بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، والصلاة والسلام على النبي المصطفى صلاة تترى، وعلى آله وصحبه ومن لنهجه اقتفى.
حياكم الله أيها الأكارم في إطلالة جديدة مع برنامج الأمسية، هذا البرنامج الجديد الذي نهدف من خلاله إلى إعطاء مجموعة من المحاضرات الإيمانية والتربوية والسلوكية. الهدف من ذلك أن يزداد وعي الإنسان بإيمانه، وأن يزداد وعي الإنسان في سيره إلى الله سبحانه وتعالى؛ فإن قضايا الإيمان تُتعلم تعليماً، وليست فقط أماكن للتجربة الشخصية والخيارات الذوقية.
فإن كثيراً من الناس عندما يتعامل مع ملف الإيمان في حياته وسلوكه إلى الله، وفي القضايا الإيمانية، وفي أماكن الزلل وأماكن الإصابة، يظن أن هذه القضية تخضع للتجارب البشرية الإنسانية، وأن للإنسان أن يفعل ما يشاء كيفما يشاء، وأنه يتعلم من كيسه في هذه الأمور. وهذا خطأ حقيقة في تصور طبيعة الإيمان؛ فإن القضايا الإيمانية يتم تعلمها كما يتعلم أي متن شرعي عقدي أو لغوي أو أصولي.
كذلك الإيمان يتعلم، ولذلك كان الصحابة رضوان الله تعالى عليهم يقولون: «تعلمنا الإيمان ثم تعلمنا القرآن». وهذا يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم في تربيته لأصحابه كان يهتم معهم بمعالجة القضايا الإيمانية والخطرات القلبية، وزيادة وعي الإنسان بنفسه ويقظته وانتباهه لسيره إلى الله سبحانه وتعالى، حتى يسير بوضوح وجلاء، وحتى يقلل هامش الخطأ في الحياة.
لأننا مهما كنا على درجة عالية من الوعي، سيكون هناك ربما أخطاء بسبب طبيعتنا المبنية على النقص. لكن التعليم، وأن تجد أعواناً لك على الخير ينبهونك في مسيرك إلى الله سبحانه وتعالى، هذه الحالة توجد يقظة لدى الإنسان، وتوجد انتباه له في هذه الحياة وهو يسير إلى الله عز وجل، فيقل هامش الخطأ ويزيد هامش الصواب، وهكذا نزيد الصلاح في أنفسنا وفي مجتمعاتنا وأهلينا ومن حولنا.
ومن هنا كان هذا البرنامج، وهو شيء خفيف لطيف، كما قلنا في كل شهر تكون هناك أمسية من الأمسيات الخفيفة اللطيفة؛ لعل الله سبحانه وتعالى أن يرحم ضعفنا، وأن ينظر إلينا ونحن نحاول أن نجبر العثرات، وأن نستكشف الطريق، ونحن نحاول أن نتمسك بالعُرى، ونحن نحاول أن يأخذ بعضنا بأيدي بعض لننهض إليه، فيرحمنا عز وجل بواسع رحمته.
المجلس الأول أيها الكرام، كما اتفقنا، عنوانه هو "على بصيرة". وأنا حريص حقيقة عندما نتكلم في هذه المحاضرات الإيمانية والتربوية أن نرتبط بالألفاظ القرآنية والمفاهيم القرآنية؛ لأن القرآن هو المنطلق وهو الأساس. يقول سبحانه وتعالى مادحاً هذه البصيرة في كتابه: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ [يوسف: 108]. ولكننا نجد في موطن آخر الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿بَلِ الْإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ [القيامة: 14].
في هذين الموطنين ذكر الله سبحانه وتعالى البصيرة في القرآن، وإذا استقرأنا هذين الموطنين ونظرنا وتعمقنا فيهما، سنجد أن البصيرة أيها الإخوة لها معنى عام يشترك فيه المؤمن والكافر، ولها معنى خاص يتميز به أهل الإيمان.
ففي سورة القيامة لما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿بَلِ الْإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾، البصيرة هنا بمعنى الشهود؛ يعني كل إنسان شاهد لأعماله وتصرفاته وسعيه في هذه الحياة الدنيا، فإذا لقي الله عز وجل يوم القيامة ما في مجال للإنكار ولا للمراء ولا للمخادعة، لأنك يا أيها الإنسان كنت شاهداً على أعمالك، ولذلك جوارحك أيضاً ستشهد عليك أمام الله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَن يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ﴾ [فصلت: 22].
فلذلك البصيرة بمفهومها العام يدخل فيها المؤمن والكافر، وهنا المفهوم العام ما هو؟ البصيرة بمعنى الشهود، شهود الإنسان ومعرفة الإنسان ماذا فعل في الدنيا من خير أو شر، من إصابة أو ضلال، لذلك قال: ﴿وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾ [القيامة: 15]؛ لن تستطيع أن تخادع الله عز وجل يوم القيامة. لكن البصيرة بمعناها العام بمعنى الشهود الذي يخضع له المؤمن والكافر ليس هو موطن حديثنا في هذه الأمسية.
وإنما حديثنا عن البصيرة بالمعنى الخاص التي هي صفة مدح وثناء على الإنسان. البصيرة بالمعنى الخاص أيها الشباب ذكرها الله سبحانه وتعالى في سورة يوسف لما أمر نبيه عليه الصلاة والسلام أن يقول للناس: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف: 108]. دعونا نقف مع هذا الجزء: ﴿عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾.
هنا البصيرة أكيد لها معنى مختلف عن البصيرة التي وردت في سورة القيامة؛ لأن البصيرة في سورة القيامة معنى عام يتكلم عن كل الناس، لكن هنا نحن نتكلم عن صفة مدح وثناء، صفة يريدها الله سبحانه وتعالى أن تكون فيَّ وفيك وفيك أختي المؤمنة، أن تكوني متبصرة، بل هي صفة أتباع محمد صلى الله عليه وسلم، لأنه قال: ﴿أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾، إذاً أتباع محمد صلى الله عليه وسلم يجب أن يتحلوا بهذه الصفة، صفة البصيرة.
أيضاً في سياق آخر نجد الله سبحانه وتعالى يتكلم لنا عن أسباب الوصول إلى هذه البصيرة. طبعاً سآتي بعد قليل لنتعرف ما هي البصيرة التي هي صفة مدح وثناء، لكن أريد أن أستقرئ عموماً لفظة البصيرة في القرآن ومواردها. نجد في سياق آخر الله سبحانه وتعالى يخبرنا عن المصدر الذي يورث المؤمن البصيرة، أساس هذا المصدر أو المصدر الأساسي الذي يورثك البصيرة في سيرك إلى الله هو القرآن.
لذلك قال الله عز وجل عن كتابه: ﴿قَدْ جَاءَكُم بَصَائِرُ مِن رَّبِّكُمْ﴾ [الأنعام: 104]، والبصائر جمع بصيرة، ﴿فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا﴾. إذاً أنت استبصر بالقرآن هذا لصالحك، وإذا عميت فعليها. أيضاً في سورة الجاثية يقول سبحانه وتعالى: ﴿هَذَا بَصَائِرُ مِن رَّبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [الجاثية: 20].
يتكلم سبحانه وتعالى عن القرآن أنه بصائر من الله، طبعاً القرآن لماذا سمي بصائر؟ قال أهل العلم: سمي بصائر لأنه يورث البصائر، يعني هو سبب في نيل البصائر، وهذا يسمى عندنا في اللغة المجاز العقلي؛ أنه سمي بصائر لأنه سبب في تبصر الإنسان في سيره إلى الله. ولذلك القرآن أيها الحبيب يرسم لك خارطة الطريق، القرآن يبين لك الخطى، ويبين لك سبل الرشاد، ويبين لك سبيل المهتدين، ويبين لك سبيل المجرمين، هو منارات لك في سيرك إلى الله سبحانه وتعالى.
لا غنى لك عن القرآن في نيل البصيرة، لذلك الله عز وجل قال في كتابه: ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الأنعام: 55]. فالله عز وجل من مقاصد إنزال القرآن أن يبين لك سبل الرشاد وسبل الضلالة وسبل أهل الهدى وسبل المجرمين؛ لأن هذا البيان وهذا التوضيح وهذا الكشف عن مداخل الشيطان، عن مسالكه، عن الخطوات المطلوبة، عن الخطوات الخطيرة، هو الذي يعطيك البصيرة في سيرك إلى الله سبحانه وتعالى.
إذاً دعونا أيها الكرام نبدأ الآن لنتكلم عن ما هي هذه البصيرة المطلوبة والتي ينبغي أن تتحقق لأكون من أتباع محمد صلى الله عليه وسلم. الطاهر ابن عاشور رحمه الله تعالى عليه في "التحرير والتنوير" يعرف هذه البصيرة في قوله تعالى: ﴿عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾. ما المطلوب في هذه البصيرة؟ يقول: البصيرة هي أن يدرك العقل الأمور كما هي.
ماذا يقول الطاهر بن عاشور؟ ما معنى البصيرة؟ البصيرة إدراك العقل الأمور على حقائقها. حتى أقرب لك كلام الطاهر بن عاشور لتفهم ما هي البصيرة المطلوبة منك: البصيرة هي أن ترى الأشياء كما هي، هكذا يعبر عنها اليوم باللغة المعاصرة، أن ترى الأشياء كما هي؛ يعني أن ترى الدنيا كما هي دنيا فانية ذاهبة، وأن ترى الآخرة كما هي أنها دار البقاء وموطن المصير.
أن ترى الطاعة كما هي غذاء للقلب وصلاح للروح وانتفاع للإنسان على ما فيها من الكمد والتعب وما شابه ذلك، تبقى تراها كما هي جمالاً وروحاً وخبراً، ولا تراها تكاليف وشدائد وصعوبات. أن ترى المعاصي كما هي، أن تراها فساداً لقلبك وروحك، أن تراها قبيحة وإن كانت تزين لك وتزخرف وتميل إليها النفس، أن تبقى تراها كما هي.
أن ترى نفسك وباطنك كما هو، أن ترى النفس بدون المغالاة في مدحها والثناء عليها وإنزالها منازل لم تنزلها، وأيضاً في المقابل ألا تبالغ في ذمها وإنقاصها وجلدها مع أنها لم تصل إلى هذه المرحلة من السوء. أن ترى طريق الهدى كما هو على الرغم مما فيه من الأشلاء والدماء والأتعاب والعقبات الكثيرة، أن تراه حقاً كما هو وتبقى ثابتاً عليه، وأن ترى طرق الضلال على ما فيها من الراحة والدعة والسلامة من الإشكالات أن تراها كما هي طرقاً للضلال.
إذاً عندما نتكلم عن البصيرة، لاحظ العمق، لاحظ الحاجة، أن ترى الأشياء كما هي، وألا تجعل الشيطان يقلب الصورة في عينيك وفي ذهنك وفي دماغك لهذه الأمور. من الذي يعطيك هذه البصيرة ابتداءً؟ من الذي يجعلك ترى الأشياء كما هي؟ القرآن. القرآن لمن تدبره وفهمه وعالجه معالجة صحيحة على أيدي أهل العلم، ومع كثرة قرع الأبواب، يوصلك إلى هذه المرحلة، مرحلة أن ترى الأشياء كما هي دون أن تتبدل صورتها في قلبك وفي ذهنك لما يحاط بها ولما يسعى الشيطان دوماً.
لأن الشيطان أيها الكرام يسعى دائماً إلى الأشياء الجيدة أن يشوهها في وجهك وفي عقلك وفي حياتك، وأن يأتي إلى الأشياء السيئة فيجملها ويضيف عليها هكذا البهارات؛ فأنت إذا انتكست فطرتك وانتكست مرآة قلبك تصبح تراها خيراً وهي ليست بخير. فحقاً هذا البعد مهم جداً في فهم البصيرة، أن أبقى يا رب أرى الأشياء كما هي. والله لا يوجد شيء أعظم في الحياة من هذا الموضوع، لأنك إذا رأيت الأشياء كما هي وصلت إلى الله، وإذا انقلبت عندك الحكايات ضعت وتهت في صحراء الشيطان.
لذلك كان من أدعية السلف كما ذكر ذلك ابن شاهين، يقول ابن شاهين: كان السلف كثيراً ما يدعون الله عز وجل بدعاء عظيم مهم، كان يقولون: "اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه". لماذا نحتاج إلى هذا الدعاء؟ ما معنى اللهم أرنا الحق حقاً؟ يعني أرنا الأشياء كما هي، يا رب دع قلوبنا ترى الحق حقاً وارزقنا اتباع هذا الحق، ويا رب اجعل قلوبنا تبقى ترى الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.
لأنك إذا لم ترَ الحق حقاً معناتها انتكست عندك الصورة القلبية، وإذا لم ترَ الباطل باطلاً معناتها انتكست عندك الصورة القلبية، إذا أصبحت ترى المعصية شيئاً جميلاً ولذيذاً، وأنها ليست شيئاً مشوهاً وقبيحاً كما ينبغي أن يكون، معناته أنت تمر الآن في حالة انتكاسة قلبية. وإذا أصبحت ترى طريق الهدى والخير والرشاد على ما فيه من الآلام، أصبحت تكرهه، أصبحت تشمئز منه، أصبحت لا تحب أن تكون مع أصحابه، معناته أنت تمر في حالة انتكاسة قلبية مخيفة ومرعبة.
فأن ترى الأشياء كما هي نعمة عظيمة من الله سبحانه وتعالى وهي أساس معنى البصيرة: ﴿عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾. ولأهمية هذا الموضوع في حياة كل مسلم نجد السلف رضوان الله تعالى عليهم اختلفت عباراتهم في التدليل على معنى البصيرة، على معنى رؤية الأشياء كما هي، وأخبروا عنها بعبارات وبجمل. انتقيت لكم في هذه الأمسية إحدى العبارات المهمة العظيمة الجليلة من عبارات السلف والتي تختصر علينا الكثير من المسافات في مفهوم البصيرة في السلوك إلى الله سبحانه وتعالى.
العبارة التي سنجلس معها وهي ستجلي لنا مفاهيم البصيرة، هي عبارة أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه. يقول أبو الدرداء في جملة فخمة من جمله، وهو دائماً فخم الله يرضى عنه، نقلها أبو بكر الخلال في "كتاب السنة": "من فقه العبد أن يعلم ما زاد من إيمانه وما نقص منه، ومن فقه العبد أن يعلم أمزداد هو أو منتقص، ومن فقه العبد أن يعلم نزغات الشيطان أنى تأتيه".
رايتم هذه الجمل الثلاث من أبي الدرداء هي تلخص لك البصيرة؛ من فقه العبد، يعني من بصيرته بنفسه، أن يعرف ثلاث أشياء إخواني: أن يعرف ما زاد من إيمانه وما نقص منه، وأن يعرف أمزداد هو، تصاعدي أم منتقص، وأن يعرف نزغات الشيطان أنى تأتيه.
مجلسنا هو دندنة حول هذه القواعد الثلاث، ونظر في آفاقها وأبعادها في صلاح النفس الإنسانية وهي تسير إلى المولى سبحانه وتعالى. ونبدأ مع أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه بالقاعدة الأولى، قاعدة أول شكل من أشكال البصيرة بالنفس، هي أن تكون فقيهاً بماذا؟ قال: بما زاد من إيمانه وما نقص منه.
ماذا يريد أن يقول أبو الدرداء في القاعدة الأولى؟ يريد أن يقول لك: سنبدأ مع الجملة الأولى: "من فقه العبد أن يعلم ما زاد من إيمانه وما نقص منه". ماذا يعني بذلك؟ يقول لك أبو الدرداء: من فقهك ومن بصيرتك بنفسك أن تعرف الأعمال الخيرة التي تزيد في إيمانك وصلاحك وتؤثر في سيرك إلى الله تأثيراً بيناً واضحاً، وكم تزيد هذه الأعمال في رصيدك الإيماني؟ وفي المقابل أن تعرف الأعمال السيئة الموجودة في حياتك، وكيف تؤثر عليه، وكم حجم النقص الذي تسببه في إيمانك.
إذاً عندنا أعمال صالحة علينا أن نعرفها، وأن نعرف ما هو العمل الأفضل الأكثر تأثيراً في إيماني أنا.
ما هو العمل الذي لديه قدرة أن يرفع مستواي في علاقتي مع الله أكثر من غيره من الأعمال؟ وفي المقابل، ما هو العمل الذي ينقص إيماني أكثر من غيره، وهو التعرف على الأعمال السيئة التي تحيط بك في حياتك وتعرف أي هذه الأعمال هو الذي يبعدني أكثر عن الله سبحانه وتعالى. سأبدأ بالجانب الأول، والكلام سيكون تفصيلياً إخواني، وانتبهوا لأنه حقيقة دخول في طبيعة النفس الإنسانية. سأبدأ بالجانب الأول وهو معرفة الإنسان للأعمال الصالحة التي يفعلها أو يريد أن يفعلها، ومعرفة أي هذه الأعمال هي التي تزيده إيماناً حقاً، أو فلنقل الأعمال الإيمانية التي هي الأقدر أن تزيد في إيمانه أكثر من غيرها والتي هي مؤثرة أكثر من غيرها.
الآن أنت تمارس في حياتك اليومية ربما كثيراً من الأعمال الصالحة، صحيح؟ لكن هناك أعمال معينة أنت تراها هي الأكثر تأثيراً في زيادة الإيمان، والأكثر استجلاباً للصلاح في حياتي. الأعمال الأخرى جيدة؛ مثلاً أنا أقرأ قرآناً، قيام ليل، ربما أطلب العلم، بر والدين، أعمال كثيرة تفعلها، لكن لا بد وأن هناك عملاً أكثر من غيره هو الذي يجعلك تعلو وتزداد قرباً من الله، وإن كانت الأعمال الأخرى جيدة وتزيدك قرباً لكن هناك واحداً هو الأعلى.
هذا ماذا سأستفيد منه؟ معرفتي ما الذي يزيد في إيماني، وما هو العمل الذي يزيد في إيماني أكثر من غيره من الأعمال؟ أستفيد من هذا أيها الكرام في مسألة تزاحم الأعمال الصالحة في حياتي، باختصار تزاحم الثغور في حياتك يا أيها الشاب المسلم. ماذا أختار من هذه الثغور الصالحة عندما تتزاحم ولا أستطيع الجمع بينها؟ الآن إذا تزاحمت الأعمال الصالحة في حياتك: طلب علم، قيام ليل، قراءة قرآن، بر والدين، إعانة ملهوف، واستطعت أن تجمع، فجزاك الله خيراً، لكن الواقع العملي أنه يصعب على كل شخص منا أن يجمع كل أعمال الخير، أليس كذلك؟
إذا تزاحمت أعمال الخير في حياتي ولم أستطع الجمع بينها، وهذا هو الوضع الطبيعي، أي أعمال الخير أفعل؟ عرفتم هذا السؤال؟ هذا من البصيرة بالنفس، أي أفعال الخير أقدم؟ أشارك في برنامج علمي؟ أشارك في عمل تطوعي لإغاثة ملهوفين؟ أشارك في دورة في علم النفس والتربية؟ مشايخ، أشتغل مثلاً بالقراءات وعلم التجويد؟ أم لا؟ واحد يقول لك أنا ما أريد أفعالاً متعدية، لا، أنا أريد أشتغل أجلس في بيتي؛ قيام ليل، قراءة قرآن، أذكار شخصية، ما عندي قدرة على مواجهة الناس. هناك تزاحمات، وهنا يبدأ الإنسان يشعر أنه يجب أن يختار، لأنه لا يستطيع أن يفعلها كلها، فهنا يأتي فقه هذه المسألة.
سأقول لك العمل الذي تراه أكثر تأثيراً في زيادة إيمانك، العمل الذي تراه يجعلك ترقى إلى الله سبحانه وتعالى أكثر فأكثر، هو العمل الذي يجب عليك أن تختاره من بين سائر الأعمال الصالحة. هذا من فقه اختيارك، وهذا ما يسمى إخواني فقه الاختيار. عندما تتزاحم أعمال صالحة في حياتي، ماذا أسوي منها يا شيخ؟ ماذا أختار؟ من فقه الاختيار أن تعرف ما هو العمل الذي أشعر أنني إذا مارسته يزداد منسوب الإيمان عندي بشكل عالٍ هائل. وفي أعمال صالحة أمارسها لكن لا أشعر بالرقي الإيماني فيها كما أشعر بذلك العمل.
إذاً من فقه الاختيار أن تذهب إلى ذلك العمل وتخلص فيه وتتعب فيه، وهذا لا يعني أنك لن تضرب بسهم في الأعمال الأخرى، لكنك ستركز على هذه النقطة لأنها تمثل الثغر بالنسبة لك. الآن في واقع حياتنا وتعاملنا مع الشباب وطلاب العلم والإخوة والأخوات، كثير من طلاب العلم وكثير من الإخوة والأخوات تتزاحم عنده الأعمال فيأتي يقول لك: والله يا شيخ أنا مش عارف ماذا أختار؟ أحضر عند الشيخ الفلاني ولا عند الشيخ الفلاني؟ أحضر الدورة العلمية الفلانية ولا الفلانية؟ أحضر البرنامج الفلاني لمعلم معين ولا البرنامج الآخر؟ أشارك في برنامج تطوعي معين كذا ولا في برنامج؟ أقرأ في اليوم مثلاً جزء قرآن وأعمل قيام الليل أربع ركعات؟ ويبدأ يطلب منك أنت أن تختار له التفصيلات الدقيقة؛ كم يسمع في اليوم؟ كم صفحة يقرأ في اليوم؟ كم مجلس يحضر في الأسبوع؟ كم ركعة أصلي بالليل؟ أذكر الله في هذا الوقت أم في هذا الوقت؟ فيذهبون إلى من يحسنون الظن بهم ويبدؤون يطرحون عليهم هذه الأسئلة التفصيلية في ماذا؟ في الاختيار، ماذا نختار من بين كل هذه الأمور؟
حقيقة أكون واضحاً معك حتى تكون فاهماً الأمر على ما هو عليه: نعم قد تستعين بأهل الخير والصلاح في توجيهك، لكن أهل الخير والصلاح أو من تحسن الظن بهم هم يعطونك قواعد لآليات الاختيار، لكن لن يختار عنك أحد إلا أنت، لأنك أنت الأدرى بنفسك، أنت الأدرى ما هو العمل الذي أجد قلبي فيه، ما هو العمل الذي أجد صعود وارتقاء إيماني فيه. أنت إذا ذهبت إلى شخص وسألته ماذا أختار، قد يكون هذا الشخص الذي سألته حُبب إليه عمل معين فيأتي يقول لك: اختر هذا العمل، قد لا تجد نفسك في هذا العمل، قد لا تجد قلبك حاضراً فيه، قد لا تجد السمو الإيماني الذي يجده شيخك أو موجهك أو مربيك في هذا العمل، فتحاول أن تكافح من أجل أن تختار هذا العمل وتذهب إليه مع أن قلبك ليس حاضراً فيه، فهذه حقيقة مشكلة، خاصة ربما أستطيع القول واقعنا المعاصر مع عالم السوشيال ميديا التي وسعت دائرة الاختيارات.
كثير من البرامج موجودة في عالم السوشيال ميديا، كثير من المشايخ، أنت فقط تفتح الجوال، اليوتيوب، ترى عشرات من المشايخ والدعاة والمفكرين. أتابع فلاناً ولا أتابع فلاناً؟ الدورة الفلانية هي أحسن؟ الشيخ الفلاني طرحها؟ تجد أن تعدد الخيارات في حياتك جعلك واقعاً في مأزق ماذا أختار؟ فأنت تبدأ متردداً: أروح هنا؟ أروح هنا؟ أشتغل بقيام الليل؟ أبدأ أحضر مجالس علم؟ في عمل تطوعي؟ أروح في عمل إغاثة في منطقة معينة؟ فتبدأ تحاول أن تكتشف وأن تتلمس الخطى. إذاً أخي الكريم، ما أريد أن أقوله لك هنا: أولاً لن يختار أحد إلا أنت، ودور المشايخ وأهل الدعوة والإصلاح في حياتك ما هو؟ أن يعطيك قواعد الاختيار، آليات، نعطيك مهارات لنا ولك، ثم بعد ذلك من الذي سيختار؟ أنا وأنت، كل واحد سيختار عن نفسه، لأنه هناك أمور كثيرة تختلف بينك وبين الآخرين.
لا مشكلة يا شيخ أن يكون هناك هامش من الخطأ والتجربة، نعم، أحياناً حتى تختار العمل، البعض يقول لي: طب أنا يا شيخ أصلاً لا أجد عملاً معيناً أنا مميز فيه، يعني لا أعرف أين قلبي يزداد إيماناً أكثر فأكثر، هل يزداد إيماناً في قيام الليل ولا في قراءة القرآن؟ هل يزداد إيماناً في الحضور للشيخ الفلاني ولا في الحضور للشيخ الفلاني؟ ماذا سأقول لك؟ خلِّ هناك هامشاً من التجربة، لا مشكلة، هامش من التجربة والمحاولة، واجلس هنا فترة، أقيّم إيماني وقلبي، ثم أجلس هنا، ثم أجلس هنا، مع الوقت ستصبح تشعر أنه في مكان معين، ارتياحي فيه، سواء كعمل، كبرنامج علمي، كبرنامج تربوي، كبرنامج إغاثي، كبر الوالدين، كصلة أرحام، في عمل أنا أشعر أنني في قمة الراحة والطمأنينة معه، وأشعر أنني أسمو فيه ما لا أسمو في غيره من الأعمال الصالحة، أقول لك إذا وجدته ضع يدك عليه، خلاص، إذا وجدت هذا العمل ضع يدك عليه.
هل أصلاً المقارنة صحيحة بينك وبين غيرك في الأعمال؟ يعني لما نقول أنت من سيختار الثغر الذي ستكون فيه، أنت من ستختار العمل عند تزاحم الأعمال، العمل الذي يرقيك ويصلحك وتشعر أنه الأعلى في رصيدك مع الله، هل المطلوب مني أن أقيس نفسي على غيري أم أن أبحث عن نفسي داخل كياني ووجداني؟ ما المطلوب مني؟ لا تقِس نفسك على غيرك، فهنا لن تتساوى الأمور، هذه قاعدة افهموها في حياتكم، لأنه أحياناً مع كثرة السوشيال ميديا والحياة المعاصرة، كثير من الشباب الصالحين والأخوات الصالحات يتعبون من المقارنات، فيصبح يقيس نفسه على غيره؛ مادام فلان صلح قلبه عند الشيخ الفلاني معناته أنا سأكون مثله، مادام فلان صلح قلبه في برنامج تطوعي إذاً سأكون مثله، مادام فلان صلح في برنامج، لا، حقيقة المقارنات هنا ليست دقيقة، فلا تقارن نفسك بغيرك بل عليك أنت أن تخوض تجربتك الشخصية ومغامرتك الشخصية واكتشاف ذاتك في مجال الأعمال الصالحة.
لماذا يا شيخ لن تكون التجارب متساوية؟ لماذا تجربتي في الأعمال الصالحة ستختلف عن تجربة غيري؟ لماذا العمل الصالح الذي يزيدني أنا قرباً من الله يختلف عن العمل الصالح الذي يزيد فلاناً قرباً من الله؟ لماذا فلان يزداد قلبه تألقاً في برامج شرعية وعلمية، بينما فلان يزداد قلبه تألقاً في برامج إغاثة والقيام على جمعيات تطوعية، بينما فلان يزداد قلبه تألقاً في الصيام، فلان يزداد تألقاً في قيام الليل؟ لماذا نحن متفاوتون؟ هل تميز خالد بن الوليد في الأعمال الصالحة والمكان الذي وجد نفسه فيه هو نفس المكان الذي وجد عبد الله بن مسعود نفسه فيه، ولا في فرق كبير بين الثغور؟ في فرق كبير، أليس كذلك؟
خالد بن الوليد وجد نفسه في باب الجهاد وقيادة الجيوش الإسلامية، هواه وشغفه، وهذا هو المكان الذي رأى نفسه يقدم فيه لدين الله أكثر من غيره، لكن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه مواقفه في الغزوات وإن كان مشاركاً فيها من الصحابة العظام، لكن قد لا تجد في مقامات الغزوات قصة شهيرة له كبطولة في القتال، لا، هو عرف أن هذا هو ثغري، الذي أجد نفسي بارعاً فيه وهو أفضل مكان لي في القرب من الله هو هذا، فيلتزم، يخلص فيه، يبدع فيه. وعبد الله بن مسعود عرف أن ثغري أنا أقاتل مع المسلمين في الغزوات، لكن جسد عبد الله بن مسعود ما كان يساعده ليكون بطلاً من الأبطال المقاتلين، تعرفون لما طلع على الشجرة والصحابة ابتسموا من دقة ساقيه، يعني جسده بسيط، فما كانت قدرته أن يكون مبدعاً في القتال، لكن عقله كان باهراً، فكان ثغره والمكان الذي يزيده قرباً من الله وإبداعه الإيماني وين؟ في باب العلم.
إذاً إخواني، ما أريد أن أقوله أننا نتفاوت إيماناً أولاً بسبب اختلاف الاستعدادات النفسية، هذه أول نقطة افهموها، نحن لما خرجنا من بطون أمهاتنا نختلف في استعداداتنا النفسية، في إنسان استعداده النفسي للقراءة والتعلم، وفي إنسان استعداده العملي للجهاد والبذل، وفي إنسان استعداده النفسي للعمل الشخصي: الصيام والأذكار والعزلة عن الناس والقيام بأمور، في إنسان استعداده النفسي لمساعدة الآخرين، نحن نختلف في استعداداتنا النفسية، وسياتي معنا بعد قليل أن الاستعدادات النفسية هي رزق، هي رزق، كما أن الله قسم الأرزاق فهذا كتب له رزقه وهذا كتب له رزقه، كذلك قسم بيننا الاستعدادات النفسية، فأنت لك استعداد نفسي معين وأنت لك استعداد نفسي آخر، وهذا له استعداد نفسي ثالث ورابع وخامس، من بصيرتك بنفسك أن تعرف ما هو الاستعداد النفسي، ما هو رزقي الذي رزقه الله لي في هذا المجال؟ ولن نكون متساويين، هي هكذا سنة الحياة، فإذاً اختلافنا في الاستعدادات النفسية يجعل هناك تفاوت في إبداعنا في الأعمال الصالحة.
أيضاً اختلافنا في التربية الحياتية والمجتمعية، فلان ربما نشأ في بيئة معينة بدوية، فلان نشأ في بيئة حضرية، فلان نشأ في بيئة مهتمة بالعلم، فلان نشأ في بيئة بعيدة تماماً عن أجواء العلم، فلان نشأ في مناطق آسيوية، فلان نشأ في مناطق، ربما أوروبا، وهكذا، اختلاف الواقع الاجتماعي والحياتي الذي نشأت فيه هذا بالتأكيد سيجعل هناك فرقاً في الأعمال الصالحة التي تنضج قلبك وفي الأعمال الصالحة التي تنضج قلب فلان، فلا تقس، فلا تقس.
كذلك أيضاً من الأمور التي تجعل هناك تبايناً بيننا في الأعمال الصالحة التي تزيدنا إيماناً: مدخلات الحياة، أنت ربما خلال حياتك من فترة الطفولة إلى الشباب إلى الجامعة كانت هناك مدخلات معينة نشأت من الجامعة، من أساتذة، من مربين معينين، فلان خضع لمدخلات أخرى من متابعاته على السوشيال ميديا وحياته والمشايخ أو الأساتذة أو المربين أو العائلة أعطته مدخلات أخرى، وهذا أعطته مدخلات ثالثة، اختلاف المدخلات بيننا خلال تجربة الحياة يجعل هناك تفاوت في الأعمال الصالحة التي تزيدني أنا عن الأعمال الصالحة التي تزيدك أنت، فأنت تجد نفسك في باب لا أجد نفسي فيه، وأنا أجد نفسي في باب لا أجدك، وهكذا.
إذاً هي ثلاث أشياء تجعل -وقد تطرح غيرها، أنا لا أقول هذا حصراً وإنما أقوله من باب الاستقراء السريع- أن أبرز الأمور التي تجعل الأعمال الصالحة التي نبدع فيها متفاوتة هي: استعداداتنا النفسية وهذه رزق من الله، تجربتنا العائلية والتربوية، ثالثاً المدخلات التي تعرضنا لها خلال فترة الحياة والنشأة. هذه العوامل الثلاث وربما غيرها لا بد وأن تجعل هناك فرقاً بيننا أين نجد قلوبنا في الأعمال الصالحات، أين نجد ثغورنا في رحلة الحياة وفي سيرنا إلى الله سبحانه وتعالى.
هنا سنجلس الآن مع مقولة حتى أزيد هذا الموضوع تعمقاً، وسامحونا أنني ربما أميل عادة إلى التعمق في تحليل القضايا لأنني أرى أن هذا التعمق.
يزيد الأمر جلاء ووضوحاً، سنقف مع كلمة عظيمة للإمام مالك بن أنس، تريك وعي مالك بن أنس بهذه القضية؛ قضية اختلاف الثغور واختلاف الاستعدادات النفسية للناس. كيف لما كان السلف على دراية وعلى بصيرة بأنفسهم، كيف أبدعوا في المجالات التي كانوا فيها، وكيف تعاونوا مع غيرهم على نهضة الأمة وصلاح المجتمعات؟
ينقل ابن عبد البر رحمه الله عليه في كتاب التمهيد قصة أن عبد الله بن عبد العزيز العمري، أحد العباد الزهاد، أرسل رسالة إلى مالك بن أنس. ماذا يقول له؟ ينصحه فيها بأن يقلل من الدروس العلمية وجمع الطلاب عليه، وينصحه أن يتفرغ للتعبد الشخصي وقيام الليل والحياة الخاصة.
فمالك بن أنس، شوف الوعي وشوف كيف أن العلم يجعل الإنسان، يعني مالك بن أنس أقوى علمياً من العمري، فلذلك كانت إجابته أدق. العمري -الله يرضى عنه- عابد زاهد منشغل بالعبادة والزهد، لكن مالك بن أنس عالم؛ فهو يعرف من أين تؤكل الكتف وكيف تعالج مثل هذه القضايا. فماذا قال مالك بن أنس في إجابته لعبد الله بن عبد العزيز العمري؟ يقول له: «إن الله سبحانه وتعالى قسم الأعمال كما قسم الأرزاق». وسنفصل هذه الرسالة تفصيلاً.
يقول: «فرب رجل فتح له في باب الصلاة ولم يفتح له في الصوم، وآخر فتح له في الصدقة ولم يفتح له في الصوم، وآخر فتح له في الجهاد ولم يفتح له في الصلاة. ونشر العلم وتعليمه -اللي هو شغل مالك بن أنس- من أفضل أعمال البر، وقد رضيت بما فتح الله لي فيه من ذلك، وما أظن ما أنا فيه بدون ما أنت فيه، وأرجو أن يكون كلانا على خير».
ويجب على كل واحد منا أن يرضى بما قسم له، والسلام. مختصرة معتصرة، لكنها فخمة عظيمة في دلالاتها النفسية، فخمة عظيمة في دلالاتها وفي فهمك لماذا السلف كانوا على أعلى درجات البصيرة بالنفس. حقيقة جملة مالك بن أنس سنقف عدة وقفات معها لنفهم ماذا يريد أن يقول مالك للعمري ولنا في المستقبل.
أول وقفة: إن مالك بن أنس يخبر العمري أن استعدادات النفوس مختلفة، وأن النفوس تختلف في ماذا؟ فيما يفتح لها من أبواب الخير. فهو ماذا ابتدأ؟ فقال: «إن الله قسم الأعمال كما قسم الأرزاق»؛ يعني الاستعدادات النفسية هي ماذا؟ هي رزق. فإنسان يجد نفسه في باب الصدقة، إنسان يجد نفسه في باب الصلاة، إنسان يجد نفسه في باب العطاء للأمة، إنسان يجد نفسه في باب الصوم. فهذه العبارة منطلق جداً مهم لفهم المصير إلى الله سبحانه وتعالى، أننا مختلفون في الأعمال الصالحة لأننا مختلفون في طبائع نفوسنا.
وهذا مالك مدرك تماماً أننا مختلفون في طبائع نفوسنا، ولذلك شبه الأعمال الصالحة بالأرزاق. أنت رزقك في طلب العلم، فلان رزقه في قيام الليل، فلان رزقه في العمل التطوعي، فلان رزقه في الصيام، فلان رزقه في بر الوالدين، فلان رزقه في صلة الأرحام. الآن ممكن يكون لفلان رزق في أكثر من مكان، مش مشكلة، بس بدنا نفهم القضية: أرزاق.
وهذا يدل -إخواني الكرام- على أمرين. الأمر الأول: ما هو؟ أن الله سبحانه وتعالى نوع بيننا في هذه الاستعدادات، وأن هذا التنوع مطلوب لسد ثغور الأمة. الله سبحانه وتعالى يعلم أن الإنسان ضعيف، ولا تكمل هذه الأمة وتنهض بتنوع الاستعدادات. فهذا شخص سعد في البذل والعطاء والقيام على المساكين والفقراء، هذا ثغر محتاجين. فلان سيجد نفسه في ماذا؟ في العلم والتعلم، ليكون عالماً.
إنه يصعب أن يكون الإنسان متميزاً في كلا الجانبين؛ لأن جانباً يحتاج إلى وقت، جانب بناء الشخصية العلمية والتعلم هذا يحتاج إلى سنوات، وجانب الإشراف على عمل زكوات وصدقات أو الإشراف على عائلات يحتاج إلى وقت. كذلك هناك من يشتغل في قيادة الجيوش والجهاد والإعداد لها، طب هذا يحتاج إلى وقت. هل يمكن أن يكون شخص واحد هو المتميز والأعلى في كل هذه الأمور؟ لا.
وبالتالي الله سبحانه وتعالى بواسع علمه بضعف البشر وزع قدراً سابقاً بيننا هذه الاستعدادات لنتوزع نحن على ثغور الأمة. فمش حينفع تكون كل الأمة علماء، ومش حينفع يكون كل الأمة فيهم علماء والكل بيشتغل في أعمال تطوعية، ومش حينفع كل الأمة مشتغلة في الصيام والشخصي والعبادة الشخصية. في هناك توزع في ماذا في هذه الاستعدادات.
طب وأنا كإنسان كيف سأكتشف ذاتي أنا على أي ثغر من الثغور؟ قلت لكم لابد من هامش من التجربة. بدك تجرب نفسك في العلم والتعلم، بدك تجرب نفسك إذا ما وجدت نفسك في باب تطوعي تجد نفسك، اكتشف نفسك في باب الأعمال الخاصة قيام الليل، اكتشف نفسك في باب أعمال عائلية أسرية. بدك تحاول وتجاهد إلى أن تجد ذلك الاستعداد النفسي المناسب لك، لأن الله قسم لك رزقاً كما قسم لغيرك، وأنت المطلوب منك، يعني لما نقول الله عز وجل -يا إخواني- قسم لنا أرزاقنا المالية، إيش معنى أن الله قسم لنا الأرزاق المالية؟ أنه أنت تبقى جالس في بيتك نائم راح يوصل لك رزقك؟ صح لا. شو معناتها أن الله قسم لنا الأرزاق؟ أنه في رزق مقدر وأنت مطلوب تروح تشتغل حتى تجيبه.
مش هيك نحن بنفهم باب الرزق؟ أنه في رزق مكتوب لك ألف دينار، ألفي دينار، بس أنا المطلوب مني أذهب فأبحث عنه. كما هذا الأمر في باب الأموال كذلك هو في باب الأعمال الصالحة. أنت لك استعداد معين نفسي في ثغر من الثغور، لا بد لك مكان، بس هذا الرزق المكتوب لك في أي ثغر من الثغور أنت بدك تروح تبحث عنه، ويمكن تصيب وتخطئ كما أنك في باب الأعمال المالية تصيب وتخطئ حتى يأتيك رزقك المالي. كذلك في الأعمال الصالحة، حتى تصل إلى ثغرك الذي ستطمئن فيه وتخلص فيه وتجد فيه، ربما تحتاج تجربة، تجربتين، ثلاث، أربع، خمس، حتى تقول: وجدتها.
حتى تقول: وجدت، أنا هون، أنا هنا، خلص أحب هذا المكان، أنتمي له، أعشقه يا أخي، وأجد حالي في هذا المكان. وإذا جاءك شخص يقول لك: يا أخي إيش بتعمل هون؟ ترى في مكان آخر! لا، أنا عارف حالي، أنا جربت حالي في أماكن أخرى لم أجد قلبي، وجدت قلبي في هذا المكان، فهذا المكان يجب أن أعطيه.
إذن هذه القضية الأولى التي أشار إليها مالك بن أنس لما قال: «فرب رجل فتح له في الصلاة ولم يفتح له في الصوم»، خلص يجد قلبه في الصلاة بس بقول لك: والله صيام التطوع يعني أنا مش قوي النفس فيه تمام. ربما مر معنا في سيرة صلاح الدين الأيوبي، صلاح الدين الأيوبي لما ذكروا سيرته ايش قالوا؟ كان الصيام لا يوافق مزاجه؛ يعني خلص صيام التطوع ما بلاقي حاله فيه، بحب يعني يصوم صيام الفرض المطلوب وخلص.
لكن وين كان صلاح الدين؟ وجد نفسه في الجهاد، في قيادة الجيوش الإسلامية، جزاه الله خيراً. لا بدك تصوم يا صلاح الدين الأيوبي جبراً عنك؟ يا جماعة أنا مش ملاقي حالي في الصيام! لا، لازم تصوم، شوف في سيرة أبي ذر الغفاري كيف كان يصوم، شوف أبا الدرداء، يا أخي طيب ماشي أنا عارف أن هؤلاء كانوا يصوموا، بس هؤلاء ربنا فتح لهم هذا الثغر، أنا لا أجد قلبي، لا أجد أن هذا هو العمل الصالح المميز الذي أنتمي إليه وأشعر أنني إذا دخلت فيه ممكن طاقتي تنخفض، ممكن أدائي في الجهاد يضعف. لا، من فقهك بنفسك أنك تلتزم الثغر الذي هو أقوى لك وتجد نفسك فيه.
إذن هذه الوقفة الثانية مع كلمة مالك بن أنس. إذاً الوقفة الأولى كانت أن مالك يقرر فكرة اختلاف الاستعدادات النفسية، ثم يقول في القاعدة الثانية: «وقد رضيت بما فتح الله لي فيه». القاعدة الثانية التي يشير إليها مالك بن أنس: يجب عليك يا أيها المسلم أن ترضى بالثغر الذي أنزلك الله فيه، يجب عليك أن ترضى بالاستعداد النفسي الذي منحك الله إياه. مش نحن لازم نرضى في أرزاقنا المالية؟ يعني إذا أخوك يأخذ مصاري أكثر منك تحسده تغار منه ولا تقول لازم أرضى؟ خلص الأموال رزق، كذلك في الأمور الإيمانية والأعمال الصالحة يجب عليك أن ترضى بالاستعداد النفسي الذي فتح الله عز وجل عليك فيه.
الآن يا كرام زي ما قلنا، الإنسان عم بيجرب في الحياة حتى يكتشف هذا الاستعداد النفسي، وجدته جلست فيه تمام. طيب ربما تجد شخص عنده استعداد نفسي آخر وأبدع وربما أصبح مشهوراً مرموقاً، الناس ترمقه وتنظر إليه وتشير إليه، ماذا تفعل أنت هنا؟ هل تترك ثغرك اللي وجدت قلبك فيه وإبداعك فيه وإنتاجك فيه، وتبدأ تنظر إلى ثغور الآخرين وتتفرج عليهم وتزاحمهم في أماكن أنت تعلم بتجاربك السابقة أنه مش مكاني؟
فهمتم ماذا يريد أن يقول؟ أن ترضى بثغرك الذي أنت فيه. هذا الثغر اللي وجدت استعدادك فيه، أخلص له، عليك أن تحبه، عليك أن تبذل فيه، سواء كان ثغر علمي ولا ثغر تطوعي ولا قيام على مساكين وفقراء ولا ثغر أي مجال من مجالات الأعمال الصالحة وجدت قلبك فيه واستعدادك فيه وأنت متقدم فيه، هذا الذي سيقودك إلى الله. لماذا يجب عليك أن ترضى به؟ لأنه هو الذي سيسير بك إلى الله، وإذا زاحمت في ثغور أخرى لم أجد نفسي فيها سأضيع، لن أستطيع أن أسير إلى الله من خلالها، مش مكاني باختصار، هذا مش مكاني.
لأني جربت وحاولت والله يا شيخ، حاولت أكون مع المشايخ في طلب العلم وكذا، يعني خلص العقل هيك محدود جداً، بس يا أخي جربت حالي في أعمال تطوعية وجدت أني مبدع، هذا ثغرك الذي سيقودك إلى الله. واحد بالعكس، واحد وجد نفسه في العلم لكن يريد أن يجد نفسه في مكان آخر، لا تنتقل، هذا الذي سيقودك إلى الله.
وأعود فأقول: هل هذا يعني أن لا أضرب بسهم في أبواب الخير الأخرى؟ لا طبعاً. يعني مالك بن أنس نفسه الذي كان يتكلم عن أنني رضيت بالعلم وهذا الثغر، لما ذكروا عبادته، لما ذكروا قيام الليل، لما ذكروا قراءته للقرآن، كانت عالية، لكنها ليست مثل غيره لأنه هو منكب على الثغر الذي وجد نفسه فيه وهو تعليم العلم ونشره وإفادة الناس. فلا تظنن -عبد الله وأمة الله- أن انشغالك بثغرك واستعدادك النفسي الخاص يعني أنك لن تقوم بأعمال خير أخرى، بل ستقوم وينبغي أن تقوم، لكن شيء طبيعي أن لا تكون متميزاً فيها كتميزك في هذا المكان، واضح؟
طيب، الآن الفكرة الثالثة التي أعجبتني في كلام مالك بن أنس قوله بعد ذلك: «وقد رضيت بما فتح الله لي فيه من ذلك»، قال -شوف شوف الأدب والبصيرة والفهم-: «وما أظن ما أنا فيه بدون ما أنت فيه». هذه العبارة أعجبت الذهبي، إيش يعني وما أظن ما أنا فيه بدون ما أنت فيه؟ الفكرة الثالثة إخواني في بصيرتنا بأنفسنا، إذا تبصرت بنفسك وباستعدادك لا ترى نفسك أعلى منهم.
لا، شوف مالك بن أنس شو قال، لم يقل -هسه مالك بن أنس كان بإمكانه يعبر- ايش كان يقول للعمري؟ وثغر العلم ونشر العلم أحسن من الثغر الذي أنت فيه يا عمري. أنت إيش بتعمل يا عمري؟ أنت جالس زاهد عابد تقوم الليل وحدك، شغال بأعمال قاصرة، أما أنا فأعلم الناس الخير وأنشر الصلاح في المجتمع! هل هكذا قال له؟ لا، قال له: لا، أرى ما أنا فيه بدون ما أنت فيه؛ بس يعني أنا أرى أن اشتغالي بالعلم ونشره لا يقل حسنه عن انشغالك أنت يا عمري بالعبادة وقيام الليل.
لا يقل درجة، هل قال هو أعلى؟ ما قال كذا، قال عملي لا يقل درجة عن عملك، إذاً هو لم يزدري عمله. قال الذهبي معلقاً عن هذه العبارة: ومن أدب مالك أنه لم يرَ أن ما فيه العمري ليس بخير، يعني لم يقل له أنت إيش بتسوي في حياتك؟ وهذه كثير بتصير في الأعمال الشبابية والأخوية وبين الجماعات الإسلامية اليوم، بأنه بتلاقي جماعة إسلامية منشغلة بجانب معين فترى أن كل الخير فيها، فتأتي إلى جماعة أخرى أو إلى طائفة أخرى: أنتم شو بتقدموا للأمة؟ شو بتسووا لها أنتم؟ تمام؟ شوفوا نحن شو بنعمل! ما بحق لك. ونفس الشيء هم لما يأتوا إليك: أنتم شو بتعملوا؟ أنتم شغالين في الدعوة، شوف نحن شغالين بالعلم وتعليم الناس، أنتم إيش بتفهموا في دين الله عز وجل؟ جماعة أخرى شغالة بأعمال تطوعية وكذا، يا أخي شوف هذول بيشتغلوا في أعمال تطوعية خدمات، إحنا بنشتغل بما هو أعظم!
هذا من أكبر الخطأ في السير إلى الله سبحانه وتعالى. لا تزدري الأعمال أو الثغور التي سخر لها الآخرون، لأنه استعدادك أنت للعلم قد يختلف عن استعداد غيرك للدعوي، قد يختلف عن استعداد غيرك. لذلك، وهنا أيضاً من فقه مالك بن أنس، واسمعوا هذا الكلام أحياناً كيف نحن نخطئ.
فعندما أتخيل أنني كناصح، قلت لك وأنت شاب: يا أخي، أنت ماذا تعمل في حياتك؟ فتقول لي: أنا والله أعمل أعمالاً تطوعية وكذا، وأحبها. فأقول: الله المستعان، الأصل أنك تنشغل بالعلم وتعليم الناس الخير؛ ترى هذا الثغر أفضل. هنا ماذا سببت لك؟ أنا سببت لك -إذا أنت ما كنت متبصراً بنفسك- أنك أصبحت تفكر بترك ثغرك الذي كنت أنت مستمتعاً فيه ومنسجماً معه، وتذهب إلى ثغر الشيخ؛ لأن الشيخ قال لي إن ثغري لا يساوي شيئاً كثيراً، أي إن ثغري متوسط، وقال لي: لا، أنت ماذا تسوي؟ يجب أن تذهب إلى الثغر الأعلى.
فأنا لما قلت لك ذلك، أشعرتك بدناءة ثغرك، وأشعرتك أنك لست تعمل شيئاً، فأصبحت تفكر أن تترك المربع الذي أنت فيه والساحة التي ربنا استعملك فيها، وتقفز إلى مربع آخر وساحة أخرى هي ليست ساحتك. فتبدأ أنت كمسكين تلهث: أريد أن أترك ثغري والمكان الذي أنا مستمتع فيه ويزيدني إيماناً، وأريد أن أذهب إلى ثغر الشيخ وأذهب أصارع هناك. فتذهب المسكين تحاول وتحاول وتجاهد فتفشل في ذاك الثغر. فالذي حصل ما هو؟ ترك ثغره ولم يصل إلى ثغر غيره؛ لأنه استعداده النفسي ليس هناك.
فلذلك مالك بن أنس هل قال للعمري: وأنا أنصحك يا عمري أن تترك العبادة الشخصية وتنتقل لتفعل كما أفعل؟ فقال له مالك: لا، قال له فقط: لا أعتقد أن ما أنا فيه بدون ما أنت فيه، نحن إن شاء الله كلنا على خير. ما قال له اترك ثغرك؛ لأنه قد تكون بصيرة مالك أن العمري ليس متخصصاً في العلم، وقد لا يفتح له فيه، فأنا لا أنصحه أن ينتقل للعلم ويعلم الناس، ليست طاقته ولا استيعابه؛ لا، خليه في العبادة، يا أخي هذا ثغره، هو مسرور في العبادة، مسرور في قيام الليل، مسرور في المناجاة، خليه، ربنا مستعمله في هذا المكان.
لكن أهم شيء يا عمري لا تزدري ثغور الآخرين. خطأ العمري ما هو؟ كان أنه رأى الثغر الذي عليه مالك بن أنس ليس مهماً كثيراً أكثر من أهمية العبادة الشخصية، فمالك يقول له: لا، تعاملك مع القضايا خطأ يا عمري، ثغرك على خير، وجزاك الله خيراً واثبت عليه، وأنا أيضاً على خير إن شاء الله في ثغري. لذلك ماذا قال؟ «وما أظن ما أنا فيه بدون ما أنت فيه، وأرجو أن يكون كلانا على خير».
يا الله ما أجمل هذه العبارة! شفت لما تقول لأخيك المسلم الذي ربنا استعمله في ثغر معين غير ثغرك، ماذا تقول؟ «وأرجو أن يكون كلانا على خير». أنت في عمل دعوي، أنت تنزل على مساجد تدعو الله، أنت مشتغل بتعليم الناس دروساً علمية، فلان مشتغل في العطاء، فلان مع جمعيات إغاثة، «أرجو أن نكون كلانا على خير». انتهت القضية، هذا مهم جداً تفهموه في التبصر بالنفس؛ لأننا أحياناً نخطئ في نصيحة الآخرين.
يأتيني شاب يقول لي: شيخ، أطلب العلم تخصصية وكذا وكذا، فأنا أرمق هذا الشاب، أرى حقيقة من شخصيته ومن حياته أنه لا، ما أظن، لا أظن أن استعداده النفسي في هذا الموطن. من الخطأ في النصيحة والتربية أن تقول: آه لا، لازم تصير طالب علم، ولازم تقرأ الآجرومية ثم قطر الندى ثم الألفية، وأنت طبعاً.. طب يا شيخ، هذا ثغرك أنت، يعني هل لازم الثغر الذي أنت فيه تسقطه على جميع من يسألك؟ أم يجب كمربٍ وكداعية وكمحاول للتبصر أن تعرف أن هذا الشاب قد يكون استعداده ليس في العلم؟
قد يكون استعداده في أعمال أخرى، قد يكون استعداده في أعمال ليلية وحفظ المتون ولا تجد نفسك في أعمال أخرى، ممكن تجد نفسك في أعمال أخرى. فأحياناً النصيحة الخاطئة والمستعجلة قد تجعل شخصاً يترك ثغراً هو مميز فيه ويبحث عن ثغر آخر هو غير مميز فيه، فيقل أداؤه تماماً.
طيب هنا أريد أن أبحث قضية معينة، وهو أن البعض يقول: طب يا شيخ، مش الأعمال الصالحة هي نفسها تتفاضل فيما بينها؟ نحن دائماً نقرأ في كتب الشريعة أن العمل الذي يؤدي إلى منفعة متعدية تعم الناس أفضل من العمل الذي يؤدي إلى منفعة قاصرة. يعني أيهما أفضل من الناحية التجريدية: أني أشتغل وأغيث الناس أو أنشر العلم، ولا أقوم بعبادة شخصية قاصرة عليك؛ قيام الليل وقراءة القرآن؟
الآن نشر العلم نفعه متعدٍ، فنفعنا الناس. فنجد دائماً العلماء يقولون في كتب السلوك والوعظ أن الأفعال المتعدية أعظم عند الله من الأفعال القاصرة. الآن ماذا يحصل في ذهن الإنسان؟ الآن يقول: إذا أنا ما أريد أن أفعل الأفعال التي يقصر نفعها علي كقيام الليل وقراءة القرآن، أنا يجب أن أبحث عن عمل يكون أثره متعدياً. طيب يبحث عن أثره متعدٍ، يقول: أريد أن أصير إماماً حتى يكون متعدي الأثر، أريد أن أحاول أن أكون منفقاً في الأموال حتى يكون عملي متعدي الأثر، فلا يجد نفسه في هذا.
وهو يعلم أنه يجد نفسه في قيام الليل، يجد نفسه في قراءة القرآن، في الخلوات، يجد نفسه في أعمال الخلوات. باختصار يقول لك: أنا يا شيخ إنسان إذا أتيت لأفعل أعمالاً متعدية، يا أخي يفسد قلبي، يا أخي أشعر بالرياء، أن الناس شاهدتني، أنا لست قادراً على الاتزان في الأفعال المتعدية، وأنا أجد نفسي في أعمال الخلوات، أحب أن أعمل في الظل، أحب أن أكون خلف المشاريع الإسلامية، أعمل في الظل، أدعمها، أساعدها ولا يعرفني أحد، ما أقدر على الأفعال المتعدية بالمفهوم العريض أن أظهر أمام الناس وأواجه الجمهور، يا أخي أشعر أن قلبي يفسد. بس يا شيخ، القاعدة تقول إن الأفعال المتعدية أفضل من الأعمال القاصرة، ماذا ستقول له؟
هذه كقاعدة عامة إخواني، هذه قاعدة عامة، لكن بالنسبة لكل شخص، فأعظم عمل عند الله بالنسبة لك هو العمل الذي تجد فيه قلبك حتى ولو كان قاصراً. فالعمل القاصر مثل قيام الليل وقراءة القرآن، إذا كنت تجد نفسك فيها أكثر من العمل المتعدي فهي الأفضل في حقك عند الله، فهمتم؟ لأنه عادةً ما تصير ماذا؟ إشكالات أن القاعدة العامة شيء، طب بس أنا لست واجداً نفسي في العمل الأفضل وأجد نفسي في العمل المفضول. أقول: هذا العمل المفضول هو الأفضل في حقك، هذا العمل المفضول وهو قيامك لليل وأعمال الخلوات هي الأفضل في حقك ما دامت الأعمال المتعدية أنت لا تجد نفسك وقلبك راضياً فيها.
الآن أنت ستحاول، نحن سنحاول أن تجد نفسك في عمل متعدٍ، لكن إذا فشلت المحاولات وما وجدت نفسك، إياك أن تزدري ثغرك. لا، في حق سين أو صاد من الناس، العمل القاصر نفعه عليه، لكن واجد أنه هو يرقيه جداً. يقول لك: أنا ركعتان قيام ليل تزيد إيماني بشكل مرعب، لكن أعطني خمس دروس أو عشر دروس للناس لا أشعر قلبي حاضر، إذاً أيهما الأفضل له؟ ابتداءً، قيامك لليل؛ لأنه أنت عم ترتقي فيه بشكل هائل. ما أقول له اترك طبعاً نفعك للناس، بس أقول له: ركز على القيام؛ لأنه هو قلبك هناك، حياتك هناك، ارتقاؤك هناك، فلا تنصرف عن هذا المكان الذي يزيدك إيماناً ورقياً في علاقتك مع الله.
ثم ختم مالك بن أنس فماذا قال؟ قال: «ويجب على كل واحد منا أن يرضى بما قسم له». يجب على كل واحد منا أن يرضى، لماذا ختم بهذا الكلام؟ لأنه كما قلت لكم أيها الكرام، كثير من الشباب والأخوات الذين يزاحمون في أعمال الخير، لما يجد نفسه في ثغر معين ويرى شيخاً أو مصلحاً أو داعية أو إنساناً مميزاً في ثغر آخر، لا يرضى بما قسم له، لا يرضى باستعداده النفسي، يصبح ينظر إلى ماذا؟ إلى ذلك الشيخ، إلى ذلك العالم. خاصة كما قلت لك إن أكثرنا جالس أمام السوشيال ميديا، وتعرفون هذه آفة اليوتيوبرز الذين طالعون، كل شخص طالع له في شغلة وفي قصة، فتجد كثيراً من الشباب، يعني الشباب الصالحين يتابعون الإسلاميين فيهم، يعني تمام، فيصير: طيب يا أخي، والله أريد أن أصير مثل الشيخ الفلاني قوي في كذا، أريد أن أصير والله داعية مثل الشيخ الفلاني يطلع له مقطع، يا أخي أريد أن أصير في حوار الأديان مثل الشيخ الفلاني يطلع له مقطع رابع، طب أريد أن أصير مثل فلان.
طيب شو بدك تصير أنت بالآخر؟ يعني ماذا تريد أن تكون؟ حقيقة هذه الحالة، كما قلت، أنا أظن السوشيال ميديا هي سببت كثرة خيارات واستعراضات كثيرة تجعل الإنسان الذي لا يعرف البصيرة يضيع، الذي لا يعرف ما معنى البصيرة في الدين يضيع في زحمة الخيارات، يضيع في زحمة الخيارات المتعددة. فيترك ثغره وهو فقط ينظر إلى ثغور الآخرين ويتشوف لها. فلاحظ ماذا سيحدث معك عندما تنظر إلى ثغور الآخرين، الآن ستبدأ تحاول أن تكون فيها، طب أنت ما وجدت نفسك فيها؟ لا، بس أريد أن أصارع، أريد أن أبقى فيها. مع الوقت، مع الوقت أنت عم تضعف، مع الوقت أنت مش قادر تكون في ثغر ليس ثغرك، فتفشل في الوصول إلى ثغر الآخرين، وفي نفس الوقت أنت تركت ثغرك وراء ظهرك.
وفي نفس الوقت ستبدأ الغيرة والحسد تشتغل في نفسك، وستبدأ تزدري من المشاريع الأخرى ومن المشايخ أو المصلحين، ليه؟ لأنه أنت فعلياً، لاحظ هذه الدقيقة في النفس، أنت حاولت تكون مثلهم، لم توفق أن تكون مثل فلان بعينه من الناس، ما شعرت أنك استطعت تحصل سلطاناً دعوياً معيناً أو عملاً تطوعياً معيناً، فبدأت ماذا؟ تكش وتنفر من ذاك الشخص وتحسده وتغار، وهذا كله هي أمراض القلوب عشعشت في قلبك وبدأت تظهر في حياتك. ما سبب ذلك؟ أنه حضرتك، كما قال مالك: «ويجب على كل واحد منا أن يرضى بما قسم له».
ارضَ بقسمتك، ارضَ باستعدادك النفسي، لأنك إذا رضيت ستطمئن، إذا رضيت ستسير إلى الله بهدوء وطمأنينة، من دون أن تحسد الآخرين، من دون أن تغار من الآخرين، من دون أن يكون لك أي نظرة ازدراء لأي أعمال أخرى؛ ليه؟ لأني رضيت، أنا راضٍ يا شيخ، أنا راضٍ بالثغر الذي وجدت قلبي فيه، والحمد لله، وغيري في ثغور أخرى، والسير إلى الله أصبح هادئاً مطمئناً، الحمد لله، انتهت كل هذه المنافسات والإشكالات التي عم بتوترني في سيري إلى الله، أني أريد أن أسير مثل فلان، أريد أن أسير مثل فلان. لا تقارن، لا تقارن، كن أنت، اكتشف ذاتك، اعرف من أنت، في أي ثغر الله عز وجل جعل استعدادك وتمسك به.
وهذه دائماً من أخطائنا التربوية، لما نتكلم مع أبنائنا -يرحمك الله- بتضلك تقول له: ليش ما تصير مثل فلان؟ مش هيك دائماً نحن نحاول نربي أولادنا، شوف فلان ليش ما تصير مثله؟ ترى خطأ أن تقولوا لماذا لا تصبح مثله؛ لأن فرق بين جملتين في تربية الأبناء والنفس، فرق بين أن تقول له: شوف فلان كيف مبدع في مجاله وتخصصه، أنت اكتشف إبداعك وأخلص فيه، وفرق بين أن تقول لابنك: صر مثل فلان. لا، صر مثل فلان، هو راح يصبح ماذا؟ يحاكي ذلك الطفل أو ذلك الشاب ويريد أن يصبح مثله ويعمل كعمله. أنا ما أريد أن يعمل مثل عمل فلان، أنا ماذا أريد من نفسي ومن أبنائي ومن أهلي؟ أن يكتشفوا ذواتهم، وأن يكتشفوا استعداداتهم ليلتزموا فيها، عرفتم الفرق بين الجملتين؟
فإذاً مالك بن أنس رحمه الله تعالى عليه، حقيقة هنا.. جيب الكاميرا سريعا، واحد من مشايخ سعد، الشيخ يعلمك فقهاً عظيماً جداً جداً في التعامل مع نفسك. طيب، حتى ابن تيمية رحمه الله عليه لما قرأنا في تراثه، ابن تيمية لما علق على حديث «لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله العلم، ورجل آتاه الله المال»، يقول: ليس المنافسة في أبواب الخير هي الأعلى في مقامات التعبد، وإنما الأعلى أن تبتدئ بالعمل الصالح من تلقاء نفسك من دون أن تنظر إلى غيرك. يعني يقول: «لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله العلم، ورجل آتاه الله المال»، نعم المنافسة هنا جيدة ومقبولة، لكن ما هو المقام الأعلى؟ ما هو المقام الأهم؟ المقام الأهم، ما هو الأجمل؟ أن تبدأ بالأعمال الصالحة من تلقاء نفسك دون أن يكون تحركك للأعمال الصالحة ناتجاً فقط عن منافستك للآخرين، أنه شفت فلان عمل ففعل.
هو كان يقارن بين أبي بكر وعمر؛ لما عمر كان ينافس أبا بكر الصديق على النفقة، مش أبو بكر الصديق مرة أنفق بكل ماله؟ فعمر أراد أن ينافسه، فعمر تصدق بنصف ماله، فعرف أن أبا بكر تصدق بكل ماله فقال: والله لا أسابقك أبداً. فهنا يقول ابن تيمية: وفعل أبي بكر أعلى من فعل عمر، ليه؟ لأن أبا بكر لما تصدق بكل ماله، هل هو كان ينظر لمن حتى ينافس، ولا فعله من تلقاء نفسه بدون أن ينظر لأحد؟ فعل من تلقاء نفسه دون أن يبحث، دون أن يقارن نفسه بأحد. عمر بن الخطاب الله يرضى عنه لما فعل هذا الفعل، هو مخلص لله لكن كان دافعه ما هو؟ المنافسة، كان دافعه المنافسة على نفس الثغر، طبعاً المنافسة على نفس الثغر.
فقال: وأبو بكر أعلى حالاً من عمر، أبو بكر أفقه في هذا المقام من عمر؛ لأن أبا بكر كان يتحرك مع دافعه الداخلي فقط، وأما عمر مع حبه للخير قرن ذلك بماذا؟ بالمنافسة في ثغر معين. فأيهما أعلى؟ أن تنطلق من ذاتك، تنطلق من نفسك. الآن قد يكون أحد المحركات المنافسة، لا أنكر ذلك، قد يكون أحد المحركات، لكن لا تجعل أعمالك الصالحة محركها الدائم ما هو منافسة الآخرين؛ منافسة الآخرين، مزاحمة الآخرين، هذا قد يكون جيداً لمسافة معينة، لكن عليك أن تصل.
لمرحلة من الاطمئنان الذاتي لثغرك، وأن تكون شاعراً بقيمة عملك الذي أنت فيه، مستمتعاً به، مخلصاً فيه لله سبحانه وتعالى. وكن واثقاً أن هذا العمل إذا أخلصت فيه هو الذي سيقودك إلى الجنة. حتى الصحابة الكرام لما النبي عليه الصلاة والسلام أثنى عليهم، ماذا قال؟ قال: «أفرضكم زيد بن ثابت»، يعني أعلم الناس بالمواريث زيد بن ثابت، لكن «أعلمكم بالحلال والحرام معاذ بن جبل»، و«أمين هذه الأمة أبو عبيدة». جعل لكل صحابي من الصحابة ثغراً معيناً. والصحابة ما كانوا يغاروا من بعض بهذا المفهوم، أنه لا بد أن أروح أزاحم زيد بن ثابت، أكون أكثر علماً بالفرائض منه، وذاك يريد أن ينافس معاذاً، لا، بدّي أصير أنا أحسن منه. ليش النبي عليه الصلاة والسلام قال معاذ أعلم بالحلال والحرام، وأنا بدّي أصبح؟ ما كانت أعمالهم ردات فعل أو مزاحمة في ثغور الآخرين، أعمالهم كانت ناتجة عن فقه كل شخص بنفسه وبالاستعداد النفسي الذي يكون فيه.
الآن أنا تكلمت عن المزاحمة في باب الخيرات، كل هذا ترى لسه وقفة مع الكلمة الأولى لأبي الدرداء لما قال: ومن أرجع، أرجع على كلمة أبي الدرداء: «وإن من فقه العبد أن يعلم ما زاد من إيمانه». كل كلامي هو أن تعرف ما هو العمل الصالح الذي هو أكثر زيادة في إيمانك من غيره، وكيف يزيد من إيمانك، وتكون متتبعاً لهذا المسير. طب المقابل قال: «وما نقص منه»، وهي وما نقص منه مهمة. كما أننا ذكرنا أن الإنسان ينبغي أن يكون مستبصراً، لماذا يا شيخ يجب أن أعرف أيها أكثر إنقاصاً لإيمانه؟ مش خلص؟ ما هي مش هي أوجه شر؟ مش هي ذنوب ومعاصي وخطايا؟ إذاً لازم أبتعد عنها جميعها، مش ممكن الشخص يقول: لماذا يجب أن أعرف أيها أكثر نخراً لإيماني وإنقاصاً منه وإضعافاً لسيري إلى الله؟ أقول: نعم، هو الشر والمعاصي والذنوب والخطايا في حياتك يجب أيضاً أن تجتنبها كلها، يجب أن تجتنبها جميعها.
لكن هذا من حيث التنظير، لكن من حيث الواقع سيتزامن نقص في حياتك، وستجد كثيراً من الذنوب والمعاصي المتعددة، والأخطاء السلوكية التي يثقل كاهلك أن تتركها مرة واحدة. كما أن الخير يتزاحم، المعاصي عم تتزاحم، كما أن الصالحات تتنافس، كذلك النقص عم يتنافس فيك. فتجد عندك معاصي إطلاق البصر، ومعاصي عقوق والدين، ومعاصي سوء لسان، معاصي ذنوب خلوات، تجد عندك معاصي كثيرة. عندما يتزاحم النقص وتتزاحم المعاصي والأخطاء في حياتك، نعم سأقول لك من ناحية نظرية المطلوب أن تترك الشر كاملاً، المطلوب أن تترك، لكن من الناحية الواقعية الناس لا تستطيع، إذا ازدحم الشر في حياتها لا تستطيع أن تترك الشر كاملاً دفعة واحدة، بل عليك أن تعرف ونركز: ما هي أكثر الأعمال السيئة التي تزيدك بعداً عن الله؟ فتبدأ بمعالجتها هي، تبدأ بمعالجتها هي، فإذا فرغت من معالجتها واطمأننت فيه تبدأ بمعالجة النقص الذي يليه، اللي هو أخف ضرراً منه على إيمانك.
وهذه هي طريقة القرآن في معالجة الصحابة، أول ما نزل القرآن، بدأ مع الصحابة: اتركوا الخمر، البسوا الحجاب، افعلوا كذا؟ لا، القرآن أتى على الصحابة وكانوا خارجين حديثاً من جاهلية جهلاء، إدمانات على محرمات، على خمور، على علاقات، على أشياء كثيرة غير الشرك والذنوب والخطأ. بماذا بدأ معهم القرآن؟ هل القرآن عالج الصحابة في جميع أخطائهم دفعة واحدة؟ قال له: ما دمت أسلمت اترك كل شيء؟ لا، عائشة عرفت ذلك الفقه وفقه القرآن وأسلوب القرآن. بدأ القرآن بمعالجة الأسوأ في حياتهم، ما هو الأسوأ كان في حياتهم؟ الشرك، فبدأ يعالج قضية الشرك معالجة جذرية متعمقة، والتعلق بالدنيا، فبدأ يزهد في الدنيا ويربطهم بالدار الآخرة. لذلك كل جزء عم هو كلام عن الدار الآخرة، لأنه هي مشكلتهم الأعمق الأسوأ في الحياة ما هي كانت الشرك والدنيا. فبدأ يعالج مفهوم الشرك فيقرر التوحيد بصوره وأشكاله، ويعالج التعلق بالدنيا بالتركيز على مفهوم الدار الآخرة. فلما رسخ ذلك بدأ القرآن يعالج المشاكل الأخف قليلاً، مشاكل الخمر، وأصبحت معالجة هذه المشاكل أهون؛ ليه؟ لأنه أنا عالجت نقطة الضعف الأسوأ في حياتي، فعالجت الشيء اللي ببعدني أكثر عن ربي. لما عالجت الشيء اللي بيبعدني أكثر عن ربي، واستوت لي المعالجة، أصبح من الهين عليّ أن أعالج ما هو أخف.
لكن تخيل أنني أريد أن أعالج كل ملفات الشر في حياتك مرة واحدة. شاب التزم حديثاً وداخل في دوامات من الذنوب والمعاصي، دوامات من إدمان الإباحية، ومن إدمان النظر للنساء، ومن إدمان علاقات، ومن إدمان سماع أغاني ومعازف، ومن إدمان دخان. طيب هذا إيش بدك تبدأ معه؟ بدك تبدأ تقول له مرة واحدة: يلا اترك لي كل شيء الآن؟ حقيقة من الناحية الواقعية هذا لا يمكن. من الناحية الواقعية حتى أنت نفسك، ما تضحك على الآخرين، أنت انظر في نفسك، عندك مشاكل كثيرة وأنت لأنك عم بتحاول تعالجها، الذي يحصل معنا إخواننا ما هو أنه الشاب لأنه بحب الدين بدو يعالج كل مشاكله مرة واحدة. لما تريد تعالج كل أخطائك مرة واحدة أنت عم بتوزع قوتك على نقاط متعددة، فعم تضعف إلى أن تصل مرحلة تنكسر، ثم ترجع تنهض مرة أخرى. بدّي أعالج الأخطاء مرة واحدة، فعم بتوزع قوتك فعم تضعف، ثم إذا بك تنهار وعم بتعيد نفس الخطأ ونفس الممارسة. لا، من البصيرة في الدين، إذا شعرت أنه أنا ما عندي قدرة يا شيخ أن أعالج كل الأخطاء دفعة واحدة، ابدأ بما هو الأسوأ.
أقول لك أعملها، بس راح أقول لك إيش ممكن نغض الطرف عنها شوي. أنت هذا الشاب لما يجي ينصحك، راح تقول له اترك الأغاني والمعازف؟ مش راح تبدأ معه به الملف، لأنه هو داخل في 100 ألف مصيبة أسوأ منها بكثير. أنا ممكن أغض الطرف عن الأغاني والمعازف في حياته، ممكن أغض الطرف عن مثلاً أحياناً بعض فلتات العين بالنسبة له؛ لأني أصلاً بدّي أبدأ من المشكلة الأعوص في حياته: مشكلة أولاً بعده عن الله وعدم تصوره لمقصد وجوده. ابدأ أعزز هذا المعنى في حياته، إذا عززت هذا المعنى، ابدأ أعالج معه إدمانات الإباحية، إدمانات معينة، بعدين ابدأ أنتقل معه خطوة خطوة. ممكن يكون ملف الموسيقى هذا آخر ملف راح أتعامل معه، ليه؟ لأنه هكذا هو فقه تزاحم النقص، كما ذاك فقه تزاحم الخيرات. كما أن تزاحم الخيرات له فقه أن أعرف الأعلى فأستمر عليه، والدون أحاول أن أضرب فيه بسهم، كذلك الشر لما يتزاحم في حياتك، ابدأ برأس الكوم، الأسوأ الذي يجعلك أبعد عالجه؛ لأنه إذا عالجت الذي يجعلك أبعد ستصبح أقرب خطوة من الله، فتبدأ بمعالجة المرحلة التي بعدها، وهكذا وهكذا إلى أن تستقر الأمور وتستوي على سوقها.
هذا كان كلام سريع في قضية الجملة الأولى من كلام أبي الدرداء رضي الله عنه. بدي آجي على الجملة الثانية من كلام أبي الدرداء، ماذا قال؟ إذاً بعد أن عرفنا من فقه العبد أن يعلم ما زاد من إيمانه وما نقص منه بكل المفاهيم التي ذكرناها، نأتي على الجملة الثانية: «ومن فقه العبد أن يعلم أمزداد هو أو منتقص؟». هذه مختلفة عن الجملة الأولى، وحقيقة من أعظم أشكال البصيرة في النفس أنه أنت سائل إلى الله عز وجل أن تلاحظ هل أنا يومياً في حال ازدياد وصعود في علاقتي؟ أم أنا لا، يومياً في حالة نقصان وسفور في علاقتي مع الله سبحانه وتعالى؟ سأسألكم سؤال: هل هناك حالة ثبات؟ يعني شخص ممكن يقول لي: أنا يا شيخ مش في حالة صعود ولا في حالة نزول، أنا في حالة استقرار. لا، لا يوجد حال الثبات، أنت يومياً إما أن تزداد مع الله وإما أن تنقص، أما قضية إني أنا نفس الشيء، هذا غير موجود في باب الإيمان، هذه بدك تفهمها.
المشكلة الأعوص ما هو أن من أعظم أشكال الغفلة، ومن أعظم أشكال الاستدراج وعدم البصيرة في النفس أن يكون الإنسان المسلم يظن نفسه، يظن نفسه أنه في حالة صعود وارتفاع إيماني، وهو في الواقع في حالة نزول وأفول، وهناك معصية من معاصي الخلوات أو غيرها عم تنخر نخراً، وهو المسكين ما زال يحسن الظن بنفسه أنه طالب علم، أنه يقرأ ويدرس، أنه في أعمال تطوعية، أنه بس أنا عم بقرأ قرآن يا شيخ وبقوم اللي، طب أنا عم بصلي عم بعمل. فأحياناً هنا بتيجي المشكلة، أن تعتقد أنك في حالة صعود وارتفاع وأنت في الواقع في حالة نزول. الذي لا يستطيع أن يشاهد حاله الإيمانية هذا في خذلان شديد والعياذ بالله. ولذلك ذم الله سبحانه وتعالى هذه الحالة في القرآن، فقال: ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: 104]. يعني هو مفكر حاله إيه في ازدياد وإني عم برتقي وعم بقدم، لكنه في الواقع ضل سعيه، هو في حالة انتقاص، لكن الرؤية أمامه ضبابية، هو لا يرى هذا الانتقاص. كثير من الشباب والإخوة والأخوات حتى من المتدينين، بل حتى من طلاب العلم، تجده مشارك في برامج علمية وبرامج دعوية وبرامج إصلاحية، وتجده يقوم على ثغور ربما تزكو تربوية مالية صدقات أعمال خير متعددة في حياته، لكن بيكون عنده ماذا أيها الكرام؟ بيكون عنده معصية معينة عم تنخر في إيمانه، وهو هو شايفها، بس هو عم بغافل عنها وعم بقلل من أثرها، فيحسب نفسه عم بيصعد لكنه عم ينزل ولا يرى ذلك.
لذلك بدي أسألكم سؤال، ربما كثير مرت عليكم قصص شاب كان في عمل إسلامي في الجامعة معنا، وبعد الجامعة يا شيخ انتكس. أخت كانت معنا في العمل الإسلامي ومحجبة وما شاء الله عنها، بعد ما طلعت من الجامعة وتخرجت خلعت الجلباب. فلان يا أخي كان من طلاب العلم ويحضر معانا المجالس، يا أخي ما شاء الله كان مطلق اللحية وعلى السنة وإزار وكذا بس بعدين انتكس. بدي أسألكم، هل الانتكاسات هي شيء مفاجئ؟ لا، إحنا عادة بنقول فجأة انتكس. لا يوجد شيء اسمه فجأة انتكس. ها الأخت اللي كانت مرابطة في العمل الإسلامي ولابسة الجلباب وكذا، ولما طلعت من الجامعة وخلعت الجلباب مش فجأة انتكست، وذاك الأخ اللي كان في العمل الإسلامي في الجامعة وبرامج الخير ويحضر ويفعل مش فجأة انتكس، هو في الظاهر لنا، وفي ظاهر نفسه كان يظن نفسه عم بيزداد، لكن في معصية معينة، في مشكلة معينة هي كانت عم تنخر، وهو كان فعلياً في نزول، يعني أنت شايفه في ازدياد بس هو هو فعلياً في إيه؟
في نزول. مش إحنا قلنا ما هي البصيرة؟ أن ترى الأشياء كما هي، أي قلنا البصيرة إخوان مهمة أنك تكون شايف نفسك كما هي فعلاً. أنك تكون شايف نفسك في ازدياد وأنت فعلاً في انحدار ترى والله مصيبة وقمة الخذلان بالنفس. ولذلك دائماً اعرفوا، لا يوجد انتكاسات مفاجئة، بل إن عدل الله ورحمة الله وفضل الله تأبى أن يكون إنسان فعلياً في زيادة وفجأة ربنا يخليه ينتكس. هل هذا ظنك بالله؟ أنك تكون في قمة الصلاح والخير والزيادة وفجأة انتكس؟ يعني هذا الحلم فجأة انتكس؟ لا، هذا كلام من عرف فضل الله ورحمة الله وتيسير الله، من ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ [الليل: 5-7]. ربنا ما بيخذل الإنسان اللي ماشي صح واللي طالع طلوع بخليه فجأة يوقع، لا، هو عم بيطلع في نظري بس أمام الناس عم بلع، أو هو بضحك على حاله في نظر نفسه عم بلع، لكن هو عم بينزل.
هو فعلياً في نزول، لكن شعلة الخير في حياته هو ما عم بتنطفي، بحضر مجالس العلم وعم بسمع كلام المشايخ ولا زي شماغ وحطة وبحكي ورايح وجاي وماسك كلام جرومي وألفية ورايح أو في برامج تطوعية في العمل الإسلامي والأقصى وغزة ومظاهرات، بتسمع كل شيء، بس هو يا معصية خلوات منتبه لها ولا مش منتبه لها، بس يا شيخ ها المعصية تغرق في بحر فضلي، يعني أنا يا شيخ عم بعمل أعمال خيرة وعم بشارك هذا ووقفت مظاهرات لغزة ووصلت مال ودعمت إخواننا ونشرت القضية، يعني هي المعصية مش مشكلة، يعني علاقة محرمة بتمشي، يعني نظر إدمان، يعني تليفون، يعني معقول يعني ربنا عز وجل تكون هي سبب انهياري؟ آه معقول، معقول، ها المعصية هي اللي عم بتطفي شعلة الإيمان فيك شوي شوي، هو ما راح تطفي مرة واحدة، أنت ما راح تطفي مرة واحدة، راح تضلك معانة ولابس شماغ وحطة وبتحكي بالدين وبتحفظ ألفيات وماشي بالقرآن وفي عمل إسلامي بس أنت عم بتطفي شوي شوي، ها المعصية عم بتطفي وأنت عم تنزل، إلى أن مرة، نعم، يعني في يوم ما ستستيقظ وتجد نفسك أنهدمت، بس بدك تفهم أنت ما أنهدمت مرة واحدة، أنت أنهدمت رويداً رويداً، فتستيقظ على نفسك في يوم ما وأنت كاره الذهاب إلى مجالس العلم، أو أنت كاره المشاركة في مشروع دعوي، أنت كاره سماع أي كلمة خير أو أي بديش أسمع مع أي شيخ واعظ، ما بدي أسمع أي كلام يصلح قلبي، خلص متضايق، حالة الضيق والاكتئاب وعدم حب سماع الخير والدعوة بعد أن كنت من فرسان هذا الطريق، بدك تعرف أنها مش فجأة، لا كانت هناك معاصي خلوات كانت أنت نازل معها منحدر، بس أنت كنت بتضحك على نفسك وبتخاف وبدك تشوف هي المعصية وهي كانت عم تنخر، فهذا كلام أبو الدرداء والله.
من فقه العبد وبصيرتك بنفسك أن تعرف هل أنت فعلاً في حالة ازدياد أو في حالة انتقاص، هذا هو الواقع. وهنا تأتي ما يسمى نقطة نظام؛ هل تعرف نقطة النظام في الكشافة وغيرها؟ هي نقطة توقف فيها قليلاً وترجع، وهو ما يسمى في علم السلوك محاسبة النفس. محاسبة النفس لازم تكون إذا مش كل يوم فكل أسبوع، وإذا مش كل أسبوع فكل شهر؛ تجلس وتفعل ما قاله أبو الدرداء: تبدأ تنظر هل أنا أزداد أم أن هناك مناطق أنقص منها؟ لأن المناطق التي تنقص هي فعلاً انحدار، وإن كنت أخدع نفسي ولا أحاول أن أرى هذا الانحدار.
نحن عادة ما نحب محاسبة النفس؛ لأننا نحب أن نرى أنفسنا على كمالها، ولأننا نعلم أننا إذا حاسبنا أنفسنا سنرى الفجوات والعيوب. وإذا رأيت الفجوات والعيوب، فهي تحتاج إلى حل، والحل يغلب. يقول أحدهم: لا لا خلص، أنا أموري منيحة والأمور طيبة مع الشباب والعمل الإسلامي والخيري والتطوعي، وأشارك وأعمل، أنا بخير. لا، أنت لست بخير إذا كنت تهرب من المحاسبة، أنت لست في خير. الإنسان الذي في خير هو الذي يضع نفسه أمامه، يواجهها ويضعها على الفرازة كما يقولون؛ هل أنا أطلع أم أنزل؟ أين أنزل؟ وأين الأمور التي تخمد فيها الخير؟ واجه نفسك؛ لأن معالجة نفسك الآن قبل أن تنهار أسهل بكثير من معالجتها بعد أن تنهار.
لأنك إذا انهرت تماماً، وجاء اليوم الذي ستستيقظ فيه وأنت قد كرهت مجالس العلم والخير والصلاح، كرهت المشاريع الإسلامية، كرهت الثغور الخيرية، كرهت حتى الصلاة، والله كرهت أن أفتح المصحف، يا شيخ والله ما عاد لي نفس أذكر الله وأسبح؛ هذه اللحظة لما تأتي، عملية أنك ترجع تستيقظ منها من جديد لا أقول مستحيلة، لكنها صعبة جداً. بخلاف لو كنت منتبهاً على النقص قبل الانهيار، فإنك لا تزال، لم تنهار بعد، في عندي مجال أتدارك نفسي وأصلح في هذه العلاقة وفي هذا النقص، وأبعد هذه المعصية وأرجع أرتب ملفاتي. رتب ملفاتك أولاً بأول، وإياك أن تخادع نفسك في المحاسبة وفي نقطة النظام؛ لأنه أحياناً تظلك ماشي داعس في أعمال خيرية وأنت منهار يا أخي الكريم؛ لأنك لا تريد أن تنظر إلى أعمالك السيئة وحجم تأثيرها على إيمانك، وكم تسبب لك من أمور. أحياناً حتى الموازنات تكون غير دقيقة؛ فأنت تقول يا شيخ هي معصية بسيطة إن شاء الله كما قلت لن تؤثر، لا، هي قد تكون كبيرة الأثر، عظيمة الأمر، لكنك لست مقدراً حجم خطورتها.
القاعدة الثالثة والأخيرة حتى لا أطيل في المحاضرة، ماذا يقول أبو الدرداء؟ «وإن من فقه العبد أن يعلم نزغات الشيطان من أين تأتيه». أختم بهذه القاعدة؛ إن من فقه العبد، أي من بصيرتك بنفسك، أن تعلم نزغات الشيطان من أين تأتي. كما أننا يا إخوة قلنا قبل قليل في الأعمال الصالحة إننا نختلف في استعداداتنا النفسية للأعمال الصالحة، كذلك نحن نختلف في ميولاتنا الغريزية التي توقعنا في بحار الشهوات.
فلان قد تكون ميولاته الغريزية وضعفه الغريزي في العلاقة مع النساء، وهذا أكثر البشر فيه، ﴿وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: 28]. في إنسان لا، ميولاته الغريزية وضعفه الغريزي في حب المال وحب الجمع له، يحب البيزنس والمصاري. في إنسان ميولاته الغريزية في حب الشهرة والجاه والسلطان، يحب أن يكون صاحب وجاهة والناس تلتف حوله. في إنسان لا، ضعفه الغريزي أنه منفتح على كل الأفكار وكل شيء ويريد أن يقرأ وينظر في كل شيء بدون أن يعرف ما يصلح له وما الذي لا يصلح. في إنسان ضعفه الغريزي من جهة حبه للراحة والكسل، وأنه لا يحب أن يجهد نفسه بشيء. وفي إنسان ضعفه الغريزي من جهة المشاعر والأحاسيس، فهو دائماً كثير الاهتمام بالمشاعر، وما نسميه الشخص الحساس، دائماً مهتم ويحكي بالمشاعر والأحاسيس، مرهف ودائماً زعلان وحردان. هذه عبارة عن ميولات غريزية مختلفة، وكل شخص فينا مبتلى بواحد أو اثنين أو ثلاثة منها.
فيقول لك أبو الدرداء: ماذا يقول لك؟ من فقهك يا إنسان بنفسك أن تعرف أين ضعفك. لازم يكون في ضعف يا شيخ؟ نعم، لأن الله قال: ﴿وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: 28]، يعني كل إنسان خُلق ضعيفاً، لا يوجد إنسان فينا لا توجد فيه نقطة ضعف من هذه النقاط على الأقل نقطة واحدة، وفي العادة يكون فينا نقطتان وثلاث؛ لأن الله أخبر أن الإنسان خُلق ضعيفاً، يعني خُلق فيه نقاط ضعف. فما المطلوب مني إذا أردت أن تسير إلى الله على بصيرة؟ لازم تحدد أين نقطة ضعفك؛ لازم تحددها. لماذا؟ لأني إذا حددت أنا نقطة ضعفي من أين هي، هل هي من جهة النساء؟ هل هي من جهة المال؟ هل هي من جهة حب الشهرة؟ هل هي من جهة أنني شخص حساس ومشاعري هي الأساس؟ هل هي من جهة أن الإنسان كسول لا يحب أن يشتغل؟ إذا حددت هذه النقطة، الأصل أن تبدأ أن تستعد لها تمام الاستعداد، وتتيقظ لها؛ لأنك تعلم أن الشيطان سيبدأ باستغلال هذه النقطة بالتحديد.
الشيطان أيها الكرام، الله عز وجل أعطاه قدرة على أن يتحسس نقاط الضعف فينا؛ الشيطان قادر أن يقترب منك، قادر أن يتحسس أين نقطة ضعفك. إذا حددها رح يشتغل فيك، رح يشتغل فيك تماماً من هذه النقطة، ويبدأ يحرث عليك من هذه الثغرة التي سيدخل منها. إذا كنت عارفاً أين نقطة ضعفك في الحياة، شخص يقول لك: أنا يا شيخ نقطة ضعفي في النساء، بالتالي ماذا يفعل؟ يجب أن يكون آخذاً أعلى درجات الحيطة والحذر من هذا الثغر؛ لأنه عارف أن هنا ضعيف. يا شيخ أنا من هنا ضعيف، بالتالي أكون حذراً من جوالي، حذراً من عقود العمل التي تأتي، أشتغل في شغل مختلط ولا لا؟ حذراً من حتى في كلامه مع الجنس الآخر، يضبط كلماته؛ لأنه عارف إذا شوي ضعف وقع. عارف مثلاً المجالس العائلية مع من يجلس، الأماكن التي يذهب إليها، أسافر سياحة على منطقة معينة ولا لا؟ لأنه والله أعرف يا شيخ أنا إذا رحت سياحة على هذه البلد رح أدمر، رح أتدمر، أنا عارف حالي ضعفي من جهة النساء.
في شخص آخر يقول: لا، أنا ربما أقدر على كبح جماح نفسي، فربما الجوال ليس عاملاً لي مشكلة، بس أنا مشكلتي يا شيخ والله من حب الشهرة والجاه. أنا إنسان كل شوي، كل ما أكتب منشوراً لازم أطلع من علق لي وكم واحد غرد لي، وإذا شفت غيري يعمل شيئاً وجلب له جمهوراً أكثر أريد أن أصير أقلده، وعايش دوامة الشهرة والجاه وحب أن يكون لي صدارة. يعني بعض الناس حتى بأشياء تافهة يريد أن يتصدر، أهم شيء أن يكون مشهوراً. تعرفون قصة البال في بئر زمزم؟ شخص يريد أن يكون مشهوراً، ما عرف ماذا يسوي، ما عرف، قال كيف الناس ستعرفني؟ لا أنا شاطر في العلم ولا شاطر في العمل، ولا، قال: أبول في زمزم الناس ستعرفني. اشتهر! طيب، شو هذه الشهرة التي حصلتها؟ الشهرة في أخس الأشياء. هكذا حال كثير من الناس؛ لأن هو مبتلى بميول وفي ضعف، هو يريد أن يكون مشهوراً، ما عالج هذه الثغرة التي الشيطان يحاول يكبرها في نفسه.
في شخص كما قلت مشكلته في المال، بالتالي هو يريد أن يجلب مالاً حلالاً حراماً، رباً مش رباً، عقد محرم مش محرم، شبهات مش شبهات، هذا الملف موجود على الرف. هو نفسه قد تجده متحرزاً في التعامل مع النساء، هو نفسه تلاقيه يصلي معك في الصف الأول في المسجد، عادي، عادي جداً، بس هو نفسه المرابي، هو نفسه الذي عنده مشاكل دينية؛ لأنه هو ليس يتابع من أين يأتيه الشيطان. الشيطان قد لا يأتيك يا أخي في مالك، في بنك ربوي، ممكن يسمح لك تروح تصلي؛ خلص، أنا أصلاً ماسك قلبك، يا أخي روح صلِّ في الصف الأول، وروح تصدق حتى صدقات؛ لأني أنا عارف أن نقطة ضعفك وين؟ في حب المال، وأنك من أجل المال كسرت كثيراً من الحواجز الشرعية في حياتك، فرح تضلك تتدمر من تلك النقطة. احذر من الشيطان، الشيطان خبير، خبير لأكثر من، مش عارف من تاريخ الإنسانية بدأ، لكنه خبير لفترات طويلة في كيف يدخل على قلبك ومن أين يبدأ معالجتك.
وهنا أريد أن أقول لكم شيئاً مهماً في فقه النفس، كما أن المقارنات ليست دائماً موفقة في الأعمال الصالحة، فكما قلت: اعرف ثغرك في الأعمال الصالحة ولا يكن همك أن تقيس نفسك على غيرك، كذلك المقارنات في الأعمال السيئة أيضاً قد توقعك في خطأ. ماذا يعني المقارنات في الأعمال السيئة؟ أحياناً تجد شاباً ينظر إلى رجل من أهل الصلاح فيقول: والله يا شيخ هذا الرجل من أهل الصلاح، يا أخي معه جوال، وهيه مثلاً يشتغل في بيئة مختلطة، فرضا جامعة مختلطة أو ما شابه ذلك، وهيه مثلاً عنده جلسات عائلية وعائلته ليسوا ملتزمين، أو كذا وكذا، فأنا أقدر أجلس جلسات عائلية قد يكون فيها من الخطأ لأني هيني شايفه ثابت. يعني الجوال ما كان سبب في سقوط هذا الرجل الصالح، وبيئة العمل المختلطة التي هو فيها ما أسقطته، فبالتالي تصبح أنت ماذا تفعل؟ تصبح تقيس نفسك عليه، فتقول: إذا هي ما دام الشيخ وكذا معهم جوالات ومعهم سوشيال ميديا ويفتحون التيك توك ويفتح كذا وعم يدرسون في جامعات ويدرسون فيها، إذاً أنا أستطيع أن أفعل مثله، فأدخل في جامعة مختلطة، ويكون معي جوال، وأدخل كثيراً من الأمور التي فيها إشكالات، وما راح يصير لي شيء.
شو اللي بصير معه؟ يدخل يعمل زي ما يعمل الشيخ أو الرجل الصالح أو أخوه أو إنسان فاضل صديق له، يدخل يعمل زيه بالضبط، ينهار ويسقط، فيصير هو يفكر مع نفسه: طب أنا ليش سقطت؟ طب ما هو ذاك الشيخ معه جوال، طب أنا عملت زيه، أنا بس مسكت جوال. طب هذاك الشيخ عنده تيك توك، إنستغرام، فيسبوك، طب أنا جبت، يعني إيش الفرق بينه وبينه؟ ليش هو ما سقط وأنا سقطت؟ اه، ما هو الفرق الكبير كما قلت هو اختلاف الميولات الغريزية. قد يكون صديقك أو صاحبك مشكلته ليست في النساء أساساً، يعني في هذه الأمور قدر يضبط نفسه بشكل من الأشكال، فما كان الجوال بالنسبة له مدخلاً شيطانياً، أو عملاً معيناً مشكلته فيه. بس صاحبك قد تكون مشكلته وين؟ فتنته في الجاه، في الشهرة، خلص ربنا جعل ضعفه في هذا الجانب، جانب حب الشهرة والسلطة والجاه، ربما مشكلته في الكسل، ربما مشكلته في الأحاسيس. أنت مشكلتك غير، لا تقيس نفسك على غيرك. أنت نعم، قد يكون الجوال حراماً في حقك حلالاً في حقه، ممكن، نعم، لأنه فلان ليس مشكلته في الجوال وأنت مشكلتك في الجوال. لا يا شيخ، أكيد مشكلتي ليست في الجوال؟ يا أخي هي زبطت معه، لا زبطت معه لأنه ليست هنا مشكلته، مشكلته في مواطن أخرى.
فإياك في مواطن الضعف أن تقيس نفسك على غيرك، فأنت قد يكون نقصك في جوانب غيرك ما عنده نقص فيها، بس غيرك أكيد عنده نقص في جوانب أخرى ممكن ما تكون عندك. أليس كذلك؟ يعني بلاء هذا الشيخ أو بلاء هذا الطالب يتعلق به، وأنت بلاؤك في ملفات أخرى تتعلق بك، فلا تقيس نفسك؛ لأنه هذا القياس هو اللي بخلي كثيراً من الشباب يسقطون، أنه هي الشيخ الفلاني موجود هناك، هي الداعي الفلاني ماسك تيك توك، هي الداعي الفلاني عامل كذا. لا تقيس، فضلاً عن هذه نقطة أخرى، أنه قد يكون ذاك الشخص الذي أنت شايفه أمامك ليس سقط، قد سقط واقعاً، بس هو إلى الآن في ستر الله، فإما هو أصلاً ليس واقعاً لأنه ليس مشكلته هناك، وقد واقع لكن ماذا؟ ستر الله. يعني في عندك احتمالين، فهل أنا إذا وجدت حالي ضعيفاً أمام الجوال أقيس نفسي على غيري؟ لا تقيس نفسك. وحتى مع أصحابك، طب هي أصحابي يا شيخ معهم، أنا ليش ما يكون معي؟ طب أنت يا أخي الشيخ عم تسقط في الجوال، طب ما هي كل الناس... يعني ما هو الناس يا واحد ساقط زيك بس مش قادر يحكي لك، يا واحد ليست فتنته في، يعني هو أحد الأمرين، فتنته في مكان ثاني، فلا تقيس نفسك.
أخيراً أيها الكرام، سأقف عند هذه النقطة الأخيرة، أريد أن أقول لك شيئاً: إذا حددت نقطة الضعف في حياتك، نحن قلنا الآن لازم تحدد نقطة ضعفك وتفهم أين أنا أخطئ، إذا حددت نقطة ضعفك وكنت على بصيرة منها، فاعلم أن الشيطان له قدرة عالية على خداعك في هذه النقطة، له أساليب هائلة وكبيرة جداً جداً في خداعك في هذه النقطة حتى يجعلك تسقط فيها، بل حتى قد يأتيك من جهة الأعمال الصالحة فيجعلك تسقط في الحرام من خلالها. طيب الشيخ، الشيطان له قدرة هائلة لهذه الدرجة؟ نعم، له قدرة هائلة وخبرة عالية، كيف يدخل عليك من نقطة ضعفك؛ يعني هو مش راح...
يجيك الشيطان دائماً ويقول لك افتح الجوال على الصورة المحرمة، لا، هو لن يجيك هكذا؛ أنت عارف نقطة ضعفك، لكنه لن يأتيك مباشرة لأنه عارف أن عندك شيئاً من الدين، وعارف أن عندك صلاحاً. سيحاول دائماً أن يزخرف ويزين ويتلاعب حتى يريك الأمور على خلاف ما هي عليه، وحتى يجعلك تفقد البصيرة.
ممكن الشيطان يجيك من أي باب، ممكن من باب عقد عمل في شركة معينة؛ لأن مشكلة الرزق أو الأحوال العامة في الأموال ضعيفة، فيقول لك: شركة عمل مختلطة، أدخل فيها، والمشكلة هي أن الرزق صعب يا شيخ. ممكن يجيك أحياناً بصورة أني أريد الدخول في هذا الثغر الذي فيه فساد في الجامعة أو كذا من أجل أن أصلح فيه، وممكن يجيك أحياناً من باب أني أريد مشاهدة هذه المقاطع السيئة لأعرف الشر حتى أتقيه، فيقنعك أن تشاهد ما يحصل وما هو موجود.
وقد يأتيك بأشكال وألوان متعددة، فقد يجيك بصورة امرأة صالحة تريد أن تستنصر بك، فتجلس معها في خلوة وفي مكان مغلق لتنصحها في الدين؛ يا أخي انصحها، يا أخي والله امرأة مسكينة، يا أخي أغلق الباب حتى لا يسمع أحد، وبعد ما تغلق الباب تبلش الأمور تتطور أكثر وأكثر. إذاً، الشيطان قادر على المخادعة والمواربة.
هنا يأتي مقام عبودية الاستعاذة بالله سبحانه وتعالى؛ لن تستطيع وحدك أن تجابه قدرات الشيطان، أنا أقول لك إياها من الآخر: الشيطان محترف وشديد جداً في شغله، والله أعطاه هذه المساحة ليبتلي بها العباد. فإذا اعتمدت على نفسك وقلت: أنا والله سأصحصح لك يا شيطان؛ ممكن تصحصح له في مكان وتسقط في عشرة أماكن معه. لن تستطيع وحدك أن تواجه الشيطان، فما العمل؟ هناك عبوديات بدك تفعلها.
أولاً: عبودية الاستعاذة؛ نحن دائماً نحكي أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بس ما بننتبه لعظم هذه العبودية. التجئ إلى الله بكليتك، يا رب، ما معنى أعوذ؟ التجئ وأعتصم؛ لأني يا رب أضعف من مخادعات الشيطان، أضعف من حباله ومكره وخداعه. أنا عندي نقاط ضعف، وعارف أن الشيطان سيأتيني من خلال عقد عمل، ومن خلال باب اعرف الشر حتى تتقيه، ومن خلال موازين معينة أنا لست قدها. سيأتيني بأشكال عديدة، بل قد يأتيني من باب أعمال صالحة يجعلني أفعلها لأنه يعلم عواقبها في حياتي، فأنت ضعيف حتى في النظر في العواقب، فاستعذ بالله العليم، استعذ بالله السميع البصير، ودائماً قل ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ [الفلق: 1] و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ [الناس: 1]. ما أعظم هاتين السورتين؛ لأنك في النهاية ضعيف وهناك شيطان، إذا لم تحافظ صباحاً ومساءً على هاتين السورتين ستنهار. إذاً عبودية الاستعاذة والالتجاء كلياً وتكثر من قراءة هاتين السورتين صباحاً ومساءً وأدبار الصلوات، لأنها حماية وتحصين والتجاء بظهرك إلى الله سبحانه وتعالى.
ثانياً: عبودية تدبر القرآن؛ لأن القرآن سيضع لك الخطوط العريضة كيف يفكر إبليس، لن يعطيك الأمور التفصيلية لكنه سيعطيك الخطوط العريضة لمداخل إبليس وطرق تفكيره.
ثالثاً: حضور مجالس العلم والخير؛ بحد ذاته حضورك اليوم ربما بصّرك بكثير من النقاط التي كانت ضائعة في حياتك أو لم تكن قادراً على الوصول إليها، وضعنا يدنا على الجرح، نحن نمرر على قلوبنا المعاني الإيمانية ونفكر مع بعض، أن الشيطان يدخل من هنا فكيف نفعل كذا؟ هذا معنى أن نتعلم الإيمان، لأننا في معركة، هو يفكر وأنا أريد أن أفكر، هو يخطط بهذه الطريقة وأنا أخطط بهذه الطريقة.
رابعاً: عبودية الاستخارة؛ دائماً في أي عمل من أعمالنا لا بد أن نستخير. ماذا يعني الاستخارة؟ كأنك تقول يا رب أنا أعجز عن معرفة عواقب هذا الأمر الذي أنا مقبل عليه؛ زواجي من فلانة هل هو في ظاهره صلاح أم في باطنه شر؟ دخولي في هذا العقد مع الشركة الفلانية يا رب أنا لا أعرف، هل الشيطان يسحب قدمي لهذه الشركة أم هي فعلاً خير؟ دخولي إلى جامعة معينة أو تخصص معين أنا لست قادراً على التأكد يا رب، هل هو فعلاً خير أم الشيطان يسحب قدمي لمساحات أنا لا أعرف أين ستوصلني؟ فأنت عندما تقول: "اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تعلم ولا أعلم، وتقدر ولا أقدر، وأنت علام الغيوب، إن كنت تعلم أن في هذا الأمر خير لي في ديني ودنياي ومعاشي وعاقبة أمري وعاجل أمري وآجله فيسره لي، وإن كنت تعلم أن فيه شر لي في ديني ودنياي ومعاشي وعاقبة أمري وعاجل أمري وآجله فاصرفه عني واصرفني عنه وقدر لي الخير"، هذه فائدة الاستخارة، أن تعرف أنك ضعيف عن الاستبصار بنفسك وعن تحمل مداخل الشيطان إلى نقطة ضعفك.
هنا أيها الكرام نختم الكلام بالعودة إلى أبي الدرداء رضي الله عنه، لنعرف أن هذا الكلام يشبه كلام الأنبياء، وأن هذا كلام تلميذ من تلاميذ محمد صلى الله عليه وسلم، لتعرف أن تربية النبي صلى الله عليه وسلم للصحابة أخرجت أبا الدرداء، أخرجت إنساناً فاهماً كيف يسير إلى الله. بعض الناس يريد أن يتعبد لكنه ماشٍ في الطريق بطريقة فوضوية، في شباب فيهم خير ونساء فيهم خير، لكن ليسوا عارفين كيف يتصرفون بالشكل الأصلح عند تزاحم الخير وعند تزاحم الشر، وليسوا عارفين كيف ينتبهون لهذه الأمور.
فأبو الدرداء يعلي من قيمة هذا الأمر: "إن من فقه العبد أن يعلم ما زاد من إيمانه وما نقص منه، وإن من فقه العبد أن يعلم أمزداد هو أو منتقص، وإن من فقه العبد أن يعلم نزغات الشيطان"، يعني الشيطان من أين يأتيني؟ من أين عم يدخل علي؟ من أين الشيطان عم يلعب في ساحتي؟ وهذا من الفقه والبصيرة، هذا كله هو خلاصة ﴿قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف: 108]. هذا الفهم وهذا التحليل الذي يقدمه أبو الدرداء هو خلاصة البصيرة، نحن نريد يا الله أن نرى الأشياء كما هي، نريد أن نرى الحقائق كما هي. نسألك سبحانك أن ترزقنا بصيرة في أمورنا، اللهم قنا شر نفوسنا وسيئات أعمالنا، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل