دخولتسجيل الدخول

َفَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ | المجلس الثالث | بـرنـامج أُمـسـيـة

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، والصلاة والسلام على النبي المصطفى صلاة تترى، وعلى آله وصحبه ومن لنهجه اقتفى. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علماً نافعاً يا أرحم الراحمين.

حياكم الله أيها الأكارم في برنامج أمسية، وفي المحاضرة الثالثة من محاضرات هذا البرنامج الطيب المبارك، الذي نستهدف من خلاله قضايا الإيمان التي لا بد وأن نتحدث فيها في كل زمان وفي كل فرصة، وأن نعالجها مع بعضنا البعض؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعلم أصحابه الإيمان تعليماً. والإيمان ليس شيئاً يكون بالتجارب العامة، وأن كل إنسان يخوض تجربته الشخصية وحده، بل الإيمان يعلم ويدرس، ويتم المناقشة فيه والوصول إلى أبرز الأفكار التي يمكن من خلالها أن أعالج هذا الموضوع المهم في حياتي.

المجلس الأول كان بعنوان «على بصيرة»، وتكلمنا عن معالجة من المعالجات المهمة لقضايا الإيمان فيه، وكيف يكون الإنسان متبصراً بزيادة الإيمان ونقصانه. أيضاً المجلس الثاني تكلمنا فيه عن الوهن الإيماني، وكيف يحمي الإنسان إيمانه قدر المستطاع من الوهن والضعف مع مغريات الحياة وطبائعها. اليوم بإذن الله اخترنا أن يكون عنوان الأمسية: ﴿فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحْمَتِهِ﴾ [الكهف: 16]، لنتحدث عن أهمية الخلوات باعتبارها ممارسة مهمة من ممارسات صيانة الإيمان وتثبيت عرشه في قلبك.

حقيقة أيها الأكارم، كثيراً ما تمر فينا لحظات في هذه الحياة الدنيا نشعر فيها أن الطغيان المادي بلغ في قلوبنا مبلغاً عظيماً. ولعلنا تمر علينا أيام وأسابيع وشهور نشعر فيها أن ينابيع التعبد ومشاعر الإيمان في قلوبنا تجف، وأن الإيمان في قلوبنا بدأ يخلق ويبلى كما يبلى الثوب؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن الإيمان في قلب أحدكم ليبلى كما يبلى الثوب، يصبح بالياً ويحتاج إلى تجديد.

وحتى نكون أيضاً أكثر تحليلاً قليلاً للمشهد، كثير منا يشعر كملتزمين أو كمتدينين أو كطلبة علم -ربما هذه الشريحة الأكثر سماعاً لمثل هذه المجالس- نشعر أننا أحياناً نتظاهر أننا ما زلنا متمسكين بالإيمان ونتظاهر أننا ما زلنا متمسكين بالتدين، خصوصاً أمام الناس حتى لا نوصم بالضعف. لكننا في بواطننا وفي داخل قراراتنا ندرك أننا نعاني من هشاشة إيمانية، ولعلنا نمر في لحظة كئيبة من لحظات المشاعر الإيمانية؛ وأي بلاء سيأتي علي في هذه اللحظات أعتقد أنني غير جاهز لاستقباله ولمعالجته ولا لاستحماله.

هذا كثير ما يمر به الملتزمون أو المتدينون ويحاولون البحث عن حله، وهي قضية التظاهر بالتماسك الإيماني في الخارج؛ وأنني قد أكون والله أتظاهر أنني طالب علم أو أنني ما زلت في جنابات كثير، لكنني في واقعي الداخلي أنا أعرف من باطني أنني أعاني من هشاشة، أنني أعاني من ضعف، وأنه أي بلاء كفيل الآن بأن يهدم الإيمان في قلبي وأنني لن أستطيع أن أواجهه. فما عاد القلب الآن هو ذاك القلب الذي بدأت به المشوار إلى الله سبحانه، وما عادت النفس الآن هي تلك النفس التي كانت تمر عليها نفحات الإيمان فتشعر والله بالرقة والبكاء ودمعة العين.

بدأت أشعر بقسوة القلب، بدأت أشعر حتى أن العبادات التي أؤديها في الحياة عبادات ذابلة؛ كأنني أصبحت أصلي لأنني يجب أن أصلي، أمارس قراءة القرآن حتى كورد يومي لأنني يجب أن أفعل ذلك. أصبحت كأنها عادات أو شيء من التقاليد، ما عدت أشعر أن هذه العبادات لها روح وأنني متمسك بها حباً واشتياقاً وشوقاً، وإنما هي العادة وما نشأنا عليه وثقافة العيب، أو على الأقل لأنني مدرك أنني إذا تركت الصلاة أو هذه الأمور سأكون على خطر. لكن حقيقةً، هل أنا أشعر بالإيمان وبحلاوة الإيمان وبلذة الإيمان؟ أتوقع أن كثير منا يئن إيمانه أنيناً.

وربما طبيعة الحياة المعاصرة وما أفرزته التكنولوجيا الحديثة من وسائل التواصل الاجتماعي ساعدت على السقوط السريع والوصول إلى هذه النفس المنهوكة بشكل متسارع، وجعلتنا نفقد كثيراً من لحظات الصفاء في الحياة. وسائل التواصل الاجتماعي وما أفرزته التكنولوجيا الحديثة من الحاسب ومن حتى طبيعة الحياة المعاصرة عموماً، لو أردت أن أتكلم عنها؛ الحياة المعاصرة التي يعيشها الإنسان حياة مليئة بالسخب، مليئة بالتعب، مليئة بالإرهاق. عندك عمل، عندك جامعة، امتحانات، البحث عن الرزق، وظيفة صباحية مسائية، هموم الحياة ومشاكلها، الجلسات العائلية، الوظائف العائلية التي أصبحت متكاثرة مع السوشال ميديا.

والهاتف الجوال الذي ربما عند كثير من الشباب لعله أصبح أحد أعضاء جسده، هذا الهاتف الجوال عند كثير منا أصبح عضواً من أعضاء الجسد؛ بل ربما تتذكره أكثر من أعضاء جسدك الأخرى، فدائماً أنت تتحسس مكانه تتفقده. ما عدت تشعر بأن هناك خلوات، حتى إذا جلست وحدك، فإذا وقفت على إشارة مرور تشعر مباشرة أنه في لحظة صمت ما ينفع؛ لا بد أخرج الجوال وأتصفح أي شيء. قضية لحظات الصمت، لحظات الهدوء بالنسبة لك أصبحت مزعجة مقلقة؛ لأنه نمط حياتنا هو نمط حياة استهلاكي، نمط حياة يقوم على أن يبقى الإنسان من الصباح حتى آخر دقيقة قبل النوم وهو على الجوال، أو يبحث عن عمل، أو في جلسة عائلية، أو يبحث عن رزق. المهم كأنك ممنوع تماماً أن تجلس وتصمت وتركز وتفكر في ذاتك وقيمك وأهدافك في الحياة، وهل أنا أسير بشكل صحيح، وماذا حققت وما شابه ذلك.

هذه الحياة أيها الكرام، هذا النمط من الحياة الذي يعيشه المسلم المعاصر؛ عمل، جلسات عائلية زائدة عن قدر الحالة، الجوال، إرهاق قاتل في الحياة، الجامعة والدراسة المستمرة؛ هذا النمط من الحياة لا يمثل نموذجاً صحيحاً للإيمان. عليك أن تفهم هذا جيداً، أنماط حياتنا المعاصرة لا تمثل نموذجاً صحيحاً للإيمان ولا تساعد على بقاء حالتك الإيمانية بشكل صحي. فأنت فعلياً تنهار من الداخل، لكنك لا تنهار مرة واحدة، أنت تنهار رويداً رويداً؛ حتى ولو كنت متديناً، حتى ولو كنت طالب علم، حتى لو كنت إنساناً من أهل الفجر. أنت فعلياً إذا لم تقم بوضع ممارسات معينة ومعالجات سريعة إذا كنت غارقاً في هذه الحياة المعاصرة، أنا لا أتوقع أن حالتك الإيمانية ستبقى قوية وفي أفضل أحوالها، بل ستهوي سريعاً.

هذا التوصيف هو الذي يدفعني ويدفع ربما أي شخص ليفكر ما الحل؛ ما هو الحل حتى لا نجعل نمط الحياة المعاصر يؤثر على حالتنا الإيمانية ويوصلنا إلى النفس المنهكة إلى الإيمان البالي؟ كيف أبقي شعلة الإيمان متوقدة في قلبي ولا أستهلك؟ أظن هذا سؤال مهم لكل إنسان يبحث عن تدين صحيح وعن حالة إيمانية صحيحة، بل حتى لكل إنسان يريد أن يتخلص من كثير من الأمراض النفسية، من الاكتئاب، من الضيق؛ لأنه أساس هذه الأمراض والهموم والغموم والشعور بالضيق والحزن إنما هو ماذا؟ عدم صحة الإيمان، ولو كان الإيمان صحيحاً لاستطعنا أن نتجاوز على الأقل كثيراً من المشاعر السلبية التي نمر بها في لحظات الحياة. حتى إن البعض قد يكون متديناً لكن لما تتكلم معاه وتسال معه تشعر أنه يائس من الحياة، منهك منها، يتمنى اللحظة التي يريد أن يخرج منها من الدنيا ويفتك من كل إشكالاتها. وهنا تعرف أننا نحن جميعاً نعاني، ربما البعض يعاني ولا يعرف سبب المشكلة، ربما البعض لا يعرف ما هو الحل؛ وبالتالي نحن نأتي هنا لندردش في هذه القضايا ونتحدث عنها.

أقول أيها الكرام، من أهم الأساليب والمعالجات المهمة التي حثنا عليها القرآن، أو دلنا عليها القرآن، ودل هدي النبي صلى الله عليه وسلم عليها، وكذلك العبادات الشرعية؛ من أهم الوسائل التي تعين على المحافظة على الحالة الإيمانية بشكل جيد وعالٍ ومرتفع، هو أن تحافظ على منهج الخلوات في الحياة. لا بد وأن يكون لك خلوات في الحياة؛ هذه الخلوات ستساعدك على ماذا؟ على المحافظة لدرجة كبيرة على مستوى إيماني عالٍ.

ما هو الدليل؟ أنا سأبدأ خطوة خطوة، ما هو الدليل على أن منهج الخلوات هي أحد أبرز المعالجات لقضايا الإيمان وتجعل إيماني ثابتاً لمستوى عالٍ ومتقدم؟ حقيقة من عنوان المحاضرة اليوم نبدأ ننطلق: قصة أصحاب الكهف أيها الإخوة. أصحاب الكهف هم مجموعة من الشباب مثلكم؛ ﴿فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ [الكهف: 13]، كما قال ربنا سبحانه وتعالى. هؤلاء الفتية كانوا يعيشون بين ظهراني قوم انتشرت فيهم الأفكار الفاسدة، وحتى أن بعض من كتب في تاريخهم كانوا يقولون إن ذاك المجتمع كان عنده تضخم مادي عالٍ، سبحان الله. كانوا يعيشون إذاً بين ظهراني قوم فاسدين مفسدين، يرفضون الإقرار بالتوحيد لله في حياة مغلوطة عموماً، وهذا ما يهمني.

وهؤلاء الشباب رأوا أنهم وصلوا لمرحلة لا يستطيعون مواجهة هذه الحياة؛ وصلوا إلى قناعة أن طغيان هذه الحياة المادية والأفكار الوثنية المحيطة بهم بدؤوا يشعرون أنها يمكن أن تؤثر على إيمانهم بشكل كبير إذا بقوا مخالطين ممازجين لهؤلاء القوم الفاسدين. فكان القرار الذي اتخذه هؤلاء الشباب ما هو؟ تكلم بعضهم مع بعض، فقال بعضهم لبعض: ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُم مِّنْ أَمْرِكُم مِّرْفَقًا﴾ [الكهف: 16].

﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ﴾، من الذي يتكلم هنا؟ قال المفسرون هم يتكلمون مع بعضهم البعض؛ يعني لاحظ أن هؤلاء الشباب، هؤلاء الثلة، كانوا يفكرون في معالجة لقضيتهم الإيمانية: كيف نحافظ على الإيمان في نفوسنا؟ وكيف لا نجعل طغيان هذه الحالة من الفساد في مجتمعنا تؤثر على إيماننا؟ طبعاً سنأتي بعد قليل لنعالج ما هو الأصل في الإنسان أن يخالط الناس أم العزلة، في بعض القضايا سأؤخر معالجتها بعد الاستدلال، لكن أريد أن آتي بالأدلة على منهج الخلوات وأثره في المحافظة على الإيمان ابتداءً.

فكما قلت، هؤلاء الشباب تحاوروا فيما بينهم: كيف نحافظ على إيماننا؟ وكيف نرتب أوراقنا ولا نمنع هذا المجتمع أن يسلب منا هذا الدين؟ فوصلوا إلى قناعة؛ شوف دائماً القرآن الكريم عندما يتكلم عن قصة معينة ويثبت نقاشاً حصل فيها، اعلم أن هذا النقاش مهم؛ لذلك أثبته الله سبحانه، يعني هذا النقاش يحمل أفكاراً كثيرة، الله سبحانه وتعالى يريد منك يا قارئ القرآن أن تنتبه لهذا النقاش. القرآن حذف كثيراً من النقاشات التي حصلت بين أصحاب الكهف: طب وين نروح؟ طب وين نمشي؟ طب نطلع على ذاك الكهف؟ في كثير نقاشات ما بتهمك، لكن في نقاش حصل بينهم مهم ولذلك أثبته القرآن بنصه وحرفيته لتعرف قيمته، هذا النقاش حصل في قيمة الخلوات: ﴿فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ﴾.

هم يتكلمون مع بعضهم البعض: إذا أردنا أن نعتزل هذه البيئة الفاسدة ولا تؤثر علينا، لا بد وأن يكون لنا خلوة، لا بد وأن يكون لنا خلوة في مكان بعيد عن هؤلاء؛ قالوا ﴿فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ﴾. الكهف لما تسمع كلمة الكهف، الكهف إخواني في أذهاننا ربما هو رمز للضيق، صحيح؟ رمز للظلمة، مكان مغلق الجوانب، لكن شوف التعبير القرآني الراقي: ﴿فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحْمَتِهِ﴾. يعني هذا الكهف، وإن كان ضيقاً، وإن كان فيه وحشة، وإن كان بعيداً عن الناس، والإنسان مدني بطبعه فهو يحب أن يعاشر بني جنسه، يحب أن يكون هناك أناس يذهب ويأتي معهم، بالتأكيد العزلة ليست هي القرار المحبب للإنسان؛ ولذلك من أقسى العقوبات اليوم السجن الانفرادي. ليش السجن الانفرادي عقوبة قاسية؟ لأن الإنسان بطبعه يألف بني جنسه ويحب أن يكون مع الناس يذهب ويأتي ويشتري ويتكلم، وإذا عزلته وحده يشعر بضيق، هذا شيء طبيعي.

فكلمة الكهف وكلمة العزلة عن الناس بالتأكيد ليست من المفردات المرغوبة، لكنها قرار يعالج كثيراً من قضايا الإيمان. فبالنسبة لأصحاب الكهف لهؤلاء الفتية، وصلوا إلى ضرورة هذا القرار؛ لا بد وأن نأوي إلى الكهف، وهم متأكدون واثقون أن هذا الكهف وإن كان ضيقاً، لكن ﴿يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحْمَتِهِ﴾؛ سيبارك الله في هذه الخلوة وتكون سبب في انتشار الرحمة خارج هذا الكهف. وخلونا نقول خارج أسوار هذا الكهف الضيق، كان هذا الكهف ما فيه من الضيق نوع من الطباق، سيكون في المقابل فيه من الرحمات والبركات التي تخترق جدرانه إلى عالم أوسع: ﴿يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُم مِّنْ أَمْرِكُم مِّرْفَقًا﴾.

وسيكون أو ستكون هذه الخلوة سبب في حصول الرفق في مسيرة حياتنا المستقبلية؛ ما معنى ﴿وَيُهَيِّئْ لَكُم مِّنْ أَمْرِكُم مِّرْفَقًا﴾؟ أنك ستجد رفقاً وتيسيراً لأمور حياتك المستقبلية نتيجة أنك اخترت الخلوة مع الله سبحانه وتعالى والالتجاء إليه. ولعل طبيعة المجريات التي حصلت بعد ذلك مع أصحاب الكهف تدل على رحمة الله التي وقعت: ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَت تَّزَاوَرُ عَن كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَت تَّقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ﴾ [الكهف: 17]. هذه الشمس التي هي عنوان الدنيا لم تستطع الولوج إليهم في داخل خلوتهم مع الله سبحانه وتعالى؛ حمى الله عز وجل أبدانهم أن تصل إليهم شمس الدنيا لتكون الخلوة في تمامها.

قال: ﴿وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ﴾ [الكهف: 18]، وقال سبحانه وتعالى لمن يدخل عليهم: ﴿لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا﴾ [الكهف: 18]. حالة الرعب لمن يشاهدهم، لاحظ كيف فعلاً لما اتخذ هؤلاء الشباب قرار الخلوة مع الله سبحانه وتعالى في كهف من كهوف الحياة، بدأت الرحمات تتنزل عليهم وبدأت العناية الإلهية ترعاهم. هذا هو المفهوم الذي أريد أن أركز عليه في القصة: لما أووا إلى الكهف نشر لهم الله سبحانه وتعالى الرحمات؛ الرحمات أيها الكرام تنزل في الخلوات. الرحمات تنزل في الخلوات، هذا مفهوم عظيم ناخذه من قصة أصحاب الكهف ومما سيأتي معنا بعد قليل من الأدلة، نعم هناك رحمات تنزل.

في الجلوات، لكن الخلوات لها مزية في نزول الرحمات والفتح الإلهي وتيسير الأمور في حياة الإنسان ما لا يحصل في الحالة الطبيعية. ﴿فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحْمَتِهِ﴾ [الكهف: 16]. هناك رحمات، لماذا خلد الله هذه العبارة؟ أنا دائماً أفكر بهذه الطريقة في القرآن: لماذا خلد الله قولهم ﴿فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحْمَتِهِ﴾؟ لأنه يريد أن يؤكد أن هذا المعنى صحيح، هذا الحوار الذي دار بينهم حوار صحيح؛ أن سعي الإنسان للخلوات حماية لدينه يكون سبباً في نزول الرحمات والبركات الإلهية عليه.

خلوة الإنسان حماية لدينه، وتكون سبباً في نزول رحمات من الله سبحانه وتعالى لا تحصل هذه الرحمات عندما تكون غارقاً في ضجيج الحياة وصخب الحياة والخلطة مع الناس بالشكل المستمر الدائم. أيضاً أريد أن أتجاوز قصة أصحاب الكهف لأخذ نموذجاً آخر من النماذج المؤكدة لضرورة الخلوات، الرسالة المحمدية على صاحبها أفضل الصلاة وأتم التسليم، متى نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم؟ بعد ماذا؟ بعد خلوته في غار حراء، كما جاء في حديث عائشة: حُبِّب إليه الخلاء. لاحظ، حُبِّب إليه الخلاء. لما أراد الله أن ينزل أعظم الرحمات على الأرض، حُبِّب إلى ذلك الشخص العظيم، النبي الأعظم صلوات ربي وسلامه عليه، حُبِّب إليه نمطاً معيناً ليكون قلبه صالحاً لنزول الرحمات، فحبب الله إلى النبي صلى الله عليه وسلم الخلوات.

هذه الخلوات كانت مهمة للنبي صلى الله عليه وسلم، بعيداً عن الناس، بعيداً عن الضجيج؛ لإعادة ترتيب الأوراق الداخلية، لإدمان النظر والتفكر والتأمل، يصبح القلب عندئذ في أتم استعداده لنزول جبريل عليه السلام ليقول له: اقرأ، فيقول: ما أنا بقارئ. إذاً النبي صلى الله عليه وسلم أعظم رحمة نزلت عليه هي الرسالة الخاتمة، ولم تنزل هذه الرسالة الخاتمة -وهي رحمة عظيمة- إلا بعد خلوة، إلا بعد ماذا؟ خلوة وهدوء واتزان وإعادة ترتيب للأوراق. نزلت عليه فأصبح مؤهلاً. لاحظ أن الله سبحانه وتعالى لم ينزل رسالته على النبي صلى الله عليه وسلم وهو في ضجيج الحياة، أنزل عليه الرسالة وهو أين؟ هل نزل جبريل فقال اقرأ والنبي صلى الله عليه وسلم في منتصف مكة في الطريق ماشي؟ لا. هل هو كان في بيت خديجة مع زوجاته وبناته فجأة نزل جبريل قال له اقرأ؟ أين نزل جبريل؟ في الغار، في غار حراء، وهو كهف من كهوف الحياة؛ كان صلى الله عليه وسلم معتزلاً للناس، جالساً مع نفسه، مراقباً، مركزاً، مفكراً في هذا الكون، في لحظات الصفاء والنقاء جاءته الرحمة الإلهية. فلذلك كان يتحنث الليالي ذوات العدد كما قالت عائشة رضوان الله تعالى عليها؛ كان يجلس ستة أشهر، كل شهر يخرج يجلس مجموعة من الأيام ثم ينزل لخديجة، ثم ينزل مرة أخرى، وهكذا في حركة مستمرة إلى أن أصبحت النفس قابلة ومستعدة لنزول رحمة الله سبحانه وتعالى.

إذاً، كما يقول بعضهم: الخلوات هي منهج العظماء. الخلوات هي منهج العظماء، كثير من المؤلفات والدرر والأفكار والمشاريع إنما أخرجها العلماء والدعاة والمفكرون بعد ماذا؟ خلوات. الإنسان الذي يبقى في زخم الحياة وضجيجها ولا يعطي نفسه فترة لالتقاط الأنفاس والتركيز والتفكير، هذا لا ينجز إخواني لا على المستوى الإيماني ولا حتى على مستوى المشاريع والأفكار. ولذلك من الجيد لو أنك جمعت الخلوات التي كتب العلماء فيها مؤلفات؛ ستجد باباً عظيماً وشيئاً نفيساً في هذا. من العلماء من كان خاصته السجون، هذه السجون فيها من الإنجازات العلمية والفكرية التي سطرها العلماء في المؤلفات وفي الكتب وفي النظر وفي الرؤى بحيث يخرج الإنسان بعد السجن أفضل بكثير مما كان قبل السجن. وهناك نماذج معاصرة وقديمة ممن تكلمت عن خلوة السجون بالنسبة لهم ماذا فعلت وماذا أنتجت وكيف طورت من أفكار الإنسان. كثير من الشباب أفكاره وتوجهاته واختياراته واتزاناته في الحياة لم تحصل إلا بعد فترة السجن، كثير من الشباب اعتداله وفهمه للدين ونظرته لكثير من القضايا لم تحصل إلا بعد فترة السجن، واسمعوا لكثير من السجناء المعاصرين كيف تكلموا عن هذه الخلوة؛ ليه؟ مع أنه هو قد يكون قبل السجن محباً لدينه ومقبلاً على ربه وكذا، لكن ما كان يعطي نفسه فترة للهدوء والجلوس، كان دائماً في صخب الحياة وضجيجها، فلم تهدأ له نفسه ولم تتعدل إليه أفكاره ولم تبدأ حساباته إلا في الخلوة الاضطرارية. المشكلة أن السجن هو خلوة اضطرارية، يعني أنت مش باختيارك، لا، كمشوك الجماعة وحطوك وساعتها بدك تمارس الخلوة غصباً عنك مش باختيارك. لكن المهم ما أردت أن أقوله أن مما نستدل به على أن الخلوات منهج إلهي في تربية عباده قصة أصحاب الكهف وقصة النبي صلى الله عليه وسلم في تحنثه في غار حراء، هناك رحمات عظيمة نزلت في هذه الخلوات لم تنزل في أي طريق آخر.

الآن لو أردنا أن ننظر حتى في العبادات الشرعية، هل هناك عبادات حثتنا الشريعة عليها وهي تقوم على فكرة الخلوات؟ مثل ماذا؟ ذكر الله، لا، أنا أقول عبادة هي بطبيعتها تقوم على فكرة الخلوة أساساً؛ يعني أنت ممكن تذكر الله جميل في الخلوة، ممكن تذكر الله وأنت ماشي بين الناس، لكن في هناك عبادة فكرتها تقوم على الخلوة أصلاً، مثلاً قيام الليل. أحسنت، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾ [المزمل: 6]. الله عز وجل ينبه أن الصلاة في الليل أعلى من الصلاة في النهار، لماذا الصلاة في جوف الليل أعلى أثراً وقدرة على التغيير في إيمانك من أنك تصلي بعد الظهر؟ هي هو التنزل الإلهي، لكن هي طبيعة الليل أنه يزدل عليك ظلامه وتشعر فيه بهدوء الناس والابتعاد عن ضجيج الحياة، في زوامير السيارات حواليك، الناس كلها في نومها وسباتها، وأنت تصف قدميك بين يدي مولاك سبحانه وتعالى؛ فكأن الأفكار وضجيج الحياة يركد وتبدأ تتعامل مع عالم آخر. إذاً قيام الليل، حتى لاحظوا التعبير القرآني: ﴿إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا﴾ [المزمل: 7]، أنت تحتاج إلى خلوة الليل لتستعين بها على المشاغل والمشاكل التي ستواجهها في النهار.

في عبادة أخرى تقوم على فكرة الخلوة؟ الصدقة، أكيد دائماً بشكل عام إن الشريعة تحث على عبادات السر أكثر من عبادات الجهر إلا إذا كان هناك مصلحة في الجهر، من باب أن عبادة السر تكون في خلوة فأثرها أكبر. الصلوات عموماً، أليست الصلاة فكرة من أفكار الخلوة؟ يعني هي الصلاة حتى وأنت بتصلي في المسجد مع الناس أنت في داخل الصلاة الأصل أنك في خلوة؛ لأنه الخلوة إخواني على نوعين: هناك خلوة بدنية وهناك خلوة فكرية. الخلوات على نوعين، هناك خلوة بالبدن: شو يعني الخلوة بالبدن؟ أنه تمسك بدنك وتروح مكان بعيد بجسدك عن الناس. الآن في هناك ما يسمى بالخلوة الذهنية، أنه أنا ممكن أكون مع الناس ونحن في نفس المسجد وكلنا صافين، لكن المطلوب منك في الصلاة أنك تخلو بفكرك وبذهنك عن عالم الدنيا؛ صح، أن لا تفكر وأنت بتصلي بالطعام والشراب والزوجة والأبناء، وإيش بدك تسوي بعد الصلاة وشو مشاريع حياتك، لا؛ الصلاة إنك كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا قام أحدكم يصلي فإنما يناجي ربه». إذاً هو نوع من أنواع الخلوة، لكنها خلوة ذهنية أنت بتمارسها يومياً خمس مرات كحد أدنى. الصلاة هي شكل من أشكال الخلوات، لكنها خلوات في الذهن أنت تمارسها خمس مرات، لكن للأسف أكثرنا لا يمارسها بالخلوة المطلوبة؛ يعني هي المطلوب أن تكون خلوة، لكن حتى نكون واقعيين مع أنفسنا، أكثرنا إذا دخل في الصلاة أصلاً ما بتيجي عليه الدنيا إلا وهو بصلي، بصير يفكر شو بده يأكل اليوم، وشو بده يطبخ، وشو الحجة بدها، وكذا، ومشاريع حياته، طب أنا كذا، وفلان شو سوى فيه، والله لأرجينه، وفلان كذا؛ كل مشاريع حياته بتيجي لأنه هو الشيطان عرف أن ثمرة الصلاة إنما هي خلوة، الصلاة إنما هي خلوة.

الصلاة بالنسبة للركوع والسجود والهيئات البدنية هي مطلوبة لكن ليست هي روح الصلاة، روح الصلاة أن تنتج الخلوة فيها، فإذا أنت ما أنتجت الخلوة أصبحت الصلاة فاقدة لقيمتها حقيقة، فاقدة لقيمتها. الله سبحانه وتعالى يريد أن يجبرك على منهج الخلوة يومياً، يريد أن يجبرك على منهج الخلوة يومياً، فشرع لك الصلاة. فأنت إذا لم تخلو بفكرك في أثناء الصلاة عن مشاغل الدنيا، فأنت لم تحقق المقصود من هذه العبادة. لذلك لما قال الله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: 1-2]، لماذا الخشوع؟ إن الخشوع هو التركيز، هو الانتباه، هو الذل لهذا الإله ومخاطبته وحده لا شريك له، إذا أنت لم تفعل ذلك أنت لم تحقق روح الصلاة الحقيقية.

أيضاً من العبادات التي تقوم على فكرة الخلوات: الاعتكاف. أحسنت، الاعتكاف في المسجد. ما هو الاعتكاف الصحيح؟ انسوا الاعتكافات اللي بتمارسها الشباب اليوم في المساجد، الله يجزاهم الخير، كلها بكارش قهوة طالعة وشاي نازل، وصدور داخلة وطالعة. أنا بحكي عن الاعتكافات الصحيحة، ما هو الاعتكاف الصحيح؟ كيف كان اعتكاف النبي صلى الله عليه وسلم؟ كان يصنع له قبة في المسجد، يعني زي خيمة صغيرة، إذا دخلت العشر الأواخر من رمضان يدخل فيها، يبقى من النهار إلى الليل طول اليوم 24 ساعة داخل هي القبة، إلا في أوقات الصلوات يخرج مع أصحابه يصلي الصلوات المفروضة ثم يعود إلى عزلته تماماً، ولذلك هي تقوم على اعتزال النساء وعدم مباشرتهن وعدم الاختلاط إلا على قدر الحاجة، الابتعاد عن الناس، وكما قالوا: الاشتغال بالقرب، وليس بالقرب الاشتغال بما ينفع الإنسان. هكذا فكرة الاعتكاف، تخلو بنفسك بينك وبين الله سبحانه وتعالى. فلذلك الاعتكافات التي لا تقوم على فكرة الخلوة وإنما تقوم على فكرة لِمة الشباب الطيبة والجلسات؛ جزاك الله خير، لكن فعلياً أنت لم تؤدِّ روح الاعتكاف.

إذاً نجد كثيراً من العبادات بل أصل العبادات، وهي الصلاة، هي أصلاً شكل من أشكال الخلوات التي تعيد فيها برمجة نفسك والتقاط أنفاسك في الحياة وإعادة التفكير والنظر، هكذا شرعت الصلاة، هكذا شرع الاعتكاف، هكذا شرعت قيام الليل من أجل أن تحقق لك هذه الخلوات.

لكن هنا لما أنا أتكلم عن الخلوات باعتبارها منهج، إحنا عندنا عبادات ممتازة وظيفتها أن تحقق لي الخلوات، لكن أريد ما هو أوسع من ذلك، وهو أنني أريد أن كل شخص منا لا بد وأن يكون له ولو أسبوعياً ولو شهرياً جلسة بعيدة عن الناس، بعيدة عن الأهل، بعيدة عن الجوال؛ جلسة فعلاً أنت تجلس بها في مسجد، في بيت، في غرفة بعيدة عن كل شيء. يعني مش حينفع تخادع نفسك، قلت إخواني الكرام، تحرك الكاميرا، هناك أي عبادات قائمة على فكرة الخلوات، نحن نتفق على ذلك، لكن هناك ممارسة في الخلوات يجب أن تكون أعلى من ذلك، وهي أن نمارس الخلوة التي مارسها النبي صلى الله عليه وسلم في غار حراء. لا بد لك أيها المسلم وأيتها المسلمة الباحث عن الصحة الإيمانية أن تأوي إلى كهف من كهوف الحياة؛ لذلك سمينا المحاضرة "إلى الكهف". لا بد أن يكون لديك هذا النوع من التربية الإيمانية الداخلية، أنني كل فترة ما بينفع أظل في صخب الحياة وضجيجها والسوشيال ميديا والتلفون والهاتف ومع الناس، الحياة مرهقة بهذا النمط، الحياة متعبة وستأخذك بعيداً، لا بد ولو أسبوعياً ولو شهرياً -ولو يعني كل شهرين، بس ما تطول كثير- لا بد وأن تأوي إلى كهف من كهوف الحياة، بعيداً عن الجوال رقم واحد، لأنه أحياناً كما قلت نحن نخادع أنفسنا، تقول الأخ: والله أنا رحت عملت خلوة، وطول الوقت ماسك الجوال. بعض الإخوة يذهب إلى اعتكافات وطول الوقت ماسك الجوال في الاعتكاف، في الاعتكاف أنت تغالط نفسك. الخلوة الحقيقية هي أن تجلس أنت ومع الله فقط، وليس هناك أي شيء آخر، لا أخ ولا أنيس ولا أهل ولا زوجة ولا هاتف ولا شيء. هذه هي الخلوة التي نبحث عنها، وهذه الخلوة هي سبب في نزول الرحمات عليك ونزول البركات عليك وتثبيت الإيمان بشرط إذا تم الاستفادة منها بالشكل الصحيح، وسنأتي بعد قليل إلى فكرة ضوابط الخلوة الصحيحة وكيف يوظفها الإنسان لزيادة الإيمان.

إذاً أكيد الخمس صلوات هي منهج خلوات، أكيد الاعتكاف خلوات، لكن نحن نريد أن نتكلم فيما هو أوسع من ذلك، أسبوعياً، شهرياً خذ نفسك بعيداً عن الناس، أعد ترتيب أوراقك، أعد ترتيب علاقتك مع الله سبحانه وتعالى، أعد النظر في أفكارك وتقييمك للأمور من حولك، أعد النظر في علاقاتك الاجتماعية. يعني أنت ستقول لي أنا لما أذهب إلى خلوة بعيداً عن الناس، طيب إيش هي الأشياء التي أريد أن أفكر فيها؟ لأنه كثير من الشباب يقول لك كلام جميل رائع، أنا فعلاً بدي آخذ حالي لخلوة، لما يجلس في الخلوة هو مش عارف إيش بده يعمل الآن، ما هي الأمور التي أحتاج أن أفكر فيها؟

أول شيء عليك أنك تفكر في مستوى علاقتك مع الله؛ قيم صلاتك، قيم قراءتك للقرآن، قيم ذكرك، قيم نمطك التعبدي. اثنين، قيم أيضاً أفكارك، أفكارك العقدية إذا كنت صاحب دعوة، ممارساتك الدعوية، اختياراتك، انتماءاتك، الناس اللي أنت تنتمي إليهم. أيضاً بدك تقيم علاقاتك، في علاقات اجتماعية محيطة بك، من أقارب، من أصدقاء، أمور كثيرة أنت لن تستطيع أن تعيد تقييمها إلا مع الخلوة، إلا مع هذا الانفراد؛ ستنظر هل فلان يصلح ولا لا يصلح، هل دراستي كذا وكذا بهذا الاتجاه كذا وكذا، هل نمط عملي مع بيئة معينة في مركز مع جماعة مع طائفة هل هي عم تزيدني أو تبعدني؟ المشكلة، أعود فأقول وأنت.

في ضجيج الحياة الرؤية ضبابية، متى ستتضح الرؤية؟ تتضح الرؤية عندما تخرج خارج المشهد وتنظر إليه من بعيد، هنا ستتضح لك كثير من الرؤى. وأنت تلهث نهاراً وليلاً أنت مش قادر تشوفها؛ لأنه أنت مش معطي نفسك فرصة لإعادة التفكير، لإعادة التقييم، للنظر في الكثير من الأمور من حولك.

أيضاً من الأمور المهمة في الخلوات أنك تنظر في معاصيك وذنوبك، ايش أخطاء الحياة المتكررة لدي التي تحتاج مني أن أعيد النظر؟ بغض النظر هل هو نظر حرام، أو أكل حرام، أو ممارسات وعادات محرمة. لازم في الخلوات تعيد تقييم حتى الذنوب والمعاصي التي أنت واقع فيها ومبتلى بها: هل هذا التصرف يرضي الله ولا لا يرضي الله سبحانه وتعالى؟

لكن حتى أكون منصفاً معكم بالنسبة لموضوع الخلوات، نريد أن نفكر معاً لماذا نحن بشكل عام نستوحش من الخلوات؟ أنت لا تظن أن بعد سماعك لهذه المحاضرة أو بعد هذا المجلس سأقوم بعمل هذه الممارسة؛ ستذهب إلى مكان معين وتبدأ تمارس الخلوة. ترى كثير من الناس لا يستطيع أن يجلس ساعة واحدة، بعد ذلك سيشعر بضيق شديد جداً. أنا أقول لك: أنت على إشارة المرور مش قادر تصبر خمس دقائق حتى تفتح إشارة المرور، مباشرة يدك بتذهب للجوال، صحيح؟ أنت على إشارة مرور مش قادر تخلو بنفسك وتعطي نفسك فترة للتفكير أو لذكر الله سبحانه وتعالى؛ فإياك أن تظن أن قضية أن تخلو بنفسك أنه هذا شيء سهل. لا، أكثر الناس، بل حتى متدينين، بل حتى طلاب علم، هو لا يستطيع أن يخلو بنفسه. بعض الشباب حطه في سجن انفرادي يوم واحد بيفصل، بيفصل بمعنى بيفصل. طيب ليه؟ طيب عادي يوم واحد، شيء سهل، يعني شو بدك أحسن من هيك سجن انفرادي وخل مع الله سبحانه وتعالى؟ لأنه هو مش لا تظن أن قرار الخلوة قرار سهل.

أول قضية تجعل الإنسان يستوحش من الخلوات أن الخلوة هي خلاف طبيعة الإنسان. أن الإنسان بطبعه مدني، يعني هو يألف الناس يومياً، معتاد يصحى الصباح يجد والده ووالدته، يذهب إلى الجامعة، يذهب إلى المسجد، يذهب إلى بيئة عمل، يحتك بالناس، أو متعود يومياً أنه شوف كيف العالم الغربي دخل لك العالم على بيتك. أنت يومياً معتاد أنك تتصفح الجوال وهذا نوع من أنواع الخلطة؛ حتى لو كنت جالس ببيت فش في غيرك، مجرد ما أنك بتتصفح الجوال على السوشيال ميديا على الفيسبوك وأنت عم بتعيش مع الناس وتنظر وتراقب. لذلك راقب نفسك، إذا أنت إنسان تعيش على السوشيال ميديا يومياً، افصل السوشيال ميديا عن حياتك يومين، أتحداك ستشعر بضيق شديد لا يمكن. الشباب المعتادين يومياً على السوشيال ميديا، افصل لها يوم أو يومين وراقب لي شعورك الداخلي.

كثير من الإخوة بيجي بيقول لي: أنا حتى تعافيت من السوشيال ميديا، جلست شهرين، شهرين يعني مضنيات متعبات، وكنت أشعر بالضيق والحرج وتغيرت أخلاقي وسلوكياتي على زوجتي وأهلي، حتى بعد شهرين خلص عدلت السلوك الاجتماعي وصرت متوازن عادي، مش مشكلة يعني نسيت موضوع وسائل التواصل. فأنت لا تفكر أنك في حالة صحية سوية وما دام الجوال عنصر من عناصر حياتك، أنت مريض بس أنت مش شاعر بالمرض. متى رح تكتشف المرض؟ لما لا سمح الله تسجن سجن انفرادي ولا تجبر على ترك الجوال، رح تبدأ تشعر بضرر هذا الإدمان، وأنه كيف أنا كنت مستهلك في الحياة وأنا ما كنت أخلو بنفسي خلوات حقيقية، وكلما كنت أشعر بالوحدة ولو خمس دقائق مباشرة كنت عم بتضايق منها ولازم أعمل تصرف حتى يبعدني عنها. إذاً أول شيء يجعل الخلوات صعبة أنها خلاف المألوف، خلاف المعتاد. أنا معتاد العِشرة مع الناس سواء عِشرة جسدية أو بالنظر على عالم التواصل الاجتماعي. أنت بتقول لي خلوة، يعني ابتعاد تماماً وهذا معناتها ترك لبعض العادات والمألوفات.

مشان تعرفوا قيمة الاعتكاف، لماذا يسمى الاعتكاف في العشر الأواخر؟ الاعتكاف هو يدربك على قطع المألوف، يدربك أنه لا لازم على الأقل في السنة عندك 10 أيام تنأى بها بنفسك عن كل الناس، وحتى الصلوات الخمس أنا أعتقد أنها جزء من التدريب على ماذا؟ على قضية أنك تعرف متى تفصل دماغك عن الدنيا وتشبك دماغك في الآخرة. قدرتك على أن تخلو بذهنك عن أمور الدنيا وأن يصفو قلبك لله في خمس صلوات يومياً، هو نوع من التدريب على الخلوات.

أيضاً من الأمور التي تجعل الخلوات فيها نوع من الصعوبة ما هي يا مشايخ؟ لماذا أنت تعتقد أن كثير من الناس لا يحب الخلوة بالنفس؟ هذا اللي حكينا أول أنه أنت تحب الأنيس فتركك للأنيس خلاف المعتاد، لكن هناك سبب آخر بخلينا نكون صادقين ما بنحب نخلو بأنفسنا. أحسنت، لأن الخلوة ستعريك. بمجرد ما تجلس مع نفسك وتفكر فيها ستتعرف، ستعرف أنه لا، أنا في شيء في أخطاء كثيرة في الحياة أنا ما بدي أعترف أنها أخطاء؛ فمباشرة تأتي محاولة الهروب من الخلوات. لأنك إذا خلوت بدأت تفكر: هل هي التصرفات صحيحة؟ ستجد أنه عندك لا بأس به تصرفات هي معاصي وذنوب، تصرفات تقوم على حظ النفس، تصرفات فيها هوى، تصرفات فيها معاصي. لو بدأت تفكر كيف علاقتي مع الله؟ ستتعرى نفسك، أنه كيف وضع صلاتي؟ ستعترف أن الصلاة رديئة ما فيها خشوع. طيب كيف وضعي مع القرآن؟ هل أنا أحافظ على الورد اليومي؟ طيب كيف أنا عم بقرأ القرآن؟ هل أقرأ بتدبر؟ هل أنا محافظ على أذكار الصباح والمساء؟

هذه أحد أبرز الإشكالات اللي بيواجهها الناس في الخلوات؛ أنك في الخلوات ستجلس مع نفسك وتواجهها، والإنسان لا يحب أن يعترف بنقيصته فلذلك يفر من الخلوة. وهنا تأتي قوتك، لا على الثبات؛ أنه يا نفس بدك تجلسي غصباً عنك وبدك تعترفي بخطيئتك وبدك تجبرها على أن تهان حتى ترتقي في المستقبل. فلذلك قلت: الخلوات هي منهج العظماء، لأنه الإنسان العظيم الذي يبحث فعلاً فعلاً عن تصويب إيمانه وعن إعادة تقييمه كل فترة، سيجلس مع نفسه في خلوة وسيدوس على هذه النفس، سيجبرها على الاعتراف، سيجبرها على أنها تكشف كل أوراقها السيئة. أنت لن تحب ذلك إلا إذا كنت قوياً صلباً فعلاً تبحث عن الرقي بإيمانك وترسيخه.

أيضاً من الأمور التي تجعل الخلوات صعبة غير قضية الوحشة وعدم الألفة لها وقضية أن الخلوات تعري النفس، قضية أن كثير من الشباب هو لا يعرف كيف يستغل ساعات الخلوة. يعني ماشي بعد ساعة خلص زهقت يا شيخ، بدي أطلع. تمام، شوف الشباب في الاعتكاف، يعني ساعة بقول لك قراءة القرآن، طيب وبعدين؟ طيب ذكرت، لا هو لا يعرف كيف يقضي ساعات الخلوة. يعني النبي عليه الصلاة والسلام لما كان يجلس في غار حراء أيام بعيد عن الناس ومعوش جوال ولا سوشيال ميديا، أكيد كان هناك برنامج يومي لهذه الحياة. تمام، شوفوا بعض الناس اللي ربنا ابتلاهم بالسجون الانفرادية لما بيتكلموا كيف كان برنامجهم اليومي وهو في السجن الانفرادي. بعض الناس في سجن انفرادي حضرت له حلقة هو في سجن انفرادي لمدة 15 سنة والمقدم يسأله: أنت كيف بتقضي وقتك؟ بقول له: أنا أصلاً مش ملاقي وقت للقيام بالبرامج. أنت متخيلين؟ هذا شخص في سجن انفرادي 15 سنة، المقدم عم يسأل: أنت كيف بتقضي الوقت؟ يعني ما زهقت؟ قال له: بالعكس والله أنا مش ملاقي وقت. فالمقدمة يعني صُدم، أنت مش ملاقي وقت؟ طيب أنت قاعد طول الوقت لحالك 15 سنة؟ آه، هذا إنسان عرف كيف يستغل ساعات الخلوة وعرف كيف يوظفها لبناء علاقة إيمانية مع الله سبحانه وتعالى.

أنا بدي أعترف أن هذا ليس شيئاً سهلاً، أنا مش عم بقول أن استغلال ساعات الخلوة هو شيء سهل، ولا تستطيع تعبي، لا، لا، هو يحتاج إلى ممارسة وتدريب، وإلى -كما سيأتي معنا بعد قليل- إلى ضوابط؛ متى أقرر أن أدخل في خلوة طويلة المدى ومتى لا أدخل فيها. هذا مبحث سنأتي إليه إن شاء الله، لكن أنا فقط الهدف أن أبين لك أن كثير منا لا يحب الخلوات لأنه لا يعرف كيف يملأها. بالتالي هو بيقول لك: أنا في الحياة العامة أنا مالي وقتي، قاعدة مع الشباب هون بروحوا هنا، بشوف لنا مباراة مع الشباب هناك بنقعد لنا طشة، بنيجي عند الشيخ نحضر لنا درس شوي بنطلع على مطعم، يعني الوقت مليان، الزوجة، الأبناء، جلسات، إذا بزك بحكي مع فلان تعال عندي، عارف أملي وقتي. طيب أنا في خلوة كيف بدي أملي وقتي؟ ماذا سأفعل؟ خاصة إذا كانت أيضاً الأمور قليلة، يعني بدون جوال معقول يا شيخ أنا أستطيع أن أجلس؟

ولذلك أنا بدي كل شخص يمارس هذا، يعني حاول تجلس يوم كامل بعيد عن الناس ولاحظ نفسك، يعني هذا الكلام اللي بقوله الآن إخواني نظري، صحيح، المطلوب منا أن نحوله إلى شيء عملي. حاول أن تأخذ يوم واحد لنفسك بعيداً عن الناس وشوف راقب سلوكياتك ونفسيتك ومشاعرك وأحاسيسك، أظنك ستكتشف كثير من المشاكل عندك. ستكتشف أنه أنا طالب العلم اللي مفكر حالي رائع وجاي من الصلوات والناس تحسبني على خير و و لا، أنا مجرد يوم واحد جلست بعيداً عن كل الناس أنا تعبت، ضاقت بي الأرض بما رحبت. أليس كذلك؟ الثلاثة الذين خُلِّفوا لماذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت؟ لأنهم وضعوا في خلوة إجبارية. صحيح هي نوع من أنواع الخلوة، منعوا من أن يسلم عليهم أو أن يتحدث معهم؛ فأصبح الشخص لا قادر يتكلم مع أحد، حتى زوجته طلبت منها أن تغادر البيت، فصار كعب بن مالك جالس وحده، استوحش، استوحش كعب بن مالك. وهذا معنى ضاقت عليهم الأرض بما رحبت. فلا تظن أن الخلوات يعني شيء من السهولة بمكان، بل هو منهج إلهي لا بد وأن تتدرب عليه، هو مفيد جداً للصحة الإيمانية لكنه ليس هو الحالة الطبيعية للإنسان. لأن الإنسان بطبيعته وهكذا خلقه الله، الإنسان يعيش مع الناس مع مجتمع، فهي حالة ليست هي الحالة الطبيعية، لكنك تحتاجها ولا بد لتقويم حالتك الإيمانية كل فترة.

طيب الآن سأنتقل إلى قضية -بعد أن طرحت سؤال لماذا تستصعب الخلوات على كثير منا- سأنتقل إلى سؤال ثمار الخلوات؛ هكذا سميته. ما هي ثمار الخلوات؟ أنا إذا خلوت واعتدت هذا المنهج بشكل أسبوعي أو شهري أو كل شهرين تعودت أن يكون لي خلوات، ما هي الثمار التي سأجنيها من ذلك؟ تفضل.

أحسنت، هناك نوع من العبوديات تتجلى في ساعات الخلوات. الصبر، أني أتعلم كيف أصبر على كثير من، أصبر على عدم وجود الأنيس، أصبر على عدم وجود الجوال، أصبر على استغلال الأوقات بالأشياء النافعة، أصبر على استغلال الأوقات بالأشياء النافعة. الآن كثير منا مثلاً بده يجي يحكي أذكار الصباح والمساء فجأة بيجي التليفون بقاطعه، خلص راحت، فجأة بيجي واحد بيتكلم معه أو واحد وقف معه في المسجد بتجدها راحت، تجد أنه أصبحنا -وهذه من الهشاشة الإيمانية التي نعاني منها- أصبحنا لا نصبر على أداء عبادة كاملة تامة. حتى إذا بدك تقرأ وِردك القرآني نعاني من ماذا؟ سرعة القراءة، أنه بس بدي أقرأ وأخلص، تمام، بدي أثبت حفظي، بدي كذا، بس طب في عندي صبر على التدبر، صبر على الأذكار، صبر على الصلاة؟ أصبحنا نعاني من هشاشة إيمانية أنه كل العبادات بدنا نخلص ونمشي. فإنت لا تشعر بروح العبادة. لا، الخلوة تعلمك الصبر، وغصباً عنك ستصبر حتى تستطيع أن تنجح في هذه الخلوة؛ لا بد وأن تصبر وأنت تصلي وتصلي بهدوء، لا بد وأن تصبر وأنت تذكر أذكارك، لا بد وأن تصبر وأنت تقرأ القرآن، وهكذا.

طيب سريعاً سأسرد بعض النقاط المهمة في ثمار الخلوات. أول نقطة: أن الخلوات مهمة جداً لالتقاط الأنفاس في الحياة أيها الكرام. يعني أنا بصور الإنسان المعاصر إنسان من الصباح للمساء بركض، بركض، بركض، بركض، بركض، بيحط رأسه بينام، بيصحى الصبح يلا على الشغل على الجامعة، بركض، بركض، بركض، بده يجيب مصاري، بده يعمل كذا، علاقات اجتماعية، بده يوصل أمه، بده يجيب أخته، بده يعمل كذا، فلان طالبني. بيرجع المساء، طبعاً السوشيال ميديا هو جزء من الركض، السوشيال ميديا أنت أصلاً عامله جزء من حياتك، فإنت في لهث مستمر، وهذا الركض المستمر في النهاية ستتعب منه وعم بيضر إيمانك وعم بيضر أعضاءك الإيمانية. فالخلوة هي فرصة لالتقاط الأنفاس.

طيب، وخليني أقول هي التقاط أنفاس وفي نفس الوقت ممارسة للعبادات، كما قال أخونا، بعيداً عن إيقاع الحياة السريع؛ أنه أنا رح أصير أمارس العبادات بهدوء. وما أجمل وما أحلى أن تمارس العبادات بهدوء، ستجد أنه أنت باقي بعيد حاول تقرأ القرآن بهدوء، حاول تصلي بهدوء، حاول تذكر أذكارك بهدوء، ستشعر أن أثرها الإيماني على الصحة الإيمانية أعلى بكثير من الطريقة السابقة الرديئة التي كنت عم بتعامل فيها مع الصلاة ومع الذكر ومع القرآن، أنا كنت مستعجل. لا، الآن أصبحت متأني.

طيب أيضاً الثمرة الثانية من ثمار الخلوات، أنها فرصة لتعيد النظر في أفكارك وسلوكياتك ومسيرك في الحياة. مهمة جداً إخواني، خاصة شباب طلاب العلم أو أي إنسان صاحب مشروع دعوي أو صاحب فكرة؛ لا بد أن يكون لك خلوة بعيد عن الناس وبعيد عن أتباعك أو أنصارك أو جمهورك أو الناس اللي بتحبهم وبيحبوك. لا بد تخرج بعيداً لتقيم أفكارك، أنه كثير من الناس ومن الدعاة ومن العاملين يكون ابتُلي بأفكار خاطئة ونظرات غير جيدة غير صحيحة، فـ... بعيد عن

كما قلنا، نسيت الفكرة التي كنت أحكي فيها، وهي فكرة إعادة تقييم الأفكار من جديد. لا بد لكل إنسان فينا يا إخواني ربما قرأ كتباً، وربما اخترت توجهات؛ هذا مع أحزاب، وهذا مع جماعات، وهذا مع شيوخ، وهذا مع تيارات. هل أنا في الاتجاه الصحيح؟ أمشي بإيماني، هل انتمائي، علاقتي، أفكاري، توجهاتي العقدية، الفكرية، الدعوية، الحزبية، الجماعاتية؛ هل أنا ماشي بالاتجاه الصحيح ولا لا؟ إذا بدك تضل تفكر وأنت في نصف الزحام ما رح تفكر بشكل صحيح. بتعرفوا أحياناً بماذا أشبهها؟ الآن لما تكون أنت وضعت شراب وخلطت حطه على الخلاط، حطيت عدة مكونات وخلطتها، يظل الشراب معكراً؛ يعني كله ممتزج ببعضه البعض. خليه بعد ساعة ساعتين شو بصير؟ ببلش يصفو ويركد. وأنت داخل في ضجيج الحياة، أنت هذا الشراب اللي زي الكوكتيل مخلط، أنت مش قادر ترى الأشياء كما هي؛ لأنه أنا من الصباح للمساء مع شبابي، ومع جماعتي، ومع أفكاري، ومع الناس، فأنا مش عم بلقط وقت حتى بس أعيد التفكير.

كثير حتى الشباب اللي بيطلب العلم، بعض الشباب هو بس بيقرأ وبيشارك ببرامج وبيحضر، ومن برنامج لبرنامج ومن مجلس، وبعدين هو بس عم بركض؛ هو زي الخلاط بخلط. طيب وبعدين؟ أنت تحتاج لفترة حتى يركد فيها هذا الإعصار وهذه العاصفة. لما يركد يبدأ الصفاء يظهر، فتبدأ تنظر: ما هي نتيجة ركضي خلال الأسبوع؟ هذه لحظة الصفاء ستظهر لك على ماذا ركبت، أو خلال الشهر ما هو إنتاجه، ما هو تحصيله. لذلك كثير من الناس من ممارساتهم الخاطئة حتى في تحصيل العلم أنه بس بيأخذ، هو لا يعطي نفسه فترة للتفكير فيما أخذ وإعادة تحليل الأمور وربطها وشبكها لإنتاج أفكار. ولذلك قد تجد إنساناً قارئاً لآلاف الكتب لكنه لم ينتج فكرة واحدة؛ لماذا؟ لأنه بس عم شغال في الضجيج، عم بخلط زي الخلاط. العلم ليس فقط أن تخلط، العلم أيضاً أن تجلس وتصفو أمامك الأمور لتبدأ تفكر في الأفكار التي ستنتسب إليها وستعلمها.

ولذلك أنا حتى هؤلاء مشايخ السوشيال ميديا ودعاة السوشيال ميديا، ليش بنصحهم؟ يا أيها الإنسان المنشغل بالسوشيال ميديا وصدرت نفسك، حاول تبعد لك شهرين عن السوشيال ميديا؛ مش حينفع كل يوم مقطع، وكل يوم تحليل، وكل يوم تعليق، وكل يوم عندك نظرة ورد، والرد والرد المقابل. لأنك أنت زي الخلاط شغال بتخلط. ريح حالك شوي، صدقني ممكن تخمر أمامك أمور وتبدأ تنظر للأمور كما هي. لا تكن زي الخلاط مقطع بعد مقطع؛ أنت عم بتتعب نفسك وبتتعب الناس اللي عم تتبعك. بخلاف الذي يعطي نفسه فترة من الهدوء، يبتعد وينأى عن كل شيء ويعيد تقييم أفكاره وتوجهاته واختياراته؛ مهم جداً.

لذلك أنا برجع للفكرة التي ذكرتها قبل شوي، كثير من المشايخ والدعاة اقرؤوا تجاربهم بعد السجون؛ ستجد أنه فكره بعد السجن أصبح أكثر توازناً عن فكره قبل السجن. ليه؟ لأنه قبل ما يدخل في هذه التجارب، في هذه الخلوات، هو كان بس بخلط مع الناس. وبقول لك: أنا اجت هذه الفترة بالنسبة لي، صح أجبرت عليها، بس كانت مناسبة في وقتها، لأني أنا ما كنت شايف الأمور، أنا كنت فقط جالس في الخلاط ومع هالناس. لكن لما أصبحت في صفاء الذهن والكأس ركد والأمور، أجبرت على أن أنظر إليها؛ لا، اكتشفت أن هناك كثيراً من الأمور ليست كما كنت أتصورها، وأن هناك كثيراً من الأخطاء والتوجهات. ولذلك دائماً الداعية أو المتصدر الذي ليس لديه خلوات، بس هي نصيحة لكم، لا تثق به كثيراً أو لا تثق بأفكاره كثيراً؛ لأنها قابلة للتغير، لأنه هو مش عم يريح، هو بس شغال طحن، مش عم يرتاح حتى يقيم أفكاره. فأنت لا تظن أن العطاء بهذه الصورة الضخمة هو ممدحة؛ لا، هو لمرحلة معينة قد يكون مذمة من جهة ماذا؟ أنه لازم تقيم، لازم تجلس مع نفسك، خصوصاً إذا حملت الراية في بعض الزوايا.

أيضاً حقيقة الخلوات، من ثمارها إعادة بناء النفس علمياً ونفسياً. وأنت شغال في الأعمال الدعوية والحقول الدعوية، أو شغال في العطاء في الحياة، قد تحرم نفسك من كثير من البناء العلمي والنفسي. صحيح، كثير من الشباب، خاصة الشباب الدعويين الذين يشتغلون في سواء العمل الإسلامي في الجامعات وفي الحياة العامة والخاصة، يجد أنه أنا مش عم بأخذ فرصة حتى أطلب العلم أو أقرأ أو أستفيد أو أنتفع، أو أجلس حتى لأعيد بناء نفسي وأنظر في خطراتي وأفكاري. من ثمار الخلوات أنها تعيد لك فرصة أو تعطيك مجالاً أنك ترجع تقرأ، ترجع تطلب العلم، ترجع تستفيد. بعض الشباب وهو في العشرين، انحرقت ورقته تماماً؛ العشرين هي فترة الأخذ، هي فترة التلقي. هذا الشاب في العشرين بقول لك: أنا ما عندي وقت يا شيخ! ليه؟ أنا شغال في حقول الدعوة أو العمل الإسلامي أو الجماعات أو الشباب، ومن هون لهون ومن هون لهون. جزاك الله خير، لكن برضه ﴿وَلِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا﴾، أنت تحتاج إلى خلوات مهمة وضرورية حتى تقرأ، حتى تتعلم، حتى تستفيد.

بعض مشايخنا وهم كبار كان يحب أن يأخذ نفسه فترة خارج البلد الذي هو فيه، حتى هو نفسه يطلب العلم ويقرأ ويجلس مع مشايخ؛ وإن كان في بلده هو شيخ ومدرس، لكن يحب أن يعتزل فترة، يقول لك: أنا أحتاج أني أيضاً أعلم نفسي وأقرأ وأن أتوازن وأن أرى نفسي وأحاسبها. يبقى الإنسان يا إخواني يتعلم إلى أن يلقى الله؛ ما في فترة اسمها فترة العطاء الذي لا توقف معه، هذا ما هو صحيح. كل إنسان لا بد ولو أقل سنوياً تأخذ نفسك فترة بعيدة عن الناس، ولو كنت معلماً ومرشداً وموجهاً، خذ نفسك بعيداً عن الناس؛ أنت تحتاج أن تتعلم، أنت تحتاج أن تبني نفسك إيمانياً. فمن ثمار الخلوات أنها فرصة لطلب العلم.

وجزء كثير منا يتذكر أيام كورونا؛ كثير من الناس أجبروا على البقاء في البيوت، وأحياناً بعض الشباب متزوجون، بغض النظر، لكن هي خلينا نقول نوع من أنواع الخلوات. لاحظ كيف مجتمعنا الأردني بمجرد ما جاء القرار بوجوب أن الناس تلزم بيوتها، لاحظ التذمر والضجر وأنه كذا وزهقنا يا شيخ! مع أنه هذا بتلاقيه ببيته، مع زوجته وأولاده، والجوال في إيده، والسوشيال ميديا والتلفزيون مفتوح، بس مشكلته أنه بس مش عم بيطلع على الشارع وعلى الطرقات؛ بس قالوا له اقعد ببيتك عصب. هذا كيف لو سحبوا منه زوجته وأولاده؟ هذا كيف لو سحبوا منه جواله؟ هذا رح يموت. هو بس متضجر لقلة العلاقات الاجتماعية التي كان يألفها. فهذه قضية مهمة يا إخواني، فرصة لإعادة البناء العلمي والنفسي. في المقابل، بعض المشايخ إنتاجهم في كورونا كان جداً ممتاز، أخرج مؤلفات، أخرج كتباً، عرف كيف يستغل هذه الفترة في إنتاج علمي ومعرفي بالنسبة له.

أيضاً من ثمار الخلوات إعادة النظر في علاقاتك الاجتماعية. كل إنسان بالتأكيد هو محاط بشبكة من العلاقات، العلاقات لا بد أن تخضع للتقييم كل فترة؛ هل علاقتي بهذا الأخ بتنفع ولا مش عم بتنفع؟ هل علاقتي بهذه البيئة أو بهذه الجماعة أو بهذه الطائفة أو بهذا المركز أو بهذا المشروع أو بهذا البرنامج؟ لا بد في الخلوات أن تعيد بناء علاقاتك الاجتماعية والفئوية كما يقولون، فمن ثمارها إعادة ترتيب العلاقات.

أيضاً حقيقة هناك مهارات لا تنمو إلا في الخلوات، مثل مهارة التفكير والتركيز. أنا أجد أن هاتين المهارتين أصبحت ضعيفة في الشباب الملتزم المعاصر؛ لأنه لا يعرف الخلوات. لما تقرأ الأبحاث الطبية في أضرار السوشيال ميديا، يقول لك من أضرار السوشيال ميديا وهي حركة الإصبع، أنك من فوق لتحت نازل بتتصفح، ما تنتجه لك هذه تضعف قدرة الإنسان على التركيز والتفكير. خلص، أنت أصبحت فقط مستهلكاً للصورة والمشاهد، فقدرتك على أنك تأخذ مشهداً معيناً تحلله، تفكر فيه، تقيمه، تضعف كثيراً. فأنت تحتاج إلى الخلوات؛ لأن الخلوات من وظائفها الأساسية تنمية مهارة التفكير والتركيز. ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَىٰ وَفُرَادَىٰ ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا﴾ [سبأ: 46]؛ جعل التفكر بعد وجود ثنائيات وأحاديات، لأنه التفكر يحتاج إلى خلوة. ولاحظوا، أنا ألاحظ هذا حتى في مستوى كثير من طلاب العلم؛ أنه قد يكون حافظاً أو قارئاً بس هو مش فاهم. ليه؟ لأنه لا يخلو ليفكر؛ قدراته على التفكير والتركيز في المقروء وفي المشاهد ضعيفة جداً جداً، وإن كان بقول لك: أنا قرأت. أنا ما بيهمني أنك تقرأ فقط، وإن كانت مهمة القراءة، أنا بيهمني هل أنت تفهم ما تقرأ؟ هل أنت تحسن تحليل ما تقرأ؟ هل أنت تركز فيما تقرأ؟

حتى وأنت مثلاً في القرآن، خليني آجي كونه مشتركاً بيننا جميعاً؛ القرآن كثير من الناس بيقرأ، بس هو لم يعطِ لنفسه فترة للتفكر؛ يعني هذا النص ما هي الرسالة الموجهة لي؟ كان السلف كما قالوا يقرؤون القرآن على أنه رسائل من الله لهم؛ كيف السلف كانوا يقرؤون القرآن على أنه رسائل من الله؟ أي آية قرانية كانوا يقرؤونها، كانوا يبحثون: ما هي الرسالة التي يريد الله سبحانه وتعالى أن تصل لي من هذا النص؟ سورة الفلق، شو هي الرسالة اللي ربنا بده يوصلها لي؟ سورة الإخلاص، ما هي الرسالة اللي ربنا سبحانه وتعالى بده يوصلها لي؟ وقص على ذلك؛ كانوا يتعاملون مع كل الآيات بهذا النمط. في رسالة، طيب هي الرسالة أنا كيف بدي أكتشفها؟ بدي أفكر، طبعاً بدي أقرأ كتب التفسير، وبدي أسمع كلام العلماء، وبدي أفكر وأحلل. هذا التفكير يحتاج إلى خلوة؛ ما حينفع تفكر والدنيا صراخ حولك، وأنت في زحمة الحياة وضجيج العمل وماسك الجوال، وبتقول لي هي عم تتدبر؛ لا، أنت بتضحك على نفسك. التفكير والتركيز يحتاج إلى خلوات.

فإذاً، الخلوات أيضاً تنمي مهارات كثيرة في الإنسان المسلم يحتاجها للصحة الإيمانية، وهي مهارة التفكير: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [آل عمران: 190-191]. لاحظ، هذا التفكر يحتاج إلى وحدة وخلوة؛ تخرج إلى البرايا، تخرج إلى الصحراء، ولا تخرج في هذا الليل وتحت ظلمة تنظر وتبدأ تفكر في خلق السماوات والأرض؛ هنا تنمو هذه المهارات.

أيضاً من ثمار الخلوات التلذذ بكثير من العبادات؛ هناك كثير من العبادات أنت لن تتلذذ بها إلا إذا كنت في خلوة، مثل الذكر لله سبحانه وتعالى. كثير من العلماء كانوا يمدحون جلسة الشروق؛ يقول لك: اجلس من الفجر للشروق واجلس وحدك. ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم، الحديث وإن كان متكلماً فيه، أنه: «من صلى الفجر ثم جلس في مجلسه» -يعني لم يغادر مجلسه، بقي يذكر الله حتى تشرق الشمس- «كتب له أجر حجة وعمرة تامة تامة». لماذا؟ لاحظ أنك صليت الفجر وبقيت في مجلسك، ما اقتربت من أحد وما حدا يقترب منك، انشغلت بذكر الله في خلوة. هناك لذات، حتى قال بعض العلماء إن هذه فيها ساعات الشروق فيها من الدرر المكمونة ما لا يعرفه إلا الله سبحانه وتعالى. فدائماً الخلوات تعطينا تلذذاً بالعبادات لا تعطينا إياها الخلطة بالناس.

الآن سأنتقل إلى جزئية أخرى، وهي ما هي ضوابط الخلوة؟ ممتاز، نحن الآن عرفنا أن الخلوة لها ثمرات مهمة، وعرفنا أنها منهج إلهي وأن هذا منهج النبي صلى الله عليه وسلم ومنهج الصحابة عموماً، وعرفنا لماذا نحن نستوحش من الخلوة. السؤال الآن: ما هي ضوابط الخلوة؟ يعني كيف تكون عندي خلوة نافعة؟ أول شيء حقيقة أيها الكرام، سنسأل سؤالاً بالنسبة لفهمك للإسلام: هل الخلوة هي الحالة الأصلية في حياة المسلم أم هي حالة استثنائية جزئية؟ حالة استثنائية. طيب دلل على هذا، ايش الدليل؟ أن الإسلام لا يريد أن تكون الخلوة هي الحالة الأصلية، بل يريد أن تكون علاجاً وحالة استثنائية فقط. مين اللي قال؟ الحديث الجميل: «المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم». أيضاً الصلاة في جماعة، فرق مع الناس. جميل، الله عز وجل ذم النصرانية على أنهم ﴿رَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ﴾ [الحديد: 27]؛ شو الرهبانية؟ أنه شخص ينقطع بعيداً عن الناس في صومعة ولا في مكان، ولا يقترب من الناس ولا يخالطهم؛ ربنا سماها رهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم ولم نطالبهم بها، فهي مبتدعة وليست من معالم الدين. أيضاً جميل، مثلاً أن الإسلام يفضل النفع المتعدي؛ أنك تمارس عبادات نفعها يعم الناس هذا أعلى من أنك تمارس عبادات خاصة فيك زي قيام الليل والصلاة الشخصية ونفعها منحصر فيك. فتعليم الناس العلم، وإغاثة الملهوف، والسعي في قضاء الديون، ومساعدة الناس، هذا أعظم ثواباً من عبادة قاصرة عليك أنت، نفعها ولا يتعدى أثرها إلى الناس. اه يا عبد العزيز.

قضية العمل الجماعي: كناس دخلوا في سفينة، أخذوا من قسم أعلاها وقسم أسفلها، والناس الذين في أعلاها كانوا يأخذون العبرة. عبادة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تقتضي أنك تخالط الناس؛ إذاً نتفق فعلاً أن هذا كلام صحيح، أن الأصل في الحياة الإنسانية البشرية هو الخلطة، لكن الخلوة هي حالة استثنائية مطلوبة لعلاج قضايا الإيمان.

هذه أول فكرة كضابط للخلوة؛ لأنه بعض الناس يتخذ الخلوة على أنها الأصل، ويرى أن الدين يأمرني بها على أنها أصل، فبالتالي في حالة نفسية سيئة يتخذ قراراً بأنه يريد اعتزال الناس: يا شيخ بدي أروح أعالي جبال ما بدي أشوف أحداً ولا أحداً يشوفني. لا، أنت اهدأ يا شيخ الله يرضى عليك، نحن صح نتكلم عن الخلوات، لكننا نتكلم عن الخلوات على أنها علاج لقضايا الإيمان، وليست على أنها الحالة الأصلية.

متى تكون الخلوة المطلقة الدائمة مطلوبة؟ في آخر الزمان، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «يوشك أن يكون خير مال امرئ مسلم غنم يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر، يفر بدينه من الفتن». في آخر الزمان عندما يعم الفساد الأرض ويكثر الشر، نعم تصبح العزلة التامة عن المجتمع هي القرار الصحيح، وهي التي يجب أن تتخذ حماية لدينك، كما فعل أصحاب الكهف. فقرار العزلة الدائمة ليس قراراً صحيحاً، بدك تفهمه، وقرار الخلوة الدائمة ليس هو القرار الأفضل. القرار الأعلى في الإسلام أن تبقى تدخل مع المجتمع وتصبر على أذاهم، وتكون الخلوات هي فرصة لالتقاط الأنفاس وإعادة ترتيب الأوراق والنظر كما قلنا في إيمانك وأفكارك، ثم تعود بعد ذلك لتخوض غمار الحياة، ثم تنسحب منها، ثم تعود، وهكذا كان منهج الكبار وأهل العلم رضوان الله تعالى عليهم.

قرار الخلوة الدائمة هذا قرار خطأ، وابن القيم رحمه الله عليه لما تكلم عن أنواع الناس قال: الناس أربعة، هناك أناس وأشخاص يأنفون إذا جلسوا مع البشر ويستوحشون إذا جلسوا مع الله، وهؤلاء ليسوا في أعلى الأحوال. وهناك أناس قال بالعكس، يأنفون إذا جلسوا مع الله ويستوحشون إذا جلسوا مع الناس، هل هذه الحالة هي أعلى حالات المدح؟ لا، يعني هو يقول ابن القيم إن بعض الناس إذا جلس مع الله في خلوة يقول لك أستأنس، لكن إذا جلست مع الناس والله أتضايق من الجلوس معهم تماماً، قال لك جزاه الله خيراً أنه يأنس بالله لكن هذه ليست أكمل الأحوال. قال: ومنهم من لا يأنس لا لله ولا بالناس، وهذا حالة مرضية بدك تعالج حالك. قال: وأكمل الناس من يأنس إذا جلس مع الله ويأنس إذا جلس مع الناس مع أهل الخير والصلاح من الناس، قال وهذه حال النبي صلى الله عليه وسلم؛ أنه كان يجلس مع أصحابه يمزح ويضحك ويسابق عائشة ويجلس مع أهل بيته، أمور الطبيعية مع الناس ماشية، وإذا جلس مع ربه سبحانه وتعالى قال: «وجعلت قرة عيني في الصلاة»، وقال: «أرحنا بها يا بلال». هذا التوازن هو الصحيح، أنك تستطيع أن تتعايش مع الناس على ما عندهم من المشاغل والإشكالات وسوء الأخلاق وسوء الطبائع، وتقومهم وتنصحهم وترشدهم فتستطيع أن تستأنس بهم، وإذا خلوت بالله سبحانه وتعالى أيضاً تعرف كيف تستأنس. إذاً قرار الخلوة التامة احذر أن تأخذه، احذر أن تأخذه لأنه ليس هو القرار الشرعي الصحيح إلا في آخر الزمان عندما تكثر الفتن في الأرض.

ثانياً، احذر الضابط الثاني من ضوابط الخلوة: احذر أن يكون قرارك في الخلوة هو ردة فعل لموقف اجتماعي معين أو حالة معينة حصلت معك في الحياة. كثير من الشباب يغالط نفسه في باب معين، بعض الناس يصاب بصدمة من أخ له في الله، أو موقف اجتماعي حصل معه في العائلة، أو في المسجد، أو في مجلس علم، أو في أي مكان، فيقول لك: أنا يا شيخ خلص بدي أخلو بالله سبحانه وتعالى. فأسأله: أنت ما هو باعثك للخلوة؟ هو يقول لك: لا أنا حابب أخلو مع الله وأرتب أوراقي، ويا شيخ أنا خلص يعني حاب أصلح إيماني، بس أنا عارف فعلياً أن دافعه للخلوة ليس معالجة قضايا الإيمان، لا، دافعه في الخلوة هو ردة فعل من موقف معين حصل معه في المسجد أو في مركز علمي أو مع أخ له في الله أو من حياة أسرية. بعض الناس يتخذ الخلوة وسيلة للهروب من الأعمال، بعض الناس هو يعرف أنه عليه واجبات معينة لازم يؤديها، فلما يجي وقت يؤديها بقول لك: قررت أخلو. لا، أنت تضحك عليّ قاعد، الخلوة هنا ليست معالجة لقضايا الإيمان عندك، هي للتهرب من المسؤولية، للتهرب من معالجة بعض القضايا المهمة. فلذلك، وهذا حقيقة وجدته في كثير من الناس اللي اتخذوا قرار الخلوة والعزلة، أنه قرار الخلوة بالنسبة له هو بسبب مشكلة عاطفية، مشكلة معينة، أو واجبات لا يريد أن يؤديها، مشاكل في الحياة لا يريد أن يواجهها، فبقول لك: خلص بخلو وبريح راسي. هذه ليست هي الخلوة المطلوبة، الخلوة التي امتدحها الله وأثنى عليها ودلت عليها النصوص هي الخلوة التي أنت تريدها بكامل قواك العقلية من أجل أن تعالج قضية إيمانية معينة، أما أن تتخذها ذريعة للفرار، ذريعة لتأجيل إنجاز المهام، كردة فعل عكسية لحالة عاطفية، هذه ليست خلوة مطلوبة فانتبه لها.

ثالثاً، الخلوة لا تكون إلا بعد أن تكتسب العلم النافع. كثير من الشباب أيها الكرام اتخذ قرار الخلوة، ونحن نعرف بعض الحالات، أخ جزاه الله خيراً اتخذ قرار خلوة وراح سنتين ثلاث اختفى عن مجالسنا ما عدت أشوفه، عاد لي بعد أربع سنوات تمام، بعد أربع سنوات عاد من خلوته ضارب العقل. فبقول له: ايش يا فلان وين ذهبت؟ قول: أنا والله ذهبت للبراري وقررت أنني أخلو مع الله سبحانه وتعالى ورأيت أن عالم البشر عالم متعب، بس هو راجع بانتكاسة نفسية، طب أقول له: أنت كيف خلوت مع الله عز وجل؟ هي الخلوة... يعني هذه قصة واقعية أنا بتكلم فيها، دون أن تكتسب العلم النافع الذي تستثمر فيه ساعة الخلوات. إخواني، الخلوة إذا لم تكن مسبوقة بعلم نافع سببت وسواس وسببت حالات نفسية، فيكون ضررها أكثر من نفعها. لا تتخذ قرار الخلوة حتى تحصل العلم النافع من العلماء وأهل العلم الذي تستغله في ساعات الخلوات، وإلا إذا أنت ما تمتلك الآلة والأدوات ودخلت في خلوات وحدك، كثير من الشباب أصبح يعاني من إيه وسواس قهري بسبب خلواته، وشوفوا خاصة حتى تؤكد هذه النظرية، شوف كثير من المساجين الذين خرجوا من السجون الانفرادية، هو يعاني أني من وسواس قهري، لا، بتجد عنده مشاكل كثيرة ليه؟

أنه هو مش متعود على الخلوات ودخل في الخلوات وهو لا يعرف كيف يوظفها ويستعين بها، فأصيب بماذا؟ بمشاكل نفسية. يعني نحن الخلوة بدنا إياها تعالج قضاياك النفسية، أصبحت هي مشكلة نفسية، فإياك ثم إياك أن تتخذ خلوات طويلة النفس وأنت لا تمتلك العدة والعتاد من العلم النافع. تيجي تقول لي يا شيخ: فسد الناس وأنا خلص بدي أبعد عنهم، ما هو ماشي أنت بدك تبعد عنهم بس أنت رح تفسد زيهم إذا ابتعدت؛ يعني أنت لسه مشبك ببعض القضايا الإيمانية، مجلس علم هون، أخ لك في الله هون، مشي أمورك، لكنك إذا قررت أن تختلي بنفسك يمكن تصاب بما أصيب به هذا الأخ من أمراض نفسية، بعض الناس يصاب بانتكاسات دينية بعد الخلوات بانتكاسات دينية بعد الخلوات؛ لأنه هو لم يعرف كيف يوظفها بالشكل الصحيح. فإذاً احذر أن تدخل في خلوات طويلة النفس أو طويلة المدى وأنت لا تملك علماً نافعاً.

أيضاً احذر أن تكون نتيجة الخلوات على حياتك وهذا ضابط آخر مفاسدها أكثر من مصالحها، افهموا هذا الكلام وعوه. بعض الشباب بده يخلو، لما يخلو للأسف يقع في معاصي بدل ما يفعل الطاعات. بعض الشباب بقول لي: أنا يا شيخ دخلت في خلوة، إذا خلى انتهك محارم الله. فإذا كانت الخلوة مفاسدها الدينية أكثر من مصالحها، لا، ما بدنا إياها. بعض الشباب ممكن بيعاني من إدمان في العادة السرية أو بيعاني من إدمان النظر للحرام أو ما شابه ذلك، بقول لك: أنا بدي أروح أخلو. بروح بخلو بيعملنا بجيب المصايب، تمام؟ بتلاقيه ماسك هالجوال بالعقل من تحت، يتكلم مع فلانة، وصار يشوف مقاطع، وصار يعمل كذا، وصار يمارس العادات الخاطئة وهو مفكر حاله في قمة التعبد أنه في خلوة مع الله، وإنما هو في خلوة مع الشيطان. فهذا أيضاً بدك تنتبه له، إذا شعرت وأنت في خلوتك أنك بدأت تضعف لا، اقطعها وارجع مع الناس حتى لا تقع في المعاصي والذنوب في ساعات الخلوات. لذلك أصلاً كثير من العلماء لما يتكلم عن الخلوات، تتكلم عنها من الجانب الآخر عن ذنوب الخلوات، تمام؟

احذر أن تكون ممن إذا خلا انتهك محارم الله. عادة ستجد الناس تحذر من ذنوب الخلوات؛ لأنه الخلوة سلاح ذو حدين، بعض الناس ينتفع منها حقيقة في معالجة إيمانه، وبعض الناس يقع فيها في فشل آخر في الإيمان وفي معاصي أخرى، بعض الناس ممكن في الخلوة يجلس على الفراش ويبدأ يتخيل ويعمل خياله في المفاتن التي رآها في الحياة، يقول لك: ما أنا خالي، خالي حاله على هالفرشة وبيصير يفكر في فلانة وعلتانة ورايح وجاي ويظن نفسه أنه ايش؟ والله يا شيخ أنا في خلوة. يا أخي هذه مش خلوة، هذا شيطان جالس معك، أنت مش عم تخلو بالكلام الذي أنا أقوله، الخلوة كما قلنا هي ليست بالبدن، بعض الناس إخواني يفكر الخلوة هي خلوة البدن، أنه يغلق على حاله الباب، لا، الخلوة أساسها خلوة العقل، أن عقلك يختلي من ماذا؟ من أمور الدنيا وشوائبها وشهواتها ليفكر في صالحه وفي آجله وفي علاقته مع ربه، فأي خلوة لا تحقق هذا بل تزيدك وسواساً وتفكيراً في الشهوات والملذات وسقوطاً في الحرام، انتبه أنك منها ولست في حاجة إليها.

الضابط الأخير الذي سأذكره في موضوع الخلوات: لا تجعل الخلوات سبباً في إيقاف خير عام أنت توصله للناس؛ لأنه هذه من حبائل الشيطان، وركزوا فيها الشباب الذين يشتغلون في المراكز القرآنية أو المشاريع الإسلامية أو شيء معين الآن، أو كنت طالب علم أو بكره إن شاء الله بتصير عالماً وتعلم الناس الخير، كثير منا بتيجي عليه لحظات يمل من العطاء، يمل من البذل، فبقول لك بدي ايش أعمل شيء؟ خلص بدي أخلوا بنفسي هيك ثلاث أربعة أشهر حتى أعيد ترتيب أوراقي وأبدأ من جديد. هسا هذا الكلام أنا صعب أقول لك أنه خطأ تماماً، وصعب أقول لك أنه صواب تماماً، ليه؟ لأنه أخشى أحياناً أن الشيطان إذا رأى نفعاً أنت تقدمه للناس أنه يريد أن يوقف هذا النفع، فماذا يفعل؟ يصبح مشروع الشيطان أن يقنعك بالخلوة، يصبح مشروعه أنه يقنعك أنك ايش تختلي، ليه؟ لأنه يعرف أنك إذا اختليت سيقطع شريان عطائك، وقضية رجوعك للعطاء بعد ما تقطعه شهرين وثلاث وأربع هي عملية مضنية. شوف نفسك لما تكون أنت مثلاً ماشي ببرنامج علمي تمام، ويجي بعدين شهر عطلة، قضية رجوعك للقراءة بعد شهر كامل أنت ما قرأت ولا حضرت مجلس علم ولا شيء، بتشعر أنها ماذا؟ جهاد يا أخي، بخلاف أنك تضلك داعس طالع طلوع، لا، بتشعر أنه لا أنا متمرس مع العلم الآن ما في أي انقطاعات.

ليش دائماً يحذرون من الفتور؟ لأنه الفتور يقطع الهمم، أحياناً نخشى أن تكون الخلوة بالنسبة لأهل العطاء سبب في قطع هممهم عن العطاء، طبعاً بس هو في نفس الوقت هو محتاج لخلوة، فهنا تحتاج إلى إدارة النفس بشكل جيد. في أي حق دعوي، في أي حق إيماني، في أي مكان يعني وقفك الله سبحانه وتعالى فيه أو استعملك الله عز وجل فيه، يجب أن تعرف كيف لا تجعل حبك للخلوات وشعورك باحتياجك لها سبباً في إيقاف خيرك وعطائك للناس، وشوف هذه المخادعة: في اللحظة التي ستقرر فيها الانقطاع لمدة طويلة، أنا ما بتكلم عن انقطاع يوم يومين أو أسبوع أو شهر لا، بعض الناس بقول لك أنا بدي آخذ خلوة مثلاً سنة، ها السنة أنا بدي أبتعد، صدقني أن عملية رجوعك بعد السنة لن تكون سهلة أبداً حتى تبدأ تألف الدرس من جديد والعطاء من جديد أو ممارسة الدعوة من جديد. فلذلك دائماً العلماء يقولون: لا تجعل خلواتك سبباً في إيقاف الخير العام، اعمل توازنات بين أنه لا بده يستمر الخير والعطاء، ممكن أقننه، ممكن أخفف، بس خلي شريان، خلي شريان بينك وبين العطاء وخلي الخلوة فرصة لإصلاح النفس.

الآن ستقول لي يعني ختاماً متى أخلو بنفسي؟ يعني ما هي الساعات التي يمكن أخلو فيها بنفسي؟ حقيقة أنت اختر الساعة التي تناسبك واختر الوقت الذي يناسبك، بعض الناس يحب أن يخلو بنفسه في ساعات الليل، بعض الناس يحب أن يخلو بنفسه في ساعات الشروق، أنت كل شخص هو طبيب نفسه، كل شخص أدرى ما هو الوقت المناسب له. لكن المهم أن تمارس هذه العبودية، عبودية الخلوة، لأنك يعني كما عرفت اليوم هي عبودية عظيمة، ستشعر أن هناك بركات ورحمات وخيرات ومعاني إيمانية ستعيد إيقادها من جديد إذا كنت خلوياً مع الله سبحانه وتعالى. الخلوة الصحيحة، الخلوة التي بعلم نافع، الخلوة التي تفكر فيها بشكل صحيح، الخلوة التي ملؤها الذكر والإقبال على الله سبحانه وتعالى ستشعر أن هذه الخلوة نقلتك في الإيمان نقلة نوعية هائلة، ربما ستكتشف أنك في هشاشة فظيعة وأنك محتاج أن تنظر في كثير من الزوايا في.

حياتك وأنت تختلط مع الناس، أنت لا ترى النقص. وهذه بنبه عليها إخواني في نهاية المجلس: وأنت مع الناس، أنت في الخلاط، أنت مش قادر تشوف نقصك. لن تكتشف النقص إلا في ساعات الخلوات، وتحتاج أيضاً إلى نوع من التجرد، لازم تتجرد، ولازم تجبر النفس أنها تتعرى أمامك، ولازم تقر بالضعف الذي فيك، ولا بد تقر بالنقص الذي فيك، ولا بد تضع برامج للتغيير.

إذا عدت للحياة بعد الخلوة ستشعر أن الحياة أفضل، وأن النفس أفضل، وأن همتي لقراءة القرآن، وهمتي للذكر والإقبال على الله سبحانه وتعالى أصبحت أفضل. لا يوجد إنسان ناجح ليست له خلوة، لا يوجد إنسان مبرز ليست له خلوة، لا يوجد إنسان يسير إلى الله سبحانه وتعالى ويريد الوصول إليه ليست له خلوة. الخلوة مهمة، الخلوة أساس، حتى إن بعض المذاهب كالتصوف جعلوا الخلوة أساساً مؤسساً للطريق، وأن يكون هناك زوايا وأربطة نحن نجلس فيها ونخلو على طريقة رهبانية ابتدعوها. لكن هذا يدل على ماذا؟ بغض النظر عن الممارسة الخاطئة، يدل على أن الخلوة لها أثر في النفس، وأنها سبيل من سبل الإصلاح.

حتى إن العلماء بعضهم صنف كتباً في العزلة، أليس كذلك؟ مثلاً العلامة الخطابي صنف كتاباً سماه ماذا؟ العزلة. ابن أبي الدنيا صنف كتاباً اسمه العزلة والانفراد، كذلك السمعاني صنف كتاباً في العزلة. بعض العلماء يريدون أن يؤكدوا على العزلة فصنفوا لها كتباً، مع إدراكهم أن العزلة ليست هي الحالة الصحيحة. لأن شوف، لما نتكلم عن ضرورة الخلوة والعزلة فترة، بعض الناس بيقول لك: يا أخي لا، لازم المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير. لا، مش أنت، أحياناً شو اللي بيصير؟ أنا أدرك أن العزلة والانفراد على صورة دائمة تامة هذا لا يصح وليس هو المنهج.

فليس لأنني أرى أن الأصل هو المخالطة بالناس والصبر عليهم، معناه لا أشير إلى فضيلة العزلة التي يهدف من خلالها الإنسان إلى زيادة الإيمان. لا يصلح؛ نعم، الأصل هو المخالطة، لكن عدم الإشارة للعزلة والخلوة يحرم الإنسان من علاج مهم وضروري في حياته. بعض الناس يخاف من ذكر الاستثناء حتى لا ينتهج بعض الشباب. لا، مش أنت، عدم ذكرك للخلوة وإن كانت استثناءً، عدم إشارتك إليها مع أنها منهج إلهي، يجعل الشاب أصلاً دائماً في إرهاق إيماني، والشاب ضائع، الشاب غارق، الشاب مبعد، الشاب إيمانه مش في توازنات، بس هو مش شايف لأنه دائماً في استهلاك. فأنا لا بد أشير لهذا الاستثناء، وإن لم يكن هو الحالة الأصلية، لأنه دواء ناجع، مهم، مفيد لمن أراد أن يرتقي بإيمانه في قابل الأيام.

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا لما فيه خير قلوبنا ولما فيه صلاحها، وأن يجعلنا ممن نعمل بما نعلم، ونسأله سبحانه وتعالى أن يرزقنا إيماناً صائباً. اللهم قنا شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، إنك نعم المولى ونعم النصير، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.