الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه كما يحب ربنا ويرضى، والصلاة والسلام على النبي المصطفى صلاةً تترى، وعلى آله وصحبه ومن لنهجه اقتفى. حياكم الله أيها الأكارم في مجلس جديد من مجالس الأمسيات، هذه المجالس التي نستهدف فيها ذكر قضايا الإيمان التي يحتاج الإنسان أن يزوّد نفسه بها ويذكّر إخوانه بها. وما دمنا قبيل رمضان، كانت الأمسية الرابعة بعنوان: أتاكم رمضان.
حقيقةً نحن دائمًا قبيل رمضان يبدأ الإنسان يسمع المحاضرات الإيمانية، ويحاول أن يحضر المجالس، ويتفقد هذه المجالس التي تعيد نشاطه وهمته لاستقبال رمضان. وهذا لازم ولا يسأم الإنسان منه، ولا يأتيك شعور داخلي أن تقول: ما فائدة أن أحضر مثل هذه المجالس بشكل دوري؟ وهل فعلًا هذا الرمضان الذي أنا مقبل عليه سيكون مختلفًا عن الرمضانات السابقة؟ لأنه أحيانًا يتسرب إلينا شعور باليأس من أنفسنا، شعور بالإحباط؛ أن هذه النفس ربما أدركت العديد من الرمضانات، وفي كل رمضان كانت تضع المواثيق والعهود وتبرم الخطط والبرامج، ثم إذا دخل رمضان إذا هذه البرامج تفشل، وإذا هذه العهود والمواثيق التي كنت أبرمتها قبل الشهر تبوء إلى الخسران في وجهة نظره.
فيبدأ الشيطان من البداية يثبطك ويقنطك من حسن الاستعداد لاستقبال هذا الزائر الكريم، ويبدأ يدخل على داخلك شعور الإحباط، شعور اليأس، شعور عدم القدرة على أن تصنع الفرق، وأن هذا الرمضان هو مثله مثل أي رمضان ستقضيه في حياتك؛ ستصوم وتراويح والعزائم الأسرية، ولا بد أن أفعل الواجبات العائلية، وينتهي رمضان وأعود إلى ذاك الشخص الاعتيادي الطبيعي. هذه فكرة من بداية المجلس اليوم أقول: احذر أن تعشعش في عقلك وفي دماغك، وإياك أن تسيطر على أحاسيسك ومشاعرك فكرة أنه هو هو، والوقت سيمر، ولن يكون هناك أي فائدة جليلة.
أولًا: النبي صلى الله عليه وسلم كان يبشر أصحابه قبيل الشهر بقدومه. والحديث وعنوان مجلسنا اليوم: كان النبي عليه الصلاة والسلام في الأيام القليلة قبيل رمضان يقول لأصحابه: «أتاكم رمضان شهر مبارك، فرض الله عليكم صيامه، تفتح فيه أبواب الجنة، وتغلق فيه أبواب النار، وتغل فيه مردة الشياطين، فيه ليلة هي خير من ألف ليلة، من حرمها فقد حرم». هذا الخطاب النبي صلى الله عليه وسلم كان كلما يأتي شهر رمضان يخاطب به أصحابه. بالتالي من السنن التي ينبغي أن نحافظ عليها هي سنة استقبال رمضان؛ ما دام النبي عليه الصلاه والسلام يبشر أصحابه بقدوم هذا الشهر، إذًا تبشير الناس وإدخال السرور إلى قلبهم بهذه المناسبة الفاضلة العظيمة، هذه من سنة محمد صلى الله عليه وسلم. فعلينا أن نحافظ عليها، فهي شعيرة من الشعائر أن تسر نفسك وإخوانك وأهل بيتك وأطفالك بقدوم هذا الزائر الكريم.
حتى إن بعض أهل العلم، كما ذكر اللبدي في حاشيته، استنبط من هذا الحديث مشروعية التهنئة والتبشير بكل الأيام الفاضلة والمباركة بها، حتى أيام الجمعة، يعني استدل بها على جواز أن تقول للشخص: جمعة مباركة، أو إذا جاء عام جديد تقول كذا وكذا. قال: هذا الحديث أصل في جواز التهنئة بمواسم الطاعات كانت شهورًا أو أيامًا أو غيرها. لاحظ كيف الحديث والعلماء داروا بالقياس عليه؛ فإذا عبودية التهنئة بقدوم شهر رمضان، وتبشير النفوس، ورفع مستوى الطموح لهذا الشهر، هذا لا بد أن نحافظ عليه، ولا نسأم منه، ولا نقول في داخل أنفسنا: لن نستفيد شيئًا، هو هو، ولن يتغير شيء. بل كن واثقًا بإذن الله أن كل رمضان في حياتك سيصنع فرقًا هائلًا في الدنيا وفي الآخرة بإذن الله، وسنتكلم عن قضية صناعة الفرق في رمضان بعد قليل إن شاء الله.
لكن وقفتنا مع حديث النبي عليه الصلاة والسلام: «أتاكم رمضان»؛ النبي عليه الصلاة والسلام ينبه الصحابة أن هناك ضيفًا شريفًا كريمًا عزيزًا، أنتم تترقبونه وتنتظرونه وقد حان أو اقترب موعد نزوله أو موعد ضيافته السنوية. تخيل أن هناك إنسانًا عزيزًا على قلبك، إنسانًا ضيفًا أنت تنتظر في كل عام يزورك في موعد محدد، وأنت تحب لقياه وتشتاق إليه وتحن إليه؛ فعندما يقترب موعد زيارته لك ستقول للناس: ترى فلان جاينا. أنت لا تقول هذا من باب الإخبار بمعلومة لأنه الكل يعرفها، النبي عليه الصلاة والسلام عندما يقول لأصحابه: «أتاكم رمضان»، يعني هم ما كانوا مدركين أن رمضان على الأبواب؟ هم مدركون لذلك، ولماذا يقول لهم أتاكم رمضان؟ هو يسعدهم ويبشرهم. فأنا إذا كنت مترقبًا منتظرًا لضيف شريف كريم عزيز مليء بالتحف والهدايا والجوائز والعطايا، أكون مسرورًا باقتراب وصوله، وبالتالي أبشر نفسي وإخواني وأقول لهم: جايكم فلان، فلان الذي أنتم تنتظرونه ها هو قد اقترب، دعونا نستعد للاستقبال ليكون مراسم الاستقبال تليق بهذا الضيف الشريف الكريم صاحب العطايا وصاحب الجوائز.
وهنا نلاحظ أن النبي عليه الصلاة والسلام عندما كان يبشر أصحابه بقدوم هذا الشهر، هو لم يقتصر فقط على «أتاكم رمضان»، بل كان يذكرهم دومًا بمناقب هذا الضيف. تعرفوا المناقب؟ يعني الخصال؛ هذا الضيف ليس كأي ضيف، هذا الضيف له مناقب، له خصال، له ميزات وأمور شريفة تجعله محبوبًا دون سائر الشهور، ومترقبًا ومنتظرًا دون سائر الأيام. أليس كذلك؟ فكان من هديه صلى الله عليه وسلم أنه يذكر أصحابه في كل عام بمناقب هذا الضيف الشريف الكريم.
وحقيقة مدى اهتمامك بهذا الضيف وهذا الزائر يقوم على أمرين: أولًا: يقوم على مدى معرفتك بمناقبه وخصاله ومكارمه. ثانيًا: مدى شعورك أيضًا بحاجتك وافتقارك لرمضان. كثير منا ربما الخصلة الأولى أو الفكرة الأولى موجودة عنده، وهي أنه يدرك أن هذا الضيف وهذا الزائر الكريم هو مليء بالمناقب، مليء بالخصال الشريفة، مليء بالمزايا والعطايا، لكن ربما نخفق أحيانًا في الجانب الثاني؛ وهو شعورنا بأهميته لنا. هل أنت تعتقد الآن ونحن على عتبات رمضان أنك فعلًا أنت محتاج لرمضان؟ هل تشعر بالإرهاق الإيماني والهشاشة الإيمانية، والعلاقة الجافة بينك وبين القرآن، وبينك وبين الدعاء، وبينك وبين الذكر؟ أن هناك هبوطًا في منحنى الإيمان عندي، فأنا الآن بأمس الحاجة إلى نفحة قوية من نفحات الله تنفض الغبار عن إيماني وتعيد المنحنى إلى الصعود مرة أخرى. لا بد وأن تستحضر هذا المعنى حتى تكون شغوفًا عاشقًا لرمضان، لا بد وأن تستحضر: أنا وإياك نحن نحتاج والله رمضان، نحن بحاجة شديدة ماسة له، كما أنك بحاجة للراتب آخر الشهر، أنت بحاجة لما هو أعظم؛ بحاجة لرمضان ليعيد ترتيب أوراقك الداخلية، ليعيد ترتيب علاقتك مع الله، ليعيد تجديد معاني من الإيمان ومعاني من الإخبات والخشوع والخضوع والعبودية لله، يذكرك بمعاني حقيقة السنة برأسها كفيلة أن تنسيك إياها.
مع صخب الحياة، مع ضجيجها، مع الجامعات والحياة والتعب والوظيفة والسعي والكد، تشعر أن بعض معاني الإيمان تذبل، تشعر أن علاقتك مع الله ليست العلاقة الصحيحة التي ينبغي أن تكون، فأنا والله بحاجة لرمضان. وبالتالي أنا لست مستثقلًا من سماع خبر قدومه لأني حتى أكون صادقًا؛ هناك بعض الناس يستثقلون من قدوم رمضان، وربما قلناها البارحة في الدرس، يعني هو لما يسمع أنه رمضان على الأبواب، يعني بس همه الله يعيننا كيف بدنا نخلص هذه 30 يوم، تمام؟ يعني هو هكذا همه، هو تفكيره أنه بدنا نؤدي هذه الطاعة ونخلص منها، الله يعيننا على 30 يوم، إن شاء الله بتمشي، بتمشي شيخ؟ بتمشي، بتمر بإذن الله. يعني كأنه في مصيبة وينتظر أنها تمر، رح تمشي إن شاء الله والحمد لله. هذه النفسية نفسية رديئة جدًا، نفسية والعياذ بالله محرومة. بالعكس، يا ليت العام كله رمضان، يا ليت العام كله تلك صلاة التراويح والقيام والقرآن والإقبال على الله. هذه النفس السوية، هذه نفس المؤمن؛ المؤمن الذي يعرف كم هو رمضان عظيم وشريف وكريم، وكم هو قادر على أن يغير من حياتي وقلبي ومشاعري، وكم في أيامه من البركة وفي ساعات ليله من النور والضياء. الذي يعرف ذلك ليس كمن يعرف، ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: 9].
في ناس تعلم حقائق الإيمان وبالتالي هو كما كان السلف الصالح، ستة أشهر وهم يقولون: اللهم بلغنا رمضان. ايش هذا الشوق؟ هذا الشوق الذي يجعل الإنسان ستة أشهر قبل رمضان والدعاء المستمر: اللهم بلغنا رمضان. إذًا هناك فهم وإدراك ووعي لحجم الضيف الكبير. أنت تتكلم عن منزلة رفيعة وضيف عظيم عزيز، أنت بتعمل له مراسم استقبال من ستة أشهر؛ لأنه كلما كان الضيف عظيمًا، كلما كانت مراسم الاستقبال والاستعداد أكثر، وكلما كان بالنسبة لك على الأقل ليس كبيرًا وليس مهمًا، كلما كنت ضعيف الاستقبال. وأظن هذه نقطة فرق بيننا وبين السلف، السلف الصالح كانوا يبدؤون الاستعداد لرمضان من أي شهر؟ من رجب، يعني هم يستعدون من ستة أشهر بالدعاء، لكن قمة الاستعداد تبدأ في رجب وشعبان، منذ شهرين إعداد مستمر، حتى إذا جاء رمضان القلب والنفسية والمشاعر جاهزة، فيبدأ السقف العمل في أعلى مستوياته.
لكن نحن للأسف ماذا نفعل؟ نحن نظل نائمين في رجب وفي شعبان، وقبل الميح مننا آخر عشرة أيام ممكن نفكر نسمع لنا بعض المحاضرات هنا وهناك. لكن حقيقة الذي يحصل في العادة أن رمضان يفاجئنا، نستيقظ: أوه، غدًا رمضان، يلا بسم الله، نبدأ قيام ليل وسحور والوظائف الرسمية. فحقيقة تخيل ذاك القلب الغافل طوال العام، فجأة تقول له غدًا رمضان، هو بده ينشل حاله من مستنقع الغفلات حتى يبدأ يستيقظ، أوه والله في قيام الليل، قيام الليل أنا أصلًا طول السنة مش متعرف عليه، إيه والله في قراءة قرآن، هذا قراءة القرآن أنا أصلًا طول السنة دوبي أقرأ صفحتين ثلاث صفحات في اليوم وأقرأها، يعني تحصيل حاصل والأمور ماشية، وذكر ودعاء هذا أصلًا بشكل عام ضعيف. تخيل أنه رمضان يدخل عليك فجأة وأنت أصلًا مهترئ تمامًا إيمانيًا، مهترئ، حتى أكون صادق معك، لا تطالب نفسك بماذا؟ بالصعود الإيماني مرة واحدة، يعني ستجد أنه في هناك مقاومة داخلية. تخيل إنسان في القاع وفجأة بده يصير في رأس الهرم، بتنكسر ظهرك كما يقولون. أنت في قاع الغفلات وفجأة أول يوم يومين من رمضان بدك تصبح العابد الزاهد اللي ما شاء الله.
بتعرف الناس، بصير أول يومين ثلاث أيام في رمضان يقطع نفسه في المسجد ساعات طويلة، بس بعد ثانية رمضان شو اللي عم بصير فيه؟ ببلش المسجد يخف، الناس بتصلي التراويح، ببلش حتى وردك في القرآن يضعف، مساحة الدعاء والذكر، ليه؟ لأنه أنت فعليًا تخادع نفسك. بشكل عام كل رمضان نكرر نفس الخطأ، نكرر نفس العقبة، وهي أننا نفاجأ برمضان ويدخل علينا ونحن لم نصنع أقل القليل من الاستعداد الإيماني. بالتالي هذا الانتقال النوعي من قاع الغفلات إلى أعلى قمة التعبد هذا لن تصمد فيه ولن يستمر معك؛ أربع خمسة أيام، ستة أيام، بعدين ستشعر نفسك المقصر المذنبة المرهقة بالغفلة أنه أنت حملتها فوق طاقتها. تخيل إنسان بيروح على الجيم، بتعرفوا الجيم، أول يوم برفع له 10 كيلو، إذا أنا أول يوم رحت على الجيم رفعت مباشرة 500 كيلو شو بده يصير؟ بتنكسر عضلاتي، لأنه أنا مش ممرن العضلات؛ 10، 20، 30، فأول دخول لك مباشرة على الجيم رفعت الـ 500 مش رح ترجع، هذا بكون في المستشفى. اليوم الثاني حملت عضلاتك ما لا تحتمل. نفس الشيء ما يحصل معنا، فجأة بتدخل على رمضان بترفع الـ 500 كيلو، بدي أعمل كل يوم ست أجزاء وبدي أصلي قيام الليل وبده كذا، طب عفوا أنت قبل رمضان شو وضعك؟ كيف علاقتك بالقرآن؟ كيف وضعك في قيام الليل؟ آه بقول لك لا أنا إن شاء الله رح أستطيع، بتعرف هي النفسية؟ في العادة نفس الخطأ كل سنة؛ 10 رمضان يعني ما شاء الله، بعد 10 رمضان يبدأ الانحدار، ثم بعد ذلك يبقى انحدار مستمر، ليلة 27 لأنه في عادات وتقاليد بإحيائها برفع شوي السقف، وبعد ليلة 27 بيختفي المسجد وبيضل آخر ثلاث صفوف.
عليك أن تفهم أننا نكرر نفس الخطأ، نحن لا نستعد لرمضان كما ينبغي، وهذا سامحوني إن قلت هو دلالة ضعف اهتمام بهذا الضيف. حالنا ليس كحال السلف، نحن لا نملك المشاعر الصادقة حقيقة تجاه رمضان، لو كنت تملك تمام المشاعر الصادقة لكان لديك من الاهتمام الحقيقي والإعداد الإيماني ما يجعلك تكون متهيا على الأقل 20-30% قبل قدوم هذا الزائر الشريف. طب يا شيخ ذهبت الفرصة؟ لا ما ذهبت، معك اليوم، معك الاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس والجمعة، معك هذه الأيام ارفع فيها سقف العبادة، ارفع فيها إنتاجيتك من الذكر والدعاء والقرآن، ابدأ من الآن ختمات، ابدأ من الآن صدقات، أعمال صالحة، حتى إذا جاء رمضان على الأقل أنا عندي استعداد 5%، 10%، فأنت لن يفاجئك رمضان كما يفاجئ الناس، هذه نقطة مهمة جدًا جدًا حتى يشكل رمضان نقطة فارقة في حياتك.
استعد من الآن، ابذل من الآن. الآن ورد عن أنس بن مالك وإن كان الأثر فيه ضعف وانقطاع: أنهم كان السلف في شهر شعبان ينكبون على القرآن. شهر شعبان مش رمضان! لا هو شهر شعبان؛ لأنه هو يريد أن ينتظر رمضان بسقف أعلى، فهو في شهر شعبان عم يجهز نفسه لعلاقة عالية مع القرآن، حتى إذا دخل عليه رمضان رفع السقف بكل أريحية، هو مستريح لأنه تعود على قراءة القرآن في شعبان، تعود على هذا المنهج. المهم هذه فكرة، فكرة الاستعداد التي لا بد وأن نبني عليها. أعود إلى الحديث العظيم الذي أخبر فيه النبي صلى الله عليه وسلم بمناقب هذا الشهر العظيم، يقول صلى الله عليه وسلم: «أتاكم رمضان». أول منقبة من مناقب...
رمضان شهر مبارك، هذا أول شيء. سعيد أن رمضان بوصف محمد ﷺ شهر مبارك بليله ونهاره؛ «من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا، ومن قام رمضان إيمانًا واحتسابًا». هو شهر مبارك بليله ونهاره، وعندما نتكلم عن البركة إخواني، مفهوم البركة في الحياة، رمضان كل ساعاته بركة. بركة أولًا في الثواب، فالثواب في رمضان يضاعف ما لا يضاعف في غيره، سواء ثواب الصيام، أو ثواب القيام، أو ثواب الصدقات، أو ثواب قراءة القرآن. بركة حتى في الأرزاق، بركة حتى في العلاقات الأسرية، بركة حتى في العلاقات الاجتماعية، بركة في إنجاز المشاريع، بركة في اتخاذ القرارات؛ يعني حتى اتخاذ القرارات الحياتية المصيرية، القرارات التي تتخذ في رمضان ليست كالقرارات في غيره من حيث البركة.
بركة حتى كان في تاريخ أمتنا المجيد في الجهاد والرباط، رمضان يذكرنا بأي غزوة؟ ببدر. رمضان يذكرنا بأي فتح؟ مكة. رمضان يذكرنا بعين جالوت، رمضان يذكرنا بجهاد ورباط وثبات وانتصار. إذاً رمضان بركة، والله بركة على كافة الصعد، على مستواك الشخصي، على علاقاتك الاجتماعية، حتى على رزقك وشغلك ووظيفتك، حتى في وقتك. بتعرف البركة؟ البركة في الوقت، البركة في المال، البركة في الحياة؛ لأنك تشعر أن الجدول الحياتي في رمضان يختلف عن الجدول في سائر الشهور، أليس كذلك؟ بشكل طبيعي الحياة ستختلف حتى في منزلك، أنه في صباح وفي مساء، الصباح كل العيلة صايمة، المسا بدنا نجتمع على مائدة الطعام.
يعني بعض العائلات بتتعرف على بعضها في رمضان تمام؛ لأنه عادة ما بيجتمعوا، الأب بيجي في ساعة مختلفة، والأبناء في ساعة مختلفة، والأم، دائما كل واحد جاري على جواله على حياته. في عائلات تتعرف على بعضها في رمضان، بيجي الأب: «إيه والله فلان أنت ابني؟ جزاك الله خير، وين الغياب طول السنة؟ مش شايفينك»، بيجلس على مائدة الطعام ليلتقي، بصير في نوع من هذه بركات من الله عز وجل، قد لا تنتبه لها، لكنها والله حاضرة. لماذا أقسم أنها حاضرة؟ لأن محمدًا ﷺ قال ذلك، قال: «شهر مبارك»، ولم يحصر البركة في مكان معين، في كل مساحاته فيه بركة. حتى العائلة سبحان الله، دخلها محدود، تجد بركة في دخل رمضان من حيث الطعام والشراب والحياة، قضاء ديونها، تفريج همومها، حتى الأغنياء تجد أنفسهم تطيب بماذا؟ بالصدقات في رمضان، فيرتفع أو يتحسن وضع الفقراء. إذاً لما أتكلم عن بركة رمضان، هي في كل الجهات وعلى كافة الصعود. إذاً هذه أول منقبة من مناقب رمضان، شهر مبارك؛ يعني نحن الآن نترقب بإذن الله شهرًا فيه بركة، نترقب ساعات بشهادة محمد ﷺ أنها مليئة بالخيرات والبركات، فهذا يجعلك أولًا في نوع من الاشتياق، يكفيني عنت في الحياة وإشكالات، خليني آجي لشوية ساعات فيها بركات وخيرات.
ثانيًا المنقبة الثانية: فرض الله عليكم صيامه. وهذه أيضًا من مناقب رمضان، أن هناك عبادة إلزامية تلزم الجميع في رمضان. شوفوا، لو كانت عبادة رمضان عبادة اختيارية لفرط فيها كما نحن نفرط في سائر العام، صحيح؟ لو كان صيام رمضان اختياري كما كان في أول الإسلام، في أول الإسلام كان من أراد أن يصوم فليصم، ومن أراد أن يتصدق عن صيام كل يوم فليتصدق، بعد ذلك ألزمهم الله جميعًا بالصيام: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: 185]. وجود عبادة إلزامية جديدة هو عنصر جديد يضاف في حياتك؛ يعني أنت خلال السنة كلها العبادة الفردية التي أنت تلتزم بها ما هي؟ الصلوات الخمس، واللي فيكم معه شوية قروش ممكن في زكاة، وللأغلب حتى الزكاة بجوز ساقطة عنه تمام، لكن ما هو العنصر الجديد الذي يضيف رمضان في حياتنا؟ المدخل الجديد الإلزامي واللي أنت بتشعر ما فيش مجال أنك تتملص منه، في عنصر جديد، مدخل جديد هو الصيام.
ولما ربنا عز وجل يلزمك به هذا الإلزام، ربما أنت تراه تكليفًا من جهة، لكنه من جهة أخرى إعانة من الله سبحانه وتعالى لهذه النفس؛ أنه أنا يا ابن آدم، يا أيها المسلم، أنا أريد ألزمك بالصيام لأنك تحتاجه، ولو لم ألزمك به لتفلتت نفسك، فمن مصلحتك أني ألزمك فيه. لو إني أعطيتك مساحة أنك تصوم وما تصوم، نفسك ستدعو إلى التفلت، لكنني أعرف مصلحتك، مصلحتك لا تكتمل إلا بأن ألزمك بالصيام فيه، فهذه منقبة أن الله أدخل علينا مدخلًا جديدًا في هذا الشهر نحن ملزمون به وهو مدخل الصيام.
وعندما نتكلم عن الصيام إخواني، أسرار الصيام حقيقة هذا لحاله درس، لكن حقيقة الصيام له دور كبير في الاشتغال على النفس الإنسانية من عدة جهات. أولًا الصيام يخفف من حدة الشهوات؛ نحن كبشر الله سبحانه وتعالى وضع فينا قوة شهوانية وقوة غضب. هذه القوة الشهوانية والقوة الغضب خلال العام تكون خرجت عن حد الاعتدال، هذه القوة الشهوانية التي بها تتزوج، بها تجلب المال وتحب التملك، بها تقضي أوطارك الحياتية، والقوة الغضب التي بها تغضب وتحصل الخصومات والمنازعات، وبها تجاهد وترابط وبها تدافع عن الدين، وبها تتشكل مع عائلتك وتعمل منازعات؛ هي هكذا الحياة، كل إنسان فينا عنده قوة شهوانية وقوة غضب. هذه القوة يجب أن توجه بالاتجاه الصحيح ويتم ضبطها في الأماكن الصحيحة، فالقوة الشهوانية يجب أن توظف في كسب المال بالصورة الحلال، أن تلبي شهوة المال بأن تكسبه بالصورة الحلال، أن تلبي شهوة الجسد بالزواج الحلال، وأي شيء أعلى من ذلك من العلاقات المحرمة أو النظر الحرام هو طغيان في قوة الشهوة وتجاوز للحدود.
نفس الشيء في القوة السبعية، قوة الغضب؛ الآن الغضب الذي يحمل الإنسان على النهي عن المنكر عندما يراه، الغضب الذي يحمل الإنسان للرباط في سبيل الله، الغضب الذي يجعل الإنسان يغضب إذا رأى محارم الله تنتهك، هذا غضب شرعي، يغضب عندما يرى ابنه في البيت بيعمل شيء حرام، عندما يرى ابنته تراقب الحرام، هذا غضب شرعي، لكن أحيانا الغضب يتجاوز المساحة الشرعية ويطغى أيضًا، فيصبح غضبًا لا يرضي الله، غضب من مشاكل عائلية، غضب على توافه الحياة على دنيا فانية، فتجد أن الغضب أيضًا تجاوز مداه. يأتي رمضان أيها الكرام ليعيد القوة الشهوانية والقوة الغضب إلى مستواها المعقول الطبيعي، لأن الصيام فيه هذه الخاصية، الصيام يضيق مجاري الشهوات؛ الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، لذلك سبحان الله، أكيد كلكم جربتم الصيام، كيف تجد نفسك في نهار رمضان وأنت صائم تجاه التفكير بالشهوات؟ تجد نوعًا من الذبول، يعني طبعًا على حسب اهتمام كل شخص السابق بالشهوات، لكن حتى أكثر الإنسان اهتمامًا بالشهوات يجد أنه في نهار رمضان وهو صائم في نوع من الذبول في التفكير بهذه الأمور والتخفف منها، يعني متى بيرجع له شيطانه؟ بعد الإفطار، شبع يرجع له التفكير، لكن هذا مصداق قول النبي عليه الصلاة والسلام: «يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم». إذاً الصوم هو قادر على تضييق التفكير بالشهوات.
ذاك الشاب الذي هو في حياته الطبيعية في غير رمضان 24 ساعة ماسك الجوال، بطلع المقاطع الحرام، عينه زائغة، علاقات محرمة، متوتر، بيجي صيام رمضان 30 يوم، يعني رمضان هو مش يوم يومين، أنت بتحكي عن 30 يوم، هي كفيلة أنها تخفض مستوى التفكير لأقصى درجاته، خليني أقول لأقصى درجاته، وهذا يعيد تلك النفس الجموح يعيدها إلى شيء من التوازن.
أيضًا وهنا سأدخل إلى قضية أن رمضان أيها الكرام ليس فقط صيامًا. وقلت في محاضرة قبل أيام كانت في مجتمع الفتيات، قلت لهم: أظن أننا نحتاج أن نعيد تعريف رمضان في عقلنا الباطن؛ أكثرنا ماذا يفسر رمضان؟ كيف ينظر إلى رمضان؟ أنه رمضان شهر الصيام، هذا تعريف رمضان: رمضان صيام، وأظن هذا تضييق جدًا جدًا لمفهوم رمضان. رمضان ليس فقط صيامًا، الصيام شعيرة من الشعائر المهمة في رمضان، لكن رمضان مش فقط صيامًا، رمضان صيام في النهار وقراءة قرآن وقيام ليل وضبط للنفس وأشياء كثيرة من الأخلاقيات والسلوكيات يجب أن تؤخذ في رمضان، فتعريف رمضان أنه الصيام بخلينا أيضًا نفقد الكثير من مزايا رمضان، كثير من الناس هو متصور أنه أهم شيء عندي في رمضان أني أصوم من الفجر للمغرب، إذا عملت هالقضية طول الليل ما حدا يسالني، ما حدا يسالني شو بدي أسوي، بدي أضلني آكل وأشرب للسحور، بدي أضلني أتابع السوشيال ميديا أو جلسات مع الشباب وسهرات، يا أخي رمضان أخي صمت، إذاً هو في عقله الباطن ماذا يعرف رمضان؟ صيام، وهذا خطأ.
لما الله عز وجل مدح شهر رمضان، مدحه بصفات عديدة، وأول صفات قال: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة: 185]، ما قال شهر رمضان الذي فرضت عليكم صيامه. لما عرف القرآن رمضان ماذا قال؟ ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ هكذا عرف ربنا رمضان تمامًا، كتب عليكم الصيام فيه حتى تكون إحدى الشعائر، لكن رمضان مش فقط صيامًا، رمضان هو مشاريع قرآنية، رمضان هي مشاريع دعاء، رمضان هي قيام الليل، رمضان هو الإخبات إلى الله، رمضان هو الجود والكرم والصدقات، نعم ما في شيء واجب أساسًا إلا الصيام، لكن هذا من الناحية الفقهية، لكن من الناحية الإيمانية كل شيء واجب، فلا بد في رمضان أن تفعل جميع أشكال التعبد.
وهذا سينقلني إلى المنقبة الثالثة التي ذكرها الحبيب المصطفى ﷺ في الحديث لما قال: «أتاكم رمضان شهر مبارك، كتب الله عليكم» أو «فرض الله عليكم صيامه»، قال: «تفتح فيه أبواب الجنة». طيب قال تفتح فيه أبواب الجنة، طيب هو باب الصائمين ايش اسمه؟ باب الريان، طيب ليش مش هو لحاله اللي بيفتح؟ مش إحنا جايين على رمضان صيام؟ إذا كان فتح باب الريان، لا، ما قال باب الريان، ايش قال؟ الأبواب كلها، باب القرآن وباب الجهاد وباب الصلاة وباب الصدق، كل الأبواب ستفتح؛ لأنه رمضان ليس فقط للصيام. في باب الريان سيفتح إن شاء الله، لكن في أبواب أخرى تنتظرك في رمضان، كلها تفتح، باب الصلاة بانتظارك في رمضان، باب القرآن بانتظارك في رمضان، باب الجهاد والعطاء للأمة بانتظار في رمضان، باب الصدقة بانتظارك في رمضان. إذا قال: «تفتح فيه جميع الأبواب» على كافة الصعد، إذاً احذر أن تختزل رمضان في عبادة الصيام؛ لأنك ستفقد التغيير المرجو منه، بل من الآن حاول أنك تكون موضوع الصيام هو أحد المشاريع لكن ما مشروع ضمني موجود، حط مشروع سقف أعلى، أن أنا في رمضان هذا لي مشروع قرآني، يعني هذا هو التركيز عليه، يعني مش تركيزي أني راح أصوم، إنك راح أصوم، راح تصوم، أنا بدي خيارات، لا، خلي عندك تركيز على مشاريع جديدة، في عندي مشروع مدارسة سورة معينة، مشروع ختمة تدبرية، مشروع مالي إذا كنت من أصحاب الأموال صدقات معينة بدي أعمل لي فيها مشروع، مشروع صلوات قيام الليل بدي أرفع سقفها، وفي أدعية معينة من الآن بدي أجهزها لرمضان، بدي أكون الساعة 2 بالليل صاحي مستيقظ، ركز على عبوديات أخرى مع الصيام، ركز على عبوديات أخرى مع الصيام حتى تنتج، حتى تشعر بحلاوة رمضان وقدرته على التغيير.
لذلك النبي عليه الصلاة والسلام أيضًا لما عرف رمضان ركز على عبوديات أخرى غير الصيام، ماذا قال؟ قال: «إذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابه أحد أو شاتمه فليقل إني صائم». ومن لا يفعل هذه الأمور، من يكون صيامه كله مشاكل وهو سيارة توتر وعالي، «وليش أنت كذا» وما حداش يحكي معي «أنا صائم»، الذي يكون صيامه توتر وقلق لمن حوله، هذا سماه النبي ﷺ «رب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع»، يخلف عليه بس وجاع، لكن ثواب انسى، لأنه هو فقط يعرف رمضان على أنه صيام، لا، الله عز وجل يريد أن يكون رمضان أيضًا فرصة لضبط النفس، يعني وأنت بتصوم في عبوديات أخرى أنت مطالب بها في رمضان. إذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، والحديث قال كذا، يعني وأنت صائم في عبودية أخرى أريدها أن تتحقق وهو أنه لا تتكلم كلامًا بذيئًا، لا تدخل في مشاكل ونزاعات مع الناس، لا تصخب، لا ترفع صوتك، لا تكون متوتر، هذا ابتداءً. وإذا شخص اعتدى عليك وأنت صائم، كيف بدها تكون ردة فعلك؟ «فليقل إني صائم»، يعني في عندك عبوديات معينة بدك تركز عليها، ما تقول لأنه بالعكس أنا شايف أن المجتمع بتضيق أخلاقه في رمضان، بتختلف تصرفاته، قيادته للسيارات، الأب مع زوجته مع أبنائه، في نوع من التوتر، وهذا خلاف المقصود من رمضان، المقصود أن تهذب الأخلاق والسلوكيات وليس فقط الصيام.
فإذاً أنت مطلوب أنك لا ترفث ولا تصخب، وإذا سبك أحد في هناك تفاعل معين بده يكون في رمضان وهو تفاعل «إني صائم»، هيك بدها تكون طريقة جوابك، وإذا لم تفعل هكذا، قال ﷺ: «من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل»، طبعًا قول الزور هنا القول الذي كله خطأ وآثام، ليس فقط يعني شهادة الزور لا، قول الزور كل قول لا يرضي الله، «من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه»، الجهل هو السب والشتم يسمى جهلًا، إذاً أنت أثناء صيامك ما تركت التوتر والعصبية وضيق الأخلاق، الله عز وجل.
ليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه، نحن لا نستفيد من اختصاره، نحن نريد من الصيام أن يهذب مضايق الشهوات ويهذب الأخلاق السبعية والغضب. لاحظ كيف رمضان يشتغل على كل الزوايا؛ كما أن الصيام يهذب الشهوة فلا يرفث ولا يصخب، يهذب أيضاً الغضب والقوة السبعية، يجعلك تروق وتأتي على حالك في الروغان والهدوء وضبط النفس والأعصاب. هذه كلها أمور يجب أن تحصلها من مدرسة رمضان؛ لذلك قال: تفتح فيه أبواب الجنة. إذاً نحن أتينا إلى طوفان من الأعمال الصالحة، نحن نتكلم عن طوفان من الأعمال الصالحات، كله نقلات نوعية في الجهاد، في الصدقة، في الصلاة، في الصيام، في الدعاء؛ وهذه بركات رمضان. ماذا تريد أفضل من هذا الضيف العظيم؟ والله شيء عظيم إخواني، أنت مقبل على أمر عظيم، مقبل على أمر عظيم بعد أيام، واحمد الله عز وجل واسأله أن يبلغك؛ فهناك أناس يموتون قبل رمضان بأيام، أسأل الله أن يبلغك، فإنه والله ضيف عزيز وحالة عظيمة جداً. كان السلف يدقون جرس الخطر بالنسبة لهم، أو الإنذارات كلها تشتغل رمضان، رمضان؛ يعني حالة إيمانية ونقلة نوعية هائلة. محروم كل الحرمان من لم يستطع أن يخرج منها بالنتائج المرجوة، لذلك النبي عليه الصلاة والسلام لما صعد على المنبر ماذا قال: «رغم أنف امرئ أدرك رمضان ولم يغفر له». يعني هذا الإنسان ما يستاهل، رغم أنف امرئ يعني أذله الله، رغم أنفه بالتراب، ذاك الشخص الذي ربنا يعطيه عمراً حتى يدرك رمضان ومع ذلك يخرج من رمضان بدون مغفرة. لا، رمضان لازم تطلع منه بمغفرة، لازم تطلع منه بتغيير جذري؛ لأنه هو قادر على أن يصنع الفرق، قادر على أن يغيرك، فإذا أنت طلعت من رمضان زي ما دخلت، أنت إنسان لا تستحق الهدايا، أنت إنسان فيك مشكلة، أنت إنسان غير واعٍ، إنسان غير مهتم؛ وبالتالي فعلاً رغم أنفه وأذله الله بالتراب الذي يأتيه رمضان وربنا يعطيه فرصة ليدرك رمضان ولم يخرج منه بالمغفرة المطلوبة.
يقول محمد صلى الله عليه وسلم: «أتاكم رمضان شهر مبارك، فرض الله عليكم صيامه، تفتح فيه أبواب الجنة». قال: «وتغلق فيه أبواب النار». قضية تغليق أبواب النار في رمضان يا أيها الكرام تدل على أن الله سبحانه وتعالى يريد أن يقلل من الداخلين لجهنم، يعني يريد أن يفتح فرصة لأصحاب الذنوب، لأصحاب المعاصي، لأصحاب التاريخ السيئ أنه افتح صفحة جديدة، ها هيني بدي أغلق لك أبواب النار، أريد أن أفتح لك أبواب التوبة، أبواب الإقبال على الله، أبواب فتح الصفحات الجديدة مع ربك عز وجل. أغلقت أبواب النار لأني أريد أن أراك على عتبات الجنة، أغلقت أبواب النار لأنني أريد أن أراك على عتبات الجنة. ولأن لله في كل ليلة من ليالي رمضان -شوف هي الميزة العظيمة- كل ليلة من ليالي رمضان فيها عتقاء من النار، هذه لا توجد في غير رمضان، فيريد سبحانه وتعالى أن يخرج وأن يعتق وأن يقلل الموحدين الذين يدخلون جهنم من خلال ذاك العطاء الإلهي والكرم الرحماني الذي يكون في رمضان ويختص برمضان ولا يكون في غيره على هذه الصعد إلا في مواسم الخيرات الأخرى. فإذاً قضية إغلاق أبواب جهنم هذه فكرة يجب أن تشكل لديك قضية مهمة، أن الله سبحانه وتعالى في هذا الشهر قادر أن يعتق رقبتي من النار أو أن يجعلني أحد المعتقين من النار إذا تعاملت بجدية وباهتمام وأقبلت على الله سبحانه وتعالى بصدق، فبدي أستغل الفرصة، أحياناً في هناك فرص لا تكرر. الله بقول لك أنا أغلقت أبواب جهنم، أنا أريدك أن لا... لا أريد أن أراك هناك، لا أريد أن أراك يوم القيامة من أهلها؛ فاستغل رمضان الذي أنت مقبل عليه في ماذا؟ في التوبة والإقبال على الله والاستغفار من ماضيك السيئ، من ذنوبك وخطاياك التي أثقلت كاهلك خلال العام.
ثم أيضاً من مناقب رمضان التي بشر بها النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه قال: «وتغل فيه مردة الشياطين». وهذه إعانة ما بعدها إعانة، لأن الإنسان إنما يأتيه الضعف من شيئين: من الوسواس الخناس وهو العدو الخارجي، ومن النفس الأمارة بالسوء، والأصعب هو العدو الخارجي لأن هذا أنت لا تستطيع أن تسيطر عليه، أما نفسك التي بين جنبيك فأنت تستطيع أن تهذبها وأن تسيطر عليها؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم يعطيك بشارة أن مردة الشياطين تغل، أي تمنع من التأثير. ولاحظ أن هذه الرواية قال: «وتغل فيه مردة الشياطين»، المردة اللي هم الحيتان الكبار تعون الشياطين، لكن صغار الشياطين هل أيضاً تغل؟ في خلاف بين أهل العلم حقيقة، والذي يظهر لي ونشوفه في الشارع أنه لا، يعني الشياطين لسه بتضلها شغالة تمام؛ لأنه في ناس في رمضان عادي بتشوفه في مقهى أو بتشوفه بيحضر أفلام ومسلسلات، طيب هذا، صح في ناس هو أصلاً شيطان تمام، هو نفسه الأمارة بالسوء بحد ذاتها شيطان إنسي، بس يعني الذي يظهر والله أعلم أن الذي يغل هو مردة الشياطين، لكن الصغار هؤلاء، وهؤلاء طبعاً الصغار تأثيرهم أقل من تأثير الكبار، الصغار تأثيرهم أقل، ولكن مع ذلك نحن والله نرى لهم تأثيراً؛ لأنه بعض الشباب كما قلنا بعد الإفطار هناك المعاصي والذنوب حاضرة عنده، يعود للمسلسلات والأفلام والنظر للحرام والعلاقات المحرمة، وفي نساء تبقى على مفاسدها وأخلاقها السيئة، وفي إنسان يقول الحرام أثناء النهار وأثناء الليل؛ إذاً لا، في معاصي شغالة وفي شياطين شغالة وفي نفوس أمارة بالسوء شغالة.
لكن الله سبحانه وتعالى يبشرك أن المردة الكبار اللي هم الأكثر تأثيراً، الأكثر تأثيراً، أنا ريحتك منهم خلال هـ 30 يوم؛ بالتالي أنت قادر على أن تصنع الفرق، قادر أنك إذا أردت، إذا أردت، إذا عزمت أن تربي نفسك، مساحة التغيير في رمضان أسهل بكثير من مساحة التغيير في غير رمضان. مساحة التغيير إخواني في رمضان أسهل من التغيير في غير رمضان، بالتالي إذا أنت ناوي تغير في حياتك، أفضل وقت لاتخاذ القرارات قرارات التغيير هو رمضان؛ ليه؟ لأنه كما قلت لك مساحة الضغط الخارجي نوعاً ما محدودة، محدودة، أنا مش عم بقول لك أنها راحت تماماً، لكن مساحة الضغط الخارجي محدودة، بالتالي رمضان أحسن وقت حتى تتخذ عهود مع الله وتغييرات جذرية في الحياة وقرارات حاسمة.
ولذلك دائماً كانوا مشايخنا يقولون: لا تجعل رمضان فقط موسم للتأثير، بل اجعله موسم للتغيير. يعني إحنا لما ندخل في رمضان بكون ربما هم كثير من الناس أنه يتأثر، له بشوية إيمانيات في رمضان، يعني يبكي له كم ليلة، يعمل له كم موقف، بس بعد رمضان هو هو يرجع لنفس المعاصي والذنوب والأخطاء، لا ما هو في شيء غلط؛ رمضان مش فقط المطلوب أني أتأثر إيمانياً بدعاء في التراويح بكيت معه وجزاك الله خير، يعني جيد، بس يعني أنا ما بدي التأثيرات الموضعية؛ بتعرف بعض الناس يتأثر موضعياً خلال قراءة إمام، خلال ساعة ليل، خلال قيام ليلة القدر، بس فعلياً بعد رمضان هو هو، ما في شيء تغير في حياته؛ إذا بيشتغل في الحرام لسه بيشتغل في الحرام، الأموال الربوية هي هي، إذا عنده علاقات محرمة مع نساء ما زالت موجودة على حالها، إذا عنده أخطاء وذنوب وخطايا هي هي ما في أي تغيير، بس والله بكيت أنا في ليلة من ليالي رمضان، هذا اسمه تأثر مش تغير؛ يعني أنت تأثرت ماشي، ربما هيك صوت جميل مع دعاء صادق عمل لك وميض تمام. بتعرفوا لما الله وصف المنافقين قال: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِم مِّنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ * يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُم مَّشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾ [البقرة: 19-20].
هذه أصلاً صفات المنافق، أن المنافقين أنواع، لعنا إن شاء الله في برنامج تزود وهذا العام نتدارس سورة البقرة ونتكلم عن أنواعهم؛ في منافق هو ليس خالصاً في النفاق عنده مادة إيمان بس مادة إيمان ضعيفة، هذا المنافق هو اللي بتيجي ومضة إيمان بيتأثر فيها بس بكمل، قال كلما أضاء لهم مشوا فيه وإذا أظلم عليهم قاموا، هي حالة نفاق، اللي هو التأثر اللحظي، بس بعدين ما في شيء تغير؛ هو هو، أنا نفسي اللي بفعل الذنوب والمعاصي ومصر على معاصي الخلوة، مش عم بتخذ قرارات في معصية معينة خلص من رمضان راح أنهيها؛ شاب مصر على مثلاً عادة سرية انتهت في رمضان، شاب مصر على علاقة مع فتاة معينة خلص راح أنهيه في رمضان، لا كثير من الشباب هو يحصل عنده تأثراً بس ما بياخد قرارات، وهذا لا يصلح، رمضان شهر القرارات الصعبة وشهر القرارات الحاسمة، شو ما كانت المعصية، وأنا بفضل أنك تركز على أشياء معينة في حياتك، ربما إذا كان عندك مشاكل كثيرة أن تكون كل القرارات مرة واحدة قد يثقل كاهلك، وإن كان هذا هو المطلوب، لكن على الأقل أعطيني قرارين حاسمين بعد رمضان، أعطيني أنك تغيرت؛ أما تأثر لحظي فهذه صفات أصلاً من صفات المنافقين اللي هو ما بيتغير وما بيتحسن بس بتيجي ومضة إيمان، بعدين أظلم عليهم قاموا، بتيجي ومضة إيمان بعدين أظلم عليهم قاموا.
والمشكلة أنه خادع نفسه وبفكر أنه ومضة الإيمان هذيك معناته أنا العابد الزاهد الولي الصالح، أنا بكيت مع الإمام في التراويح، أنت ماشي أنت بكيت جزاك الله خير أو تأثرت في ومضة إيمانية بس أنت ما تغيرت أبداً، والمشكلة أنه برضه ما فكرت في التغيير، يعني أنا المشكلة الأكبر عندي أنك ما فكرت أنك تغير، لا هو يريد أن تبقى معاصيه كما هي، ونفس المعاصي والذنوب هو أصلاً بعد رمضان رح يرجع لها، وهو حاكي مع نفسه أنه بس شوية هيك راح، الآن وقت مستقطع بس بعد رمضان راجعين، هذا إذا ما عملها في رمضان طبعاً، بس الفكرة أنه هو ماشي عنده شوية إيمانيات يتأثر بها في لحظات معينة، لكن هي غير منتجة، وهذه مادة نفاق، تكون مادة النفاق غالبة على القلب. إذاً رمضان أيها الكرام شهر للتغيير، شهر لاتخاذ قرارات لتنتقل نقلة نوعية، وربنا عز وجل عم بساعدك، ربنا بقول لك مردة الشياطين أنا ريحتك من ملفهم الآن، هم غير حاضرين في حياتك، استغل هـ الفرصة وهذا العطاء الإلهي لتتخذ قراراً قوياً لتغير من أمور حياتك.
طيب بعد ذلك ماذا قال النبي عليه الصلاة والسلام بعد أن قال وتغل فيه مردة الشياطين؟ قال: وفيه ليلة هي خير من ألف شهر. إذاً من ميزات رمضان أنه فيه ليلة الجوائز العظيمة، ليلة موجودة في رمضان، ليلة الجوائز العظيمة وهي ليلة القدر، مخزونة ومدخرة لشهر رمضان، وهذا بحد ذاته من المبشرات؛ يعني النبي عليه الصلاة والسلام عم يتكلم معهم أول الشهر أنه ترى في الليلة التي تنتظرونها، ها الليلة التي تساوي في عبادتها لمن قامها بحقها عبادة 83 سنة، هذه ليلة موجودة خلال هذا الشهر. تخيل أنه في ليلة واحدة في هذا الشهر إذا أحسنت قيامها وأداء حقها أنت تحصل ثواب 83 سنة، ماذا تريد أفضل من هذا؟ يعني كأنك اختصرت على نفسك كثير من المسافات، وهذا يعرف قدره كما قلت من هو مهتم بالإيمان؛ إخواني يعني في ناس أصلاً لما نتكلم معهم في قضايا الإيمان هو ضياع الأمان على بعضها مشكلة، دمار، يعني مش مهم في حياة الإيمان هذه الأمور منحف لها آه، 83 سنة في ليلة! هذا المومين يعني بيعرف الجنة بيعرف اليوم الآخر بيعرف لقاء الله سبحانه وتعالى؛ بالنسبة له كنز عظيم جداً جداً، مستحق أن أقوم كل رمضانات لعلي أصادف ليلة القدر فيه. تمام، لكن في أشخاص يعني حتى دائماً أنا بقول للإخوة لما نتكلم مثلاً عن رؤية وجه الله عز وجل من أعظم النعيم الذي يذكره أهل السنة في العقائد، ما هو أعظم نعيم الجنة؟
ما هو؟ أن ترى وجه الله سبحانه وتعالى؛ بقول لهم طيب هكذا يذكر علماؤنا، لكن أنت في واقعك لما أجِ أكلمك عن الجنة، أقول لك عن رؤية وجه الله عز وجل ولا الحور العين؟ صراحة يعني تمام؛ يعني لما نجي نفتح الملفات مؤلم عندنا، بتجد الشخص لما تتكلم له عن الحور العين وعن أوصافها وعن جمالها بدوب معك وبتفاعل بكل شعره وأحاسيسه، قل له عن رؤية وجه الله والله حلو يا شيخ جزاك الله خيراً، أمور تمام يعني! طب ليه؟ طب ما هو إحنا في الأحاديث والآثار أنهم لم يعطوا أعظم من رؤية وجه الله عز وجل وأن يحل رضوانه عليهم؛ أسى أنا ما بدي أكون مثالي حتى أكون واقعياً معكم، لكن بدك تفهم أن الناس متفاوتة في فهمها للإيمان، الذين أحبوا الله حقاً في الدنيا من قلوبهم، بالنسبة لهم لو ما في الجنة حور عين ولا طعام ولا شراب، لكن في فقط رؤية وجه الله، هذا ألذ إليهم من الطعام والشراب ومضاجعة النساء على الفرش، لأنه هو يحب الله من قلبه، هو فاهم شو يعني أنا بحب ربنا، فاهمها مش دارس؛ يعني هس أنا بعطيك درس، هس في واحد دارس بس في واحد فاهم، أو على الأقل يشعر بهذه المشاعر، الذي يشعر بمشاعر محبة الله هو فاهم ما معنى أن أعظم شيء أن ترى.
الله عز وجل في الجنة، فَقِس على هذا. موضوع رمضان عندما أقول لك إن فيه ليلة خير من ألف شهر، وكثير من الناس هو أصلاً ضمنياً سامع هذه المعلومة من عشرين سنة، ليس أنا أول واحد أعطيته هذه المعلومة، ويقرأ كل مرة في سورة القدر. طيب ليش كل شهر رمضان لازم أبشرك هذه البشارة؟ ترى فيه ليلة خير من ألف شهر، لماذا كل رمضان؟ النبي صلى الله عليه وسلم لم يكرر هذا الأمر؛ لأن الصحابة كانوا يهتمون بقضايا الإيمان، بالنسبة له موضوع مهم، أنا والله فعلاً أنا أريد أن أصنع الفرق في حياتي، أنا عارف أن هذه الليلة كفيلة أن ترفعني في الجنة درجات هائلة.
وعلى قضية صناعة الفرق، خلينا الآن نذكر الحديث؛ حديث طلحة بن عبيد الله رواه الإمام أحمد في مسنده، وصححه كثير من أهل العلم، حديث طلحة بن عبيد الله حديث حقيقة عظيم يعطيك قيمة أنك تدرك رمضان وتدرك ليلة القدر. كان رجلان من الصحابة من قبيلة بَلِيّ، تعرفوا قبيلة بلي هذه قبيلة أصلها كانت في المدينة والحجاز وما حولها، كان هناك رجلان من الصحابة من بلي، هذان الرجلان كان أحدهما أشد اجتهاداً من صاحبه؛ أشد اجتهاداً في العبادة، في قراءة القرآن، في قيام الليل، حضور مجالس النبي عليه الصلاة والسلام. وهذا الذي هو أشد اجتهاداً من صاحبه استشهد قبل صاحبه بعام، وصاحبه الذي هو أقل منه في الاجتهاد عاش عاماً كاملاً، ثم كتب الله له الشهادة في العام الذي يليه في سرية أو في غزوة من الغزوات.
قال طلحة بن عبيد الله: فنمت في المنام فرأيت في منامي أن سوق الجنة قد قام، وأن باب الجنة قد فتح، ونادى منادٍ على الرجلين، فنادى على الرجل الثاني قبل أن ينادي على الرجل الأول. نادى على مَن أولاً ليدخل الجنة؟ نادى على الذي هو أقل اجتهاداً، والذي مات في السنة الثانية، نادى عليه أن يدخل الجنة قبل صاحبه الأول الذي هو أشد اجتهاداً واستشهد قبله. قال فاستيقظت واستغربت من هذه الرؤية؛ يعني الثاني أقل اجتهاد ومات بعد صاحبه بسنة، طيب لماذا يدخل الجنة قبل صاحبه الأول؟ قال فحدثت بها الناس، وأصبحت هذه الرؤيا حديث المدينة حتى وصلت إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فاستدعى طلحة وسأل الناس ما هي الرؤيا، فأخبره طلحة بن عبيد الله بتفاصيل الرؤيا.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم بمعنى الحديث: أَتَعجبون من ذاك؟ قالوا نعم نتعجب يا رسول الله، كيف هو أقل اجتهاداً ومعروف أنه أقل اجتهاداً، واضح يعني بتعرف كيف شاب إيمانيات، عاقد حاله وكذا، بروح مع الشباب وكذا في المسجد، بس واحد طالب علم وشغال على حاله وقيام ليل وكذا، فأنت تستغرب يوم الجنة! إيه هذا الثاني اللي ميات أخفاف في ظاهر الأمر دخل قبل صاحبه؟ طبعاً كلاهما صادق، بدنا ننتبه، ليس في واحد فيهم كان مرائياً، لا، كلاهما صادق، لكن في واحد كان شغال على حاله أكثر زي ما نحكي، والثاني صادق بس شغال على حاله أقل.
الآن ما الذي صنع الفرق بينهما؟ النبي صلى الله عليه وسلم انظروا ماذا قال، قال عن الثاني: أوليس قد أدرك رمضان فصام؟ يعني الثاني عاش بعد صاحبه سنة، فقال أوليس قد أدرك رمضان فصام؟ يعني مش الثاني أدرك رمضان أكثر من صاحبه الأول؟ الأول أدرك سبع رمضانات، الثاني أدرك ثمان رمضانات. أوليس قد أدرك رمضان فصام وصلى فسجد كذا وكذا في السنة؟ قالوا بلى يا رسول الله. قال: «فوالله الذي بينهما كما بين السماء والأرض في الجنة». متخيل شو الذي صنع الفرق بينهما في الجنة؟ يعني هو ليس فقط دخل قبله، المنازل اختلفت بشكل هائل، فوالله الذي ما بينهما كما بين السماء والأرض في منازل الجنة؛ لأنه أدرك رمضان جديد، ومنح فرصة استغلال رمضان جديد بما فيه من الصيام والقيام.
إذاً طول العمر إذا استغل بالحسنات والصالحات خير من قصر العمر، لذلك جاء في الحديث: «خياركم من طال عمره وحسن عمله». الثاني الذي صنع الفرق بينه وبين الأول إخواني رمضان واحد؛ رمضان واحد أدركه الثاني لم يدركه الأول قدراً، والله أعلم في اختيار المنايا، هذا قدر الله النافذ، لكن هذا قدر الله، الثاني الذي هو أقل عبادة وأقل اجتهاد، رمضان واحد صنع الفرق في جنات النعيم. إذاً لا تقل لي رمضان هذا زي اللي قبله، مستحيل! رمضان يصنع الفرق، رمضان واحد ربنا يعطيك فرصة إدراكه كفيل أن يجعل الفرق بينك وبين من مات قبل رمضان في جنات النعيم منزلة في الجنة كما بين السماء والأرض.
فاللهم بلغنا رمضان، أي والله اللهم بلغنا رمضان؛ لأنه بتحزن واحد يموت قبل رمضان بيوم، الفرق بينه وبين منزله هائلة في الجنة، رمضان بس! طبعاً رمضان رمضان صح، يعني رمضان بصيام، رمضان بقيام، رمضان بذكر، رمضان بقرآن، مش رمضان اللي إحنا أو كثير منا خلينا نقول يخطئ فيه. فإذاً الحمد لله الذي بلغكم رمضان، هذه نعمة عظيمة، ولا تقل لي رمضان هذا زي اللي قبله، أنت أظن الحديث وصلت رسالته، حتى لو أنه ما فيش تغيرات عظمى، لكن على الأقل هو كفيل أن ينقلك في الجنة من درجة إلى درجة ثانية، الفرق بينها وبين السابقة ما بين السماء والأرض.
فأرِ الله سبحانه وتعالى صدقاً وحباً وشوقاً، وتضع لك خطط وبرامج وأشياء طبعاً معقولة، ضمن السقف الممكن لتنجز في هذا الشهر، أرِ الله إقبالاً وشغفاً حتى الله سبحانه وتعالى يصدقك بالدرجات العلى، والتقبل والمغفرة والعتق من النيران. حقيقة رمضان أيها الكرام كما قلنا له وظيفة كبيرة في معالجة النفس الإنسانية وإعادة التوازن لها، ولكن أنا أريد أن أنبه هنا على أننا في رمضان نمارس الكثير من الممارسات الخاطئة تجعل رمضان يفقد قدرته على التحسين من أنفسنا، ولعل بعضها أشرت إليه في أثناء الكلام، لكن أريد أن أركز على قضية معينة.
نحن قلنا أيها الكرام إن رمضان والصيام بالتحديد الذي في رمضان يعمل على التخفيف من الشهوات، ويعمل على تهذيب النفس، نحن نمارس ممارسات خاطئة تجعل هذا المفعول لرمضان يكاد يتلاشى. لماذا؟ الآن أنت لما تقلل الطعام أثناء النهار هذا بشكل طبيعي يقلل من الشعور بالشهوة أو الاتجاه لها، لكن نحن ماذا نفعل؟ نحن بمجرد أن نفطر تبدأ عملية الهضم والجهاز الهضمي يشتغل من الإفطار للسحور. يعني باختصار كثير من الناس هو برنامجه في رمضان ماشي في النهار صايم، لكن في الليل كله أكل، وعفواً تخمة في الأكل؛ يعني هو بيزيد وزنه في رمضان.
يعني هو الوضع الطبيعي أن رمضان يخفف الطعام، يخفف من انشغالك بالطعام والشراب، نحن نمارس عادات خاطئة، بالعكس؛ تصبح الدعايات الشيطانية تخرج لكم أنه شو سفرتك في رمضان؟ شو ناوي تجيب لعائلتك في رمضان؟ شو جهزت طبايخ رمضان؟ ويصبح حتى حديث النساء والناس ولابد أن العائلة تكون مدخرة ادخاراً عظيماً لهذا الشهر، وكأننا مقبلون على مجاعة، وكأننا مقبلون على حالة نخشى منها أنه ما نأكل أو نموت جوعاً. وهذا حقيقة خرم لقواعد رمضان، رمضان هو أن تتخفف من الطعام والشراب والشهوات عموماً في النهار وفي الليل.
ماشي في النهار صيام، أنت ملزم أن تتخفف أو أن تقطع تماماً، وحتى في الليل لابد يكون لك تخفف، وإلا لن يحصل المقصود من تهذيب النفس، بالعكس، أنه أنت بعض الناس بمجرد أن يؤذن المغرب تهجم النفس بشكل شَرِه وشرس على وجبات الطعام، الوجبة الأولى، وبعد التراويح الوجبة الثانية، والوجبة الساعة اثنتين وجبة السحور، والطاولة التي ما شاء الله فيها أنواع من الأطعمة هي غير موجودة في غير رمضان، يعني أصلاً في رمضان يزداد منسوب الطعام والشراب ويتضاعف بشكل هائل. إذاً نحن نضحك على أنفسنا شوي، قاعدين ماذا فعل رمضان من حيث تهذيب النفس؟ تهذيب النفس يعني التقلل من الطعام والشراب عموماً نهاراً وليلاً حتى تحصل تخفيف شراستها، هي النفس مستشرسة شهوانية تطلب طعام، شراب، شهوات، خفف! خفف حتى في ساعات الليل.
أنا مش عم بقول لك لا تأكل طعاماً جيداً، بس بقول لك حتى لما بدك تحلى خلص شيء عابر ومشي الحال، وأنا أصلاً برامج رمضان الإيمانية التي أنا مجهزها هي لا تسمح لي وقت للجلوس أمام الشاشات والسوشيال ميديا وأقعد آكل وأشرب، أنا مش فاضي، هيك الأصل، هيك الوضع الطبيعي أنه أنا بعد التراويح عندي برنامج قرآن، أو ساعة ذكر، أو ساعة دعاء، بجوز آكل لي مع العائلة حبة قطايف سريعاً، وبدي أرجع لبرنامج ثاني وبدي أنام مبكر على الساعة 11 حتى أستيقظ على الساعة ثلاث؛ لأن عندي برنامج قيام ليل، يعني أنت ما عندك وقت أصلاً لتفكر بقضايا الطعام والشراب كما يفكر بها الناس.
طبعاً غير العادة السيئة التي هي العزائم، ما بتحلوّ إلا في رمضان، يعني طول السنة ما حدا عازمنا، بيجي رمضان بتقول لهم لا خففوا شوي علينا، كل يوم في عزومة! ومشكلة العزائم يتبعها العادات الاجتماعية السيئة أنه أنت عزومة بدك تؤدي الواجب، بعدها ما بينفع تأكل وتروح، طيب لمتى بدي أظني سهران عند العم وابن العم والخال وابن الخال؟ بدك تضلك سهران للساعة 12 بالليل حواتي وكلام وعن رمضان وأسعار البنزين، طب أنا يا جماعة الخير أنا جاي على رمضان بدي أصلح إيماني، معقول كل يوم عزومة بدي أضيع ثلاث ساعات؟ والمشكلة أنفسهم بتشوفهم في كل العزائم، يعني اليوم اجتمعنا عند دار العم، اليوم الثاني العم الثاني عازمنا، طب هم نفسهم شفتهم، طب خلص حكينا معكم مبارح، لا اليوم بدك تلف عليهم خمسة أيام في رمضان، والإخوان نفس الشيء، بتضلك تعيد نفس الكلام، نفس إنتاج السواليف علشان تمر ساعات الليل.
حقيقة حرام هذا؛ استهتار بساعات رمضان، وأخشى أن يستبدلنا الله عز وجل ويحرمنا من رمضانات أخرى لأننا لا نلقي بالاً، بعدين أنت إذا روّحت على الدار 12 بالليل بعد السهرة متعب، راح تنام، راح تستيقظ قبل الفجر منعوس، أصلاً ما في فيك حيلة تقوم، وإذا قمت راح تقوم ركعتين مشي الحال، لا تتم ركوعها ولا سجودها ولا خشوعها، طب وين قيمة رمضان؟ بترجع تقول لا ما هيني بصوم! إذا أنت حاصل رمضان أنه صيام، أنت مش فاهم رمضان. يعني إياك تضلك ترجع لي أنه أنت تظن أنك إنسان كثير منيح في رمضان لأنك بتصوم، الكل عم بصوم، خاصة من أهل الإسلام والإيمان اللي عندهم أدنى مخافة من ربنا، حتى الذي عنده حرام وجماعة المقاهي وجماعة كوفي شوب، هم برضه عم بصوموا نوعاً ما؛ لأنه في عادة اجتماعية، الصيام أصبح عند بعضهم أكثر من كونه عبادة.
فأنت لا تظن أنك صنعت شيئاً كبيراً بمجرد أنك عم تصوم، أنت زيك زي غيرك، أنت مش عامل شيء مميز، المميز أنك تضبط علاقاتك الاجتماعية أيضاً زي ما حكينا ضبط الطعام والشراب، لابد أيضاً أن تضبط العلاقات الاجتماعية. إحنا طول السنة موجودين وما بنجتمع زي ما بنجتمع في رمضان، ليش بقول لكم أن الشياطين الصغار شغالة؟ يعني أنا ما زلت مقتنع أن مردة الشياطين فقط هي التي تُغل، لكن الشياطين الصغيرة شغالة، ولا هذه العلاقات الاجتماعية التي لا تحلو إلا في رمضان وما تزيد إلا في رمضان، مين اللي بجيبها ومين اللي يخادع بها؟ الشيطان.
تمام، ما هي ماشية ثقافة الواجب، والواجب أننا نفطر، جيد أنك تزور أقاربك وصلة الأرحام وديات رمضان، بس خلص ما في داعي لما بعد التراويح، أكلنا، جزاك الله خيراً يا عم، كفى الله، أديت الواجب، الآن تراويح وأنا عندي وِردي، أنا سامحني أنا مش فاضي. أن حتى العلاقات والعادات الاجتماعية تكسر إيمانك، احذر، إيماني أغلى ما أملك، فلا تجبرني على أنماط اجتماعية خاطئة أثارها الشيطان في حياتنا وفي أنفسنا من أجل أن يشغلنا عن رمضان.
طبعاً أنا هنا ما رح أتكلم عن الشاب اللي بيتابع مسلسلات رمضانية، أو أظن أني إذا لسه بدي أتكلم بهذا البعد معناته إحنا ضايعين، أنا لا أتصور شاب مسلم يهتم بالإيمان يفكر أنه يحضر مسلسل في رمضان، صراحة يعني، أنت الآن تحضر مسلسل بره رمضان نتفاهم شو المسلسل شو طبيعته، لكن في رمضان شاب مسلم وفتاة مسلمة من برامجها متابعة مسلسلات، أنا هذا إنسان سامحوني محروم، يعني في درجة من درجات الحرمان حاضرة، أن الله مش موفقه للخير. أنت شو بتتابع مباريات كرة قدم في رمضان؟ أنت عقلك معك؟ أنا بقول لك أتاكم رمضان شهر مبارك فرض الله عليكم صيامه، عم بتكلم لك عن شيء عظيم يبشر به محمد صلى الله عليه وسلم أمته، وأنت آخر شيء في عندك مباراة كرة قدم بدك تحضرها، وعندك مسلسلات على القائمة وجلسات عائلية، معناته أنت عندك مشكلة، معناته لا تقل لي بعد رمضان لماذا لم يغيرني رمضان؛ لأنه أنت ما فعلت المطلوب، أنت لم تحقق المطلوب.
فإذاً حتى لو كان شيء مباح، يعني واحد بيقول لك طب هو يا شيخ حضور المباريات حرام؟ أنا مش عم بركز الآن، عم بناقش موضوع حرام ولا حلال، أنا عم بركز، أنت متخيل أنه...
هناك ساعات في الليل في رمضان يعتق الله فيها كل ليلة عتقاء من النار، وربنا يراك على المباراة؛ أليس هذا نوعاً من الاستهتار؟ أليس نوعاً من عدم تقدير عطايا الله، عطايا ربنا سبحانه وتعالى؟
ورد في الحديث عند الطبراني: «إن لربكم في أيام دهركم نفحات، فتعرضوا لها». كيف أنت تتعرض للمطر حتى يصيبك من بركته، أو تتعرض لشخص حتى يعطيك شيئاً؛ قال: «فتعرضوا لها، لعله أن يصيبكم نفحة فلا تشقون بعدها أبداً».
فأنا هذه النفحة بهذا الحجم وبهذا الزخم وبهذا العطاء، أقابلها باستهتار وعدم اهتمام، وأني منشغل على السوشيال ميديا! السوشيال ميديا حقيقة ما ينبغي أن يكون للمسلم سوشيال ميديا في رمضان. بدك تتابع دروساً رمضانية مع مشايخ، خلص، تدخل على اليوتيوب تتابع الدرس وتخرج، أما فيسبوك وتيك توك وإنستغرام والشباب والتعليقات، فهذا من عدم تعظيم شعائر الله، ﴿وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: 32].
بدك تعرف أنه عندك تقوى القلوب؟ انظر إلى مدى تعظيمك لرمضان، انظر إلى مدى تعظيمك لرمضان؛ تعرف حجم تقوى الله في قلبك، وكم محبة الله في حياتك. إذا أنت تعظم شعائر الله وتعطيها الاحترام والتقدير وعدم الاستهتار، فأنت في خير بإذن الله. لكن إذا أنت ترى نفسك أن شعائر الله تضيع وأنت تائه عنها منشغل بدنياك، اعلم أن عندك مشكلة كبيرة في تقوى القلوب، وأن عندك مشكلة في تعظيم الله والخوف من الله سبحانه وتعالى.
محبة هذه النفحات؛ هذه أمور يجب أن تكون حاضرة في بالنا حتى إذا جاء رمضان إخواني، فعلاً فعلاً نحسن استغلاله. إذا أردت من رمضان أن يصنع لك الفرق، أعود فأقول: لا بد أن تعيد تعريف رمضان، أعد تعريفه في العقل الباطن وأقنع نفسك؛ لا، رمضان والصيام هذا شيء تلقائي، الكل عم بيعمله، لا، رمضان عندي شيء آخر. في عندي صور بدي أدرسها مع إخواني، في عندي أوراد معينة وأذكار برجع بقول بيني وبين الله، هذه بدي أواظب عليها.
يا أخي كلنا أصحاب حوائج؛ أليس كذلك؟ هل في واحد فينا مش صاحب حاجات؟ كلنا أصحاب حوائج من مشاغل الحياة والديون والهموم والأمراض، وحال الأمة المسلمة فوق كل ذلك، والمستضعفين. كلنا أصحاب حوائج؛ رمضان فرصة يا أخي أنك تبث حوائجك إلى الله، أن تكون هذه الثلاثون ليلة من ليالي بث الحوائج والشكوى إلى الله سبحانه وتعالى.
تمام علاقتك مع القرآن، الآن لو بدي أتكلم إخواني عن موضوع رمضان والقرآن، بنرجع بنقول لما ربنا عرف رمضان في القرآن، بماذا عرفه؟ ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة: 185]؛ هكذا عرفه. بالتالي العلاقة مع القرآن بدها تكون مختلفة تماماً تماماً، وفيها نوع من النهم والإقبال بشوق على القرآن، وليس فقط التلاوة.
سامحوني، أحياناً نركز على التلاوة؛ التلاوة لا بد، لكن بدك تدبر القرآن. مش هينفع تضلك تقرأ القرآن وأنت هذا الرمضان لبعضنا هو الأربعون الذي يدركه في حياته، وبعضنا يدرك رقم 30، وصحيح وبعضنا رقم 20، وإلى الآن هو مش فاهم معاني سور جزء عم، يعني هو مش فاهم ما معنى ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص: 1-2]، وحقيقة هذه مشكلة.
فلما يأتي رمضان حقيقة بدك ترفع منسوب تدبرك للقرآن؛ طيب ايش يعني رفع منسوب تدبري؟ قد تكون أنت إنساناً مش متخصصاً في التدبر، يا أخي اسمع للمشايخ وأهل العلم أو طلاب العلم أو الدعاة عبر السوشيال ميديا -اللي هي اليوتيوب طبعاً- اللي أعدوا برامج في هذا الموضوع أو دروساً، والمهم أنه ركز على تدبر القرآن وفهم سور القرآن. يا أخي لو خرجت من رمضان بفهم جزء عمّ، ما أنعم وأكرم؛ بفهم سورة البقرة، أنت مش رح تصير مفسر في شهر واحد، فاهم يعني، لكن على الأقل بدي أخرج بمعاني القرآن.
أنا ما بدي أخرج بس بختمات، الختمات الكل بيختم؛ افتح الصفحة وافتح الصفحة وافتح الصفحة، لكن القرآن لا يؤثر في حياتي بهذه الطريقة. لا بد وأن أركز على التدبر، واجعل التدبر أهم من مجرد التلاوة. رح يجي يقول لك: طب ما هو سيدنا الشافعي كان يختم في رمضان 60 ختمة، يا أخي سيدنا الشافعي كان فاهماً للقرآن، والله كان فاهمه، يعني هو لما يقرأ الـ 60 ختمة هو يقرأ وهو فاهم. بس أنت تقرأ وأنت مش فاهم، فهمت الفرق بينك وبينهم؟
لما يقول لك السلف كانوا يكثرون من تلاوة القرآن، هم يكثرون لأنهم كانوا يفهمون ويعرفون ماذا يقرأون. بالتالي كثرة الختمات عندهم لا تمنعهم من الفهم؛ هو يقرأ بوعي، حتى لو قرأ سريعاً هو فاهم معنى السورة، معاني السورة حاضرة. أما أنت يا أيها المسكين، أنت معاني السور الأساسية غائبة؛ أنا لو سألتك سورة البقرة شو موضوعها؟ أظنك رح تقول: والله ما أنا عارف شو الموضوع. في 20، 30، 40 موضوع فيها، لا هي أكيد فيها حبكة، بسموها حبكة السورة؛ هي الفكرة العامة لها، والمواضيع الجزئية تخدم هذا الموضوع.
فأنت وأنت بتقرأ سورة البقرة، أنت فاهم هذه السورة؟ ما هي المعنى أو هوية السورة بسميها أحياناً، شو هي الهوية التي بدها تصيغ حياتك؟ سورة آل عمران شو هويتها؟ ماذا تريد أن تقول لي سورة آل عمران؟ ما هي المعاني التي تريد أن تغرسها هذه السورة في حياتي؟ طب وأنا إذا ضليتني ختمات بعد ختمات وأنا لا أعرف هوية السور والمعاني الكلية للسور، إذاً أنا حقيقة القرآن مش عم بيأثر في حياتي.
فلما نقول شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن، والحياة مع القرآن في رمضان، هذه حياة تكون حياة حقيقية، حياة ذات قيمة. لا تركز فقط على مجرد التلاوة أبداً، خلي التلاوة مشروعاً من المشاريع، لكن ليس المشروع الأكبر، ولا تقارن نفسك بالسلف. السلف كانوا على درجة عالية من الوعي بالقرآن وإدراك مقاصده، أنت لست كحالهم، أو كثير منا على الأقل ليس كحالهم، فارفع منسوب تدبرك وفهمك وحضورك لمجالس القرآن والتفسير.
لذلك النبي عليه الصلاة والسلام كان في كل رمضان يتدارس القرآن مع جبريل، لقاء السماء والأرض، محمد صلى الله عليه وسلم الرسول البشري يلتقي مع جبريل الرسول الملائكي، في أعظم لقاء وهو لقاء السماء والأرض في رمضان، كان لا بد بينهم جلسة يتدارسون القرآن ويتلونه؛ وجبريل يخبره أن هذه الآية نُسخت، وهذه الآية ضعها هنا، وهذه الآية من سورة كذا، حتى رتب القرآن على ما هو بين أيديكم الآن. إذاً رمضان لتدارس القرآن، للحياة مع القرآن، وبرجع بقول: حاول حاول أن يكون كما قلت لك مشروعاً مع القرآن في رمضان، مشروعاً منطقياً.
حدد سورة، حدد أجزاء، حدد شيئاً تريد على الأقل أن تخرج في رمضان منه مع القرآن. لا تبقَ فقط على التلاوات الجافة، سامحني؛ لا تبقَ تقرأ القرآن وأنت مش فاهمه. إن شاء الله ثواب حاضر، لكن ليس هو المكسب الأعظم في حياتك؛ المكسب الأعظم أن تبدأ فعلاً تفهم القرآن. وصدقني، سورة واحدة تفهمها وتعيش معانيها وتشعر أنها أثرت في قلبك أفضل من 20 و30 ختمة، لأنه أصبح للقرآن معنى، أصبحت أستطيع أن أسقط القرآن على واقع الحياة وأتعايش مع القرآن.
بدأت تفهم ما معنى أن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم، بدأت أفهم هدايات القرآن. ليه دائماً بقول لك القرآن القرآن، يعني شو بده يعمل لي القرآن؟ بعض الناس هذا حاله؛ هو ماشي مؤمن أن القرآن شيء جميل ومعجز وكذا، لكن صدقني إذا برجع بقول لعقله الباطن وإلى الآن مش فاهم هو ايش بده يعمل لي القرآن؛ تعال قل له: القرآن أثر في حياتك؟ لا، ليه؟ لأنه مش فاهم.
بالتالي دائماً لا تبقَ تعيش قضايا الإيمان بشكل سطحي، ولا تبقَ تعيش قضايا الإيمان على القشور، حاول أن تدخل تدخل تدخل لجوا القرآن. لا، أنا بدي أدخل جوا القرآن المرة هي، بدي أعيش في عمق ولو سورة واحدة، ولو سورة واحدة أشعر فيها، أظن أني رح أفهم أنه لا، القرآن طلع شيء عظيم، بس أنا اللي قصرت طوال عمري، ما كنت مهتماً بتدبره، ما كنت مهتماً بالعيش في أفياء وظلاله. اليوم بدأت أعيش مع القرآن، وعندئذ ستقول: الحمد لله، الآن فهمت القرآن أو الآن على الأقل فهمت لماذا القرآن هداية.
إحنا دائماً سورة البقرة مطلعها ماذا؟ ﴿ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 2]؛ أنت إلى الآن أو كثير منا عنده مشكلة في فهم شو يعني هدى للمتقين؟ يعني أنا هيني بصلي وبصوم وبأبكي، لا لا، هدى في المشاعر، هدى في المسارات، هدى في الاختيارات، هدى في النظرة للكون والوجود، هدى من جميع الزوايا. ولذلك السلف كانوا منكبين على القرآن انكباباً تاماً حتى يستخلصوا هذه الهدايات ويفهموها ويعيشوا معها.
أنت الآن عم تسمعها نظرياً مني، لكن صدقني بس جرب إذا عشت مع سورة أو جزء؛ لا تكثر طبعاً، لأنه مستحيل أنت مرة واحدة تفهم القرآن إذا كنت بعيداً عن الحياة في أفيائه، لكن حاول في هذا الشهر أن يكون لك مدارسة، ومش وحدك؛ يعني ما، خاصة إذا أنت مش متخصص في التفسير والتدبر رح تجد مشكلة، بالتالي ما رح تعتمد على نفسك. اعتمد على أهل العلم الذين تثقوا بهم وبمدرستهم، اعتمد -وهناك بارك الله في عديد من المشايخ الذين يهتمون بهذه المشاريع- اعتمد عليهم بعد الله سبحانه وتعالى في فهم سورة معينة والعيش فيها، وبعد رمضان أخبرني ماذا حصل معي؛ أنت نفسك رح تختلف، تشعر أنه الحمد لله يعني هيك صح، هيك بدأت أفهم، هيك بدأت أعيش شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن.
واختيار رمضان ليكون الشهر الذي أنزل فيه القرآن، وليكون شهر التدارس بين جبريل والنبي صلى الله عليه وسلم، إياك أن تظن أنه اختيار ما يسمى اعتباطي، يعني مصادفة يعني؛ هل ربنا سبحانه أنزل القرآن في رمضان هيك مصادفة؟ ولا في حكمة لاختيار رمضان؟ شو اعتقادك أنت؟ أكيد في حكمة صح؟ يعني أنه نزوله في شوال وشعبان زيه زي رمضان يعني ما في شيء مميز؟ لا، اختيار رمضان بالتحديد لينزل فيه القرآن دلالة على أن الله وضع في أيام رمضان ما لم يضع في غيرها، واختيار رمضان ليتدارس جبريل مع النبي صلى الله عليه وسلم القرآن دلالة أن مدارسة القرآن في رمضان تختلف عن مدارسة القرآن في سائر الشهور.
إياك أن تظن هذه أمور هكذا جاءت مصادفة، بل مقصودة لله سبحانه. إذاً ساعات رمضان عظيمة عظيمة بالنسبة للقرآن، وأهم أهم مشروع لك في رمضان القرآن. برجع بقول: الصيام حاضر، أنت رح تفعله تفعله، بس خلي أهم مشروع لك في رمضان القرآن؛ افتح صفحاته، عش مع القرآن، خلي اهتمامك وتركيزك منصب عليه مع العبادات الأخرى من الذكر والدعاء والأذكار، لكن هو، هكذا هي هوية رمضان على الأقل فيما أفهمها؛ ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾؛ هذه هويته، بالتالي بدك تحافظ على هذه الهوية وتحافظ على اهتمامك بها وانشغالك بها وإعطائها مساحات واسعة.
الصيام إخواني هو عبودية باطن، يعني الصيام أنت في شيء راح تعمله غير أنك لا تأكل ولا تشرب والشهوات وترك مفطرات، طيب بعدين؟ الوقت عم بيمر، في شيء بدك الفعل بدك تعمله؛ فالصيام هو إمساك، لكن الإمساك خلص حصل، بتترك الطعام لكن الساعات لا بد وأن تملأ. فحاول أن تتخلص من نفسية الضجر نفسية الملل أثناء النهار، حتى صدقني ساعات عملك، إذا كان وقتك حر، يعني إذا أنت تاجر أو من أصحاب العمل الحر، أخي خفف شوي ساعات العمل.
إذا أنت طالب جامعي خفف له شوي التركيز في مواد الجامعة، يعني ما فيش داعي؛ يعني هسة أنت طول السنة نايم عن دراسة، ما بتجيك دراسة إلا في رمضان؟ يعني خفف له شوي شغل في الجامعة، يعني مشي الحال؛ لأنه في عندك ما هو أهم، كله بيروح، هذا آخر شيء تبقى بركات رمضان في حياتك. فتخفف من ساعات العمل مطلوب، بس مقابل أنك تشتغل مش تخفف ساعات العمل عشان تروح تنام، لا، مشان تروح تشتغل في القرآن أو الذكر؛ تخفف من الجامعة مشان عندك برامج، تمام، تخفف علاقات اجتماعية أمور حياة؛ خفف من كل شيء واجعل الحياة في رمضان بطعم آخر.
وهذا الموضوع أيضاً بدك تنقله لعائلتك وأسرتك، لأنه أحياناً إذا الأسرة التي حولك مش عم بتساعدك رح تشعر أنه برضه في نقطة ضغط وفي نقطة ضعف، أنه أنا ماشي يا شيخ فهمت الكلام وعرفت أنه أنا مقبل على كنز عظيم وحالة تغيير هائلة كبرى، لكن اللي حوالي مش عم بيساعدوني. أنت وظيفتك الآن تنقل هذه المعاني التي سمعتها لمن حولك، وأن تعبئ فيهم هذه التعبئة الإيمانية القرآنية الرمضانية، وأن تعطيهم.
وجميل أنك قبل رمضان تأخذ يا أخي كتاباً في فضائل رمضان، الأحاديث التي في فضائل رمضان أحاديث عظيمة، جميل أنك تستقرئ مع أسرتك وتتدبر فيها كمجلس أسري سريع، أنه يلا يا أولاد خلينا نتذكر معاني رمضان، ﴿أَتَاكُمْ رَمَضَانُ﴾ وتحكي لهم بعض المعاني العظمى حتى يكون هناك اهتمام عام من العائلة باستقبال هذا الزائر، لأنه ما بينفعش تكون أنت لحالك المهتم وكل اللي حواليك في الأسرة مش مهتمين؛ هذا سيشكل عائقاً، ولكن حتى لو كان هذا العائق موجوداً، أنت لك محرابك حتى في المنزل، يكون لك محراب التهجد الخاص فيك، مكان خاص لك في المنزل بعيد عن ضوضاء الأسرة والأطفال والأبناء، مكان تبث فيه حوائجك إلى الله، تبكي فيه، تقرأ فيه القرآن، يعني أحياناً أيضاً صناعة بعض الطقوس المنزلية ممكن تساعد الإنسان على هيك أن يختطف نفسه من الحياة، يختطفها.
بعيداً ويصنع حالة من الهدوء؛ لأنه أن تبقى دوماً في الضجيج ما رح تركز. حاول أن تخرج نفسك من ضجيج الحياة، ومن ضجيج المنزل، ما بينفعش، التلفزيون بده يتسكر في رمضان، ما بينفعش يظله فاتح، ما بينفعش، بدنا نشعر هيك شوية روقان وشوية هدوء حتى تلتقط أنفاسك.
لأنه جايك بعد رمضان، إذا ربنا كتب لك عمر، عام جديد، عام الله أعلم هل ندرك رمضان آخر أو لا؟ ورمضان بيعمل الفرق فعلياً، هل أنا سأدرك رمضان آخر أو لا؟ فاستغل رمضان هذا على أنه آخر رمضان لك. اليوم الحياة بتتقلب من وقت سريع، ما بتعرف الدنيا ماذا تخبئ لبلاد الشام وأهل الشام من الإشكالات والأمور، حياة سريعة وزخمة وصعبة، لا يعرف ما في المستقبل من الأمور.
فاستغل وكما قلنا البارحة، خذ من صحتك لسقمك ومن حياتك لموتك. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يعيننا على استقبال هذا الزائر الشريف الكريم، وأن يجعلنا أهلاً له، وأن يهيئ قلوبنا ونفوسنا لاستغلال ساعاته نهاراً وليلاً، أن يجعلنا من أهل الصيام، من أهل القرآن، من أهل الذكر، من أهل الطاعة، وألا يجعلنا من الغافلين، إنه سبحانه وتعالى الموفق إلى كل خير. صلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل