنا، وهو لم يسمع، تبينا على أنه لم يسمع، وقال: حدثنا، هذا كذب. طيب، الحسن البصري قال: حدثنا أبو هريرة، ولم يكذبه أحد، ما الفرق؟ حد يقول لي. ها! لم يكن مشهورا، ليس مدلساً، أنا أنفي التدليس عن الحسن البصري رحمه الله عليه، ولو وصفه النسائي بالتدليس. الحسن البصري في طبقة متقدمة جداً، ليسوا من الناس الذين عاينوا التدليس وعاينوا وصار يعني عندهم شهوة الحديث التي تحملهم على التدليس، هنا المقصود في ألم الآخرين بعد ما استقر وانتشرت مسألة التدليس، فيعلمون أنك إذا قلت عن، ينبغي أن يكون عنعنتك محمولة على الاتصال، فإذا جاءنا مدلس وقال عن وهو لم يسمع، قلنا أنه مدلس، لماذا؟ لانه أصبحت العنعنة والتحديث في ذلك الزمن في أتباع التابعين أصبح شيئاً خلاص متعارفا عليه، لا ينبغي أن تقول قال فلان ولا عن فلان إلا وأنت سمعته، فإذا قلت ذلك عرفنا أنك تعاين ماذا. تستعمل التدليس.

فإذا قال واحد من هؤلاء المتأخرين حدثنا وهو لم يسمع فهو كذاب، لأنه لم يأت بتدليس، وإنما جاء بشيء فوق التدليس وهو الكذب. واضح الفرق بين المتقدمين والمتأخرين؟ المتقدمين لم يكونوا يقصدون التدليس وإنما كانوا يقصدون نشر العلم، المتأخرين أصبح عندهم شهوة الحديث ويريدون التعالي وكثرة الأسانيد وكثرة الأحاديث عندهم، فصار مسألة التدليس يعني شائعة بينه، ولذلك أوْقَفنا أوْقفهم المحدثون صاروا يعني يتوقفون في حديث المدلس.

نعم وإن قال عن، احتمل ذلك. يعني أن قال الراوي الذي لم يسمع عنه احتمل ذلك؛ لأنه لم يكذب، ولو كان لم يسمع ونظر في طبقته هل يدرك من فوقه؟ فإن كان لقيه فقد قررناه. يعني قال عن وهو لم يسمع وقد لقي من عاصره، فقد قررناه، أين قررناه؟ إيش قال تحت هنا في الحاشية؟ أي أنه يسمى تدليساً، أظنه سبق في المعنعن، أليس كذلك؟ ماذا قال هنا؟

أيوه، قال: ثم بتقدير تيقن اللقاء يشترط أن يكون مدلساً، فإن لم يكن حملناه على الاتصال، فإن كان مدلساً فالأظهر أنه يعتبر تدليساً ويحتاج إلى الوقوف عند. نعم، وإن لم يكن لقيه وأمكن أن يكون معاصره، فهذا محل تردد. ما معنى محل تردد؟ أسمى تدليساً أم لا؟ بل هذا يسمى تدليساً الذي لا يسمى تدليساً هو المنقطع أو الجلي. هنا في قوله محل تردد، يعني غريبه، لما غريبه؟ لأن الذي يدلس عن شيخ سمع منه هذا يسمى مدلساً، طيب الذي يوهم سماع شيخ لم يسمع منه وعاصره هذا أوهم أيضاً، أوهم إيهاماً أشد من إيهام ذاك، لأنه أوهم أن هذا شيخه، ولذلك كان ماذا قال ابن عبد البر ويعقوب بن شيبة وغيره من الأئمة؟ قال: فإن كان قد لقيه احتمل منه ذلك، أنا لا أحفظ العبارة، فإن لم يكن لقيه، يعني المدلس إن لم يكن لقي من دلس عنه، فهو أقبح وأسمج، وهو التدليس الذي لم يرخص فيه أحد من العلماء، سماه تدريساً وقال: لم يرخص فيه أحد من العلماء، ذاك رخص فيه إذا كان بينهم ثقة، وأما هذا لم يرخص فيه أحد من العلماء، لأنه يعني فيه سماجة، كأنك تدعي، يعني ذاك الذي دلس عمن لقيه هو ما استفاد شيخاً جديداً، يعني هو شيخه وإنما استفاد حديثاً جديداً، لكن هذا الذي دلس عن شيخ ما لم يسمع منه، هو استفاد علم شيخ كامل، أحاديث كثيرة سيرويها عن ذلك الشيخ، واضح؟

فهذا أقبح وأسمج، يعني أنت لم تَرَ وتدعي أنك رايته بقولك عنه، لأن الظاهر في قولك عن أنك تحدث عنه وأنك سمعت منه، لأن هذا شيء تعارف عليه، لما يجلس محدث في مجلس ثم يقول عن فلان عن فلان، ينبغي أن يكون الظاهر الاتصال، لأنك نحن ما جلسنا نريد أن نكتب منك ولا جلسنا للتحديث إلا ينبغي أن يكون الإسناد متصلا، فلما تقول هذا عن شيخ لم تسمع منه هذا شيء قبيح، توهمنا أنه شيخ لك، واضح ما يقصدونه.

ولذلك قول الذهبي فهو محل التردد، محل التردد في قبوله أو في تسميته تدليساً، أنا ما أظن أحد لا يسميه تدليساً، سماه تدليساً البخاري رحمه الله عليه، سماه تدليساً الحاكم النيسابوري في باب التدليس في القسم السادس، قال: أناساً دلس عن أناس لم يرَهم قط ولم يسمعوا منهم، وقال البخاري: دلس ابن يزيد بن أبي حبيب عن أناس لم يرهم، وذكروا أشياء من هذا القبيل وسموه تدليساً، فتسميته تدليساً ليس محل تردد، وأما إن كان محل التردد في قبوله من المدلس أو عدم قبوله، ينبغي أن لا يقبل أو لا يقبل، لأن ذاك إذا الذي لقيه لم نقُد تدريسه، فمن باب أولى هذا والله سبحانه وتعالى أعلم، يعني هذا ما أدركه من كلام الذهبي رحمه الله عليه، وقد أكون مخطئاً.

قال: وإن لم يكن، خلاص بقي ثلاث دقائق، وإن لم يكن فنقطع كقوله عن أبي هريرة. يعني إذا لم يكن لقيه أو لم يكن معاصراً له، فهذا منقطع، وهذا الإرسال أو الانقطاع لا يمكن أن وصفه بالتدليس، لماذا؟ لأنه انقطاع جلي، لما يقول واحد منا قال رسول الله، هل يمكن أن نقول عن الواحد منا أنه مدلس لأنه يوهمنا أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم ولم يسمع؟ لا، لأن الانقطاع ظاهر، فلما قتادة يقول عن أبي هريرة هل يوهم هنا السماع؟ لا، لأننا نعلم أن قتادة ولد سنة ستين، وأن أبا هريرة توفي سنة سبع وخسمين تقريباً قبل ولاده قتادة بثلاث سنوات تقريباً، وهكذا مالك عن سعيد بن المسيب وأمثالهم، هذا لا يسمى تدليساً ولا يسمى، وإنما يسمى إرسالاً جلياً وحتى لا يسمى إرسالاً خفياً.

وحكم قال: كحكم حكم عن، يعني من قال قال في مجلس تحديث، فينبغي أن يكون اتصال إلا أن يكون مدلساً مشهوراً بالتدريس فنبحث عن سماعه، ولهم في ذلك أغراض. شوف، إذا كان كثير ساقف، خلاص نقف هنا، لأنه بقي الكلام كثيراً له في ذلك، نقف عند قوله ولهم في ذلك أغراض. وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه اجمعين والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.