بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأصلي وأسلم على النبي المصطفى صلاة تترى، وعلى آله وصحبه ومن لنهجه اقتفى. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علماً نافعاً يا أرحم الراحمين.
حياكم الله أيها الأكارم في الأمسية السادسة من أمسيات غراس، هذه الأمسيات التي نهدف من خلالها إلى عرض مجموعة من القضايا التربوية والفكرية والحياتية التي تهم طالب العلم خصوصاً، والمسلم عموماً في جميع شعب الحياة. أمسيتنا اليوم وضعنا لها عنواناً مهماً لأنه يكثر السؤال عنه، وهو دور طلبة العلم والدعاة والمصلحين في أزمات الأمة التي تمر بها.
عادة ما يستثار سؤال عندما تمر الأمة بأزمة من الأزمات: أين دور العلماء؟ أين دور المصلحين؟ أين دور طلاب العلم؟ وأنتم يا من تدرسون العلوم الشرعية ماذا قدمتم للأمة في خضم أزماتها وواقعها المؤلم؟ إلى غير تلك الأسئلة التي أعتقد أنها في البداية أسئلة مشروعة، ينبغي لطالب العلم أن يتعامل معها بهدوء، ويحاول أن يفهم طبيعة هذا السؤال ليعرف الإجابة.
بعض طلبة العلم أحياناً عندما يسمع مثل هذا السؤال تجد عنده نوعاً من الاندفاع ليجيب بجواب عاطفي، فيقول: وأنت ماذا قدمت؟ وتجد الموضوع يصبح فيه نوع من المناكفة أكثر من كونه سعياً لمعالجة المشهد وكيف ينبغي أن ينظر للأمور في ضمن هذه الأزمات.
السؤال الأول هو: هل فعلاً هناك دور يطالب به الدعاة والمصلحون وطلبة العلم والكفاءات والعلماء في أزمات الأمة أعلى من دور عامة الناس؟ في المقابل هناك سؤال: هل هناك أحياناً نوع من المثالية أو نوع من الحلم في نظرة العوام للدور الذي يمكن أن يؤديه العلماء في خضم أزمات الأمة؟ هل هم يتخيلون أموراً هي أوهام ولا يستطيع العالم أصلاً أن يؤديها في ضمن الواقع المعاصر في نصرة قضايا الأمة؟
أعتقد أن الأمور تدور بين أمرين: ما بين أناس لا يريدون من العلماء أو الدعاة أو المصلحين أو طلاب العلم أن يعرفوا دورهم وحجمهم في الوقوف مع أزمات الأمة المختلفة، وما بين عوام المسلمين الذين عندهم نوع من المثالية ووهم في اعتقاد أدوار للعلماء أو المصلحين لا يمكن أن يقوموا بها خاصة ضمن الواقع المعاصر. ما بين هذا وهذا تضيع الأمور، وتجد دائماً الملاسنات المتبادلة على أي درس شرعي أو أي محاضرة علمية أو أي متن يشرح، دائماً ما تجد من يعلق للمشايخ: أين أنتم؟ لماذا لا تتكلمون عن واقعة المسلمين في غزة؟ أين أنتم؟ لماذا لا تتكلم عن واقعة المسلمين في السودان؟ أين أنت عن كذا وكذا؟ هذا خطاب عام منتشر بين العامة، ولدرجة معينة أتفهم هذا الخطاب.
أعود فأقول إني لا أتعامل مع هذه القضايا كردة فعل، نحن لسنا في مشكلة في الساحة أنه لا بد أن نعمل هوشة على كل قضية تطرح، وإنما أحاول أن أجيب عن هذا السؤال بكافة جوانبه: ما هي الأمور التي يحلم بها العوام؟ وما هو التقصير الذي يقع فيه طلبة العلم والدعاة والمصلحون؟
من هنا سأبدأ بالنقطة الأولى، وهو السؤال الذي يجب أن يوجه إلينا كطلبة علم أو كمصلحين أو دعاة، حتى يوجه إلى العلماء عموماً، وهو: هل النصوص الشرعية في الكتاب والسنة تثبت للعلماء والمصلحين دوراً في واقع الأمة وأزماتها يختلف عن دور سائر الناس؟ هل هناك آية تشعر أنها تكلف العالم بدور أعلى من دور غيره، تكلف المصلح المتصدر بدور أعلى من دور غيره أم لا؟
قوله سبحانه وتعالى في علماء بني إسرائيل: ﴿لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَن قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ ۚ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [المائدة: 63]، فعلق الله اللوم على الربانيين والأحبار، فلم يقل لولا ينهاهم العامة أو الموظفون، فالذم في عدم النهي تعلق بالربانيين والأحبار؛ إذاً النظرة لهم ليست كالنظرة لغيرهم، ودورهم يختلف عن دور غيرهم.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ ۖ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: 83]. هذه الآية مهمة جداً في واقعنا، لأن الآية تتكلم في الأوقات التي ينتشر فيها الخوف والهلع والجزع والأزمات والإشكالات، فلا بد أن ترد الأمور إلى أهل الاستنباط؛ ولو ردوه إلى الرسول في حياته صلى الله عليه وسلم، وإلى أولي الأمر منهم أهل العلم والخبرة والدراية بعد وفاته عليه الصلاة والسلام، لعلمه الذين يستنبطونه منهم. إذاً أنتم أيها المصلحون أو الدعاة أو طلبة العلم والكفاءات، المطلوب أن الناس تحيل عليكم المسائل لتستنبط حكم الله فيها وتوجه الناس إلى الصواب.
أيضاً قول الله عز وجل: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ﴾ [آل عمران: 187]. ذم الله علماء بني إسرائيل على عدم بيان الهدى للناس، وهذا يدل على أن من أدوار العالم أو المصلح أو طالب العلم أن يبين الهدى للناس في أي وقت من الأوقات.
هناك آيات كثيرة، ودعوني أستعرض بعض الآيات المهمة والأساسية، أولاً قوله تعالى: ﴿وَلَٰكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ [آل عمران: 79]. هذه الآية المحورية هنا، الله عز وجل يخاطب الذين تعلموا الكتاب ودرسوه، ما قال لهم؟ ﴿بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ﴾ وفي قراءة ﴿تَعْلَمُونَ﴾، وبما كنتم تدرسون؛ يعني عرفتم وتدارستموه في أيام الطلب، بسبب هذا عليكم أن تكونوا ربانيين.
السؤال: من هو الرباني؟ شيخ الإسلام يقول رحمه الله عليه أنها مأخوذة من ربان السفينة. الرباني هذه النسبة مأخوذة من ربان السفينة؛ فما دوره في السفينة؟ أن يقودها، فهو الذي يمسك دفة السفينة ويوجهها. إذاً المطلوب في هذه الآية أن الله سبحانه وتعالى يأمر طلبة العلم والدعاة والمصلحين الذين نالوا من العلم ما نالوا وأصبحوا للناس، أن يكونوا ربانيين، يعني أن يكونوا قادة السفينة للمجتمعات. هذا خلاصة الآية، فلا يجوز لك أيها العالم أن تكون في مؤخر الركب؛ الله يقول لك كن ربان السفينة وأنت تنسحب من المشهد! يا أيها المصلح كن ربانياً وأنت تنسحب! إذاً أنت خالفت أمر الله، ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾. هذا معناه ولوازمه أن المصلحين وطلاب العلم وأهل العلم مطلوب منهم أن يقودوا سفينة المجتمعات في الأمور السياسية والاقتصادية والاجتماعية وحياتهم ووظائفهم والمشاكل العامة والخاصة، هم الذين يجب أن يقودوا هذه السفينة بنص كتاب الله سبحانه.
أيضاً من الآيات التي تدل على موقف وأهمية حضور أهل العلم والدعاة في واقع الأمة وفي أزماتها قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَىٰ مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ ۙ أُولَٰئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ [البقرة: 159]. أنت بعد أن علمك الله ما علمك ووفقك إلى ما وفقك من الملكات الشرعية والوقوف على الأحكام، إذا كتمت هذه الأحكام ولم تبينها للناس وتراجعت عن بيان حكم الله عز وجل في نوازل الأمة وواقعها، فأنت ملعون.
لو أراد هذا العالم أو المصلح أن يتوب من خطيئة كتمان العلم والهدى ماذا يفعل؟ قال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا﴾ [البقرة: 160]. من شروط توبة العالم أو طالب العلم في جريمة الكتمان أن يعود ليبين؛ بدك ترجع تبين ما كتمته سابقاً، أما مجرد أنك تبت بينك وبين الله استغفرت الله على هذا الكتمان دون أن تصلح خطأك الذي ارتكبته ما ينفع هذا؛ شروط التوبة في حقك أن تتوب وتستغفر الله وتصلح ما أفسدته وتبين الحق بعد أن كتمته. إذاً هذا يؤكد أن من أعطاه الله علماً وأناله معرفة عليه أن يكون في مقدمة المشهد، وعليه أن يبين للناس أحكام الله في نوازل الأمة وأزماتها، وإلا فأنت ملعون بنص القران.
كذلك الآيات التي تفضلتم بها في ذم الله لعلماء بني إسرائيل، هو ذم أيضاً لعلماء هذه الأمة ودعاتها ومصلحيها الذين يسيرون على خطى علماء بني إسرائيل. وكما قلنا: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ ۖ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾، وعلقنا عليها، تدل على ضرورة وجود العلماء وتدخلهم، لأن العامة تضيع إذا ابتعد العلماء عن المشهد، ويصبح كل شخص يتكلم على ليلاه: السياسي يتدخل، والمثقف يتدخل، والصحفي يتدخل، واللي قارئ له كتابين بيتدخل، وأصحاب السوشيال ميديا واليوتيوبر كله بيتدخل؛ وفي النهاية لما يتدخل من لا مكنة له في مقاصد الشريعة ولا في علومها، تجري من الفتن في أحوال الناس ما لا يعلم به إلا الله سبحانه وتعالى.
إذاً دعونا نقول هذا نوع من الاستقراء السريع لنصوص الكتاب العظيم التي تدل على محوريه حضور العلماء. لو انتقلنا إلى سيرة النبي عليه الصلاة والسلام وبنائها لهذا المفهوم، مفهوم أن العلماء والمصلحين دورهم ليس كدور غيرهم بل مناط بهم أمور ووظائف تختلف عن وظائف الآخرين، نستطيع أن نقول إن حياة النبي عليه الصلاة والسلام من أولها إلى آخرها هي تأصيل لهذه الفكرة.
النبي عليه الصلاة والسلام هو سيد العلماء وسيد الدعاة وسيد المصلحين، وهو المعلم الأول والقائد الأعلى بأبي هو وأمي صلوات ربي وسلامه عليه. كيف كان دوره في حياة الأمة؟ هل كان النبي عليه الصلاة والسلام فقط يتدخل في المسائل الشرعية في العلاقات الاجتماعية الطلاق والنكاح والبيوع والجنايات وانتهى دوره إلى هنا وسلم قيادة السياسة والاجتماع العام لأناس من المثقفين والسياسيين؟ لا، النبي عليه الصلاة والسلام كان هو رئيس المدينة النبوية ورئيس هذه الدولة الناشئة، وكان هو قائد الحرب وقائد السلم، وهو الذي ينفذ العهود، وهو الذي يقضي بين الناس، وهو الذي يوجه الأمراء والرسالات ويخاطب الملوك، وهو الذي يتكلم مع الجميع.
النبي عليه الصلاة والسلام سيرته وحياته وشخصيته بأبي وأمي هي التي تمثل المنهج الكامل لوظيفة العالم والدعاة. أليس يقال العلماء ورثة الأنبياء؟ ما دمت أنت وريث لمقام النبوة، إذاً يجب عليك أن تقوم بالوظائف التي كانت منوطة بالأنبياء وبنبيك محمد صلى الله عليه وسلم: وظائف القيادة، وحل مشاكل الناس، والشعور معهم، ومحاورة وإصلاح شؤونهم العامة والخاصة، هذه الوظيفة المنوطة بك.
إذاً النبي عليه الصلاة والسلام هو أعظم قدوة وأعظم مشهد وأعظم خارطة تبين لك دور العالم والمصلح وصاحب الرأي الشرعي في أزمات الأمة، وأنه لا يصلح أن يغيب جميع العلماء والدعاة والمصلحين عن هذه المشاهد التي تعطى لمثقفين وصحفيين ونشرات أخبار وما شابه ذلك، أو لشباب صغار في طلب العلم أو مندفعين أو متحمسين لا يملكون الرؤية الشرعية المتوازنة التي تحقق المقاصد الكلية لهذا الدين العظيم.
أيضاً هذه الفكرة، فكرة أن العالم والداعية والمصلح المناط به ليس المناط بغيره، اختبرها العلماء عبر التاريخ، ولذلك عندنا سيرة كثير من العلماء هي نموذج لوقوف العالم في أزمات الأمة ووقائعها. إذا أردنا أن نأخذ نموذج أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى في فتنة خلق القران، وإن كانت الأزمة هنا أزمة فكرية، كان طبيعة الإشكال الذي يحصل أزمة فكرية يراد فرض عقيدة باطلة على الناس بالقوة، حيث لما تبنى المأمون عقيدة المعتزلة وفيها الكثير من الشبهات بخلق القران وما شابه ذلك، أرادوا فرض هذه العقيدة بالقوة وتكميم أفواه جميع العلماء المخالفين لهذه العقيدة الباطلة. هنا أدرك أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى أن هذا الموضوع خطير، وأن هذا الموضوع إذا الآن تم واستطاع المأمون بزبانيته أن يفرض هذه العقيدة الباطلة، ستصبح هذه سنة الخلفاء في من بعده.
تصبح سنة في الخلفاء أنك تستطيع أن تكمم أفواه العلماء المخالفين لك، وبالتالي تفرض ما شئت من العقائد والأفكار، وما هويت. الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى أدرك هذا البعد، أدرك أن هذه الفكرة يجب ألا تسير الآن، وأنه يجب أن يبقى هو والعلماء الذين بمثابة علماء الأمة الكبار خطاً منيعاً أمام محاولة تهميش العلماء وإبعاد دورهم عن واجهة الأمة وعن قيادتها.
فأحمد رحمه الله تعالى ثبت الثبات العظيم الكبير مع مجموعة من العلماء أيضاً في زمنه. بعض العلماء في تلك الفتنة علقت رؤوسهم على أبواب بغداد، علقت الأعناق على أبواب بغداد ورفضوا أن يقولوا كما يقول المأمون. بعض العلماء سجن وعذب، وحدثت إذا قتل وتشريد وقصص كثيرة. من هؤلاء العلماء الذين تعرضوا للبلاء الشديد أحمد بن حنبل، وقصصه كثيرة في الجلد والسجن وإجباره على مغادرة الدرس ومنعه من إلقاء الدروس والمحاضرات في مساجد بغداد وما حولها. ومع ذلك كان المطلوب من أحمد بن حنبل أن يقر المأمون أو ما بعده.
سبحان الله، لما أخذ أحمد بن حنبل وربط، أرادوا أن يذهبوا به إلى المأمون، فدعا أحمد في الطريق: أسأل الله ألا يبلغني إليه. وفعلاً مات المأمون قبل أن يشاهد أحمد بن حنبل، يعني ببركة دعاء أحمد بن حنبل مات المأمون قبل أن يصل أحمد بن حنبل إلى القصر.
من الذي جاء بعد ذلك؟ أظنه الواثق، تمام، لا المعتصم بعده الواثق، والمعتصم هؤلاء كلهم مشوا على خطى المأمون في فرض هذه العقيدة الاعتزالية على الناس بالقوة. ومشى الواثق والمعتصم على معاقبة أحمد بن حنبل جلداً، يعني إصرار إما أن تتكلم كما يريد الحاكم أو أن تبقى مهمشاً، مجلوداً، مسجوناً، مقصياً. كانت فتنة شديدة، هذه الفتنة ليست هي موضوعي اليوم لأتكلم بها، أنا مقصدي ابن تيمية رحمه الله عليه، لكن أقرؤها لأن الفتن أحياناً تتشابه في المشاهد وإن اختلف الأشخاص.
كيف أن العلماء في زمن أحمد بن حنبل بعضهم تكلم بما يقول السلطان تقية؛ بعضهم قال: يا عمي ايش بدك أقول لك؟ خلق القرآن؟ خلص خلق القرآن، واختار قرار السلامة؛ لأنه قد يكون معذوراً عند الله، لأنه أحياناً أنت ما بصير أنك تنظر للعالم الذي ضعف بنظرة ازدراء، لأنه أنت لو عرض عليك ما عرض عليه لربما سلمت من القدم. أنت ترى سيفاً أمامك ومشنقة منصوبة وناساً صلبت؛ قرار مش سهل. في بعض العلماء قرر أن يداري السلطان وأن يقول كما يقول، وبعض العلماء قرر الانعزال والهروب من المجتمع، وبعض العلماء، وهم القلة في العادة حتى ما يكون سقف طموحك عالياً، هم القلة الذين جهروا بمخالفة السلطان وكان في هناك دفع للثمن باهظ. نموذج أحمد بن حنبل من النماذج المذكورة أيضاً، نموذج العز بن عبد السلام رحمه الله تعالى عليه.
المشهد الثاني أيضاً للعز بن عبد السلام رحمه الله تعالى عليه الملقب بسلطان العلماء، وكان صاحب عقيدة أشعرية، لكن في النهاية هو رجل ثبت في مواقف الأمة الكبيرة ثباتاً كبيراً. وكان من مواقفه أنه كان سبباً في بعد الله سبحانه وتعالى جعله الله سبباً في الوقوف في وجه التتار في الجولات الأولى وساعد المماليك. لماذا سمي سلطان العلماء وبائع الملوك؟ هذا رجل قوي في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. لما جاءت دولة المماليك بعد ضعف الدولة العباسية في العراق، لما جاءت دولة المماليك هؤلاء الملوك كانوا أصلاً عبيداً، لكن استطاعوا بالتحالفات أن يكونوا خلفاء.
فالعز بن عبد السلام رفض أن يكون الخليفة عبداً، قال: ما يجوز في النظام الإسلامي أن يكون الخليفة عبداً. فقال: لا أقر لكم بالبيعة حتى تباعوا في الأسواق ويتم عتقكم، ثم بعد ذلك أبايع. وهذه شديدة؛ أنت تحكي للسلطان: أنت عبد ولازم يتم بيعك وعتقك ثم بعد ذلك تتم لك البيعة. هم رفضوا ابتداءً المماليك قرار العز بن عبد السلام، فقال العز بن عبد السلام: زي ما بدكم، ومسك الدابة وأراد أن يخرج من القاهرة من مصر. حتى تعرف كيف كان وزن العلماء، بمجرد أن قرر العز بن عبد السلام مغادرة مصر، كل أهل القاهرة ومصر تبعوه، قالوا: هذا لا يغادر؛ لأنه كان وزنه ثقيلاً، كان تأثير هذا العالم في مصر تأثيراً كبيراً، أعلى من تأثير المماليك أنفسهم، كلمته كانت تحرك جيوشاً.
فلما رأى أهل مصر أن العز يخرج بسبب المماليك تبعوا جميعاً العز إلى باب القاهرة. فالمماليك هنا خافوا، أدركوا أنه هذا ممكن يحدث انقلاب عليهم، فمباشرة ذهبوا إلى العز بن عبد السلام واستسمحوا، والي بدك إياه بصير، ونبيع أنفسنا في السوق وكذا، وفعلاً تم عتقهم في السوق أمام الناس، ثم بعد ذلك أقر لهم. شوف التوازن، بعد أن أقر لهم البيعة الشرعية أصبحوا هم أصحاب البيعة الشرعية الآن وهم الأقوى بالنسبة لبلاد الشام.
فلما هدم المغول والتتار، استطاع العز بن عبد السلام أن يثير الناس، أن يقفوا مع الحكام في تلك الفترة مع المماليك من أجل محاربة التتار والمغول في المعارك المشهورة. وفعلاً توجت هذه الجهود بين العلماء والأمراء بدحر التتار الدحر الأولي، لأنه راح يجي مع ابن تيمية جولات أخرى لهم، الدحر الأولي في معركة عين جالوت مع القائد قطز رحمه الله تعالى عليه سنة 658هـ.
لما التتار بعد أن استولوا على بغداد 656هـ وأسقطوا الخلافة العباسية رسمياً وقضوا على آخر خليفة عباسي، جائتهم نشوة أنه خلص ما دمنا أسقطنا الخلافة العباسية في بغداد، عاد نتقدم للشام ومصر ونأخذها سريعاً. اللي كان سبب جعله الله سبباً في إيقاف هذه الهجمة المسعورة على الشام المماليك قطز في معركة عين جالوت؛ استطاع أن يهزمهم هزيمة كبيرة، ردهم إلى العراق وإيران، وكسر شوكتهم في تلك الفترة.
من العلماء الذين وقفوا مع المماليك وكان لهم دور بارز في تجييش الناس الوقوف مع سلطان الزمان، عز بن عبد السلام رحمه الله عليه. والقصص كثيرة حقيقة، إذا أردت أن تتبع دور العلماء والمصلحين في إصلاح الأمة والوقوف في أزماتها وكيف كانوا أصحاب شوكة وكانت الناس تقدرهم ولهم قيمة واحترام، ستمر على تاريخ كبير لعلمائنا العظام.
هنا حقيقة أنا أردت في هذا المجلس أن أمر على سيرة أبي العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى عليه. ابن تيمية الحفيد، هو دائماً يقال ابن تيمية الحفيد؛ لأن جده ابن تيمية الجد هو صاحب المحرر عند الحنابلة وهو أحد العلماء الكبار، أما أبو العباس ابن تيمية فهو حفيده، فلذلك يقال ابن تيمية الحفيد، شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عليه. حقيقة يمثل أيقونة ونموذجاً مبهراً للدور الإصلاحي الذي يمكن أن يفعله العلماء والمصلحون في أزمات الأمة، يمثل نموذجاً رائقاً رفيعاً في هذه الأدوار التي يمكن أن يقوم بها علماؤنا في أزماتنا والمصلحون والدعاة.
لماذا أقول المصلحون والدعاة؟ لأنه اليوم قديماً كان العالم هو الداعية، كان العالم هو المصلح، اليوم صار عندنا مجموعة مفردات؛ صار عندنا عالم، وصار عندك مصلح، وصار عندك داعية؛ لأنه مش كل مصلح اليوم عالم، هذا يجب تفهمه، في ناس تمارس دور الإصلاح بس هو مش علماء، وهذا الأكثر. وفي دعاة جزاهم الله خيراً لهم جهود مشكورة بس هم مش علماء، وفي علماء بس لا يمارسون دور الإصلاح والدعوة، فتجد أن المشهد أصبح اليوم مجزأ. عالم لا يمارس دور الإصلاح والدعوة بل بالعكس، دور التثبيط والتخوين عنده علم، ما في النهاية مفهوم هو عنده علم، لكن في النهاية هو لا يمارس دوراً إصلاحياً حقيقياً. وفي عندك داعية أو مصلح لكنه مش عالم، وفي طالب علم متقدم؛ يعني عندك مشاهد عديدة وصلنا إليها.
المهم، أبو العباس ابن تيمية عاده لما يستحضر في الأدبيات المعاصرة، يستحضر وين؟ يستحضر في الخلاف الأشعري الحديث، دائماً لما ابن تيمية بتجد المجسم، اللي كذا، اللي عنده مشاكل كذا، وتشعر أنه الذي رد على الأشاعرة، على المعتزلة، على الصوفية، على كل الديانات، فابن تيمية يستحضر في الردود، وهذا لا عيب، فهو إمام في هذا، ما عنده مشكلة، هو أصلاً إمام في معالجة الانحرافات العقدية والفكرية والسلوكية في المجتمع. لكن الرجل للأسف يغبط حقه في استحضاره في الدور الإصلاحي والرباطي في أزمات الأمة، وسيرته العطرة في الثبات الكبير في هجمة التتار والمغول على بلاد المسلمين؛ لأن دوره كان عظيماً جداً جداً جداً في تثبيت المسلمين في تلك الأزمة.
وهذا الذي يمثل لك الشخصية المتكاملة للعالم؛ العالم الذي استطاع أن يرد على أهل البدع، العالم الذي استطاع أن يرد على أصحاب الأديان في الجواب الصحيح وغيره من الكتب، العالم الذي استطاع أن يرد على الفلاسفة والمناطقة في الرد على المنطقيين، العالم الذي يرد على الجدليات الفقهية في تمويه الجدل الباطل، والعالم الذي أيضاً يقاتل ويرابط ويدخل في حياة الأمة ومشاكلها ويكون مع الناس في الميدان. هذه الشخصية هي الشخصية المتكاملة للعالم.
قد لا يستطيع الجميع أن يصل إليها، أنا أعتقد ذلك، ما بدي أكون مثالي وأطلب من الجميع أن يكون شخصية ابن تيمية، فلعله من فلتات الزمان كما يقولون. هؤلاء أفراد، لكن هؤلاء الأفراد نستلهم من سيرهم ومن أحوالهم ما نحاول على الأقل أن نقاربهم، أن ندانيهم، مش شرط أنت تكون ابن تيمية. ذكرتمونا كنا مرة جالسين في المدينة النبوية في بداية الطلب، فالشباب، كل واحد بده يحكي ايش طموحك؟ أنت سنة أولى جامعة في المدينة المنورة وكل واحد بيحلم، واحد بيحكي: أنا بدي أصير شيخ الإسلام ابن تيمية! طبعاً الشباب، قلت له: أنت حبة حبة يا شيخ، أنت ابن تيمية لما كان عمرك زيك 19 سنة كان بجوز خلص كل علومه، هسا عمال يألف، فيعني حتى ما تكون أنت حالماً وحاطط طموحات تصاب بإحباط وصدمة حضارية في نص الطريق، إنه أنت ما صرت أقل عالم في زمنك، مش زمن ابن تيمية. خليك، حط رؤى تكون واقعية حتى يكون الهدف قابلاً للتحقيق.
المهم، الفكرة أننا نحاول لما نقرأ هذه السيرة وننظر في دورها الإصلاحي أن نأخذ، وعلى الأقل نفهم كيف يكون دور العالم حقيقة. وعلى الأقل، لو أنا كطالب علم أو إنسان مسلم أنظر لعلماء عصري وزماني، أفهم هل هؤلاء العلماء فعلاً مقصرون ولا غير مقصرين؟ أنا كيف بدي آخذ رؤية صحيحة؟ بدي أنظر للنماذج السابقة، أنظر كيف كان العالم الجاد يكون موقفه في أزمات الأمة حتى أقيم بشكل متوازن واقعنا المعاصر.
حتى أتكلم عن مواقف شيخ الإسلام ابن تيمية، أنا سأتكلم عن التجربة الإصلاحية إذا صحت التسمية لشيخ الإسلام ابن تيمية في 15 نقطة تقريباً وأدلل عليها من مواقفه. لكن قبل ذلك دعوني أتكلم عن نشأة شيخ الإسلام ابن تيمية والواقع السياسي في تلك الحقبة. شيخ الإسلام ابن تيمية متى ولد رحمه الله عليه؟ 661هـ، لاحظ بعد معركة عين جالوت بثلاث سنوات. حتى تعرف أن الله سبحانه يسير الأقدار كما يشاء عز وجل. في تلك الفترة كان الـ200 سنة تقريباً فترة هجوم التتار أو المغول على بلاد المسلمين ما بين شد وجذب. نحن عرفنا 656هـ قبل ولادة شيخ الإسلام بخمس سنوات استطاع المغول أن ينهوا الخلافة العباسية تماماً ويقتلوا آخر خليفة عباسي في بغداد. وعرفنا أنهم حاولوا يتقدموا وماذا حصل في عين جالوت.
الآن هؤلاء المغول من وين أصلهم؟ من أين أتوا هؤلاء؟ رئيسهم الأكبر جنكيز خان، وجنكيز خان هذا رجل من الصين، وهذا الرجل حاول أن يغزو بلاد الشام والشرق الأوسط، ما يسمى اليوم العالم الإسلامي، ويستولي عليه، وبعد ذلك آلت هجماته الأولى بالفشل. هذا الرجل كان يدعي الإسلام، بدك تفهم أنه هذا الرجل ما كان يقول أنا كافر بلسانه، كان يدعي أنه مسلم بس بده...
يحاول أن يجمع بين الإسلام وبين الديانات المنتشرة في الصين، فبده يطلع له دين جديد. يقول لك: أنا مسلم، وأعمل ديانات الصين، وطلع شيء اسمه الياسق إذا سمعتم فيه، وهو دستور جديد وضعه مقابل للقرآن الكريم، أراد أن يحكم الناس به وما شابه ذلك. المهم أحفاد جنكيز خان: هولاكو وقازان وغيرهم، هؤلاء استوطنوا في إيران، وهم المؤسسون حقيقة لدولة إيران المعاصرة؛ يعني أحفاد جنكيز خان وهولاكو وقازان وأولاد الأولاد والأجيال اللاحقة هي التي استقرت في إيران وأسست ما يعرف اليوم بدولة إيران.
إيران قبل هجوم المغول والتتار كانت بلاد الإسلام، يعني كانت بلاد أهل السنة؛ أصبهان وغيرها ونيسابور، وهذه كلها مناطق علمائنا الكبار رضوان الله تعالى عليهم. تمام، والشيراز وغيرها، بتسمعوا فيها، الشيرازي من وين؟ من هناك، والاصبهاني اللي قرأنا كتابه، كلهم من إيران، تلك المنطقة كانت بلاد الإسلام وللسنة؛ والسنة طبعاً بالمعنى العام الذي يشمل أهل الحديث والأشاعرة وغيرهم. فهجوم التتار واستيلائهم على إيران وتأسيس نظامهم هو الذي كان بدء انقلاب حال إيران عموماً بكل ما فيها من العلوم والمعارف واستيطان الرافضة فيها. لماذا الرافضة بالتحديد؟ لأن الرافضة تاريخهم القبيح أنهم هم الذين تعاونوا مع التتار لإسقاط الخلافة العباسية السنية. وتعرفون من هو الوزير الرافضي الذي تعاون مع التتار لإسقاط الخلافة العباسية الأخيرة؟ ابن العلقمي إذا بتعرف، تقول لك اليوم سمي أحفاد ابن العلقمي، بنحكي لهم نحن ليش أحفاد ابن العلقمي؟ لأنه ابن العلقمي هذا وزير الدولة العباسية -الله يسامحهم كانوا حاطين وزير- خانهم وتحالف مع التتار لإسقاطهم.
فأصبح يسمى الروافض أحفاد ابن العلقمي، إشارة للخيانة العظمى، حيث خانوا المشروع الإسلامي منذ القدم، وهم خونة المشروع الإسلامي وتحالفوا لإسقاط الدولة العباسية؛ إن كانت دولة سنية وكان لهم طموح الرافضة أن تكون لهم موطن قدم. فالمهم، الرافضة تحالفوا مع التتار، وكان في النهاية موطنهم أين؟ في إيران، وامتدادهم طبعاً إلى العراق، أنهم استولوا على العراق وبغداد ووضعوا موطن قدم فيها. طبعاً هم في إيران ولهم علاقة بالصين، لكن كثير من المؤرخين قرأت لهم يقول لك: بقيت علاقة التتار الموجودين في إيران كـ"هولاكو" و"غازان" وعلاقتهم بالصين وما حولها علاقة شرفية؛ يعني ما عاد في هناك الارتباط الكبير، قديماً ما في وسائل تواصل، ما فيش سيارات وحافلات وما شابه ذلك؛ فأنت بتحكي بين إيران والصين مسافات شاسعة، فشيء طبيعي أن تكون هناك ارتباطات شرفية، روح عليه سيدي وكذا وبعطيه، بس بضل في إيران هو يحكم نفسه بنفسه ويتخذ قراره الداخلي بنفسه.
المهم هؤلاء المغول التتار، صحيح هزموا في عين جالوت، لكن بقيت أطماعهم في بلاد الشام ومصر أطماعاً كبيرة؛ لأن هي تعتبر حاضرة في ذاك الوقت وعبر التاريخ. منطقة الشام ومصر هي مناطق أساسية في العالم؛ أن يسيطر عليها يعني يسيطر على العالم، أنت بتتكلم عن البحر الأبيض المتوسط، بتتكلم عن ملتقى أوروبا مع آسيا مع أفريقيا؛ يعني أنت بتتكلم خاصة فلسطين بالتحديد هي منطقة صراع تاريخي، أنها منطقة جوهرية أساسية تربط ثلاث قارات تقريباً مع بعضها البعض بحراً وبراً، فكان الكل يطمح للسيطرة عليها. لذلك التتار بدأوا يعيدون أحلامهم بالسيطرة على بلاد الشام ومصر، فمن تقريباً 690 إلى 705 وهناك غارات متتالية وحملات متتالية من أجل إسقاط الشام ومصر في حكمهم. تمام، نحن قلنا شيخ الإسلام ولد كم؟ 661، تمام، بدأت معركة شيخ الإسلام مع التتار في هذه الهجمات التي من 690 إلى 705، طبعاً حتى قبلها كان في هجمات، ومما يؤكد ذلك أن شيخ الإسلام يتكلم عن طفولته فيخبر أنه وهو شاب صغير عمره سبع ثمان سنوات، هو ولد أين؟ ولد شيخ الإسلام في أي مدينة؟ في حران، تمام، وين حران؟ في سوريا، في حدا إيه تركيا تعتبر، يعني أنا مش خبير كثير، وين منطقة حران الآن، هل هي داخل حدود سوريا المعاصرة أو على جنوب تركيا، لأنه جنوب تركيا وشمال سوريا كان متداخلاً، وكثير من مناطق جنوب تركيا كانت هي الشام، يعني حتى أنطاكيا وما شابه ذلك هي تعتبر شام طبعاً أمام مدينة أنطاكيا.
فالفكرة المهم هو ولد في مدينة حران، لما كان عمره ثمان تسع سنين هجموا المغول على هذه المدينة، فاضطر والده رحمه الله عليه -وهو أحد فقهاء الحنابلة أيضاً- أن يحمل أولاده في عربة قديماً، بتعرفوا عربة الأحصنة هي، تكون عربة وحصان وحاط فيها أمتعة الدار وماخذ أولاده وهرب، فيقول شيخ الإسلام أننا هربنا من حران لما هجم التتار على بلادنا، وفي الطريق في طريقنا من حران إلى دمشق انكسرت العربة وجعلت تدحرج، وكان المغول يلحقون بنا، قال: وكادوا أن يلحقونا، كاد أن يقتل شيخ الإسلام رحمه الله عليه في تلك الحادثة، العجل انكسر والتتار كانوا يلحقونهم، الله أعلم كيف والده استطاع أن يعالج الموقف، قال: بالدعاء والابتهال والالتجاء إلى الله استطعنا ندبر حالنا وأكملنا الطريق إلى دمشق، ولم نقع في أيديهم ليكون قدر الله محتوماً، يعني دائماً ينظر الإنسان كيف موسى تربى في بيت فرعون، كان أجله بسبب موسى، وهكذا نفس الفكرة. الله عز وجل أنقذ ابن تيمية في تلك الفترة ليكون سبباً في ماذا؟ في إنهاء وجود التتار في الشام لفترات طويلة جداً في غزوة شقحب التي ستأتي معنا بعد ذلك إن شاء الله. هذه الفكرة فقط باختصار.
الآن كما قلت لكم، طبعاً شيخ الإسلام ابن تيمية قبل أن آتي أيضاً لمواقفه من التتار وما الخطوات الإصلاحية التي فعلها، عليك أن تعرف أن هو أصلاً رجل لا، يعني كطالب علم، طالب علم لا عنده غيرة على الأمة ويحب أن يشارك في قضاياها عموماً. والذي يشهد لذلك في سيرته في سن الشباب أنه ممن شارك في فتح عكا؛ إذا بتذكروا معنا الإخوة الذين قرأوا كتاب المحاسن اليوسفية، صلاح الدين الأيوبي رحمه الله عليه استطاع أن يفتح بيت المقدس، لكنه ما استطاع أن يفتح عكا، وسقطت عكا، اضطر أن يسلم عكا طبعاً هو كان في الخارج يحاول أن يدخلها، والصليبيون محاصرون لعكا ولم يستطع صلاح الدين أن يقتحمها، فاضطر أهل عكا من أهل الإسلام أن يسلموا عكا إلى الصليبيين، وعاد طبعاً صلاح الدين الأيوبي إلى دمشق، بقيت عكا في أيدي الصليبيين حتى زمن شيخ الإسلام ابن تيمية. لما كان عمر شيخ الإسلام ابن تيمية قرابة 30 سنة أو 33 سنة شارك الجيوش الإسلامية في فتح عكا، وفتحت عكا في تلك المعارك التي شارك فيها شيخ الإسلام. ليش ذكرت هذا المشهد؟ لأنه هذا بيعطيك طبيعة شخصية هذا الشاب، يعني هذا مش طالب علم قاعد بس بيقرأ كتب، لا، هذا يشارك المسلمين في قضاياهم، اليس كذلك؟ كان عنده هم أن يشارك في فتح عكا وهذه المنطقة يكون له سهم فيها.
المهم الآن سأبدأ أتكلم عن كيف عالج شيخ الإسلام ابن تيمية أزمة التتار، هذا هو موطن كل محاضرات اليوم، حتى نأخذ هذه التجربة الإصلاحية ونفهم ما هي الأدوار التي نحن كطلبة علم أو كدعاة أو كمصلحين يمكن أن نأخذها في أي أزمة من أزمات الأمة، ونعرف أن هذا السقف هو المطلوب منا، سنأخذها على شكل نقاط حتى تكتبها مع التدليل. طيب، أولاً كما قلنا التتار من 690 إلى 705 كانت هجمات متتالية على دمشق وما حولها ومحاولة للتخويف، والناس بلغت فيها القلوب الحناجر؛ لأنه اللحظة أنت بتعرف التتار هؤلاء يأكلون الأخضر واليابس، يعني ما في عندهم رحمة، لا بنساء ولا بأطفال ولا بشيء من البشر، مجموعة من المجرمين الكبار؛ كيف بني إسرائيل اليوم كيف يفعلوا في إخواننا في غزة فرج الله عنهم، هؤلاء أسوأ لسه، هؤلاء نمط أسوأ.
أول شيء كان يفعله شيخ الإسلام ابن تيمية وأول دور إصلاحي كان يفعله وهو أنه كان يبين لأهل زمانه من المسلمين ولحكام الزمان من المماليك من هي الطوائف الموجودة في المجتمع المسلم المتواطئة مع الأعداء، أن يكشف من هي الطوائف والجماعات الموجودة داخل المجتمع المسلم والتي تتواطأ مع من؟ مع أعداء الأمة في تلك الفترة. فبين فيها وجود منافقين داخل المجتمع المسلم في دمشق عم تتحالف مع التتار وعم تدل على عورات المسلمين، بين فيها دور الرافضة الموجودين في دمشق وما حولها والذين يحاولون أيضاً التواصل مع المغول لتدليلهم على الأماكن التي يدخلون منها إلى دمشق، تكلم أيضاً عن دور الصوفية الاتحادية -جماعة ابن عربي، أحفاده طبعاً، يعني أحفاده علمياً الذين مشوا على طريقته- دور الصوفية الاتحادية في خذلان المسلمين والتآمر مع التتار وسعيهم لتسليم دمشق للمغول، تكلم عن كل هؤلاء. دعني أعطيك نموذجاً من هذه النماذج في صنيع شيخ الإسلام ابن تيمية كيف كان؟ وهذا دور إخواني دور مهم جداً في أي أزمة من أزمات الأمة، أنت كطالب علم أو كمصلح أو كداعية أو كعالم يجب أن تبين للمسلمين من هم الخونة الذين يعيشون بين أظهرنا، صحيح؛ لأنه عادة ما تأتي الهزائم من الظهر، الطعنة من الظهر من ناس مجتمعك يخونك، تنقلب عليك فتكتشف أنه أنت مش قادر تنتصر، مش قادر تتحرك بهذه الأمة لأن المجتمع مليء بهؤلاء الخونة الذين يتآمرون على أعداء الأمة على المسلمين.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى عليه، يعني ضمن رسائل في مجموع الفتاوى رسالة إلى السلطان الملك الناصر، يخبر الحاكم المسلم المملوكي في ذاك الزمان الملك الناصر، يقول له: إن غالب أهل البلاد قلوبهم مع المسلمين، هذا كلام شيخ الإسلام، قال: "إلا الكفار من النصارى"، الآن كان في نصارى يعيشون داخل دمشق كانوا برضه متآمرين مع التتار، أنت شوف عدد المتآمرين مع التتار: الروافض، النصارى، ايش حكيت قبل شوي؟ منافقين، والصوفية الاتحادية، أربع طوائف داخل دمشق كلها بتراسل التتار حتى تعينهم على ماذا؟ على إسقاط دمشق في الواقع المؤلم في تلك الفترة، وهذا واقع يتكرر في كل زمان وفي كل مكان. يقول شيخ الإسلام: "إن غالب أهل البلاد قلوبهم مع المسلمين، إلا الكفار من النصارى، وإلا الروافض، فإن أكثر الروافض ونحوهم من أهل البدع هواهم مع العدو، فإنهم أظهروا السرور بانكسار عسكر المسلمين"، حاول المسلمون يصدوا التتار في بعض المناطق في الشام ما استطاعوا، سر الروافض بهزيمة المعسكر السلطاني السني، وأظهروا الشماتة بجمهور المسلمين، يقول شيخ الإسلام: "وهذا معروف لهم من نوبة بغداد"، شو يعني؟ هي أخلاق الروافض بنعرفها من أيام بغداد لما شاركوا في إسقاط الخليفة العباسي، ما أنتم اللي أسقطتم الخليفة العباسي من أيام نوبة بغداد وحلب كما فعل أهل الجبل. ولهذا خرجنا في غزوهم لما خرج إليهم العسكر، وكان في ذلك خيرة عظيمة للمسلمين، يعني يقول شيخ الإسلام شاركنا في محاربة الروافض لأننا شعرنا أنهم طعنة في ظهر المجتمع المسلم في دمشق وما حولها، قال: "ولهذا خرجنا في غزوهم لما خرج إليهم العسكر السلطاني وكان في هذا خير للمسلمين".
أيضاً في هناك نموذج لكني لم يعني الورقة لم تأت، يعني قضية انتقاده للصوفية الاتحادية وكيف اكتشف شيخ الإسلام ابن تيمية أن الصوفية الاتحاديين، وهؤلاء الذين يقولون بأن الله اتحد مع العالم جماعة ابن عربي، هؤلاء أيضاً كانوا -بتعرف عادة في فكرة من أفكار الصوفية خطيرة جداً مش عند جميعهم- هي فكرة الاستسلام للأقدار، وأنه عليك أن ترضى بقدر الله مهما كان، إذا سلط الله عليك العدو عليك أن تبتسم، إذا سلط الله عليك الصديق عليك أن تبتسم. هي الفكرة يقول شيخ الإسلام أضرت بالحركة الإصلاحية في العالم الإسلامي لفترة طويلة، وهي فكرة الرضا بالقدر؛ إذا رأيت الرجل يدخل على بيتك ويهجم على بلادك لا تنكر ذلك عليه؛ ليه؟ هذا قدر الله وعليك أن تستقبل قدر الله بالابتسام. ما عندهم أن تواجه القدر بالقدر، وأن تواجه... ويقول شيخ الإسلام هم متناقضون، لأنه إذا دخل على عرض أحدهم بيته تجده يدافع عن عرضه، طيب ليش بتدافع عن عرضك؟ ليش ما تبتسم للقدر أنه جاء رجل يريد أن ينتهك عرضك؟ مش هذا قدر؟ فيقول أنتم متناقضون، يعني لما هجم العدو على بلاد المسلمين قلتم قدر وليس علينا أن نقاوم هذه الأقدار بالجهاد والقتال والمدافعة، دعونا نبتسم للأقدار، لكن إذا سرق من أحدهم خمس دنانير بصير يصرخ وبيطلب قضاء ومحكمة، طب ما هو قدر برضه، ابتسم لهذه الأقدار! فتكلم كثيراً عن تناقضهم في هذا الجانب.
هذه قضية إخواني مهمة جداً، ولذلك سأعلق عليها، قضية أنه من أحد الأدوار المهمة للدعاة والمصلحين كشف من هم الذين يتآمرون على الإسلام من بين أظهرنا من العلمانيين، الليبراليين، الحداثيين المشوهين للخطاب الإسلامي، الذين يسقطون همة المسلمين في الغيرة على إخوانهم وما شابه ذلك، هؤلاء يجب تعريتهم. هذا دور مهم جداً للمصلحين، تعرية الباطل الموجود بين ظهرانينا، لأنه ستكون أنت مجتمعاً مثقلاً إذا بدك تتحرك وهذا الباطل جالس بينك، لن تستطيع تتحرك لأنه هناك من شوه. وضمن هذه الأمور في واقعنا المعاصر أيضاً مواجهة المشوهين للخطاب الإسلامي، وهؤلاء من الذين يجب أن يعروا أيضاً، أنه في ناس عم بتشوه كثير من معاني القرآن والسنة، في ناس عم بتحاول تغير معانيها وتحورها. وهذه الفكرة انتبه لها الغرب إخواني، الغرب استطاع أن يدرك أن هزيمة المسلمين من الداخل تكون بتشويه الخطاب الإسلامي لديهم، فلذلك أفنوا أنفسهم في وضع مخططات وتآمرات في إنشاء مؤسسات عالمية هدفها تشويه الخطاب الإسلامي، وتصدير أناس بملحة إسلامية، لكنهم يتكلمون بالمضمون الذي تريده المؤسسات العالمية؛ مؤسسة "راند" وغيرها، هؤلاء بثوهم لكم في العالم الإسلامي من غلاة التصوف الذين ترونهم في...
العالم الإسلامي ومنتشر فيه مؤسسات الديانة الإبراهيمية وغيرها التي ترونها في كثير من العواصم العربية، بدأوا يأخذون ويعملون مجامع وما شابه ذلك. هذا باطل يجب أن يتم تفتيته، ويجب أن يتم بيانه وإخبار الناس به، لأنه يوجد كثير من الناس تتأثر بهذا الباطل وتنخدع به. فمعركة المصلحين في هذا الميدان إحدى المعارك الكبرى، خاصة أن العدو تفطن لدور هؤلاء المشوهين في تشويه العالم الإسلامي. قديمًا أيام التتار والمغول ما كان هناك مؤسسات يمسكها التتار هدفها تشويه الخطاب الإسلامي داخل المجتمع المسلم، ما كان عندهم هذه الرؤية الاستراتيجية بأنه يجب أن نعمل مؤسسة دينية داخل دمشق هدفها إصدار خطاب جديد للمسلمين نشوه فيه خطابهم. هم كانوا التتار داخلين الدنيا ذبح وقتل، ما في خطة علمية مدروسة، لا، اليوم في واقعنا المعاصر العدو بيشتغل بذكاء هائل. العدو ترك قضية أني لازم أدخل عسكريًا وأقتل، لا، أنا بفتت المجتمع المسلم في هويته في ثقافته في انتمائه من خلال زرع مؤسسات، بحط لها اسم هيك لبق، برفع لها شعار حقوق الإنسان، بعطيها كم كلمة حلوة هيك بتمشي في السوق، وبتصير هذه المؤسسات تجيب لك كم شيخ برضى بـ 100 ليرة في الشهر، بيجيب لهم كم واحد بيحطه وبيصير يتكلم باسم الدين ويشوه هذا المفهوم. وفعلاً حقيقة هي الخطة استراتيجية أكثر من خطة التتار والمغول؛ التتار والمغول دخلوا بالمُعابضة كما يقولون، بدهم قتال، قتال المسلمين عندهم غيرة، عندهم ناس تدافع.
لكن أنت لا تواجههم عسكريًا هؤلاء المجتمعات المسلمة، واجههم بالفكر، غير أفكارهم وأنماط حياتهم واهتماماتهم، خلي هذا الشاب 24 ساعة على السوشيال ميديا، خليه بس قاعد على الريلزات بقلب، خليه جالس على الفيسبوك. حتى طالب العلم هذا الذي يريد أن يصنعه دمر لي إياه، بدي طالب علم، خليني أعمل له أول شيء جامعات مهترئة في العلوم الشرعية تخرجه مشوهًا في العلوم، بدل ما يطلع فاهم في الدين، وإذا طلع فاهم في الدين اقتل لي إياه معنويًا، خليه مش ملاقي شغل توظفه، خليه يبحث عن لقمة العيش، المهم أنه يبقى متفتت، ما بدي إياه يفكر؛ لأنه إذا استراح رح يفكر، إذا نشأ علميًا نشأة علمية صحيحة بيخوف. فدائمًا الشغل الاستراتيجي عند الغرب هو تفتيت هؤلاء الدعاة والمصلحين قبل أن ينشؤوا، وإذا نشأ واحد بالغلط بدك تدبره معه؛ لأنه هذا الداعي المصلح وضعه مش رح يكون سليم، إنه سيعيد صياغة المنظومة الإسلامية في عقول الشباب والجيل، فبدك تتفاهم معه بطريقة معينة.
طيب، إذا هذه الخطوة الأولى، الخطوة الثانية فيما فعله شيخ الإسلام ابن تيمية في رحلته الإصلاحية: تثبيت دين الناس في ساعة الأزمة، لما تصير تبلغ القلوب الحناجر ويكون التتار أصبحوا على أبواب دمشق، الناس بتخاف، يعني بقول لك التتار، يعني أنت بس تسمع كلمة التتار الآن بتخاف، فما بالك تشوفهم على أبواب دمشق وتسمع فظائعهم، وماذا فعلوا ويبقرون بطون النساء ويغتصبونهم ويلقون الأطفال في الأنهار؟ يعني شيء بشع جدًا. فهي لحظة مفزعة، هي اللحظة المفزعة تحتاج إلى وجود من العلماء والمصلحين والدعاة لتثبيت الناس في الميدان حتى لا تتبدل أديان الناس ومعتقداتهم ويغير أديانهم إرضاء لهؤلاء التتار، المهم أني أضلني على قيد الحياة. شيخ الإسلام ابن تيمية لعب دورًا مهمًا جدًا في تثبيت دين الناس أيضًا في هذه النقطة، وبيان الأحكام الشرعية المطلوبة منهم في هذه الأزمة.
هذه ركز عليها النقطة، أن شيخ الإسلام ما كتم، ما كان من الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى، لا، كان دوره أن يبين للناس الحكم الشرعي المطلوب في هذه النازلة في هذه الواقعة. دعني أعطيك نبذات من هذه الفكرة، يقول البرزالي في كتابه "المقتفى على الروضتين"، وهو من أهم الكتب التاريخية حقيقة التي استقصت هذه الفترة، فترة شيخ الإسلام، يقول: وفي شهر صفر من عام 700 هجري والأخبار قد وصلت بقصد التتار لبلاد المسلمين، والناس بدمشق مهتمون بأمر الهرب إلى الديار المصرية، أهل دمشق شو بده يعملوا؟ بده يهرب، بده يروح على مصر، بقول لك أنا ما بستطيع أواجه التتار، يهتمون بالهروب إلى الديار المصرية وإلى الكرك، والأراجيف تتبع بعضها بعضًا؛ بتعرفوا الآن المنافقين بيشتغلوا في إيش، راحت عليكم البلد، أخذوها العدو، اهرب شو بتستنى، بكره بكره، والله الأراجيف بدأت تنتشر، والإزعاج وافر، يعني الناس انزعجت، خلص خايفة، والصدور ضيقة، وغلت الأكلة، صار البيت في دمشق اللي إجاره 100 صار إجاره 500 دينار، بتعرف الخوف كيف، الآن في غزة بتلاقي الشغلة اللي بضاعة بخمس دنانير هسا بكم بتصير بـ 500 دينار؟ طيب هي نفس الواقع سبحان الله تغيرت فقط التفاصيل، وبلغ ثمن الجمل الواحد 1000 درهم. المهم في هذه الحالة الصعبة والناس خائفة وكل واحد بفكر وين بده يهرب؟ قال: وهنا جلس الشيخ تقي الدين ابن تيمية في مكانه بالجامع في دمشق في يوم الاثنين الثاني من صفر، يفسر لهم آيات الجهاد ويحض الناس على لقاء العدو على الغزو وعلى الإنفاق في سبيل الله ووجوب قتال التتار، ويقلل عددهم، أنه ما تخافوا كلهم كم واحد والله ما بخوفوا هذول التتار، ويوبخ من قصد الهرب، أنه وين بدك تهرب، اثبت في القتال، ويحثه على إنفاق مقدار ما يخرجه في ذلك للغزو، أنت قدش بده يكلفك الهروب؟ 500 دينار، ادفع الـ 500 دينار لجيش المسلمين حتى يقاتلوا التتار فيه، واستمر يجلس في مجلس دمشق، في مسجد دمشق أيامًا متوالية.
شوف هذا الدور، دور المصلح الذي لا يغيب عندما يحتاجه الناس، الذي لا يغيب عن المشهد عندما يحتاجه الناس، وإلا لو فقد الناس المصلحين وطلبة العلم والدعاة في هذه الأزمات خلص سعيتها البلد تفرط البلد. يعني لا تتوقع أنه يجي شخص غير العالم والداعية والمصلح، هذا الصحفي اللي قاعد بطل على التلفزيون بناقش رح تلاقيه هو الواصل الكرك قبل غيره، هذا اللي قاعد بينظر عليك من السياسيين وبعطيك كذا، هذا بس خليها تحمى أمورها، ما هو ما في دين يثبت، الذي يثبت هو الدين، إيش اللي بيثبت الإنسان في الأزمات؟ الدين، ورح تلاقيه قاعد في نيويورك وبيحكي من هناك مع الأخبار أنه نحن الحمد لله يعني نستشرف حالنا إخواننا، عرفتم زي ما صار إذا بتلاقوا الآن أحياناً في الأزمة السورية إذا بتنظروا بعد ما صار فتح الله عليه ما فتح، بتلاقي أحياناً بعض الناس قاعدين هسا في نيويورك وبينظروا، طيب أنت وين كنت سيدي حضرتك أيام الثورة، شو كنت بتسوي؟ ما أنت هربت صح، ما أنت قاعد بباريس وبنيويورك وقاعد هناك وإخوانك دفعوا الثمن، هسا طبعاً بعد ما سائل فتح بصير ينظر، أنا وين حقي؟ طيب أنت إيش حقك؟ طيب أنت دفعت ولا قاتلت ولا دفعت العدو، شو بتسوي أنت قاعد في هناك؟ فهو يخذل إخوانه، لكن لما يجد أن الله كتب لإخوانه النصر أو الفتح في معركة من المعارك بده يجي يقتطع معهم الكعكة، هؤلاء هم هم العدو فاحذرهم، بدك تنتبه لهي الشخصيات لأنها تتكرر في كل زمان وفي كل مكان.
طيب أيضًا من النصوص التي تثبت دور شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى عليه، كتب رسالة يقول فيها هذه رسالة إلى من تصل إليه من المؤمنين والمسلمين، تحدث فيها عن ماذا؟ كما قلنا بيان الحكم الشرعي في مقاتلة التتار، شيخ الإسلام بين الحكم الشرعي في مقاتلة التتار، يقول شيخ الإسلام طبعًا هنا هذه خلاصة، قرأ شيخ الإسلام أولاً ما حكم التتار وأصنافهم؛ لأنه التتار هذه مشكلتهم، بتعرفوا شو مشكلة التتار؟ أنه هو عدو غامض زي الرافضة، التتار كانوا يظهرون الإسلام لكن بيفعلوا كل شيء كفر تمام، يعني هو يظهر الإسلام لكن كل شيء كفر بيخطر في بالك بيفعله، فشيخ الإسلام بين أن التتار أصناف وأنواع وأن هؤلاء الذين يغزون دمشق والشام هؤلاء هم كفار وقتالهم واجب، وذكر سبب نواقضهم للإسلام إلى غير ذلك، ثم قال هذا إذا كانوا قاتلين في أرضهم، يقول عن التتار يجب قتالهم ولو كانوا في أرضهم؛ لأنهم خرجوا عن الإسلام فكيف إذا استولوا على أراضي الإسلام في العراق وخراسان والجزيرة؟ (الجزيرة هي الجزيرة الفراتية، هي بتكون بين سوريا والعراق)، فكيف إذا قصدوكم وصالوا عليكم بغيًا وعدوانًا؟ يقول ابن مفلح وهو أحد تلاميذ شيخ الإسلام ابن تيمية: وقال شيخنا شيخ الإسلام ابن تيمية: وجهاد الدفع للكفار يتعين على كل أحد ويحرم فيه الفرار من مثلهم إليهم؛ لأنه جهاد ضرورة. فأخبرهم شيخ الإسلام أن دفاعكم عن دمشق يا أيها الرجال هذا فرض عين، أنه هذا أنت جهاد دفع مش جهاد طلب، هذا فدفاعك عن دمشق وعن بلاد الإسلام هذا فرض عين على كل مسلم قادر من الرجال.
ثم بعد ذلك بدأ شيخ الإسلام في هذه الرسالة يذكر لهم فضل قتال التتار، ويقول قال صلى الله عليه وسلم: «من اغبرت قدماه في سبيل الله حرمهم الله على النار». فهذا في الغبار يقول شيخ الإسلام فهذا في الغبار الذي يصيب الوجه والرجل، فكيف بما هو أشق من الغبار وهو الثلج والبرد؟ إيش شخص شيخ الإسلام؟ أنه دمشق شو فيها هسا، هذا الحديث النبي صلى الله عليه وسلم تكلم فيه في الصحراء جزيرة العرب، جزيرة العرب غبار كانت، لكن دمشق نحن بلاد الشام شو اللي عننا نحن؟ عندنا الثلج والبرد، صح ولا لا؟ فيقول لهم شيخ الإسلام إذا كان الغبار ثوابه عند الله كذا وكذا، وأنتم يا أهل دمشق أنتم تقاتلون في الثلج والبرد والأحوال الصعبة، فإن شاء الله هذا أعلى ثوابًا من مجرد الغبار. فبيان الحكم الشرعي وتثبيت الناس وإعطاء الآيات والأحاديث التي فيها تثبيت للناس في لحظات الأزمات، هذا من المواقف المهمة المطلوبة من الدعاة والمصلحين.
بالتالي لما ترى المسلمين في أزمة، ويأتي بعد ذلك شخص يقول إنه داعية أو مصلح ويكون دوره تثبيط المسلمين وإضعاف هممهم، ويقول لهم أنتم دبروا أنفسكم، يعني عاد أنتم اللي ورطتم أنفسكم، عاد كل واحد يدبر حاله، أنا ما لي علاقة، هذا بتعرف أنه في نوع من ماذا؟ أنه هذا لا يمارس أي دور إصلاحي، هذا لا أثق به أصلًا؛ لأنه أنا لما يكون أخوي المسلم يضرب ويقتل وينكل به وأنا أقول ما هو اللي غلط هو اللي يدبر نفسه، معناه أنا لا أملك انتماء لهي الأمة العظيمة. الآن أخوك قد يكون أخطأ وقد يكون ما أخطأ، في عندك احتمالين، ولو كان أخطأ من الذي يقتل أخوك الآن المسلم؟ بنو إسرائيل تمام؟ يعني هو مش اللي عم بيقتله، هو مش اقتتال بين المسلمين، اليهود عم بيقتل أخوك المسلم وعم بينضرب، لو أنت في الشارع رأيت أخاك المسلم شخص يضرب فيه ويقتله ماذا تفعل؟ ممكن تكون تقول والله في احتمالين، هسا هذا أخوي اللي بيقتله في احتمال يكون هو اللي اعتدى على الكافر وفي احتمال أنه يكون لا، الكافر اعتدى عليه، طيب في إرهاصات لأنه هو اللي اعتدى خليه يأكل قتلة، طيب هو بينفع هذا الكلام؟ يعني هل هذا معقول لمسلم مش عالم ولا داعية أن يمارس هذا الدور؟ يا أخي اعتبر أخوك هو اللي أخطأ في حق هذا الإنسان، أخطأ وهذا الإنسان عم يضرب أخوك المسلم عن جنبه طرف، أنت شو بدك تعمل؟ لا باجي على أخوي المسلم بقولش ألومه، هو بياكل كتل، هو بياكل كفوف، ليش أنت اعتديت عليه؟ ليش؟ طيب بقول لك بس شيل الكفوف عني بعدين أنا بتفاهم، لا لازم أتفاهم معك مش أنت اللي غلطت، أنا مش قلت لك استشيرني، طب ما يا ابن الحلال أنا عم بأكل كتل، ارفع الكفوف عني بعدين بهدلني، تكلم معي، تفاهم بأي طريقة بدك إياها، نتفاهم بعدين بس خلصني من هي الورطة، أظن أي عاقل بفكر بهي الطريقة.
يعني أنا ما باجي على أخي المسلم وهو يضرب ويفعل به ما يفعل وأبدأ ألومه، بس يرفع البلاء ممكن أتفاهم معه، ممكن هو يقنعني لا، أنه أنت نظرتك غلط، أنت كنفسك، ويمكن هو اللي يقتنع أنه لا في حلول أخرى، بس الآن لا يصلح لمسلم ولا عاقل، فضلًا عن داعية أو إنسان يسمي نفسه عالم أن يجي يسفع إخوانه ويفت في عضدهم ويخون أمرهم ويحرض الناس عليهم؛ لأنه هذا ليس من شيم أهل الإسلام. يعني هذا بدك تفهمه في وقت الفتن، ولما أخوك يقتل على أيدي أعداء الأمة وظيفتك أن تحاول أن تثبت أخاك المسلم، أن ترفع الضرر عنه، تساعد بأي وسيلة تستطيع أن تساعد فيها، أليس كذلك؟ وليس وسيلتك أو حيلتك التثبيط وزيادة اللوم عليه.
أيضًا من النصوص التي يقولها شيخ الإسلام في سياق تثبيت للناس، يقول البرزالي: وخرج شيخ الإسلام ابن تيمية في مستهل جمادى الأولى إلى المرج إلى المخيم فاجتمع بنائب السلطنة، راح يعني هو لم يكن فقط يثبت العوام بل كان يثبت الحكام والسلاطين حول دمشق، راح على نائب السلطنة الموجود عنده وسكنه، كان نائب السلطنة خايف فهو راح عليه وسكنه وثبته وأقام عنده إلى البكرة، نام عنده مشان يثبته؛ لأنه النائب بالسلطنة الموجود في دمشق كان خايف من هجوم التتار مش عارف شو بده يسوي، دور العالم شوف هون كان أقوى من دور الحاكم، كان هو الذي ثبت الحاكم في هذه المعركة وترك أثرًا طيبًا في قلوب الناس، لذلك يقول الذهبي رحمه الله عليه في وصف شيخ الإسلام يقول: أحيا الله به الشام.
أحيا الله به الإسلام بعد أن كاد ينثلم، بتثبيت أولي الأمر؛ إنه هو ثبت ولاة الأمور في زمنه على القتال. فلما أقبل حزب التتار والبغي في خيلائهم، فظنت بالله الظنون وزلزل المؤمنون وأشرب النفاق وأبدى صفحته، ثبت شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عليه في تلك الأحوال المرعبة. هنا نحتاج نموذج العالم الصادق؛ العالم في وقت الرخاء سهل، لكن العالم الحقيقي يظهر في وقت الشدة والأزمات، هنا تتكلم عن العالم الذي تُثنى بين يديه الركب.
الخطوة الإصلاحية الثانية، إذاً الخطوة الأولى كانت فضح المتآمرين على المسلمين، وهذا مهم جداً من أدوار العلماء والمصلحين. الخطوة الثانية تثبيت الناس في وقت الأزمة ورفع الروح المعنوية لهم مع بيان الحكم الشرعي المطلوب منهم. ثالثاً من أدوار العلماء والمصلحين التي مارسها شيخ الإسلام في أزمة التتار هو تحليل الواقع الإسلامي. دائماً لما تنزل بالمسلمين نازلة أو واقعة أو ملمة، من وظيفة العالم والمصلح أن يبدأ يفهم الناس أسباب نزول هذه النازلة بهم. لما يبتلى المسلمون في أي بقعة من البقاع بأمر، على العالم والمصلح أن يبين للناس سبب هذا البلاء حتى يبدأ الناس معالجة سبب هذا البلاء.
شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عليه كان يقول، بين الشيخ أن نازلة التتار وإن كان ظاهرها أنها محنة، فهي في حقيقتها وباطنها منحة عظيمة تستحق الشكر امتن الله بها على أهل الزمان. فيقول ابن تيمية: واعلموا أصلحكم الله أن من أعظم النعم على من أراد الله به خيراً أن أحياه إلى هذا الوقت الذي يجدد الله فيه الدين ويحيي فيه شعار المسلمين وأحوال المؤمنين، حتى يكون شبيهاً بالسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار. الناس في عز الخوف والرعب وهو يقول لهم: هنيئاً لكم على هذه النعمة التي أنتم فيها!
طبعاً هذا الكلام من يفهم دلالته المؤمن بالله الذي يعرف ما معنى أن يستعمله الله سبحانه وتعالى لخدمة الدين. الإنسان الذي يبحث عن الاستعمال هو الذي يفهم معنى كلام شيخ الإسلام ابن تيمية؛ هنا يقول لأهل الشام: اعلموا أن من أعظم النعم على من أراد الله به خيراً أن أحياه إلى هذا الوقت، وقت هجوم التتار، الذي يجدد الله فيه الدين ويحيي فيه شعار المسلمين وأحوال المؤمنين، أنه يكون في قتال ورباط وثبات في أرض الشام حتى يكون شبيهاً بالسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار الذين قال الله فيهم: ﴿رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة: 100]. فينبغي للمؤمنين أن يشكروا الله تعالى على هذه المحنة التي هي في حقيقتها منحة كريمة من الله، ثم يختم فيقول: فالله الله، عليكم بالجماعة والائتلاف على طاعة الله ورسوله.
يتكلم فيها أن هذا البلاء خلاصته أن هذا البلاء إنما حل بأهل الشام بسبب الذنوب والمعاصي التي انتشرت، وإنما تأخر النصر علينا لما فينا من فساد القلوب. ثم يقول فيها بالحرف الواحد: ولو جاءنا النصر الآن قبل أن يمحص الله القلوب، فإن هذا النصر لن يكون نعمة بل سيكون وبالاً، سنقتتل على الحكم وسيريق بعضنا دم بعض. فأراد الله أن يمحص قلوب المؤمنين في تأخير النصر حتى يظهر الجيد من الصالح من الطالح، وأما الزبد فيذهب جفاء، وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض.
فشيخ الإسلام كان دوره في تحليل الواقع الإسلامي هو إخبار الناس أن الله سبحانه أنزل هذا البلاء بسبب التقصير، وهذا واقع في بلائنا المعاصر. البلاء لماذا ينزل على الأمة اليوم؟ الذنوب والمعاصي التي انتشرت، الفجور الذي يوجد في كل مكان، قلة الديانة في المجتمعات المسلمة تجعل البلاء مؤهلاً أن ينزل علينا. تقصيرنا نحن حتى المتدينين في طلب العلم وفي الشريعة وفي كثير من الأمور، هذه حالة الوهن التي نحن فيها سلط الله بسببها العدو علينا. لماذا يتأخر النصر علينا يا شيخ؟ لأننا لم نأخذ بأسباب النصر الكافية، وإن أخذت بها طائفة هنا وهناك، لكن الحالة الجملية للأمة لم تأخذ بأسباب النصر الكافي.
لا يحق للإنسان، وهذا مهم إخواني في تثبيت دعائم القضاء والقدر في قلب المؤمن، أن بعض الناس يقول لك: طب في طائفة هناك أخذت بكل الأسباب ومع ذلك ما انتصرت! هذا نوع من الاستعجال في الحكم. هل أنت تستطيع أن تجزم أن هناك طائفة أخذت بكل الأسباب؟ هل تستطيع تقول ذلك؟ أم هذا حكم مستعجل؟ أنت قد يظهر لك نعم أن هناك من بذل وحاول وفعل أقصى طاقته، لكن لا تجزم ولا تتألى على الله أنه أخذ بكل الأسباب؛ ما أحد يستطيع أن يقول هذه المقولة، هذا حكم باطني لا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى. فنحن عموماً لا نقول ذلك، هناك تقصير عام في حالة الأمة وهناك إشكاليات كثيرة فكرية وأخلاقية وسلوكية ومجتمعية نعيشها هي التي تجعل البلاء ينزل علينا من كل الجهات. والله سبحانه وتعالى يؤخر النصر حتى يكون هناك تمحيص للصف المسلم وليميز الخبيث من الطيب.
هذا الكلام كما أنتم تسمعونه مني الآن، شيخ الإسلام ابن تيمية قاله للمسلمين والتتار يقفون على أبوابهم: إن هذا البلاء مما كسبت أيديكم، تقصيركم، غفلتكم، عدم قيامكم بأمر الله سلط العدو عليكم. سيتأخر النصر حتى يأتيه النصر على الفئة الصابرة الصادقة التي تستحق أن يأتيها نصر الله سبحانه وتعالى.
فإذاً تحليل الواقع الإسلامي والفساد الذي تمر به الأمة ودوره في نزول البلاء وتأخير النصر، هذا أيضاً من دور العلماء حتى يشجعوا الناس على الأخذ بالإصلاح ويبدأ كل واحد فينا يصلح نفسه. أنت لما تعرف أن المعاصي والذنوب التي نفعلها هي سبب من أسباب هزيمة الأمة، هذا يجعلك تعرف أنه لا بد تقلل من معاصيك، لا بد تكافح الشهوات، لا بد تتقي الله سبحانه وتعالى في عينك وفرجك، لا بد أن تتخذ الكثير من القضايا الإصلاحية؛ لأنه كل واحد فينا هو جزء من هزيمة الأمة. إذا عرفنا في تحليل الواقع أن الهزيمة تأتي عندما تكثر المعاصي والذنوب، فإذاً أنا عندي معاصي وذنوب، أنا جزء من المشكلة، فعلي أن أبدأ بالإصلاح من نفسي قبل أن أطالب العلماء والدعاة والمصلحين بمواقف أعلى من المواقف التي يمكن أن يتخذوها واقعياً.
النقطة الرابعة أيها الكرام، هناك دور كبير قام به شيخ الإسلام ابن تيمية في حالة التتار، وهو أنه كان يتواصل مع السلاطين، مع سلاطين المماليك في مصر. الآن مصر من كان يحكمها؟ المماليك، كما قلنا، المماليك سطوتهم كانت في مصر وحضورهم هناك، وكانوا في دمشق والشام وما حولها واضعين نواباً عنهم، لكن هؤلاء النواب كانوا بجيوش هزيلة لا يستطيعون أن يقاتلوا التتار الذين جاؤوا بأعدادهم. فشيخ الإسلام ابن تيمية من الأدوار المهمة التي لعبها أنه وصل إلى الطبقة الحاكمة وخاطب الساسة. أصبح يتكلم مع سلاطين ذلك الزمان عن دوركم في رفع البلاء عن إخوانكم في دمشق، ما دمتم أنتم الساسة والخلافة لكم في مصر وأذعنا لكم بالطاعة، إذاً من وظيفتكم أن تعينوا إخوانكم في دمشق على إزالة هذا الظلم والخوف الذي حل بهم.
يقول البرزالي عن شيخ الإسلام ابن تيمية كيف أنه ذهب وتكلم مع سلطان المماليك في ذاك الزمان، يقول: وتكلم شيخ الإسلام مع السلطان ومع النائب والوزير ومع الأمراء الأكابر أهل الحل والعقد، وتكلم في أمر الجهاد وفي ضرورة كسر هذا العدو المخذول وفي ضرورة قهره والظفر به، وتكلم معهم عن إصلاح أمر الجند وتقوية ضعفائهم والنظر في رواتبهم وأرزاقهم والعدل في ذلك، وأمرهم بإنفاق فضول أموالهم في هذا الوجه، وتلا عليهم آية الكنز: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ﴾ [التوبة: 38].
أيضاً ابن عبد الهادي يرصد كيف أن، شوف هذا دور العالم أن يخاطب الهيئات الحاكمة، يا أخي بكل أدب بكل رقي إذا كان قدره تدخل وتخاطب، ادخل وتكلم وحثهم على أن يقوموا بأدوارهم. هكذا يقول ابن عبد الهادي: فاجتمع شيخ الإسلام ابن تيمية بأركان الدولة واستصرخ بهم وحضهم على الجهاد، وتلا عليهم الآيات والأحاديث وأخبرهم بما أعد الله سبحانه وتعالى للمجاهدين في سبيله.
ثم قال لهم بعد ذلك -يقول شيخ الإسلام ابن تيمية- تتخيل هو بهذه اللهجة من يخاطب؟ يخاطب خليفة الزمان، يقول له: إن كنتم أعرضتم عن الشام وعن حمايته، أقمنا له سلطاناً يحوطه ويحميه ويستغله في زمن الأمن. يقول له يعني اسمع، أنت الآن الخليفة المملوكي في مصر، إذا أنت ما بدك تنصر الشام الآن وتركتهم يواجهون مصيرهم، عاد سامحنا نحن بدنا نقاتل في الشام ولما يأتي زمن الأمن وننتصر سنعمل دولة لنا مستقلة عنك، هو يهدده بهذه اللغة؛ يعني هو ترغيب وترهيب.
ويقول له: لو قدر أنكم لستم حكام الشام ولا ملوكه واستنصركم أهله، بدي أعتبرك يا أيها الخليفة المملوكي، بدي أعتبرك مسلم من المسلمين البسطاء، أخوك المسلم في الشام عم بياكل قتل عم بينضرب، شو دورك؟ تفزع له. يقول: لو لم تكونوا حكام الشام واستنصركم أهل الشام لوجب عليكم نصر إخوانكم، فكيف وأنتم حكام الشام؟ والشام بيعتها كانت للمماليك في مصر وسلاطينها، وأهل الشام رعيتكم وأنتم مسؤولون عنهم، لماذا لا تقومون بدوركم في نصر إخوانكم في الشام؟ ويذكر ابن رجب أن الشيخ تلا على السلطان المملوكي الآيات، وأخيراً هكذا يختم يقول: إن تخليتم عن الشام وعن نصرة أهله وعن الذب عنهم، فإن الله سبحانه وتعالى يقيم لهم من ينصرهم غيركم. ويستبدلكم بسواكم. هكذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية للخليفة المملوكي في زمنه.
هذه بالتأكيد أحد أبرز المواقف التي للدعاة والمصلحين. طبعاً الأدب مطلوب، هي بعض الناس أيضاً لا يفهم إلا لغة المشاكل، أنه لازم أسب وأشتم وأتكلم بسوء أدب، لا، وهذا أيضاً غير صحيح. وللأسف السوشيال ميديا والإعلام عود الشباب المسلم أن يكون مندفعاً وأنه لا يعرف يتكلم مع المسؤولين إلا بسلاطة لسان وأنه لازم سب وشتم وكذا، والله يأخذ وكذا، نحن هيك ثقافة المجتمعات عندنا. يا أخي لو رحت تكلمت بأدب وبينت وجهة نظرك وأخبرهم، يا أخي ما بدي توصل مستوى ابن تيمية، أنا مسامحك هذا المستوى، لكن أنت كعالم أو كداعية -طبعاً حتى أكون دقيقاً- هذا الدور يطالب به عالم هو يستطيع أن يمارسه.
هناك متنفذون، من له خط مفتوح الأصل أن يستغل هذه المساحة في نصرة إخوانه؛ لأن هذه الأدوار التي قام بها شيخ الإسلام ابن تيمية ليس ضرورياً أنك تستطيع كداعية أو مصلح أن تقوم بها كلها. أنا ممكن أقوم بدورين ثلاث، أنا بكشف المنافقين في المجتمع، وأنت لك مكانة اجتماعية وتستطيع أن تدخل على السلطان، يا أخي ادخل وذكره بالله وحرضه عليه. كل واحد يكمل الآخر حقيقة في العملية الإصلاحية اليوم.
الدور الخامس الذي لعبه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى عليه، كان هو رباطة جأشه وشكيمته وقوته. شيخ الإسلام ابن تيمية كان من الصفات المميزة فيه التي جعلته يتأهل أن يكون حقيقة عالم أمة ليس عالم طائفة، أنه كان قوياً في المواقف وكان لا يهاب حتى من العدو. مواقف كثيرة أثبتت قوة شخصية شيخ الإسلام ابن تيمية؛ قالوا كان يذهب فيقابل رئيس التتار، يذهب إلى رئيس المغول. أنتم تعرفون هؤلاء كانوا يعملون خياماً يرتاحون فيها على أبواب دمشق، شيخ الإسلام ابن تيمية قرر بنفسه أن يذهب.
ليقابل قازان زعيم التتار ويتحدث معه ويطلب منه أن يفتك عن المسلمين ويعود إلى بلاده. هناك نصوص أنا أحاول ترتيب الأوراق إن دخلت في بعضها. يقول أحد تلاميذه كمال الدين بن المنجا: ذهبت مع شيخ الإسلام ابن تيمية، قال لي شيخ الإسلام: تعال معي بدنا نروح على خيمة التتار، المماليك باعونا، خلينا نروح على خيمة التتار ونتفاهم مع زعيم التتار لعل الله يحرق قلبه.
وحدثني من أثق به عن الشيخ كمال الدين بن المنجا قال: كنت حاضراً مع الشيخ حينئذ حين دخل خيمة التتار، فجعل الشيخ يحدث السلطان بقول الله ورسوله في العدل وغيره، ويرفع صوته على السلطان في أثناء حديثه، حتى جثا على ركبتيه، وجعل يقرب منه في أثناء حديثه حتى لقد قرب أن تلاصق ركبة شيخ الإسلام لركبة السلطان. والسلطان مع ذلك مقبل عليه بكليته مصغٍ لما يقول شاخص إليه لا يعرض عنه. وإن سلطان التتار من شدة ما أوقع الله في قلبه من المحبة والهيبة لشيخ الإسلام ابن تيمية صار يسأل الناس الذين حوالي: من هذا الشيخ الذي جاءني؟ من هذا المطوع؟ شايف شيخ جريء وداخل علي بالعالي، يعني مش شيخ خايف مني، أنا قازان أتعرف مع من تتحدث؟ أنا رئيس التتار الذي جاء ليأخذ دمشق.
فلما رأى من جرأة شيخ الإسلام وشجاعته في الكلام صار قازان يسأل من حوله: من هذا الشيخ؟ فقالوا له: إنه ابن تيمية. وقال زعيم التتار: إني لم أر مثله، ولا أثبت قلباً منه، هذا إنسان يتكلم معي بهذه الطريقة، ولا أوقع من حديثه في قلبي، حقيقة والله كلامه أثر فيّ، ولا رأيتني أعظم انقياداً مني لأحد منه. فأخبر بحاله، قيل له: إن هذا رجل اسمه ابن تيمية وهو أحد علماء دمشق الكبار، وجاء يطلب منك أن تغادر دمشق.
وسأله إن أحببت أن أعمر لك بلدك وبلد آبائك حران وتنتقل إليها ويكون برسمك، أنا أجهز لك إياها. قازان يقول لابن تيمية: يا ابن تيمية، إذا حاب أن أعمر لك حران، قال له: إذا بدك أرجع لك أمجاد حران وأبني لك إياها من جديد وأحطك مسؤول عليها. طبعاً لو واحد نفسه طرية من الشيوخ، ماذا يقول لك؟ أيوه، ماذا تريد بهذه القصة؟ أرجع آخذ لي حران وأصير مسؤول عليها وأخذ راتب من قازان، وخلص وأهل دمشق دبروا حالهم.
فقال شيخ الإسلام: لا، أنا لا أبيع الدين، لا أرغب عن مهاجر إبراهيم، لا أترك الشام هنا وأستبدل به غيره. فخرج من بين يدي قازان مكرماً معززاً، قد صنع الله له بما طوى عليه نيته الصالحة من بذل نفسه في طلب حقن دماء المسلمين فبلغه ما أراده، وكان ذلك أيضاً سبباً لتخليص غالب أسرى المسلمين. يعني شوف قازان بقدر ما أعجب بشيخ الإسلام أخرج أسرى المسلمين الذين عنده إرضاءً لشيخ الإسلام.
أحياناً نحن نظن أن هناك أشياء تعتبر معجزات، لكن والله ما في إلا كرم الله سبحانه وتعالى ولطفه ورحمته. بعض الناس يقول لك: معقول أنا أذهب لواحد من هؤلاء أكلمه ويتحرك قلبه بكلام؟ يا أخي ما ذلك على الله بعزيز. هي شيخ الإسلام خاض تجربته، صح هو التتار ما راحوا، لكن الفكرة أني على الأقل خففت سطوته، على الأقل حصلت بعض أسرى السجناء الموجودين عنده. في أحياناً الدبلوماسية والسياسة تغيب عن الشاب المندفع، دائماً هو يريد مشاكل، لا، في نوع من الدبلوماسية والسياسة يجب أن تتخذ، وهذه يعرفها العلماء. يعرف أنه يستطيع أن يتكلم حتى مع العدو، وهذه المفاوضات جزء من معالم السياسة الشرعية التي لا بد أن تتخذ.
ابن تيمية كان عارف الحجم الطبيعي لدمشق، إذا المصريون لم يساعدوه سنكون لقمة سائغة للتتار، فما بدأ بالحرب معه، حاول صد عاديته، أنا لا أريد ابتداءً حرباً، يا عمي الله يسهل عليك، ارجع لبلدك ونحن ببلدنا، وأنت أصلاً تدعي أنك مسلم، هو عارف أنه مش مسلم بس بده يتكلم معه بلغته، يعني ألا تقول أنك مسلم وأنك تريد عدلاً؟ يعني هذا لا ينفع، أنت تقتل النساء والأطفال. هذه اللغة السياسية، لغة المفاوضات، هي لغة مطلوبة في السياسة الشرعية، وأفضل من يمارسها العلماء الذين يعرفون الخطوط العريضة، أين يسمح لي الإسلام أفاوض وأين لا يسمح لي. فهذه من مواقف شيخ الإسلام التي تدل على شجاعته وقوة شكيمته.
من المواقف القوية لشيخ الإسلام أنه كان يتحرك بنفسه لمعالجة الواقع. اليوم بعض الدعاة أو طلاب العلم أو العلماء ممن لديهم قدرة على الحركة، في علماء لهم وزن في الدولة يقدر يتحرك، وفي واحد لا ما له وزن، أنا بعذر من ليس لديه وزن ليتحرك. أنا أتكلم هنا عن العالم أو الداعي الذي له وزن في الدولة ويستطيع أن يتحرك من أجل أن يرفع الظلم عن إخوانه. من سمات شيخ الإسلام ابن تيمية أنه كان يتحرك بنفسه، مش يفوض أحداً، لا، هو يتحرك بنفسه وينتقل من الشام لمصر، ومن مصر للشام، وللأمراء الذين حول دمشق، يتحرك بنفسه ويعمل اجتماعات ومفاوضات ويجلس ويروح، لأنه شايل هم أمة، يحمل هم إخوانه المستضعفين ويحمل هم الإصلاح.
هذا شيخ الإسلام هو نفسه الذي كان يرد على الأشاعرة وجالس يكتب الاستقامة وغيرها من الكتب وعم يكتب وشغال في معارك أخرى، نعم، حتى ما تظن أن الجمع صعب. أنت تستطيع أن تكون طالب علم تخدم الأمة وترد على أهل البدع والأهواء وفي نفس الوقت أخرج لقضايا المسلمين وهمومهم ومشاكلهم. أما أن أكون فقط شغال رداً على الأشاعرة وما عندي أي وظيفة أخرى في الأمة، مش حينفع. كلنا بدنا نشيل، أنا ما بلومك أنك ترد عموماً، لا بد أن يبقى من يناقش أصحاب الأفكار، وسياتي أن ابن تيمية حتى وهو يقاتل التتار كان يرد على الأشاعرة، بس ما بينفع أنها تكون كل سهامك موجهة لطائفة من طوائف المسلمين، وشغلك الشاغل طوائف المسلمين وما لك دور في إصلاح الأمة وتنجيتها.
أيضاً يذكر البرزالي يقول: وتوجه شيخ الإسلام ابن تيمية إلى جهة العسكر الواصل من حماة، فأدركه بالقطيفة والمرج، فاجتمع بهم وأعلمهم بما اتفق عليه رأي الأمراء بدمشق، فوافقوا على ذلك. شيخ الإسلام كان كأنه مراسل، بعض الناس يقول لك أنا برستيجي ما بيسمح لي أني أمارس هذا الدور وأكون وصلة بين الأمراء، هذه ما فيها رسوم وناموس معين، هذه حال الأمة، هذه دماء المسلمين، بدك تتواضع في أن تكون واسطة. أي شيء أستطيع تقديمه، لو بدي أشيل شوال رز على ظهري لإخواني سأشيله، ما فيها أني عالم وما ينفع. شيخ الإسلام بنفسه يتحرك ويشيل الطعام والمؤن ويتفاوض ويروح ويتقابل مع أمراء حماة وأمراء دمشق ويوصل المعلومات.
عمارته للسياسة صحيحة، يمارس السياسة والعسكرية ويدخل نفسه في هذه التفاصيل. بعض المشايخ اليوم يأتي ويقول: أنتم طلاب العلم دعكم من السياسة، ما هي مش شغلتكم، خلونا نحن نقرأ ألفية ابن مالك ونقرأ النحو والبلاغة والصرف. طب هذا مطلوب وذاك مطلوب، وأنا في النهاية مطلوب مني أكون مسلماً مغفلاً ولا أن أفهم الواقع من حولي وأفهم ما يحتاجه الناس والأمة؟ هذا الشيخ الذي يطالب طلاب العلم بألا يدخلوا في هذا الموضوع ويلاموا، هذا خطاب تشويهي لطبيعة الدعوة والإصلاح الذي يقوم به العلماء والدعاة.
ابن كثير يقول: وكان الشيخ تقي الدين ابن تيمية يحلف للأمراء والناس أنكم في هذه الكرة منصورون على التتار، فيقول له الأمراء: قل إن شاء الله، فيقول شيخ الإسلام: إن شاء الله تحقيقاً لا تعليقاً، وكان يتأول في ذلك آيات من القرآن الكريم. إذاً أنه كان يتحرك بنفسه، وهذا واضح في شخصيته، وأنه استطاع أن يباشر عملية الإصلاح مباشرة وجسدياً.
النقطة السابعة: الاهتمام بمتابعة الأخبار السياسية. هل الداعية والمصلح مطلوب منه يفهم في السياسة ولا المطلوب منه يكون غائباً؟ بعض طلاب العلم تسأله عن دول وين هي على الخارطة الجغرافية لا يعرف، يقول لك هي في آسيا ولا في أفريقيا؟ والله شيء يحزن، هذا داعية بده يحمل هم أمة إذا هو مش عارف حتى البلدان المؤثرة فينا وين موقعها؟
شيخ الإسلام ابن تيمية كان يسأل عن الأخبار ويعرفها بحجم لا يؤثر على طلبه للعلم وتحصيله ودروسه. بعض الشباب يغرق في الأخبار، يصير 24 ساعة ماسك الأخبار ويتابع، وهذا غلط كمان. هذه الأخبار التي تتابعها هي التي ستستثمرها وتستفيد منها في معالجة الواقع، أما الأمور التي هي فقط مقابلة مع فلان وتحليل فلان ورأي فلان، هذا كله كلام فاضي.
فكرة الاطلاع على الأخبار هي ما أريد التركيز عليه؛ أريد أن أعرف الخبر المؤثر، الخبر الذي يؤثر فعلاً في الواقع والميدان. هذا الذي أنا كطالب علم لازم أكون ملمًّا به. أخي، أنا أفهم ما هي الحركات التي تحكم العالم اليوم؛ بدك تفهم الصهيونية العالمية، بدك تفهم الموساد، بدك تفهم أشياء كثيرة موجودة وهي مؤثرة. وإذا أنت ما فهمتها، والحداثة والعولمة والحركة النسوية، ما هذه كلها أخبار؛ بدك تعرف أين هؤلاء يشتغلون، وكيف آلية شغلهم وأدواتهم. هذه الأمور تؤثر على حياتك يوميًا، هي السوشال ميديا التي بين يديك ما هي إلا إحدى اختراقات حياتك المعاصرة؛ أنت كلك مكشوف لهم، كلك، أفكارك، اهتماماتك، توجهاتك، ماذا تكتب، كلك موجود بالنسبة للعدو. فإذا كنت مغفلًا، فطالب العلم المغفل إنتاجيته للأمة ضعيفة جدًا، بخلاف طالب العلم الحاذق المتوازن الذي يفهم كيف العالم يحكم اليوم، وبالتالي يعرف كيف يسوس الأمور سياسة شرعية صحيحة.
مثلاً من الأمور التي لفتتني في شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو يكتب، يقول: وجاءتنا أخبار من غير واحد بأن الخربندة أخا قازان -قازان هو زعيم المغول- قد قدم إلى بلاد الروم وهو يجمع العساكر للقدوم، وقدمت بنت لبيدة، وهذا أحد الرجال كانت مأسورة في بيت قازان، وهي الساعة في نيتها أن تذهب إلى مصر، وقد أقامت في بيت قازان مدة إلى نصف شوال على ما ذكرت لنا. وذكرت أحوالًا من الكلام بين قازان وأخيه الخربندة وأمه تدل على أنه في انقسام داخل البيت المغولي، وأن خربندة في نيته فساد للمسلمين وأمه تنهاه عن ذلك وهو لا يقبل ويوقع بينهم فتنة.
الآن لاحظ أن شيخ الإسلام وصل لمعلومات داخل بيت التتار، داخل بيت الزعامة؛ يقول وصلتني أخبار أنه فيه هناك خلاف داخل القصر التتري في إيران، قازان وأخوه الخربندة مختلفين. قازان بده يخفف شوي الهجمة على بلاد الشام بده يحاول يتركها، وأخوه مصرٌّ على أن يغزو الشام، وأمهم عم تحاول أنها تخفف، والخربندة ما عجبه أن أخوه قازان بلش يحاول يتراجع، فذهب إلى الروم وطلب منهم المساعدة على غزو بلاد المسلمين. هذه كلها معلومات وأخبار، شيخ الإسلام ابن تيمية كان حريصًا أنه يعرفها ويسمع فيها ويوصلها إلى جماعة المماليك في مصر.
أيضًا ماذا يقول من الأخبار التي أتى بها؟ قال: وقد اتصل بالداعي أخبار صادقة من جهات يوثق بها بما قد مال مع المسلمين من أمراء تلك البلاد حتى من المغول، ولا بد أن السلطان يطالع بذلك من تلك البلاد، فإن هناك قومًا صالحون ساعون في مصالح المسلمين. كشيخ الجزيرة، وصلت معلومات لشيخ الإسلام ابن تيمية أنه فيه ناس من جهة العراق ومن شمال سوريا عم يحاولوا يخففوا من سطوة المغول وهجمتهم على الشام، وأنه بالعكس في بعض المغول أصبحوا متعاطفين مع أهل الشام ولا يريدون غزوها. هذه كلها معلومات دقيقة؛ أنت تخيل هذه المعلومات ابن تيمية مش على التلفزيون يشوفها، يعني ما في عندهم تلفزيون ولا سوشال ميديا، هو كيف يصل لهذه المعلومات؟ يسمع، يعني واضح أنه فيه جهد عم يُبذل لحتى يوصل لهذه الأخبار والمعلومات في ذلك الزمان، عم يحاول يسأل الناس الرايحة والجاية والبريد: أعطوني معلومات، شو صار في الشام؟ أعطوني معلومات عن التتار أين وصلوا؟
إذًا اهتمام بالأخبار، اهتمام بواقع المسلمين، وهذا جزء من الأجزاء التي ينبغي أن يكون فيها الداعي والمصلح. عيب حقيقة أنك تجلس مع طالب علم أو شخص يزعم أنه داعية ولما تسأله عن واقع المسلمين اليوم، أين المناطق الملتهبة في العالم الإسلامي؟ بيعرف بجوز أقصى شيء بيعرفه غزة لأنه في تسليط إعلامي هناك، لكن السودان، تركستان الشرقية، ميانمار، ما بيعرف شو في هناك، في حدا مسلم عايش هناك يُبلى صباحًا ومساءً. عيب أنك تكون أنت تصدر نفسك داعية ومصلح ولا توجد لديك أخبار عن إخوانك من أهل الإسلام. طيب، هذه فكرة الاطلاع على الأخبار السياسية، وأن يكون على إلمام بها نوعًا ما، إذًا هو يمارس دور الرجل السياسي.
النقطة الثامنة من الأمور الجميلة في شخصية شيخ الإسلام: استثارة القرآن على واقعه المعاصر. نحن كثيرًا ما نأتي اليوم في أزماتنا، لا نجد استحضارًا كثيرًا لنصوص الكتاب والسنة وإسقاطًا لها على واقع الأمة وأزماتها اليوم، لذلك تجد القرآن غير حاضر في حياتنا وتجاربنا الإصلاحية، وتجد القرآن غير حاضر وآياته غير مستحضرة لأننا لا نعرف كيف نسقط القرآن على واقع الأمة اليوم. شيخ الإسلام ابن تيمية من أبرز مهاراته العلمية حقيقة، ليس فقط في واقع الأمة، بل حتى في ردوده، أنه يستطيع أن يسقط الآيات القرآنية على جميع المشاكل والأفكار العقدية والفكرية، سواء حتى داخل المجتمعات المسلمة. هذه قدرة هائلة تدل على مدى تشرب الرجل للكتاب والسنة، أنه يستطيع أن يعرف أن هذه الواقعة التي أمامي تشبه ما ذكرها الله في القرآن في كذا، وإن لم تكن نفسها تمامًا لكن هناك نقاط اشتراك كثيرة.
مثلاً ابن تيمية كثيرًا ما كان يستدل بآيات المنافقين الواردة في القرآن لذم المنافقين الموجودين داخل دمشق، يقول: وقد قال الله تعالى: ﴿وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ ۖ إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا﴾ [الأحزاب: 13]. وقال تعالى: ﴿وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ﴾ لأن الله يحفظها، ﴿وَإِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا﴾، فهم يقصدون بأن بيوتنا عورة الفرار من الجهاد، ويحتجون بحجة العائلة، أنه والله عائلاتنا خايفين أنه حدا يأتي إليهم.
قال شيخ الإسلام -الآن بده يسقط هذه الآية على دمشق-: وهكذا أصاب كثيرًا من الناس في هذه الغزوة؛ صاروا يفرون من الثغر إلى المعاقل والحصون وإلى الأماكن البعيدة كمصر والكرك، ويقولون: ما مقصودنا إلا حفظ العيال، أنا بدي أحفظ أولادي ونسائي مش أكثر، وما يمكن إرسالهم مع غيرنا. يعني ابني شو اللي بدي أوديه على مصر؟ لازم أنا أطلع معه؟ لا، هو بده يهرب، هو مش بده يوصل أولاده على مصر، هو بده يهرب كله، وهم يكذبون في ذلك؛ فقد كان يمكنهم جعل أبنائهم في حصن دمشق ليدرأوا العدو، كما فعل المسلمون على عهد النبي صلى الله عليه وسلم لما وضع النبي صلى الله عليه وسلم النساء والأطفال في حصن المدينة في غزوة الخندق. وقد كان يمكنهم إرسالهم إلى مصر وإلى الكرك وهم يقيمون في دمشق ليدافعوا عنها، فكيف بمن فر بعد إرسال عياله؟ طيب في واحد هو يقول لك طيب ماشي في ناس أرسلت عيالهم وصلوا، طيب هو الآن ليش بيفر؟ هو الآن موجود في دمشق وعياله وصلوا إلى مصر، طيب هو الآن ايش بيفر؟ حجتك ذهبت، واضح أنك تريد الفرار من الموضوع.
أيضًا وقد قال الله تعالى: ﴿قُل لَّن يَنفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِن فَرَرْتُم مِّنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ﴾ [الأحزاب: 16]، فاقتضى ذلك أن الفرار من الموت أو القتل ليس فيه منفعة أبدًا، وهذا خبر الله الصادق، فمن اعتقد أن ذلك ينفعه فقد كذب الله في خبره. والتجربة تدل على مثل ما دل عليه القرآن؛ فإن هؤلاء الذين فروا في هذا العام من دمشق لم ينفعهم الفرار، بل خسروا الدين والدنيا وتفاوتوا في المصائب، وأما المرابطون في الشام الثابتون نفعهم ذلك في دينهم ودنياهم؛ حتى الموت الذي فروا منه كثر فيهم، يقولون حدث طاعون في مصر والمناطق التي حولها، كثير ممن فر من دمشق لمصر مات بالطاعون. مش أنت فررت من دمشق هربًا من القتل؟ جاءك الطاعون وأنت في مصر، وقل فيهم هذا الطاعون في المقيمين في دمشق، فمات مع الهرب من شاء الله، والطالبون للعدو لم يمت منهم أحد ولا قتل، يعني أهل دمشق الثابتين لم يمت منهم أحد، والذين فروا من دمشق هم الذين نزل بهم الطاعون. قال: بل الموت قل في البلد من حين خرج الفارون، أيش يقول؟ قال بالعكس تعرف لما أنتم طلعتوا أيها المنافقون من البلد والله قل الموت، والله أنتم باقين أنتم بتجيبوا الموت لنا. يقول: بل الموت قل في البلد لما خرج هؤلاء الفارون، كأنهم مصدر البكتيريا في المجتمع.
النقطة التاسعة، طبعًا كل ما أذكره هي وظائف إصلاحية يقوم بها العالم والداعية، وهذه نقطة انتبهوا لها شباب: احترام العلماء المخالفين له في العقيدة ومشاركتهم في إصلاح هذه الأمة. ابن تيمية كان يتحالف ويذهب يده بيد العلماء المخالفين له في العقيدة ممن يجمعهم الإسلام العظيم، ويشاركهم ويتساعدون مع بعضهم البعض في معالجة أزمات الأمة. إذا شيخ الإسلام ابن تيمية كان يناظر الأشاعرة صحيح، لكنه كان يجلس معهم ويأخذ بأيديهم في القتال والدفاع وفي مقابلة قازان. من المواقف في ذلك أن شيخ الإسلام أخذ بيد ابن الزملكاني وهو أحد سادة الأشاعرة، وطلب منه أنه أنا وإياك نروح على قازان ونجلس معه في الخيمة ونتفاهم معه، ما قال له شيخ الإسلام: أنت أشعري، كيف أروح معه ولا ما أروح معه؟ وهذا أشعري يا شيخ عنده بعض البدع، يعني ما كان عنده هذه النظرة، كان يقول لك نحن الإسلام يجمعنا جميعًا. وما كان طبعًا شيخ الإسلام متسمًا بالغلو والتكفير؛ الغلو في التكفير هو الذي أوصل أمتنا في كثير من الأحيان لهذا المأزق، أنه فيه ناس عندها غلو في التكفير بدها تكفر الأشاعرة وتكفر المخالفين لهم وتكفر الناس وتكفر أي رأي اجتهادي وأي شخص مخالف له في النظرة أو الأحكام، الحل الأسهل له التكفير، هذا الغلو منهجية الخوارج.
أنا في اعتقادي هي من أحد أبرز الأمور التي أضعفت أمتنا، غلاة التكفير والخوارج المعاصرون، طبعًا الخوارج بأشكالهم، مش ضروري خوارج، في خوارج في ميادين كثيرة وفي خوارج في الفكر، وهؤلاء موجودون في كثير من الطوائف الإسلامية مش في طائفة واحدة، خوارج الفكر وهو الإقصائي، اللي أنا بس مع جماعتي، إذا أنت مش مع جماعتي أنت يا مبتدع يا ضال يا مخالف، يا تبدأ إصدار أحكام سريعة وهمجية عليهم. الغلو في التكفير أحد أبرز مشاكل الأمة المعاصرة، وظهور نبتة الخوارج وانتشارها وهناك من يؤججها ويكفرها عبر السوشال ميديا، هؤلاء أحد المشاكل التي يجب إنهاؤها حقيقة، يجب إنهاؤها تمامًا؛ لأنه ما دام الخوارج بين أظهرنا وغلاة التكفير سيبقى جسد الأمة متفتتًا، ولن نستطيع أن يكون لنا نوع من المراعاة، نوع من العذر. يا أخي ماشي أخطأ بس في تأول، ومش كل خطأ معناته تكفير، مش كل ابتداع معناته كفر، مش كل مخالفة عقدية معناتها خرج من الإسلام، بده يكون فيه نوع من التأول من الهدوء، وهذا يمثله حقيقة بكل روعة شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عليه، سواء في ابن الزملكاني وغيره، حتى في معارك دمشق عمومًا ما كان جلها أشاعرة أو كثير منهم أشاعرة، أقصد من العلماء لا أقصد العامة، لأن العامة أنا في اعتقادي هم على فطرتهم السليمة، لكن جل علماء دمشق كانوا أشاعرة وهم أصلاً حملوا على شيخ الإسلام وكانوا سببًا في سجنه آخر حياته. لكن في النهاية ابن تيمية لما كان يقاتل المغول ويذهب ويتحرك، ما كان يقول: يا إخواني شوف الأشعري ما يجي معي، أنا بس بتحرك بأهل الحديث، هذا كلام فارغ، هذا كلام فارغ لا أصل له في تاريخ المسلمين، هذا فقط نشأ عند بعض المعاصرين ممن فيه نبتة الغلو.
أما المسلمون عبر التاريخ: الأشعري والمعتزلي وأهل الحديث والصوفي من حيث القتال والدفاع عن بلاد المسلمين، الكل يده واحدة، هذا الذي نعرفه. وسأبين لك ذلك، حتى من كان يستغيث بالقبور، يستغيث بالقبور يعني هذا شرك صح، الاستغاثة بالقبور شرك، كانوا يخرجون في الغزو، شيخ الإسلام في النهاية سمعهم كلمتين أنه يا جماعة والله استغيثوا بالله بدل ما تستغيثوا بالقبور لعل الله يوفقنا في هذه الغزوة، يعني هذا ما يخاطب به، ما كان عنده أنه أنت لا تقرب على الغزوة أنت مش موافق لي في الفكر، أنت من أي جماعة؟ أنت من الحزب الفلاني؟ لا أنا من الطائفة الفلانية، أنت من جماعة الشيخ فلان؟ هذه كلها فتتتنا وأتعبتنا وأنهكتنا فما عدنا نعرف كيف نكون أمة واحدة نقاتل مع بعضنا.
طبعًا في بعض الناس عنده مشكلة فوبيا، أنه شيخ نحن مختلفين، يعني هو لازم أنه يفكر أنه إذا نحن كنا أمة واحدة كجسد واحد في مقاتلة العدو الصائل معناتها ستزول كل الخلافات البينية الفكرية، مين قال لك أن هذا مطلوب؟ يا أخي سيبقى الخلاف قائمًا إلى يوم القيامة، ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾، فيه أشعري وفيه أهل حديث وفيه صوفي وفيه ما تريد وفيه معتزلي، كل هذا عاش في المجتمعات المسلمة، هذا يرد على هذا وهذا يفند أفكار هذا وسيبقى الرد العلمي قائمًا وحاضرًا. لكن نقطتان بدي إياك تنتبه لهما: لا تجعل التكفير هو السلاح الذي تلوح به دومًا، عليك أن تتقي الله سبحانه وتعالى فلا تجعل التكفير هي ورقة الكرت الأحمر التي إذا أنت بدك تخلص من شخص خلص ما هو كافر، هذا أصبح يُستمرأ، وأنا أخشى من شياع هذه الفكرة مع قلة العلماء في واقعنا المعاصر، تصبح هذه الفكرة شائعة عند الشباب المندفع أن التكفير هو أسهل خيار لتقضي على خصمك، مش العذر وفتح مساحة التأويل والنصح والإرشاد، فند البدع لكن ضمن تقوى الله سبحانه وتعالى، وأيضًا فكرة أنه إذا نحن اشتغلنا مع بعضنا كمجتمع مسلم كامل معناتها لا بد أنه نتفق في كل التفاصيل.
هذا مين قال لك؟ كما يقول شيخ الإسلام: بعد انتهاء الخلافة الراشدة، كان الناس تقاتل مع بعضها البعض على وجود تباين فيما بينها في العقديات، هذا أشعري وهذا... صلاح الدين الأيوبي ماذا كان؟ كان أشعرياً رحمه الله، ومع ذلك قاتل معه كثير من علماء أهل الحديث. هذا البعد الذي للأسف يزرعه بعض المتصدرين على السوشيال ميديا وهم ليسوا بعلماء ولا حتى أسميهم دعاة، هذا البعد الإفسادي قد أخرنا كثيراً خطوات إلى الوراء، بدلاً من أن نتحرك كأمة وكمجتمع مسلم.
انتبهوا لهذه النقطة أيضاً، مثلاً كيف شيخ الإسلام ابن تيمية كان يجتمع مع ابن دقيق العيد؛ انظر كيف روح أننا مختلفون عقدياً شيء، لكن الأدبيات والأخلاقيات واحترام العلماء شيء آخر. كان شيخ الإسلام ابن تيمية لما ذهب إلى مصر من أجل تحفيز المماليك في مصر على مساعدة أهل الشام، فاجتمع شيخ الإسلام في مصر بأعيان البلد، ومنهم تقي الدين ابن دقيق العيد، طبعاً ابن دقيق العيد أحد جهابذة العلماء عبر التاريخ ومن أذكى الفقهاء والمحدثين، رجل كبير لكنه كان أشعرياً.
فسمع ابن دقيق العيد كلام الشيخ تقي الدين ابن تيمية وقال له بعد سماع كلامه: ما كنت أظن أن الله سبحانه وتعالى بقي يخلق مثلك. ابن دقيق الأشعري يحكي عن ابن تيمية من أهل الحديث: أنا ما كنت أظن أنه بقي فعلاً مخلوقات من العلماء مثلك، يعني أنت شخص مبهر. وسُئل الشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد بعد انقضاء هذا المجلس عن شيخ الإسلام ابن تيمية فقال: هو رجل حفظه، ايش يعني هذا؟ حافظ، يعني هذا عبارة عن مخزون من الحفظ هائل، ذاكرة واسعة جداً. فقيل لابن دقيق العيد: هل ناقشته في مسائل العقيدة؟ فقال: هلا تكلمت معه؟ هذا الرجل يحب الكلام وأنا أحب السكوت.
تمام، شو يعني هسا؟ شيخ الإسلام الذي يقرأ شخصيته يجد أنه كان يحب الكلام؛ في أي مجلس يحكي ويروح ويجي، شخصيته تمام، وابن دقيق العيد نمطه لا، بتعرف في بعض الناس شخصيته ساكتة، ما يتكلم إلا عند الحاجة. فقيل له: أنت ليش ما تناقش ابن تيمية؟ قال: هذا رجل يحب الكلام وأنا أحب السكوت. هذا إذا حكى يحكي لك ساعتين وثلاث، وأنت عارف، أنت بتقرأ كتاباً واحداً لابن تيمية بتعرف عقله، أنه يكون في مسألة ويروح لك لمسألة ثانية لثالثة لرابعة، عقل سيال وفكر عالٍ جداً. بعض الناس بجوز ما تحب هذه الخصلة، بس هذا بغض النظر تحبها أو لا، هي تدل على عقل.
وقال الشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد عن ابن تيمية: لما اجتمعت بابن تيمية رأيت رجلاً العلوم كلها بين عينيه، كأنه يقرأ قراءة، يأخذ منها ما يريد ويدع ما يريد. ثم سُئل شيخ الإسلام ابن تيمية -شوف هذا اللي بيهمني- سُئل شيخ الإسلام ابن تيمية عن ابن دقيق العيد شو قال؟ قال: هو الشيخ الإمام قاضي القضاة تقي الدين ابن دقيق العيد. شوف الألقاب! الإمام! شوف كلمة الإمام، أنت بتحكي الإمام، الإمام النووي، صير قصة إذا بتحكي الإمام النووي اليوم، شو بتحكي الإمام النووي؟ تمام، الشيخ الإمام قاضي القضاة كمان تقي الدين بن دقيق العيد. أعطاه كل الألقاب، يعني ما عنده مشكلة معرفية ولا تحسس؛ لأنه يعرف أنه إمام في الفقه غصباً عني وعنك، لا تستطيع إمام في الحديث، عنده مشاكل في العقيدة، تناقش ضمن الأطر العلمية وانتهينا.
وهذا ليس تهويناً من أمر العقيدة، هي مشكلة أن بعض الناس يأخذ هذا الكلام ويقول يا شيخ أصل الدين هو العقيدة، ما احنا فاهمين! لا، أنت لا تسوق عليّ قضية أنك أنت المهتم بالعقيدة وأن الناس التي تطالبك باحترام العلماء لا يهمها. أنا كلامي عن الأعيان، أعيان العلماء يجب احترامها وصيانتها والعمل معها. أما الفكرة البدعية، الفكرة نفسها الخاطئة، يا أخي فندها، كذبها، احكي عنها اللي بدك إياه، الفكرة ما عندي مشكلة أن تقتلها، لكن لا تقتل شخصية العالم، الإنسان الذي عاش للأمة وبذل في زوايا كثيره؛ ما بصير تقتل شخصيته لوقوع أخطاء عقدية منه، ما دام ضمن دائرة التأويل المفهوم والمستساغ، وهذه توازن علماء الأمة عبر تاريخها.
هذه قضية أن الأمة تتحرك بنفس الجميع، وهذا العالم -طبعاً هذا خطاب للجميع- يعني أهل الحديث لا بد وجود علماء وطلبة علم واعين حقيقة لطبيعة الصراع المعاصر، أنه أنا لما بدي أتحرك بالأمة بدي أتحرك بها جميعها، أنا ما بتحرك بأهل الحديث، نحن نتحرك كأمة كاملة. ونفس الشيء عقلاء الأشاعرة بدهم يفهموا هذه الزاوية، أنه لا تضلك جالس تلاميذك تنقلهم: وهابية، مجسمة، تيمية، وهابية، ماشي في ضمن أروقتك العلمية فند، ما أنت زي ما أنا بفند أنت بدك تفند، حقك، بس ما تخلي هذا عائقاً أننا نتفق على كليات الأمة ومشاكلنا، خلي في مساحة بيني وبينك، حتى لو معتزلة، حتى لو صوفية، خلي في مساحة نشتغل فيها لقضايا الأمة الكبرى، وبيننا نحن في الساحة مع بعضنا البعض بنظل نذابح بعض على أفكارنا، مش مشكلة، بس خلي في سقف مشترك نستطيع أن نتحرك فيه بأمة الإسلام. هذه قضية بارزة في شخصية شيخ الإسلام ابن تيمية.
أيضاً نقطة رقم 10: أنه شيخ الإسلام ابن تيمية ما كان يشتغل بالتنظير، بل كان يشارك بالقتال بنفسه، دخل المعركة بنفسه وهو القائد الفعلي لمعركة شقحب التي أنهت هجمة التتار في هذه السنوات. القائد الحقيقي لمعركة شقحب كان معه الخليفة المملوكي وأمراء الجيوش والأجناد، بس كان وجودهم نوعاً ما شكلياً، وكان الوجود الحقيقي لشيخ الإسلام ابن تيمية في هذه المعركة.
يقول هنا ابن فضل الله في مسالك الأبصار في ممالك الأمصار: وحُكي من شجاعة شيخ الإسلام ابن تيمية في مواقف الحرب في نوبة شقحب -يعني معركة شقحب- ونوبة الكسروان -هذه غزوة أخرى- ما لم يُسمع إلا عن صناديد الرجال وأبطال القتال وأحلاس الحرب؛ تارة يباشر القتال بنفسه وتارة يحرض عليه، يعني بقول لك يقاتل مقاتلة الصناديد. وقال أبو حفص البزار: أُخبر غير واحد أن الشيخ ابن تيمية رحمه الله عليه كان إذا حضر معسكر المسلمين في جهاد يكون بينهم واقيتهم وقطب ثباتهم، إن رأى من بعضهم هلعاً أو رقة وجباناً، شجعه وثبته وبشره ووعده بالنصر والظفر والغنيمة وبين له فضل الثبات، وأنزل الله عليهم السكينة.
وكان إذا ركب الخيل يتحنّك، يعني يضع عليه الزمام ويجول في العدو كأعظم الشجعان، ويقوم كأثبت الفرسان، ويكبّر تكبيراً أنكى في العدو من كثير من الفتك بهم، ويخوض فيهم خوض رجل لا يخاف الموت. هذه صراحة شخصية عالية، هذا كلام المؤرخين، يعني هؤلاء ليسوا تلاميذه المقربين، هذا كلام المؤرخين لتلك الحقبة من الزمن عن شخصية ابن تيمية. لذلك ابن تيمية -شوف- حتى لو بدك تخالفه في العقيدة، برجع لك كونك أشعرياً أو كذا، بس بدك تحترم قتاله، كما تحترم قتال صلاح الدين الأيوبي، كما تحترم قتال سلطان العلماء، بدك تحترم هذه الشخصية لأنها شخصية قاتلت وبذلت لأمة الإسلام في الإصلاح ما لم يبذله كثير من علماء الأشاعرة في ذلك الزمان، حتى تكون فاهماً هذه الحقيقة واقعياً، وإن كان أيضاً كثير من أفاضل الأشاعرة في ذلك الزمان وقفوا وجاهدوا كابن الزملكاني وابن دقيق العيد وكان لهم دور إصلاحي، لكن أنا أقول للطرف الذي يعتبر ابن تيمية وكأنه لا شيء في خارطة العلم، وكان ابن تيمية هو القطب الرحى في تلك المرحلة وفي تلك الحقبة الإصلاحية. طبعاً مشاركته في القتال هذا أمر كبير جداً.
النقطة رقم 11: أنه أثناء مشاركته في القتال، لم يستعمل ابن تيمية الاحترامات والمكانة التي وصل إليها في نهاية هذه الحقبة، لم يستعمل الجهد الدعوي والإصلاحي للوصول إلى مكاسب سياسية. هذه انتبهوا لها، كثير من الدعاة وبعض المصلحين يسقط في هذه المصيدة، أنه يوفق لعمل إصلاحي في مرحلة معينة، فيستغل هذا المكسب الدعوي والمكانة التي حصلها في الناس من أجل تحصيل مكسب دنيوي. ابن تيمية، وهذا نحسبه والله العظيم من صدقه وإخلاصه، لم يجعل عملية الإصلاح التي مارسها وخاضها سبباً لنيل مناصب.
هذا متى ظهر؟ بعد انتهاء معركة شقحب وعودة شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عليه من المعركة، الناس استقبلته استقبال الفاتحين الأبطال، أنه معركة شقحب هي التي ردت التتار والمغول عن دمشق، خلاص كانت الكسرة الكبيرة لهم فما عادوا إلا بعد فترات وبنوبات، يعني العودة الحقيقية ما كانت وجوده، خلص بعد شقحب كانت ضربة قاصمة لهم. يقول هنا صاحب العقود الدرية: ودخل جيش الإسلام المنصور إلى دمشق المحروسة -هذا بعد انتهاء المعركة وعودة المسلمين منتصرين- والشيخ ابن تيمية في أصحابه شاكّاً في سلاحه أمامه داخلاً معهم، عالية كلمته، قائمة حجته، ظاهرة ولايته، مقبولة شفاعته، مجابة دعوته، ملتمسة بركته.
يعني الناس رفعوا القبعة، هذا الرجل كان سبباً في إنهاء وجود التتار في دمشق أو محاولتهم الدخول إليها، فأصبحت الناس تتبرك به وتروح تطلب منه أن يشفي كل شيء، صار لشيخ الإسلام ابن تيمية وأصبح ذا سلطان وكلمة نافذة. آه هنا شوف هذه الكلمة الحقيقية المبهرة لشيخ الإسلام، ماذا يقول؟ وهو مع ذلك يقول للمداحين -إيش تتوقع؟ بعض الناس يثني رأسه: جزاكم الله خير، بارك الله فيكم، الحمد لله كنت أحد أعمدة النصر- لا، شيخ الإسلام ماذا يقول؟ يقول: أنا رجل ملة ولست رجل دولة.
شو بقول للمداحين؟ أنا رجل ملة لا رجل دولة. أنا مش جاي أطلب سلطاناً، يعني ماشي أنا قاتلت وقدت المعركة فعلياً، لكن خلص انتهت المعركة، أعود لوظيفتي كعالم، أنا مش جاي أطلب وزارة ولا منصباً عسكرياً ولا أكون متنفذاً ولا بدي شيء ولا مكاسب سياسية، أنا رجل ملة، أنا عالم، أريد أن أبقى أمارس دوري الإصلاحي كعالم مثلي مثل أي عالم مصلح، ولست رجل دولة وسلطان أبحث عن مجد يُؤتى به. هكذا يحفظ العلماء العلم وتُحفظ حرمة العلم، لما يرى الناس العالم بعيداً عن الدنيا ومكاسبها ولا يبحث عن المناصب ولا يطوف حولها، يحترمونه وترتفع قيمة العلم في أزمانهم، لكن لما يرون العالم يلهث خلف الدنيا وخلف المناصب وخلف الدولارات تلقى في وجهه، هذا ماذا سيقيل العلم؟ هذا لا قيمة له، وهذا الذي سيجعل الناس تنفر من طلب العلم، يقول لك ليش أطلب العلم اليوم؟ حتى بتسمعوا بعض الناس يقول لك ليش أطلب العلم؟ عشان أصير مثل فلان اللي بيطلع على السوشيال ميديا بيحكي، اسمعوهم، كثير بشوف الناس، أنت كنت سبباً في تنفير الناس من العلم؛ لأنك كنت واجهة قذرة للعلم وليست واجهة نظيفة تدل على قيمة العلم وحرمته وعلى أن دور العالم المصلح دور أكبر بكثير مما أنت صورته.
النقطة 12: هي نقطة مهمة، وهي المحافظة على نقاء العقيدة حتى في أثناء تجميعه الناس لقتال التتار. الآن في ناس بتحب نفس التجميع، صح، بيكون همه أنه يجمع كل شيء، حتى العلماني يكون معه، وكل شيء كله خير وبركة، المهم شيء أن نقف في وجه كذا، وهذا حقيقة شوي مخيف. هسا نحن حكينا أنه بدي حتى يكون في توازن بين طرحين، الطرح الأول ايش قلنا؟ أنه يجب على المسلم العالم والداعي أن يتعامل مع جميع علماء عصره، حتى ولو كانوا مخالفين له في العقيدة ما دام يجمعنا الإسلام العظيم.
طب اطلع لك شخص طيب، يا شيخ هل هذا يعني أننا لا ننكر المنكرات الموجودة في الطوائف والناس؟ لا، هذا لا يعني ذلك، بل شيخ الإسلام وهو مشتغل في هذه القضايا والحرب والسلم، كان ينكر المنكرات والبدع والإشكالات العقدية والمعاصي التي يفعلها الناس. أنت والله تستطيع أن تجمع بين المشهدين، بس أنت بدك توسع دماغك شوي، هي هذه المشكلة أنه أنت لا، أنا يا هون يا هون، يا أني بكون تجميعياً فأجمع الصالح والطالح وأصبح حتى أبرر المعاصي، حتى العلماني لو، مش مشكلة، هذا له وجهة نظر، ما هو الليبرالي برضه هذا له وجهة نظر، يعني أنت تتشدد بصير نفسك التجميعي فقط بصير هدفه أن يجمع كل شيء وتضيع معالم التوحيد بين هذا التجميع الفارغ.
وفي المقابل في إنسان لا، بده يظل عينيه على مناطق الخلاف ولا يريد أن شوي يرفع عينه عن هذه المناطق حتى يتحرك بالأمة، نحن نريد الوسط، هذا دور العالم والمصلح، هذا الذي يعجبني في ابن تيمية وأعجب أهل زمانه، قدرته النفسية على التوازن بين المشاهد، أنه أنا قادر أنكر، وفي نفس الوقت قادر أجمع. هذا من أعظم الشخصيات التي قلت في هذا الزمان حقيقة. هنا مما يدل على هذه القضية، طيب هذه القضية الأولى، سأجئ على القضية الثانية.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: فلما كان بعد ذلك أي بعد قدوم التتار في عام 700 هجري، جعلنا نأمر الناس بإخلاص الدين لله والاستغاثة به، وأنهم لا يستغيثون إلا بالله العلي العظيم، ولا...
يستغيثون لا بملك مقرب ولا نبي مرسل، ونقرأ عليهم قوله تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُم﴾ [الأنفال: 9]. وروي أن النبي ﷺ كان يوم بدر يقول: «يا حي يا قيوم لا إله إلا أنت برحمتك أستغيث».
ثم ما لاحظ ابن تيمية إذا كان يحذر الناس من البدع الصوفية القبورية التي انتشرت عندهم، ثم يلاحظ ابن تيمية فيقول: فلما أصلح الناس أمورهم وعقائدهم وصدقوا في الاستغاثة بربهم، نصرهم الله على عدوهم نصراً عزيزاً لم يتقدم نظيره، ولم تهزم التتار مثل هذه الهزيمة قبل ذلك أصلاً؛ لما صح من تحقيق توحيده وطاعة رسوله ما لم يكن قبل ذلك، فإن الله ينصر رسله والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد.
إذاً ابن تيمية يرى أنه لا بد أغير المنكرات والبدع وأساعد الناس في تحقيق توحيدهم، لكن هي حركة موازية. فكرة أنه أنا لا، لازم أجلس عشرين سنة أصلح عقائد الناس بعديها أبلش أمشي مع الناس في أزماتهم، هذا ما بيصير ولا عمره صار في التاريخ الإسلامي. في التاريخ الإسلامي ما كان يحدث أنه العلماء والدعاة والمصلحين يتحركون بالأمة ويخوضون بها المعارك وفي نفس الوقت ينكرون المنكرات والبدع على التوازي. أما هذا التصور الهلامي أنه لا بد ننشئ جيلاً عقديّاً من مشرق العالم الإسلامي إلى مغربه نقيّاً عقديّاً ثم الخطوة الثانية، هذا الترتيب الحالم عمره ما بيصير، بس أريحك؛ أوعك يكون هذا من أدبياتك في الدعوة والإصلاح. هذه الأمة عبر تاريخها تتحرك في كلا المسارين؛ مقاتلة العدو ومناجزته بكل الأمكنة المتاحة، وفي نفس الوقت إنكار المنكرات والبدع وما شابه ذلك.
هذه الفكرة أيضاً من أفكار شيخ الإسلام ابن تيمية موجودة عنده، نقطة 13: تحمل عجلة الناس عليه وهجومهم على أفكاره وآرائه، واتهامهم له في المواقف الإصلاحية بأنك جبان أو خائف؛ لأنهم لا يعرفون ماذا كان يريد أن يفعل. شوفوا الآن، وهذا الكلام هنا للدعاة وطلبة العلم والمصلح؛ إخواني، لما تقع بالأمة فتنة وواقعة تجد عادة شباباً مندفعين متحمسين يريدون أن يحرقوا الأمة كلها في هذه الواقعة، مع أن الأمة لا تستطيع أن تدخل كلها في هذه الواقعة ولا تفعل فيها ما يطمح إليه العوام. فتجد الشاب يتكلم بكلام اندفاعي حماسي، فيخرج لهم عالم أو مصلح أو داعية يقول لهم: لا، هذا الكلام مش صحيح، في عندك كذا وكذا خطوات فقهية، الفقه الإسلامي هكذا يقول، مش بالاندفاع الذي أنت حضرتك بتقدمه.
عالم، إذا طلع شيخ أو داعية أو عالم طلب الهدوء والتوازن في معالجة الأزمة، ماذا في العادة العامة تبدأ؟ الشيخ سقط العالم مباشرة: أنت المتلون، أنت الخائن، أنت الذي بعت دينك لعرض من الدنيا بخس. وتسمع كلام وتطلع ببلش لك، طبعاً هؤلاء الذين بس شغلتهم بس يستنوا أي قصة لأي عالم يعمل لك فيها مقاطع على اليوتيوب: هل تغير فلان الفلاني بأفكاره وآرائه؟ هل فلان الفلاني بدل منهجه؟ هل فلان الفلاني باع دينه؟ ويبلش لك مقاطع وتحليل وشخصنة والناس من تحت، فعلاً غزة كشفت أقنعتهم جميعاً.
ففعلاً أنت، الله يرضى عليك، كشفت أقنعة بعض الناس، بس مش كل إنسان عنده رأي فقهي سياسي واقعي إذا خالفك معناته سقطت قناعه، لأن هذه الطريقة مخيفة؛ لأنه معناتها لن نبقي عالماً. اليوم غزة بتكشف قناعك، بكرة سوريا بتكشف قناعك، بعدها السودان، بعدها اليمن، هذا كلام لا ينطلي إلا على السفهاء. نحن في حالتنا الإسلامية في عالم يتقي الله سبحانه وتعالى فيسير بالأمة بهدوء، شوف العالم الذي قصده الإصلاح، والله واضح، والعالم الذي باع دينه برضه العامة بتفهمه. فما بينفع كل ما شخص تكلم بكلمة ما أعجبت العامة يتم إسقاطه، معناته أنا بدي أصير أتكلم زي ما بدكم وليس كما يريد الله. يعني أنت هيك بتقول لي شيخ: يا بتحكي زي ما بدنا يا إنه ما تحكي! وهل هكذا الدين؟ هل هكذا الأمة يصلح شأنها بالله عليك؟
هل ابن تيمية كان يتكلم بما يطلبه الجمهور أم بمراد الله سبحانه وتعالى؟ لا يجوز للعامة أن يقودوا العلماء، ولا يجوز أن نسمع للمثقفين والصحفيين وقنوات الأخبار أنها هي تحكم على العلماء. العالم الذي يثبت نفسه بالصدق يبقى رأياً محترماً، ممكن أخالفه أنا كإبراهيم، ممكن أخالفه، بس أبقى أعرف أنه صادق أو عنده وجهة نظر. طبعاً في بعض الناس، لا أنا عارف أنه هو ساقط وأنه كلامه غلط وباطل وأنه يشوه الإسلام، أنا ما بتكلم عن هذه الفئة، أرجو أنكم تفهموني؛ لا، أنا بتكلم عن المساحة التي فيها في الإسلام وجهة نظر للحوار.
سيدنا خالد بن الوليد في غزوة مؤتة قرر الانسحاب، هل أحد قال لخالد بن الوليد من علماء الصحابة: أنت وصمة عار في جبين المسلمين، كشفتك هذه المعركة انسحبت؟ لا، النبي ﷺ قالوا بالعكس، قرار سليم أنك انسحبت لأنك لا تستطيع المقاتلة الآن أكثر من كذا؛ هذا قرار فقهي سليم صحيح اتخذه خالد بن الوليد في وقت معين، وهذه مساحة الفقه واسعة ويجب أن يشارك العلماء وأصحاب الرأي في اتخاذها. فبدك تنتبه لقضية هي مخيفة جداً جداً في واقعنا المعاصر، وهي قضية إسقاط العالم بمجرد أنه رأيه لم يوافق العامة، وأنه هوى العامة، مش هيك نحن بدنا يكون رأيك هيك، رأيك مش هيك ما بنحترمك. هذا كلام خطير، لأنه ساعتها العالم فقط أو الداعية بده يصير يطبل للعوام ويمشي مع رغباتهم وما يطمحون إليه حتى ولو أدى هذا إلى مهالك، وهذا والله ليس ديناً.
أنا أسير أفتي زي ما أنت بدك لأنه أنت شاب مندفع متحمس بدك إياي ألبي رغباتك، وأنه يلا شو رأيك ندخل في المعركة؟ يلا ينحرق الجميع، مش مشكلة عادي ما هو شيخ هيك الإسلام! طيب مين قال لك هيك الإسلام؟ هل أنت قرأت في الفقه الإسلامي وفي أحوال الأمة المتعددة حتى تعرف كيف ترتب مقاصد الشريعة؟ هل أنت عندك اطلاع؟ تلاقي يا شباب والله مسكين مش قارئ أدنى مسائل للفقه، هو يريد أن يرسم الإسلام بهواه ويريد من العالم أن يقول هواه، وإذا لم يتكلم العالم بهواه سيكون العالم المبدل الذي تم كشف قناعه، هذه طامة كبرى حقيقة.
شيخ الإسلام تعرض لهذا الموقف، نعم تعرض لهذا الموقف بس طبعاً بحجم أقل؛ لأنه طبعاً بدك تفهم شغلة، وأحياناً أنت برضه كعالم بدك تكون مقنعاً للناس في تسويق نفسك، سامحني ليه؟ لأنه إذا أنت دائماً مواقفك غلط، ما هو برضه الناس رح تقول لك: يا عمي هذا الشيخ عمره ما حكينا صح. فأنت الذي يثبت شرف فكرك ونصاعة رأيك، وأن الناس تحترمك لما تخالف هواهم، أنه أنت مواقفك متوازنة، يعني واضح أنه هذا رجل ثقيل، بيتكلم بدون وجود فرض عليه بكامل قدراته العقلية وعلمه الواسع في مواقف معينة، لا واضح أنه متزن، وأثبتت أفكاره الاتزان، بالتالي حتى موقف الآخر، ولو كنت أنا كعامي مش موافقه، لكن والله له وجهة نظر، قد يكون كلامه محترم وهو الصواب. ليس كل شيء خالف هواك هو خطأ، قد يكون هواك هو الخطأ، وهذا هو الغالب في العامة أن تكون أهواؤهم هي الخطأ ويريدون أن يسحبوا العلماء والدعاة والمصلحين إلى ورطات غير صحيحة وغير دقيقة.
يقولون إن شيخ الإسلام ابن تيمية قبل أن يخرج إلى غزوة شقحب كان يثبت أهل دمشق، يطلب منهم عدم الهروب، مش قلنا كان يقول لهم: لا تهربوا إلى الكرك وإلى مصر، أثبتوا، الناس ثبتت كثيراً منها بسبب تثبيت شيخ الإسلام ابن تيمية لها. لما أتت واقعة شقحب شيخ الإسلام ما كان أخبر إلا عدداً قليلاً من الناس من المقربين منه أنه سيخرج للمشاركة في المعركة. أهل دمشق، طبعاً هو ليش، هو ما بده يخوف أهل دمشق ويخبرهم أنه في معركة الآن ستجري، قديماً لو في أخبار كانت طارت الأخبار بس اليوم، يعني لو كان في مثل واقعنا المعاصر، هو ما بده يخوف الناس أنه العدو قريب وأنه في معركة حاسمة، يعني حافظ على معنوياتهم. فهو قرر أن يخرج للمعركة ويلتقي، طبعاً كانت هناك في معركة شقحب، الخليفة المملوكي خرج بكل جيوشه من مصر والتقى مع جيوش الشام، والتقوا كانت معركة هائلة.
فشيخ الإسلام خرج من دمشق أمام الناس بس الناس مش فاهمة وين رايح، الآن شو تتوقع؟ لما أنت تطلع، وأنت حكيت للناس اثبتوا واصبروا وعليكم أن لا تهربوا من دمشق، وتشوفك الناس طالع من دمشق وهم مش عارفين وين رايح، العامة شو بدها تتكلم؟ هرب! صار يحكي لكم: شايفين هيه، ها هو بيقول لكم اثبتوا وهو أول واحد هرب! وأصبحت هذه الشائعة منتشرة بينهم في دمشق. طيب، هنا من الذي وثق هذه الحادثة؟ البرزالي، ماذا يقول؟ وخرج الشيخ تقي الدين بكرة، أي في الصباح، إلى جهتهم، ففتح له باب النصر بمشقة. يعني كان في نصر بس كان في مشقة كبيرة، قال: وحصل له لوم من الناس؛ لكونه كان من موانع الجفل، يعني أنت الجفل، أي التثبيط، أنت الذي حكيت لنا ارفعوا روحكم المعنوية، لا تهربوا، كذا.
فلما الناس شافته خارجاً من باب دمشق قالت: وين سيدنا الشيخ؟ أنت اللي ثبتتنا! وشوف العامي، لدرجة معينة ممكن أسامحه، لكن تفاقم هذه الظاهرة في الناس مشكلة؛ أنه أنت تعتبر كل موقف للعالم هي خيانة، أو أنه ناقض قوله فعله. طب قد يكون العالم معذوراً يا أخي، قد يكون عنده مسببات، اسأله. هذا ابن تيمية لما طلع، ما أنتم لما رجع شو قلنا، شو صارت القصة؟ صاروا يتمسحون ببركته ويستشفعون به ويعتبرونه إمام الأئمة وشيخ السلطان ما بين خروجه ودخوله! فلما خرج لاموه وقالوا: الرجل خانه، ولما رجع حملوه على الأكتاف. العامي في العادة مندفع، العامي في العادة مستعجل، العامي في العادة بده إياك أنت تمشي زي ما بده.
وسامحني، العالم بده يكون قد حاله، مشايخنا بدهم يكونوا، كما أنك بدك تكون رجل في المواقف العظيمة، بدك تكون رجلاً وتتحمل نقد الناس حتى لو الناس لامتك، تحمل مش مشكلة ما دمت تعتقد أن دين الله في فتواك. لو الناس لامتك مش مشكلة، بس أهم شيء أنك تحسن إلقاء هذه الفتوى للناس بهدوء، تحسن تسويق هذه الفتوى، تفهيم وجهة نظرك للناس. سيبقى من يعترض عليك وسيبقى من يخونك وسيبقى، لكن أنا لست مطالباً أن ألبي رغبات الناس لما أقول هذا التصرف خطأ ديانة، لو كل الناس من العوام معتقدة أنه صواب، وأنا كإنسان عالم أو أحسن الفتوى أعرف أنه خطأ بدي أقول أنه خطأ، ما بصير رغباتكم، ومتى رح تكتشفوا صحة كلامي؟ في النهاية.
لذلك يقولون: العالم يرى الفتنة وهي مقبلة، قبل ما تدخل بشوف أنها فتنة، يحذر الناس منها. والناس والعامة يرون الفتنة وهي مدبرة بعد فوات الأوان، هذا ما يحصل للأمة. العالم أول ما يخرج شيء يقول: دير بالكم، والله يا إخواني هذه مصيبة، هذا الفكر، هذه الطريقة، هذه كذا مصيبة. مثلاً التكفير والغلو احذروا الناس، بقول لك: لا يا شيخ، هؤلاء ناس صادقين وكذا. لما يطحن بعضنا بعضاً ويقتل بعضنا بعضاً، نصبح ندرك: أيه والله باقي فتنة، باقي حرق ومحارق، طيب ما العلماء قالوا لكم من أول هذا فتنة ولا تدخلوا! والله يا شيخ ما صدقناهم، فكرناهم من البداية علماء سلاطين! هذا الذي بيخوف، فقد الثقة بالعالم الرباني وأنه أي عالم فتواه ما بتيجي على فتواك مباشرة، التهمة جاهزة: هذا من علماء السلطان!
يا عمي هذا غلط، هذا ليس فكراً، إياك أنك تكون من أصحاب هذه الطرق. هسة في عالم ماشي مأجور فاهمين، وفي عالم متوازن، وفي واحد عالم بس مندفع ويؤدي بك إلى محارق ومهالك بالأمة، وفي العادة العالم لا يكون كذلك. يعني عالم متهور هي صعبة جداً، لأن العلم يصنع توازن، بيخلي الإنسان يفكر أكثر. فأنت برضه هذه المشكلة، بعض الشباب بس بيشوفوا واحد قرأ له كتابين بس مندفع بيسموه عالم، وهو بيقول والله ما هو عالم، هو هذا بس قرأ له كتابين وبيعرف يحكي، فصدر نفسه على مجموعة من الجهال والمغفلين أنه عالم، صدروه وبرزوه فأصبح يقول: هي عندنا علماءنا! بتيجي تقول لي: مين علماءك؟ بقول لك: فلان وفلان. بتلاقي فلان وفلان، والله يا شيخ كتابين وهم قارئين، يا أخي فلان فلان يعني أصول العلم بس اسأله عنها، والله ضايع فيها، يعني بس تدخل معه في نقاشات، وهذا حقيقة جربته مع كثير، لي تجارب كثيرة مع مختلف الجماعات، تيجي تقول: يا أخي بس أعطيني شخص أناقشه حتى أفهم بس شو مستواه العلمي؟ أخي أخونا، والله مستواه العلمي رديء جداً جداً، طيب كيف صار اسمه عالم عندهم؟
أي جاهل يرى من فوقه عالمًا، هو كواحد جاهل (صفر) يرى رقم خمسة عالمًا، ورقم خمسة يرى رقم عشرة عالمًا. لكن الأمور ليست هكذا، فالعالم هو الذي امتلأ علمًا، وشهدت له مصنفاته وكتبه وأهل زمانه ودروسه أنه عالم. أما هذا الشخص الذي لا عمري شفت له كتابًا علميًا، ولا عمري رأيت له شروحًا تدل على عمق اطلاعه في كلام الأوائل؛ هو يسجل لك كم مقطع يوتيوب وماشي سوقه، وهناك من يطبل له. احذروا من أن تضعوا علماءهم ليسوا علماء فقط لأنهم يلبون رغباتكم في الفتاوى؛ لأن هذا العالم بيفتي زي ما أنا بدي فبخليه عالم، وهذا ما بيفتي زي ما بدي فأسقطه، هذا ليس عالمًا، هذا أصبح أهواء، بطل فيه معيار علمي لنعرف من هو العالم حقيقة.
لا، أنا أقول لك: في شخص عالم ومتعلم، بس من علماء السلطان، وأنا أقول لك إياها بصراحة. في علماء أنا أقول لك عالم، بس خلص عنده شبهة أنه من العلماء، وقع في هذا الفخ بس هو عالم مطلع، عالم فاهم. هل هو مطلع؟ أقول لك مطلع. وأعرف وأنت صديقي وحبيبي وأخوي في الله، وأنا بعرف أنك صادق، بس والله ما أنت عالم. أنا عندي قدرة أني أقول لك ذاك الشخص الذي أنا أخالفه وأشوفه من علماء السلطان، بس والله عالم بمعنى أنه مطلع بقوة على العلوم الشرعية. طيب ليش شيخ علمه ما مقاده هذه؟ والله بيرجع له، هو المشكلة عنده شبهة، عنده معصية. وأرى شخصًا أحبه ويحبني وهو يريد أن يجعلني أراه عالمًا، أقول له: والله ما أنت عالم، وأنت صديقي وعزيز علي، بس أنا عارف أنك متواضع في العلم الشرعي لا تصلح أن تكون عالمًا. هذا التوازن بده يكون حاضر عندك، وأن تعرف من الذي يتكلم بعلم، ومن الذي يتكلم بهوى أو صدر نفسه عالمًا وليس كذلك.
فإذا شيخ الإسلام تعرض للإرجاف والتخوين، لكن مع ذلك ما سأل؛ لأنه هو يتحرك لأمة، قال في الصباح ينكشف الأمر وتعرفوا وين أنا رايح، وفعلاً لما انتهت المعركة عرفوا أن الرجل كان على رأس معركة شقحة.
نقطة 14 -النقطة قبل الأخيرة- حقيقة هي نقطة جميلة، وهي أن شيخ الإسلام ابن تيمية كان من اهتماماته نقل التجربة الإصلاحية للأجيال القادمة. كثير من الأخبار التي وصلتنا عن شخصية شيخ الإسلام وماذا فعل، من أين أخذناها؟ منه نفسه، هو الذي تكلم أنه أنا فعلت كذا وكذا. طيب هو لماذا يقول لنا أنه أنا فعلت كذا وكذا، وانطلقت إلى هنا، وذهبت للمملوك وخبرته؟ لماذا يفعل ذلك؟ هو يكتب لك تجربته الإصلاحية حتى الأجيال القادمة تقرأ هذه التجربة الإصلاحية وتستفيد منها، وتعرف كيف يكون دور العلماء في الأزمات. وهذا مطلوب من كل عالم وداعية في حقبة من الحقب، أن انقلوا تجاربكم الإصلاحية للأجيال القادمة، اكتبوها دونوها حتى تعرف الأجيال اللاحقة واقعنا كيف كان من حيث إيجابياته ومن حيث سلبياته، حتى لا يقعوا في نفس أخطائنا، وفي نفس الوقت إذا في نقطة إيجابية فينا يبنوا عليها ويستفيدوا. فكل أو جل ما نقل عن شيخ الإسلام من مواقفه هو دونه بنفسه؛ لأنه كان يهتم بتسجيل المواقف وتثبيتها كنقل لهذه التجربة للأجيال.
النقطة 15 والأخيرة، الحقيقة كان له دور جيد في أنه كان يجمع الناس حول القيادة في تلك الفترة. أحد الأدوار الإصلاحية للعلماء أنك إذا وجدت قائدًا فيه صلاح ولو عنده منكرات وأخطاء، أن يكون دورك أن تجمع الناس حول هذا القائد؛ لأنه ما بينفع أن نكون شخصيات انشطارية. للأسف واقعنا المعاصر يقوم على فكرة الجماعات وليس على فكرة العمل الإسلامي الموحد، عندك عدة جماعات. وهذا ترى بعض الناس ممكن يعتبره شيئًا إيجابيًا، بس هو في نفس الوقت عامل مشكلة؛ لأن فكرة الجماعة عمومًا بقدر ما فيها من منفعة، بقدر ما فيها من تقوقع وتحجيم، وإنشاء نوع من الحزازية مع جماعات أخرى. وهكذا الإنسان البشري متى ما شعر أنه ينتمي لطائفة يصبح يحاول أن يبقى ضمن هذه الطائفة حقًا وباطلاً ويدافع عنها صوابًا وخطأً.
وأنا هذا دائمًا الذي ما بفضله لطلاب العلم والدعاة والمصلحين: لا تنتمي إلى طائفة، أنت من الإسلام العظيم. طبعًا أقصد طائفة عمل، أما عقيدة بده يكون لك عقيدة، أنا أقصد طائفة عمل، أنت من الإسلام العظيم. هسا الناس دخلت في طوائف هذا شأنها، لكن أنت كطالب علم أو كداعية أو كمصلح دائما حاول أن تتجرد، وأن تكون منتميًا إلا للإسلام، ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ﴾ [الحج: 78]. خلي الإسلام هو اسمك، لما واحد يعرفك مين حضرتك؟ والله مسلم طالب علم، انتهى، بدون ما يظهر لي أي انتماءات فئوية وجماعتية وحزبية وفكرية وما شابه ذلك.
لأنه سبحان الله بتجاربنا الكثيرة، أن الإنسان متى ما دخل ضمن شيء دافع عنه حقًا وباطلاً، وهذا مشكلة؛ لأنه خلص تشعر أنه هؤلاء جماعتي لازم أدافع عنهم. أما طالب العلم أو الداعية لا يكون مع الأخ، مع جميع إخوانه مع جميع الطوائف والجماعات، يعمل مع هؤلاء في الحق، ويشارك هؤلاء فيما عندهم، ويعمل مع هؤلاء من أجل مشروع الأمة، بس لما يخطئوا هؤلاء الذين اشتغلت معهم اليوم، بقدر أقول لهم: ترى هذا باطل، الذي عملته منكر لا يرضي الله. وهؤلاء الجماعة الذين أنا أحبهم وأحبوني في الله، أستطيع أن أقول لهم أنكم أخطأتم في كذا وكذا. ليه؟ لأنه أنا مش محسوب على أحد، أنا مسلم بس، نقطة وسطر.
ما عندي أي تعريف أكثر من ذلك، عندما أعرف نفسي بالتالي أمتلك حرية الانتقاد أو الإصلاح أو التوجيه لأي خطأ موجود في الساحة، دون أن يحسب هذا الخطأ علي وعلى تجربتي الإصلاحية. إن الجميع يجب أن يعرف أنني لا أنتمي لأحد، وإنما أنا مسلم. هذه قضية موجودة في شخصية شيخ الإسلام، شيخ الإسلام ما كان حتى ينتسب للحنابله في زمنه، ما كان حاط حاله في شلة الحنابلة أو شلة الأشعرية. لا، لأنه هو بالعكس كان يضرب الحنابلة أو ينتقدهم في كثير من تصرفاتهم. هو حنبلي الفقه تمام، بس هو الحنابلة كانوا قديمًا يعتبرون تجمعًا ضد الأشاعرة، هنا الحنابله ليس بالمعنى الفقهي، الحنابله بمعنى العقدي، كانوا تجمعًا ضد الأشاعرة، وكانوا أحيانًا يكونون قساة، يعني بيعملوا مشاكل وحجارة ودنيا، وسكروا مسجد على الشخص، والأشاعرة ضربوا، فكان شيخ الإسلام ينكر على الطائفتين: يا عمي ما حينفع ليست هكذا تحل الأمور بالمشاكل ويصير بيننا دم، لا في قدرة على التفاهم والحوار. فكان شيخ الإسلام هكذا نفسه أنه أنا كما قال: عالم للأمة.
أنا معاه فقط لأنني أريد أن أكون مع فلان وفلان وفلان وفلان، وأصلح الأخطاء التي هنا وهنا وهنا، وأن يحبني الجميع. بس في نفس الوقت انتبه لها، أنه بعض الشباب بقول لك: أنا ما بدي أكون منتميًا لأحد بس نازل طحن في الجميع، تمام، هو برضه ما بيزبط. يعني أنت بدك الجميع إخوانك في الله على أفكارهم وتوجهاتهم واختياراتهم، إخوانك في الله، مجتهدين متأولين فيما أخطأوا به نحسبهم، أخطئهم ويخطئوني، أصوبهم ويصوبوني، نشتغل مع بعض. بس أنا مش شغال 24 ساعة انتقاد في إخواني؛ لا، إذا فعلوا خيرًا مدحته، وإذا فعلوا خطأً انتقدته.
للأسف عندك اليوم نموذج من الناس التي تزعم أنها مستقلة، بس هو لا يذكر إخوانه إلا عند الانتقاد؛ إذا في خطأ فعلته الجماعة بتلاقيه نزل مقطع، طيب جزاك الله خير، طيب الجماعة أحسنت في اليوم الثاني؟ لا، ما بينزل مقطع، طيب ليه؟ يعني أنت لا تمدحهم ولا تذكرهم إلا عند خطئهم ولا تمدحهم عند صوابهم؟ هل هذا إنصاف؟ هذه مشكلة، أنه أنت لا تستطيع أن ترى إلا الخطأ الذي عند غيرك، ولا تستطيع أن ترى الصواب الذي عند غيرك. المسلم متوازن، إذا أراد أن يكون عالمًا أو داعية إصلاحيًا عليه أن يمارس قدرة التوازن، توازن أنه أصابوا في كذا وأخطأوا في كذا. لذلك شيخ الإسلام كان دومًا يحرص على أن يجعل الناس تلتئم حول القائد المسلم؛ إذا كان هناك رجل يقود الناس نحو الخير تجد شيخ الإسلام يحب أن يجمع الناس حوله؛ لأنه في النهاية لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم، ولا سراة إذا جهالهم سادوا. الناس ما بينفع تضلها عشوائية، أنه كما قلنا ستسود فيهم روح الجماعاتية والتفرق والتفرد، وكل خمسة بيعملوا جماعة وكل سبعة بيصيروا طائفة، ما بينفع.
لا بد أن أجمع الناس حول قائد مسلم أو حول جهة معينة مسلمة على ما فيها من الأخطاء والمنكرات، ممكن تكون فيها، يعني ما في جهة معصومة إخواني، كما يقول ابن تيمية بعد انتهاء الخلافة الراشدة، لا تتصور أنه راح يجيك عمر بن الخطاب من جديد. يعني بعض الناس وقته أنه لا أنا ما بكون إلا مع عمر بن الخطاب، إذا ما جاء عمر بن الخطاب أنا لا يمكن أشتغل مع أي قائد مسلم، هذا ما هو صحيح. سيأتيك إنسان إن شاء الله غلب خيره وفيه جانب من الشر، فانت تشارك فيما غلب فيه من الخير، هكذا هي الدنيا. أنا أعتقد أن كثيرًا من طلاب العلم يحتاج إلى أن يعيد صياغة عقله في نظرته للواقع وفي الإصلاح، وفي كما دائما شيخ الإسلام يركز على خير الخيرين وشر الشرين.
شيخ الإسلام يقول الحياة مش خير وشر، قال هذا يعرفه الجميع، الحياة تقوم على أن تعرف خير الخيرين وشر الشرين، فيمكن أشارك في الشر الأدنى من أجل دفع الشر الأعلى. تخيل ممكن تشارك في الشر الأدنى؟ معقول أشارك يا شيخ في شر؟ نعم، إذا كنت تعلم أن هذا الشر سيدفع ما هو أعلى. من اللحظات ومن الأمور الجميلة في هذا الموضوع يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: جاءت فترة التتار دخلوا دمشق، فشيخ الإسلام طبعًا التتار كانوا يشربون خمورًا بكمية هائلة، فشيخ الإسلام شو كان يقول للشباب المسلمين في دمشق؟ دعوا الخمور، يعني خليها تدخل. إيه شيخ الإسلام شو خمر هذه؟ قال خليها تدخل. قال هؤلاء التتار إذا شربوا الخمور سطلوا فلا يقتلون أبناء المسلمين ولا يعتدون على عورات المسلمين، أما إذا استيقظوا من سكرهم، اعتَدوا على العورات والأعراض. الإسلام إنما منع شرب الخمر من أجل ماذا؟ حتى يبقى عقل الإنسان مستيقظًا من أجل أن يمارس الطاعات والعبادات، فإذا كان استيقاظ الإنسان أسوأ من سكره، لا خليه يسكر. فكان يقول لهم هذا، بستغرب منه البعض، معقول شيخ الإسلام هو نفسه يقول هذا؟ وهذا ليس إباحة للخمر والعياذ بالله، وإنما هو نظرًا إلى شر الشرين. طبعًا مش أنه هو شيخ الإسلام كان هو نفسه يأخذ الخمر لهم، لا، هو كان يرى الخمر تدخل لدمشق فيقول لا تعترضوها، خلوهم يشربون، أنا بدي إياهم يشربون لاني إذا شربوا انكف شرهم عن المسلمين. مين عنده هذا البعد الفقهي في الكلام؟ مين عنده هذا التحليل في أزمات الأمة اليوم واقعها؟ أنك ترى أمورًا منكرة، أنا شايفها وبدي إياها تصير؛ أنا بدي إياها تصير ليه؟ حتى أدفع شر أعلى بها.
قال شيخ الإسلام هذا هو الفقيه، مش الفقيه الذي يشوف الأبيض والأسود، الفقيه الذي يشوف درجات السواد أيها أشد سوادًا، ودرجات البياض أيها أشد بياضًا؛ لأنه ما دامت الخلافة الراشدة انتهت، فالناس اليوم في معاصي وفي خير، أنا بدي أفعل الخير ولو حصل شيء من المنكر. تمام، أنا ما بشارك طبعًا في المنكر كشخص، لكن لو سئل ممكن أغض الطرف عنه، ويمكن أمر به بدرجة من الدرجات لأنني أعلم أن في هذا مصلحة أعلى مرجوة أو مفسدة أعلى مدفوعة، هذا كله من مواقف شيخ الإسلام ابن تيمية.
ما بعرف كم ذهب من الوقت وكم باقي من الوقت، أنا صارت الساعة السابعة. طيب يعطيكم العافية شباب، الحقيقة أظن هذه التجربة بالخمس عشرة نقطة التي قدمناها أعتبرها هي خلاصة فيما أفهم منهج شيخ الإسلام ابن تيمية، منهج عالم ومصلح في أزمة من أزمات الأمة، في أزمة التتار هذه. النقاط الخمس عشرة تستطيع أن تنقلها أنت لأي أزمة من الأزمات الأخرى التي تمر بها الأمة، وحاول أن تعرف ما دورك وما هي الجهة التي تستطيع أنت أن تعمل من خلالها بشكل منطقي واقعي متوازن، لا يجلب لك الويلات ولا لأمتك الويلات، لكنه يحقق الإصلاح على المدى البعيد.
تمام، أعود فأقول إخواني، الإصلاح عملية طويلة النفس، وليست الثمار تجنى بعد شهر أو شهرين. الإصلاح ممكن اليوم أنت عم تصلح ولا ترى ثمار إصلاحك، لكن ترى بإذن الله الأجيال القادمة، ليس شرطًا أنت أن تقطف ثمار الإصلاح لأننا كثيرًا ما تخفق تجاربنا الإصلاحية بالاندفاع والحماس، لأننا نحن نريد أن نقطف الثمار وما عندنا استراتيجية مرسومة لفهم كيف يكون الإصلاح، وقاعدة خير الخيرين وشر الشرين، فهم معنى الصبر إلى أن يجعل الله فرجًا ومخرجًا. فهم نعم في لحظة معينة هي لحظة بدر، وفي لحظة معينة هي لحظة مؤتة، في لحظة معينة هي لحظة ثبات، وفي لحظة معينة هي لحظة انسحاب، لأن الحياة عبر.
تاريخ المسلمين سلمت مناطق للعدو لكن أعاد المسلمون فتحها من جديد، وهذا كان أحد الخيارات الفقهية. هذه الخيارات الفقهية كانت متاحة، ففي مناطق اضطر صلاح الدين وسلمها للصليبيين، سلمت ولم يروا ذلك خيانة ولا عمالة؛ لأن صلاح الدين فتح دبا بكونها فوق طاقتنا، لكن عاد المسلمون ففتحوها في وقت لاحق. لا بد أن نوسع دائرتنا الفقهية ودائرة التفكير، وعدم المزايدة على العلماء، وإعادة بناء الثقة مع العلماء والمصلحين. وفي نفس الوقت عدم مطالبة العلماء والمصلحين بمثالية عالية؛ لأن هذه إحدى المشاكل أن كثيراً من الناس يريد أن يطالب العلماء والمصلحين بشيء فوق طاقتهم.
أنت الآن بدك ترفع المشكلة عن أهل غزة، طيب هذا الشيخ مسكين هو دوبه قادر يعطي محاضرة، بدك يرفع هو المشكلة الآن عن أهل غزة؟ لا. طيب هذا الشيخ بدي إياه يومياً يحكي عن أهل غزة، هل هو مطلوب؟ هو ادعوا لهم ونثير لكن في النهاية التجربة الإصلاحية أطول من ذلك. أنا أعتقد أن إحدى المشاكل أننا نحن فقط نعيش مرحلة معينة، لا نعيش الواقع البعيد. في النهاية هناك أزمات كثيرة مرت بها سوريا، مر بها السودان، مر بها غزة، مر بها كثير من بلاد المسلمين، هي الأزمات تحتاج إلى عقل جمعي نوعاً ما يفكر في كيفية الإصلاح المتوازي للخلاص من هذه المشاكل، وفي نفس الوقت لا تطالبني بشيء فوق طاقتي حقيقة.
في نفس الوقت أنا مطالب أيضاً أن يكون لي حضور لإصلاح الناس والكلام في هذه الوقائع. العالم والداعية مطالب أن يكون له حضور ومشاركة وإسهام فيما كلفه الله به ضمن هذه التجربة الإصلاحية. أنت حسب موقعك تستطيع مخاطبة سلاطين الزمان، خاطبهم، تستطيع أن توفر بيئة معينة لدعمهم مالياً، ادعمهم، وفي شخص آخر ما بيستطيع، هذا بتكون وظيفته ماذا؟ هو تربية الناس وإصلاحهم وتثبيتهم إلى أن يجعل الله فرجاً ومخرجاً. هي باختصار عملية معقدة نحتاج اليوم أن ندرسها معاً لنفهم كيف نخرج من هذا الواقع المؤلم.
لماذا؟ لأن الواقع الذي تمر به الأمة اليوم، سامحونا على الختام هذا لكن حتى تتوج المحاضرة بهذا الختام، واقع لم يمر سابقاً أبداً. لماذا؟ استطاع العالم أن يصبح عنده نقطة مركزية، قديماً كان العالم لا مركزياً؛ شو يعني لا مركزي؟ يعني كانت فعلاً المسلمين في بلادهم عندهم قدرة على اتخاذ القرارات، صح بيكون في مؤامرات هنا وهناك، لكن في بشكل عام لا مركزية، ما كان في قطب للعالم هو الذي يدير العالم، لا، كان في عالم إسلامي وعالم مشرقي ومغربي وكل واحد له حياته وغزوات صليبية على العالم الإسلامي، ولو في هناك واحد خائن هون، في واحد منيح هناك، كان في نوع من القدرة على المواجهة.
اليوم العالم المعاصر يختلف تماماً، اليوم العالم يتجه نحو قطبية المركزية الواحدة. أنت عندك الصهيونية العالمية بأذرعها استطاعت أن تعمل شبكة عالمية ونظام العولمة تتحكم بمفاصل العالم بشكل مرعب. وأحياناً بتحضر بعض الوثائقيات حتى في دول أفريقيا ما حدا داري عنها بتلاقيهم واصلين هناك ومتعاملين مع الناس وأسسوا شركات وما شابه ذلك، طبعاً هم مش آلهة، وهم بشر، وهم كيد الشيطان الضعيف، بس هم في النهاية رسموا خططاً وآليات ووسائل وأدوات ومشوا على أسباب معينة فوصلوا إلى ما وصلوا إليه تماماً.
نحن كما قلنا معرفة أسباب الهزيمة مهمة؛ تفرقنا وتآكلنا ونشبنا مع بعضنا البعض ولم نفكر بعقلية جمعية، فبالتالي أصبح العدو من السهل أن يفترسنا. عدونا مشى بطريقة عقلية عالية جداً بهدمنا من الداخل، ما عاد العدو فقط يفكر بغزوه من الخارج، لأ أصبح يفكر كيف أنشئ لهم جمعيات ومؤسسات تهدم الفكر وتشوهه، فأصبحنا نعاني من تشويه في الداخل ومركزية في الخارج تحكمنا، فالعالم أحكم القبضة علينا هكذا تماماً. أنت حتى تفك هذه القبضة هذا أمر يحتاج إلى سنوات، بل قد يحتاج إلى أجيال.
بعض الناس يقولون لا يا شيخ النصر خلال 2027، سيبني من هذه الأعداد وخلينا نحكي الآن بواقع؛ لأن هذه الأرقام في وجهة نظري هي إحدى المشاكل. يا عمي ما بينفع هذا الكلام، بدك نضحك على بعض؟ هذا مش علم، بدك علم خليني أتكلم علم. العدو اليوم ماسك تماماً محكم السيطرة، فجوات خفيفة مفتوحة، عليك أن تفكر بالعقل الإسلامي كيف يتم تفكيك هذه الكماشة المغلقة عليك، أو هذا السجن المغلق عليك تماماً، هذا يحتاج إلى تفكير طويل؛ لأن اليوم أنت محتاج أن تفكر بآليات ووسائل قد لا تكون مورست عبر تاريخ الإسلام في العقود الماضية كلها؛ لأن هذه التجربة المعاصرة للعالم الإسلامي بعد سقوط الخلافة العثمانية لم تمر على العالم الإسلامي ما مرت به بهذه الطريقة بهذا الذكاء.
قديماً كانوا يقولون مرت ثمان قرون على أوروبا لم يكتب فيها كتاب ما كان فيها علم وكانوا منشغلين فقط بمحاربة العالم الإسلامي. من لما بدأت أوروبا في التنوير وحركات كانت تعرف اليقظة وبعد الثورة الفرنسية صارت أوروبا تفكر؛ كانوا قديماً فقط شغالين فينا دك، وهم لاحظوا أن هذا يؤذيهم أكثر ما ينفعهم. بعد ما حصلت الثورات في أوروبا وتركوا الكنيسة ورموها وراء رموزهم، صاروا يفكروا بعلم دنيوي، فوجدوا أننا نستطيع أن نهيمن على المسلمين بدون هذا التعب الكبير، فأسسوا المشاريع البحثية والأفكار وما شابه ذلك حتى وصلوا إلى هذه القبضة بعد حوالي قرن من سقوط الخلافة العثمانية عام 1925.
اليوم نحن بنحكي 2025، قرن من سقوط الخلافة العثمانية، هم استطاعوا أن يصلوا إلى أبعاد هائلة، كل هذه الأجهزة وكل هذه التقنيات وكل هذه التكنولوجيا أصبحت محيطة بك تكشفك تماماً، حتى كلامي الآن كله بالنسبة لهم مفهوم ومسموع، كل شيء بالنسبة لهم مسموع وملاحظ. طبعاً مش كل شيء، في كلام يعني مش بشر، حتى لا يقول لي البعض يعني أنهم وصلوا، معقول يا شيخ؟ أنت بتهول من أمرهم؟ أنا ما بحب أهول، لكني ما أحب الاستخفاف بقوة العدو. عدوك قدرات هائلة وأنت متخلف عنه لفترات كبيرة جداً، عليك أن تكون هادئاً وذكياً ومتوازناً في فهم كيف نفك هذه الشبكة، وهذا برجع بقول لك هذا لا يوم ولا بيومين. لما احتلت بيت المقدس 492 تقريباً، صلاح الدين فتحه 583، نحكي عن قرنين، هكذا الأجيال.
بالتالي هنا هذا يجعل طالب العلم ما يكون مثالياً، وأنه أنا بعد سنتين راح أفتح الفتوحات. يا سيدي إذا ربنا أتانا بالخير أنا مسرور بذلك، بس أنا بحب أكون واقعياً أنني أضع حجر أساس قويماً لأجيال قادمة من الأمة تبني عليه، بدل ما أظلني في الحلول المندفعة والسريعة التي نحن نرى إلى الآن تجلب علينا إلا الدمار والأذى والقتل والتشرد. مش عم نستفيد لأننا لا نفكر، وإنما للأسف أصبحنا إذا بدي أقول انقلبت الحكاية، أصبحنا نحن اللي بنعابط معهم مش هم اللي بيعابطوا معنا. ثمان قرون صرنا نحن اللي ما بدنا نفكر وبدنا نأخذ الأمور بالمواجهة وبالضرب وبالكذا.
طيب أنت قادر؟ هل أنت تعرف قدر الفرق الهائل في العتاد؟ يا شيخ نحن موحدون! يا شيخ لا تحكي معنا في قضية الفرق الهائل في العتاد؛ لأنه أنا مسلم وأنا منصور بدين الله. شوف، وهذه الأدبية الله يكرمك خففها شوي، النبي صلى الله عليه وسلم هو أعظم الموحدين، في حدا يزاود على هذه النقطة؟ ومع ذلك بذل الأسباب. فالإسلام لا ينصر بالكرامات، يعني صح أنت موحد جزاك الله خيراً مسلم، بس مين قال لك أنه هذا وحده ستنصر كرامه؟ لا، هذا الكلام هو اللي عم بيعمل لنا مشكلة مع بعض العقول المندفعة، أنه لا، أنت ماشي جزاك الله خيراً مسلم تحب دينك، لكن الله عز وجل يقول: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم﴾ [الأنفال: 60]، مش أنا الذي أقول كذلك.
بالتالي هل أنت واصل لمرحلة ما استطعتم؟ لا، في كثير فجوات وهناك فرق هائل بينك وبينهم في العدة والعتاد. إذاً فكر بهدوء، أصلح شأنك وشأن أمتك، خلينا نفكر كمسلمين جميعاً على مختلف أطيافنا بتجاربنا الإصلاحية ونعيد تقييمها، وننظر في منهج شيخ الإسلام ابن تيمية الإصلاحي وندرس، سواء منهج شيخ الإسلام ابن تيمية أو من قبله أو من بعده. هذه التجارب الإصلاحية التي نقلت هذا كنز ثمين يحتاج أن تدرسه، وتعرف أن الإصلاح ليس حركة عشوائية، ليس اندفاعاً، ليس حركة عاطفية، ليس كلاماً على السوشيال ميديا، وإنما هو عقل ومنطق وفهم وتحليل. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقني وإياكم بكل ما هو خير، سامحوني على الإطالة، ونسأل الله عز وجل لنا ولكم التوفيق والسداد، وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل