غراس العلم، طريقك نحو علم شرعي راسخ.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأصلي وأسلم على النبي المصطفى صلاة تترى، وعلى آله وصحبه ومن لنهجه اقتفى. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علما نافعا يا أرحم الراحمين.
حياكم الله أيها الشباب في هذا المجلس الطيب المبارك، وفي الأمسية الخامسة من أمسيات غراس؛ الأمسيات التربوية التي نحاول في كل شهر أن نسلط الضوء على قضية من القضايا التربوية أو الفكرية التي تهم الشباب المسلم المعاصر، نحاول أن نعالج مظاهرها وآثارها ونفهم كيف المسير إلى الله سبحانه وتعالى يكون من خلالها. أُمسيتنا اليوم كما أعلنا عنها ستكون حول فكرة ما هو معنى الحياة في واقعنا المعاصر.
حقيقة من أكثر الأسئلة التي تدور في خلد الإنسان السوي والإنسان المهتم هو سؤال ما معنى الحياة عموما. وهذا السؤال في واقعنا المعاصر أصبح يطرق بشدة للمهتمين بالدراسات الفلسفية والفكرية، تجد كتبا ومصنفات في الغرب وفي الشرق تهتم بطرح هذا السؤال: ما هو معنى الحياة في الواقع المعاصر؟ أو ممكن حتى نعكس السؤال ونقول: كيف يفهم الإنسان المعاصر معنى الحياة؟
ربما ستقول: هل الإنسان المعاصر والشباب المعاصرون فهمهم لمعنى الحياة سيختلف عن فهم أجدادنا وآبائنا؟ هل سيختلف عن الفهم الذي كان قبل 400 أو 500 سنة؟ هل سيختلف عن فهم الصحابة الكرام والجيل الأول؟ من خلال الطرح أو النقاش الذي سيدور اليوم بإذن الله ستعرف أنه فعلا توجد مشكلة كبيرة أصبحت في معنى الحياة، وهذه المشكلة ليس كما يظن البعض هي فقط في العالم الغربي، لا، بل هذه المشكلة مبتلى بها كثير من الشباب المسلم.
لذلك أيها الكرام، لو سألتك أنت كشخص مسلم أو كشاب مسلم: ماذا تعني لك الحياة؟ أو ما معنى الحياة؟ ما قيمة الحياة بالنسبة لك؟ ربما كل واحد منكم باندفاع الشاب المسلم المنتمي لهذا الدين سيجيب إجابة واضحة: أنا معنى الحياة يا شيخ بالنسبة لي واضح، هو أنني عبد لله سبحانه وتعالى، أعمل لعبودية الله عز وجل، وأنتظر الدار الآخرة لألاقي الجزاء. ستقول هذا الكلام، وهي إجابة مهمة موجودة عندك كشاب مسلم، لكنها إجابة نظرية إلى مدى بعيد عند كثير من الشباب.
لماذا أقول إجابة نظرية؟ لأن الواقع عند كثير من الشباب المسلم المعاصر، وهنا أنا لا أتكلم فقط عن الشباب غير المتدينين أو الذين يعيشون في مجتمعنا لكن بنمط الحياة الغربي، لا، بل أتكلم حتى عن شباب متدينين، بل حتى عن شباب قد يكونون من طلبة العلم، قد تصل إلى هذه المرحلة. أنا أتكلم عن عموم شباب المسلمين، حتى فئة المتدينين، حتى نحن كطلاب علم أو إنسان مهتمين بالخطاب الشرعي، أصبح لدينا شئنا أو أبينا كثير من التشوهات في فهم معنى الحياة.
الإجابة النظرية عندك حاضرة، وهو أن معنى الحياة أنني عبد لله سبحانه وبدي أعيش وسأحاسب يوم القيامة بين يدي الله. من الناحية النظرية برجع بقول لك إجابة جيدة، لكن من الناحية الواقعية والتطبيقية، عندما نلاحظ حال الشباب المسلم نعرف أن هناك تشوهات كبيرة واضحة في معنى الحياة لديهم، أو على الأقل بالنسبة للقطاع الأكبر منهم. فحتى لو الجانب النظري عندك سليم، وأن عقيدتك واضحة، لكن الجانب التطبيقي من خلال الملاحظات والمظاهر التي سأتكلم عنها بعد قليل، ستلاحظ أنني قد أكون تأثرت أو انحرف معنى الحياة عندي بدرجة ما، إما أن تكبر وإما أن تصغر.
سأرتكب في بداية المحاضرة ما تسمى المصادرة، والمصادرة أنك تعطي النتائج قبل ما تستدل عليها، سامحوني سأرتكب ما يسمى مصادرة في علم المنطق، أني سأعطي نتيجة معينة مهم أن أقررها حتى ننطلق في النقاش، وهي أن الواقع المعاصر من زمن الحداثة وما بعد الحداثة غير أنماط التفكير في جميع معاني الحياة.
دعونا نركز على مصطلح الحداثة وما بعد الحداثة، وهذا مصطلح يمر عليكم كثيرا في الدراسات المعاصرة. ما معنى الحداثة؟ من أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين حتى الحرب العالمية الثانية، كانت فترة نهوض التكنولوجيا وبداية العالم الصناعي، وبداية تعمق انفكاك العلم في أوروبا عن الكنيسة والإشكالات التي حصلت بينهم. هذه الفترة من أواخر القرن التاسع عشر حتى نهاية الحرب العالمية الثانية تسمى الحداثة. بدأ العالم تحصل فيه اختلافات جذرية في التكنولوجيا، في الصناعة، ابتعاد الناس عن الدين في أوروبا ومحاربتهم للكنيسة.
وما بعد الحرب العالمية الثانية إلى اليوم يسمى ما بعد الحداثة. هذه كمصطلحات حتى تبقى حاضرة معكم أثناء المحاضرة. الحداثة: من نهاية القرن التاسع عشر إلى نهاية الحرب العالمية الثانية. ما بعد الحداثة: بعد نهاية الحرب العالمية الثانية وتفكك الاتحاد السوفيتي وما شابه ذلك بعدها إلى واقعنا المعاصر.
عالم الحداثة وما بعد الحداثة غير أنماط التفكير للبشر بشكل كبير، ليس فقط في الغرب بل حتى في الشرق. ويكفي أن تأخذ الجدول اليومي للإنسان المعاصر، وحتى الشاب المسلم الذي هو طالب جامعي أو موظف، يكفي أن تأخذ أنشطته اليومية وحياته وممارساته وعلاقاته حتى تكتشف حجم التأثر الكبير في الأفكار وأنماط الحياة وفهمه لمعاني الحياة. وإن كان هذا الشاب المسلم هو الذي لما تأتي وتقول له من الناحية النظرية: ما معنى الحياة بالنسبة لك؟ يقول: أنا عبودية لله وفي جنة وفي نار، هو نفسه خذ فقط جدوله اليومي وممارساته ستكتشف أنها متأثرة كثيرا بمعاني الحياة الجديدة التي فرضتها الحداثة وما بعد الحداثة.
هنا ربما يورد سؤال عند البعض: أليس أنا صاحب القرار في تحديد معنى الحياة؟ هل هناك شيء يؤثر في تحديد معنى الحياة بالنسبة لي؟ يعني أنا إنسان مسلم ولدت في عائلة مسلمة، أظن أنا صاحب قراري كيف ستكون معنى الحياة التي سأعيشها. هل هذا الكلام صحيح؟ كيف تؤثر الواقع الاجتماعي على معاني الحياة بالنسبة لي؟ أليس معنى الحياة أنا من أقرره؟ أنت تقرر معنى حياتك، والأستاذ قرر معنى حياته، وكل شخص هو صاحب القرار. ما رأيكم؟
أحيانا الوظيفة والحياة اليومية أشياء أنت لا تقدر أن تغيرها. أحسنت، هذا كلام مهم جدا يا إخواني نفهمه ولازم الشباب المعاصرين يفهموه، لست وحدك من يصوغ معاني الحياة بالنسبة إليك أبدا، أنت جزء من ذلك، لكن الواقع الاجتماعي والثقافي وعلاقاتك الاجتماعية والبيئة وأنشطتك الحياتية، سواء الأنشطة التي أنت تختارها أو الملزم بها، هي تشارك في صياغة معنى الحياة بالنسبة لك.
علاقاتنا الاجتماعية، الإعلام، السوشيال ميديا التي أنت غارق فيها، الجامعة، مصادر التلقي والمعرفة في حياتنا اليومية، هي جبرا عنك ستشارك في صياغة معاني الحياة. هكذا الإنسان، الإنسان كائن متأثر، الإنسان ليس كائنا يعيش على رأس جبل وحده لا توجد أي مؤثرات تشكل حياته.
هنا يأتي قيمة الوحي في حياة الشاب المسلم، لما نركز دائما على قيمة الوحي، ولما أسمع دائما حديث قول النبي عليه الصلاه والسلام: «تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا أبدا، كتاب الله وسنتي»، وحديث: «عضوا عليها بالنواجذ». سبحان الله، ما تقرأ في الكتب الفلسفية المعاصرة وكيف تكلم الناس، تعرف شو معنى عضوا عليها بالنواجذ، أنك ستبقى محتاجا للكتاب والسنة في كل مرحلة من مراحل حياتك، أن تعيش مع القرآن، وتتمسك بالوحي، وتحافظ على مركزية الوحي، وتحاول دوما أن تفهم أمام القرآن وعمق القرآن وعمق أحاديث النبي عليه الصلاة والسلام.
هنا أنت تحمي نفسك نوعا ما من صياغة الواقع المعاصر لأهداف حياتك، يبقى القرآن يوجه بوصلة الأهداف، وتبقى سنة النبي صلى الله عليه وسلم نوعا ما تشكل لي سياجا إذا أنا أخطأت في معاني الحياة ترجع تصوب لي معاني الحياة من جديد. فقضية الوحي في واقعك المعاصر ليست قضية وعظية، هذه قضية أساسية، لأنه بدون وحي، تخيل شابا مسلما يعيش في بلدنا يروح على الجامعة، يتابع السوشيال ميديا، يتابع القنوات الإعلامية، يشارك في أندية، ولا يقرأ القرآن ولا يفهمه ولا يعرف معاني أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، شيء طبيعي دون أي مجادلة أن هذا الواقع المعاصر سيشكل معنى حياتك، حتى لو أنت مسلم ونشأت عند أبوين مسلمين وما شاء الله عليك محب لله ورسوله. بدون قرآن، طبعا مش قراءة، لا، فهم لمعاني القرآن ورسائل القرآن، ودون فهم لسنة النبي صلى الله عليه وسلم وكيف توجهك وتصوغ عقلك، ستضيع وسيأخذك الطوفان بعيدا في صياغة معاني حياة جديدة بالنسبة لك.
أيضا قضية أخرى أنبه عليها: قضية العيش في بلاد المسلمين اليوم. كثير من الشباب، وما شاء الله أغلبكم أطباء ومهندسون وما شابه ذلك، تأتي فكرة أنه ليش ما أطلع على الغرب وأشتغل أربع خمس ست سنوات وأعود لبلاد المسلمين وأنا بحافظ على هويتي في الغرب، وبإمكاني أحافظ على الصلاة وفي مراكز إسلامية. وكذلك بعض إخواننا الذين هم أصلا يعيشون في الغرب ومستوطنون هناك، لما تأتي تتكلم معه عن ضرورة العيش في مجتمع مسلم على ما فيه من التشوهات في هذا المجتمع المسلم، لكن أن تبقى تعيش في مجتمع فيه رائحة الإسلام أفضل من أن تعيش في الغرب.
دائما شو المقاربة التي يقدمها الإنسان المسلم المقيم في الغرب؟ أنه أنا هيني محافظ على أولادي، طبعا هو أغلبهم أولاده ضائعون، بس هو يفكر أنه محافظ على أولاده. بس أنا بدي أعتبر لك أنه في بعضهم فعلا هو صادق يتعب من أجل أن يحافظ على أولاده، يقول لك أنا أودي أولادي على مدارس إسلامية، أحاول أوديهم على المركز الإسلامي. هذا المسكين هو لا يعي قضية معينة، أنه القضية مش فقط أنه أولادك يصلون أو لا يصلون، أو أنه أنت زوجتك ما زالت محجبة أو لا، مشكلة العالم الغربي والمجتمع غير الإسلامي بتاتا أنه يعيد صياغة معنى الحياة بالنسبة لك وبالنسبة لأبنائك.
فابنك صح عم بيصلي، ابنك عم بيروح على المركز الإسلامي، بس ابنك أصبح إنسانا مستهلكا، ابنك أصبح يفكر بالحياة المادية ومتعلق بها تماما كتعلق الإنسان الغربي. نظرة ابنك للحياة ومعانيها عم تتغير، وإن كان محافظا على الشكليات العامة أنه يصلي أو البنت محجبة أو ما شابه ذلك. وبعد قليل إن شاء الله لما نتكلم عن هذه الظواهر، ظواهر الحياة الغربية المعاصرة وكيف أعادت صياغة معنى الحياة، ستكتشف أنه فعلا كثير من الناس التي تعيش في الغرب من المسلمين، الحياة الغربية أعادت تشكيل حياتهم، لأنها أعادت تشكيل حياتنا نحن هنا ونحن في الأردن أو في بلد مسلم، فما بالك الإنسان الذي يعيش بين ظهرانيهم؟ فقضية الهجرة إلى بلاد المسلمين هذه قضية أساسية، مش قضية اختيارية، الموضوع أكبر من أنك فقط ما زلت تحافظ على الإسلام وهويتك، فكرك وتوجهاتك واختياراتك ستتغير.
طيب يا شيخ، أنا بروح هناك وبحافظ، أنا إنسان قوي! وهذه القضية التي ركزت عليها من البداية: من الذي قال لك أنت وحدك من يصوغ معاني الحياة؟ لست وحدك، حتى لو كنت نشأت في بيئة مسلمة، الواقع والثقافة والمصادر وكل ما يحيطك سيشكل ولا بد جزءا من معاني الحياة وسيوجهها باتجاهات على حسب المجتمع الذي تعيش فيه.
من هنا خلونا مع بعض هكذا نأتي إلى استقراء سريع لمعاني الحياة، بدءا من الجاهلية قبل بعثة النبي عليه الصلاة والسلام، بعدين نجيء على الإسلام، ثم نأتي بقفزة سريعة إلى الحداثة وما بعد الحداثة، من باب الاستقراء السريع وتفهم إشكالية الواقع المعاصر في تحديد معنى الحياة.
لو بدأنا بالجاهلية قبل بعثة النبي عليه الصلاة والسلام، بالنسبة للمجتمع الجاهلي والعرب قبل الإسلام، ماذا كان معنى الحياة بالنسبة لذلك الإنسان العربي الذي يعيش في جزيرة العرب؟ طبعا أنت ستسألني: كيف بدي أعرف معنى الحياة؟ من خلال النظر في التراث الذي تركوه، الشعر الجاهلي، المعلقات العشر، خطبهم، أيامهم وتاريخهم؛ يعطيك تصورا ما هي معنى الحياة بالنسبة لذلك العربي قبل الإسلام.
تفضلوا. الشرف، الصراع، النزعة النفسية. هو كان يحرص على الذات. أمور مادية أكثر من تكاثر العز والمال وتكاثر الدنيا وملذات الذات. حتى لا أطيل في هذه القضية، لو أردت أن أستقرئ الحياه الجاهلية من خلال كما قلت التراث الذي تركوه وخلفوه لنا، أستطيع أن أقول أن الإنسان الجاهلي في جزيرة العرب كان إنسانا ينتمي إلى قبيلة، يدافع عنها ويحامي بها، والقبيلة تعني له الشعار الكبير الذي من خلاله...
أجله يعيش ويفنى ويخوض معارك حرب داحس والغبراء والحروب الكبرى والبسوس وما شابه ذلك، أكيد سمعتم بها. فإذا هو كائن منتمٍ إلى مجتمع، إلى قبيلة، وبالنسبة له القبيلة تعني هويته، تعني تعريفه هو، ومستعد يدفع ما يمكن أن يدفع من أجل الحماية لهذه القبيلة. ركزوا على هذا، الإنسان الجاهلي إنسان منتمٍ إلى مجتمع يعيش فيه ويدافع عنه، وهي التي سماها الإسلام عصبية الجاهلية، وهي الآن موجودة كانت في حياتهم، زائد زي ما تفضلتم أنه كائن يبحث عن ملاذه وتُقضى الحياة بأي شكل من أشكال الملاذ، سواء بالخمور أو بالصيد أو بالنساء.
لذلك مثلاً طرفة بن العبد أحد أصحاب المعلقات ماذا يقول لنا وهو يسجل فهمه لمعنى الحياة؟ طرفة بن العبد تعرفون أحد أصحاب المعلقات العشر، وهو يسجل معنى الحياة بالنسبة له ماذا قال؟ قال: ولولا ثلاث هن من عيشة الفتى وجدك لم أحفل متى قام عودي يعني لولا ثلاث أشياء، وجدك يعني بقسم بجده أني مش رح أزعل متى يجي الموت. شو هي الأشياء اللي عم يعيش من أجلها طرفة بن العبد؟ قال: فمنهن سبق العاذلات بشربة، كميت متى ما تعل بالماء تزدي. يعني شرب الخمر باختصار، أولاً هو عايش على الخمر، بحب يشرب الخمر ومدمن عليها. ثانياً قال: وكرّي إذا نادى المضاف محنباً، كسيد الغضا نبهته المتوردي. ايش يعني؟ أني إذا سمعت إنساناً ملهوفاً يستغيث، أني أركب الخيل وأضربه من أجل إغاثة الملهوف، قيمة من قيم الحياة. قال: وتقصير يوم الدجن والدجن معجب، ببهكنة تحت الخباء المعمد. أني أشوف لبنت في يوم وأدخل تحت خيمة، وخلص أمورها تمام. يعني الملذات والشهوات؛ إذاً الملذات والشهوات كانت هي أحد أبرز معالم حياة طرفة بن العبد وغيره من الجاهلين.
لكن الانتماء للقبيلة والدفاع عنها وإغاثة الملهوف ونصرة الناس والعيش معهم هذا أيضاً كان حاضراً، لذلك اقرأ معلقة عنترة وشوف المعارك التي خاضها عنترة دفاعاً عن قومه، اقرأ معلقة أيضاً مين مثلاً زهير بن أبي سلمى وشوف العقلية الاجتماعية في نفي الحروب ورفضها، ستجد أن الجاهليين إذاً هم ليسوا لم يعيشوا فقط من أجل ذواتهم، لا عاشوا من أجل شغلتين، شو هي؟ القبيلة والمجتمع والذات. يعني الذات أحد عناصر الاهتمام ومعنى الحياة، لكن ليست فقط الذات هي معنى الحياة بالنسبة للجاهلي، بل قبيلته يعرف نفسه من خلالها. لذلك كان النسب عند العرب شيئاً أصيلاً، وكانوا إذا جلسوا في مجالسهم دائماً الافتخار يكون أنت ابن مين أو إلى قبيلة من؟ ولذلك كان مثلاً إذا الرجل كان منسوباً إلى القبيلة الباهلية مثلاً من قبائلهم التي كانوا يعتبرونها درجة ثالثة، يصبح يُعير أنه أنت من قبيلة الباهليين، وتأتي فيه الأشعار وما شابه ذلك، وإذا كان من قبيلة تغلب أو من قبيلة بني بكر تجده يفتخر بهذا الانتساب.
فكان الإنسان الجاهلي معنى الحياة يعتبره من خلال المجتمع الذي يعيش فيه والقبيلة التي ينتمي إليها، هذا معنى حياته وقضية قضاء وطره؛ لأنه ما في عنده وظائف دينية ولا شرعية ولا شيء يعمله في الحياة، فالصيد والخمر وما شابه ذلك هذه من لوازم الحياة. لكن لاحظ الانتماء بالنسبة لهم، وإن كان انتماءً سيغيره الإسلام بعد قليل.
نأتي على مرحلة الإسلام، إخواني ماذا فعل بمعني الحياة بالنسبة للبشر؟ أعاد صياغة معنى الحياة بشكل كامل. طبعاً هذا المعنى كان موجوداً في زمن النبوات، لكن لما أصبح زمن الفترة واندثرت معاني الحياة، من أهم أهداف الإسلام هو إعادة معنى الحياة الصحيح ليظهر من جديد. فقال ربنا سبحانه وتعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: 162]. جاء الإسلام ليقول لك حياتك ليست من أجل تحقيق ذاتك، حياتك من أجل الله سبحانه وتعالى، هذا هو الهدف من وجودك، أن تعيش لإله. شوف التغير الكبير في معنى الحياة، أنت لم توجد لتعيش لقبيلة ولا لتدافع عن قبيلة، هذه الأمور كلها ستأتي تبعاً، أنت حياتك من أجل إله، ﴿وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
ثم جاء القرآن ليعطيك الوظيفة التي وضعها الله سبحانه وتعالى للإنسان منذ الخطاب الأول الذي أراد الله فيه وجود الإنسان على كوكب الأرض، أول خطاب في سورة البقرة ماذا قال الله للملائكة؟ ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: 30]. اللي هي معنى الحياة، معنى الحياة وهويتك على الأرض، أنا وُجدت على هذا الكوكب ليس لأكون فقط إنساناً يبحث عن ذاتي، لا وُجدت على هذا الكوكب لأكون خليفة عن الله سبحانه وتعالى في تحقيق أوامره وشرعه، ثم سيحاسبني على ما أنجزت في هذه الرحلة؛ فإذا أحسنت أكون في الجنة، وإذا أسأت أكون في النار. إذاً القرآن أعطاها بوضوح وأريحية تامة عليك أن تفهم هذا معنى الحياة بالنسبة له، ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾.
كذلك الإسلام حذر أتم التحذير من أن تعتقد أن الحياة لا معنى لها، ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا﴾ [المؤمنون: 115]، احذر أن تظن أن هذا الوجود لا معنى له، فقط الإنسان يعيش هكذا من أجل وطنه وشهوته، كذلك ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى﴾ [القيامة: 36]. ﴿لَوْ أَرَدْنَا أَن نَّتَّخِذَ لَهْوًا لَّاتَّخَذْنَاهُ مِن لَّدُنَّا﴾ [الأنبياء: 17]، كل الآيات القرآنية تحذرك من الفلسفات الموجودة عند الغرب، عند كثير منهم، وهو اعتقاد أن الحياة لا معنى لها، القرآن يعطيك الإجابات عن هذه الأسئلة الوجودية بأريحية. كذلك القرآن يعيد تشكيل معنى المجتمع الذي تنتمي له ومعنى التضحية، فالتضحية في القرآن هي تضحية من أجل ماذا؟ معنى أن تضحي، أن تضحي من أجل الدين، ﴿مَن قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا﴾، سُئل النبي صلى الله عليه وسلم الرجل يقاتل شجاعة، يقاتل حميةً، اللي هي الفكر الجاهلي، يدافع عن عشيرته؟ لا، أعيد تشكيل معنى التضحية، معنى التضحية هو أن تضحي من أجل لا إله إلا الله، وقس على ذلك معنى الموت، معنى وجود حياة أخرى بعد هذه الحياة، كل هذه المعاني للحياة أعطاها القرآن وسنة النبي صلى الله عليه وسلم.
ربما أعود لمعالم الإسلام في معنى الحياة متأخراً إن شاء الله في آخر المجلس، لكن أنا بدي أقفز الآن. عاش المجتمع المسلم على هذه القضية، نعم أكيد في الدولة الأموية والعباسية وكذا يخفض ويرتفع، لكن بشكل عام في الحالة الإسلامية إلى سقوط الخلافة العثمانية 1925، في الحالة الإسلامية كان المسلمون يعيشون في مجتمعهم، يكون هناك مظاهر للفساد الجزئي، لكن لم يكن هناك مؤثرات خارجية من عالم غربي يسعى لتغيير معنى الحياة للعالم الإسلامي. يعني الصليبيون في الأزمنة القديمة لم يكونوا يمتلكون من الأدوات الإعلامية والسوشيال ميديا وما شابه ذلك وهم مقيمين في فرنسا وبريطانيا ليؤثروا على المسلمين في الدولة الأموية أو يؤثروا على عقلية المسلمين في الدولة العباسية، ما كان في هذه النهضة التكنولوجية المرعبة؛ لأن الذي حصل في الحداثة هو أن الغرب استطاع بأدواته الإعلامية وثورته الصناعية أن يصل إلى عقل الشباب المسلم في بلادهم، هذا لم يكن موجوداً قبل الثورة الصناعية وقبل الحداثة، ما كانوا يمتلكون أدوات الوصول.
الحداثة ماذا فعلت والتطور في أوروبا؟ ماذا فعل؟ أعطاهم أدوات الوصول، فصار الرجل الأوروبي أو المفكر الأوروبي قادراً على أن يصوغ معاني الحياة، ثم يرسلها إلى العالم الإسلامي عبر الوسائل المتعددة، فكانت أول ظاهرة في العالم الإسلامي ظاهرة الابتعاث إلى الجامعات الغربية، وبتذكروا انتشرت في مصر وفي سوريا قضية الابتعاث للغرب، وتعرف رفاعة الطهطاوي وطه حسين وغيره من هذه النماذج، هي نماذج ذهبت إلى الغرب تعلمت هناك تلقت هناك ثم عادت بمعاني حياة جديدة وصاغتها في المجتمع المصري، وكذلك قل في سوريا وما شابه ذلك من البلدان.
فلما نأتي إلى زمن الحداثة، بس إياك الآن تركز معي، أنا عارف شوي أمور بدها تدقيق بس حتى نفهم إخواننا ماذا يحصل معنا في الحياة. هذا الذي يحصل معنا في زمن الحداثة، قلنا الحداثة من خلينا نحكي تقريباً إلى نهاية الحرب العالمية الثانية، من آخر القرن السابع عشر إلى نهاية الحرب العالمية الثانية، في فترة الحداثة ماذا حصل؟ صار انكماش لمفهوم التدين، وأصبح النموذج الغربي يقوم على فكرة ايش؟ أن العلم مقابل الدين، العلم مقابل الدين، والدين عبارة عن حالة معاداة يجب ألا تؤثر على حياة الناس، وبدك تمارس الدين مارسه وحدك في كنيسة أو ما شابه ذلك، لكن لا يجب أن يحكم حياة الناس، الذي يحكم العلوم التجريبية والحياة المادية.
هنا العالم لم تتغير مفاهيمه بشكل مباشر، بدأت المفاهيم تتغير رويداً رويداً، تقلص حالة الدين جعل الناس تبحث عن انتماءات أخرى، شوف كلمة الدين هنا كمصطلح بستعمله الآن بتشمل، يعني صح الإسلام برضه، وبرضه دين المسيحي أنه هو الدين، دين. هسا في دين محرم وفي دين صحيح، بس حتى الإنسان الغربي المنتمي للمسيحية بالنسبة له المسيحية كانت تشبع، تمثل له نوع من معاني الحياة، معنى من معاني الحياة، وإن كان بالنسبة لنا محرّف، لكن كانت بالنسبة له معنى. الآن لما أصبح هناك ابتعاد وحصر للدين، صار الإنسان الشرقي أو الغربي يبحث عن معنى جديد للحياة، أنتم الآن بعدتم الدين عن واجهة المشهد، هذا الإنسان الأوروبي أو الأمريكي أو الروسي أو المشرقي أو اللي بيعيش في الحجاز أو العراق أو الشام، ماذا سيصبح معنى الحياة بالنسبة له؟ الدين كان هو الذي يعبئ المشهد، الآن أنت نحيت له الدين وقلت له العلوم التجريبية والحياة المادية المعاصرة، بماذا سيعبئ المشهد؟
في فترة الحداثة ظهرت الأفكار الجديدة، وهي الأفكار الشيوعية الاشتراكية والأفكار الوطنية والقومية. الأفكار الشيوعية الاشتراكية والأفكار الوطنية والقومية تقوم على ماذا؟ على شيء قريب مما كان في زمن الجاهلية، على شيء قريب مما كان في زمن الجاهلية، أنه هذا الإنسان ينتمي إلى ايش؟ مش للإسلام لا، ينتمي إلى الفكر القومي، أو الإنسان ينتمي إلى فكرة وطنية، أو الإنسان ينتمي إلى الحزب الاشتراكي. لذلك الاشتراكية الشيوعية غزت العالم، غزت العالم يعني لسه كانت أوروبا وأمريكا نموذجها مش ظاهر، الاشتراكية في فكرها وأسلوبها حكمت ثلاث أرباع العالم. لماذا؟ لأنه الفكر الاشتراكي يقوم برضه على أن الإنسان يعيش من أجل المجتمع، فحتى رزقتك وكسبك يكون للدولة، والدولة هي التي تقسم معاش الناس، وهي فكرة طبعاً مشوهة أنها دمرت الأفراد ولم تعطِ أي قيمة للفرد، خلص أنت تذوب في الدولة والمجتمع وانسَ ذاتك، أي دخل وأي كسب وأي حياة اقتصادية بالنسبة لك شخصية لا يعترف بها، أنت فقط تعيش للمجتمع الذي أنت فيه، فتنفق له، ثم الدولة بعد ذلك تقسم الأرزاق والأموال على الناس. المهم الفكر الاشتراكي الشيوعي والفكر القومي والوطني جاء بديلاً عن ماذا؟ عن التدين.
فأصبح الإنسان الذي يعيش في تلك الفترة، حتى يبحث عن معنى للحياة بالنسبة له، شو بيقول لك؟ أنا منتمي للحزب القومي المصري، أنا منتمي للحزب الاشتراكي البعث السوري، أنا منتمي للحزب البعث، وهي كلها البعث، تعرفوهم هذول هم اللي ذبحونا، حزب البعث العراقي، وكل هذا البعث والقومي والوطني، وهذه التيارات هي نوع من ماذا؟ من إعطاء معنى جديد للحياة. أنت كنت معنى الحياة أنك مسلم تنتمي لهذا الإسلام العظيم، تحمل مبادئه، تدافع عنها، أصبح لا هناك شيء آخر لمعنى حياتك، أنه لازم تنتمي لحزب أو جماعة أو قومية أو وطنية أو أي راية من هذه الرايات أو اشتراكية أو بعثية، وتحاول أن تصوغ معنى حياتك في الانتماء لهذه الفكرة المدافعة عنها، بل حتى ممكن تدفع حياتك ثمناً لها، وهذا بيرجعك لحياة الإنسان الجاهلي اللي هو كان يعيش من أجل قبيلة وبيدافع عنها وبيحامي عنها ممكن يضحي من أجلها.
طيب الآن ما زال هناك مجتمع ينتمي إليه الإنسان، لاحظوا إلى الآن من زمن الجاهلية إلى الإسلام إلى زمن الحداثة ما زلنا بنحكي أن الإنسان ينتمي لمجتمع، الشيء الأسوأ هو ما حدث فيما بعد الحداثة، بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية وبدء تفكك الاتحاد السوفيتي، بدأت الفكرة الاشتراكية ماذا يحصل فيها؟ يقل وجودها في العالم، تفكك الاتحاد السوفيتي اللي هو رائد الفكر الاشتراكي، وحتى الأحزاب والدول المنتمية له تفككت بشكل هائل وكبير، وبدأ النموذج الأوروبي الأمريكي يصعد الآن، وبدأ هو الذي يصوغ معنى الحياة. يعني إذا كانت الاشتراكية صاغت معنى الحياة المعاصرة في فترة الحداثة، فإن الفكر الأوروبي الأمريكي هو الذي يصوغ معنى حياة مش بلاده، العالم، يصوغ معنى الحياة في هذا العالم المعاصر.
طيب الفكر الأوروبي الأمريكي، ما هو معنى الحياة بالنسبة له؟ أحسنت، بس الآن أنا بدي أعطيك من كلام فلاسفتهم، أنا من النوعية اللي بحب استحضر وأروح أجيب لك أبحاث ماذا قال فلان وفلان، خلص بنقرأها، بعطيك خلاصتها. نشأ في أوروبا وأمريكا إخواني ثلاث تيارات عموماً، ثلاث تيارات تحاول أن تجيب عن سؤال معنى الحياة. التيار الأول باختصار كان قراره ما هو؟ أنه ما تفكر في هذا السؤال أصلاً، وشتت نفسك عنه؛ لأنك إذا حاولت تفكر في معنى الحياة فإنك رح تضيع وتتوه وتشعر بالاكتئاب والحزن، فنحن بنريحك، شو تعمل؟ ما تفكر أصلاً في معنى الحياة، ايش اللحظة الراهنة؟ وهذا اتجاه فلسفي، يعني هذا مش عفواً كلام واحد في الشارع أو كلام واحد كتب، لا لا هذول فلاسفة غربيون اقتنعوا بهذه الفكرة، أنه إحنا فيما بعد الحداثة، الفكرة التي وصلنا إليها، لا تسأل هذا السؤال وحاول أنك تهرب منه. طبعاً هل هذا الحل يمكن أن يحل فعلاً شيئاً؟ ليه؟ لأنه هذا السؤال بالنسبة لنا سؤال ايش؟ ضروري، هذا سؤال وجودي يعني ما في.
الإنسان حين يخرج إلى الحياة الدنيا، تأتيك لحظات وأنت جالس فيها، تتساءل: ما الذي أفعله في هذا العالم؟ ما هويتي؟ من أنا؟ ماذا أعمل في هذا الوجود؟ وما هي الرسالة؟ الطريقة الأولى هي التشتيت، وهي طريقة لم تكن صحيحة لأنها تخالف الفطرة؛ فمستحيل أن تعطي تشتيتاً لشيء هو سؤال ملح يفكر فيه الإنسان في أي مكان كان. أنا ولدت ووجدت في هذا الكون، فلا بد أن أعرف ما معنى الحياة، فهذه الطريقة الأولى دعك منها. الطريقة الثانية والثالثة هي التي سينصب عليها الكلام الآن بإذن الله.
الطريقة الثانية اتجاه فلسفي قال: سنجيب عن سؤال معنى الحياة، فماذا كانت إجابته؟ كانت إجابته أن الحياة لا معنى لها. قد يقول قائل: أمعقول أن هناك من يجيب بهذا؟ إخواني، هنا ستعرف قيمة الوحي؛ فهناك أشياء موجودة في حياتك لكنك لا تعرف قيمتها، لأنك لا تعرف ما يوجد في بطون الكتب عندهم، ولا تعرف أزمة هذا السؤال في الواقع المعاصر وفي النقاشات الفكرية. لديهم تيار كبير اختار خيار أن يقول للبشرية: إن هذه الحياة لا معنى لها. وهذا عادة اتجه نحوه التيار الإلحادي المعاصر الذي لم يؤمن بوجود إله، وبعض من لا يزال مسيحياً أو ما شابه ذلك، لكنه مسيحي بالشكل؛ فكما يوجد مسلم شكلي، يوجد مسيحي شكلي، وهؤلاء ذهبوا إلى أن الحياة لا معنى لها. أنت قد تضحك من هذا الكلام، لكن سأريك الآن آثار هذه الإجابة، ليس فقط على العالم الغربي، بل حتى على العالم الإسلامي، بل حتى على بعض من يظن نفسه ملتزماً ومتديناً.
دعنا نرى آثار هذه الإجابة على السؤال عن معنى الحياة، حيث كانت النتيجة أن الحياة لا معنى لها. هذه الإجابة أظهرت آثاراً سلبية بشكل شنيع عندهم وبشكل كبير عندنا. أول أثر أو ظاهرة من ظواهر القول بأن الحياة لا معنى لها، هي قضية انتشار الأمراض النفسية وحالات الاكتئاب الحاد بشكل هائل ومريع، وأصبح بالتالي أحد أهم الطب المعاصر الذي يجب دراسته والانشغال به هو الطب النفسي. حتى في بلادنا، تجد أن قضية الطب النفسي والعلاجات النفسية تطورت بشكل هائل في آخر أربعين أو خمسين سنة، والبحث عن علاجات وطرق وأساليب للعلاج النفسي وطرق متطورة جداً. لو تدرس الآن أو تقرأ تقريراً عن مدى تطور الدراسات في علم النفس عند الغرب، ستقول: على ماذا كل هذه السالفة؟ ما المشكلة التي تستأهل كل هذه الدراسات والتشخيصات وتقديم الأبحاث والأدوية؟ الإنسان لا يضحي بهذه الأمور ويتعب هذا التعب إلا لأنه يعاني من مشكلة مجتمعية اقتضت هذا التطوير في قسم العلاج النفسي.
طيب، ما هي المشكلة المجتمعية عندكم يا غرب التي جعلتكم تتعبون في تطوير العلاج النفسي لهذه المرحلة؟ مشكلتكم أن الناس أصبحوا يعتقدون فعلاً كما وُجّهوا أن الحياة لا معنى لها. فالإنسان الغربي هو عبارة عن موظف، كأنه ماكينة، يشتغل من الصباح، يطلع الساعة السابعة صباحاً، يرجع الساعة العاشرة أو السادسة مساءً، وقصارى أمره أن يروح يشوف له والعياذ بالله مخنقاً أو خمراً أو علاقة محرمة، يقضي حياته فيها على السوشيال ميديا، أو يروح على البحر في أيام الويكند، وخلصت الحكاية. هذا بالنسبة له مع الوقت سبب أزمات نفسية، لأن هذه الإجابة بأن الحياة لا معنى لها لا تشبع الفطرة، وتجعل الإنسان يشعر بخوف وارتباك دوماً من قراراته الحياتية. وهذا أيضاً موجود في واقعنا المعاصر اليوم في بلادنا الإسلامية، حيث أصبح الذين يشتغلون في الطب النفسي والعلاج النفسي ويحاولون تقديم كثير من العلاجات والأدوية كثيرين، وأصبح الشباب بالعكس، أصبحت موضة أن أروح أدرس علم نفس أو علاجاً نفسياً وأسير متخصصاً، ويصبح لك احترامك وتقديرك. والله أخونا طبيب نفسي! طيب، كل علماء المسلمين كانوا متخصصين في علم النفس والتزكية والسلوك ويتكلمون فيها، فما الذي أبرز الحاجة في بلادنا الإسلامية لوجود ما يسمى بالأطباء النفسيين بهذه الدرجة؟ هذا سؤال لا بد أن نفكر فيه.
ثم لاحظ أن الطب النفسي الذي نشأ في أوروبا عموماً يقوم على أن المريض النفسي لما يأتي إلى الدكتور ويعاني من اكتئاب حاد لأنه لا يعرف ماذا يعمل في حياته، بماذا يتم معالجته؟ يتم معالجته -وأحسنتم- بضحك عليه؛ إما بحبوب، أي الطب النفسي العلاجي بالحبوب، خذ هذا المهدئ ودبّر حالك، وهذه الحبوب تكون أغلبها مخدرات وما شابه ذلك وتدمره، أو من خلال أنه يضحك عليه بكلمات لا قيمة لها؛ أنت تعاني من اكتئاب؟ ما رأيك تركض خمس دورات يومياً صباحاً؟ ما رأيك تروح على البحر وتستنشق الهواء؟ يظل يعطيه ممارسات ويضحك عليه. هو المسكين يروح على البحر قليلاً، ترتفع حالة نشوة، ثم يرجع، لكنه لم يعالجه، بل باختصار أعطاه مسكناً وضحك عليه. وهذا موجود أيضاً في بلادنا المسلمة، والحمد لله أن كثيراً من الشباب يأتي ليقول: أنا أراجع بعض الأطباء النفسيين وكلها صرف دواء وصرف دواء، وأنتم عارفين أن الطب النفسي فاتورته أعلى من الطب الجسدي، فجلسة واحدة في علاج نفسي عن ثلاث جلسات لعلاج مرض معدة، والدواء أضعاف الأضعاف، كلهم يضحكون على هؤلاء الشباب والرجال والنساء في هذا الميدان.
هذا هو السؤال: ما الذي أظهر الحاجة الملحة لموضوع العلاج النفسي بهذه الطريقة؟ هو ما فرضه الغرب من الأجوبة وما بعد الحداثة، بأن قضية الحياة لا معنى لها. أنت كمسلم ممكن تقول لي: يا شيخ، معقول في حدا مسلم يعتقد أن الحياة لا معنى لها؟ وأقول لك: معقول. أتعرف لماذا؟ لأنني أقول إن هذا المسلم الذي يعيش في الغرب، أو هذا المسلم الذي يعيش اليوم في بيئات مترفة معينة في عمان أو في العواصم، بالنسبة له كونه مسلماً هي شيء شكلي، لكن هو أربع وعشرون ساعة عبارة عن مادة ومصاري وشهوات، وشيء طبيعي مع الوقت يفقد معنى الحياة؛ لأنني قلت لكم إن معنى الحياة لست أنت من تختاره فقط، بل الواقع الذي تعيش فيه والبيئة التي تحيط بك غصباً عنك ستشارك في تحديد معنى حياتك. فإذا أنت تتكلم عن بيئة مشربة بالمادية، بيئة لا صلاة فيها ولا قرآن ولا صيام، أو تمارس فيها هذه الأمور كطقوس عامة شكلية، بينما أغلب حياتك اختلاط وأعراس مختلطة ومسابح مختلطة وجامعة مختلطة وبزنس، فشيء طبيعي مع الوقت ستستيقظ في ساعة معينة وتكتشف أنني لماذا أعيش؟ وما الذي أعمله؟ وما معنى الحياة هذه؟ أنا فقط جالس نساء وأفراح واختلاط وعلاقات نسوية ولذائذ؟ فشيء طبيعي في لحظات الاستيقاظ ومع تراكم هموم الحياة أن يصير عندك اكتئاب، وأن تعاني من كل قائمة الأمراض النفسية التي يحكون عنها، وستحتاج إلى مراجعة أطباء نفسيين لأنك لا تضبط معنى حياتك.
إذاً هذه القضية الأولى، أو أول مظهر من مظاهر أن الحياة لا معنى لها، ولاحظ كيف هو موجود في بلادنا المسلمة. المظهر الثاني هو قضية ضعف القدرة على الصبر أمام البلاء والألم. أريد أن أسألك سؤالاً: إنسان مؤمن أن الحياة لا معنى لها، إذا أصيب بمرض أو ببلاء أو بفقد حبيب، ما الذي يجعله يصبر؟ في النهاية جاءك مرض خطير في الكبد، وأنت عارف أن هذا المرض بطبيعته بعد عشر أو خمس عشرة سنة سيؤدي إلى وفاتك، فما الذي يجعل الإنسان المسلم يصبر على البلاء والألم؟ باختصار، صبره له معنى، أي أن صبري على الألم والمرض والشدائد له معنى. لما ننظر في حال إخواننا في غزة، أسأل الله أن ينصرهم نصراً عزيزاً مؤزراً، ما الذي يجعل ذاك الإنسان الغزي أن يعمل له عملية جراحية بدون تخدير ويصبر؟ وما الذي يجعل الإنسان الغزي يفقد عائلته كاملة ويصبر؟ هو أنه يشعر أن هذا الصبر له نتيجة، له معنى، له هدف، هذا الصبر فيه عوض أخروي، وتوجد طمأنينة دنيوية أحصلها من خلال الصبر، وهذه تأتيني من خلال علاقتي مع الإله.
إذاً أصبح هناك معنى للصبر على الآلام والمصائب، بينما لماذا كثير من المسلمين بمجرد أن يصاب بأدنى مرض أو بلاء تجد حالة من الفزع وحالة من السخط التام؟ ومجرد ما ينخفض راتبه في الشركة مائتي دينار، يصبح عنده حالة اكتئاب حادة وهبوط قلب. طب هذه الظاهرة الثانية ما سببها؟ أحسنت، أنه لا يعرف معنى للصبر على الألم، هو ليس واضعاً في عقله أن هناك معنى للحياة، بل حياته مصاري وشهوات، أنا فقط ماشٍ هكذا في مصاري وشهوات ومتعة. هذا معنى، فأي شيء سيقلل من حجم المتعة أو يهددها سيكون مفزعاً بالنسبة لي. مخيف أن يقل راتبي، مخيف أن أعرف أني مصاب بمرض قد يؤدي إلى الوفاة، مخيف فقد حبيب أو فقد عزيز، شيء مرعب لأني لا أتصور، خلص، الذهاب الأبدي، ما سأراه مرة ثانية، انتهى كل شيء، فماذا سيصبر الإنسان؟
لذلك، حتى هذه الفكرة، فكرة وجود معنى للحياة، ليست فقط للمسلم. كنت أقرأ في مذكرات بعضهم أنهم وجدوا في ألمانيا في الحرب العالمية التي كانت ضد الروس وضد فرنسا وبريطانيا، معسكرات هتلر النازية، وكانت فيها سجناء من الروس. والروس شو دينهم؟ اشتراكي أو مسيحي. وفي سجناء كانوا فيها أيضاً من البريطانيين والفرنسيين، لاحظوا أن السجناء الروس في السجون النازية أكثر صبراً على شدة العذاب من السجناء البريطانيين والفرنسيين. لماذا؟ قالوا لأن الروس أكثر تديناً، بغض النظر عن دينه، لكنه في النهاية عنده معنى للحياة. فكانوا يجدون أن الأسرى من الروس يعرضون لبلاء شديد، وذكروا أن بعضهم بُترت أصابعه فرجعوا له إياها في عملية بدون تخدير، قالوا: ولم ينبس بشفة، أي ما قال أخ، بينما كان البريطانيون والأسرى الفرنسيون في شدة الفزع والخوف والهلاع. عمل الأطباء النفسيون بعد ذلك دراسات حول هذا الموضوع، وجدوا أن الروس أكثر تديناً وعندهم معانٍ للحياة، بغض النظر عن ماهيتها، تجعله يصبر على الوجع.
تجده عند بعض مثل مانديلا، تعرفون هذا مانديلا الذي جعلوه أسطورة؟ هذا الرجل لما سُجن خمسة وعشرين سنة، ما الذي يجعل واحداً مثله يصبر على خمسة وعشرين سنة من السجن والعذاب الشديد مع أنه مش مسلم؟ هو أنه يجد أن صبره له معنى. صح، أنا بغض النظر عن المعنى، لكن يجب أن يكون في معنى؛ لأنه إذا أنت لا تملك أي معنى للحياة إلا أن الحياة متعة وعلاقات ومادة، لن تجد في الذاكرة سردية معينة تستحضرها لكي تصبر. لما واحد فيكم يدخل السجن -الله يعافيكم إن شاء الله ولا تدخلوا- ويقول لكم: تعال يا حبيبي شو بتعمل قاعد برا تعطي دروس؟ أنت تعال! ماذا سيصبرك في السجن؟ خاصة لما مشايخ تُعتقل في بعض البلدان لسنين، ما الذي يجعل الإنسان يصبر على سجن انفرادي لمدة طويلة؟ وجود معنى للحياة، وجود معنى لهذا الألم، أن هذا الألم الذي أتألمه لا بد أن أستحضر سردية معينة وأنا أتألم، أنه له ثواب عند الله، وأن هذا الألم هو ضريبة لا بد أن تُدفع من أجل هذا الدين. استحضارك لهذه السردية وهذه المعاني يجعل الألم هذا لا تشعر به، أو على الأقل إذا شعرت به يكون مخففاً. ما الذي جعل بلال بن رباح يوضع على بطنه الصخرة في بطحاء مكة ويتحمل وهو يقول: أحد! في وجه أمية بن خلف؟ شعور أن هذا الألم له معنى.
بعض الناس حتى في فترة عذابه ومصابه تجده مبتسماً ويضحك؛ لأنه يشعر أن السجن أو المرض أو أي شيء له معنى، له سردية معينة في ذهني أستطيع أن أتفهمه. لكن الإنسان الذي لا يملك أي معنى للحياة -وهذه مشكلة أن تقول إن الحياة لا معنى لها- لا يملك أي دافع ليصبر؛ بالتالي سرعة الجزع وسرعة الهلع ستكون حاضرة؛ ﴿إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا﴾. ما الذي يخفف الهلع أو يفنيه تماماً من حياتك؟ هو وجود معنى للحياة تستحضره.
ثالثاً من مظاهر عدم وجود معنى للحياة عند كثير من الناس هو حالة أسفل السافلين التي نعيشها في العالم الغربي بشكل كبير، وفي واقعنا أيضاً في العلاقات واللباس والمظهر والشكل. اليوم لما تفتح فقط على مقاطع اليوتيوب، تشوف كيف أن الإنسان الغربي وصل إلى أسفل القاع في القذارة في العلاقات الحميمية والاجتماعية والأسرية، كيف وصل إلى القاع في حلقات الشعر وأدوات التجميل والمظاهر. اليوم والله بتدخل لبعض مقاطع اليوتيوب وتصعد عقلك؛ معقول في إنسان يفكر بهذه الطريقة ويصل لهذا القاع؟
هذا الحال وصل إلى هذا المستوى من التفكير. شفت مرة مقطعاً عن الغربيين الذين يحبون أن يعيشوا على أنهم كلاب لرجال الأعمال؛ شوف إنسان يحب أن يعيش على أنه كلب أو جرو لرجل أعمال، بصير فعلاً يوضع على فمه هذا الشيء الخاص بالكلب، وبصير يمشي على يديه ورجليه، وبصير رجل الأعمال ماسك له سلسلة، وقد تكون أنثى، وجدت نساءً ورجالاً هذه حياتهم، وبصير رجل الأعمال هذا يمشيهم في الشارع. كيف بتعرف هذا في الأردن الذي يمشي مع كلب صباحاً، هو ماشي بإنسان، شو اللي خلى هذا الإنسان يصل لهذا القاع؟ في واحد يرضى لحاله يكون كلباً ويعيش حياة الكلب، ولا وبصير يلهث ويعوي كمان، ويطلع هذه الأصوات، ولما يكون في البيت بيمارس ممارسة الكلب ويعيش في قفص.
هذا الإنسان الغربي الذي رضي أن يعيش هذه الحياة، ما الذي أوصله إلى هذه الحياة؟ إنه جرب كل شيء، خلص بده شيئاً جديداً، جرب الزنا وجرب الخمر وجرب الـ... وبعدين بالنسبة له وهو يبحث عن الجديد، فخلص قال له إبليس: شو رأيك بهذه الفكرة؟ قال له: بعملها، خلص بصير كلباً، بصير قطة، وبصير أعمل كل شيء.
الآن مثلاً حتى في العلاقات الحميمية، بتلاقي الغرب يومياً في أفلامهم وإنتاجاتهم حريصين على ماذا؟ إنه بالنسبة للعشرة وعلاقات الزنا يطور لك أنواعها وأشكالها وأساليبها، الشيء الذي أنت تعمله بطبيعة بدون ما تفكر فيه بفطرتك الإنسانية في العشرة بين الزوجين، لا؛ هناك أصبح أفلام ودراسات ومقاطع كيف تنمي هذه الأمور لتصل إلى أعلى درجات النشوة. يعني أنت فاضي أشغال، لازم كل يوم بعد كل شهر تطور هذه العلاقة وطريقة ممارستها وأشكالها بالتفاصيل؟ أنا بتكلم بهذا العمق لتعرف حجم التفاهة وكيف فقدوا معنى الحياة. أكيد في عندكم برضه تصورات ثانية، حتى في الأطعمة وفي الأشربة، أنواع الطعام والشراب، بالنسبة مثلاً لعالم النساء عندهم أشكال التجميل؛ تجد بعض المجتمعات مش عارفة وين تحط الحلق، هذا الحلق الطبيعي بينحط هون، في بعض المجتمعات ما في أي معنى في الحياة، لا؛ لازم نحط الحلق مرة في العين، مرة بنحط في الشفة، مرة بنحط الحلق في الخد. طيب أنت شو اللي مغلبك في الموضوع هذا؟ يعني ليش ما تعيش حياة طبيعية وتحط الحلق في المكان الطبيعي؟ أختي، والله يجزاكِ الخير، هنا تفهم ما معنى أسفل سافلين.
إخواني، في آيات في القرآن والله عظيمة: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: 4]، يعني أعطيناه معنى للحياة، هذا معنى في أحسن تقويم، أعطيناكِ ثم رددناه أسفل سافلين، إلا الذين آمنوا. الإنسان الذي لا يمشي معنى الحياة الفطري الذي وضعه الله، سيصل ليس إلى قاع، عفواً، إلى أسفل قاع، أسفل سافلين. شوف التحذير القرآني، وانظر في الأفلام والمقاطع القصيرة التي ترد إلينا، ولاحظ أن هذا النوع من الحمق تجده حتى في بعض مجتمعاتنا العربية والإسلامية. مرة عاملين مقابلة مع امرأة حالقة شعرها "صفر" من هون ومن هون، عم نزله شعرها هيك يعني الشكل له ذكر وله أنثى، وعاملين معها مقابلة، فبيسألوها: يعني أنتِ ليش عاملة هيك؟ لا، أنا هيك خلص، أنا هيك شايف راضية عن شكلي بهذه الطريقة، يعني لا أنتِ رايحة ذكر ولا أنثى، صلعاء تماماً هيك، رضيت لنفسها تكون صلعاء تماماً من هنا وشعرها طويل تماماً من هنا، يعني حتى الإنسان الجاهل إخواني قبل الإسلام ما كانوا هيك، العرب الجاهليون والله ما كانوا هيك، هذا كله نتيجة ماذا إخواني؟ إنه لا معنى للحياة، لا معنى أبداً. يعني الإنسان الجاهلي كان يعيش لقبيلته، لمجتمع يحامي عنه، كان على الأقل عنده معاني وإن كانت مشوهة، هؤلاء لا يعيشون لمعانٍ.
فلما تيجي لبلادنا المسلمة في بعض الحواري المترفة في عمان ولا في غيرها تجد أمثال هؤلاء، ومن مظاهرها وإن كانت مش بتلك الدرجة من السوء، مثلاً هذه قضية الناس اللي في بلداننا بتهتم أنها تمشي في الصباح مع كلب، أو رجل أو امرأة أو بنات ماشيات هيك مع مجموعة كلاب في الشوارع، هذا هو نوع من الخواء، إنه خلص راح على الشغل اشتغل وأكل وطبخ وخلص، فإيش بدها تعمل في الحياة؟ ما في شيء تعمله، أنه ما في تعبد، في إيمان، في أي معنى للحياة؟ فبروح بيقترح اقتراحاً أنه خلص، ليش ما يصير عندك كلب رفيق لك في الحياة، وتصير ترعى معه وتمارس رياضة من خلاله، وترجع؟ بعدما كان إنساناً يصاحب رجالاً وصاحب دنيا، صار يصاحب كلاباً في رحلاته العاطفية وما شابه ذلك، هذا كله يعطيك كيف أن فقد معنى الحياة مش فقط في الغرب بل حتى في بلادنا المسلمة.
أيضاً من مظاهر عدم وجود معنى للحياة عند كثير من الشباب المسلم، تأثراً بالحالة الغربية، أن كثيراً منا يفقد اللذة في إنجاز الأعمال، ويريد نتائج سريعة، الرغبة في النتائج السريعة وفقد اللذة في الصبر لإنجاز الأعمال. اليوم واقع كثير من الشباب، بس انظر لحالة الشباب المسلم المعاصر المتخرج من الجامعات، بتعرف ما معنى أنه يفقد لذة الصبر لإنجاز الأعمال وأنه يريد النتائج السريعة؟ كثير من الشباب لما بده يتكلم عن ما هو العمل الذي يرغب أن يعمل به الشاب بعد ما يتخرج من الجامعة؟ أنت تخصصك إيش يا شيخ؟ طبية. شو طموح الشاب في بلادنا لما يتخرج من الجامعة؟ أنه يشتغل شغلة إيش؟ مكتبية. هذا بيفكر بشغلة مكتبية، هذا أحسنهم لسه، أنه شغلة مكتبية زي حالاتي، قاعد على مكتب وطاولة وكنبة وكاسة شاي، بدون ما أتعب في الشمس، بدون ما أصحى الشيخ الساعة 7:00 الصبح، أنا بدي وظيفة تبلش الساعة 10 تخلص الساعة 3. هذا أحسن الشباب، في شباب لا، وهذا بيسألني كثيراً وأنا لماذا أقول لكم إنني أعرف عقول كثير من الشباب، كثير من الشباب هو بيدور على البيتكوين، عم يسألني: شيخ بدي بيتكوين، أصير أتاجر بهذه القضية، لأنه جالس ببيتي وعلى فرشتي بدون ما أطلع، وبصحى الساعة 12 الظهر، بشتغل وبجيب مصاري وخلصت!
أيضاً قضية الفوركس والتبادلات الرقمية، أي شيء عبر التليفون بدون ما أتعب ولا أغير نمط حياتي، أنا راضٍ فيه، هذا ترى جزء من معاني فقد معنى الحياة. يعني الإنسان في العالم الطبيعي لما تسمع أجدادك أو تقرأ في سير السلف، بتقرأ ذاك الرجل الذي يستيقظ على الفجر، يبقى الشروق، بعدين بيطلع على المزرعة ولا على المنجرة ولا على المتجر، بضل من الساعة 7:00 الصبح بضل للساعة مثلاً 3:00 بيشتغل وبيحصل رزق عياله، وهو مستمتع في العمل، مش شاعر بالتذمر والضيق والتعب، بعدين بيرجع بيمارس أنشطة عائلية، طبعاً إذا كان عالماً أو طالب علم أو ممكن يقرأ ويدرس وكذا، إذا كان إنساناً عادياً مسلماً في المجتمعات القديمة، بيروح بيزور أقاربه وبيعيش مع الأسرة مع المجتمع، وبعدين على أذان العشاء بعدها بحط راسه بينام وبيصحى اليوم الثاني، بدون تذمر، بدون شعور بأرهاق أنه نفسي، أو ليش وأشتغل وأنا شو اللي متعبني؟
لماذا لما تأتي تخاطب شاباً مسلماً معاصراً، تجده دائم التذمر؟ وبعض الشباب بيشكوا والله يا شيخ يعني بصحى من الساعة 7:00 الصبح، طيب شو يعني الساعة 7:00 الصبح؟ والوضع الطبيعي من الساعة 7:00 الصبح، بورك لأمتي في بكورها، يعني أنت ماذا تتوقع بالنسبة للاستيقاظ؟ شو سقف الاستيقاظ بالنسبة لك؟ هذا كله يا إخواني جزء من دخول فقد معنى الحياة عند الغرب ومجتمعنا، أنه أنت بتشوف خلص ما في معنى للحياة، يعني شو معنى أستيقظ مبكراً؟ ها ما معنى أن أستيقظ مبكراً لأعمل وأروح أتعب من الساعة 7:00 للساعة، ما معنى هذا؟ لعدم وجود اقتناع بجدوى هذا. هذا بالنسبة لك أصبحت تتثاقل من الاستيقاظ مبكراً، أصبحت تتثاقل من إيش كذلك حكينا؟ من القراءة والتعلم، يعني حتى بدي أتكلم في الأوساط العلمية، ليش كثير من الشباب يتثاقل عن الدروس العلمية؟ أو حتى كثير منكم بيدخل ببرامج وقطع، دخل بدورة وقطع بأي برنامج من البرامج، ليه؟ لأنه أنت نمط حياتك أصبح يريد إنجازاً سريعاً، اللذة السريعة. بتعرفوا مقاطع "الريلز" هي، مقاطع "الريلز" دائماً التي أنا بدي أشوف مقطعاً وأستمتع فيه وتكون مدته لا تزيد عن دقيقة، هذه حالة مش مريحة أبداً، أنه أنت ما عندك قدرة على الصبر على نوع معين ونمط معين من الحياة تقاسي فيه وتعاني فيه، وتشعر بلذة هذه المقاساة والمعاناة.
حتى بتعرف فكرة أنه أيضاً أنك تعمل للأجيال القادمة، يعني أنه ممكن أعمل شيئاً أنا ممكن ما أرى نتيجته بس ممكن تراها الأجيال القادمة، لا، هذا أصبح في عالم الأحلام عند كثير من الشباب، أنا إذا بدي أعمل شيئاً بدها تكون نتيجته سريعة، بدي أدخل في تجارة بدها تكون تربح خلال يومين، إذا بدي أدخل في بزنس معين بدي يكون الراتب عالياً وفي تعب، إذا بدي أشتري بدي أعمل قضية اللذة العاجلة وعدم القدرة على تحمل الأعمال، لأنه أصبح، بتعرفوا ليش؟ هذا برجع، أصبح العمل بالنسبة لك في منظومة العالم المعاصر أنني أكون إنساناً يعمل ومنتجاً لا معنى له. إنه لو بدك تفكر على طريقة هؤلاء الذين يرون أن الحياة لا معنى لها إلا اللذة والمتعة، هي لا معنى لها، بس أنك تعيش متعك، ما معنى أني أتعب من أجل عمل؟ يعني لو أنت فكرت بعقليتهم ما معنى أني أشتغل من الصبح للمساء؟ طيب شو الهدف؟ شو الغاية؟ أنا أصلاً في عقل الباطن إيش، معرف الحياة لا معنى لها، هيك معرف الحياة لا معنى لها، بالتالي أنا ليش أستيقظ الساعة 7:00 الصبح؟ ليه؟ وليش أفرك الناعس عن عيوني وأتعب وأقاوم النعس، من ما معنى هذا؟ من أجل ماذا أفعل هذا؟ مشكلة هي الإجابة الثانية يا إخواني، أنه لا معنى للحياة بتخليك حتى الأنماط والعادات الصحية والتقليدية تفقدها تماماً. المهم أنك تكون مرتاح وجسدك يعني ماخذ أريحيته، علاقاتك، شهواتك، رغباتك، ﴿يَأْكُلُونَ وَيَتَمَتَّعُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ﴾ [محمد: 12] هي هي، شوف ربنا في القرآن، القرآن مليء بوصف هذه الحالة، فقط يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام والنار مثوىً لهم، هذا فعلاً هذا النموذج على الحرق، يعني ما بدك إياه والنار مثوىً لهم.
طيب من أشكال هذه الإجابة أيضاً من مظاهرها -أنا ليش بعطيكم مظهراً مظهراً وحريص أني أعطيك هذه المظاهر حتى تعرف كم حجم تأثرك أنت يا شاب مسلم بهذه الإشكالية، وأنه فعلاً نحن وإن كنا يعني نظرياً لا، نحن يا شيخ مؤمنين بالعبادة لله وكذا، لا نحن بدأنا نتأثر ونلهث مثلهم في كثير من هذه المظاهر- من مظاهر عدم وجود معنى للحياة، التهرب من المسؤولية، التهرب من إيش؟ من المسؤولية الأسرية، الزوجية، العائلية، التربوية. كثير من الشباب اليوم المسلم بل المتدين بعضهم يقصر في حياته الزوجية، بتقول له وين حق الزوج وما شابه ذلك مستثقل من بذله، طيب الأبناء ماذا فعلت من أجل تربيتهم؟ يقول لك أنا أصلاً ما ربيت، أنا بس بجيب مصاري للبيت، بس المهم بيروحوا على المدارس، لكن لا أقاسي ولا أعاني في التربية. طيب العلاقات الاجتماعية، طيب عندك صلة أرحام، بر والدين، هذه إيش أصبح معناها في حياتك؟ هو دائماً متثاقل من كل العلاقات الاجتماعية، نمط التهرب من المسؤولية ما سببه؟ أنك لا تشعر بمعنى للمسؤولية، لأن الذي ما الذي يجعل الإنسان يصبر على تربية أولاده؟ شعوره بالمعنى، أنه في معنى من هذا الصبر. صح ابني تعبني وغلبني وبيسهر عليه وكذا، بس في معنى.
إيش بخلي الإنسان يصبر على صلة الأرحام وحق الصداقة والأخوة في الله، وأن يكون مع إخوانه وزملائه بنياناً واحداً؟ شعوره بمعنى لهذه العلاقات يجب أن يحققه. اليوم الإنسان المعاصر إذا لاحظتوا الحياة الغربية على ماذا تقوم؟ فلا أي علاقة محترمة ولا علاقة عنده محترمة، حتى الزوجة بإمكانه يبدلها في أي لحظة ويخونها ويعمل اللي بده إياه، لا في تربية، لا في بر والدين، الأب لما يصل لسن معين أقرب حل ما هو دار العجزة خلصنا، يعني ليش أنا أتعب نفسي في رعاية أب؟ أنت شو اللي بخليك ترعى والدك اللي عمره 60، 70 سنة؟ أنه في معنى، أنه أنا أنتظر من الله الثواب على هذا، والشعور أيضاً بالوفاء لهذا الإنسان، وهذا شعور، هذا من المعنى، أما أنت الأب الكبير بيروح على دار العجزة، والابن الصغير على 16 على 14، 13 يعيش لحاله بيستقل، وأنت الزوجة بالنسبة لك هي أصلاً شكلياً موجودة، وبعضهم أصلاً هو يعيش علاقات محرمة ما في عنده زوجة. هذا جعل الحياة لمن لا معنى للحياة له خالية تماماً من المسؤوليات.
طيب أنت ليش بتشتغل؟ يقول لك صريح: أنا فقط بدي مال حتى أقضي شهواتي، بس هذا اللي بخليه يشتغل، يريد المال من أجل قضاء الوطر، هو لا يرى أبعد من قضاء وطره، وهذا شيء مرعب لما تصبح أنت متخيل شخص 24 ساعة هو فقط هذا هدفه في الحياة، وهو لا هدف أصلاً، ليس هدفاً، هو فقط يأتي بالمال شهوات هنا، هذا كله يخالف الفطرة إخواني، ويخالف طبيعة الإنسان وجوع الفطرة لوجود علاقة مع إله تعيش من أجله.
طيب، من الظاهرة الأخيرة التي سأتكلم عنها حتى لا أطيل، الإجابة الثانية: ارتفاع ما يسمى بحد الإشباع. من ظاهرة عدم وجود معنى للحياة ارتفاع حد الإشباع، ما حد الإشباع؟ بالنسبة للجمال، ما حد الإشباع بالنسبة للعلاقات، ما حد الإشباع بالنسبة للناس؟ الآن لما تأتي لكثير من الشباب تقول له ما حد الإشباع بالنسبة لنظرتك للجمال؟ لما يجي بده يتزوج بنتاً يكون حضرته حاطه في مخيلته...
كم خمسة عشر ألف صورة أخذتها من العالم الغربي ومن السوشيال ميديا، فلما يأتي ليقرر يدخل في علاقة زواج، هو شو معنى الأسرة بالنسبة لك؟ وشو معنى امرأة صالحة تربي أولادي؟ يا شيخ بالله حط لي إياها على جنب، هي قضية «اظفر بذات الدين»؛ يعني ماشي حلوة بس ما بدي أفعلها كثير، لأنه أنا أصلاً الزواج عندي وتر وشهوة، وأنا حد الجمال عندي عالي جداً، أنا لا أقبل إلا شيئاً بروفيشينال لمستوى عالٍ عالٍ عالٍ، ما بقبل بأي شيء حتى لو امرأة صالحة جيدة جزاها الله خيراً، لا لا أنا ما بقبل. كثير من الشباب أنا بعرف شاب دخل على سبعين واحدة يحاول أن يخطب، هو شاب محترم مش أنه كذا، بس أنا عارف أنه يعاني كان من مشكلة، ماذا؟ أنه نظرته للجمال عالية هائلة جداً. طب هذا العلو النمط العالي جداً، المثالية العالية في طلب الجمال شو سببها؟ وهذا كله أخذناه من أنماط الغرب، لأنه الإنسان الغربي هو لا يبحث عن معنى آخر سوى الشكل، الهيئة، طول الشعر، الأنف، الأشياء، يعني هذا هو ما يريده، ويريد أشياء أكثر وأكثر، وبالتالي دخل العالم عمليات التجميل. ليش تجد المرأة الغربية مفتونة بعمليات التجميل؟ لأنه هي حياتها، وهي تعرف أنه حد الجمال ارتفع، فمصانع التجميل اشتغلت على ظهورنا، عملية أطباء التجميل اشتغلوا على ظهور الناس؛ كل هذا لأنه حد الإشباع في الجمال لا يصل إلى نهاية ولا يقف عند عتبة معينة.
كذلك في العلاقات؛ صار هناك مثالية جداً في العلاقات وحساسية مرهفة، قضية أن الإنسان يعيش في مجتمع، يا أخي هذا المجتمع شيء طبيعي، تيجي على مجلس علم تلاقي واحد والله مثلاً ضايقك في المجلس شوي، واحد تكلم بكلمة. اليوم بعض الناس إخواني ما بحكي في الغرب، بحكي في عمان، إذا دخل على مسجد معين، أخونا بتعرف من طبقات مناطق معينة وأحياء عالية في عمان، ليش الأحذية على باب المسجد؟ جد بدي أصلي أنا، طيب يا أخي أنت هو ماشي هو نقص، أنا مش أقول لك أنه هذا، بس أنه مستوى المثالية عنده في الحياة أنه لا يقبل وجود نقص أو سوء في مظهر من مظاهر الحياة. وهذا النبي عليه الصلاة والسلام كان يعلم الصحابة أنه لا ترفع سقف طموحاتك لمثالية عالية، جاء أعرابي بال في المسجد، الصحابة بدهم يروحوا كانوا يضربوه، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تزرموه». خلص غلطة غلطها، جيبوا ذنوباً من ماء فأهريقوه. المشاكل هي تعالج ولا تسبب تفككاً. لا، إذا أنا وجدت صاحبي تصرف معي تصرف غير لبق مباشرة بنهي العلاقة. إذا إنسان أو شيخ، يعني حتى في حالة طلاب العلم سمعونا بحب إسقاطاتها، إذا بعض المشايخ حكى مع طالبة العلم أو الطالب دروس عنده بقسوة شوي، أنا ما بدرس عند هذا الشيخ، كيف بيحكي معي بهي الطريقة؟ شو بيحكي معك بهي الطريقة؟ ما هو الزمان قديماً كان الشيخ يبهدله ويقلقي قيمته عادي، وبالنهاية يعني أنا عارف أنه هذا حق الشيخ أني أنا عم بستفيد منه. لا صار في مثالية في العلاقات زائدة، مش مستحمل حدا يقول لي كلمة، مش مستحمل حدا ينصحني، مش مستحمل حدا يوجه لي أي عتاب، لا أم ولا أب ولا زوجة ولا إخوان لي.
هذا المثالية في العلاقات، المثالية في الجمال وفي أشياء كثيرة من حياتك هي نمط الإشباع للرغبات الدنيوية، وأنه أنت لا ترى معنى معيناً يخليني أصبر على النقص الذي في أخوي، أو يخليني أصبر على النقص الذي في زوجتي، أو هي تصبر على النقص الذي في، أو بتخليني أصبر على شدة الشيخ. شو اللي بخليك تصبر على شدة الشيخ؟ في معنى أنه أنا عم بتعلم، صح الشيخ سمعني كلمتين بس أنا عم بتعلم صح، المكان لقيته أزمة بس أنا عم بتعلم. بعض الناس بلاقي المجلس أزمة، لا أنا ما بتحمل، أنا بدي متر لمتر مساحة خاصة في للجلوس، غير هيك لا بحضر مجلس علم ولا شيء. هي المثالية دخلت على كثير من العقول المترفة، شوف هذا ربما كثير منكم لا يعانيه لأنه لم يعاشر الطبقات المترفة في بلادنا، بس حاول أنك تعاشر الطبقات المترفة ستعرف ما أقوله جيداً في حجم المثالية، وإحنا بنسميها يعني الوع، مش بسموها كذا، يعني عطيني بريستيج عالي جداً جداً، غيره ما بينزلوا عنه.
طيب، حتى لا أطيل في هذا الموضوع، بدي أروح لموضوع أخطر شوي. إذا قلنا الإجابة الأولى لما بعد الحداثة بالنسبة لمعنى الحياة، الإجابة الأولى شو كانت؟ فكر، ريحوا حالكم. الإجابة الثانية شو كانت؟ أنه في معنى بس تمتع باللحظة الراهنة، جيب مصاري وتمتع، فش معنى لأنك خلص، هذه هو معنى الحياة، وهذه إجابة مخيفة مرعبة. الإجابة السيئة الثالثة وهي من أسوأ الإجابات وسنفكر فيها كثيراً لكثرة آثارها حتى في الشباب الملتزم، تيار فلسفي كبير قال: معنى الحياة هو، كما قال أخونا، الفردانية هو تحقيق الذات. أنت تعيش الحياة الدنيا والهدف والمعنى من هذه الحياة ما هو؟ أن تحقق ذاتك التي هي بسموها برضه باختصار الأنا، هي أنا تمام.
طيب الآن هذا الاتجاه، هذا الاتجاه الذي اختار هذه الإجابة، قالوا ما بصير نشتت أنفسنا عن هي الإجابة وما بصير نحكي أنه الحياة لا معنى لها، طيب شو إجابتكم؟ قالوا هي الإجابة: أن الإنسان يعيش في هذه الحياة الدنيا من أجل تحقيق ذاته، كل واحد فيكم يعيش من أجل ذاته الشخصية والأنا بتاعته. طيب هذه الفكرة انبنى عليها ثلاث أمور أساسية. الأمر الأول وهذه عليها دراسات، يعني هذا الكلام مش تحليل إخواني، هذا الكلام هم في كتبهم بس أنا عم بختصر عليكم، قال فلان وقال فلان من الغرب. الفكرة الأولى: ما دام أنت تخرج إلى هذه الدنيا والهدف من حياتك باجي بعرف لك إياه يا عزام، الهدف من حياتك تحقيق ذاتك، ليس لك علاقة بدين ولا علاقة بمجتمع ولا علاقة بأي انتماء معين، أنت فقط أنت، أنت. هذه إخواني خطيرة جداً ومرعبة، لأنه معناها أنني لا أنتمي.
يعني أنا بس بدي أرجع شوي، شو معنى أن هدف الحياة تحقيق ذاتك؟ أنه أنت ليس لك علاقة بكل البوتقة الاجتماعية التي حواليك، ما لك علاقة بالعادات والتقاليد، وما لك علاقة بأنماط التدين وما شابه ذلك، وأنه في إله سبحانه وتعالى تتعلق لا، ليس لك علاقة بإله ولا علاقة بمجتمع ولا علاقة بتقاليد ولا علاقة بأسرة. طب أنا ايش علاقتي؟ علاقتي بذاتي فقط، ويجب أن أحقق ذاتي، وإذا ما حققت ذاتي فهذا معناها أنني فشلت في معنى الحياة، إذا لم أحقق ذاتي أنا فشلت في معنى حياتي وأصبحت حياتي لا قيمة لها. طيب كما قلت، الشكل الأول أو الأثر الأول قبل أن أدخل في أنماطها، لكن بدي أتكلم عن ثلاث محاور أساسية قامت عليها فكرة الأنا وتحقيق الذات؛ أولاً أن الإنسان يخرج إلى هذا العالم وظيفته هو أن يبحث عن معنى لحياته، ما دام المطلوب أن أنت تبحث عن ذاتك، إذا أنت لما بتكبر وتكبر وتبلغ مثلاً، وظيفتك أن تبدأ تكتشف ما هي ذاتي التي أريد أن أظهر بها، ما هو معنى الحياة الخاص الذي أريد أن أعيشه؟
ما بعرف إذا هنا، طب في شخص اسمه باومان، هذا الاقتباس الوحيد الذي سآخذه، بس يعني في شخص اسمه باومان كتب كتاب اسمه "فن الحياة"، إيش بيقول؟ انتقل الإنسان من مجتمع يولد فيه الأشخاص في هوياتهم إلى مجتمع أصبح فيه تأسيس وبناء الهوية هي مهمة الأفراد ومسؤوليتهم الخاصة. شو بيحكي باومان في "فن الحياة"؟ أنه كيف ما بعد الحداثة، وهي الإجابة بالتحديد أن معنى الحياة تحقيق ذاتك، الآن في الوضع الطبيعي، حتى تفهم الموضوع بأكثر عمق، في الوضع الطبيعي الإنسان بيولد ضمن أسرة، صحيح، وبيحمل الموروث الذي يعلمه إياه أبوه وأمه، والموروث الديني لهذا المجتمع، وبيعيش من خلاله، وحتى في الجاهلية الإنسان كان يولد في قبيلة، صح، وبيعش داخل قبيلة بني تميم ولا بني بكر، وبيكون مع عادات هذه القبيلة وتقاليدها، خلص يعرف نفسه هويته حياته من خلال القبيلة. مشكلة ما بعد الحداثة في هي الإجابة لا، أنه أنت بتطلع على الدنيا متحرر هكذا لازم، متحرر من كل عادات والتقاليد وأنماط الحياة المحيطة بك، وأنت اللي عليك تكتشف ذاتك وتكتشف ماذا تريد وكيف ستكون أنت. إخواني هذا مرهق جداً جداً وكاسر للظهر، أنه أنا بدك إياني أطلع للحياة وأحاول أن أتخلص من أي موروث في التقاليد والحياة الاجتماعية والموروث الدينية وكل الصلات، وأبدأ أكتشف من أنا وكيف أحقق ذاتي في هذه الحياة، أنت متخيل كم هي المعاناة التي ستعانيها حتى تبدأ تشكل تصوراً ما عن حياتك؟
طيب، هذه أول قضية وهي القضية التي أوقعت كثيراً ممن يبحثون عن الذات في المشاكل النفسية؛ لأنه هو ما عرف يجد لنفسه هوية خاصة، مع القضية الثانية رح نيجي عليها كمان شوي. طيب، إذا القضية الأولى التي انبنى عليها الآن قضية ماذا؟ اكتشف ذاتك وحدك. ثانياً الليبرالية، الليبرالية ماذا تعني يا شباب؟ شو يعني الليبرالية عن جد؟ هذا كلام صحيح الحرية التامة المطلقة، هذا هو الركن الثاني للأنا، الحرية التامة المطلقة. شو يعني الحرية التامة المطلقة؟ تحقيق الذات في أطروحاتهم يقوم على ماذا؟ أنت عليك أن تمارس الحرية المتطرفه بكافة أشكالها، ما حدا له عليك كلمة، لا دين ولا إله ولا أب ولا أم ولا مجتمع ولا ثقافه حياة، أنت فقط أنت، حرية مطلقة بكل خياراتك، كيف بدك تعيش، كيف بدك تأكل، كيف بدك تجيب المال، كيف بدك تصرف المال، كيف بدك تتزوج، كيف بدك تبدل الزوجة، كيف بدك، وين بدك تسافر، كيف بدك تعمل شعرك، كيف بدك تلبس ملابسك، ما حدا له عليك كلمة، حرية مطلقة بكامل إطلاقها. وهذا مرعب جداً، هذا مرعب جداً. أصبحت الحرية إخواني مقصودة لذاتها، يعني الحرية في الأصل هي وسيلة من أجل تحقيق مقاصد معينة، لا في الفكر الليبرالي وهذا أحد أجنحة قضية الأنا، الحرية أصبحت مقصودة لذاتها، أنه أنا بدي أختار هيك بس لأني بدي أمارس الحرية، يعني عاد بكون له فائدة منه. طيب ليش اخترت هذا الكلام؟ بس مشان أشعر أني حر.
طيب يا فلان، أنت مثلاً ليش عملت شعرك هيك ما عملته هيك مع أنه عندك خيارات كثيرة؟ أنا بس عملت هيك يعني نوع من الجكر، أنه أنا بس بدي أشعر أن أبوي وأمي والمجتمع والدين ما له كلمة علي، فإنا نعم خلص يعني أنا بس بدي أعمل هيك جكر، بدي أثبت لنفسي أنني قادر على أن أختار ما أشاء دون أي موروث. بتيجي على بنت معينة: أنت ليش بتعملي هذا الحرام أو هذا الشيء، طب عندك حلول أخرى؟ لا، هدفها من فعل هذا الشيء ما هو؟ أنه أنا بدي أشعر بأني سترونج إنديبندنت وومن، اللي أنا المرأة القوية المسؤولة، أنا بدي أمارس الحرية جبراً عن المجتمع. طب يعني بإمكانك تمارس الحرية بشيء يجيب لك فائدة، يعني بس كنقاش معها، بإمكانك تمارسي الحرية، طب شيء بيجيب لك فائدة على الأقل؟ لا، أنا بدي أمارس الحرية بشيء لا فائدة منه، سواء في حلقة شعرها، أو في أسلوبها في المشي، أو في اختيارها لباس معين، أو طريقة ظهورها، شيء يعني مقرف مقزز. طيب ليش بتعملي كذا؟ أنا بس بدي أمارس الحرية. أصبحت الحرية صنماً يعبد من دون الله، أصبحت صنماً يعبد من دون، الحرية من أجل الحرية والشعور بالأنا، وهي هي فكرة الشعور بالأنا حققت ذاتي، متعة الشعور أنه ما حدا له علي كلمة، متعة الشعور أنني أستطيع أن أفعل ما أشاء.
طبعاً هي شو آثارها السلبية يا إخواني؟ صار لها آثار سلبية مرعبه، سأحصرها في نقطتين؛ أولاً لما يكون أنت هدفك في الحياة الحرية المطلقة، وأنه أنا بدي أختار كل تفاصيل حياتي اليومية بدون وجود أي تدخل ديني أو تقاليدي أو اجتماعي، شو معنى هذا؟ آه شيخ أسامة شو معنى هذا؟ لما تكون أنت بدك يومياً من الصباح للمساء بدك تختار كل التفاصيل بالحرية التامة ولا كلمة لأي أحد علي، شو هذا؟ ماذا سيفعل؟ إخواني إرهاق الذهن في الاختيارات، أنت يومياً عندك أربع وعشرون ساعة، احكي ماشي اثنتا عشرة ساعة راحت نوم، الاثنتا عشرة ساعة الثانية أنت بدك تمارس الحرية المطلقة، كل ساعة أنا بدي أقرر كيف بدي أقضيها، ما في شيء اسمه صلوات خمس، هي قضية أن في صلوات خمس أنا ملزم فيها من قبل دين لا فش، قضية اسمه والله أنا عندي اليوم ترتيب مع الوالد والوالدة بدي أزور أو علاقة اجتماعية فش فكرة، أي شيء أنا بدي أظلني أعبي الساعات أعبي الساعات وبالحرية المطلقة بعيداً عن أي دين واجتماع وتقليد، هذا سيوقعك في شبكة ماذا؟ إرهاق الاختيارات، أنه أنا كل يوم بدي ألهث من جديد، كل يوم بدي ألهث، لأنه فش كل يوم أنت المسؤول عن قراراتك، بدك تروح هون، بدك تعيش مع فلانة، بدك تطلق فلانة، بدك تجيب ولد، بدك تجيب ولد، بدك تقتل فلان، بدك تعمل كذا، بدك تطلع على البحر، بدك، بدي أشتري من فلان، بدي أشتري من المحل الثاني، شو بدي أقضي هي الساعة، شو بدي أعمل؟ كل هذا أنت المسؤول عن تقريره. بعض الناس يصرخ بالحرية وهو والله لا يفهم ما الهرف أن الحرية ستقتله وستنهكه وسترهق أعصابه، لأنه أربع وعشرون ساعة لاني حر بدي أختار. طيب الإشكالية الثانية أيضاً التي تمثلها الحرية الليبرالية ما هو؟ أيها.
عدم الثبات والاستقرار في أي شيء في الحياة ليه؟ لأنه العالم الغربي وضع لك خيارات متعددة. أنا أحياناً بفكر في الإنسان الجاهلي والإنسان المعاصر؛ الإنسان الجاهلي شو كان عنده خيارات للمتعة؟ يعني شو بده يعمل؟ يا علاقة محرمة مع بنت، يا بده يطلع صيد، يا بده يشرب خمر، شو بده يعمل غير هيك؟ اليوم الإنسان المعاصر شو عنده خيارات حتى يشبع بها المتعة؟ عندك آلاف الخيارات؛ بدي أطلع ألعب كرة قدم، بدي ألعب بولينج، بدي ألعب تنس، بدي ألعب هذه الألعاب. بدي أشاهد تلفزيون، بدي أشاهد تيك توك، بدي أشاهد إنستغرام، بدي أشاهد سوشيال ميديا، هذه لحالها. مطاعم؛ بدك تأكل دجاج مقلي، بدك تأكل شاورما، بدك تأكل كذا، بدك تأكل كذا، تجد أمامك آلاف الخيارات. هذه الخيارات المرعبة أمامك بتجعلك دائماً بدك أني حر، فبدي أظلني أجرب، وأنا أمام حيرة الاختيار؛ طيب إيش أختار؟ طيب أختار هذا اليوم، طيب بكرة لأ بدي أختار خيار ثاني مشان أجربه، اليوم الثالث بدي أختار خيار ثالث.
تيجي على الزواج، اليوم تزوج فلانة، طيب عندي خيار أنا أطلق أو أشوف علاقة ثانية خليني أجرب فلانة، ليش؟ لأنه أنا حر، ما حدا له عندي إيش أقدر أطلق، لأ. طيب أنت لما تيجي للإسلام، الإسلام شو بيقول لك؟ يا أخي ماشي، لما تيجي أنت الآن تدخل في زواج حتى لو كان في سلبيات، يقول لك النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يفرك مؤمن مؤمنة إن كره منها خلقاً رضي منها آخر». الإسلام شو بيجي بيقول لك؟ حتى لو كان في سلبية اصبر، لأنه عندك أولاد أنت متحمل مسؤوليتهم، عندك حياة، عندك مس، ما بينفع كل ما بدك تتزوج تطلق، كل ما بدك تتزوج. أحياناً نعم تصل لمربع الصفر ولازم تطلق، بس ما يكون هذا خيار الحرية المطلقة، لا؛ الحياة الغربية التي تقوم على الليبرالية: أنت حر، تزوجت فلانة اليوم بطلقها، بكرة بتزوج فلانة بطلقها، فتبقى في دوشة الخيارات التي تعطيك عدم الثبات.
لا يوجد علاقة اجتماعية ثابتة، يعني أحياناً أنا ممكن أعمل علاقة اجتماعية مع شخص وأجد منه بعض التصرفات السيئة، بس أجد معاني إيمانية بتخليني أصبر عليه، بيظله أخوي. صح؟ في عالم الحرية شو معناها؟ أنا بكون مصاحبك، يوم تصرف بس واحد منك ببدلك، ببيعك، بجيب علاقة ثانية، علاقة ثالثة، علاقة رابعة. فلحظة علماء الاجتماع الغربيين -مش أنا اللي بحكي- أن الليبرالية المتطرفة جعلت الإنسان لا يثبت لا على علاقات اجتماعية، ولا على قرارات زواج، ولا على قرارات أكل؛ أصبحت الحياة مرهقة لأنها دوماً في تغير، دوماً في تقلب، فالأمزجة متنقلة بشكل مرعب.
إذاً عدم الثبات والاستقرار في أي شيء بتفعله؛ يعني أنت اليوم كشاب مسلم أنا قادر أستقر أنه أنا والله بدي أدرس دراسة معينة أستقر فيها حتى لو وجدت فيها عقبات، إذا بدي أدخل في مشروع زواج بدي أبحث عن عوامل الثبات فيه، بدي أدخل في علاقة معينة بدي أحاول أصبر عليها، بتشعر أنه في نوع من الاستقرار، أنا مش في كل يوم داخل في دوامة جديدة، لأنه أنا كل يوم بدي أدخل في دوامة جديدة أنا سأصاب بأمراض نفسية، أمراض الإدمان وأمراض الاكتئاب وما شابه ذلك لأنني مش قادر أستقر على شيء، الحرية المطلقة أمامي، لا. الإسلام يجي بيقول لك تعال، الحرية لها ضوابط معينة، ويجب في النهاية أن تتذكر في النهاية أنك عبد، وهناك رب، وبالتالي كل قراراتك واختياراتك محكومة باتجاهك أنني أريد أن أفعل ما يريده الله، فسأذهب للكتاب والسنة وللوحي الإلهي وأنظر ماذا يريده الله، وسأؤطر حياتي وفق الوحي حتى لو كان هواي. هي فكرة الهوى، ما هي الحرية هي الهوى، الحرية هي الهوى، ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الجاثية: 23]. خلص افهمها، القران الآن بيقول لك مش حينفع تعيش مع الهوى لأن الهوى سيقلبك إلى أماكن كثيرة بخلاف الوحي، الوحي يعني ثبات، يعني هدوء، يعني سكينة في حياتك.
المحور الثالث الذي قامت عليه فكرة الأنا، قضية البحث عن الاعتراف، قضية البحث عن الاعتراف. الآن إخواني الكرام، الإنسان لو سألتكم هيك سؤال فكري، هل الإنسان من حاجاته الفطرية أنه يبحث عن اعتراف لذاته في المجتمع؟ يعني أنت كإنسان هل تشعر بشيء داخلي بتحب أن يكون لك اعتراف أمام الناس؟ أحسنت، يعني هو في النهاية كياني، كل إنسان يحب أن يجد له نوع من الاعتراف في المجتمع اللي بيعيش فيه، صحيح؟ اللي هو نحن بنسميه أحياناً الاحترام، التقدير، نظرة الناس له، والحضور المجتمعي. وهذا ابتداء هو شيء في فطرة الإنسان أنه يحب أن يشعر باعتراف الناس بكيانه، اعتراف الناس بوجوده، ما في إنسان بحب يفقد احترامه، ما في إنسان بحب يفقد تقديره.
هي القضية قضية الاعتراف الدين يأتي ليهذبها وليقلل من سطوتها في حياتك، ليش؟ الاعتراف لما يكون مطلوباً لذاته تصبح أنت ماذا تفعل؟ ما تكون أنت تبحث فقط عن الاعتراف وأن يكون لك كيان أمام الناس، ماذا تفعل؟ بتعمل أي شيء من أجل أن أثبت حضوري أمام الناس وجلب الأضواء إلي والثناء علي، أليس كذلك؟ وأنه يصبح أعمالي مرهونة بنظرة الآخرين لي، لأنه نظرة الآخرين هي التي ستمنحني الاعتراف، وأنه هل أنا إنسان مقدر مجتمعياً أو لا؟ الدين ماذا يقول لك في هذه الجزئية؟ أحسنت، الدين يقول لك: أن يعترف بك في السماء أهم من أن يعترف بك في الأرض، أليس كذلك؟ يعني الإسلام أكيد بطالبك أنك تحافظ على احترام ذاتك، أكيد الإسلام يطالبك ألا تهان وأن تكون مقدراً، لكن لا يصبح الاعتراف صنماً أعبده، وتصبح مقاصد أعمالي وحياتي وممارساتي اليومية هي فقط البحث عن الاعتراف، لا؛ أن أبحث عن الاعتراف في السماء، أنا أبحث عن أن أذكر في السماء قبل أن أذكر في الأرض.
ولذلك تأتي قيمة الإخلاص، أنه الإنسان اللي بيمارس أنشطة حياته ممكن يعطي فقيراً بدون ما حدا يعرف أنه هو اللي تبرع، شو اللي بخليك تعمل كده؟ أني أنا عندي إخلاص، أنا مش هبحث عن نظرة الناس إلي بإعجاب أنه أنا تصدقت، لأ أنا مكتفي أن الله يعلم ذلك. أنا لما أمارس أي نشاط ديني أو حياتي أنا لا أبحث عن نظرة الآخرين، أنا أحمي نفسي أكيد من خوارم المروءة، بتعرف فكرة خوارم المروءة؟ أنا بأحمي نفسي من خوارم المروءة حتى لا أقلل من نفسي أمام الناس، لكنني لا ألهث للبحث عن رضا الناس، «من أرضى الله بسخط الناس رضي الله عنه وأرضى عنه الناس، ومن أسخط الله برضا الناس سخط الله عليه وأسخط عنه الناس». إخواني لما تقرؤوا لعلمائنا الكبار، وكيف أنه سعي الإنسان يجب أن يكون الحصول على الاعتراف عند الله وأن يذكره الله في السماء في الملا الأعلى، بيعرف كم الحالة المعاصرة متعبة في البحث عن الاعتراف في عالم البشر والبحث عن تحقيق الذات في هذا المجتمع الذي تعيش فيه.
خليني أعطيكم مظاهر الاعتراف كيف تؤثر ليس على الإنسان الغربي، بل تؤثر حتى على الإنسان المسلم، بل حتى على طلاب العلم، بل حتى على أصحاب بعض المشاريع الدعوية، كيف تؤثر البحث عن الاعتراف في كثير من اختياراتهم وتوجهاتهم؟ أنا بأعطي قاعدة أدخل في التفاصيل إخواني، لأنني موقن تماماً أن معنى الحياة المعاصر تشوه كثيراً عند كثير من الملتزمين والمحافظين، وهذا التأثر فرضته معالم الحياة بعد الشاب المسلم عن الوحي الإلهي وعن تدبره وعن معاني التزكية وصلاح النفس، خلته يقع في فخ معاني الحياة اللي بقدمها لهم النموذج الغربي.
طيب، خلينا نتكلم عن أول شكل من أشكال تتابع الناس ولهثهم خلف الاعتراف، لما تكون جالس في جلسة مع الشباب، صح؟ بتصير جلسة تعارف، وفي جلسة التعارف كل واحد بده يعرف عن نفسه: "أخوكم فلان الفلاني"، يعني كيف أنت بتعرف عن نفسك؟ يعني أنت لما تيجي تعرف كيف بتعرف عن نفسك؟ أو ما مشاعرك وأنت بتعرف عن نفسك؟ خليني أكون أسمع الأوضح، بتشعر أنه لازم يكون بدي أبحث عن أكثر شيء مميز فيّ حتى أعرف وأسوق نفسي فيه. مثلاً: "أخوكم الدكتور فلان الفلاني، دال نقطة"، بتنحكى تمام، الدكتور فلان الفلاني في قسم كذا. طبعاً أنت لاحظ أنا مش عم بقول إنه هذا بحد ذاته غلط، لأ، أنا بس بدي أقول لك كيف احنا أصبحنا نبحث عن الاعتراف ونلهث خلفه؛ دكتور فلان الفلاني، أخونا والله صانع محتوى على قناة كذا وكذا بتعرفوها، لأ والله فلان صانع محتوى مميز وعنده متابعين ما شاء الله، كم متابعه؟ 70 ألف، 100 ألف، بعرف نفسه إنه صانع محتوى أو بعرف نفسه إنه صاحب صفحة فيسبوك وأنه كاتب مشهور، أو بعرف نفسه إنه صحفي في قناة مشهورة الجزيرة، أو بعرف نفسه إنه كذا وكذا.
هذا الآن أنت تبحث عن أكثر شيء مميز في حياتك مشان تسوق نفسك فيه أمام الناس، وبتلاقي الشاب المسكين اللي ما توفق في التوجيهي قاعد يا رب ما يجي الدور، يا رب ما يجي الدور لأنه أنا لسا بدي أحكي إنه أنا لسا عم بعيد التوجيهي ولسا أموري مش ماشية والحياة متعثرة معي، فيشعر بماذا؟ بقمة الخجل والاستحياء، وأحياناً يشعر بالانطوائية وأنه أنا ما بدي ألاقي الناس لأنه أنا مش قادر أعرف نفسي أمامهم، أنا ما... أنا صفر في الحياة، أنا ولا شيء. طبعاً شوف الإسلام كيف بيقول لك أبداً ما في عننا هذا الكلام، أنت عبد لله وهذا أعظم تعريف لك، عبد لله، "رب أشعث أغبر" يعني ملهوز بالثياب، لو أقسم على الله لأبره، ما حدا بيعرفه، لو بده يجي يعرف نفسه: والله أخوك بشتغل في حرفة بسيطة والحمد لله مستور الحال. بعض الناس لأنه أصبح واقع في فخ الاعتراف ويعتقد أن معنى حياته اللي هو تحقيق ذاته، وتحقيق ذاتي لازم حدا يعترف فيّ، لازم المجتمع يحكي عني، لازم يكون لي حضور معين في المجتمع، هو يحتاج أن يبحث عن شيء يعرف به نفسه، إذا ما وجد شيء يعرف به نفسه، انطوائية، اعتزال، أو حقد على المجتمع، ركز، أو إيش؟ أو حقد على المجتمع.
طيب بالتالي مين اللي بتلاقيهم الآن أكثر حضوراً؟ صانعي المحتوى في السوشيال ميديا، أصحاب القنوات المعروفة، المراسلين الصحفيين اللي بيطلع لك إياهم الإعلام، حتى في المشايخ، مين المشايخ اللي بتلاقي... المشايخ أصحاب المشاريع الدعوية بتلاقيك أنه إيش، هؤلاء هم اللي تسلط عليهم الأضواء، تمام؟ طيب والشاب اللي عم يعرف نفسه بس مش ملاقي شيء يعترف به أو شيء يحقق به عفواً اعترافه، قلنا يا بختار خيار الانطواء. الأسوأ، الأسوأ لا بعضه ما بيختار خيار الانطواء إذا ما وجد شيء يسوق به نفسه أني أنا دكتور أو صانع محتوى أو إنسان صاحب مشروع، بتعرفوا هذه قضية المشاريع، صار الواحد إذا بده يحكي أنا ما عندي مشروع، أنا بخدم مشاريع، لأ عيب، كيف أنت ما عندك مشروع؟ آه كثير من الناس التي لم تستطع أن تعرف نفسها في الحالة الغربية والإسلامية، أصبح ماذا؟ أصبح حتى يشبع هذه القضية أصبح ينتمي لانتماءات معينة، يحاول أن يبحث عن أي انتماء ينتمي إليه حتى يشبع قضية الاعتراف، بتلاقيه مثلاً بينتمي لمين؟ لفريق ريال مدريد، خلص بيقول لك أنا عمي بدي شيء يعترف فيّ، حدا أنا من مشجعي هذا النادي الكبير، ما بتلاقيه طول الوقت على السوشيال ميديا شعارهم، مبارياتهم وكذا كذا، ترى هذا شكل من أشكال البحث عن الاعتراف يا أخي.
بعض الناس والله إخواني تذكرت حكتني هذه القصة، قرأت منشور لواحد إيش بيقول؟ بيحكي عن نادٍ أردني هو مشجع له، بيقول أنا في يوم هذا النادي كان بيشارك مباراته إنه هو ضحى مشانه، أنا في اليوم هذا النادي كان بيشارك في المباراة كان ابني ميت، ابني توفى في هذا اليوم وعيني بتبكي على ابني من جهة، وبتطلع على المباراة من جهة، قلت الله أكبر. إخواني هذا منشور حقيقي لشخص حقيقي يعيش بيننا في بلادنا، وأنا حقيقة صدمت أنه هل معقول واصل لهي الدرجة؟ إخواني هذه أزمة ما أسميها إنه هو يبحث عن تحقيق ذاته ضمن أي انتماء، خلص أنا بدي... ما في شيء، بنتمي لفريق كرة قدم، بعض الناس بيختار بأنه ينتمي أنا من متابعِي الدكتور الفلاني، تمام؟ بصير هذا الكلام إنه أنت من أتباع أي دكتور، أتباع الدكتور الفلاني أو عادي في أوساط طلاب العلم شو بصير؟ أنا متابعِي البرنامج الفلاني، أنا متابعِي غراس، تمام؟ يعني حتى أحطه على نفسي ما حدا يشيل عليّ، تمام؟ طيب أنت يعني متعرف عادي، أنت مسلم عادي كائن طبيعي، أنت مسلم تنتمي لهذا الدين العظيم، أو أنا بنتمي لحزب أو جماعة سواء إسلامية ولا غير إسلامية.
ليش أنا بقول لك دائماً الانتماء أنا بالنسبة لي مخيف، لأنه بصير الإنسان يعرف نفسه من خلال انتماءاته، والله جعل الانتماء الوحيد الذي نعترف به جميعاً ما هو؟ ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا﴾ [الحج: 78] لا تعرف لنفسك بأي شيء، إذا احتجت أن تعمل ضمن جماعة أو فريق تبقى وسيلة وليست غاية. فباختصار الذين لم يستطيعوا أن يعرفوا أنفسهم بأنه دكتور أو أستاذ دكتور أو صانع محتوى، سيبحث عن أي شيء جانبي، فريق كرة قدم، متابعِي برنامج معين، صاحب اتباع لمشروع فلاني، من أنصار فلان كذا، المهم أي حاجة، المهم أن أجد ولو أدنى أدنى أشكال الاعتراف اللي أستطيع أتكلم به أمام الناس. شوف هذه.
هذه الظاهرة كم تأكل من عقول شبابنا ومجتمعاتنا! صدقوني أحيانا بعض الناس إذا ما قلت له دكتور بيزعل، وأنا هذه وجدتها في كثير منهم، حتى في أوساط الشريعة، إذا ما قلت له دكتور بيزعل. قلت له أبو عبد الرحمن، شو أبو عبد الرحمن يا زلمة! أنا طول عمري بجيب شهادات، بعد ما أجيب الدكتوراه تقول لي أبو عبد الرحمن؟
إذا ما حكيت له أستاذ دكتور، مرة شخص، أنا أقول لكم وقائع، طالب نسي يكتب الأستاذ الدكتور، كتب بس دكتور، دكتور، رجع الرسالة قال له أنا أستاذ دكتور، كيف تكتب لي بس دكتور؟ شوف قضية الاعتراف كيف أصبحت سرطانًا، حتى إخواني أنا بتكلم عن أناس متدينين، يعني مشايخ، يعني هذا الأصل. أنت لهالدرجة هوس الاعتراف ماكل حياتك؟
هسه حلو التقدير، حلو، يعني أنا مش بقول لك تحكي له، تحكي له يا عمي عادي، بس الفكرة أنه هو ما عاد يعرف نفسه ويجد نفسه وذاته إلا من خلال هذا الاعتراف باسم وظيفته أو منصبه أو ما شابه. بعد ذلك أحمد بن حنبل كان يقال له يا أبا عبد الله، ما كان يشعر، لا بدك تحكي العلامة أبو عبد الله أحمد بن حنبل، لا عاد، ما كان يدخل عليه الناس والبسيطون، أبا عبد الله شو رأيك في هذه المسألة؟ لأنه السلف ما كان عندهم هذا البعد، ما كان يرى أنه يجب أن يعرف بالشيخ ولا العلامة ولا أستاذ ولا دال نقطة ولا شيء، هو متصالح مع نفسه، أنه معنى الحياة أسمى عندي من أن أحقق ذاتي أمام هؤلاء البشر اللي اليوم معي وبكرة بيقلبوا علي، أنا علاقتي مع الله سبحانه وتعالى. فهذا المظهر الأول، قضية التعريف كيف أصبح سرطانًا يفشو في الناس.
اثنان من مظاهر الاعتراف، أصبح الشاب يقلب أنماط الشخصية في عالم السوشيال ميديا حتى يبحث عن الشخصية التي يرى أن الناس ستحب من خلالها. تغيير أنماط الشخصية حتى يجد الشخصية التي سيعرف نفسه أمام الناس بها. يعني بعض الشباب، سواء في العالم الواقعي والأكثر في عالم السوشيال ميديا، بيدخل بنمط معين، بيشوف الناس ما حطت له لايكات، بيشوف الناس ما عجبها الطريقة اللي عرف فيها نفسه، بيروح اليوم الثاني بيلبس لباس ثاني، تمام، بيحط نظارة شمسية وكذا وبيطلع، بيشوف، بيراقب، هل الناس اعترفت بي؟ هل المجتمع تقبلني؟ لسه بيحاول يقلب يقلب يقلب يقلب، ما وجد لسا، بيشوف طيب شو الشخصية اليوم الناس بتفضلها؟ بصير يحاول يقلد شخصيات الآخرين. آه والله هذا الشخص مشهور، واضح أن الناس بتحب نمطه، فيصبح يحاكي هذه الشخصية، لأنه في العقل الباطن أنا سأحصل الأنا والاعتراف إذا أصبحت مثل هذا الشخص، فينسى كيانه وتذوب معالم نجاحه الشخصية لأنه يريد أن يحاكي الآخرين.
طيب شو الهدف؟ ليش بتعمل كده يا فلان؟ أنا عارف، هو يبحث عن الاعتراف، فهو بيقلب بيقلب بيقلب أنماط شخصية حتى يجد الشخصية التي يتكيف بها. آه والله، لقطتها، آه، الناس حبتني هون. بعض الناس حتى مستعد أن يصبغ شخصية كوميدية، يعني بيكون شخص عاقل ومتزن، فجأة بصير يطلع لك على اليوتيوب مقاطع كوميدية، بيضحك الناس عليه، طيب ليش بتعمل كذا؟ والله شايف هذا اللي بيخلي الناس تحبني أو تحضر لي. يعني كانوا قديمًا يستهزئون، يعني السلف كانوا يعتبرون من خوارم المروءة أن الشخص يكون كالأبله يضحك الناس. اليوم إخواني صار أحد أشكال اليوتيوبرز أن يكون ذاك الأبله الذي يضحك الناس، بس هو بصير فلان، شفتوا فلان؟ والله تابعوه، طيب شو بيعمل هو فلان؟ وبس بيعمل حركات حمقاء أو مغفلة بس بيضحك الناس. هو وجد أنه هكذا أنا على الأقل صار لي، ها شوف شو البحث، لي جمهور، لي أتباع، في ناس بتحط لي اشتراك والقناة عم بتزيد. أنت شو بتعمل من خلال الأتباع والجمهور واللايكات ومتابعتك للتعليقات والجواب عليها؟ أنت تبحث عن الاعتراف، تبحث عن الأنا وشخصيتك ضمن هذا العالم، شوف الإسلام إخواني كيف بيأخذك لبعد مختلف تمامًا، وشوف كيف حياتنا المعاصرة أصبحت هكذا نمطها للأسف.
من مظاهر الاعتراف التي يبحث الناس عنها اليوم، وفي الدراسات الغربية -وقلت أنا مش رح أجيب لأني أنا ما بحب دائماً أستحضر قال فلان وجون ومش جون وهالقصص هذه- فكرة أنهم بحثوا قضية انتشار ظاهرة السيلفي، نعم، شو بتسموها؟ آه سيلفي اللي هو التصوير المعاكس، بس أنا مش عارف شو ترجمتها يعني كيف بدي أترجمها، التصوير المعاكس، بعدين خل يحكوا الشيخ ما بيعرف للمتين أجنبي، عادي، طيب ماشي، وكمان ظاهرة الفلوجات هذه اللي بيسموها، تصوير حياتك الشخصية. اليوم في دراسات غربية عم تتكلم، ليش تصوير السيلفي أصبح نمط من أنماط حياة الناس؟ وليش الفلوجات اللي بيعملوها كثير من الناس لحياته وسفرته وبيته وأسرته أصبحت ظاهرة منتشرة؟ قالوا هي شكل من أشكال بحث الناس عن الأنا، أنه هو شو معنى حياتك؟ لازم أحصل الاعتراف، ما في معنى لحياتي حتى يعترف الناس بي، فصارت قضية التصوير السيلفي مرض من أمراض، وسرطان من سرطانات الواقع المعاصر، هو كله ثمرة بحث الإنسان عن الإعجاب واعتراف الناس به.
هسه ليأتي عند الغرب، لا والله ما هي عند الغرب، نحن كملتزمين كمتدينين، كل جلسة في مطعم لازم نأخذ سيلفي مع الشيخ، كل قعدة لازم نأخذ سيلفي، كل زواج وكل طلعة، وكل، هسه ذكرى شخصية واحدة بتكفي، بس لا هو الذي يحصل أنه لو أنت حافظت فيها في قاموسك ما عندي مشكلة، لا هو الذي يحصل مع كثير منا خاصة النساء سامحوني، أنها بتصور حالها بأي مظهر، كل ما تلبس لبسة وكل ما تطلع طلعة وفي كل محل لازم في صورة، وهذه الصورة لازم تنزل على وسائل التواصل، وبتصير تتبع إيش إعجابات الناس بها، وشو قالوا، ما شاء الله عليك يا فلانة، ما شاء الله، كذا منورة وكذا، وأنت نفس الشيء برضه، يعني ما شاء الله فلان منور كذا كذا. طيب إذا أنت لاحظت أن الناس ما بتعلق لك بتشعر بالحزن، يعني أنت ما تقنعني أنك الآن الإنسان المهووس بهذه القضية، لا لا تقنعني أنك بتشعر، لا لا عادي، نزلت صورة ما حدا علق عليها، عادي جداً، لا لا مش عادي، أنا عارف، عارف أنك بتتعذب وأنك مش قادر تحكي، بس أنت بتستنى حدا يحط لك، لأنه إذا ما حدا حط لي معناتها أنه معقول أنا إنسان وحش؟ معقول المجتمع مش عارف بي؟ معقول الناس مش قادرة تتقبلني بهذا النمط؟ لذلك بتضلك تصور وتنزل، تصور وتنزل، وبتتابع المعجبين. أنت لاحظ عندك هوس متابعة، كل شوي بتطلع من الفيس بعد ربع ساعة بترجع، أشوف كم عدد اللايكات، بترجع بتطلع، بترجع بتدخل.
هذه أمراض إخواني، هذه أمراض كلها لأن معنى الحياة تغير، كل معنى حياة كثير من الشباب تغير، هوسه في هذه القضية، بيجي بعدين بيقول لك شو معنى حياتك؟ أخي أنا عبد لله سبحانه وتعالى وهدفي أن أخدم هذا الدين. يا أخي الله يرضى عنك، ما أنا شايفك شو بتعمل على السوشيال ميديا، أنو معنى الحياة العبودية لله وهذا الكلام؟ أنت عبد للصورة للسلفي اللي بتعمله، وكذلك الفلوجات وتصوير الحياة الأسرية والداخلية. يصبح الإنسان إذا اشترى قطعة نوع، يعني غرفة نوم، بده يصورها فلوج، إني اشتريت غرفة نوم وكذا، وهي كذا، اشترى بيت جديد إذا كذا، طلع سفرة. طيب أنت ليش بتصور كل تفاصيل حياتك؟ حتى للأسف أصبحت الأسرة عبارة عن سلعة تعرض أمام الناس في هذه الفلوجات، أصبحت الأسر سلعة تعرض أمام الناس، حتى بعض المتدينين سامحوني يعني، أو من يظهر نفسه أنه متدين وأنه هدفنا بس نعلم الناس كيف ممكن تعيش كأسرة ملتزمة، وأربع وعشرين ساعة فلوج بعد فلوج بعد فلوج، شو السبب؟ أنت تبحث عن الاعتراف، تمام، طبعا حتى أكون دقيق بجوز بعضهم بيبحث عن المصاري، يعني في بعضهم صح بيبحث عن المصاري، أنها هي أيضاً طريقة لكسب المال، بس الناس اللي بجوز مش هاموا كثير المال، لا هو يبحث عن ماذا؟ عن اعترافات، بعض الناس وصل لمصاري هائلة، تمام يعني بعضهم بدون ذكر أسماء وصل لما 85 و30 مليون، يعني ما أتوقع أنه ناقصه مصاري، بس هو خلص يجد أنه لازم يقوم بحركات حمقاء مغفلة في الفلوجات، لازم يخرج بخروج معين، المهم أنه هي ضحكت المجتمع، هي المجتمع، قالوا لي والله ما شاء الله زمان ما صورت لنا فلوج، هينا بننتظر منك متابعة، هكذا أصبح يعرف نفسه للناس.
طيب الآن، اللي هي قضية أنه أصبح كثير من الناس مغرم بظاهرة السيلفي والفلوجات كطريقة أو وسيلة من وسائل تعريف النفس أمام الناس. أيضاً بالنسبة لصانعي المحتوى الآن، اللي وصل لمرحلة أنه كسب الاعتراف، هنا سامحوني رح أتكلم عن بعض الأمور، في بعض من ينسب بنفسه إلى الدعوة اللي وصل لمرحلة أنه كسب الاعتراف، وأنه أصبح له متابعين بالملايين أو بالآلاف، لما يكسب الاعتراف هو يشعر أن هذا الاعتراف اللي كسبه هو عرضه للذهاب، عرضه للزوال، فماذا يفعل في عالم خوارزميات السوشيال ميديا؟ لازم تبقى تصور بشكل مستمر، لأنه إذا أنت ما صورت بشكل مستمر ستفقد حضورك أمام الناس وتقل متابعاتك ضمن خوارزميات السوشيال ميديا، لتعرف أنه اللي عملوا السوشيال ميديا هو أحد أفراخ إبليس، يعني هو إنسان يعرف أن فكرة الواقع المعاصر تقوم على الاعتراف، وبالتالي رح أخليه دائماً معلق بصنارة الاعتراف، وأنه إذا أنت ابتعدت عن السوشيال ميديا يا صانع المحتوى الديني أو الشرعي أنت رح تفقد اعترافك، بالتالي تجد بعض إخواننا في القنوات الدينية -بغض النظر شو محتواها مش موضوعي- بتجد كل يوم في مقطع، كل يومين طالع في مقطع. طيب أنت يعني حتى لو لم تنضج الفكرة ولم يقم ببحثها بحثاً سوياً، لازم يطلع مقطع، طيب ليه؟ لأنه هو في عنده مرض نفسي، شو هو المرض النفسي؟ أنه أنا اعترافي وشخصيتي أصبحت أشعر بها متى؟ لما أظهر أمام الناس. إذا غبت يومين ثلاثة أربعة خمسة وما عدت أظهر أمام الناس، سيشعر بكيانه الداخلي أن الاعتراف يقل، وبالتالي أنت أصبحت عبد للسوشيال ميديا، هذا الاعتراف أفقدك حياه علاقتك مع الله السامية وأصبحت عبد للسوشيال ميديا. فعادي جداً تجد بعض القنوات كل يومين ثلاثة في مقطع، كل يومين ثلاثة في مقطع، طيب أنت ليش بتعمل مقطع كل يومين ثلاثة؟ هو لأنه يشعر بقاء الاعتراف يستلزم بقاء وجوده.
هذا شو أدى؟ أدى كثير ممن ينسب نفسه أنه طالب علم أو مش طالب علم بيطلع بمسائل شرعية مش محررة، طيب ليش مش محررة؟ لأنه ما عنده وقت يحررها، لأنه بعض المسائل إخواني بدها أسبوعين لشهر حتى تحرر شرعاً، لا، هو ما عنده وقت، لازم خلال ساعتين ثلاثة أو يوم أقرأ المسألة، عليه حتى لو لم أستوفها بحثاً لازم أطلع فيها حتى أرد على الشيخ الفلاني أو الشيخ الفلاني يرد علي، أو أبدأ أناطح في أو في مسائل كثيرة. طيب هذه المسائل يا عمي والله بدها نضوج، يعني بدك تقعد لك كمان سنة سنتين تقرأ، ممكن بعض المسائل لسه مش متخمرة، بطبيعتها معقدة التفاصيل، السلف كانوا يقول لا أدري بسهولة، لا، اليوم لا أدري راحت، لأنه إذا قلت لا أدري أو انسحبت عن المشهد خسرت اعتراف الناس فيه، فهذا يؤدي أن كثير من المقاطع الدينية تخرج يومياً، وبعض الناس يتجاسر على دين الله ويفتي فيما لا يعلم، الهدف أنه ما تقل متابعاته وحضوره لأن هذا سيهز كيانه. شوف الأثر الخطير على دين الناس! لذلك اليوم مين أكثر الناس اللي بتعرفهم الشباب؟ مشايخ اليوتيوبرز، لكن لو قلت لك عن عالم بيعيش في المغرب أو موريتانيا وجالس بيعلم الناس في مكان معين، ما حدا بيعرفه للاسف، يعني إلا القلة القليلة المتخصصة، ليه؟ لأنه فلان ما حقق الاعتراف على السوشيال ميديا. فأنت أصبحت كطالب علم أو كداعية تحاول تبحث عن الاعتراف لا تجده في الأوساط العادية، فوين بتروح تبحث عن الاعتراف؟ قناة يوتيوب، لازم يكون لي يوتيوب، إنستغرام، تيك توك، سوشيال ميديا، وأدعو الناس أنه اعمل لي سبسكرايب، لهكذا بيصير حتى هيديباجي لبعض المشايخ، اعمل، طيب أنت مشكلة إذا أصبحت تحرق نفسك ضمن هذه الأمور. طيب أحياناً أنت قد تغلفها بلباس، أنا لا، أنا عشان هدف الدعوة، ويصير الكلام، ممكن ابتداء تكون صادق، بس مع الوقت يا طاحونة عم تطحنك وستغير فكرك تجاه هذا الموضوع.
طيب من مظاهر البحث عن الاعتراف صعود الحركات النسوية المعاصرة، الفيمينيزم، الآن الحركات النسوية المعاصرة شو أسباب صعودها؟ أنه أصبحت تطرح للمرأة أنت أيتها المرأة لازم تبحثي عن الاعتراف، لازم يعترف فيك المجتمع، هم مش معترفين فيك، حتى الأديان معتبرتك صنف ثاني، لازم اللي حكينا قبل شوي الاندبيندنس، اللي هي المرأة القوية المستقلة، كيف تثبتي ذاتك؟ فظهرت الحركات النسوية بخطابها اللي ألغى مفهوم القوامة الزوجية، كيف ترضي بالقوامة؟ أنت والزوج أنداد، حرية، المساواة بينك وبين الرجل حتى في الأمور اللي طبيعة جسد المرأة تختلف عن طبيعة جسد الرجل فيها وعاطفة المرأة تختلف، بدك تكوني زيه! المرأة عندما تزاحم الرجل في أموره، هي تبحث عن ماذا؟ عن الاعتراف، تبحث عن نفسها، عن الأنا، وهي تشعر، لذلك كثير من النساء لما إذا قيل لها بتروح مثلاً على دائرة وزارة الصحة ولا أي وزارة ويجي يسألها الموظف اكتبي، شو بتشتغلي؟ يعني بتستحي تكتب ربة منزل، صح؟ أو أنا متزوجة وجالسة أربي أولادي، تشعر داخلياً بنقص، لازم أكتب المهندسة الفلانية أو مشرفة.
أو مهندسة مقاولات أو كذا، لأنه مجرد ربة منزل وأربي أبنائي، فهذا لا اعتراف لي. والرجل أحياناً ترى قد يكون متأثراً بهذا، لما يقرأ «أنا ربة منزل»، شو تصوره؟ مسكينة هذه. نحن الرجال نساهم أحياناً في صناعة الحركة النسوية، ترى مش فقط النساء تصنعها بل حتى الرجال يساهمون؛ أنت لا تعرف قيمة المرأة. مهم جداً أن تتعلم المرأة، لكن المرأة التي تربي أولادها وتحرس أسرتها وتكون في عقر دارها مربية وصانعة للأجيال، تسوى الدنيا كلها.
لكن اليوم مع الحركة النسوية ومع قضية الاعتراف، أقنع الغربُ المرأةَ الغربية أن اعترافك يتطلب منك أن تخرجي من بيتك، تخلعي ثيابك، تتعري، تظهري بكل الأشكال القبيحة وبكل أدوات الجمال، وتزاحمي في سوق العمل، وتكوني في كل الأماكن، وإذا حكوا لك هذا المكان لا يناسبك لا بد أن تكوني حاضرة فيه؛ لأنه الذي حكى لك هذا المكان لا يناسبك بده يقلل من اعترافك. شوف هذا الخطر وهذا السرطان كيف أقنع كثيراً من الملتزمات، حتى أنه لازم تشارك في كل الأمور في المجالس البلدية والنيابية والأكل والشرب وكذا، وتعبي بنزين وتسوق تاكسي وكل هذه الأمور. وترى أحياناً هي لا تكون مفتقرة للمال، هي فقط تريد أن تعمل على قضيتين؛ الحرية التي حكينا عنها قبل شوي، والاعتراف. هذان السرطانان المعاصران، الحرية والاعتراف، هي الأصنام التي قامت عليها فكرة تحقيق الذات، أنه هذا هدف حياتك: حرية واعتراف.
بعض مظاهر الغلو والتطرف عند كثير من الشباب المسلم، وأن يذهب لتيارات الغلو، هو نوع من أنواع البحث عن الاعتراف. وأنا هذه وجدتها في كثير منهم؛ لماذا يختار الغلو والتطرف والبحث عن أفكار متطرفه في التكفير وكذا وسفك الدماء؟ ليلفت الانتباه. هو حاول يكون طالب علم قوي ما ضبط معه، شاف الطريق طويل؛ طيب إنه يطلع يعني يكون إنسان، عفواً، يفعل الفواحش؟ صعبة، لأنه نمطه التديني يأبى عليه، في ديانة، بس في النهاية أنا لم أجد اعترافي، المجتمع مش معترف بي، ما وجدت شيئاً أعرف فيه نفسي. فكان الخيار ما هو؟ اختيار الغلو والتطرف طريقة لتعريف النفس؛ أنه بعرف نفسي أنني الشخص الذي سيحمي عقر الدين، وسيبكم من كل العلماء المعاصرين، لا، نحن الذين فقط عندنا الحقيقة المطلقة. فيختار الغلو كطريقة من طرق تعريف النفس أو الانتماء إلى جماعة عندها شيء من الغلو كطريقة من طرق البحث عن الاعتراف.
لاحظ أنه حتى هنا يا شيخ، هو يظن نفسه في قمة نصر الدين، لكنه لو جلس مع نفسه جلسة صفاء سيعرف أنه هو حاول يبحث عن نفسه في العلم، حاول يسوق نفسه كطالب علم، حاول يسوق نفسه كداعية، كله ما زبط؛ فشو كان الخيار؟ أسوق نفسي على الأقل كمتطرف، وتعرفني؛ في النهاية سيكون لي وجودي وسيكون لي حضوري، كأنني رأس جماعة متطرفة، أبو فلان الفلاني يعرفوه. بتصير القضية خذ على الدور: مين أبو فلان الفلاني؟ عاد تبع أبو فلان الفلاني بيطلع رجل متطرف، يعمل أفكاراً وكذا، ولكنه هو يبحث عن ماذا؟ عن الاعتراف. تمام؟ لذلك النبي عليه الصلاة والسلام لما تكلم عن الخوارج ماذا قال؟ «تحقرون صلاتكم مع صلاتهم، وصيامكم مع صيامهم». يعني هم في النهاية الخوارج ناس كانت بتصلي، لكن عندهم مشكلة نفسية، عنده عقدة. تخيل أن الخوارج كانوا يرفضون وجود الصحابة! يا زلمة هذول صحابة عاشوا مع النبي عليه الصلاة والسلام، لا، أنا بفهم أكثر من الصحابة! أنت شو مشكلتك؟ طيب هذول الصحابة، هذا أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، هذا جيل رفيع من الصحابة، اللي أنت ما أدركت النبي صلى الله عليه وسلم هم أدركوه، يضع كل الصحابة على جنب ويقتنع أنه هو على حق. الخوارج أحد أزماتهم التاريخية هي أزمة الاعتراف، وهذه ادرسوها جيداً؛ في عقول كثير ممن يجنح إلى التطرف غير المعقول وغير المفهوم والنظرات التدميرية، ستجد أنه يعاني من هذه الأزمة النفسية، لم يستطع أن يسوق نفسه في المجتمع، خاصة إذا اجتمع معها عوامل أخرى؛ زي الفقر، الاضطهاد، وجوده في مجتمع شوي شديد سليط على المتدين، بتصير تنمو هذه القضية؛ أنه أنا بدي حدا يعترف فيّ، فيكون الاعتراف بالغلو وشكل من أشكال التدين، وهذا أمر خطير جداً.
أحياناً من أشكال البحث عن الاعتراف أن تجد الإنسان أصبح يعرض مظلومياته وقصته وإشكالاته على التواصل الاجتماعي، ويبحث عمن ينصره في هذه المظلومية. تجد الإنسان إذا أصيب بإشكال أو كذا، مش يحاول أن يعالج مشكلته بينه وبين إخوانه؛ لا، تصبح قضية ضوضاء، خاصة في صناع المحتوى أو المعروفين حتى لو كانوا من الدعاة، أنه إذا صار في إشكال وخلاف بتصير قضايا النزاع والنقاش تطرح على عالم السوشيال ميديا المفتوح، بدل ما تعالج الخلافات داخل إطار البيت الواحد كما يسمى، أو بشكل مستور. لا، يصبح شعور الإنسان حتى يبقى اعترافه حاضراً أنه أنا لازم أشعر الناس بالمظلومية، والمظلومية بتجيب لي جماهير، ولازم أجمع لي قطيعاً حولي وهو قطيع، ونصير نحن داقين ببعض. هذا الشكل من أشكال البحث عن الاعتراف؛ الأصل في الإنسان المصلح أنه لا يعرض إشكالاته الشخصية أو خلافاته أمام الناس في العلن إلا إذا هناك هدف ديني عظيم يتطلب مني ذلك، أما مجرد مشاكل أو خلافات أو شخص قال لي وأنا قلت له، هذه للمصلح الصادق تعالج في البيت الداخلي، بدون ما أستدعي الناس وأستنصرهم وحوالي وكذا، وتعالوا وأصير كأنه أنا جماعة وأنت جماعة ونحن بنكسر أضلاع بعضنا البعض. هذا النمط هو جزء من أجزاء البحث عن الاعتراف، أنه أنا اعترافي يظهر في أني لما عرضت مظلوميتي الناس كلها هبت، وأنت يلا اعرض لي مظلوميتك، ها شايف الناس ما جت معك، إذاً أنت تبحث عن شكل من أشكال الاعتراف وحضورك أمام الناس، ويتم الاستقواء من خلال المتابعات وما شابه ذلك.
سأقتصر على هذه القضية من مظاهر الاعتراف، وأنا حرصت على أن أعطيها تفصيلياً حتى تعرف. وأعود فأقول: كم غيّر عالم ما بعد الحداثة من أنماط شخصيتنا، وكم أصبحنا نغرق في قضية الذات والبحث عنها، ونعاني أحياناً من مشكلة الليبرالية المتطرفة. وربما أنت كشاب مسلم صعب تكون عندك ليبرالية متطرفة لأنك في النهاية تحافظ على الصلوات الخمس وعندك أكيد خطوط حمراء كإنسان متدين، بس قد يكون أكثر مظاهر تغير معنى الحياة بالنسبة لك أنك أصبحت تلهث خلف الاعتراف، والمشكلة أن متطلبات الاعتراف مع الوقت يا إخوة عم تصبح أصعب وأصعب. متطلبات الاعتراف في العالم الافتراضي اللي صنعته أوروبا وأمريكا أصبحت أصعب وأصعب؛ قبل مثلاً 20 سنة مجرد أنك بتعرف تحكي كلمتين بتصير معروفاً في السوشيال ميديا، لا، اليوم حتى لو بتعرف تحكي كلمتين ما هو في 100 شخص بيحكي هذول الكلمتين، لازم أزيد شوي الأمور في إخراجها حتى أصبح أكثر قدرة على الاعتراف.
فصار مثلاً، اسمحوا لنا بحكي بعض القضايا بس هيك دردشة وفضفضة مش لأني بعيب شيئاً معيناً بحد ذاته، صار الداعية لازم حتى يعترف به يكون جنبه باكيت ورد هنا، ويكون جنبه إنارة فوقية علوية، ويكون جنبه هيك مؤثرات في الشكل تجذب الانتباه. طيب بعد 15 سنة هذا لحاله ما بجيب لك الاعتراف؛ لأنه صار 20 شيخاً، صار الشيخ لازم يروح على غابة في تركيا ويكون حواليه ورد وتكون حواليك مزارع وتطلع تحكي الكلمة بين الورد، وبعدين نحط لك شوية مؤثرات صوتية، غير هيك الناس ما بتسمع لك، لن تحقق الاعتراف. شو بيصير بعض المشايخ والدعاة؟ عم يرفع سقف الاعتراف إذا هو مش منتبه؛ لا يا عمي، أنا هدفي أن أوصل الخير للناس وأعطي المعلومة الصحيحة. الآن ماشي، الرتابة مطلوبة، بس إني أصبح ألهث خلف الاعتراف! لأنه معايير الاعتراف كل سنة عم تطلع، كانت كلمة بتمشي، اليوم صار لازم باكيت ورد، بعدين صار لازم مؤثرات، بعدين صار لازم أطلع على غابة، بعدين صار لازم جوا الورد، طيب وبعدين؟ طب شو بدك تعمل؟ لازم أطلع على القمر مشان أحكي لك الموعظة حتى تعترف بي!
في النهاية هو لازم يكون في سقف معين، أنت ما تضلك كشيخ أو كطالب علم أو كشاب مسلم أو كحالة إصلاحية تضلك متمشياً معه. حتى في كثير من الجماعات الإسلامية بتيجي بتحكي معه، تقول له: أنت ليش هيك يعني اختلف أسلوبك، زمان كنت تحافظ على لحيتك وكذا؟ بقول لك: شيخ، اليوم إذا كنت مطلق لحيتي ما حدا رح يعترف بي. طيب شو حلك؟ أعلق اللحية يا شيخ؟ يعني شو الحل؟ أعلق اللحية بصير معترف بي؟ بصير أنا كداعية معترف بي جماهيرياً؟ طيب إذا طلبوا منك بعدين لا شكل آخر، شكلك الاعتراف؟ آه، في بعض الدعاة لا صار، شوف كيف وقع في المأزق، صار يعرف أن الناس بتحب يكون مع الداعية داعية جنب أنثى، صار يطلع مع النساء، صار الجلسة الواحدة هو وخمس نساء أمامه، طيب ليش بتعمل كذا؟ هيك بيكون قطاع كبير من المجتمع يعترف بي. يعني أنت شيخ كم واحد بيتابعك على القناة يا أخي؟ مقطعك 500 واحد 1000 واحد شو هالمتابعات؟ أنا بتابعني 200 ألف ومليون، أنا إذا حافظ لهذا الاعتراف لازم أظلني مواكب لمعايير الاعتراف، ومعايير الاعتراف مين بيصنعها أخي الكريم؟ الفيسبوك والسوشيال ميديا وخوارزمياته. الاعتراف لا يصنعه معايير إسلامية صحيحة ناضجة، باختصار مش أنت بعلمك وبإتقانك للعلوم الشرعية أو كذا عم بتحصل وجودك، لا، في هناك 1000 معيار عم بتدخل غير أنك تكون عندك كاريزما شخصية وقدرة على المخاطبة، لا بدك تكون عارف شو متطلبات الاعتراف العامة.
شوف خطورة أن الإنسان يبقى يرفع سقف الاعتراف حتى يصل لمرحلة أني أنا مش قادر أواكب، أنا أنهكت تماماً، وبالتالي بصير يشعر، شوف هذا الكلام، بصير الشاب اللي مثلاً لمرحلة معينة أو طالب العلم اللي كان يخاطب الناس وخطابه مقنع، مش قادر يجاري الاعترافات؛ فيصبح يشعر أنه الذي واكب الاعتراف ارتفع وزاد متابعوه واسمه وأرصدته، وأنا ما زلت في مربعي الصغير. شو بيصير عندك؟ اكتئاب أو عدم رغبة في العمل، لأنه أنا خلص، أنا واضح أن السوق العالمي مش عم يتجه نحو الطرح التقليدي إذا بدي أسميه الطرح التقليدي، بس هو الطرح الطبيعي؛ يعني الطرح التقليدي للدروس والمواعظ لا أصبح يتطلب معايير عالية، الريلز لازم يكون كلمتك ما تزيد عن دقيقتين أو دقيقة وتحاول تختصر، بدك تحاول أشياء كثير، وأنا أصبحت ألهث ألهث وراءها؛ لأن هذا بدك تنتبه له، البحث عن الاعتراف المستمر سيوقعك بعد حين في الكآبة وفي أمراض نفسية وفقدك الشعور لقيمة ما تفعله. قيمة ما تفعله أنك تفعله لله، قيمة ما تفعله أنني أبحث عن جنة عرضها السماوات والأرض، قيمة ما تفعله أنك تقدم مادة نافعة.
طبعاً هذا لا يعني أعود فأقول، حتى لو لا يعني أن الإنسان لا يواكب ضمن المعقول، ضمن المعقول أساليب التطور والتقنية، بس ضمن المعقول، لا تصبح عرضة للسوق الاستهلاكي العالمي، وحاول أن تبقى محافظاً على معنوياتك العالية حتى ولو لم تجد الأتباع والأنصار، لأن هؤلاء الأتباع والأنصار إنما يصنعهم عالم السوشيال ميديا المهترئ الهش، ولا يمثلون حالة علمية واقعية في الميدان. لذلك كثير من مشايخنا الكبار أصلاً هو من أول اختار ألا يدخل في هذا العالم، اختار ألا يدخل في عالم السوشيال ميديا كله، ماشي أنت ممكن تقول: طب بس هيك يعني هو شيخ علمه لن يصل إلى أكبر قطاع، بس هو يعتقد في تذكرته الشخصية أنه أنا يجوز ما أوصل لأكبر قطاع بس أنا عندي 20-30 شاب أشتغل عليهم وأبنيهم هم رح يكونوا أمل الأمة، أما كل هؤلاء الذين يتابعونك على السوشيال ميديا هي حالة هشة، بمجرد ما تطفأ السوشيال ميديا أو تتغير أمورها ستسقط أنت معهم، ورح تكون أنت مسكيناً؛ لأنه أنت ما بنيت نفسك علمياً، أنت كنت مشغولاً يومياً بدل القراءة والمعرفة مشغول في متابعة الاعتراف والتصوير والكاميرا. جلسة التصوير الواحدة إخواني بتقعد أحياناً يومين، بعض جلسات التصوير بتسحب أيام، فأخونا طالب العلم أو الإسلامي عم يحرق في مواكبة الاعتراف، لا عم يزيد معرفة ولا علم ولا تزكية، وبتروح عليه صلاة الفجر، وليش؟ لأني الشيخ عم يبحث عن أطور الأداء والتقنية وما شابه ذلك، هذه مشكلة عويصة بدنا ننتبه لها حتى لا نغرق فيها.
طيب، إذاً خلاصة ما وصلنا إليه أن ما بعد الحداثة قدمت كم جواب يا شيخ عزام بعد كل هالرحلة؟ ثلاث أجوبة لمعنى الحياة: إما التشتيت، وإما أنه لا معنى للحياة يعني حتى البحث عن ذاتك سيبك منها، لا معنى للحياة بس تمتع وكل كما تأكل الأنعام، الثالث قلنا ما هو؟ لا معنى للحياة بس أنك تحقق ذاتك، وذاتك لن تتحقق إلا بالحرية المتطرفة والاعتراف التام، فتبقى أنت كشاب تدخل في كل الدوامات. مشكلة الغرب إخواني يستحدث وسائل غريبة وجديدة في قضية الاعتراف والحريات، يعني كل ما تدخل على عالم اليوتيوب الطرق التي يصدرونها للعالم الإسلامي والأفكار مرعبة، أنت كشاب مسكين، أنت شاب تشعر أنك ضائع في زحمة الخيارات، ضائع في زحمة أشكال الاعتراف، ضائع في زحمات كثيرة جداً جداً، ونسيت وفقدت ذاتك وهويتك، هويتك التي ربنا...
سبحانه وتعالى أعطاها لك بوضوح: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: 162]. ضاعت هي و﴿مَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ مع كل هذا العالم الذي أنا غارق فيه، ضاعت قضية ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: 30]، ضاعت قضية «اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك». هي العهود التي بينك وبين الله، وهذه الاعترافات الصحيحة؛ بدك اعتراف؟ هذا هو الاعتراف الصحيح أن تكون عبداً لله. القرآن هو الذي يمنحك الاعتراف، صلاتك وعبادتك هي التي تمنحك الاعتراف، هويتك الإسلامية الصحيحة الناضجة هي التي تجعل لك قيمة حقيقية. الإنسان يأخذ قيمته من أين؟ يأخذ قيمته من تدينه، هكذا الإنسان العاقل يأخذ قيمته من انتمائه للإله سبحانه وتعالى، أنني مسلم عبد لهذا الإله.
ولذلك كان الله لما يمدح أنبياءه بماذا يمدحهم؟ أعلى مقامات المدح، مش بالاسم الوظيفي دكتور أو ما شابه ذلك، ولا أنه رسول أو نبي، في أعلى مقامات المدح ما هو؟ عبد، ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء: 1]. نعم العبد؛ لأنه هذه هويتك واعترافك، اعترافي بمخلوقيتي وضعفي وافتقاري، وأنني أنتمي إلى هذا الإله العظيم، فأنا أطيعه وأحبه وأتعرف عليه دوماً وأسعى في رضاه. كل قراراتي الحياتية؛ الدراسة الجامعية، العمل، الزواج، كل ما أختاره في يومي وليلتي هو يدور حول هذا الفلك، فأشعر بالاتزان والثبات. هويتي عم تطلع معي من بداية نشأتي، بمجرد أنني نشأت مسلماً أنا مش محتاج أبحث عن الهوية، مش محتاج أبحث كيف أعبئ حياتي، لا، الإسلام أعطاني كيف أعبئ حياتي. أنا ممكن أختار خيارات ضمن وسائل التعبئة، بس أنا عارف أن هذه البوصلة العامة، أنا أخدم دين الله سبحانه وتعالى وعندي حوائج حياتية أساسية أعمل من أجلها، فتبقى تشعر أنك لست في زحمة الخيارات المتعددة، لست مرهقاً لأنك تبحث عن ذاتك ضمن عالم مليء بملايين الخيارات ومتسارع جداً.
هذا العالم متسارع جداً، المطلوب مني أنا كفرد أن أضع نقطة نظام، لا؛ خلاصة ما أريده بعد المحاضرة من نفسي ومن إخواني أنه بعد ما عرفنا كيف العالم المعاصر والحداثة وما بعد الحداثة صاغت معاني الحياة، أن أعرف أين أنا في هذه الدوامة. أين أنا؟ مش أنا هي البحث عن الذات، لا، أنا للبحث: هل أنا ضعت في الطريق وذهبت للاتجاهات المعاصرة التي فرضت نفسها عليَّ بقوة؟ طيب هذا كيف سأقيسه؟ راح تقيسه بحجم جلوسك على السوشيال ميديا، راح تعرف هل أنت متأثر وكم ساعة بتقعد على السوشيال ميديا، راح تعرف بحجم هل أنت مغرم بقضية المتابعين والتفات الناس إليك، حجم شعورك بالغرام بالتصوير والفلوجات وما شابه.
هل أنت مستهلك لهذه الآلة المعاصرة؟ حجم شعورك بالثقة بنفسك بدون الحاجة أني أنا الناس تثني عليَّ أو تشير إليَّ أو تتكلم، لا، أنا الحمد لله واثق بنفسي أنني ماذا؟ منتمي لهذا الإله العظيم. لأنه أنا لو سألتك ما الذي جعل ثقافة تحقيق الذات تصل إلينا، خليني أقول مشان الشباب النعسان يحصحص، إيش اللي خلى ثقافة تحقيق الذات تصل إلينا كعالم للمسلمين؟ يعني شو أشياء من الصغر العالم الغربي بيضرب عليها فينا حتى وصلنا أنه فعلاً نحن بدنا نعيش زيهم؟ المقصد يعني هيك ربما، مش عارف إذا سؤالي واضح. ما هي الأدوات التي استعملها الغرب حتى يوصل هذا النمط من الحياة إلينا؟ النمط أنه حياتك هدفها تحقيق الذات.
أحسنت، ثقافة الصورة والانشغال التفصيلي بمعالم الصورة وكيفية إخراجها، يعني حتى الإنسان صار إذا بده يتصور صورة بده يشوف أكثر من هيئة: "وقف كذا لأجيك مصور، وقف هي"، ثقافة الصورة والاعتناء التفصيلي بأجزائها هذه منها. خليني أنا أرجع أضع لك نقاط وتفضل، أحسنت؛ بدي أرجع لحياتنا منذ الطفولة يا شيخ، تمام، خلينا نشوف نحن منذ الطفولة كيف تم زرع فكرة الذات وتحقيق ذاتك، بدءاً من برامج الأطفال صعوداً إلى المسلسلات صعوداً إلى السوشيال ميديا. وأنت صغير دائماً الأفلام الكرتونية التي كنا نتابعها ويحرص العالم العربي أن يأتي لنا بها، ما هي؟ السوبر مان والباتمان والجريندايزر وإيش كمان؟ طبيعة الفيلم تقوم على ماذا؟ على شخص بطل، شخص بطل رمزي زيه، استطاع أن يهزم كل العوائق والأشرار حوله ويحقق الخير في العالم. هي الفكرة بتلاقي لذلك اليوم طفلك الصغير: "بابا بتجيب لي سبايدر مان؟"، هو ليش بيحكي لك هذا الكلام؟ هو أصبح يرى أن هذه الشخصيات هي رموزه، هي تمثل له أسطورة، أنه أنا بحقق ذاتي من خلال أني بدي أكون زي هذا، بدي أعمل مثله.
فأقنعوك منذ الصغر أنه كل إنسان يستطيع أن يكون بطل ويستطيع أن يقاوم الشر والأشرار ويحقق النجاح. طبعاً أنت لو تنظر لطبيعة العالم، هم في العادة القيادات في العالم كم هم؟ هم عبارة لا يشكلون نصف بالمائة من البشر، لكن أغلب البشر ما رح يكونوا قيادات وما رح يكون السوبر مان ولا الباتمان، وأغلب الناس عادي؛ إنسان طبيعي بيشتغل في الصباح، بيصلي محافظ على صلواته الخمس، بيدير باله على أولاده، عنده علاقات اجتماعية وطبيعي. انتهى، كم شخص رح يكون هذه النماذج؟ فضلاً أنه هذه النماذج أصلاً غلط، صورة أصلاً السوبر مان الإنسان الكامل المثالي هي صورة وهمية، أن الإنسان بطبيعته إنسان ناقص مليء بالضعف مليء بالإشكالات. فصورة الإنسان الذي يصنع كل شيء ولا يحتاج إلى شيء هي تركز على قضيتين، قضية الحرية أنه أنت لن تحتاج إلى شيء، ما في إله تحتاجه أو ما شابه ذلك، السوبر مان الإنسان الكامل التام مش إنسان مفتقر لشيء، وقس عليها الصور الأخرى.
طيب بعد ما كبرنا شوي بتيجي على الدراما والمسلسلات التي يطرحها، طبعاً في المسلسلات التي هدفها فقط الرذيلة أنك تعيش على النمط الثاني، اللي هي إيش؟ لا معنى للحياة وأنه بس جنس وعلاقات وما شابه ذلك، لكن لا، الأفلام التي كان هدفها تحقيق الأنا بتركز على أيضاً أنه في بطل للمسلسل، هذا البطل يخوض إشكاليات كثير، بطل حقيقي طبعاً، هناك نحن صغار كرتون، الآن صار قصة من إنسان حقيقي، هو رمز القصة، رمز الدفاع عن الخير ليحارب الشر وما شابه ذلك، وبتكون الأضواء متجهة إليه والناس بتصفق له وحتى البنات بيكونوا مغرمات فيه وما شابه ذلك. فأنت بتصير تتخيل أنه شوف، شوف الحياة، شوف يا أخي شوف كيف هذا الإنسان رائع، وبصير نعم حصل على الاعتراف، شوف كيف استطاع المجتمع يعترف فيه. فهذا كله عم ينبني داخلك أنه أنا إذا كنت إنسان طبيعي بس محافظ على صلواتي الخمس وأدعو الله في الخلوات وأؤدي الفرائض وأشتغل للإسلام في الخفاء، هذا كله ما في لك أي قيمة في الحياة. شوف فرق بين السلف وحياة الأئمة وبين هذا الكلام، البوصلة تماماً تماماً اختلفت.
بعدين دخل عالم السوشيال ميديا، حتى تعرف يا إخواني لا يوجد شيء اسمه صدفة عند الغرب هنا، لا، الغرب لما صدر كل هذه الأمور للاسف نحن طبعاً بعض الناس بقول لك يا شيخ أنتم مؤمنين دائماً بنظرية المؤامرة، أنا مش بظلني أؤمن بنظرية المؤامرة بس بدي برضه أضحك على حالي وأظلني أفكر أن كل الأمور عفوية؛ هي مدروسة والمشكلة شكلهم في دراسات مكتوبة، يعني مش أننا بنتوهم أن في دراسات، لا، هو في دراسات لطبيعة المحتوى للأطفال، المحتوى في الدراما والإعلام العربي، وفي دراسات بعد ذلك على السوشيال ميديا. السوشيال ميديا لازم تدرس طبيعة الإنسان في التفكير وما الذي يشد الإنسان، وكيف يصبح كل إنسان يبحث عن الاعتراف، شوف مصيبة بحث كل إنسان عن الاعتراف، وأنه كل إنسان له الحرية المطلقة، أصبحت تراها في التعليقات، أنه ما في إنسان بيدخل على السوشيال ميديا له حق إيش؟ التعليق، شوف هذه كلمة "حق كل إنسان في التعليق" هي أكبر مشكلة وداهية في قضية الاعتراف. أنه أنت كل المشايخ تحت النقد، كل الدعاة تحت النقد، وأنت لك حق التقييم: "أنت والله كلام الشيخ عجبني، لا كلامه ما عجبني، الشيخ والله لو جلس على اليمين أفضل، لو جلس على الشمال أفضل، لو قال كذا، لا هذا الشيخ كشف، فضح، هذا الشيخ لم يكشفه"، تشعر أن كل واحد له رأي، وكل يعني حتى الإنسان الذي بيعرف يقرأ الفاتحة له رأي وبده يعلق، والله إذا قلت له يا أخي لا تعلق بقول لي لا هي حريتي، يعني أنا في النهاية هذا محتوى وأنا أملك حرية التعليق عليه.
إخواني هذه كارثة، هذه كارثة وهي التي عم تعمل فتن وعم بتحط الزيت على النار زي ما بيقولوا، لأنه أصبح كل شيخ وداعية بده يتحفظ من كلماته ومن أي تصرف أو حكم شرعي؛ لأنه يخشى من إيش؟ من هجوم الناس عليه. كل إنسان يعترف اليوم أنه أنا في عالم السوشيال ميديا لي هويتي الشخصية، مشان هيك بتلاقيه بيحط صورة له، وبيختار عادة الصورة التي بتكون أعلى شياكة، يعني هو مصور إذا كان شيخ بلحية وكذا وجالس خلف مكتبه وماسك، لأن هذه كلها من البحث عن الاعتراف، أنه هو مش قادر، لا يستطيع أن يصور صورة طبيعية، لازم تكون الصورة مميزة؛ لأنه هذا أول خطوات الاعتراف. بعدين لازم يكتب محتوى، هذا العامي يعلق على أحوال السياسية والاجتماعية والاقتصادية، هذا إخواني ما كان موجود في الأزمنة القديمة، كان الناس ممكن تجتمع في حواري وأمام دكاكين وتتكلم في واقع السياسة، بس أنه لا تؤثر، والسياسة تعطى لأهلها، والعلم يعطى لأهله. لا، اليوم الكل يشارك وهذا مفهوم العولمة، أن الكل يشارك، الكل يصوغ الصورة، تخيل صورة عم يساعد في صياغتها ملايين البشر، نحن عندنا المثل شو بيقول لك؟ "كثرة الطباخين شو بتعمل؟"، اليوم انحرقت الطبخة مش خربت؛ لأنه هو الكل بيشارك والكل بيتكلم والكل يخوض، وهذا مقصود.
ما معنى الفتن؟ ما معنى ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم في آخر الزمان الهرج والمرج؟ هذه كلها بوابات الهرج والمرج إخواني، الناس مش منتبهة لكنني أعي ما أقول، هذه بوابات الهرج والمرج، لأنه ما دام في انضباط وفي حدا يعرف أنه لا في جزء لازم أسكت، لازم أعطي الكلام لغيري، ما حدا عم بيعطي الكلام للآخرين، حتى لو أخطأ داعية أو فلان أو شيخ، يا سيدي الله سبحانه وتعالى يحاسبه، ما دام له هيبته واحترام نحافظ على هيبته، لا، ما في هذا الكلام، لازم الإسقاط الدوري، والناس هي التي تصدر من شاءت وتسقط من شاء، كل هذا أزمة من الأزمات التي نعيشها في واقعنا المعاصر.
طيب هذا بالنسبة للإعلام، بالنسبة للرواية كذلك، الرواية إخواني الرواية المعاصرة التي بيهتم فيها بعض الشباب ترى هي تركز أيضاً على هذه القضايا، الشباب المفتونين بالروايات السينمائية سيجد أن كثيراً من الروايات والقصص التي صدرت إلينا هي تحوم حول فكرة البطل والشخصية وما شابه ذلك. كذلك هذه برضه بيغفل عنها كثير من الناس، البرامج التدريبية، كثير اليوم نرى واقعنا المعاصر برامج تحت اسم إيش؟ تنمية الذات وتطوير الذات والتنمية البشرية وإصلاح الذات وكيف تكون. ذاك الإنسان جاءت فترة على الأمة الشباب مفتونين فيها بهذا النمط من الدورات، يعني هسا في دورات بتعلمك كيف تعالج نفسك من مشاكل وتعطيك مهارات بس بدون كلمة الذات والذات والسيطرة عليها وأنه أنت، طبعاً للاسف بعض الإسلاميين حتى بيمررها بطريقة أنه أنت لازم تكون دائماً صاحب مشروع، وأنه أنت لازم تكون مستقل ولا تكون مثلاً موظف في شركة. طيب هو مين قال لك هذا الكلام الصحيح؟ هذا الكلام مش صحيح، مين قال لك أن كل البشر يستطيع، كل واحد في هذه القاعة أن يكون صاحب مشروع؟ وأنه إذا ما كنت صاحب مشروع أنت إيش؟ أنت ما حققت ذاتك.
شوف طبعاً أنا طبعاً مباشرة بعرف أنه الذي بيحكي هذا الكلام لما أرجع لتاريخه بعرف أنه دارس أمريكا وبعرف أنه دارس هون، لأنه هي هي ثقافتهم؛ أنه لازم تعطي الإنسان شعوره بالذات، "اعمل مشروعك". طيب أنا يا شيخ لو كنت مشاركاً في مشاريع الآخرين وإنسان ناجح في تطويرها، هل هناك مشكلة؟ لا، ليس هناك مشكلة، بل هذا هو الواقع الطبيعي في الحياة، أن أصحاب المشاريع هم فرضاً 10% و90% هم من يساعدون في بناء هذه المشاريع الدعوية أو التقنية أو هي، هكذا الحياة. ليس كل إنسان، لكن لما تشحن أنت الشاب أنه لازم ذاتك وتحقيقها وتطويرها واعتراف الناس بها، أنت طبعاً بتدخل في هذه الدورة تسمع الكلام، عدات وبيعطيك دافعية وتحقيق نفسك، بس تطلع للعالم الخارجي بدك تطبق الدورة تتحطم تماماً، أنك بتكتشف أنه هذا أخونا مدرب في عالم والواقع في عالم آخر، أنه أنا كيف بدي أروح أبني مشروعي الخاص؟ طيب هو البلد كلها فيها مشاريع، تمام، يعني الواقع في البلد أصلاً لا يفسح فتح أي مشروع، إذا مشروع بده يكون يفتح ولا ما ينجح، طيب هيك أنا هي أول صدمة انصدمت فيها؛ أنه صعب أن أحقق ذاتي بالمعايير الأوروبية، طب شو أسوي الآن؟ طيب ما هو الحل؟ فتبدأ تبحث عما عذراً إلى عصبيات وانتماءات، كما قلنا لكرة قدم أو شيء تبحث عن ذاتك فيها، أو بصير عندك انطواء وانهزامية وأمراض نفسية. فيجيء عندك يستشيرك: "شيخ أنا عندي إشكالية نفسية، بشعر أنه المجتمع حولي مش معترف فيه أو بشعر أنه الناس ما بتقدم لي"، طيب ليش يا فلان؟ يعني بشعر أنه في فلان عنده مشروع وكذا وكذا وأنا ما عندي هذه.
أنت هل اهتممت بنظر الله إليك؟ ما مدى اهتمامك بنظر الله إلى قلبك ومدى إخلاصك؟ هذا، يا إخواني، الإسلام ليس فقط سعادة في الآخرة بل هو سعادة في الدنيا، ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل: 97]. فما لي وما لكل هذه المشاكل التي حولي، ودوامة الحرية والاعتراف، وهذه اللخبطة التي عملت لي انحرافًا عن معاني الحياة؟ أنا أعيش لهذا الإله، أنا لا أبحث عن رضا الناس عن تصرفاتي وإنما أبحث عن رضا الله. نعم، ألتزم بالأخلاقيات العامة والأدبيات الاجتماعية التي لا تتعارض مع الشريعة، وخلص، بكون في الاحتراف.
والله إذا ربنا رزقني فسحة من التعليم أو فسحة أني أقود الناس في جزئية وشعرت أن الناس محتاجتني؛ بفعل السلف رضوان الله عليهم لما كانت تعرض عليهم الفتوى ماذا كانوا يفعلون؟ يتدافعونها، ما بدي أفتي، غيري يفتي. اليوم إذا عرضت الفتوى الذي يعرف في الدين يتحدث فيها، ليه؟ لأنه له رأي. نحن نكون جالسين جلسة عائلية، ألا تشعر أن أخانا المهندس يريد أن يفتي، وأخانا المحامي له رأي فيها وكذا، وأنا شايف لا أن هذا مكروه مش صحيح. طيب أنت شايف؟ طيب شو الذي أنت حتى تشوفه؟ أنا أشوفه تمام. كيف أنت شايف؟ هو جزء أنه هو يشعر، هو يشعر أنه إذا كان في حوار في الجلسة ليس تخصصه يشعر أنه في جزء من الاعتراف ذهب، فلازم أحشر أنفي في كل مسألة وفي كل قضية حتى يبقى الجالس يشعر أني: آه والله، هو مشارك في الحديث، فلان إذا قعد يحكي.
طيب ماشي، هو يحكي، بس شو يحكي؟ صح ولا خطأ؟ يحكي، ليس ضرورياً أن يحكي، الحكي سهل، لكن هناك تبعات وحصائد الألسن. فهذه القضية، يا إخواني، ننتبه لها. إن الإسلام لما أعطاك معنى للموت، وهذه ربما قضية قد لا يسعفني الوقت الحديث عنها، قضية الموت اليوم، الذي اختار الاختيار الثاني أو الثالث -نحن قلنا ما بعد الحداثة تفرض عليك اختيارين؛ يا أنه لا يوجد معنى للحياة أو الحياة هي تحقيق الذات- الموت هنا أين يأتي محله؟ الموت في نمط ما بعد الحداثة هو أكبر شيء مرعب في حياتهم. لذلك اليوم يعلمون دراسات كيف نحاول إقناع الإنسان الغربي أن يتقبل فكرة الموت، وبالتالي يحاول في كتبهم إرجاع فكرة الدين التي تخلوا عنها من زمان، لازم أعطيه سردية الدين بجزئية معينة؛ لأنهم لاحظوا في العيادات النفسية أن الإنسان الغربي الذي يعيش في فكرة أنه لا معنى للحياة أو معنى الحياة اعترافك بالذات، أنت لما تأتي تقول له: بس أنت صح في اعتراف، بس النهاية راح تموت. شلون راح أموت؟ راح أصير تحت الأرض، ما حد يدري عنك.
طيب أنا كل هذا الاعتراف الذي بحثت عنه خلال الحياة والتعب واللهث خلفه؛ لأن الناس تعترف بي، وفي لحظة معينة سيزول؟ معقول سأصبح تحت التراب وحدي، لا أحد يعرفني؟ هذه القضية لاحظوا في علاجاتهم أنها شيء أصبح مرعبًا ولا بد أن تجد له علاجًا، طبعًا لم يجدوا له علاجًا تمامًا. بس كيف يحاولون معالجتها؟ أنه حاول لا تفكر في الموت أنت لساتك شاب وعمرك كذا، أو حاول بعضهم أن يقنع الناس أن الحداثة وما بعد الحداثة قادرة أن تجعل الموت لا يصل للإنسان إلا بعد ١٢٠ و١٣٠ سنة؛ لأننا سنطور أنماط العلاج، وسنقضي على السرطان والإيدز وكل هذه الأمراض، وبالتالي خليك مرتاح، صعب تموت؛ ليه؟ لأنه طورنا المستشفيات، طورنا الأدوية، طورنا العلاجات. فهو حاول الغرب أن يطرد فكرة الموت عن الناس لأن هي فكرة مرعبة.
أنت بالنسبة لك كإنسان، فكرة الموت إذا كنت مؤمنًا حقًا، أنت متصالح معها تمامًا؛ لأنك تعرف حديث النبي عليه الصلاة والسلام الذي يقول لك: «كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ». شوف النبي عليه الصلاة والسلام، شوف العبارة، «كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ»، وشوف الحداثة ماذا تقول لك؟ ابحث عن الاعتراف عن ذاتك. كن غريبًا! شوف الإسلام، شوف الحديث، عادي، عيش حياتك طبيعي، لا تكن متأزمًا وداخلًا في أزمات نفسية، والناس تتابعني ما تتابعني، خلك متصالح مع الحياة وكأنك ممر طريق. النبي عليه الصلاة والسلام؛ المسلمون يصلون لمرحلة أن يتمنى الموت. ألم يقلها المغيرة لبعثهم؟ قال: أتيناكم بقوم يحبون الموت كما تحبون الحياة. يعني احنا الإسلام يجعلك تتقبل فكرة الموت بل أحيانا تطلبها، تطلبها مش بس تتقبلها.
شوف الرقي، النبي عليه الصلاة والسلام لما خطب أمام الصحابة ماذا قال؟ قال: «إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ أَغْزُوَ فَأُقْتَلَ، ثُمَّ أَغْزُوَ فَأُقْتَلَ، ثُمَّ أَغْزُوَ فَأُقْتَلَ». في واحد يتمنى الموت، يا إخواني، ثلاث مرات؟ يعني أقتل أقتل أقتل، يعني مش أني أغزو فأقتل وخلص أروح على الجنة، لا، أني أرجع مرة ثانية، ربنا يحييني، وأغزو مرة ثانية، وأقتل في سبيل الله، ثم أحيا مرة ثالثة وأقتل. شوف هنا لما يصبح الموت له طعم ويصبح مطلوبًا لما يرى من آثاره وجماله، فتصبح أنت لما تصاب بمرض تعرف أنه في النهاية في موت، مرض خطير، تصبح أنت لست شاعرًا بالاكتئاب. هس ماشي، فإنسان يحب الموت لأنه موت حتى يكون واقعيًا، بس في النهاية لو فرض عليك بمرض معين أو شيء قادر أنك تتفهمه صح؛ لأنك مؤمن أن في حياة ما بعد ذلك. هذا الموضوع الحالة الغربية المعاصرة لم تستطع أن تجد له علاجًا؛ لأنه أنا إذا أقنعت الإنسان أنه أنت فقط دنيا أو أنت فقط ذاتك تعترف بها، هو ليس متصالحًا، طب ما بعد ذلك ماذا سأفعل؟ فتصبح قضية الموت بالنسبة له البعبع المخيف الذي يشعر أنه سينهي معنى حياته ووجوده، فيصبح بعد ذلك لا قدرة حتى مش على الموت، لا قدرة على الصبر على الألم؛ زي ما حكينا في البداية؛ لأنه إذا فارقه مثلاً زوجته أو مات ابنه، إيش الذي يخلي المؤمن إذا فقد ابنه في الدنيا أو فارق حبيبًا يصبر ويحتسب؟ أنه في إمكانية للقاء في الدار الآخرة.
طب هذا الذي لا يعي أصلًا قضية دار آخرة وعايش أن الدنيا لا معنى لها، هذا بالنسبة له الفقد ماذا يعني؟ الانتهاء التام، خلاص، العدمية اللحظة. طيب هذا بيجلدك وبيتعبك وبيحرق أعصابك، أنه ابنك الذي عشت معه فترة طويلة خلص انتهى، انتهى كل شيء، لا رجعة، لا يمكن تراه في عالم آخر، وما شابه ذلك من هذه السرديات. الإسلام يعطيك، شوف الإسلام لما يعطيك معنى للحياة هو لا يعطيك معنى فقط عامًا للحياة، بل اقرأ القرآن والسنة ستجد أنه يعطيك معنى حتى للأمور التفصيلية؛ معنى القضاء والقدر والاحتساب والصبر، معنى الصبر على الآلام، معنى الموت، معنى الدار الآخرة. ليش القرآن يركز بكمية هائلة على قضية الدار الآخرة؟ لأنه يركز على المعنى، يعني دائماً، مش الصور المكية، الدار الآخرة، ﴿مَن كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [النساء: 162]، ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [الأعلى: 16-17]. لماذا هذا الاهتمام؟ ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ﴾ [النبأ: 1-2]، دائماً ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّىٰ زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ [التكاثر: 1-2]، ﴿الْقَارِعَةُ * مَا الْقَارِعَةُ﴾ [القارعة: 1-2]، ﴿الْحَاقَّةُ * مَا الْحَاقَّةُ﴾ [الحاقة: 1-2]. لماذا القرآن يركز بشكل هائل على الدار الآخرة؟ لأنه الدار الآخرة هي التي ستعطي لك معنى للحياة. عدم وجود دار آخرة، إذا أنت أمام خيار: إما عدم وجود معنى للحياة أو تحقيق الذات، وفي أحسن أحوالها تعيش زي الإنسان العربي الجاهلي، أو زي القومية العربية؛ المهم أنك تعيش منتميًا إما لقبلية أو لقومية أو لأطر محددة، في النهاية أنت عارف النهاية لا تعني لك شيء، يعني هي القومية أو القبيلة بعد ما تموت شو راح تعني لك؟ ما حدا راح يلحقك، راح تعيش وحدك في القبر.
الإسلام يعطيك كل هذه المعاني المفعمة، وبالتالي صدقني كثير من الأمراض النفسية، كثير منها، وحالات الاكتئاب أو الحزن أو الانطواء أو الشعور بالإرهاق أو الخوف، كثير منها ستُحل أمامك. القرآن عالج لي كل هذه الأمور، واعلم أنه إذا أنت تعاني من إشكالية نفسية في كثير من جوانبها لاحظ أنه قد تكون أنت فعلاً أنا انحرفت في معنى من معاني الحياة، أنا وقعت ضحية لشكل من أشكال البحث عن الاعتراف أو شكل من أشكال البحث عن الحرية المطلقة، وما أعطيت الإسلام والقرآن ليصبغني، ليعيد تشكيل معاني الحياة بالنسبة لي. لا أطيل أكثر من هذا. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علمًا نافعًا يا أرحم الراحمين. سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك، وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل