الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، والصلاة والسلام على النبي المصطفى، صلاة تترى، وعلى آله وصحبه ومن لنهجه اقتفى. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علماً نافعاً يا أرحم الراحمين.
حياكم الله أيها الأكارم في الأمسية الثانية من أمسيات أكاديمية غراس، هذه الأمسيات التي وضعناها مرة في الشهر نعظ بها أنفسنا، ونتذكر فيها بعض قضايا الإيمان التي لا ينبغي للمسلم السائر إلى ربه سبحانه وتعالى أن يغفل عنها. والنبي صلى الله عليه وسلم كان يعلم أصحابه الإيمان كما يعلمهم القرآن؛ فقضايا الإيمان والنظر فيها وتحليل مرها وإشكالاتها، وما الذي يرد على الإنسان من أمراض القلوب وكيف يعالجها، ومحاولة النظر في الواقع المعاصر، وما هي الأمور الجديدة التي استجدت في واقعنا المعاصر والتي تؤثر على قضايا الإيمان ولم تكن موجودة في الزمن الماضي، وكيف نتعامل معها، كل هذا من العلم النافع الذي لا ينبغي للمسلم أن يزهد فيه.
هذا علم نافع لعموم المسلمين، فهذه المجالس أيها الكرام ليست خاصة بطلاب العلم مثل الدورات أو البرامج التي نخصصها للمتخصصين، لا، هذا لكل مسلم سائر إلى ربه. لابد أن تتعلم قضايا الإيمان، فإن الإيمان يتعلم، الإيمان يدرس؛ ليست فقط قضية نشأت عليها في بيتك وفي أسرتك ومع والدك ووالدتك وكبرت عليه ولا تتفقده في كل شهر وفي كل حين وفي كل زمن، ولا تنظر في تقلباته. هذه نظرة خاطئة وتصور للأسف هو السائد عند كثير من الناس، لكنه ليس التصرف الرشيد؛ فقضايا الإيمان ينبغي أن يعاد النظر فيها وفي أعراضها وإشكالاتها والأدواء التي ترد عليها، ليتدارسها المسلم تدارساً راشداً في سيره إلى الله سبحانه وتعالى.
﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: 6]، هذا الدعاء الذي تدعوه في كل صلاة، من هداية إلى الصراط المستقيم، أن تتدارس هذا الصراط المستقيم، والية الثبات عليه في خضم هذا الزمن. وكلما مر زمن فالذي بعده كما قال النبي صلى الله عليه وسلم شر منه، أليس كذلك؟ ما تصورك أنه لا يأتي على الأمة زمان إلا والذي بعده شر منه؟ أن تعقيدات الفتن على الإيمان ستزداد؛ هذا معنى أن الزمان القادم سيكون شر من الزمان الماضي. حجم التعقيدات، حجم الإشكالات التي سيتعرض لها إيمانك، حجم الهزات ستصبح أكثر تعقيداً، من حيث العدد والعدة التي تبذل والجهد الذي ستحتاج إلى دفعه عن قلبك. بالتالي كلما طال بالناس زمان يحتاجون أكثر وأكثر لعقد مجالس الإيمان.
حتى لا أطيل في هذه المقدمة، قررنا اليوم بإذن الله أن نتدارس معاً في هذه الأمسية الإيمانية أحد أمراض القلوب الشرسة والمعقدة في أسبابها وفي أعراضها، والتي قل من يسلم منها في هذا الزمان وفي كل زمان عموماً. لكن مع اشتداد الفتن أصبح هذا المرض يغزو حالة التدين العام عند كثير من الشباب الملتزم، بل حتى عند كثير من طلاب العلم، فأصبحت أنا وإخواني نحتاج أن نتدارس هذا المرض من حيث ما هو، وما هي أعراضه التي تظهر على الإنسان، ما هي أسباب ولوجه على قلبك، ثم نحاول أن نضع أساليب العلاج بما يتوافق طبعاً مع الوقت المسموح به.
المرض الذي سنتحدث عنه اليوم وهو أحد قضايا الإيمان الكبرى هو مرض الوهن، والذي حذرنا الله سبحانه وتعالى أن نبتلى به، قال سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا﴾ [آل عمران: 139]. هذا نهي من الله عز وجل، الله عز وجل يقول لي ولكل مسلم ومسلمة: احذر أن تصاب بالوهن. فما دام الله عز وجل في القرآن -وهو أعظم كلام- حذرنا من هذا المرض، إذاً هو مرض خطير استحق أن ينص عليه بحد ذاته، وأن نتدارس أموره وأعراضه وأسبابه.
قبل أن أشرع في هذا المرض من حيث تعريفه وتوصيفه، أريد أن أتكلم ما حاجتنا اليوم للكلام عن هذا المرض؟ نحن لا نخالف النسق العلمي، لأن كلمة الوهن ربما مطروقة بشكل عام في أسماعكم، فسأبدأ بهذا السؤال: لماذا نحتاج جميعاً اليوم أن نتحدث أيها الأحبة عن هذا المرض؟ هناك عدة نقاط.
النقطة الأولى المتعلقة بهذا المرض أن هذا مرض خطير، وأبرز أسباب خطورته أنه مرض خفي يتسرب إلى قلبك رويداً رويداً، فيبدأ يفتك بحالة الالتزام والتدين التي أنت تمر فيها. أنت قد تكون إنساناً محافظاً عموماً على الصلوات، قد تكون أحياناً محافظاً حتى على برامج علمية، قد تكون محافظاً على المظاهر الظاهرة للالتزام، لكن هذا المرض دب في قلبك بسبب من الأسباب التي ستأتي معنا إن شاء الله، وبدأ ينخر في هذا القلب رويداً رويداً. ولأن أكثرنا ليس معتاداً على المعالجة أو المحاسبة الأسبوعية للإيمان يكون غير منتبه لدخول هذا المرض؛ فهذا المرض ينخر ويعمل عمله في قلبك وإيمانك، فأنت بدأت تظهر عليك الأعراض، لكنك لست عارفاً ما سببها. كيف الإنسان الذي مريض بمرض وتظهر عليه أعراض بس هو مش عارف هي الأعراض تدل على أي مرض من الأمراض، فيحاول أن يتغافل عن هذه الأعراض ويتناسى، يقول: لا، لا، رشحة خفيفة وبتروح، لا، لا، هذه شوية حرارة؛ والحرارة عم بتزيد، المشكلة عم تتعقد، هو يحاول أن يتغافل عن الأعراض ولا يريد أن يعرف أين المشكلة بالتحديد في قلبه. هذا الذي يحصل مع هذا المرض؛ أنه خفي وهذا سبب خطورته، ويتسرب إلى إيمانك وقلبك ويبدأ يهدم معاقل الإيمان، ويبدأ يهز الإيمان، لكن مشكلته أن اهتزازه ليس اهتزازاً مباشراً بمعنى أن الإنسان يصاب بهذا المرض واليوم الثاني يرتد على عقبيه، لا، بل يمكن أن تبقى محافظاً على صلواتك في المسجد ومحافظاً على دروس العلم وعلى أشياء كثيرة لسنتين ثلاث وأنت مصاب بالوهن. لكن مع الوقت ومع تفشي المرض -كما يتفشى والعياذ بالله السرطان في الجسد- ستصل لمرحلة أنك انهارت وما عدت تستطيع أن تفعل الأفعال التي كنت تمارسها. إذاً هذه أول مشكلة أو أول خاصية لهذا المرض تجعل من المهم أن أتكلم عنه، أنه خطير وخفي ويعمل بصمت ويعمل بهدوء، وبالتالي إذا لم أتكلم عنه ولم أتداركه مع إخواني فيمكن أن أكون أنا كطالب علم أو أي شخص منا مصاباً به.
السبب الثاني الذي يدفعني للحديث عن هذا المرض هو أن الوهن هو أول مراحل ضعف الإيمان، والمراحل التي تأتي بعده أشد وأصعب منه. بالتالي إذا نحن عالجنا الوهن من البداية نحن عالجنا أول الأمراض الإيمانية، ودائماً يقولون: الوقاية خير من العلاج. أنت عندما تبدأ معالجة الأمر من أسسه وأسبابه الأصيلة، أنت تقي نفسك من المعالجات التي ستكون أصعب إذا دخلت في هذا المرض، أليس كذلك؟ فأيهما أسهل؟ أن أعالج الضعف الإيماني أو أعالج الوهن الإيماني؟ سياتي معنا أن الضعف مرحلة بعد الوهن، فإن أعالج الوهن من البداية وأمنع من السقوط فيه أو أحاول أن أخلص نفسي وإخواني منه، سيكون أسهل علينا من أن نعالج ما بعد مرحلة الوهن، وهي مرحلة الضعف، وأن أعالج الضعف وهي المرحلة الثانية وأحاول أن أتخلص منها، سيكون أسهل من معالجة المرحلة الثالثة والأخيرة وهي مرحلة الاستكانة والعودة إلى الصفر. ولذلك من المنطق العقلي السليم أن الإنسان يبدأ في معالجة الأمراض من أوائلها قبل أن تستشري وتنتقل لمراحل أصعب. دائماً يقولون: الله يعافينا، السرطان معالجته لما تكتشفه من البداية أسهل من أن تبدأ تعالجه بعد أن يستشري في الجسد، تصبح عملية معالجته صعبة ومعقدة؛ الشفاء بيد الله، بس تصبح معقدة نوعاً ما وتحتاج إلى فتوحات إلهية، بخلاف لو تم رصده من البداية، أول ما يدخل على قلبك أو إلى العضو وتم محاصرته واستئصاله نوعاً ما احتمالية الشفاء والعودة إلى حالة السلامة أكثر. إذاً هذه القضية الثانية التي تدفعني أن أتكلم وإياكم في هذا المرض، وهي أن هذا المرض أيها الأحبة هو أول درجات السقوط، فالحديث عن المبادئ أسهل من الحديث عما بعد ذلك.
ثالثاً، أو السبب الثالث الذي يدفعني أنني لابد أتكلم عن هذا المرض هو أن هذا المرض سيستشري في هذه الأمة. قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الطويل: «تتداعى عليكم الأمم كما تتداعى الأكلة على قصعتها»، ذكر في هذا الحديث، قال صلى الله عليه وسلم: «وليقذفن في قلوبكم الوهن»، يعني النبي صلى الله عليه وسلم يقسم أنه في آخر الزمان أن الله عز وجل سيقذف في قلوب كثير من أهل الإيمان هذا المرض. قال: ومن الوهن يا رسول الله؟ قال: «حب الدنيا وكراهية الموت». وسياتي معنا أن حب الدنيا وكراهية الموت هي عرض من أعراض هذا المرض وليست هي التفسير لمعنى الوهن، هي عرض من أعراضه. إذاً ما دام النبي صلى الله عليه وسلم أخبرنا -وهو الصادق المصدوق- أن هذا المرض سيفشو في آخر الزمان، حق علينا أن نعرف هذا المرض ونتدارسه، لعلنا نكون من الناجين منه، أليس كذلك؟ والنبي عليه الصلاة والسلام لما قال: «وليقذفن في قلوبكم الوهن» هو ينبه أن هذا المرض سيحصل سيحصل، وأغلب الناس سيصاب به وسيؤثر على حالتهم الإيمانية؛ فإذاً والله يستحق هذا المرض أني أجلس مع إخواني نتدارس ونتكلم عنه، لعلنا إذا أصبنا به نتفطن له من البداية، أو لعلنا بإذن الله نكون من الناجين منه تماماً، وإذا أصبنا به يكون كالزكام السريع ويذهب ولا يستأصل أو يستحكم في قلبي فيتطور إلى مراحل أصعب يصبح علاجها معقداً.
القضية الرابعة التي أيضاً تجعل هذا المرض والحديث عنه مهماً أن أسباب الوصول إلى الوهن في واقعنا المعاصر أصبحت كثيرة، واليوم سترون سنتكلم عن أكثر من ستة عشر سبباً يوصل للوهن اليوم في حياة الأمة وفي حياة الشاب المسلم والفتاة المسلمة المعاصرة. فلأن أسبابه كثيرة، أصبحت احتمالية أن تصاب بالوهن الإيماني احتمالية عالية، حتى لو كنت ملتزماً، حتى لو أنت طالب علم، حتى لو أنت شيخ أو عالم أو داعية، احتمالية إصابتك بهذا المرض عالية؛ لأنه أسبابه كثيرة. يعني في زمن القرن الثاني الهجري أو الثالث الهجري في هناك أمور تدعو إلى الوهن، لكن ليست بحجم واقعنا المعاصر بما فيه من الإشكالات والتعقيدات، فإذا نتكلم عن مرض أسبابه كثيرة فأصبح الحديث عن أسبابه مهماً جداً.
أخيراً فيما يتعلق لماذا نحتاج أن نتحدث عن الوهن؛ أن هذا المرض إخواني تأثيره ليس على مستوى الشخص فقط، هذا المرض إذا فشى في هذه الأمة سيكون تأثيره على الجماعة المسلمة بأسرها. ولذلك النبي عليه الصلاة والسلام عندما تحدث عن هذا المرض تحدث عنه في سياق: «ستتداعى الأمم عليكم كما تتداعى الأكلة على قصعتها»، قيل: أمن قلة نحن يا رسول الله؟ قال: «بل أنتم كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل». الغثاء هو الذي يحمله السيل من الحصى الصغيرة وأغصان الشجر الصغيرة والأشياء التي لا قيمة لها، ستصبح هذه الأمة غثاء كغثاء السيل. ثم قال صلى الله عليه وسلم: «ولينزعن الله المهابة من قلوب عدوكم» -يعني يصبح عدونا لا يهابنا- «وليقذفن في قلوبكم الوهن». قال: ومن الوهن يا رسول الله؟ إذاً النبي عليه الصلاة والسلام لما تكلم عن هذا المرض، هل تكلم عنه في سياق تأثيره على مستوى الشخص وأنه هذا لن يعكس حالة عامة للأمة، أم تكلم عنه في سياق أنه سينعكس آثاره السلبية على الأمة جمعاء، وستصبح أحد أسباب هزيمة الأمة إلى اليوم هي أن مرض الوهن فشى في قلوب كثير من الناس؟ سيصبح مرضاً فاشياً ويؤدي ويؤثر على الحالة العامة للأمة، فنصبح أمة تكثر الكلام، تكثر العويل، لكنها لا تحسن الإنجاز ولا تحسن تغيير معادلات الواقع؛ لأن أكثرنا مصاب بالوهن. ولذلك أكثر السياقات التي نهى الله عز وجل فيها عن الإصابة بهذا المرض هو في سياق بناء المجتمع المسلم، قال: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾ [آل عمران: 139]، وقال في اتباع الرسل: ﴿فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا﴾ [آل عمران: 146]، ففي سياق المدافعة عن هذا الدين وبناء المجتمع المسلم نهى الله عز وجل عن الوهن، لماذا؟ لأن الوهن إذا نزل لن يخص أصحابه، بل سيعم الحالة العامة للأمة وتكون آثاره سلبية.
إذاً هذه وربما أسباب أخرى تدفعني لأن أتحدث مع إخواني في موضوع الوهن ومحاولة تشخيص هذا المرض. دعونا ننتقل إلى الفكرة الثانية، وهو ما هو الوهن؟ دائماً أي مرض أنت بدك تتكلم عنه بدك تعرفه كمرض، وكحالة مرضية، ثم ستتكلم عن ماذا؟ عن أعراضه التي تظهر على البدن. اليوم أي مرض جسدي مش بقول لك الطبيب هذا المرض كذا كذا وأعراضه التي تظهر عليك حرارة، سخونة، إنفلونزا، سيلان، وما شابه، هذا مرض، لكن هذه أمراض القلوب لها أعراضها الخاصة بها. الوهن أيها الكرام، الراغب الأصفهاني في كتابه المفردات لما عرف الوهن قال: الوهن هو ضعف من حيث الخلق أو من حيث الخلق. قال: ضعف، هكذا عبارة الراغب الأصفهاني عبارة عالية، قال: هو ضعف من حيث الخلق أو من حيث الخلق، ماذا يريد أن يقول؟ أن الوهن هو ضعف في الجسد أو ضعف في الخلق في...
السلوك ضعف، إما في الجسد والبدن أو ضعف في السلوك. في القرآن جاء استعمال الوهن باعتباره ضعفاً في البدن والجسد، من يذكر لي الآية التي تكلمت عن الوهن باعتباره ضعف الجسد والبنية الجسدية؟
نعم، في قضية الأم عندما تحمل، قال سبحانه: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَىٰ وَهْنٍ﴾ [لقمان: 14]، هنا الكلام عن ضعف بدني، يعني ضعفاً على ضعف عندما تثقل عظامها بسبب حملك. أيضاً أين ورد استعمال الوهن باعتباره مرضاً جسدياً وليس مرضاً إيمانياً؟
أحسنت، زكريا لما وصف نفسه ماذا قال؟ قال: ﴿رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي﴾ [مريم: 4]. الإنسان لما يكبر تصبح عظامه ضعيفة، فيعبر عن هذا بالوهن. إذاً، الوهن قد يكون في الخلق، يعني في البدن والجسد والقدرة، ويقول الراغب وقد يكون في ماذا؟ في الخلق، يعني في السلوك. حقيقةً أنا لن أطيل في تفسير الوهن وتتبع كلام المفسرين، لكنني سأعطي ابتداءً ما هو الوهن كمرض، وأقول أيضاً كلام الرازي في تفسيره الوهن باعتباره مرضاً من أمراض القلوب وليس باعتباره مرضاً من أمراض الأبدان، نستطيع أن نعرفه بأنه انفساخ عزائم القلوب.
أعيد، ركز معي في تعريف الوهن: هو انفساخ عزائم القلوب عن الاستمرار في درب الطاعة ودرب الاستقامة والبذل لدين الله سبحانه وتعالى وتحمل لأواء هذا الطريق إلى أن تصل إلى ربك عز وجل. كثير منا أيها الكرام يكون دخل في طريق التدين والالتزام، وأظنها فئة كبيرة ممن تسمعني الآن، هم من هذه الفئة الذين سلكوا طريق الخير، يحافظون على الصلوات الخمس والحياة الإسلامية العامة، ويحاولون غض البصر، والمشي إلى الله عز وجل، والابتعاد عن المحرمات، والمحافظة على الفرائض؛ ممتاز. فأنت تكون عقدت قلبك على السير إلى الله، الوهن هذا المرض ماذا يفعل؟ يفسخ عزائم القلوب ويجعلك تبدأ رويداً رويداً تنفسخ في هذا الميثاق الذي بينك وبين الله. وعزيمة قلبك وهمتك التي كانت تجعلك تغض البصر، تجعلك تحافظ على صلاة الفجر في المسجد، تجعلك تحافظ على ورد من القرآن، تجعلك تترك المحرمات العامة، تحافظ على السنن الرواتب، تبدأ هذه العزيمة القلبية ينفسخ فيها وتضعف، فهذا هو الوهن حقيقةً: انفساخ عزائم القلوب عن الاستمرار في الطاعة ودرب الاستقامة وتحمل عقبات الطريق، وتحمل ما يصيب المؤمن بسبب تدينه والتزامه من أذى؛ الأذى قد يصيبك من العائلة، قد يصيبك من الناس، قد يصيبك من جهات أخرى، طرق الأذى كثيرة، فهذا يسمى وهناً.
يا أجد الرازي في تفسيره مفاتيح الغيب يقول: الوهن هو ضعف في القلب. شوف ماذا قال الرازي؟ قال الوهن هو ضعف في القلب، بخلاف الضعف بالمعنى العام. كثير من العلماء حاولوا يفرقوا بين مفهوم الوهن ومفهوم الضعف، الرازي يقول نعم، وكذلك مثلاً أبو هلال العسكري في كتابه الفروق اللغوية يقول في فرق بين الوهن والضعف، يقول الوهن هو ضعف في القلب، تظهر آثاره بعد ذلك، فالضعف إذا كان في القلب في الإيمانيات وفي العزائم يسمى وهناً، وأما الضعف إذا أطلق بالإطلاق العام فهو ضعف في القوة والبدن. إذاً الوهن هو ضعف في القلب، وأما الضعف إذا أطلق بالإطلاق العام فهو إشكالية في القوة البدنية والقدرات الجسدية. إذاً الوهن للقلب، والضعف للجسد والقدرات.
من خلال هذا التعريف سننطلق إلى فهم ما هو هذا المرض. أنت شاب متدين أو أنتِ فتاة متدينة تسير إلى الله عز وجل ومحافظ على تدينك العام، بدأ هذا القلب يضعف وينفسخ في همته بعد أن كان مقبلاً على ربه سبحانه وتعالى. الآن ما مشكلة هذا الوهن؟ المرحلة الأولى هي انفساخ العزيمة، طبعاً انفساخ العزيمة لا يعني أنك انتكست، لا، لسه أنت بتصلي، أنت لسه ممكن عم تحضر مجالس علم، لسه أنت مسيطر على حالك، بس بدأت تفلت شوي شوي. استمرار هذا المرض الذي هو انفساخ العزائم، والذي نحن أحياناً ممكن نسميه الفتور، قلة الرغبة في الطاعة، عدم رغبتك في الاستمرار في طريق الصلاح، كله يؤدي إلى نفس المؤدى.
هذا المرض إذا استمر دون معالجة ودون ملاحظة ومعرفة من أين دخل هذا إلى قلبي؟ لماذا كنت والله أجد عندي همة عالية لحضور مجالس العلم؟ لماذا بدأت أشعر بالفتور وانفساخ العزائم؟ كنت والله قبل فترة محافظاً على صلاة الفجر في المسجد، ليش بشعر الآن أنه ما عندي اهتمام أن أصليها في المسجد؟ انفسخت عزيمتي وهمتي لهذا. كنت بحافظ على ورد القرآن اليومي، كنت بحافظ على ركعات قيام الليل، كنت بحافظ على السنن الرواتب، شاعر أن أموري عم تتضعضع، أموري عم تتغير، مش شاعر بالإقبال والحماس للتمسك بهذه الأمور كما كنت أشعر بها قبل سنة سنتين ثلاث، هيك النور اللي كنت شايفه في حياتي شوي شوي عم يطفي وعم يخمد، كنت متحمساً لهذا الدين بدأ هذا الحماس يخفت. لسه طبعاً أنت إلى الآن لم تنتكس، أنت إلى الآن لسه ما تركت كل الطاعات، لكن بدأت تشعر بهذا الشعور. مشكلة هذا الشعور أيها الشباب إذا استمر، ينقلب إلى حالة أصعب؛ هذا الشعور هو ابتداءً شعور قلبي، أليس كذلك؟ لكن الوهن إذا استحكم من القلب يتحول إلى الحالة الثانية، وهي ماذا؟ الضعف.
قلنا شو الفرق بين الوهن والضعف؟ الوهن للقلب بس لسه الجسد قوي، الضعف للجسد والقدرات الجسدية. أنت في أول مراحل الضعف الإيماني الوهن أن يدخل الوهن إلى قلبك فتشعر بالفتور، كيف الإنسان اللي هيك خلص بينزل إيديه؟ كان بيقاتل وبقاوم وماشي في الطريق إلى الله وعم بيكافح ويصحي على الفجر ويغض بصره عن الحرام، ما بدي اختلاط، ما بدي مال حرام، عم يحاول يمسك أموره وشاد على حاله، بتعرف هذا اللي كان شاد شاد شاد على حاله فجأة نزل إيديه بهي الطريقة؟ هذه الوهن، لسه أنت ما عملت معاصي يعني لسه ما دخلت فيها، بس أنت نزلت إيديك، دلالة ماذا؟ يعني العزيمة فترت، الهمة والحماس اللي كنت فيه للتمسك بدين الله نزل، ضعفت، بدأت تشعر بهذا الضعف. مش هذا الضعف كلنا نصاب به لمرحلة معينة؟ ترى هذا الفتور بشكل عام الكل معرض أن يصاب به، لكن في شخص أول ما يصاب به ينتبه ويرجع يأخذ دفعة من جديد مشان يرجع الحماس، وفي شخص هذا الضعف يستحكم على حياته، مشاعر هيك الذبلان الفتور تستحكم، الآن إذا استحكمت وأصبحت عادة ستتحول من وهن إلى ضعف.
ما معنى الضعف هنا؟ قلنا الضعف يكون وين؟ في البدن. فأنت في مرحلة الوهن أنت شاعر بانفساخ العزيمة، بس لسه جسدك تعاون معك شوي، يعني لسه بقدر أروح على مجالس العلم، لسه أنت محافظ على صلاة الفجر، يعني بتقطع شوي، لسه عينك مساعدتك، لما تصل لمرحلة الضعف هذا معنى أن الوهن تحول إلى عادة. وهن القلب؛ احنا مش مر معنا في الحديث: «ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب»؟ لما الوهن يصبح عادة ونمطاً في حياتك والوهن محل القلب، سيظهر ذلك على الجوارح بالتأكيد مع الوقت، ستبدأ تشعر أنه هذا المرض ابتدأ في القلب، الآن فسدت هذه المضغة فإذ سيفسد الجسد، وستبدأ تشعر بماذا؟ أنه حتى بدنك وجسدك أصبح ثقيلاً على العبادة، حتى جسدك ما عاد تشعر أنه عم بيساعدك أن تقوم بالليل، أو أن تقوم حتى تصلي الفجر في المسجد، أو أنك تيجي، شاعر بيموه الكسل العجز، بتعرفوا العجز؟ ولذلك كان من أكثر أدعية النبي عليه الصلاة والسلام: «اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل».
الكسل يكون في حالة الوهن، لكن العجز في حالة الضعف، يعني أنت لما يصبح الوهن حالة مستحكمة قلنا سينتقل وضعك إلى ماذا؟ إلى ضعف. هذا الضعف يعني أنه حتى جسدك ما عاد يعينك على طاعة الله، في البداية كان قلبك لا يعينك، في مرحلة الوهن كان قلبك اللي مش عم بيعينك، في مرحلة الضعف صار قلبك وجسدك. لذلك بلاقي كثير من الشباب يقول لك يا أخي والله شاعر دائماً حالي هيك أني كسول، حتى جسدي وطاقتي لاني أفعل الطاعات وكذا، بس كان يصلي واقف قيام الليل صار يصلي جالس وهو بجوز عمره 20 سنة وأموره طيبة، طب شو مال جسدك ما شاء الله عليك؟ أنت بتوقف على مطعم ساعتين ليش صرت تصلي وجالس؟ بقول لك يا شيخ والله جسمي مش حاملني، لا هو مش جسمك مش حاملنك، هو فعلياً قلبك اللي كان مش حاملنك ثم أثر ذلك على جسدك فاصبحت تشعر بهذا الضعف وتتخذ قرارات الهروب من الطاعة.
ثم إذا استحكم الضعف واستمرت هذه الحالة معك ستصل إلى المرض الأسوأ والأخير، وهو مرض الاستكانة، اللي هو السكون، اللي هو العودة إلى المربع الأول، ممكن نسميه أحياناً انتكاسة، تمام، انقلب على عقبيه، ممكن نسميها العودة إلى الصفر، ما عدت أبداً تتحرك، السكون كأنك خلص كنت متحركاً تسير إلى الله أصبحت ساكناً. هذه المراحل الثلاث ربنا حذر منها الصحابة في سورة آل عمران، لما قال: ﴿وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ [آل عمران: 146]؛ كثير، تمام، الربيون هم أتباع الأنبياء الذين تربوا على موائدهم وعلى علومهم، فهم كانوا ربيون، يعني كانوا أناساً صالحين، فالله عز وجل قال هؤلاء الربيون الذين يحبهم الله لم يصابوا بهذه الأمراض الثلاث: ﴿فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا﴾ [آل عمران: 146]. لماذا الله عز وجل ذكر هذه الأمور على هذا الترتيب في سورة آل عمران؟ لأنه هذا المرض تراكمي: فما وهنوا، ما ضعفوا، ما استكانوا. الوهن هو أول المرض، فأخبر أنهم لم يهنوا، بالتالي إذا لم يهنوا إذاً لم يصلوا إلى ما هو أصعب وهو ماذا؟ الضعف، ولم يصلوا إلى ما هو أسوأ وأسوأ وهو بعد ذلك نهاية أمرك ومعني انتكاسة الاستكانة: الرجوع إلى الوراء، أنت ماشي إلى الله صار لك سنتين ثلاث أربعة في طريق الالتزام، لما تصل للاستكانة معناه أنت تعود أدراجك وتترك طريق الالتزام وكل الذي بنيته تريد أن تهدمه وتعود إلى الصفر.
الصحابة الكرام في غزوة أحد كما قال المفسرون، بعض الصحابة ابتلي بالوهن، وبعض الصحابة ابتلي بالضعف، وبعض الصحابة ابتلي بالسكون. فلذلك الله سبحانه وتعالى أنبهم في هذه الآية أنه لماذا ما فعلتم كما فعل الربيون من قبلكم؟ الآن ماذا حصل في غزوة أحد؟ باختصار، المشركون أشاعوا خبر مقتل النبي صلى الله عليه وسلم، صحيح ابن قميئة قتل مصعب بن عمير فظن أنه النبي صلى الله عليه وسلم، فصرخ قتلت محمداً عليه الصلاة والسلام. الآن بعض المسلمين بعضهم أول ما سمع موت محمد صلى الله عليه وسلم دب فيه الوهن، يعني فتر، فتر تماماً عن إكمال الجهاد والغزوة، بعضهم دب فيه الوهن وأعلن الوقوف، البعض الآخر لا كان المرض واضح عنده أقوى، بعضهم فر من المعركة، فلاحظ هنا إذاً في بعض ما فر بس شو صابه؟ وهن، يعني بطل عنده دافعية أنه يكمل قتال، هذول اللي في قلوبهم وهن. في قسم آخر ماذا حصل؟ لا، مش فقط ما عنده دافعية صار يكمل قتال، بعضهم فر من المعركة، وهذا يدل على أنه أمره كان أصعب، حصل عنده ماذا؟ ضعف.
وبعضهم بدأ يظهر عنده القسم الثالث وهو السكون، كيف حصل ذلك عند بعضهم؟ جاء في بعض الروايات أن بعضهم حاول وفكر أنه ليش ما نتواصل مع عبد الله بن أبي بن سلول لمعالجة الموضوع، خلص محمد صلى الله عليه وسلم مات انتهت قضية الإسلام، ما فيش داعي نضلنا نقاتل، خلينا نتواصل مع رأس المنافقين خليه يتوسط لنا عند كفار قريش وننهي الملف ونخلص من القضية. إذاً تخيل أن البعض وصل لمرحلة ماذا؟ يعني مش بس الضعف أنه بده يرجع للمربع الأول، نرجع يا عمي دولة مسالمة لا في بينه وبين كفار قريش مشكلة ولا شيء، طبعاً هذا لا يعني طبعاً كفراً أو ردة، لكنه يعني ماذا؟ أن بعضهم وصل في الحالة إلى قمة مراحل الضعف، أنه بدأ يفكر بالعودة إلى ترك الالتزام وحالة التدين، وأنه نتفاهم مع عبد الله بن أبي ونحل المشكلة معه مع أنه هذا رأس من رؤوس الكفر. فالله عز وجل أراد أن ينبه الصحابة أنكم أخطأتم، طبعاً في بعض الصحابة العظام كانوا ثابتين مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى آخر نفس، الذين لم يهنوا ولم يضعفوا ولم يصابوا بأي استكانة كانوا موجودين، لكن في النهاية الصحابة مثلهم مثل أي مجتمع ليسوا كلهم على نفس درجات الإيمان، وكان القرآن يعلمهم رويداً رويداً ويعالج قضايا الإيمان في نفوسهم، فهذا المطلوب مننا، كما أن القرآن عالج قلوب الصحابة يجب أن يعالج القرآن قلوبنا ونتعلم على موائد القرآن.
إذاً ﴿فَمَا وَهَنُوا وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا﴾، باختصار يا أيها المسلم عليك أن تعالج الوهن من البداية، لأن الوهن إذا استمر معك ستصاب بالضعف، وستشعر أن جسدك لا يعينك على طاعة الله وثقيل على حضور مجالس العلم أو الصلاح أو المحافظة على الصلوات أو غض البصر، ستشعر عادي جداً بعد فترة أنه أنت.
تشاهد مسلسلاً فيه نساء وتراه أمراً عادياً جداً، وما عندك مشكلة معه، وعادي جداً. مع الوقت، أنا الشاب الذي كنت حريصاً على وقتي، أصبحت أجلس أشاهد مباراة أو مباراتين لكرة القدم للأفرقة الأجنبية، وأجلس أتطلع ولا عندي أي عبرة بالوقت. أنا الإنسان الذي كنت حريصاً على وقتي وأفعله بشيء نافع، صار عندي عادي أجلس مجالس عائلية ساعتين وثلاثاً وأربعاً، وكلها غيبة ونميمة وكلام فارغ، ولا أشعر أن الحياة عم تضيع. هذه كلها دلالة على أن الوهن بدأ يستخدم.
بعد ما تكلمنا عن طبيعة هذا المرض، وأنه هو ضعف في القلب وانفساخ لعزائم القلوب، أنا بدي إياك تركز على فكرة أن الوهن كمرحلة أولى ما هو الفتور، بل هو انفساخ عزيمة قلبك أن تستمر في الخير والصلاح. خلينا نشوف الآن أعراض هذا المرض؛ أي مرض كيف بدي أعرف أنه هل أنا يا شيخ مصاب بهذا المرض؟ كيف الطبيب يعرف أنك مصاب بمرض معين؟ بصير يسألك عن الأعراض: والله بتعاني من سخونة؟ بتعاني من كذا؟ عندك شيء بيطلع كذا؟ عندك ق؟ حتى نعرف أنا وإياكم كم حجم هذا المرض في نفوسنا، خلينا نشوف الأعراض التي ستظهر على حياتك، التي متى ما شفتها اعرف أنك مصاب بالوهن لدرجة من الدرجات.
أول عرض من أعراضه -أظن أنكم فهمتموه من خلال كلامي- فقد الدافعية لممارسة الأعمال النافعة. هذا أول عرض، إذا بدأت تشعر أنك تفقد الدافعية والحماس والهمة لممارسة الأعمال النافعة. طبعاً كلمة الأعمال النافعة هي عامة، أي عمل نافع أنت كنت تقوم فيه، سواء قيام صلاة، قراءة قرآن، محافظ على ورد معين، أذكار معينة، برنامجك في أذكار الصباح والمساء، والله برنامج في بر والدين، برنامج إغاثة، بغض النظر شو طبيعة برنامجك، برنامج علمي؛ إذا بدأت تشعر أنه أنا في فترة معينة كان عندي دافعية وحماس، والآن ما عدت أشعر بالدافعية والحماس، هذا مؤشر أنه بدأ المرض يأتي، وجيد أنك تنتبه من البدايات. فقد الدافعية لممارسة الأعمال النافعة أبرز عرض من أعراض دخول الوهن على قلبك.
اثنان: بدء التقصير في العبادات والبرامج وعدم الالتزام بها. والله أخونا كان يختم ختمة القرآن كل شهر، صارت الختمة كل شهرين، صارت الختمة معك كل ثلاثة أشهر، إذاً هو هل ترك العمل الصالح؟ لا، بس شو اللي صار معه؟ بدأ في نوع من التقصير في أداء العمل الصالح. كان يحافظ على السنن الرواتب لكل الصلوات: سنة الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر، والله سنة الفجر راحت من القاموس يا شيخ، صرنا خلص نحافظ بس على ركعتي الظهر والمغرب والعشاء. شوي شوي، الوتر كان يصليها ثلاثاً، صار يصليها ركعة، هو مش حرام، أنت لاحظ الفكرة مش أنه عم بيعمل حرام، بس واضح أن سقفة عم ينزل، كان مستواه عالياً عم ينزل، ومش لشيء عارض، يعني والله أن أباه مرض أو صار عنده انشغال، لا لا، هو أصبحت حالة عامة أنه عم بينزل تمام. والله أخت كانت منقبة خلعت النقاب، فراح يجيها أخوات تقول: ترى النقاب مستحب؛ يعني فرق بين أنك تنظر للموضوع بهي الزاوية وبين أنك تنظر أن خلع النقاب هو دلالة على ماذا؟ على نزول في سقف الإيمانيات؛ لأنه بالاتفاق النقاب هو يا واجب يا مستحب، يعني أنت بين صح هو يا واجب يا سنة، هذا هو الخلاف بين أهل العلم. بدنا نفرض أنه سنة وأنت كنت واصلة لهي المرحلة، نزعك لهذا النقاب مش أنه أنت خلص سنة وتركتها، البعض ينظر للموضوع من هذه الزاوية، هذه زاوية فقهية، لكن أنا هنا بنظر من زاوية إيمانية، لا هي الفكرة أنه في نوع من الوهن دخل على قلبك فما عدت تشعري بقيمة هذه العبادة التي أنت وصلتِ إليها. إذاً قس على ذلك مثل هذه الأمور، بدء التقصير في العبادات والبرامج. كنت أحضر مجالس علمية، والله على الأقل ملتزم بمجلس في الأسبوع، صار لي والله شهر شهرين ما حضرت مجلس علم ولا موعظة، ولا هذا نوع من التقصير.
ثالثاً: من أعراض هذا المرض حتى تعرف نفسك هو تغير أنماط تفكيرك واهتماماتك في الحياة. في شباب تجلس معه قبل سنتين، إذا بتجلس معه والله يحب الفوائد العلمية، يحب: يا أخي والله أعطينا موعظة، ذكرنا بالله، يسألك عن دقائق في نفسه في قلبه. اليوم تجلس معه: شيخ شو في سيارة جديدة نزلت على السوق موديل كذا؟ وأنا شيخ في كذا، في مسلسل، معقول أنت نفس الشخص؟ طيب إحنا قبل سنتين كنا نقعد معك، كنت تحكي عن اهتمامات دينية وشرعية، والله يا شيخ أنا غيور على أمتي وأحوال إخواننا في غزة والسودان ونفسي أقدم شيئاً لهذا الدين، كان يتكلم عن اهتمامات ببعد معين. اليوم نفس هذا الشخص عم يتكلم: والله يا شيخ في واحدة حبيتها وكذا وتركتني، والله إني هيك منتكس نفسياً. تقول معقول هذا الشخص هو نفسه ذاك الشخص؟ هو الذي صار، صار عنده الوهن في القلب. الوهن غير اهتماماته، غير أفكاره، نمط تفكيره في الحياة تغير، أليس كذلك؟ وهذا معنى قول النبي عليه الصلاة والسلام: «ولا يقذفن في قلوبكم الوهن»، قالوا: وما الوهن يا رسول الله؟ قال: «حب الدنيا».
اللي هو تغير نمط تفكيرك، أن أنت كنت تتكلم عن: بدي أختم هذا الكتاب، بدي أحفظ القرآن، والله بدي أشارك في قراءة كتب سنة، والله في عندي مركز قرآني بدي أعمل فيه، كان هيك كان كلامه، هيك كانت أجواءه الأخ، بعدين اختلفت هذه الأجواء تماماً. شو بتعمل يا فلان في حياتك؟ والله يا شيخ بس داير وراء هذا الشغل، بصحى من الصبح برجع. طيب شو صار؟ والله يا شيخ واحد بده يرم عيشة، يعني في هيك نفس تماماً تغير في طريقة الحديث وأنماط التفكير في الحياة. إذا أنت أصبحت من هذه النوعية، اعلم أنه في شيء تغير، واعلم أن الوهن قد غزا قلبك، مما سبب تغيراً في أنماط التفكير وحتى اهتماماتك الحياتية. كان يهتم بحضور مجالس علم، الآن بيهتم يحضر مباريات، كان يهتم بحضور كذا، صار يهتم بحضور مسلسلات. هذا التغير في أنماط التفكير -وبرجع أقول لك أنا ما بتكلم الآن أن نمط التفكير الجديد حرام 100%- أنا مش هذا بعدي، أنا بعدي أنك كنت تفكر بمطالب عالية، صرت تفكر بمطالب دنيئة بالأرض السفلية، مثلك مثل أي إنسان، هذه مشكلة.
رابعاً: تغيير الشكل الخارجي. كثير شباب أنا بعرف أن الوهن دخل فيه من شكله الخارجي بدون ما ينطق أي كلمة، بعرف أنه بدأ يصاب بمرض الوهن. طيب يا شيخ يعني هل اللباس هذا واجب ولا مش واجب؟ أنت مشكلة بعض الناس أنه هو يحاول أن يخادع نفسه، أنت قد تكون طول حياتك تلبس جينز بس إيمانك عالٍ جداً عادي، بس أنا بعرف أنه ممكن أنت؛ أنه في أخ كان محافظاً على لباس الدشداشة، شفنا زلوم، بعد هذه السنة سنتين لا، ما عاد زلوم، زلوم صار أهل الثبات؛ يعني أي إنسان جاييني عامل سكسوكة هون، زبط لي هون، وعامل شعر أبصر جلة هون، هس أنا مش مش عم بقول ركز أنا مش عم بقول لك أنه حرام، أنتم فاهمين علي، أنا مش عم بقول أن هذا حرام، عادي، ممكن الإنسان لمرحلة معينة، يعني خلص بده يحط جل ما عنده مشكلة، بس أنا فاهم بعداً آخر أن ليه تغيرت؟ هذا السؤال زي مسألة المنقبة، هس بغض النظر أنت تعتقدي النقاب مستحب، بس سؤالي ليه خلعتيه؟ ليش غيرتِ مظهرك الخارجي؟ أكيد في شيء في النفس. ففرق بين الحكم الفقهي والحكم الإيماني، تغييرك لكل شكلك الخارجي، اللحية كنت مطلقها صارت خطاً رفيعاً، ما كنتش تحط وتحرص والله على لبس لباس فضفاض، والله ما كنت تلاقيه لابس لباس فريق وحاط صورة لاعب على ظهره والدنيا، صرت تقول هذا فلان شو قصته؟ شو صار فيه؟ أنت لحالك لما تنظر رح تعرف أن في شيء تغير في حياة هذا الشخص. أنا أذكر شخصاً من هذا النمط، كان من أفضل الخطباء الذين سمعت لهم في الحياة، كان زي حالاتنا، يعني الله يثبت الجميع، لما بدأ يتغير في فكره، أول شيء غيره لباسه، أنا تابعت حالته، أول شيء غيره ماذا؟
لباسه، ترك كل الحالة التي هو فيها ولحيته طبعاً، أذكر الشرطين مع بعض، اللحية هذه معطاة لهنا صارت خفيفة، هو مش مرة واحدة غير، لا هو بالعكس كان يصلي في المسجد، يعني بعد ما بدأت أفكاره تتغير ما لسه بيصلي، بس مثلاً قال: ما بدي أكون إماماً للمسجد، بدي أصلي معكم كإنسان عادي، شوي ترك الشماغ وترك هذا وترك كل شيء، شوي اللحية، فلان طب شو اللي عم بصير؟ يعني شوي عادي يعني صرت تراه بدون لحية، تغيرت الأمور هنا، أنت بتعرف أن هذا النزول في الشكل الخارجي هو ليس فقط من مستحب لمستحب أو من مستحب لمباح، وينعكس هذا المرض تلقائياً على شكله الخارجي، كما بخلاف الشخص الذي أصلاً مش واصل لمرحلة عالية، لا هو متوازن مع مرحلة معينة، أنه أنا مثلاً ما بلبس دشداشة وعادي وبحضر مجالس العلم زيي وزي إخواني، مش واصل لمرحلة هي وثابت عليها خلص، أنا بعرف أن هذا ثابت، يعني هذا هو نمط حياته، ربما هي بيئته الحياتية هكذا، يستطيع هذا تخصصه، هذا الذي يستطيع أن يلبسه، فبعرف أن قضية الثياب عند هذا الشخص مش عاملة مشكلة، لكن عند ذاك الشخص هي عاملة مشكلة. فهمتم؟ يعني ممكن امرأة فعلاً هي من بداية حياتها ما بتلبس نقاب وشافت أنه الموضوع مش واجب، وقد تكون ظروف حياتها ما بتسمح لها، لكنها متوازنة مع ماذا؟ أنها خلص أنا مقتصرة من البداية على غطاء الرأس وعلى الجلباب، أنا مش لابسة نقاب من البداية ومستمرة ومتوازنة وما شاء الله عليها محافظة على كل أمورها، إذاً هنا قضية النقاب مش عاملة عندها مشكلة، صحيح، يعني لا تدل على أن في مشكلة، لكن اللي واصلة لمرحلة أعلى ورجعت، لا، هذه فيها عندها مشكلة، هذا مهم جداً أن نفهمه ضمن هذه المعادلات.
حتى عفواً أخت كانت لابسة جلباب، أنا بحكي هذا لأنه في أنماط كثيرة، كانت لابسة جلباب وحريصة عليه، يوم خلعت الجلباب صارت تلبس كوت واصل لهون، والله شيخ في فتوى على إسلام سؤال وجواب بصير أنه واحدة تلبس، هس أنا فاهم، والله أنا فاهم أن في فتوى قد تجيز الكوت الطويل الذي يكون، بس أنا هيك باجي دائماً بسأل على بعد إيماني، أنه ليه أنت خلعتِ الجلباب لهذا النمط؟ يعني ماشي، من حيث الحكم الفقهي قد يكون مباحاً من أطر معينة، فهمت، بس أنا ببحث عن الحكم الإيماني، أليس هذا مؤشراً أن في وهن؟ في وهن بدأ يغزو القلب، فأنتِ بدأتِ تتفككين من بعض الأمور، بدأتِ، لذلك تابعها، هي نفسها التي تقول لك راح ألبس بعد شهرين ثلاث، شوف شو ألوان الكوت بعد سنة، الكوت صار لهون كان لهون صار لهون، عشان تعرفي أختي أنه أنتِ أحياناً الشيطان يحسن المخادعة، وأنتِ عفواً عملتِ حراماً لما غيرتِ، فهمت؟ يعلق الشيطان الموضوع هوان عملتِ حراماً لما غيرتِ هذا لهذا آه، أنتِ ما عملتِ حراماً فقهاً، بس قد تكونين أنتِ ماذا عم بتسيرين مع الوهن إلى القاع، بس الشيطان رويداً رويداً عم يسقطك، فهذه ننتبه لها في كثير من الأمور، وممكن تذكر أمثلة أخرى.
أخيراً من حيث أعراض هذا المرض: عدم الشعور بقيمة الأعمال النافعة، باختصار: أنا كنت أتلذذ يا شيخ لما أقرأ القرآن، الآن صرت أقرأ وقراءة بس بدي هيك أبرد قلبي أني قرأت الورد، لكن ما عدت أشعر بقيمة القرآن وجماله. أنا كنت بحضر مع الناس مجالس علم، أحضر مع أصحابي كنت زمان متحمساً لها، اليوم يعني بس أحضرها رفع عتب عشان أصحابي ما يتركوني. والله كنت أصلي أخي صلاة الفجر وكنت أشعر بالخشوع واللذة في الصلاة، الآن أصلي بس من شان أنه فرض ولازم أخلص، لكن ما عدت أشعر بلذة الصلاة، لذة القرآن، لذة الأعمال النافعة، لذة المشاركة في مشروع إسلامي، كنت متحمساً مندفعاً، أشعر بلذة وقيمة ما أفعل في طلب العلم مثلاً، الآن ما عدت أشعر بلذة أي شيء، طبعاً بدك تنتبه أن هذا مع الوقت إذا استمر بعدم الشعور بقيمة الأعمال النافعة، الآن هو بيعملها بس مش شاعر بقيمتها، إذا استمرت هذه الحالة معه ممكن مع الوقت يتركها. إذاً هذه خمسة أعراض تشير لك وتعطيك هل أنت عندك شيء من الوهن أو لا: فقد الدافعية، بدء التقصير في نوع معين أو أنواع من العبادات أنت كنت محافظاً عليها، تغير أنماط تفكيرك واهتماماتك في الحياة، تغيير المظهر الخارجي والشكل الخارجي، وأخيراً عدم الشعور بقيمة الأشياء الجميلة والصالحة التي أنت تقوم بها.
هذه الأعراض، الآن بعد الأعراض أظن سننتقل للنقطة الأهم، وهي ما هو أسباب دخول هذا المرض على الإنسان؟ وأنا أعتقد هي النقطة الأهم في مجلس اليوم، كيف يدخل الوهن إلى قلوبنا؟ كيف يدخل الوهن إلى قلوبنا؟ ما هي الأبواب التي يستطيع الشيطان أن يدخل فيها هذا الداء إلى قلبه ليفتك بإيمانه؟ شوفوا الشيطان بيعمل دراسة لكل شخص فينا، تمام، وفي شياطين الإنس بيعملوا دراسات على العالم الإسلامي وشياطين الجن بيعملوا دراسة لكل شخص فينا وبيحاول يقيم.
حالتك، وينظر هذا الشخص كيف أدخل الوهن إلى قلبه؛ هذا مفتاحه من جهة، وهذا مفتاحه من جهة أخرى، وهذا مفتاحه من جهة ثالثة، وهذا مفتاحه من جهة رابعة. فكن واثقاً أن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدواً؛ كن واثقاً أن الشيطان ليس ناسياً لك، وليس حاطك على الرف، هي شغلته الشاغلة أن يوسوس لبني آدم، فبالتالي هو جهز دراسة عن وضعك الإيماني أو الصحة الإيمانية، وبالتالي عنده أوامر لأتباعه أن فلاناً من أين تأتيه وفلاناً من أين تأتيه، وهذا كيف تدخل الوهن إلى قلبه. هذا إيماننا بأن الشيطان عامل دراسة عنا، وأنه يشتغل وليس ناسياً لنا، يجعلنا نحاول نعرف فعلاً ما هي أسباب الوهن في واقعنا المعاصر. أرجع أقول: كلما كثر الشر في الزمان كثرت أسباب الوهن فيه، وكلما كان الزمان أكثر شرية كلما ازدادت العوامل التي تدخل الوهن إلى قلوبنا.
أنا هنا سريعا ذكرت ستة عشر سبباً من أسباب الوهن، وأنا لا أعتمد على الطرح العام، بل أريد الكلام أن يكون فعلاً عملياً واقعياً وليس كلاماً تنظيرياً. حتى لا أطيل، دعونا نبدأ بأسباب الوهن وتقديم المعالجة، سأقدم معالجة عامة لكل سبب، وإن كنت أعتقد أن كل سبب ربما يحتاج لمعالجة تفصيلية في محاضرات أخرى، لكن جيد أن نعطي إضاءات لعلنا ننتبه لها. طيب، إذا السؤال الآن: أسباب الوهن؟ كيف يدخل الوهن إلى قلوبنا؟
أول قضية -سامحونا ما عملت لها شريحة لطولها- أول قضية أو سبب من أسباب دخول الوهن لقلبك هو تعريض قلبك بشكل يومي لكم هائل من الفتن وبصورة مستمرة. شاب من طلاب العلم أو من أهل الصلاة أو من أهل المسجد أو من أهل الخير والصلاح عم يشتغل في شغل مختلط، يومياً بيصحى الصبح بيروح على الشغل المختلط؛ هذه تضحك في وجهه وتجيب له فطور، وهذه تمزح معه، وهذه كذا وكذا. طيب بعد شهر شهرين، هو بشكل يومي من الساعة الثامنة صباحاً إلى الساعة الرابعة مساءً عم يتعرض لكم هائل من الفتن. هسه هو ما بده إياها، وبتيجي الفتاة بتحكي معه بيحاول يغض بصره، بتيجي بتقدم الفطور بيحاول يبعد، عم يحاول يتماسك، بس شو اللي عم بصير معه؟ أخونا بشكل يومي من ثمانية لأربعة -كم ساعة يا شيخ زيد؟- ثماني ساعات عم يتعرض للفتن، طيب هذا شو راح يصير فيه مع الوقت؟ ماشي أنت أول شهر قاومت، أول شهرين قاومت، بس الشهر الثالث سيبدأ الوهن يدخل؛ لأنه أنت عم بتعرض نفسك لفتن كبيرة.
صورة أخرى واقعية: شاب من شباب الخير الصالحين، بس ماسك الجوال يومياً أربع خمس ساعات على الفيسبوك بلع وبينزل بلع وبينزل، وعنده برضه حساب على الانستغرام وعلى التيك توك وكذا، هو شاب صالح من طلاب العلم وحافظ على صلاة الفجر ما شاء الله، عنده مشكلة بس شو عم بعمل؟ هو ثماني ساعات أو سبع ساعات أو ست ساعات عم يعرض نفسه لكم هائل من الفتن؛ لأنه مثلاً طلعت الآن فتاة مشى، ما بديش أطلع دعاية فيها، مشى ماشي، أول يوم شهر شهرين مشيت، بس الشهر الثالث والرابع ستبدأ تشعر أنه إيدك شوي عم بتبطئ أثناء التمشي؛ يعني بدك تاخذ فترة شوية إني أشوف، تمام؟ الشهر السابع والثامن، لا صرت عادي أنك ممكن توقف عند الصورة تتفحص معالمها بعدين تنتقل، بس لسه ما عندك جرأة تدخل على الفيديو، بعدين صرت تعرف والله في أماكن معينة أنا والله هدفي بس أشوف شو الشر اللي وصل إلى العالم، تدخل الشر اللي وصل إلى العالم ستبدأ تشوفه بكل أشكاله.
الذي يحصل أنك لاحظ بشكل مستمر ولساعات طويلة عم تعرض قلبك للفتن، واليوم هذا كثير الجامعات عم بتسبب هذا الشيء، بيئة العمل المختلطة عم بتسبب هذا الشيء، الشباب اللي بتروح دائماً على المولات وعلى الأماكن اللي فيها قذرات عموماً عم بتعرض حالك، الجوال؛ يعني كل هذه الأمور استحدثها العالم المعاصر ترى ما كانت موجودة زمن السلف، يعني ما كانت موجودة في عشرة قرون حياة الأمة بهذا الحجم الهائل. أنت متخيل اليوم كم أنت تدخل مدخلات فاسدة إلى قلبك؟ كم صورة بتشاهد؟ كم مقطع موسيقى ممكن تسمعه في كل مكان؟ بالتالي بقول الله يعيني ويعينكم، لأنه سبب الوهن هذا الأول ترى متعب؛ لأنه أنت لو بدك تهرب منه هو بيلحقك.
فبالتالي تحصين نفسي من هذه الفتن أن تُعرض على قلبي أظن أنها تحتاج إلى قرارات صارمة من حيث مكان العمل الذي سأشتغل فيه، قرارات صارمة من حيث هل أستعمل السوشال ميديا أم لا أستعملها، قرارات صارمة من حيث الجامعة والتخصص الذي سأكون فيه؛ يعني في قرارات صارمة ستحتاج أنك تأخذها مع نفسك حتى تحمي القلب من أن يتعرض لهذا الكم الهائل من الصور والمدخلات الفاسدة. إذا ما اتخذت -هنا بدأت أتكلم عن العلاج- إذا ما اتخذت قرارات جادة واضحة لمنع تعريض النفس لهذا الكم الهائل، أنا أقول لك سهل جداً جداً جداً تلاقي حالك بعد شهرين ثلاثة في قمة الوهن، ودخلت في مرحلة الضعف؛ لأن الواقع معادلاته صعبة.
ولذلك الله سبحانه وتعالى -سبحان الله- آية قرآنية بتحل الموضوع، وأنا أعتقد إخواني أن أعظم دواء لعلاج الوهن بكل أسبابه القران؛ من تدبر القران سيجد أن الله عز وجل يعطيه مفاتيح النجاح في هذه المعركة. الله عز وجل ماذا قال عن الفتن؟ ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾ [طه: 131]، شوف هذه بتختصر عليك كل المسافة، ولا تمدن عينيك. في اللحظة التي ستمد فيها عينيك إلى الفتن أنت فتحت على قلبك بوابة من الشر، ولا تقل لي بعد ذلك من أين دخل الوهن، وليش بطلت أصحى على الفجر، وليش قيام الليل خف، وليش قراءة القران ضعفت، وليش همتي بعدت؟ أشعر بالجمال وأنا بقرأ أو بحضر مجالس العلم ومشاغل في حيل إني ما أهوى، أنت شيء طبيعي لأنه أنت تعرض نفسك لكم هائل، فالوهن دخل، ماشي أنت لساتك صالح، لساتك مربي لحيتك وبتيجي مع الشباب الصالحين، بس المرض دخل والمرض عم ينخر، يعني هذه الصور اللي عم بتعيش في دماغك هي عم تنخر، عم تأكل إيمانك وأنت يومياً عم بتشوفها في بيئة العمل في الجامعة، إلى أن ستصل لمرحلة تنهار مرة واحدة وتترك أكثر الأعمال أو كل الأعمال الصالحة، قد تدخل في العياذ بالله في مناطق من الحرام والعلاقات المحرمة أو إدمان أفلام إباحية أو ما شابه ذلك.
نأتي إلى السبب الثاني، وأنا السبب 16 أنا مضطر أني أتكلم عنها سريعاً وتشوف أنت أمورك وين هي. السبب الثاني إخواني من أسباب الوهن هو عدم إدراك كثير من المتدينين اليوم عقبات التدين التي ستصادفك في الطريق. من أسباب الوهن أن كثير ممن يختار طريق الالتزام والتدين هو ليس متصوراً أن هذا الطريق فيه عقبات، تمضي به روحه وتدمي له قدمه من الشر، بل يقول لله أنا أصبحت صالحاً، شو اللي عم بيصير؟ يواجه تحديات وعقبات هو مش يعني لم يخبروه، ما حداش خبره أن هذا الطريق فيه عقبات وبدك تتحمله، ﴿فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: 146]، هذه أول صفة من صفات الربانيين، ما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله.
فأخونا قرر يلتزم، قرر يصير شاباً صالحاً، ربى لحيته، صار يمشي مع شباب متدينين، أول تحدي واجهه الشغل؛ أنه ما حدا بده يأخذ واحداً ملتحياً، تمام؟ أو الأخت لبست حجابها وصارت مجلببة راحت تشتغل في مكان قالوا والله معذرة، احنا بدنا الفتيات اللواتي لسن محجبات أو مجلببات وتكون فري وعلاقتها مع الناس هيك بأريحية ومش متشنجة وتتحكي مع الشباب؛ فهي الآن أصبحت أمام مأزق، ما هو؟ أنه يا بستمر في التدين والأمور عم تصعب من حيث الرزق والحياة، يا أني بختار أترك هذا الطريق وأعود أدراجي لعلي أجد فرصة عمل. هنا يستغل الشيطان هذه الفرصة؛ فرصة أنه هو لما دخل التدين هو ما كان متصوراً أن هناك عقبات، هو مفكر الطريق سهل مفروش بالورود، أول ما يتدين الناس راح تقول له تفضل هذه عقد عمل ألف دينار، شو بدك؟ سيارة، كل شيء موجود، بالتالي ما وجد الطريق سهلاً، وجد أنه كل ما يدخل في عقبات. في بعض الدول ممكن المتدين مش بس يجد عقبات إذا بيروح بيصلي الفجر بلاقي اسمه اليوم الثاني عند الجماعة، طيب أنا شو هذه القصة هي؟
أنا بدي أصلي الفجر ألاقي اسمي عند الجماعة الطيبين ومساءلة قانونية وتعال ليش صرت تصلي الفجر؟ شو خربانة أخلاقك؟ كنت يعني زلمة منيح أنت، يعني سنك تصلي الفجر وتصوم اثنين وخميس، بقول لك طب شو الشغلة هي؟ طلع كمان بده يتدين، بده يتم استدعاؤه وملاحقته، يا عمي أقول لك يا عمي سيبنا من القصة هي كلياتها، فيبدأ هو يشعر بماذا؟ بالوهن؛ ليه؟ لأنه شاعر أن هذا الطريق والله فيه عقبات، سواء عقبات في الرزق، عقبات، بتعرف من أكثر العقبات اللي بيواجهها الشباب الملتزم اليوم؟ أنه كثير من الأعمال والأشغال فيها حرام، يا فيها موسيقى، يا فيها بنات، يا فيها تعاملات ربوية، يعني أنك تجد للمهندسين والمبرمجين والأطباء عملاً حلالاً صرفاً في أي مشكلة أصبح جداً، الشب قرر يتدين ما بدي أشتغل فيها حرام، هي فيها حرام، فيها حرام، وين الحلال يا شيخ؟ يعني بدنا شغل حلال صافي زي ما بتحكوا، زمري التدين، طيب ليش مش فاتحها في وجه الرزق الحلال؟ فيبدأ ماذا؟ أوراقه تضعضع، هذا يضيع منك.
كيف سنعالج هذا السبب برأيكم من أسباب الوهن؟ أنت عرفت شو السبب الثاني: عدم تصور عقبات الطريق، ويظن أن الالتزام معناه فش عقبات وحياة وردية. مهم جداً جداً أمثال هؤلاء الناس أول ما يدخل في الالتزام أن يقرأوا القران وما فيه من ذكر بلاءات السابقين، لازم يقرأ قصص البلاء والثبات، لازم يقرأ قصص البلاء والثبات، القران مليء بقصص البلاء والثبات، سيرة النبي صلى الله عليه وسلم مليئة بقصص البلاء والثبات، لازم أسمع هذه القصص حتى يبدأ يتأقلم، آه أنه التدين فيه بلاء، مين قال لك أنه في بلاء؟ مين قال لك أنه ما راح يضيق عليك بعض الأمور بعض المساحات؟ أنه ما راح تبذل جهداً لا في هذا الطريق، وسترهق، ويمكن واحد يأذيك، يمكن حدا يشتمك، حدا يلاحقك، حدا يسجن، في احتمالات كثيرة يمكن أن تصادفها، وأصابت من قبلكم وبكمية هائلة، تمام؟ وبكمية هائلة، «قد كان من كان قبلكم يوضع في الأرض فينشر من رأسه إلى أخمص قدميه لا يصده ذلك عن دينه، كان من قبلكم يمشط بأمشاط الحديد يفصل لحمه عن عظمه لا يصده ذلك عن دينه»، أنتم شايفين شو العقبات اللي بيحكي عنها النبي عليه الصلاة والسلام؟ وشوف أنت العقبات اللي عم بتدخل الوهن على قلبك، تمام؟
بعض الشباب دخل الوهن على قلبه أول عقبة: راح يخطب فتاة بس شافت لحية طويلة قالت له لا ما بدي، أنا بدي شاب لحيته مسمسمة خفيفة، فبقول لك لا خلص، بدك مسمسمة؟ ها خليها مسمسمة، يعني الأمور سهلة، يعني ما عنده أي مشكلة في ذلك، يعني تمام؟ أنت تخيل شو العقبة هذه، والعقبة اللي كان يحكي عنها النبي عليه الصلاة والسلام هذاك يمشط بأمشاط الحديد، وأنت حضرتك شوف العقبة ما أصغرها، بس لأنه كم شغل قدمت السي في ما قبلوه والله عمي خلص بدي أترك التدين، بس مشان شغل، بس مشان واحدة ما خطبتك أو ما أرادتك على هذه الهيئة، عشان تعرفوا حجم الوهن لما يكون كبيراً أدنى عقبة من العقبات تردك على عقبيك، أدنى عقبة تضعفك. فإذا العلاج لهذه الخصلة، ما هي؟ العلاج سريعاً، لا بد وأن يقرأ القران ويقرأ قصص الثابتين على البلاء، لازم أسمعه إياها حتى يجهز حاله من البداية، بدك تلتزم بدك تفهم هيك الطريق، والله بدك تكمل، السعادة في نهايتها، أنت مش حابب تقابل عقبات ولا شيء؟ امشي مع الشيطان وعاد ساعتها بتدفع الثمن في نهاية الطريق.
طيب، نيجي على السبب الثالث من أسباب الوهن عند كثير من الشباب، وهي مشكلة أحياناً قد تكون منه وقد تكون مفروضة عليه من الخارج ويجب أن يتعامل معها، عدم وجود بيئة سوية يتدين معها. كثير من الشباب في مناطق عمان أو في غيرها بقرر يتدين بس يشعر أنه وحيد، أنه بيئته المنزلية مش داعمة لتدينه، أبوه وأمه مش ملتزمين، إخوانه وأخواته مش ملتزمين، المنطقة اللي هو فيها منطقة مشهورة بالفجور مش منطقة يغلب على أهلها الصلاح، المساجد فيها شبه خالية، فيشعر أنه ما في بيئة تدعم تديني، فش بيئة تدعم التزامي. فهو أول شهر شهرين عنده حماس بده يتدين، بده عدم وجود إخوة يعينونه في الطريق، شو سبب له؟ شوي شوي بلش الوهن يدخل إلى قلبه إلى أن يعود أدراجه، أصحاب السوء يقولون له تعال يا عمي، أنت رحت على تدين وكذا يعني فيش داعي تشدد على نفسك وتصير شيخ وتبعد عننا، ما راح تلاقي حدا يدعم هذه الحالة من التدين، فهو بيرفع إيديه لأنه هو عنده طاقة معينة من الاستحمال، ظن أنه إذا تدين سيجد البيئة والناس تستقبله، ما وجدهم. أحياناً وهذا سبب ممكن البعض يعده سبباً منفصلاً، ممكن البعض يعده سبباً أحياناً؛ بعض الناس لا يجد بيئة تدين لكن هو بكون راسم لبيئة التدين صورة حالمة، يعني بكون مثلاً بعض الناس في المناطق المترفة لما يتكلم عن التدين يقول.
أنا تدينت، بروح على المسجد بلاقي اثنين من المشايخ متطوشين، أقول لك لا إله إلا الله، أنا بدي أهدي المشايخ عم بيتوشوا مع بعض، بلاقي شوية أحذية على باب المسجد مبعثرة، أستغفر الله، بصير عنده يتضايق أن بعض المظاهر التي يمارسها المتدينون مظاهر غير سوية، يجد أن بيئة المتدينين فيها حسد، يا أخي والله في شيخ شفته بغش، يعني والله واحد شيخ سمعني كلمة نابية، يعني معقول المشايخ بيحكوا؟ هو شو متصور؟ مفكر أن بيئة المتدينين هي بيئة ملائكية، حاط صورة حالمة أن المشايخ وطلاب العلم لن يصدر منهم أي أخطاء، وبيئة منظمة والقلوب صافية.
اعلم أخي الكريم أن حتى في زمن الصحابة وهم أحسن جيل لم تكن هذه البيئة الحالية موجودة، كان الصحابة منهم بعضهم شرب خمراً، بعضهم وقع في جريمة زنا، بعضهم صدرت منه كلمة نابية، عادي، هكذا هو المجتمعات، فهذه أيضاً مشكلة أخرى يمكن نعتبرها معضلة؛ عدم وجود بيئة يعيش معها، أو افتراضه لبيئة حالية ما بده يعيش معها، ما وجدها، عم يعتبر حاله ماذا؟ وحيداً، وأنه لا أحد يشاركني، ما بده يرضى بسقف الممكن. يا أخي في بيئة متدينة، يا أخي مش متدينة 100% بس يعني 80% منيح، عندهم أخطاء؛ ما هو الشيء الطبيعي يكون عندهم أخطاء، فأنت لما تكون تتدين وترفع سقف طموحاتك، والله حبيت أدخل في بيئة طلاب العلم، وجدت طلاب العلم في بينهم تناحر وإشكالات وخلافات، ومين قال لك يعني أن طلاب العلم هم الأولياء الصالحون المنزهون عن الأخطاء؟ فيها أخطاء وفيها إيجابيات، أي بيئة فيها إيجابيات وسلبيات، فلا ترفع سقف طموحاتك وارضَ بما هو موجود.
ولذلك الله سبحانه وتعالى أيضاً نبهنا كيف نعالج هذه القضية، يعني إذا هذا الشخص من أين سيصيبه الوهن؟ أنه لم يجد البيئة أصلاً، أو وجد بيئة لكنها ليست مع طموحاته التي كان يرسمها، فمثل هذا الشخص بنقول له عليك أن تجاهد حتى تجد أولاً بيئة، يعني إذا كنت مش واجد البيئة أصلاً علاجك أنك تجاهد من أجل أن تجد البيئة. طيب يا شيخ أنا مقيم في كندا أو مقيم في دولة من دول الغرب ما فيش عنا بيئة، مو هي المشكلة؟ قضية ماذا إخواني؟ ضرورة الهجرة من بلاد الكفار إلى بلاد الإسلام، أنت إقامتك في بلاد معينة عم تدخل الوهن إلى قلبك وعم تضاعف عزيمتك عن الطاعة، لأنه كل اللي بتشاهده في بلاد أوروبا نساء عاريات في الطرقات وحالة من الفحش والفجور، مو هاي يعني أسباب الوهن؟ ترى تتداخل يعني، أنت تعرض نفسك لفتن كثيرة، وهو السبب الأول مع فقد البيئة السوية، أسباب تتكالب على قلبك حتى يغزوه الوهن، وبالتالي أنت مطالب أن تغير هذه البيئة، وهذا ليس فقط في بلاد الكفار، ممكن أنت تكون مقيم في منطقة لا يوجد فيها مساجد، لا يوجد فيها حالة تدين، منطقة فيها كثير من المعاصي، أنت مطالب إذا تشعر أن هذه المنطقة أنت لا تجد فيها بيئة، غيرها إلى منطقة أخرى تجد فيها بيئة.
يعني باختصار أنت المطلوب منك يا أيها الشاب الصالح أن تبحث عن البيئة، لا تظن أن المشايخ رح يجوا دائماً يطرقوا على بابك يقولوا لك تعال معانا، لا، أنت مطالب، ولذلك الله عز وجل ماذا قال: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الكهف: 28]. والله يا أخي رأيت مكاناً في مجالس علم، مش أنك بدك تثبت لا، بدك تصبر؛ ليش بدك تصبر؟ لأنه في هذه البيئة قد تجد تصرفات لا تعجبك، في بيئة المتدينين قد تجد أخاً قاسياً، في بيئة المتدينين قد تجد أختأً قاسية، قد تجد أخاً جلفاً، قد تجد الشيخ عمل كذا مواقف غير جيدة، مع كل هذه المواقف غير الجيدة بدك تصبر مع هؤلاء، بدك تصبر قلبك وتصبر على الثبات معهم، لأنه هذه البيئة بالنسبة إلي شريان حياة.
إذا فقدت بيئة المتدينين على ما فيها من الأخطاء وبقيت بس بجلس مع مين؟ مع أصحابي في الشغل، طيب أصحابي في الشغل شو بيحكوا؟ بس في المصاري، شيخ بجلس مع عائلتي، طب عائلتك شو بتعمل؟ والله مسلسلات ومباريات، إذا أنت ما عندك بيئة لا تقول لي من وين دخلني الوهن، لا تقول لي لماذا فقدت الدافعية، لا تقول لي لماذا ما عدت تشعر بقيمة الأمور، لأنه الناس الذين أنت تشتبك معهم وتتحدث بهم و24 ساعة كلامك معهم يا ناس بيتكلموا في الدنيا والمصاري والبزنس والأعمال، يا ناس بيتكلموا في الفتن والغيبة والنميمة والملذات، يا شباب مباريات ومسلسلات. طب مين شريان الحياة عندك؟ أخ بيقول لك تعال نحضر مجلس علم، أو إخوة تلتقي معهم على قرآن أو قيام الليل مع شباب، أنت ما عندك أحد يقول لك الله، أنت فاهم أنت هذه الكلمة مش شاعر أحد حولك عم يذكرك بها، فانت مطلوب منك أن تبحث عن هؤلاء أولاً، وإذا وجدته مطلوب أن تتصور أن فيهم نقصاً، ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾، لا ترفع سقف طموحاتك في إخوانك المتدينين فتظن فيهم شيئاً ليس فيهم، أنت تعينهم وهم يعينونك، هي النقطة الثالثة المتعلقة بأسباب الوهن، عدم إيجاد البيئة أو افتراض بيئة حالمة.
طيب، من الأمور التي تدخل الوهن -النقطة الرابعة- على الإنسان، وهي قد تتعلق بعدم تصور طبيعة الدين، هو أنه يجد أن كثير من رغباته ولذاته الحسية تتعارض مع الأحكام الشرعية. من أسباب الوهن عند بعض الناس أنه يجد أن كثير من رغباته الشخصية بمجرد ما أنه تدين ودخل في هذا الطريق أصبحت تتعارض مع ماذا؟ مع الأحكام الشرعية؛ هو الشاب قبل ما يتدين متعود يحكي مع بنات، متعود يشاهد أفلام ومسلسلات، متعود يسمع موسيقى، متعود أشياء كثيرة، دخل في طريق التدين، جلس عند أهل العلم، قالوا له ترى هذا التصرف ما يجوز، وهذه مثلاً العادة السرية بدك تغيرها، والكلام مع البنات كان... فالآن بدأ يجد نوعاً من الاحتكاك، في نوع من الصدام أن لي رغبة هي لذات حسية أنا كنت أعملها، لما تدينت وأردت أن أسلك هذا الطريق الإسلام يتعارض معها، فهنا يصبح عنده ماذا؟ نوع من الاشتباك مع الداخل، أنه هو ما زال مصراً على أنه يريد هذه الأمور ويحبها وتدينه يمنع منها، طب هذا كيف بده يعالج هذه الأمور إخواني؟ كيف سيعالج هذا الموضوع؟
من أساليب معالجة هذا الموضوع أولاً أن يعرف ما هي أنواع اللذات، أن الإسلام لما يمنعك بعض اللذات الحسية هو لا يريدك أن تعيش كئيباً حزيناً وكأنك في سجن، هو يريد أن ينقلك من لذات حسية محرمة إلى لذات عقلية وإيمانية عالية، يريد أن ينقلك إلى حلاوة الإيمان، «ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان»، أنه أنت حاصر عقلك أن اللذة هي فقط لذات حسية طعام شراب جنس، وهذا اللذة، طب هل بتعرف أنه في لذات أجمل وأعلى من هذه اللذات؟ الإسلام يحاول أنه يرقيّك حتى تشمها وتذوقها وهي لذة معرفة الله، لذة الأنس بالله، لذة الوصول. طب يا شيخ أنا فَهَيني الآن متدين ممتاز، أنا هيني عم بسلك طريق الالتزام بس هذه اللذات اللي بتحكي عنها أنا مش شاعرها، يعني مش واجدها، وهذا عم بيعمل لي وهن، أنتم قلتوا لي هيك، أنتم حكيتوا لي اترك الكلام مع النساء، اترك العادة، اترك النظر للحرام، اترك أشياء، حافظ على صلاتك وراح تشعر بماذا باللذة والسعادة، هيني أنا صار لي ملتزم سنة، سنتين، ثلاث، مش شاعر باللذة والسعادة اللي بتحكوا عنها، وفي المقابل نفسي عم تدعوني للماضي، يعني أنا أريد أن أحافظ على تلك اللذات، تديني عم يحرمني منها، هنا إذا لم يحسن هذا الشخص معالجة نفسه نعم سيدخل الوهن إلى قلبه.
من طرق معالجة نفسه أولاً أن يفهم كما قلنا ما هي أنواع اللذات، وأن اللذات الإيمانية أعلى من اللذات الحسية، طب مش شاعر فيها، أقول لك يا شيخ لسه ما شعرت بحلاوة الإيمان؟ بدي أذكره بقوله تعالى: ﴿وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ﴾ [مريم: 65]، يعني أنت مطالب أن تستمر بالعبادة وتدوم عليها حتى ولو لم تشعر بعد بحلاوة الإيمان، اصطبر لعبادته، شوف ربنا كيف عبر، قال اصطبر، يعني بدك تجاهد، بدك تصبر، مش بس بدك تصبر، بدك تصطبر أكثر وأكثر، لأنك مع كثرة المداومة والإصرار وكثرة قرع الباب سيفتح بإذن الله، لكن مجرد شهر، شهرين، سنة، سنتين، تظن أنه القضية هكذا سهلة أن تصل إلى تلك المقامات العالية بالتأكيد لا. فضلاً عن أن هذا الشخص نفسه أيضاً بدنا نبعده عما يذكره بالحياة السابقة، لأنه في أشياء عم تتأجج ذكرياتك السابقة وعم تحرمك من أنك تشعر باللذات الإيمانية، فلازم يخفف تعرضه للشهوات والملذات، يعني أنت بتقول لي أنا هيني صاري مدين سنتين، طب هو تعال خليني أشوف السنتين أنت شو كنت تسوي فيهم؟ ما هو خلال السنتين أنت كنت بتعرض نفسك للفتن، أنت لسه كنت جالس في نفس المكان اللي بذكرك بصديقتك، أو بذكرك بمسلسل، أو بذكرك بمباراة، أو بذكرك بشيء، يعني حتى أنت خلال السنتين أنت لم تبعد أسباب الوهن، أنت خلال السنتين ماشي بتصلي، عم بتروح مع الشباب، بس أنت قاعد على السوشيال ميديا طول الوقت أو أربع خمس ساعات، فباختيارك منابعه أهواك، لازم تجفف منابع الهوى، وتقبل على التدين، وتصبر على التدين حتى ولو لم تشعر بلذة التدين ابتداءً، مع الوقت ستشعر ولا بد؛ لأن الله عز وجل قال: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل: 97].
مستحيل ربنا يتركك، بس أكيد عندك ممارسة خاطئة هي اللي عم تعمل لك هذه الإشكالية، وبرجع بقول أحياناً المعالجة تختلف باختلاف طبائع الأشخاص. طيب مثلاً بعض الفتيات حتى في هذا الموضوع، بعض الفتيات مثلاً بدها تتدين، فبيجوا بحكوها والله بدك تدين أختي الكريمة مثلاً ما بينفع تطلعي برا بالمكياج والوجه كلياته بودرة وحمرة وما شابه ذلك، هي عندها رغبة في هذا الموضوع، هي بتقول يعني تديني رح يمنعني من هذا الموضوع، بدها تفهم في النهاية نعم هناك أمور الإسلام سيمنعك منها، بس لما يمنعك منها أولاً هذا لصالحك ثم لصالح الناس، ثم الإسلام يريد أن يرقيك إلى لذات أعلى، طبعاً لما نقول الإسلام بده يرقيك للذات إيمانية مش معناتها أنه الإسلام ما بده إياك تذوق لذات حسية، ما هو سامح لك تتزوج واحدة واثنتين وثلاثة وأربعة، ما هو سامح لك تأكل في أفخم المطاعم بدون إسراف، يعني أنت اللذات الحسية بالعكس مطالب أنك تتناول منها بالقدر الصحيح بالطريقة الصحيحة، بس ما بعد ذلك أيها الإنسان لازم تفهم أنه في لذات أعلى من اللذات الحسية، ولذلك أنا بقول لكم ايش أعظم لذة في الجنة؟ الحور العين، الطعام، اللحم المشوي، هذه لذائذ حسية ومطلوبة وجميلة، لكن أعلى لذاتها رؤية وجه الله، مين راح يفهم رؤية وجه الله؟ هو أعلى لذة في الجنة، فنحن ما ذقنا في الدنيا، وأن في هناك لذة جسد ولذة روح، والإسلام بده إياك ترتقي من لذة الجسد، ما تضلك متمركز عندها، لا، خذ منها ما يفيدك لكن تنتقل إلى بعد آخر من اللذة وهو لذة ماذا؟ الروح والعقل. هذا كلام لازم نشرحه ونتذكره كلما ضعفنا، لازم نفهم ما هو الإسلام وإلى أي بعد يريد أن ينقلنا في باب اللذات.
طيب نأتي مثلاً للقضية الخامسة من أسباب الوهن عند كثير من الشباب: قلة الزاد العلمي والإيماني، وهذه قضية واضحة عند أكثر الناس اليوم، أنه كثير من الناس أطباء، مهندسين، يعني بتروح على مستشفى، بتروح على شركة، بتنظر في حال الناس، هؤلاء الشباب ولا هؤلاء الطلاب ولا هؤلاء الأساتذة، متى آخر مرة حضر محاضرة دينية؟ بس بتسأل في حالك، يعني هو هذا الشخص كيف عايش؟ متى آخر مرة حضر محاضرة دينية إيمانية؟ متى مرة هيك إجا حضر مجلس علم ولا شايف حاله أعلى من أنه يحضر مجلس علم؟ ثم لما تجلس معه في مكتبه بتسمع الكلام، كلام في الدنيا، كلام في البزنس والأعمال، كلام لا يسمن ولا يغني من جوع، أو تفاهات أو كلام لا قيمة له، ربما بيفهم في تخصصه، ولكن كما قال ربنا: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم: 7].
إذا هذا الشخص أنا عارف حتى لو كان دكتور جامعي أو إنسان مسؤول أو ما شابه ذلك، هو مصاب بالوهن إلى أعلى الدرجات لقلة الزاد العلمي والإيماني، أسبوعياً لازم يكون عندك محاضرة علمية وإيمانية، أسبوعياً، ممنوع يمر أسبوع في حياتك ولم تجلس في مجلس، ولذلك الإسلام فرض موعظة أسبوعية، شو هي؟ خطبة الجمعة، جزاهم الله خير جماعتنا شطبوا هذه الموعظة تماماً، جابوا لك خطب يعني من الذي تحبه الحمد لله، فحتى هذه الموعظة الأسبوعية المطلوب منها تجديد الإيمان، لأنه الجمعة بيحضرها الجميع صح، كل الناس دكاترة، أطباء، مهندسين، فيزيائيين، الكل بيحضر عمال، فالاصل أنه أنا بعطيه تغذية إيمانية كل جمعة، ضيعوا لك إياها، لأنه هو يعرف الذي ضيع لك إياها هو يعرف قيمة هذه الموعظة وقدرتها على أنها تعطيك شيئاً من الزاد الإيماني الذي يعبئ لنهاية الأسبوع، ثم تسمع موعظة صحيحة وبشكل مناسب.
لذلك يجففون المنابع، لذلك يتم تجفيف المنابع الصحيحة، قلة الزاد العلمي، وإياك إياك يمر عليك أسبوع أو على الأقل أسبوعين دون مجلس علمي أو إيماني، يا أخي حتى على اليوتيوب، قل لي ما في عندي، يا أخي في بيتك هي ما شاء الله، هذا اليوتيوب معبأ أشياء فارغة، لكن هي في متنفس صلاح لمن يريد أن يبحث عن مادة علمية ترقيه.
أما النقطة السابعة فهي عدم الصبر على غذاء الوحي. حال كثير من الناس كحال بني إسرائيل؛ لن نصبر على طعام واحد. بنو إسرائيل مع أن الله عز وجل أنزل عليهم المن والسلوى، ماذا قالوا؟ ﴿لَن نَّصْبِرَ عَلَىٰ طَعَامٍ وَاحِدٍ﴾ [البقرة: 61]. من أكبر أسباب الوهن أن كثيرًا من الشباب لما يبدأ يتدين، تقول له: ابدأ بالقرآن، اهتم بمعاني القرآن، عالج قلبك مع القرآن، واهتم بالوحي بسنة النبي صلى الله عليه وسلم واقرأ سيرته، فيبدأ يشعر بالملل. يقول لك: يا شيخ، هل في شيء غير القرآن؟ طيب ممكن مثلاً أقرأ شيئًا غير سنة النبي عليه الصلاة والسلام؟ هي كتب ثقافية وكتب عامة.
حقيقة، من أعظم ما ثبّت الصحابة على الإيمان أنهم صبروا على طعام واحد. من أعظم ما صنع جيل الصحابة أن الصحابة لم يكن عندهم ما نسميه اليوم القراءة في الكتب الثقافية والتوسع قبل أن يحكموا أصول الإيمان. أنت تلاقي الشاب يتدين شهرًا أو شهرين فتلاقيه يقرأ في كتب فلسفة، طيب تعال قليلًا، ما الذي قرأك في كتب فلسفة؟ يقول: في نظرية المعرفة أنا حابب أقرأ فيها. طيب أنت حافظ جزء عم؟ تلاقيه كل شوي يقرأ كتب ثقافة، حابب أقرأ في السياسة حتى أعرف كيف سأعيد للإسلام مجده! فتلاقيه ما صبر على القرآن يعطيه قلبه وحياته وتفسيره وتدبره والتعايش مع معانيه كما صبر الصحابة على ذلك.
أنت تعرف لما عمر بن الخطاب كان في يده صحيفة من التوراة غضب النبي عليه الصلاة والسلام وقال: «أمتُهَوِّكون فيها يا ابن الخطاب؟». لماذا غضب النبي عليه الصلاة والسلام؟ هو ليس خائفًا على عمر بحد ذاته أكثر من القضية أنه كان يريد أن يجمعهم في التربية الإيمانية على طعام واحد، على المنبع الفريد، على القرآن. هذا الكلام البعض يعتبره كلامًا وعظيًا، يعني تحكي للناس اجمع قلبك على القرآن، فيقول لك: يا شيخ، يعني مش مقنع طرحك، شو يعني اجمع قلبي على القرآن؟ لكني حقيقة مؤمن تمام الإيمان أنه من استطاع أن يجمع قلبه على القرآن -مش أنك تحفظه بس يعني حفظ جزء- المراد تجمع قلبك على القرآن، تتعايش معه، تتدبر كل يوم تأخذ لك عشر آيات، تحاول تفهم حتى معانيها وإسقاطها على واقعك؛ الصبر على القرآن يعينك على دفع الوهن.
لكن بمجرد -وهذا رأيته في كثير من الناس، في كثير والله يا إخواني من الدعاة، أو من كان فترة معينة من الدعاة- كان ابتداء طرحه كتاب وسنة، ودروسه ما شاء الله كتاب وسنة، بمجرد ما بدأ يتلقف من ثقافة الشرق والغرب ويتوسع، شكله الخارجي تغير؛ بدأت أعرف أنه ما دام تغير شكله الخارجي فهذا عرض من أعراض الوهن. كلامه وخطابه بدأ يزدري أحوال الملتزمين والمتدينين وخطابات المشايخ والدعاة، وأن خطاباتهم رجعية لا تتلاءم مع الواقع المعاصر. طبعًا ماشي، في بعض خطابات المشايخ والدعاة أكيد خاطئة، بس أنا أتكلم أنه هو نفسه لما بدأ يشعر أنه في شيء غير القرآن ممكن نحكي فيه، في شيء غير الوحي ممكن ندندن حوله، بدأ الوهن يدخل إلى قلبه، فلغته وخطابه وأسلوبه تغير لأن الوهن غزى قلبه. بخلاف أولئك الذين تربوا على موائد القرآن وعلى المنبع الصافي، وجعلوا القرآن يشكل عقولهم وأفكارهم؛ لا، هؤلاء تجد عندهم من الرسوخ الإيماني ما ليس عند غيرهم؛ لأن القرآن يعالج كل أسباب الوهن، بس بدك واحد يفهم القرآن ويعالج كل أسباب الوهن، بس بدك واحد يفهم معالجات القرآن ويتعامل مع القرآن المعاملة الصحيحة. وهذا باب كبير، يعني كيف أتعامل مع القرآن معاملة صحيحة ليعالج الوهن؟ هذه أظنها محاضرة كاملة، تحتاج إلى محاضرة كاملة.
النقطة الثامنة، وهي انتبهوا يا شباب، من أسباب الوهن اختيارات الحياة. أنت تمر في مفرق الحياة، وفي اختيارات عديدة، صحيح؟ لازم تختار الزواج، التخصص الجامعي، بيئة العمل، وأيضًا اختيارات حياتية مصيرية كلنا نختارها. نحن حكينا التخصص الجامعي، بيئة العمل، الزواج، في كمان قرارات مصيرية مثل مكان الإقامة، المكان الذي سأقيم فيه وأعيش فيه.
خلينا نحكي هذه الأمور الأربعة، للأسف أن كثيرًا منا لما يتخذ هذه القرارات يكون آخر ملف يفكر فيه هو الدين. يعني هو ليس شاعرًا أن الدين هو الذي عم يوجهه لاختيار التخصص الجامعي، أو اختيار الجامعة التي سيدرس فيها، أو المكان الذي سيدرس فيه، أو العمل الذي سيشتغله بكرة، أو المرأة التي سيرتبط بها؛ حاطط الدين آخر شيء ويفكر أن هذا لن يؤثر على تدينه. فتجد الشاب اختار تخصصًا في كثير من النساء، فغرق في هذه الجامعة مع نساء، طيب هو بعد أربع سنوات؛ أنت طول الوقت قاعد مع بنات، صرت أشعر أن الشاب تغيرت أنماطه، وشيء طبيعي أن الواقع يفرض نفسه عليك. أنت اخترت تخصصًا هو طبيعته مليء بالنساء في جامعات بلدك، أنت تتوقع بعد أربع سنين عم تشتغل معهم واللابات معهم والجلوس معهم؟ طيب شو راح يصير بعد أربع سنين؟ أنت عرضت نفسك لإشكالات كثيرة. إذا قال: يا شيخ، أنا أريد هذا التخصص! آه، إذا لاحظ أنت اخترت التخصص وجعلت الدين رقم اثنين، مش اخترت الدين وجعلت التخصص تبعًا له.
أحيانًا بعض الناس تقول لك: يعني ما حد راح يتخصص؟ لا، على الأقل بدك تختار تخصصًا معينًا، بدك تختار الجامعة المناسبة لهذا التخصص. طيب أفضل جامعة يا شيخ جامعة فاسدة دينيًا! آه، أنا أحيانًا هنا، هنا هي محكات الإيمان يا إخواني؛ لماذا أقول لك في محكات الإيمان؟ لأنه أنا نعم سأختار جامعة قد لا تكون الأفضل، لكن أعرف أنها الأسلم لقلبي. من يفكر بهذه الطريقة اليوم؟
بعدين تخرج من الجامعة راح على بيئة عمل، في بيئة عمل كلها بنات وكلها اختلاط ومن الصبح للمساء، وفي بيئة عمل ما فيها هذا الاختلاط، بس ربما الراتب أقل. هل أحد ترك المكان الذي فيه الاختلاط والراتب الأعلى مشان بيئة ما فيها اختلاط بس راتب أقل؟ مين الذي يضع الدين رقم واحد لما يختار أين يريد أن يشتغل؟ بعدين لما يتزوج فتاة، والله يا شيخ كيف تدينها؟ أخي الكريم، والله يا شيخ، راحة دخلت القلب وشكلها ومظهرها رائع وكذا، طيب كيف تدينها؟ يقول: يمشي الحال. طيب أنت ليش اخترتها؟ واضح أنه بعد المظهر والأشكال وربما المقام الاجتماعي وربما علاقة دخل، بس الدين آخر شيء فكرت فيه. فلما دخلت معها في علاقة زوجية؛ هي ليست امرأة صالحة، لا تذكرك بالله، هي بس بدها "طش" وقعدات وسفرة. فبعد ذلك تقول لي من أين دخل الوهن؟ أنت إنسان ملتزم متدين، إذا اختياراتك الحياتية بدها تكون بناءً على تدينك، فتضع الدين رقم واحد، وبناءً على ذلك تختار التخصص، وتختار الشغل بناءً على حالة الإيمان التي تريد أن تحافظ عليها.
إخواني، الصحابة ضحوا بكثير من الأمور حتى حافظوا على دينهم، صحيح؟ الصحابة تركوا أموالهم وأهليهم في مكة هجرة إلى الله ورسوله من أجل الحفاظ على الدين. أحيانًا أنت لا تطالب الشاب بهذا السقف من التضحية، لا، طبعًا، بس ضحِّ بشغل مشان شغل آخر أحسن دينيًا، ضحِّ ببنت مشان بنت أخرى والله أحسن لك، ضحِّ في مكان إقامة، واحد مقيم في مكان كله بعيد عن الله، بدك تنتقل لمكان آخر، حتى مكان سكنك بده يكون قريب من أناس صالحين يذكرونك بالله. وهنا تشترك أسباب الوهن، فإذاً اختيارات الحياة من وجهة نظري من أكثر أسباب دخول الوهن على الشباب المعاصرين؛ أنه يدخل حاله في مكان مليء بالأخطاء زواجًا أو تخصصًا أو عملًا، بعدين يعض أصابع الندم ويقول لك: يا شيخ تورطت، يا شيخ شاعر بالضعف الإيماني. كان يحضر معانا مجالس العلم، بطل يحضر، ليه؟ والله اشتغلت بشغل؛ هو مش اشتغل بشغل، هو اشتغل بشغل فاسد فبدأ يؤثر هذا على إيمانه وسلوكياته. ارتبط بفتاة لا تعين على وهكذا. تمام، فاختيارات الحياة حقيقة مشكلة لأنها من أبرز أسباب دخول الوهن على قلبك، لا تختار اختيارًا لا يتوافق مع نمط تدينك.
أيضًا وهي النقطة ربما تتفرع للنقطة التاسعة: انشغالات الحياة المستمرة. كثير من الشباب لما يختار عملًا، يختار عملًا ممكن يكون 12 ساعة أو 10 ساعات. هسه أنا أحيانًا أكون واقعيًا، إني بعرف أن بعض الناس الحياة تفرض نفسها عليه، صح ولا لا؟ أنه ما وجد بيئة عمل ثماني ساعات، خمس ساعات، بده يترزق وعنده عائلة؛ فبتكون نمط عمله في الحياة أنه بيصحى الساعة 7:00 الصبح ويرجع الساعة 7:00 المساء، بيرجع "مستوي"، ولا عنده طاقة يعمل شيئًا، يعني حتى يجي أحد يذكره بالله، موعظة، مجلس علم، يقول لك: أنا يا شيخ أصلًا مستوي، أنا مش نايم، أنا منهك حقيقة.
يا أخي، إذا توفرت لك فرصة عمل أخرى لازم تروح لفرصة عمل أخرى، لازم تحترم وقتك وحياتك أنها لله؛ فلازم أبقي ساعات من العمر أقدمها لله عز وجل، أتفقد فيها ديني وإيماني، أدخل فيها في أشياء الحياة؛ مش بس مصاري يا إخواني. الحياة مش بس أنك تشتغل وتعمل وتتوظف وأصير ماكينة من الصباح للمساء، حياة الغرب هيك، حياة الصين هيك، هذه الحياة تقوم عندهم فقط، اشتغل، جيب مصاري، روح الساعة 8:00 بالليل، ما يهمهم بعد ذلك الجنس، تلفزيون، حياة مضيعة وقت؛ لكن أنت مسلم، عندك قيم أخرى بتفكر فيها، فخطاب عملي في الحياة تجعلني منشغلًا تمامًا. طيب إذا كنت منشغلًا تمامًا والحياة فرضت نفسها عليك في هذا الاتجاه، على الأقل ابقَ مفتقرًا متذللًا لله، سائلًا ربك عز وجل أن يخلصك من هذا العمل، وإياك أن تتعايش معه وتتكيف معه وكأنه لا شيء.
أحيانًا بعض الشباب الله يعينه، وفعلاً واقع الحياة صعب، لكن وحتى والحياة تشغلك، لا تتكيف مع هذا الانشغال، ليه؟ لأنه سيدخل الوهن إلى قلبك. لأنه أنت قبل ما تدخل في هذا الانشغال كنت ما شاء الله من الشباب تحافظ على صلاة الفجر في المسجد، بعد ما اشتغلت هذا الشغل، والله يا شيخ أنا بصلي الفجر الساعة 8:00! طيب، بعدين الشغل في شوية اختلاط، طيب بعدين؟ آه، بدأ الشاب واضح أنه بدأ ينهار إيمانيًا، بدأ ينهار، بدأ الوهن يدخل حياته، لأنه لا صلاة الفجر تُصلَّى في وقتها. طيب يا شيخ شو أعمل؟ الشغل، أنت فاهم كيف نحن بنحاول نبرر لأنفسنا؟ الشغل طويل. إذا بدي أفرض أنه فعلاً واقعك مر جدًا جدًا وما وجد حل، عليك أن تعرف أن الحالة التي أنت فيها حالة خاطئة بس مفروض عليك، فتبقى مفتقرًا متذللًا، ولا تبرر لنفسك نومك عن صلاة الفجر، على الأقل ابقَ معترفًا بالخطأ، ابقَ معترفًا أنه في مشكلة، يا رب تنحل، لأنك إذا قرعت الباب بشدة يوشك أن يفتح لك، وأن ربنا ييسر لك رزقًا من حيث لا تحتسب. المشكلة في كثير من الناس أنه يتأقلم مع انشغالات الحياة، فتصير انشغالات الحياة هي الحالة الطبيعية وصدت عن جل أبواب الخير وتكيف معها، وبالتالي شيء طبيعي أن الوهن سيدخل، فكل أنماط التدين التي كان حريصًا عليها أثناء فترة الجامعة راحت، انطحن طحنًا.
لاحظوا كثير من الشباب كانوا يحضروا معنا ما عدنا نراهم، السبب؟ الحياة طحنتهم الآن. أنا فاهم، أنا فاهم أن الحياة صعبة، بس على الأقل إذا طحنت ابقَ شاعرًا أن هذا ليس هو الوضع الطبيعي؛ لأنه اللحظة التي ستتكيف فيها وتعتبر أن الشيء طبيعي أكون هكذا هيك المجتمع؛ سيبدأ الوهن يدخل على حياتك.
طيب نأتي الآن للسبب العاشر، يتعرضوا أحيانًا من أسباب الوهن، إيش يا مشايخ؟ كلام الناس السلبي. كلام الناس السلبي للأسف، وهذا شيء خارجي قد يكون سببًا من أسباب الوهن لكثير من الشباب. بتلاقي واحد يتدين في بيئة أبوه وأمه وإخوانه مش ملتزمين، شو بيقولوا له؟ شوفوه متحمس، ورايح على مجلس علمه، ماسك كتابه، وبيصحى على صلاة الفجر، وربى لحيته، تلاقي بعض أقاربه ولا أمه وأبوه ولا إخوه: بكرة بتكبر يا با وبتعرف الحياة مش هيك، أنت مسكين شو مفكر؟ خلص يعني الشاب انضم لتيار إسلامي في الجامعة؟ بكرة بيكبر وبيعرف، بكرة رح تعلق ذقنا، بكرة رح تشوف الحياة!
هسه هذا الكلام شو بيخليك؟ تثبيط، ومن أوليتها: "أوه، هيك التدين؟ معناته أنا مش فاهم شو الحياة". تمام، بتجي فتاة بتقرر تلبس جلباب وإيشارب وكذا، بتجي أمها شو بتقول لها؟ والله يا ياما هيك بكرة لا رح تخطبي ولا حدا رح يتزوجك، ورح تشوف الحياة صعبة وبكرة ما رح تشتغلي وما رح تلاقي بيئة عمل. وللأسف كثير منا يتعرض لعبارات سلبية تضعف حماسه، تضعف تدينه، تمام. طبعًا، لسه عنات صغير، بعض الناس بيجوا يخوفوه: بكرة يا شيخ بياخذوك، بكرة يا شيخ بياخذوك، بكرة يا شيخ كذا، شو بدك في القصة هذه يا شيخ؟ ريح حالك وخليك أخي، هينا حالقين لحالنا وأمورنا طيبة، يا أخي بنصلي شوي في المسجد وخلص يعني.
ما فيش داعي أنك تدين كثير، تدينك الكثير فيه مسائلات، وفي قصة، والمشايخ طلعوا قوائم كثيرة. هذا الكلام السلبي ترى يدخل الوهن، وبيخلي الإنسان وهو متحمس ومندفع للتدين يقول: لا، إذا هيك الأمور صعبة وأنا مش فاهم الحياة؛ لأن الناس الأكبر مني حكوا لي أنه أنت بكره بتكبر وبتفهم. طيب معناته أنا لازم من الآن أفهم؟ لا، هو الصواب، شوف، الحماس أحياناً بيكون حماس عشوائي وغير منضبط، ولا بد أن المتحمس يضبط بقواعد الكتاب والسنة حتى نفهم أنه في بعض الشباب متحمس بشكل خاطئ، وملتزم باندفاع خاطئ، لا اضبط شوي نفسك.
بس برضه لا تسمع الكلام السلبي، وهنا علاجي لهذا الموضوع: لا تعطِ الناس حجماً كبيراً في حياتك، حتى لو كان اللي ببطني أبوي وأمي. نعم، حتى لو كان بثبتك أبوك وأمك، ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا ۖ وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾ [لقمان: 15]، هيك ربنا قال؛ فلا تعطِ الناس مساحة كبيرة في حياتك، الناس لن تنفعك. الناس التي لا تدلك على الخير ولا تحافظ على توازنك الإيماني، أنا بقول لك لن تنفعك، فلا تعطيهم مساحة كبيرة في حياتك وترخي أذنك كثير للناس، خاصة لما يجيك، بتعرف هدول الناس، بيجي دكتور وجامع وكذا بده يعمل دور الناصح لك: ويا ابني ولا تضلك كذا، وسيبك من المشايخ، لا تعطيهم مساحة كبيرة.
الإنسان الذي يستحق أن يسمع له إنسان من أهل الخير والصلاح، هذا الذي تعطيه أذنك وعقلك وفكرك، أما إنسان ليس من بيئة الصلاح أنت لست محتاجاً إلى أن تعطيه مساحة وتصغي إلى إملاءاته؛ لأني بقول لك راح تضعف. ممكن يكون أصحابك شافوك أنت زلمة صرت تصلي، أوه صرت شيخ يا زلمة، صرت تعلم علينا! طيب ما نحن إمبارح عارفين شو كنت تعمل أنت في ماضيك، بتصير تسمع منهم عبارات، ماذا بثبتك أنه هسه فعلاً بدي أسوق عليهم مشايخ وأنه كذا متدين، خلص بدنا أترك لهذا الباب؟ ما في داعي، هنا بيجي دورك أنك لا شوي بدك تقاوم، وأحياناً في مرحلة معينة راح تفاصل هذه البيئة السلبية؛ يعني إذا كانت بيئة أصحاب بدك تتركهم، لأنه إذا أنت بتجلس معهم وظلهم يجدوك كلام سلبي رح تتأثر.
إذا كان أبوك وأمك كل يوم عم يسمعوك كلام معين، أنت بدك تيجي الفرصة المناسبة تتزوج وتخرج من هذه البيئة. باختصار البيئة السلبية اللي شاعر أنها بتعطيك طاقة سلبية مش إيجابية بدك تحاول أنك ماذا تتركها حتى تحافظ على قوتك الإيمانية.
أحياناً نمط التدين، شوفوا هي نقطة بتهمكم كثير، بتعرفوا من أسباب الوهن نمط التدين الذي يكون فيه غلو، الغلو في التدين نتيجته النهائية وهن في الإيمان. كثير من الشباب لما يبدأ يلتزم ويدخل على بيئة الالتزام، أول مسائل يبدأ يفكر فيها ويشتبك معها مسائل ايش؟ التكفير، وفلان كافر، لا فلان مش كافر، في عدم مكفر، في فلان مبتدع، لا مش مبتدع، الشيخ الفلاني مجروح، الشيخ الفلاني مش مجروح، أول ما يبدأ يتدين ببدأ تدين على الكفر والتكفير والتبديع والتفسيق ويشتغل في هذه الملفات.
فهو طبعاً هو شو اللي خلاه يدخل على هذا الكار؟ أنه أحياناً ممكن الشيخ اللي هو اهتدى على إيديه أو الإنسان اللي التزم على إيديه هذا شغله، فهو التزم على نمط فيه غلو، التزم على نمط فيه ماذا غلو، وصور له أنه بقدر ما تحكي في موضوع تكفير الأعيان وتبديع الأشخاص بقدر ما تحقق التوحيد في حياتك، وبقدر ما تكون إنسان ناجح في حراسة دين الله سبحانه وتعالى. فبصير المسكين داخل في دوامات تكفير، تبديع، تفسيق. بس أنا بقول لك هذا استناه بعد سنة سنتين ثلاث، سيبدأ يشعر أن جذوة التدين اللي كانت تتألق ابتداءً بدأت تخفت؛ لأن الشيطان كان مسروراً أنه تدين على نمط فيه غلو، الشيطان كان مسروراً أنه لما دخل في الدين دخل من البوابة الغلط، دخل من بوابة تكفير وتبديع.
ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم ماذا قال: «هلك المتنطعون»، يعني الذين يغالون على أنفسهم، وقال صلى الله عليه وسلم: «لن يشاد الدين أحد إلا غلبه»، يعني اللي يغلو في دين الله بينقهر، يعني الدين بيغلبك، في النهاية أنت تسقط. ولذلك أنا شاهدت كثيراً من هؤلاء في حياتي ممن كان عنده غلو في التبديع أو غلو في التكفير، بعد سنتين ثلاث أربع دوبه بصلي، مع أنه أخونا كان حامي حمى التوحيد ويظن نفسه يعني تمام، وأنه حامي العقيدة من المبتدعة، هو نفسه بعد سنتين ثلاث كنا نراه في أقل درجات الإيمان، دوبه بصلي، وبعضه حتى غير لحيته وشكله وقال دخل في الدنيا وانغمس فيها.
فلان، ترى أنت كنت حامي حمى التوحيد، شو اللي انقلب في حياتك؟ أنت دخلت في الدين خطأ، دخلت من البوابة الغلط، بوابة الغلو، وليست بوابة تزكية النفس وترقيق القلب واشتغال القلب بما يصلحه، واترك نفسي للحكم على الناس، اتركه لأهل العلم، أصحاب التحقيق والنظر، هم الذين يسقطون هذه الأحكام مع فهم الجملة لها، بدون ما يكون شغلي الشاغل واهتمامي العام أن أدخل في الناس وأعراضهم وأديانهم، وأنا لست متخصصاً ولست من أهل العلم الكبار.
أحياناً ممكن يكون الغلو مش في التكفير والتبديع، ممكن يكون الغلو أنك بتفرض على نفسك نمطاً معيناً من العبادات عالياً جداً؛ يعني بعض الشباب يفرض على نفسه التبتل والعزلة التامة والانقطاع عن الدنيا، وبده يبدأ في أول تدين وفي أول يومين أو شهر شهرين بده يصلي 10 ركعات، 20 ركعة يومياً، طب أنت يعني؟ لا، لما تدخل في التدين لا تبدأ بالسقف العالي جداً، ابدأ بالسقف اللي بتناسب مع طاقتك الإيمانية.
وببدأ أنه بدي أختم يومياً، أسبوعياً ختمة، هو مبارح أبدأ أسبوعياً بده يختم ختمة، هو شاعر أن هذا الأمر شوي ثقيل عليه، ما الذي يحصل؟ شوف الشيطان وذكاؤه في لعبة الوهن، هون بخليك تأخذ مساحة معينة أنك تمارس الختمة الأسبوعية أو الختمة كل ثلاث أيام، بخليك تمارس نمطاً غالياً، بس هو بيعرف أنك مع الوقت رح تبلش ايش تضعف. فلما أنت تبلش تضعف مع الوقت وتبطل تقدر تختم أسبوعياً أو تصلي ال 100 ركعة اللي كنت تصليها، أنت رح تشعر بأنك ايش، أنه أنا مقصر، أني أنا داخل غلط، أنا واضح أني لا أصلح للتدين، فتبدأ الوهن يدخل في قلبك. أنت كنت تصلي 100 ركعة، رح تبطل تصلي ولا ركعة، طب ما كانش في حل وسط؟ لا، هو من البداية أنت ما كان المطلوب منك تحمل طاقتك الإيمانية هذا الكم الهائل، ادخل في الدين برفق، ادخل في الدين بتؤدة. وفهموا الناس لما يدخل في الدين لا تعطيه كمية عالية على قدراته؛ لأنه هذا رح يتراجع عنه ولن يستمر على هذه الحالة، وسيشعر بماذا بالوهن والضعف.
النقطة التي تليها، أحياناً من أسباب الوهن أن الشاب المتدين يبدأ يقارن نفسه بأصحاب الدنيا، أنه أنا ماشي مع أهل الخير والصلاح، حرمت نفسي من كثير من الأشغال والأعمال، أصحابي اللي درسوا معي في الجامعة صار عنده فيلا، صار معه سيارة، صار راتبه عالي، وأنا لساتني على ال 400 - 500 دينار، ولساتي عايش بيت إيجار ومعي سيارة إلا سيارة قديمة. هذه المقارنات أيضاً بتسبب الوهن، صح ولا لا؟ أنه أنا دخلت في طريق التدين، وضعي المادي ما ارتفع، بينما صاحبي اللي ريح حاله ودخل في الدنيا بحبحة، هذا وضعه المادي ارتقى، أو حتى طبعاً ممكن صاحبه مش داخل في الحرام بس أنا مثلاً ممكن أكون دخلت مع شباب صالحين في أعمال إيمانية تطوعية كذا كذا، فما قصرت شوي في الدنيا، ما كانش همي كثير أجمع، صاحبي لا، ما كان عنده نمط تدين عالي وخلص وشغل في الدنيا ومصاري وتجارة وصار وضعه أحسن.
بتصير مع الوقت تشعر بماذا بالتحسر على دخولك في طريق التدين، أنا شو اللي دخلني في هذا؟ طيب كان أنا اشتغلت زي فلان، كان هسا معي سيارة وكان معي فيلا وكان تحسن وضعي وصار وضعي ممتاز. هنا هذه من معضلات النفس، كيف تحافظ على إيمانياتك ودينك ولا تقارن نفسك بأهل الدنيا؟ ونرجع للآية: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [طه: 131]، هي زهرة الدنيا وبتروح، لكن أنت كسبت، بس بدك تضلك تنظر إلى قيمة ما اكتسبته، اكتسبت نفسي، اكتسبت إيماني، اكتسبت تديني، اكتسبت أشياء كثيرة، لو أنني دخلت مثل فلان لربما انهرت.
هذه إذا مقارنة مع أهل الدنيا، وأحياناً ترى ممكن تكون مقارنة أخرى، ممكن تكون تقارن نفسك مع أصحاب الخير والصلاح اللي سبقوك في هذا الطريق، بدخل شباب عنا على مجالس العلم، بشوف إخواناً له سابقين وفي منظومات وكتب ومصنفات، فبصير يشوف، أف والله هدول أخي والله قارئين كثير ومتعلمين كثير، أنا مش قد هذا الطريق، فبصير يحاول أنه يصير زيهم، بصير يحاول يتعلم مثلهم فيرى أنه الطريق أطول، وأنه ربما إمكانياته محدودة، فبصير عنده وهن، بدي أترك مجالس الصالحين والخير، ها لها ناسها وأنا خليني أرجع للناس اللي قد حجمي، وهذا خطأ.
اعلم أن المطلوب منك أن تكون في اليوم الثاني أفضل من اليوم السابق، وليس المطلوب منك أن تصبح أفضل من الآخرين، يعني إذا أصبحت أفضل من الآخرين حصل ما حصل، مش مهم لك، ما أعتقد أن المهم بالنسبة لك ما هو أنك إذا أنت في اليوم الثاني حفظت آيتين ما كانت في اليوم السابق، ممتاز، مش ضروري دائماً لما في درب الصلاح أني أشوف اللي ختم القرآن في فترة محدودة، وأشوف هذا الحافظ الألفيات، أو هذا اللي ما شاء الله منجز، أو هذا اللي صار من أهل الخير وعنده جمهور عريض وطويل، أنت مش مطالب بهذا؛ لأنه إذا بدك تضلك في طريق التدين تقارن نفسك بمن أصبح شيخاً أو عالماً أو داعية أو راوٍ، ممكن تصاب بالوهن ويكون هذا مدخل الشيطان لقلبك. حافظ على إيمانك أنت، وربي نفسك أن المطلوب مني أن أكون في اليوم الثاني أفضل من اليوم السابق، مش المطلوب مني في اليوم الثاني أكون أفضل من فلان، مطلوب أكون أفضل من نفسي فيما سبق. مهم هذا البعد؛ لأنه أحياناً قد يكون الوهن بشعورك أنك كنت تظن أنك ستكون محور الإسلام، اكتشفت أنك أنت لا، ستكون مسلماً طبيعياً، وأنه ما عنديش إمكانيات دعاة ومصلحين، فبتبقى تشعر أنه شو قيمة هذا الطريق، خلص خليني أترك، فيدخل الشيطان عليك من باب هذه المقارنة الخاطئة، المهم نفسك، حافظ على تقدمك اليومي ولو كان تقدماً بطيئاً.
النقطة التي تليها وهي نقطة مهمة حقيقة، العيش على المسكنات في حالة التدين. شو معنى العيش على المسكنات في حالة التدين؟ كثير من الناس إخواني نمط تدينه هو يتدين فيتعلق بشخص، بشيخ، بطائفة، بجماعة، فهو يظن نفسه متدين، في اللحظة التي يفقد فيها هذا الشيخ أو هذه الجماعة أو هذه الطائفة، ينهار ويكتشف أنه أنا باقي مش متدين تدين عميق، باقي عايش على مسكنات، بس أنه هذا الشيخ موجود في حياتي، راح الشيخ سقطت.
وهذه هي التربية التي وجهها القرآن للصحابة، أن بعض الصحابة كان عايش على ماذا على وجود محمد صلى الله عليه وسلم في حياته، فلما خرجت إشاعة في المعركة قتل محمد صلى الله عليه وسلم، مباشرة انهار، ليش انهار؟ هو كان مؤمناً جيداً بس كان عايش على مسكن، ولذلك لما مات النبي صلى الله عليه وسلم حقاً ماذا حصل في جزيرة العرب؟ ارتدت جزيرة العرب، متخيل؟ ارتدت جزيرة العرب إلا ثلاث مناطق كانوا مربين صح، مكة والمدينة وقرية في البحرين، كل جزيرة العرب ارتدت، ليه؟ لأن كثير ممن يدخل طريق التدين هو يدخل على مسكنات وليس على التربية الإيمانية الصحيحة، أنا داخل لأن الشيخ الفلاني موجود، أنا داخل لأنه في جماعة موجودة، طب افرض هذه الجماعة خلص كتب الله عز وجل أنها تحل، تنهار، تستشهد، يذهب وجودها، خلص لا داعي للإيمان بعدها؟ هيك هي القضية؟ ذاك الشيخ اللي أنت عشت معه فترة وتربيت مات الله يسهل عليه لسبب من الأسباب، ترى أحياناً ممكن يكون الشيخ انتكس، وهذه أخطرها، أن يكون واحد عايش مع شيخ ومربي حياته أنه أنا مع هذا الشيخ وفي المسجد، هذه أكبر المشاكل، الشيخ نفسه انتكس، الشيخ نفسه غير أفكاره، شو بصير في كثير من الأتباع؟ بغيروا أفكارهم؛ لأنه هو لم يتربى على أنه: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ ۚ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ﴾ [آل عمران: 144]، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، هو تربى على أنه في مسكن معين هو هذا المكان أو هذا المجلس أو هذا الشيخ، ولم يعود نفسه على أنه لا، في لحظات معينة سافقد هؤلاء وسأعود إلى ذاتي، فبدي أكون مجهز نفسي.
إذاً من أكبر أسباب الوهن العيش على المسكنات، ومتى ستكتشف وتتعرى لك ذاتك؟ عندما تفقد هذا المسكن ويزول هذا الشيخ أو الطائفة، ستنكشف لك ذاتك، كم فيها باق من الوهن والضعف اللي الآن اكتشفته. تمام؟ بعض الشباب يعني ممكن يكتشف ذاته وين؟ أحياناً في السجون، وكان عايش بره ومع كذا لأنه مع حالة إيمانية عامة كان وضعه ممتاز وإيمانه عالياً، بس هو فعلياً كان إيمانه مرتبط بوجود ناس معه، لما انسجن فقد كل السيطرة على إيمانه، ليه؟ لأن هو إيمانه ما كان متجذر في داخله، هو إيمانه كان أنه في معي شباب صالحين، بنروح على الجامعة، عمل إسلامي، كذا وكذا، بس لما انسجن شاف حاله وحده في غرفة فيها أربع حيطان، هي ايش عبارة.
أنت فقدت المسكن؛ أنت كنت عايش بناء على شيء فقدته. لما الآن جلست مع ذاتك اكتشفت أنه في مشكلة كبيرة في إيماني، أنه أنا ليش مش قادر أخلو بربي؟ ليش مش قادر أسيطر على إيماني في حالة الخلوات؟ شو السبب؟ أنه إيمانك لم يكن عميقاً، كان فيه وهم كبير، بس أنت مش حاس بالوهن. هي مشكلة الوهن، ليش قلت لكم هو داء خطير؟ أنه أحياناً يتعرى بشكل مفاجئ أمامك عند لحظات قدرية؛ لحظة سجن، لحظة فقد، لحظة كذا، بتكتشف أنه أنا باقي الوهم غازيني تماماً بس ما كنت ملاحظ لوجود المسكنات.
ضايل نقطتين أختم بهم قضية التوسع في المباحات. حقيقة من الأمور التي تزيد الوهن التوسع في المباحات؛ تكون أنت عايش نمط تدين أنه أنا بدي أتدين بس بدي كل شيء متوفر في حياتي وبشكل عالي. يعني بدي يومياً أفخم أنواع الأطعمة، يومياً بدي أفخم أنواع الأشربة، كل فترة بدي أغير سيارة. أنا والله مع الشباب بحضر مجالس علم، أموري ممتازة، بس أنا شو بدي؟ بدي أعيش على التوسع في المباحات. هذا الشخص بمجرد ما تيجي عليه انقلابات مالية معينة في الحياة، ويشعر أنه مش قادر يلبي سقف التوسع في المباحات واللذائذ، رح يبدأ الإيمان يضعف؛ لأنه هو عاش تدين بس مع رخاء في الحياة، ما متصور أن هذا الرخاء قد يزول، وقد يكون التدين مع لحظات شدة؛ يعني هو ربى حاله على الرخاء ليس على الشدة. فبدك تفهم «اخشوشنوا فإن النعم لا تدوم». عود نفسك أنه لا مش لازم كل يوم طعام جديد، مش لازم السيارة ماشي أمورها، مش لازم أشتري أحدث أنواع السيارات، مش لازم كل صرعة التليفون أروح أشتري التليفون النمرة الجديدة. لا، عود نفسك على التأقلم والتكيف، وإن كنت تجد وإن كنت تملك مالاً، لكن التربية على التوسع في المباحات تورث الوهن.
أخيراً أيها الكرام، المسألة الأخيرة التي تسبب الوهن: ضعف مساحة الخلوات مع الله في حياة كثير منا. ودائماً بقول الجوال أذهب جمال الخلوات، الجوال هذا الذي بين أيديكم أذهب جمال الخلوات. قديماً كان الإنسان إذا فقد الناس حوله، راح يناموا، يقعد لحاله، صح ولا لا؟ في القرن الثالث والرابع، يعني إذا الناس كلها راحت تنام شو بتروح تعمل أنت؟ تقعد وحدك، فبتصير تفكر ربما في أشياء وخلوات مع الله. لكن اليوم لو كل الناس راحت، في عندك هذا السرطان الذي هو الجوال؛ فبتلاقي خلص الناس راحت، يلا بطلع الجوال.
فحقيقة من أكبر مساحات الوهن اليوم عند طلاب العلم والناس المتدينين، قلة مساحات التأله في حياتهم مع الله. يعني ما بعطي حاله فترة سكون، فترة هدوء، بدي أسمع القرآن وأركز، ما بديش أي جوال ولا صورة، هي فترة هيك فترة أنه أهدى، أقعد لحالي، أفكر في نفسي، أجلس مع القرآن، أقعد في غرفة هيك وحدي، أذكر الله وأسبح؛ هي صارت شبه نادرة في حياة كثير من الشباب. هسا هو ممتاز، وبيروح على المسجد، وبيحضر مجالس العلم، بس ما بيعرف يقعد وحده. وإذا لم تعرف الجلوس وحدك سيبدأ الوهن يدخل عليك وأنت لا تشعر؛ لأن الإنسان إذا أراد أن يقي نفسه من الوهن، لا بد وأن يكون لديه مساحة من التأله الخاصة مع الله. لازم يكون في حياتك مساحة تأله مع الله، خلوة. إذا أنت ما بتعرفها، وإذا جلست مباشرة جلدك بحكك، لازم تطلع الجوال. بعض الناس ما بيعرف ترى، وتصبح حالي عرفتم في هذه القضية، إخواني يجب أن ننتبه لها، قضية مساحات التأله الفارغة في حياتنا، إذا لم نعتد عليها سنرى أن الوهن غزى حياتنا. وأحذروا من الجوال فإنه مفسد لمساحات التأله.
هذه 15 سبباً خلينا نقول من أسباب الوهن، أنا بذكرها سريعاً، كن واثقاً أنه قد تكون في حياتك مش سبب واحد منها، ممكن يكون أنت عندك أربع أو خمس أسباب، وكلما كثرت أسباب الوهن في حياتك كلما كان المرض أصعب، ومعالجته تحتاج إلى وقت. فجيد تجلس اليوم مع نفسك في البيت، شوف أسباب الوهن، أنا من وين عم بيجيني الشيطان؟ من أي واحد من الـ 15؟ طبعاً ممكن أنت تجيب لي كمان 16 و17، أنا لا أدعي الحصر، لكن أدعي أنه هذه أبرز الأسباب التي تورث الإنسان فسخ العزائم. تذكر أن الوهن ما هو؟ أنا الوهن مش عم بقول لك أنه أنت مش ملتزم، لا، أنت ما شاء الله عليك ملتزم، بس أنت تعاني من فتور إيماني، تعاني من انفساخ العزائم، تعاني من عدم شعورك بقيمة ما تعمله، تعاني من فقدك للدافعية للاستمرار. انفساخ العزائم يحوم حول هذه النقاط الـ 15، حاول أنك تقيم نفسك وتعالجها ضمن هذه النقاط؛ لعل الله عز وجل يسلمني وإياك من داء الوهن. اللهم يا رب سددنا وأرشدنا ونبهنا وأيقظنا، نعوذ بك من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، صلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل