السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأصلي وأسلم على النبي المصطفى، صلاة تترى وعلى آله وصحبه ومن نهجه اقتفى. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علما نافعا يا أرحم الراحمين. اللهم جنبنا كرات الأخلاق والأعمال والأهواء والأدواء. لا إله إلا أنت سبحانك إنا كنا من الظالمين.
حياكم الله الإخوة والأخوات جميعا في مجلس جديد من مجالس الأمسية. هذه المجالس التي نستهدف من خلالها طرح بعض القضايا الإيمانية أو التربوية أو الفكرية التي يحتاج الشباب المسلم والشابات المسلمات أن يكونوا بالمام بها، أو أن يكون الإلمام بها واضحا بينا في حياتهم؛ خاصة في هذا الواقع الذي تلتبس فيه الأمور، وتضيع فيه البوصلة، ويتحير فيه كثير من الشباب السائر إلى الله سبحانه وتعالى.
مسيتنا الثانية عشرة أيها الكرام فيما يتعلق بالقرآن وصراع الهوية. البعض يقول ينبغي أن تضم الهاء، وهذا السؤال والحقيقة أو عنوان هذه المحاضرة أتاني من قضية أفكر فيها، وهي: أن العرب الذين نزل عليهم القرآن، ماذا كان حالهم قبل مجيء القرآن؟ كانوا أمة مستضعفة يستضعفها الروم والفرس، وكان أقصى ما لديهم الغضب من أجل العشيرة والمعارك التاريخية الكبيرة كداحس والغبراء والبسوس وغيرها. تشهد على ذلك مرام أحدهم أن يلبي مجموعة من الشهوات والملذات التي يعيش من أجلها على مستوى حياته الشخصي، وانتهت حياتهم عند هذا الحد.
دائما نفكر بهذه القضية: كيف استطاع القرآن أن يعمل لهؤلاء العرب الذين كانوا مستضعفين في تلك الجزيرة؟ كيف استطاع أن يشكل لهم شخصية وهوية وأن نموذجا؟ خلال سنوات محدودة استطاعوا من خلال هذه الهوية والشخصية أن يغيروا وجه العالم، بل يغيروا وجه التاريخ. هنا يأتي سؤال الهوية وما دور القرآن في صناعتها وصياغتها للشاب المسلم.
هذا الكتاب العزيز العظيم استطاع أن يغير تلك العقلية العربية التي كانت تعيش من أجل القبيلة والعصبية ويخوضون معارك طاحنة على أتفه الأسباب. استطاع القرآن أن يشكل لهم نمطا حياتيا آخر، جعلهم يفكرون باهتمامات أسمى وأعلى، جعل أنماطهم الشخصية وأخلاقهم وسلوكياتهم مختلفة تماما عما كانت عليه، فقادوا الأمم وسادوها خلال بضع سنوات.
فالسؤال العريض إذا: ما هو دور القرآن في صراع الهوية؟ وكيف يعيد القرآن تشكيل العقل الإنساني والفكر الإنساني والنفس البشرية؟ دائما يقولون عليك أن تبدأ بالمفاهيم والمصطلحات، لو سألت هكذا سؤالا: ما معنى الهوية قبل أن ندخل كيف القرآن يعيد صياغتها؟
لو سألتك أنت يا من تسمعني وتشاهدني الآن: ما هويتك؟ هل تعرف دلالة هذا السؤال؟ ولا ستقول لي: ماذا تعني بمفهوم الهوية عموما؟ أنا لا أحب التعمق في قضية التعاريف والحدود والمصطلحات، وأحب أن أقدم أسهل التعاريف التي توضح المقصود. كثير من علماء الاجتماع والعلماء الذين يتكلمون في هذه المسائل يعرفون الهوية بأنها مجموعة الأوصاف والسلوكيات التي تميز هذا الشخص عن غيره ويتم تعريفه من خلالها.
أنا لو قلت لك: عرف لي عن نفسك من حيث ليس اسمك واسم والدك واسم عائلتك، عرفني عن نفسك من حيث سلوكياتك، طريقة تفيرك، اهتماماتك، نظرتك للحياة والوجود، ما هي الأمور التي تجد نفسك منشغلا فيها في الحياة؟ فلما تبدأ تكلمني عن نفسك وعن أنماطك وعن أخلاقك وسلوكياتك واهتماماتك ودراستك والأماكن التي تحب أن تكون حاضرا فيها، هنا آخذ تصورا عاما عن شخصيتك. هذا التصور العام عن شخصيتك هو الهوية بدون تعقيد وبدون الابتعاد أكثر في التعاريف العميقة. إذا هوية الإنسان هي مجموعة الأوصاف والسلوكيات التي تميزه عن غيره ويتم تعريفه من خلال هذه الأوصاف والسلوكيات.
وبالتالي، لو أسقطنا هذا التعريف للهوية على العرب، سأقول لك: ما هوية العرب قبل القرآن؟ ما هي أوصافهم وسلوكياتهم واهتماماتهم؟ وكيف كانوا يعرفون بالنسبة للعالم من حولهم؟ كان سينظر إليهم على أنهم مجموعة من رعاة الإبل والبقر والغنم، مجموعة من الأناس الذين لا يوجد لديهم كتاب بين أيديهم يقرؤونه ويتلونه من الكتب السماوية، مجموعة من الجهال يعيشون من أجل لذات شخصية وعصبيات قبلية يتناطحون فيما بينهم، يتبعون مواطن القطر بمدنية محدودة جدا مقابل الأمم الكبرى التي كانوا يجاورونها؛ أمة الروم والرومان بدولهم العظمى، والفرس، واليمن، والحبشة وما شابه ذلك.
الذين أصلا بعضهم كان يتبع للفرس وبعضهم كان يتبع للروم، ولذلك كان العرب بشكل عام يتم شراء ولاءاتهم بسهولة؛ فالروم تأتي إلى بعض القبائل العربية التي تتاخمها فتشتري ولاءها وتجعلهم تبعا لها مقابل بعض الامتيازات، والفرس تذهب إلى بعض الدويلات العربية كدويلة المناذرة تشتري ولاءاتها وتستعملهم وتطلب منهم أن يكونوا خدما لها.
هذا الواقع الذي كان يسود الجزيرة العربية قبل مجيء القرآن هو شبيه لدرجة ما بالواقع الإسلامي اليوم؛ أمة مستضعفة، توجد أمم كبرى تتناطح عليها، يتم شراء ولاءاتنا واستضعافنا بشكل مستمر. ولكن سياتي معنا في سياق محاضرة اليوم أن ما يحصل الآن بالنسبة للهوية الإسلامية وهوية الشاب المسلم هو أصعب وأسوأ مما حصل لهوية العرب القديمة قبل مجيء القرآن؛ لأننا وصلنا إلى زمن اللاهوية.
نحن وصلنا مع الحداثة المعاصرة وما بعد الحداثة إلى زمن اللاهوية أصلا. العربي القديم الجاهلي كان يعيش لأمور تافهة وكان سهل شراء ولائه، لكنه في النهاية كان يعيش لهوية ما؛ كان يعيش له هوية قبلية، يعيش له هوية مضر أو ربيعة، يعيش لولاء معين يريد أن يحققه وإن كان ولاء باطلا أو تفكيرا فاسدا، لكن على الأقل في مفهوم الهويات كان هناك مفهوم القبيلة والعشيرة والانصياع لها، مفهوم الحياة الشخصية والنمطية، مفهوم بعض الأخلاقيات والسلوكيات التي تشكل له هوية وإن كانت هوية يختلط فيها الحابل بالنابل.
أما اليوم فالأمور أصبحت أصعب وأصعب في عالم العولمة المعاصر. لماذا طرحت موضوع العرب قبل الإسلام؟ لأنني أرى أن هناك كثيرا من مناطق التشابه بيننا وبينهم من جهة الاستضعاف وتسلط الأمم علينا، وكيف أن الأمم المغلوبة دائما تكون مستأجرة للأمم الغالبة.
هنا سأنتقل إلى السؤال الذي يليه بعد أن تكلمت عن مفهوم الهوية وحاولت نوعا ما بشكل مختصر أن نفهم ما هي هوية العرب من حيث أوصافهم وسلوكياتهم واهتماماتهم قبل مجيء القرآن. دعوني أنتقل إلى السؤال الثالث في مجلس اليوم: ماذا حصل بمفهوم الهوية في الواقع المعاصر؟ وماذا حصل بمفهوم الهوية في واقعنا المعاصر؟ ولنكن ربما أعمق في السؤال بشكل أكثر: كيف سعى الأعداء؟ كيف سعت الصهيونية والماسونية العالمية وأذرعها في العالم لإسقاط الهوية الإسلامية وتشويهها؟ أي تذكرون لما قرأنا في كتاب الاتجاهات الوطنية الغنية للأستاذ محمد حسين، وأيضا له كتاب آخر حصوننا مهددة من الداخل، وكثير من...
الكتب الذين تكلموا عن فترة سقوط الخلافة العثمانية وما قبلها بيسير وما بعدها بيسير؛ كان كتاب تلك المرحلة يتكلمون أن الغرب والصهيونية والماسونية بأذرعتها سعوا دائمين من أجل تحطيم الهوية الإسلامية عند الشباب المسلم والفتيات المسلمات، سعوا إلى صناعة هويات أخرى تزاحم الهوية الإسلامية، أليس كذلك؟
فصنعوا لك مفهوم القومية والعروبة، وأحيانًا كان يصنع ما هو أسوأ: الفرعونية والآشورية، صنعوا بعض الولاءات حتى في الأمور التافهة من خلال كرة القدم، من خلال القطرية التي يحاولون تقسيم العالم الإسلامي إليها دوماً. فهذه كانت أول خطوة استطاع الغرب وأذرعهم أن يفعلوها في العالم الإسلامي في سياق تشويه الهوية الإسلامية؛ هي صناعة هويات أخرى يتم المزاحمة بينها وبين الهوية الإسلامية.
فأنت عندما تتكلم عن القومية والعروبة، وعن اللي بعد ذلك، طبعاً صنعوا لك الليبرالية والاشتراكية والرأسمالية، صنعوا لك منظومات كثيرة. الهدف من هذه المنظومات التي تُصنع بشكل مستمر هو أنك يا أيها الشاب المسلم ويا أيتها الشابة المسلمة تبدأ أولاً تقبل المزاحمة.
كان في فترة الستينات والسبعينات أن تجد مسلماً شيوعياً، ينادي أنه مسلم بس هو نظام شيوعي، أو مسلم لكنه يدعو إلى القومية العربية، أو مسلم لكنه مع النظام الرأسمالي ويفاخر ويدافع عنه. كنت تسمع هذه التناقضات وتشاهدها في حياة كثير من المسلمين. لمن قرأ عن تلك الحقبة، ربما نحن لم ندرك حقبة الستين والسبعين، لكننا قرأنا عن عقول البشر وعقول المسلمين في تلك الفترات، ووجدنا أن هناك هويات أخرى صنعت لتزاحم وتقبل الشركة.
فأنت تصبح تشعر: هل هناك تعارض بين أن أكون أنا مسلماً وعلمانياً؟ هل هناك مشكلة أن أكون أنا مسلماً ليبرالياً؟ كما قلنا: قومجي مسلم لكن أدافع عن حزب شيوعي يساري يميني؟ هذه بثت في العالم، وأصبح كثير من الرجال وأصحاب العقول والفكر للأسف يزدلفون لهذه القوميات المزاحمة أو الهويات المزاحمة، ويحاولون تصوير أن الأمر يقبل الشركة، وهذا في الواقع هو بداية السقوط وبداية التشويه للهوية الإسلامية.
ما بعد ذلك، هذه تسمى فترة الستينات وما قبلها تسمى فترة الحداثة وصناعة الهويات المزاحمة. الذي حصل بعد الستينات وبداية السبعينات وما يسميه عبد الوهاب المسيري، أصبح هناك ما يسمى بسيولة الحداثة أو سيولة ما بعد الحداثة. ماذا يعني؟ يعني ما بعد الستينات والسبعينات بدأوا يفكرون أننا لا بد أن نوصل الشعوب إلى مرحلة ليس فقط أن يقبلوا بهوية تزاحم هوياتهم، إلى مرحلة نفقد فيها معنى الهوية أصلاً ونصل إلى اللاهوية.
وهذا ما يسميه عبد الوهاب المسيري كما قلت لكم: "السيولة". عبد الوهاب المسيري من أبرز أفكاره التي ذكرها في أكثر من كتاب، وكان يرصد الفلسفة الغربية ماذا فعلت بالإنسان المعاصر. يتكلم كيف بدأت الفلسفة الغربية تتكلم عن الإنسانوية وأن يكون الإنسان هو المحور باعتباره جنساً، ثم بعد ذلك انتقلوا لمرحلة الفردانية، وهو أنه ليس الإنسان كإنسان، بل أنت نفسك، أن تكون أنت ترى أنك أنت مركز الدنيا، فتلبي شهواتك وملذاتك وأنت المقصود، فتعظم نفسك وتعطيها المساحة الأكبر، فيصبح تعريف لنفسك بذاتك.
ثم بعد ذلك انتقل إلى الثنائية الصلبة، وكيف أصبح هناك مركزيتان في الوجود: الإنسان والطبيعة، ثم بعد ذلك الأحادية الصلبة، وأنه تم وضع الإنسان على أنه جزء من الطبيعة وجاءت نظريات داروين وغيرها، وكيف أصبح الإنسان يعامل ككائن بيولوجي جزء من الطبيعة وأصبحت الطبيعة هي المركز. يقول لك كل هذه مراحل مرت بها التصور الغربي للإنسان إلى أن وصلنا إلى أسوأ المراحل وهي مرحلة السيولة.
مرحلة السيولة تعني أيها الشباب أنه لا يوجد شيء ثابت نتحاكم إليه، وإنما نسبية المعرفة ونسبية القيم ونسبية الأخلاق. الإنسان قد يرى هذه المجموعة من الأخلاق أو القيم يراها مقبولة، وأنت لك مساحة أن تراها غير مقبولة؛ فلان قد يرى الشذوذ الجنسي شيئاً طبيعياً وعادياً وتصرفاً إنسانياً، وذاك الآخر يرى شيئاً سيئاً وقبيحاً.
فهؤلاء أرادوا أن يوصلوا الشعوب، وحقيقة هذه المشكلة ليست خاصة فقط بالشعوب المسلمة، بل أرادوا أن يوصلوا عامة شعوب الأرض لإفساد البشرية. ما هؤلاء هم اليهود الصهاينة المفسدون في الأرض، يريدون أن يوصلوا جميع الشعوب إلى هذه المرحلة: مرحلة اللاهووية، مرحلة نسبية المعرفة، مرحلة أنه لا يوجد مرجعية معينة تتحاكم إليها في حياتك.
تخيل، لسه القومية على فسادها كانت مرجعية، والعروبة كانت مرجعية، أنت هنا وصلت في هذا الزمن إلى أنك لاهوي، أنت عبارة عن كائن حي مستهلك، تتبع اللذة تتبع الشهوات، تريد تلبية طموحاتك ولا تدري لماذا تعيش. وهذه النقطة الأخيرة وهي أنهم يريدون أن يفقدوا الشعوب معنى الحياة، فتعيش لأجل.. لا لولاءات ولا لاندماعات، وإنما أنت إنسان عبد مستهلك لآلة الإنتاج العالمي للملذات؛ من المطاعم والمشارب والوجبات السريعة. النساء مستهلكة للموضات والأزياء وأدوات التجميل، مستهلكين أمام اليوتيوبرز وطرحهم وأفكارهم، وكل إنسان يفعل ما يشاء ويهوى، مستهلكين أمام قضية الرأي والرأي الآخر، مستهلكين أمام مصطلحات يصنعونها لنا وقضية الإرث الإنساني المشترك والعولمة وغير ذلك من العبارات التي يأتون بها.
إذاً لما تسمع كلمة العولمة بحد ذاتها، وهذا سيقود إلى فكرة العولمة، فهما قضيتان متعلقتان بالسيولة المعاصرة: قضية تضخيم اللذات. أصبحت اللذة مضخمة بشكل هائل، وأصبح الإنسان أقصى ما يعيش من أجله هو أن يكون في سباق اللذة، في سباق محاكاة الواقع وما تنتجه الشركات العالمية في كل المساقات؛ سباق اللذة والراحة. لذلك اليوم كل يوم عندك الذكاء الاصطناعي يطلع لك فكرة جديدة من سبل الراحة؛ من الأثاث والأمتعة والأطعمة كما قلنا والأشربة والملذات والشهوات، حتى العلاقات الجنسية وما شابه ذلك، ينتجون لك لها أدوات ووسائل. هذا يجعل الإنسان يلهث خلف اللذة، ويصبح لا يعيش لهدف وغاية معينة ينتمي لها، هو فقط داخل في هذا السباق ويلحق وراءه وخلف كل جديد وخلف كل ما تصدره هذه الشركات العالمية.
ثم كما قلنا جاءت فكرة العولمة، والعولمة ما أدراكما! العولمة وهي أحد أسوأ الأفكار عبر التاريخ الإنساني، والهدف من خلالها طبعاً هو إذابة كل هويات الشعوب وليس فقط الهوية الإسلامية، أن يصبح العالم قرية واحدة. هذا معنى العولمة باختصار: أن نذيب كل فارق بين الشعوب والأمم ليصبحوا كقرية صغيرة في عالم السوشال ميديا المفتوح، باعتبار أننا إنسانيون نشترك بإرث إنساني مشترك فلا يفرقنا دين ولا أخلاق ولا قيم، ولا يوجد فيه مسلم وكافر، مؤمن وفاسق، بل الكل يشترك أنه إنسان وله الحق أن يفعل ما يشاء ويختار ما يشاء من أموره ومصالحه وأهوائه وملذاته، وعلى الكل أن يتقبل فكرك واختيارك وما تريد، ولا يحق لأحد أن يرى أنه هو الصواب قطعاً.
والطرف الآخر هو الخطأ قطعاً، وبالتالي يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويحاكم أفكارك أو يعاقبك على اختياراتك؛ لا الكل يفعل ما يشاء، وهذا الذي أعطى مساحة للإلحاد كبيرة في واقعنا المعاصر. لذلك تعرفوا، الإلحاد هو جزء من العولمة، هو جزء من فصل الناس عن الأديان، هو جزء من أن تتقبل أي فكرة موجودة، فاتسعت الدائرة، وليس هذا هو موضوعي الآن.
هذا فقط كان استعراضاً سريعاً لمفهوم الهوية كما قلنا، من العرب قبل الإسلام إلى الهوية في واقعنا المعاصر، وأريدك أن تفهم الفرق بين الجهتين. إن العربي قبل الإسلام لما جاء القرآن يخاطبه كان له هويات هشة وضعيفة ولا معنى لها بالنسبة للمنظور الإسلامي، لكن على الأقل تتكلم عن هوية معينة؛ هذا من قبيلة مضر، وهذا من قبيلة ربيعة، ومنتمي لبيئة معينة.
ومن هنا أنا أفهم أحاديث آخر الزمان، ولماذا يكثر الهرج والمرج والفتن، وكيف يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً، وهذه الأحاديث التي تتكلم عن اختلاط العقول. بعض الناس اليوم يقول لك كيف سيصبح الناس هكذا؟ لما أنظر إلى ما يحصل الآن أتفهمها. نحن الآن نتكلم عن حالة لا هوية أبداً وسيولة. الحمد لله ما زال كثير من الشباب والفتيات المسلمات متمسكات نوعاً ما بدينهن، لكن نحن نقصد كنظرة عامة لما يحصل؛ نحن فاهمون أن الأمور أصبحت معقدة، وأن ما يطرح اليوم مذهل وآخاذ وجذاب وسريع الإسقاط وسريع الإيقاع بك في أوحال الزلل والشهوات والملذات.
سأسأل الآن سؤالاً يليه، وهو: ما أسباب ضياع الهوية في واقعنا المعاصر الإسلامي؟ نحن كمسلمين، ما الذي جعلنا نغرق في هذا الوحل؟ لو سألتك اليوم، مجرد أن تمشي في الشارع أو تدخل إلى أروقة العمل أو تنزل إلى الجامعات أو تسمع آراء الناس على السوشيال ميديا، ترى الكم الهائل من النقاشات في موضوع الهوية. السؤال: ما الذي أوصلنا إلى هذا المربع؟ ما الذي أوصل الشباب المسلم والفتيات المسلمات إلى مرحلة اللاهوية أو ضياع الهوية أو الحيرة؟
وهنا أستذكر قوله تعالى: ﴿أَوْ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى﴾ [الأعراف: 175]. هذا حال الشاب المعاصر اليوم عند كثير من المسلمين؛ أنه حيران، يسمع من جهات متعددة ومن مناطق كثيفة، كل شخص يقول له نحن الهدى، عندنا السعادة، فهو يأتي إلى هذا الفريق، ثم ينتقل إلى هذا الفريق، ثم إلى هذا التجمع، ثم إلى هذا التجمع.
هناك فرق هائل بين الشاب الواثق بهدى الله سبحانه المتمسك بالقرآن، والذي يفهم كيف يصنع القرآن الهوية ويضبطها، وبين الشاب الحيران الضائع التائه بين الدعوات العريضة وبين الجماعات والأحزاب والطوائف وما يحاول جرّه إليه. فاعود فأقول: علينا أن نبحث اليوم كدعاة وكمصلحين وكشباب دعوة، ما هي الأسباب التي تؤدي إلى ضياع الهوية للشاب المسلم المعاصر؟
أول فكرة أظن الكل يتفق معي فيها هي قضية هيمنة الثقافة الغالبة. إننا أمة مستضعفة، وبالتالي كما أن العرب كانوا قبل الإسلام أمة مستضعفة فكان يتم احتكارهم من قبل الأمم الكبرى، كذلك اليوم نحن أمة مستضعفة، وبالتالي لا نملك الأدوات ولا نملك القدرة على منع عدونا تماماً من التأثير علينا، ولا أن نمنع الشباب حتى أن يتأثروا بالعدو أكثر وأكثر، فتأتي هيمنة الثقافة الغالبة لتفرض وجودها وعقليتها على الشباب المسلم.
هنا يقول ابن خلدون في نص ملفت يقول: «المغلوب مولع أبداً بالاقتداء بالغالب دائماً»، أي أن أي أمة مغلوبة فهي مولعة، مش بس يحب، بل مولعة بالاقتداء بالغالب في شعاره وزيه ونحلته وسائر أحواله وعوائده. والسبب في ذلك أن النفس تعتقد دائماً الكمال في من غلبها وانقادت إليه.
لاحظوا كتاب "فترة الستين" لما كان يتكلم عنه محمد أحمد محمد حسين، كيف دائماً يقولون الغرب إنما وصلوا إلى ما وصلوا إليه بسبب اتباعهم المناهج المعرفية وكذا وكذا، فأصبح كثير من المسلمين يتأثرون بالحالة الغربية ويلهثون وراءها، لأنهم أصبحوا يعتقدون الكمال في بريطانيا وفرنسا وأمريكا وغيرهم، يرون أنهم كاملون ونحن ناقصون، لذلك هم تقدموا في مجالات الحياة ونحن ما زلنا في مربعنا.
والسبب في ذلك أن النفس تعتقد الكمال في من غلبها وانقادت إليه، إما لنظرها بالكمال بما وقر من تعظيمه أو لما تغالط به من أن تقاليدها من انقيادها ليس لغلب طبيعي إنما هو لكمال الغالب. الواحد أحياناً يغالط نفسه؛ "أنا ليش بحق ورا الغرب؟ لا مش لأنه هو غالبني، لا، لأنه هو كامل". لا، أنت تتبعه لأنه هو غالبك وليس لأنه هو كامل.
الإنسان العربي المسلم، أو المسلم عموماً، من انقياده للغرب ليس لغلب طبيعي؛ "مش لأنه غالبني، أنا بتبعه لأنهم متقدمون في مجالات كثيرة، فعندهم كمال يجب أن نصل إليه"، لذلك نحن نلهث وراءهم. شوف كيف رصد قضية المغالطة للنفس في هذا السياق، قال: «فإذا غالطت النفس بذلك واتصل لها اعتقاداً -يعني خلص صارت معتقدة كمال الأمم الغالبة- فانتحلت جميع مذاهب الغالب وتشبهت به».
والذي يقوله ابن خلدون هو واقع كثير من الشباب اليوم؛ أنهم يقلدون الغرب في قصات شعرهم في ملابسهم، حتى ملابس الأندية والأفرقة التي تجد كثير من الشباب المسلم مولعاً أن يشتري ملابس الأندية والأفرقة ويلهث وراء الموضات. حتى المحلات التجارية، الثقافة أن يكون اسم المحل التجاري بالإنجليزية، ليس بالعربي.
هذا لأننا مهزومون، فأصبحنا نرى أن تلك اللغة وتلك العبارات وتلك الكلمات التي تأتي من السوق التجاري الأوروبي والأمريكي هي تدل على كمال، تدل على أنك متقدم، على أنك واعي، على أنك إنسان راقٍ، وأما أن يكون اسم محل باللغة العربية، يقول لك هذا "درويش مسكين". هذا أو واحد لابس لباساً مكتوباً عليه باللغة العربية بدل اللغة الأجنبية، ينظرون إليه نظرة استخفاف واستتفاه. لماذا؟ قطعاً لأن الثقافة الغالبة بلغاتها وأسلوبها وأنماط حياتها أصبحت تهيمن على المغلوب، فأصبح هذا المغلوب المسكين يريد أن يشعر بالتقدمية والتحررية والفوقية على أبناء جنسه، فلا يشعر بذلك إلا من خلال الاقتداء بالآمة الغالبة. وهذا كما قلت ليس هو دأب الواقع المعاصر، ابن خلدون يرصد هذا في القرن الثامن الهجري، إذاً نحن نتكلم عن سنة من سنن الله سبحانه وتعالى.
هذه إذا القضية الأولى؛ قضية الأمة المغلوبة. ثانياً: من الأسباب التي تؤدي إلى ضياع الهوية في واقعنا المعاصر هو تقدم تصور العدو لقضية الهوية. حقيقة كان هناك في الحروب السابقة بين المسلمين والصليبيين، سواء في أيام الأندلس أو في غيرها، كان هناك نوع من التصور لقضية الهوية وأثرها. لكن حتى نعترف اعترافاً صحيحاً، أن العدو الصهيونية العالمية بكل أذرعتها أصبحوا مقدمين جداً في هذه الدراسات، ويفهمون تماماً أثر الهوية في صناعة انتماء للإنسان، وفي أن الإنسان مستعد أن يموت من أجل هويته ومن أجل انتماءاته.
فالدراسات التي عقدوها، والأبحاث التي قاموا بها، والجهد الذي بذلوه في القرون الأخيرة هو جهد جبار جداً من حيث الدراسات والأبحاث، والهدف من خلاله تفكيك الهويات، وليس فقط كما قلت للشعوب المسلمة بل حتى لعموم شعوب الأرض. ما يريدونه هو ألا يكون هناك هوية، يريدون أن يجعلوا كل الشعوب مسخرة لخدمتهم. فإذاً من أسباب ضياع الهوية تقدم عدوك في كيفية تفتيت الهوية، تقدمه في هذه الدراسات والأبحاث والوسائل والأدوات حتى وصلنا إلى ما وصلنا إليه اليوم.
انظر اليوم إلى منتجات السوشيال ميديا ومنتجات الذكاء الاصطناعي وكل هذا الشيء المرعب الذي نغرق فيه. تصور أنه ما وصلنا لمرحلة أننا لا نستطيع أن نستغني عن الجوال، إننا وصلنا لمرحلة أن الإنسان إذا عاش بعيداً عن جواله يومين أو ثلاثة يشعر بالارتباك النفسي ويشعر أن هناك كثيراً من أزمات الحياة ستحصل، بينما كان المسلمون قبل ربما 50 أو 60 سنة ما كان في جوالات بين أيديهم والأمور ماشية والأمور طيبة والحياة تعمر. كيف استطاعوا أن يقنعونا بأهمية وسائل التواصل وبأهمية الجوالات وبأهمية المنتجات التي يريدون فرضها على الشعوب؟ لأنهم يملكون أدوات متقدمة، سبقونا بمراحل في فهم كيف نؤثر على العقل الإنساني، وكيف نسحب منه امتيازاته، وكيف نعطل طاقاته، وما هي الأبحاث والدراسات التي تساعدنا في تحقيق هذا الموضوع، ويعملون مؤسسات ويمكرون مكر الليل والنهار من أجل هذا المشروع.
فشيء طبيعي أن يظهر لهم نتاج، وهذا هو «جلد الفاجر». مش إبليس قال لما أقسم لله عز وجل: ﴿وَعَزَّتِي لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص: 82]؛ يعني إبليس أقسم بالله قسماً أنه سيكون مشروع حياته قبل أن يدخل النار إغواء البشرية. ولذلك هو يوحي إلى أوليائه من البشر، يوحي بعضهم إلى بعض، «زخرف القول غروراً». هم يعملون على موضوع التغيير بالقول واللسان والفكر قبل التغيير بالسنان والسيف.
وهنا في مقولة جميلة لابن تيمية، أريد أن أنقلها حتى تعرف أثر التغيير بالفكر واللسان. يقول ابن تيمية: «المحاربة نوعان: محاربة باليد بالسيف بالأسلحة، ومحاربة باللسان. والمحاربة باللسان في باب الدين -أن يحاربك باللسان في باب الدين- قد تكون أنكى من المحاربة باليد، وأثرها على العقول والشعوب والنفوس أعلى من المحاربة باليد».
اليوم ضربوا وقتلوا من إخواننا في غزة، ما قتلوا؛ ينشئ الله عز وجل جيلاً آخر يقاتل اليهود. فالقتال باليد والسلاح تفنى فيه النفوس والأجساد ولكن ينشئ الله جيلاً آخر يقاتل وتبقى الدعوة قائمة، لكن المشكلة هي في الفكر، المشكلة هي في ما يبثونه من سموم اللسان. يقول ابن تيمية: «وقد يكون باليد في ناس تفسد بيد يدها، وقد يكون باللسان». ثم قال عبارة أرجو التركيز فيها تماماً: «وما يفسده اللسان من الأديان أضعاف ما تفسده اليد».
يعني مشاريع العدو اللسانية الفكرية، وما يبثونه من سموم، أثره ونكايته في المجتمعات المسلمة أضعاف أضعاف ما تفسده حروبهم الصليبية أو حروبهم بالأسلحة النووية وغيرها على العالم الإسلامي. وهذه القضية بالتحديد كما قلت لكم أدركها العدو تماماً؛ هم أدركوا بعد صراعهم الطويل مع الخلافة الأموية والعباسية والمماليك والعثمانية أن هذا الدين صلب، وأنه إن كان عند رجاله ونسائه قد تأتي مراحل ضعف، لكن بقاء هويتهم وانتمائهم لهذا الدين هو أكبر حاجز يمنع الغربي والصليبي واليهودي من أن يحقق مراده على الأرض. فكان هدفهم في الصهيونية أن يدرسوا كيف نفكك الهوية، وكيف نضيع الانتماءات.
فلاحظ هذا الكلام العميق من ابن تيمية الذي يرصد فيه أن اللسان يفسد في أديان الناس ما لا تفسده الأيادي والأسلحة: «وما يفسده اللسان من الأديان أضعاف ما تفسده اليد». كما أن «ما يصلحه اللسان من الأديان أضعاف ما تصلحه اليد». وهذا يعني أن الدور الذي يقوم به الداعية أو المصلح أو العالم في مجتمعه هو جهد أكبر بكثير من معارك اليد والسنان. معارك اليد والسنان هي في اعتقادي الثمرة الأخيرة لجهود متراكمة للدعاة والمصلحين والعلماء؛ فكما أن أكثر ضرر هو ضرر اللسان، كذلك أكثر إصلاح وأهمها هو الإصلاح باللسان والفكر.
إذاً كما قلت: هيمنة الثقافة الغالبة، ثانياً: تقدم تصور العدو لقضية الهوية وأهميتها، فبالتالي طوروا وسائل لإفسادها وتهميشها. ثالثاً: قضية العولمة، والعولمة هي نتاج النقطة الثانية، يعني تقدم تفكير العدو في تفكيك الهويات أنتج لهم فكرة العولمة، وهو أن نجعل العالم كأنه منطقة واحدة وقرية صغيرة، ليس من حيث المكان لكن من حيث الإحاطة والسيطرة.
فصنعوا لك كما قلنا الفضاء الإلكتروني ليجمعوكم جميعاً في مكان واحد، وتكونوا كأنكم أمام شيخ واحد يملي عليكم إملاءات؛ فهذا الشيخ هو الذي يتحكم، أو هذا المراقب هو الذي يتحكم بما يدخل على الخوارزميات في السوشيال ميديا، ما الذي يخرج من الخوارزميات؟ من الذي نتيح لخطابه أن يبرز؟ ومن الذي نتيح لخطابه أن يختفي؟ ما هي المقاطع التي تُحذف وما هي المقاطع التي تبقى؟ فيبقى الناس في صراع مستمر، في منافحة مستمرة؛ هذا يجلد هذا وهذا يهاجم هذا، تبث جميع الأفكار وجميع السموم، وفي النهاية هناك من يبقي ما يشاء ويحذف ما يشاء.
بعد ذلك يصنعون لك رموزاً وقدوات معينة تتكلم لك بمصطلحات مثل: الإرث الإنساني، الإرث المشترك، العالم، التقبل، الرأي والرأي الآخر، وهي كثير من الأمور التي لا ينبغي أن نجعل الدين يفرق بيننا. تجد كل هذه الكلمات تُضخ بكميات هائلة، وهذا كله ضغط بعد ضغط بعد ضغط، ما نتاجه؟ نتاجه في الشعب المسلم والفتاة المسلمة أنه يصبح انتماؤه للإسلام يضعف، واهتمامه بقضايا الدين يضعف.
وهذا ما سأنتقل إليه الآن في النقطة أو السؤال الخامس. وصلنا يا شيخ عمر؛ السؤال الأول كان تعريف الهوية وتكلمنا أيضاً عن كيف كان حال العرب قبل الإسلام وما هي هويتهم، وتكلمنا أيضاً عن موضوع ماذا حصل للهوية في واقعنا المعاصر، وتكلمنا عن قضية السيولة، وتكلمنا عن أسباب ضياع الهوية، طبعاً كل الكلام عندي.
أريد الوصول إلى النقطة الأخيرة، وهي دور القرآن في صياغة الهوية. كل هذا أسميه مقدمات، لأني أريدك أن تعرف أهمية الموضوع وخطورته، وأن هذا الموضوع ليس مجرد كلام عام أو موعظة عامة، بل نتحدث عن قضية خطيرة جداً تحتك بواقع الشباب المسلم.
أريد أن أقف معكم الآن عند هذا السؤال، وأظنه الخامس، وهو: ما مظاهر وتشكلات ضياع الهوية عند الشباب المسلم المعاصر؟ لأن هذا هو الذي يهمني. لو سألتكم أنتم كشباب، كيف ترون مظاهر عامة تدل على أن هذا الشاب هويته ضائعة، وليس لديه هوية إسلامية؟
يقول مالك: الانفتاح الزائد، أي الانفتاح الذي نسميه التقليد الأعمى. هذه نقطة ممتازة، قضية التبعية نحو التقليد الأعمى للغرب كما قلنا في اللباس، والزينة، والأشكال، والموضات، والكلام، والصورة، والهيئات. هذا التقليد الأعمى والاندفاع فيه هو شكل ومظهر من مظاهر ضياع الهوية الإسلامية عند الشباب.
يقول عصام: أحسنت، وهي القضية الأولى التي كنت أتكلم فيها؛ أنه من أكبر وأبرز مظاهر ضياع الهوية عند كثير من الشباب المعاصرين هو استحياؤه من إظهار معالم الدين، خاصة في الأماكن العامة المفتوحة مثل الجامعات وأماكن العمل. تجد الشاب مستحيًا من إطلاق لحيته، أو أنه يستحي أن يقول: "والله سأذهب لأصلي الصلاة في وقتها". وتجد الفتاة مستحية من الجلباب أو من الحجاب، أو من أن تخرج وعليها أدوات الزينة أمام الرجال.
تجد أيضاً من مظاهر الاستحياء الاستحياء من اللغة. تشعر أننا في الأماكن العامة هناك نوع من الاستحياء من اللغة العربية؛ فإذا كنت تتكلم باللغة العربية يقال عنك: "هذا مسكين، لا يعرف اللغة الإنجليزية"، بينما الذي يعرف اللغة الإنجليزية يتحدث بالعربية عادي، ولا مشكلة في ذلك. اللغة العربية اليوم ليست لغة حضارة في نظرهم، وإنما لغة أمم متهالكة. فتجد أن كثيراً من الشعوب المسلمة اهتمامها بأن يدرس أولادها اللغة الإنجليزية ويتقنونها أعلى بكثير من اهتمامهم بأن يعرفوا اللغة العربية، التي هي لغة القرآن، ولغة الوحي، ولغة الشريعة التي اختارها الله واصطفاها.
انظروا إلى هذه الكارثة؛ الاستحياء من اللغة. ولذلك كان من مظاهر الاستعمار المعاصر كيف يسعون دائماً لتغيير الهوية، سواء في الاستعمار البريطاني أو الأغلب في الاستعمار الفرنسي. ماذا كانوا يفعلون إذا استعمروا أمة؟ يغيرون لسانها أول شيء. انظروا ماذا فعلت فرنسا في الجزائر، إلى اليوم ما زال إخواننا في الجزائر يعانون. هناك اعتقاد بأن الاستعمار الفرنسي الذي جاء إلى الجزائر وغيره من المناطق كان يهدف إلى طمس هوية الشعوب المسلمة عبر تغيير لسانهم، لأنهم يدركون أن اللسان مظهر من مظاهر الهوية، فلا بد من تحويله.
إدراك عدونا لهذه القضية أكبر من إدراكنا، ونحن أصبحنا نتبعهم في هذا. طبعاً أنا ليس عندي مشكلة في تعلم اللغة الإنجليزية من حيث تطوير النفس، لكن مشكلتي عندما تستحي من اللغة العربية وتتعلمها، وتشعر بالفخر والانتماء، وهو شعور داخلي. أنت تعلم من نفسك: هل أشعر بالافتخار والانتماء لأني أصبحت أتكلم الإنجليزية بطلاقة، بينما لا أشعر بأي فخر لأني أتكلم وأفهم اللغة العربية وبلاغتها؟
حقيقةً، بعض الشباب عندما يدرس اللغة العربية يكون على استحياء، كأنه يفعل شيئاً ثقيلاً، ولا يريد أن يقول للناس: "أنا ذاهب لأدرس المعلقات أو البلاغة العربية"، بل يقول: "أنا ذاهب لمعهد إنجليزي"، وكأن هذا هو طريق الرقي والتقدم. هذا مظهر من مظاهر تلاشي الهوية وضياعها.
ومن مظاهرها أيضاً: ضعف التربية الإيمانية، وهذا سأتكلم عنه لاحقاً. وأيضاً الاستحياء من الألفاظ الشرعية. لقد تكلمت أولاً عن الاستحياء من معالم التدين، كأن لا يريد الشاب تربية لحيته أو يظهر بلباس يدل على أنه مسلم، بل يريد أن يظهر باللباس الإفرنجي الذي يدل على أنه متحرر، ونفس الشيء الفتاة التي قد تستحي من النقاب أو غطاء الرأس في الأماكن العامة.
ثانياً: الاستحياء من اللغة العربية مقارنة باللغات الأجنبية. ثالثاً: الاستحياء من الألفاظ الشرعية، حتى في وسائل التواصل أو في عالم النقاشات والحوارات. تجد أننا نحب أن نستعمل لفظ "الآخر" بدلاً من "الكافر"، وكأن كلمة الكافر أصبحت كلمة لها وطأة شديدة. الله عز وجل قال: ﴿فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: 29]. والله سبحانه وتعالى رحمه، قسم البشرية إلى مسلم وكافر، فكان يخاطب: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، وفي سورة الكافرون ينقل: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، هكذا الخطاب القرآني الصحيح.
لكننا اليوم أصبحنا نستحي من الألفاظ الشرعية؛ فإذا قلت مسلم وكافر يقال لك: "أنت قاسٍ، سمِّه مخالفاً أو سمِّه الآخر أو صاحب وجهة النظر الأخرى". تجد الشاب في الجامعات العربية -ولا أتحدث عن المقيمين في كامبريدج بل في جامعاتنا- إذا قال: "هذا كلام كفر" أو "هذا الذي لا يؤمن بالله ليس مسلماً فهو كافر"، يُعتبر قاسياً ولا يعرف اللغة المعاصرة.
يريدون إذابة كلمة مسلم وكافر، وقضية مؤمن وفاسق، ومنافق وكافر؛ كل هذه يجب أن تُمحى من قاموسك ومن مفرداتك، وتستعمل مكانها كلمات مثل: عاصٍ، أو مذنب، أو إنسان له رأي آخر. حتى المعصية، كأن يفعل شخص جريمة الزنا، يقولون عنه: "هو أخطأ"، ولا داعي لتسميتها معصية أو ذنب أو كبيرة من الكبائر، بل سمِّها خطأ لتكون العبارة أخف. هذا ما أسميه تهميش الألفاظ والمفاهيم الشرعية والاستحياء من التلفظ بها في الأماكن العامة.
ومن مظاهر ضياع الهوية أيضاً: ضعف الاهتمام بالتعرف على معالم الدين. مَن من الشباب المسلم اليوم يأخذ دورات شرعية لتعلم ما لا يسع المسلم جهله؟ لا يسعى لذلك إلا هؤلاء الموفقون الذين يوفقهم الله سبحانه وتعالى، أما السواد الأعظم من الشباب المسلم، فلو نزلت إلى الشارع وعملت معهم لقاءات تلفزيونية وسألتهم، لوجدت...
بالجنة؟ لا، هذا صعب شوي. خلينا نسأل: من هم الخلفاء الراشدون الأربعة؟ ستجد هناك ضلالة شديدة. لو سألت: ما هي أركان الوضوء؟ ماذا يعني أركان الوضوء؟ وإذا اللي عرفهم، السؤال بتقول لك اثنين وبنسألك أربعة، يعني على هذا المنوال.
تعال اسألهم عن أبرز المعالم في حياة النبي ﷺ؛ قل لبعضهم يقرأ الفاتحة. صدقوني رأيت مقطعًا نزل شاب إلى شوارع عربية وكان يسألهم عن قراءة الفاتحة. الشاب الأصل أنه مسلم يعيش في بلاد المسلمين، والله لا يعرف الفاتحة! طبعًا قصة شعره ملفتة، وتعرف حاط سنًا في يده، ومربي له عضلات يمين شمال وكذا. قال له: "بس أسألك سؤال، بتعرف تقرأ الفاتحة؟" ما بيعرف، لكن لو سألته عن أسماء مغنيات، مطربات، أفريقيا، كرة قدم، الدوري الأوروبي، من سينتصر في كذا؛ تجده ما شاء الله سليقته سهلة وبديهته حاضرة في الإجابة عن هذه الأسئلة.
هذه ما أسميها أنا من مظاهر ضياع الهوية؛ أنه دينك الذي ستلقى الله به أصبح أهون الأشياء عليك، وسلعة كاسدة وأنت لا تهتم به، ولا تنظر في تقوية معرفتك الشرعية، لكن تقوية معارفك في أمور الدنيا، الاقتصادية أو المالية أو البيع والشراء، أو في أمور المتعة واللذات. تجد ما شاء الله الشعب حافظ كل أنواع التلفونات وإصداراتها: "هذا نوكيا؟ لا هذا آيفون"، "هذا نوعية كذا"، يتكلم بكل شيء. حتى في المباحات في تميز، لكن تعال إلى أمور الدين؛ ما بدي أقول صفر، لكن يكاد أن يكون صفرًا.
هذه الحالة التي نمر بها هي من معالم ضياع الهوية عند هذا الشاب، أنه هو أغلى شيء في حياتك دينك، فإذا كنت أقل شيء تعلمه من أمور الحياة هو الدين، إذاً لا تقول إنه هذا أغلى شيء، أصبح سلعة بالنسبة لك كاسدة.
من معالم ضياع الهوية عند الشباب المسلم ضعف الغيرة على انتهاك الحرمات؛ أنك تجد حرمات الله تنتهك، وقد يشتم الله -والعياذ بالله- ويشتم رسوله ﷺ، وتجد بعض الناس يقول لك: "يا أخي أنت ليش ماخذ الموضوع بكل حساسية؟ اعتبره خطأ، هذا يسير يعالج دائماً بالحوار والنقاش، ما في داعي أنك تتعصب وتغضب".
يريدوننا أن نخالف حال النبي ﷺ الذي كان إذا عُصي الله يغضب ﷺ ويظهر هذا في وجنتيه، ويظهر هذا في عرق بين حاجبيه إذا غضب لحرمات الله. اليوم للأسف، بعض الخطابات حتى الإسلامية التي يغلب عليها جانب التصوف، أجد أحدهم يتكلم عن نتنياهو -أحد كبار الصوفية المعاصرين- بقوله: "أنا أحب نتنياهو لكني أكره التصرف الذي عمله في غزة". هذه هي المشكلة معنا، هذه كل مشكلتك مع نتنياهو؟ أرى التصريح بالمحبة، أرى الإسفاف والاستخفاف بالعقول، لأن هذا جزء من العولمة.
هؤلاء الذين يلبسون لباس علماء الإسلام -والإسلام طبعاً براء من هؤلاء- يحاولون تصديرهم أن هؤلاء هم الذين يمثلون الإسلام بحق، وبالتالي يتم استضافتهم ووضعهم في الأماكن العامة لأنهم ينفذون رؤية المؤسسات الأمريكية والعالمية الكبرى، وهي صناعة عالم بعيد عن الهويات وبعيد عن التدين. التدين يقتصر فقط على معالم شخصية: "هذه حطها في المسجد، لكن في حياتك العامة وفي علاقاتك البشرية لا يوجد أي مظاهر للهوية، عادي كلنا نحب بعضنا البعض مهما فعلنا، ما في قضية، هذه الولاء والبراء مفاهيم دعكة منها، كبّر عليها أربعاً".
يقول لك: "عندك إنسان بدك تأخذ منه موقفاً، بينك وبينه مسافة، هذا غير مقبول، بدك تركز على قضية أنك بتحب نتنياهو، بتحب ترامب، بتقدم وردان في كذا، بس بقول له ليش غلطت معنا في غزة؟ قتلت مئة ألف واحد". تمام، هذا يُؤنب عليه، لكن لا يشدد في هذه المسائل.
هذا ما أسميه أنا قتل الغيرة. حتى مثلاً هؤلاء نفسهم لما تطلع قضية شتم النبي ﷺ والرسومات وكذا، يقولوا: "أنتم مش فاهمين الغرب، لما شتموا النبي ﷺ ورسموه بتلك الصور، أنتم ليش متشنجين؟ أكيد هم ما عرفوا النبي ﷺ، مشان هيك هم فكروا أنهم إنسان دموي وكذا، لو أنتم عرفتموهم من هو النبي ﷺ بحوار جميل لو عرفوه ما شتموه". والله هذا الكلام ليس صحيحاً، يقول لك: "لو عرفوه منكم لما شتموه". من قال لك ذلك؟ هذا حقد في قلوبهم.
هكذا هو الصراع بين الإسلام والكفر؛ كعب بن الأشرف الذي آذى الله ورسوله هو ما عرف النبي ﷺ، ما عرف أخلاقه وحياته، بل هو الحقد اليهودي الدفين في كعب بن الأشرف كان ينفثه في هجائه وفي التسلط على المقام النبوي. فدائماً تجد هناك من يريد أن يظهر أن هذه المعاصي والأمور التي تظهر في مجتمعات المسلمين يجب أن يتعامل معها بماذا؟ بروح إنسانية هادئة، دون أن يغضب من أجلها، ودون أن يشعر بالاستفزاز والحرقة لله ورسوله.
وهذا من معالم ضياع الهوية؛ أنه تصبح المعصية، وشتم الله ورسوله، وكل الأمور المتعلقة بدين الله لو انتهكت، لو فُعل بها ما فُعل، أنت تبقى هادئ الأعصاب دون شعور بأي قضية، الأمور طيبة، خلص بحاوره وبناقشه، "يا أخي ما اقتنع ربنا بحاسبه". شوف قضية "ربنا بحاسبه"، بينما هذا الرجل نفسه الذي يقول لك "خلي ربنا يحاسبه" لو شتمت أمه، بتلاقيه في واصل لمركز الأمن من شدة المعارك ومن شدة المطاحنات، تجد عنده غضب شديد. يعني لو شتمت أمك وعرضك تغضب، لكن لو شتم الله ورسوله: "خلونا هادئين، ما في داعي يا أخي ربنا بحاسبه".
طب الذي شتم أمك ربنا يحاسبه، الذي شتم عرضك الله يحاسبه، لماذا إذا شتم العرض والأم والشرف أنت تحاسب، وإذا شتم الله ورسوله ما في داعي تتشنج وتعصب؟ "ربنا بحاسبه". كل هذه العبارات وهذه المدخلات للذهن هي نتيجة ماذا؟ حتى في موضوع بعض العقائد، مثل موضوع الأسماء والصفات، تجد بعض الناس اليوم لما تتكلم له عن أسماء الله وصفاته، يتكلم عنها بما أنه ما في داعي أنت تتشنج أو تكون محترقاً على إثبات الأسماء الحسنى والصفات العلى. أصلاً أحمد بن حنبل -الله يسعده- على موضوع خلق القرآن، يا أخي بالغ شوي، كل هذه القصة هذه ومحنة خلق القرآن وكذا من أجل...
إثبات أن القرآن كلام الله، يا أخي، خلص؛ هم معتقدين أن القرآن مخلوق، أنت ما في داعي تتشنج في هذه القضايا، شوف كيف بتصبح القضايا كلها تتفسخ، تصبح قضايا أسماء الله الحسنى والصفات العلى مجرد خلاف شكلي. أنت خلص أثبت لربك ما تشاء وهو يثبت لربه ما يشاء، لما يصبح الدين إخواني بهذه الطريقة، بالله عليكم ماذا سيبقى لنا من الدين بعد 30 أو 40 أو 50 سنة؟
لما يصبح كل شيء مسموح، كل شيء خذه بالحبية، كل شيء خذه بالتسامح، كل شيء لا في داعي تستفز من أجله؛ توقع أنه فعلاً بعد سنوات، كما قال النبي ﷺ، سيأتي على الناس زمان لا يعرفون إلا الله. في آخر الزمان سيصل الناس إلى مرحلة قال عنها النبي ﷺ: «لا يعرفون من هذا الدين إلا لفظه»، يعني ما بيعرفوا أنه في صلاة وصيام وزكاة، ما بيعرفوا قضايا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، معالم الدين اختفت.
طب أين ذهبت؟ ما هو هذا؟ مما كسبت أيدينا؟ إنه نحن قبلنا أن تكون قضايا الدين محل التساهل والتسامح، وأن كل إنسان يأخذ ما يشاء. هذه القضايا لما تصبح بهذه الطريقة، الأجيال القادمة كثير منها سينسى ما هو أصيل وما هو ثابت، وما هو فرض وما هو قطعي. لماذا اليوم نحن بحمد الله ما زلنا نعرف أنه هناك قطعي وهناك ظني، وهناك أصول وهناك متغير؟ لأن علمائنا كأحمد بن حنبل والشافعي، وقبلهم الصحابة والتابعون ومن بعدهم، قاوموا فكرياً وذهنياً وثبتوا من أجل أن يصل هذا الدين لنا كما أنزل غضاً طرياً.
هناك من قاوم، هناك من دفع الثمن. ابن تيمية رحمه الله تعالى عليه، كل السجنات التي سجنها وتقبل أن يسجنها، الهدف من أجلها ما هو؟ المحافظة على كليات الدين وقواطعه وكلياته من تشويه الفرق والمنحرفين. فهناك من يدفع الثمن من أجل الحفاظ على العقائد والأفكار. نعم، كما قال ابن تيمية قبل قليل: «صراع الأفكار صراع الهويات ترى هو أخطر من صراع الأيدي وأكثر من صلاح الأسلحة»، لأنه أنت لما تكون هناك أفكار فاسدة وعقليات منهزمة وسموم تثار، ويطالب أهل الحق بأن يكون دائماً هو المتسامح الذي لا يغضب الذي دائماً لا يهتم، ومع الوقت سيتلاشى كل شيء ويبقى الناس لا يعرفون معالم دينهم.
فهذه قضية ننتبه لها؛ قضية ضعف الغيرة على انتهاك الحرمات، ورمي من يغار بأنه المتزمت أو غير المتقبل للآخر، هذه كلها من ولادة العولمة المعاصرة. أيضاً من مظاهر ضياع الهوية أيها الكرام: كثرة الشكوك والشبهات التي ترد على الشباب المسلمين اليوم. كثير من الشباب في الجامعات لما تقابله تجده مستودعاً للشبهات؛ شبهات حول التوحيد، شبهات حول حياة النبي ﷺ، شبهات: ليش تزوج النبي ﷺ عائشة وعمرها كذا؟ ليش النبي ﷺ تزوج إحدى عشرة؟ ليش النبي ﷺ فعل كذا؟
طب شبهات حول مفهوم الجهاد في الإسلام؛ ليش الإسلام يريد أن يقاتل؟ وتجد أن هناك المئات من الشبهات في عقل هذا الشاب من خلال السوشيال ميديا، من خلال اليوتيوب، من خلال أساتذة الجامعات، من خلال سوق العمل، من خلال الناس الذين حوله. فأصبحنا نحتاج بدل الداعية المصلح الواحد إلى ألف داعية، وإلى شباب متمكنين في كافة الأماكن حتى يقوموا بالإجابة. يعني أنت تريد مؤسسة كاملة حتى تعالج الشبهات، الشبهات ليست عند الكفار، الشبهات عند الشباب المسلمين.
كثرة الشبهات والشكوك والإشكالات حول قضايا الدين هي علامة من علامات مظاهر ضياع الهوية. كما أشرت عليك، كثير من قضايا الدين التي ما كانت تطرح بهذا الزخم وبهذا الضخ، وما كانت تشكل عائقاً عند كثير من المسلمين الأقدمين، اليوم هي تشكل بالنسبة لكثير من الشباب أزمات ويحتاجون لإجابات، وأنت تحتاج كما قلنا إلى مؤسسات متتالية وإعداد كبير حتى نلحق وراء هذا. من الذي أوصلنا إلى هذا المربع؟ بالتأكيد الضخ العالمي وضياع الهوية عند الشباب المعاصر أوصلنا إلى هذه الدرجة.
كما قلنا، التقليد الأعمى هو مظهر من مظاهر ضياع الهوية، والبحث عن هوية خارج المفهوم والإطار الإسلامي. كثير من الشباب اليوم لما يدخل الجامعة أو مكان العمل تسأله: من قدوتك في الحياة؟ ومن الناس الذين تحب أن تنتمي إليهم؟ عاد شوف الإبداع! بعض الشباب تلاقي: أنا والله معجب بلاعب كرة قدم في فريق الأرجنتين، أو في فريق كذا، يعني حابب أصير مثله. نموذج واحد: والله في فلان اليوتيوبرز المشهورة كذا وكذا، أنا بشوف خطابها ممتاز، وشايف إنها كذا، وحابب إنها تصير زيها في المستقبل.
وأيضاً، ماذا يوجد عندنا من إجابات لما نبحث عن موضوع القدوات والبحث عن انتماءات في التجارة وريادة الأعمال؟ يصبح نموذجه نموذج "فيسبوك" أو نموذج كذا، وحابب أصير إنساناً مثل هذا. طبعاً هو لو أخذ منه الجانب الإيجابي فقط لسه بدي أتناقش، لكن لا، هو أخذ الشخصية المالية الرأسمالية التي يفكر فيها إيلون ماسك أو غيره، تجد إجابات غريبة فتبكي والله على أحوال شباب المسلمين وبنات المسلمين.
بعد أن كان قدوتنا خالد بن الوليد، ومصعب بن عمير، وحمزة بن عبد المطلب، وعبد الله بن مسعود، وعمر بن الخطاب، وهذه النماذج، وعائشة وفاطمة وزينب وخديجة وحفصة بنت سيرين ومعاذة بنت عبد الله، وكل هؤلاء من الصحابة والتابعين وقادة المسلمين العظام عبر التاريخ، مثل قطب وصلاح الدين وغيرهم من قادة المعارك والفتوح الإسلامية؛ يدعي الشاب اليوم كل أقصى طموحه أنه يكون يشبه يوتيوبرز غربي، أو فتاة معجبة بامرأة شبه عارية، ويكون هذا أقصى طموحك أن تمثليها وتشبهي بها في شكلك، وهل هذه هويتك التي ارتضيتيها؟
والمشكلة كما قلنا في الزحام الذي يأتي ويقنعها أنه ليس مشكلة، أنتِ ممكن تحافظي على صلاتك وشكلك واحترامك لدينك، وعادي أن يكون لك قدوات من الجانب الغربي أو الغربيات، وتكوني تحبين التشبه بهن في أشكالهن وهيئتهن ولباسهن ورأسماليتهن ومرذلاتهن وشهواتهن؛ قضية تقبل أنني مسلم بس عادي أكون معهم! لا، ليس عادياً، وهذا الذي سنأتي معه الآن في قضية: ما الذي صنعه القرآن بتلك العقول؟ وكيف يبني القرآن الهوية؟
أيضاً، من معالم ضياع الهوية ومن مظاهرها في الواقع المعاصر: العبث بالعديد من الأحكام الشرعية وتفسيخها وإعطاؤها مضامين جديدة توافق المزاج الغربي، والتخلص من الأحكام الشرعية التي تشكل عبئاً من خلال استحداث طرق جديدة في فهم النص وقراءته. هذه كلها ترى منظومة متكاملة، أنا اختصرتها لكم؛ الذي يحدث في ساحة الأحكام الشرعية أنه في ناس هم ينتجون لك، تمام، هم ينتجون لك ناساً دارسين شريعة، هدفهم إيش هؤلاء؟ العبث بالأحكام الشرعية.
وتفسيخها؛ سفر المرأة بدون محرم مثلاً. هذه القضية، قضية حجاب المرأة وجلبابها، أيش عندنا من القضايا؟ قضية الفوائد البنكية. دائماً هم ينتجون لك لحا وعمائم، هدفها تفسيخ الأحكام الشرعية الثابتة القطعية، وإظهارها أنها مسائل اجتهادية نظرية تقبل الجدل والأخذ والرد، وما في داعي للتجديد فيها وما شابه ذلك.
وأظن كل واحد عنده قاموس من هذه الأحكام التي سعوا في الواقع المعاصر لتفسيخها: الاختلاف بين الرجال والنساء، مصافحة الرجال للنساء، إلى غير ذلك من الأمور. كذلك التخلص من الأحكام التي تشكل عبئاً. كيف بده يتخلص الغالب؟ شوف كيف أدواتهم، شوف كيف بيفكر عدوك، كيف هو بده يتخلص من الأحكام اللي هي تشكل عبئاً على المزاج الغربي.
عمل لك طائفة من الحداثيين المعاصرين قالوا: لابد أن نعيد قراءة النص الشرعي ونجدد أدوات الفهم للقرآن والسنة. هؤلاء جماعة "إعادة قراءة النص" بحيري وغيرهم، تعرفوهم؟ هذه الأشكال؛ هؤلاء شو وظيفتهم؟ إن الأحكام الشرعية اللي شايفين أنها مغلبنا، أنتم صعب تحكوا للمسلمين "ما في قرآن"، صعب تحكي لهم "امسحوا هذه الآية من القرآن" لأنهم غلبيتنا، بس بإمكاننا نستحدث قراءة جديدة للنص، وهذا اللي اشتغلوا فيه خلال الثلاثين سنة الأخيرة.
إعادة قراءة النص، تجديد الفهم الإسلامي، كيفية بث روح جديدة لقراءة الشريعة، وكأننا أمة منقطعة عن أربعة عشر قرناً! سبق والآن بدنا نتفلسف ونعطي مفاهيم جديدة للكتاب والسنة. ماذا يريد محمد عابد الجابري في مشروعه لإعادة قراءة النص وما بعد الحداثة؟ اقرأ مضامين مشروع الجابري وأشكال الجابري، ستعرف كم قضية خطيرة، وأن هذه النوعية التي تم إنتاجها باحترافية من الغرب هم يفهمون ما هو الدور المطلوب منهم.
أنا عندي مجموعة من أحكام الشريعة الإسلامية بدك تشيل لي إياها، كيف؟ اعمل قضية "إعادة قراءة النص"، خلص بتشيلها. ولذلك أخرجوا لك محمد شحرور، والشحرور كثر في واقعنا المعاصر، فتجد عادي الآية تفسر بطريقة غريبة، بطريقة غريبة ولا لها علاقة بفهم الصحابة والسلف والأمة، بما هو يريد أن يفهمه في واقعنا المعاصر؛ مثل فهم موضوع الردة، فهم موضوع الحجاب، فهم موضوع الزنا والعلاقات المحرمة.
يعني يصل الحال بشحرور في أحد المقاطع التي رأيتها أنه يعتبر أن الزنا الغلط هو أنك تغصبها، أما إذا أنتم بالتراضي، هذا مين قال لكم إنه الإسلام يحرمه إذا هو رضوا بعلاقة محرمة مع بعضهم البعض أصلاً؟ شو دلالة كلمة الزنا؟ وبيصير يتفلسف بكلام الزاي والنون والألف ودلالاتها اللغوية عند الشحرور، وكيف يمكن فهمها بطريقة أخرى. وإيش مفهوم الربا وإيش مفهوم الاختلاط؟ كله إعادة ضخ مفاهيم؛ يعني هو حافظ على المصطلح بس يحشوه بمفهوم جديد. خلص الزنا موجود إنه حرام، طيب خليني أحشو مفهوم الزنا فكرة جديدة. الربا موجود في القرآن إنه حرام، ما بقدر أمسح الآية أمام المسلمين، خليني أعطي للربا مفهوماً وهكذا.
فإذاً هذا كله إخواني يضيع الهوية الإسلامية، ومن مظاهرها وللأسف والله، كبجلس معي شباب يعني أصل من أهل الثقافة الإسلامية، بتكلموا لي عن... يخرجون الآن، هذا عواد ولا مش غيره، شو اسمه هذا اللي خارج جديد بعد الشحرور، أبو عواد ولا شو اسمه هذا الأردني؟ إبراهيم؟ لا لا، في واحد جديد طالع كمان جديد ويتكلم بطريقة... بتعرف ناس لما تمل من خطاب الشيوخ بتشوف أمثال هؤلاء الجدد وتقول لك: "هذه الآية ما حدا فاهمها من المشايخ، أنا بعطيك تفسيرها".
طبعاً هو بيكون ملسن، عادة الغرب لما يصنع لك مشروع شحرور هذا ما بيكون إنسان غبي أو أحمق، بيجيبوا لك واحد ملسن، واحد بيعرف كيف يلخمك في الآية ويضيعك فيها، ويعطيك أشياء هو عارف أنها هي حاجة لأصحاب الشهوات والأهواء. لما يعطيك تفسيراً يلامس فيه هواك وشهوتك بتقول: "أها والله، في طلع خطاب آخر في معنى آخر للآية المشايخ ما حكوا لنا عنه". يعني هو لازم اللي يفهم القرآن يكون من أهل العلم، الدين... هي في ناس بتفهم القرآن، والله ما شاء الله بيحكي كلام أحسن من ألف شيخ، بتعرف هذا الكلام اللي بتيجي مع بعض الناس وهو بيحاورك وبيناقشك في هذه القضايا، هذا ما يريدونه.
وهكذا تضيع الهوية أيضاً. مثلاً من أشكال ضياع الهوية اليوم التقليل من قيمة السلف والمرجعية، وهذه من أخطر القضايا اليوم. لما تحكي للناس إننا عندنا سلف من الصحابة والتابعين وهؤلاء فهمهم للكتاب والسنة حجة، إيش يعني حجة؟ يعني لا يمكن أن يخرج الحق من بينهم، مستحيل يكون الصحابة كلهم فهموا الآية خطأ. الآن إذا اختلفوا فيما بينهم، آه في صح وفي خطأ، لكن هل يمكن أن يكون كل مجتمع الصحابة كان فاهماً الآية خطأ، وكل مجتمع التابعين كانوا فاهمين الحديث والآية خطأ، ونحن اليوم في القرن الخامس عشر، لأن عندنا أدوات ذكاء جديدة اكتشفناها، أصبحنا نفهم الآية بالشكل الصحيح؟ هذا ما يريدون إقناعك به؛ عليك أن تقطع اتصالك بالسلف.
تمام، كان في بودكاست قديماً مع أحد الإخوة، عقدوا معي على موضوع مرجعية السلف، فكنت أرى بعض الناس كيف بيعلقوا على قضية، ماذا؟ أنه نحن لا نقبل بقضية أن نتحاكم إلى أمة ماضية، نحن أولاد اليوم، ولا نقبل إلا بالعقل الحر! يعني كأنك لما تقول له ارجع للسلف كأنك تشتمه، وليس أن الرجوع للسلف هي قضية منهجية مركزية لا مناص منها، باعتبار أن الصحابة هم الذين عاصروا النبي ﷺ، فهم الأقدر فهماً لكتاب الله سبحانه وتعالى من حضرتك التي ما زلت تخطئ في أساسيات اللغة العربية، ومن حضرتك الذي ما زلنا نعاني من أزمات في فهم البلاغة القرآنية.
المهم، فالعدو دائماً يشتغل كثيراً على قضية القديم والجديد؛ تسمعوا هذه العبارات: القديم والجديد، الأصيل والحديث. تمام، فتجدهم دائماً حاولوا يشعروك أن القديم هي الجماعات الأصولية، هؤلاء الجماعات المتمسكين بتراث يجب أن أنت خلص تقفز عنه وتتجاوزه وتستعمل أدوات تفكير حديثة. طبعاً نحن بعض الناس لما يسمع هذا الكلام يعني يقول: "طيب يا شيخ مش نحن لازم فعلاً نواكب الواقع المعاصر؟". نحن نقول قواعد الشريعة هي أصلاً قواعد من لما رسخ الصحابة والتابعون هي تتلاءم مع كل عصر ومع كل زمان وقادرة على الإنتاجية، نحن ما عندنا أي قصور ولا أي خلل، بل نحن نملك الحقيقة، نحن نملك الصواب، لكن العبرة نحتاج من طلاب العلم ومن أصحاب العقول من يحمل هذا الصواب ويسقطه على الواقع الإسلامي بالشكل الصحيح.
أما أن تظن أن الشريعة الإسلامية في عصورها المتقدمة ما كانت تملك أدوات الصواب، واليوم مع تقدم العلوم التكنولوجية أصبحت أدوات الصواب موجودة، فهذا جهل متقع. إذاً قضية التقليل من قيمة السلف وعدم اهتمام الإنسان أصلاً بمعرفة السلف، أيضاً الجهل بالتاريخ الإسلامي، هذه كلها من مظاهر انمحاء الهوية.
إن كثيرًا من الشباب المسلمين لا يعرف معارك الإسلام الكبرى، ولما أقول التاريخ حقيقة هنا أوسع من معركة بدر واحدة، حتى المعارك الفاصلة كمعركة القادسية واليرموك، ومعارك فتح بيت المقدس، ومعارك المسلمين والمماليك مع الصليبيين والتتار، والمعارك التي حصلت في عهد العثمانيين؛ هذا تاريخنا وهذا أصلنا وانتماؤنا.
من اليوم، من الشباب المسلم، من يهتم بهذا التاريخ؟ اليوم تجد يريدون أن يصنعوا لك تاريخًا جديدًا ويشوهوا لك التاريخ القديم، هذا ما يفعلونه؛ يصنعون لك اهتمامات جديدة ويشوهون لك التاريخ القديم، فتصبح أنت تقول: «يا الله! كم كان المسلمون عندهم دموية في حروبهم ومعاركهم»، ويثيرون لك قضية السبي في الحروب وقضية الإماء.
وقد ينتجون لك أفلامًا ومسلسلات ليظهروا لك أن العثمانيين وزعمائهم الكبار كانوا أصحاب قصص حب وعشق على البحار والأنهار، وأن صلاح الدين الأيوبي وهؤلاء كان في قصته حب داخلية بينه وبين فتاة، وأن عمر بن عبد العزيز... يشوهون لك التاريخ من خلال المسلسلات والأفلام والمنتجات، وينتجون أشخاصًا مثل «الدحيح» وغيره الذين يخرجون لك بمقاطع يتكلمون لك عن التاريخ، ويصورون لك أن كل الأشياء العظيمة التي فعلها الصحابة والتابعون والفاتحون والمفكرون هي عبارة عن أمور ديناميكية عصرية تتلاءم مع زمانهم، ما فيها عظمة.
إياك أن تُبهر بمنتجاتهم ومخرجاتهم، فما فعلوه حاولوا بطريقة ذكية مدروسة وخطاب يتم إخراجه من مؤسسات معينة إقناعك بكل هذه القضايا.
- هل نحن إذاً في مشكلة يا مشايخ؟ كل هذه المظاهر التي تكلمت عنها موجودة أم أنا ألف من عندي؟
لا أظن أن هناك شيئًا إلا وأخذته من الواقع، هذه المظاهر كلها لم أذهب إلى كتاب وأخذتها، بل أنا أحضر لهذا المجلس، جالس أنظر في واقع الحياة الذي أحتك به، كلها أخذتها من واقع الحياة الذي ألمسه عندما أجلس مع الشباب وأنظر في مشاكلهم، أو أتلمس اهتماماتهم، أو أنظر في هذا «العالم الأزرق» الذي تسمونه؛ أنا أنظر ما الذي يحدث وما الذي يجري، أصبح الإنسان الذي عنده أقل إلمام بعالم السوشيال ميديا وعالم الشباب وأقل احتكاك يلمس كل هذه المظاهر.
نأتي إذاً للخطوة الأخيرة: القرآن وزرع الهوية؛ ما دور القرآن في إعادة صياغة الهوية؟ وما هي مركزية القرآن في واقعنا المعاصر؟ وكما قلت، إن القرآن صنع هوية جديدة للعرب الجاهليين وأعاد بناء أنفسهم بعد أن كانوا يعيشون من أجل شهواتهم وملذاتهم، إذاً القرآن يستطيع أن يصنع هوية متكاملة لكل من يعيش معه ويقرؤه قراءة صحيحة، قراءة أهل العلم ويستفيد من كلام المفسرين والعلماء فيه.
- هل القرآن ما عاد لديه القدرة على الإنتاج؟ هل القرآن قدرته فقط على الإنتاج محدودة؟
هل الصحابة قبل إسلامهم كانوا مشركين، وكان حالهم كغيرهم؟ كما قال جعفر بن أبي طالب لما خاطب ملك الحبشة، وصف له الحال قبل مجيء النبي ﷺ بالقرآن كيف كانت حياتهم: فواحش، وزنا، وخبث، ودنيا، وشهوات، وعشائر... هذا القرآن قلبهم 360 درجة فصنع هوية جديدة تمامًا. هل القرآن فقد هذه القدرة على الإنتاجية أم نحن من فقدنا قدرتنا على التعامل مع القرآن؟ هذا هو السؤال.
أعتقد دومًا أن القرآن كتاب عظيم جدًا، وطبعًا أحد أبرز أسباب عظمته -وكلها عظمة كلام الله- أنه يعلم من خلق الله سبحانه وتعالى؛ الذي خلق هذه النفوس البشرية يعلم ما هو الكلام الذي تحتاج هذه النفوس حتى يصلح شأنها وترتقي في مستوى فهمها وفي تشكيل أخلاقياتها وسلوكياتها. فمستحيل، إياك أن تشك في قدرة القرآن على صناعة هوية لك وشخصية لك، والقرآن يعيد تعريفك من جديد ويعيد تعريف الحياة لك، إياك أن تشك في هذا.
لكن المشكلة، ما هي؟ من الذي يوصلنا إلى القرآن؟ ومن الذي يوصل أسلوب القرآن وطريقة القرآن في تشكيل الهوية إلى الشباب المسلمين المعاصرين؟ وما هي المساحة التي يعطيها الشاب المسلم المعاصر لكتاب الله سبحانه وتعالى حتى يسمح له في ماذا؟ في أن يشكل هويته؟
لن أتكلم عن هذه المشاكل لأنها ليست موضوع المحاضرة، ما هي مشكلة الشباب مع القرآن لأنني أعطيت محاضرة سابقة في هذا الموضوع، لكن أريد أن أعطيك فقط ملامح عامة: كيف استطاع القرآن أن يصوغ الهوية؟
أول نقطة: أن القرآن من أول سورة فيه، وهي سورة الفاتحة، يعلم الإنسان أنه هو ينطق بهويته واهتماماته في هذه الحياة. من أول سورة، هذه السورة التي تقرؤها أنت في كل ركعة من ركعات الصلاة، أنت تنطق فيها بهويتك، يعني بشخصيتك وبمن أنت. ففي كل ركعة أنت تقول: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ * اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: 5-6].
شوف ما أعظمها في انطلاقة الهوية! ليس الله هو الذي يخبرك أنت من أنت، بل أنت من تصرح بلسانك؛ ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾، هذا أنت تتكلم به على لسانك، نعم الآية من الله، لكن الفكرة أنك تتكلم وتخاطب الله فيها وتعلن للدنيا أجمع من أنت: «إياك نعبد»، أنا عبد لإله، ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، كل حوائجي وأنفاسي وخطراتي وما أريده لن يقضى إلا بمعونة الإله، ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾، صراط الذين أنعمت عليهم.
ثم نعلن البراءة، شوف كيف صياغة الهوية: أنني لا أنتمي لأي مجتمع آخر غير المغضوب عليهم وهم اليهود، ولا الضالين وهم النصارى. هذا إعلان هوية واضح يبتدئ معك من سورة الفاتحة. إذاً القرآن يستنطقك بهويتك ويجعلك تصرح بهذه الهوية في كل ركعة من ركعات الحياة؛ لابد وأن تعرف نفسك وتعرف شخصيتك بأنك عبد مستعين بهذا الإله العظيم، تطلب الصراط المستقيم، وهذا الصراط منافٍ تمامًا لصراط اليهود والنصارى، أنت حصرت هويتك بهذا الطريق وبهذا الاتجاه، لابد أن تصرح بهويتك والقرآن يعلمك هذا التصريح اليومي.
ثانيًا: القرآن يعلمك قداسة المعتقد، وأن المعتقد حتى في أزمنة الاستضعاف -يعني القرآن المكي- كان يزرع في الصحابة قداسة المعتقد لديهم، وأنه ليس مجالًا للعب واللهو وقبول المساومة عليه والاستهزاء به. ولذلك في سورة الأنعام التي نحن ما زلنا في سياق تفسيرها، ماذا يقول ربنا للصحابة في مكة وهم مستضعفون؟ ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [الأنعام: 68].
المعتقد عزيز عليك حتى ونحن اليوم في زمن الاستضعاف في واقعنا المعاصر؛ إياك أن تسمح، شوف القرآن ماذا يعلمك وأنت في أزمنة الاستضعاف، إياك أن يكون المعتقد شيئًا تقبل المساومة عليه والعبث به أمامك؛ لأن المعتقد إذا أصبحت تسمع في مجلس أقارب أو أسرة شخصًا يمزح على الدين، وهذا ينكت على الدين، وهذا يستهزئ... شوف يا مشايخ، ماذا سيصبح بالهوية؟
أنت نفسك ستبدأ تشعر أنه خلص، يعني ليس شيئاً كبيراً، هذا الدين ما في داعي أن تنتمي. ما هو أصلاً حديث الناس في المزح والضحك والعبث، وما أسهل أن ينتقد هذا الدين أمامي وأنا أكون ساكت، بل يمكن أمزح وأضحك: «والله هذا الشيخ كذا»، «شوف هذول المتزمتين»، «شوف التعقيد».
الله عز وجل يزرع في نفس الصحابة وهم في مكة: احذروا من أن تدنسوا عقائدكم، وأن تجعلوها مكاناً للعب واللهو، وأن تسمحوا أن يخاض أمامكم في عقائدكم وأنتم جالسون؛ حفاظاً على الهوية. ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ [النساء: 140]. ثم أعاد الآية مرة أخرى في سورة مدنية وهي سورة النساء: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ [النساء: 140].
إنكم إذا مثلهم، الذين يجلسون مع الذين يستهزئون بالقرآن والدين والشريعة ويصبحون يمازحونهم ويضاحكونهم، ويمشون معهم حتى لا يظهر أنه متزمت، فهو قد فقد هويته. شوف ماذا قال: «إنكم إذا مثلهم»، أنت انسلخت من هويتك. فالقرآن يزرع فيك قداسة العقيدة، وأن الشيء لا يقبل أن يُخدش. ليس أنت فقط من يستهزئ، بل حتى لو أمامك من يستهزئ، فلا تقعد معه. هذا يصنع لك حاجزاً أمام أن هذه الأمور العقائدية أمور مقدسة لا تقبل المساس، لا تقبل العبث، لا تقبل الرأي والآراء الأخرى، ولا تقبل التشويه. فبالتالي يصنع لك نوعاً من البلورة المعينة أنت في داخلها، تمنع أحداً أن يلمسها أو يخدش صفاءها. وهذه قضية جداً يحتاجها الشباب المسلم ونحن نصنع هويتهم الإسلامية: قداسة المعتقد. المعتقد مقدس، لا يمس، لا يعبث به ولا يستهزأ به، ولا تقبل أن تجلس أو تشاهد أو تحضر في مكان تُدنس فيه المقدسات الإسلامية.
ثالثاً: بث روح العزة والافتخار بالدين، وهذا خطاب نحتاجه، بث روح العزة والافتخار بهذا الدين. القرآن ماذا يقول للصحابة؟ ﴿لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾ [الأنبياء: 10]، ماذا يعني فيه ذكركم؟ فيه شرفكم وعزكم. وقال في آية أخرى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ ۖ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾ [الزخرف: 44]، و«ولسوف تعلمون» يعني سوف تعرف ذلك في المستقبل أنه هذا الكتاب عز ورفعة ومكانة وارتقاء، وليس هو فقط مجرد أحكام وعظية وسلوكيات وأخلاقيات عامة.
هذا خطاب العزة الذي كان يبثه القرآن في نفوس الصحابة المستضعفين في مكة. أنت تخيل الأجواء، الصحابة الذين آمنوا ابتداءً، وحتى العرب، ما هو هذا القرآن؟ ليس يخاطب فقط الصحابة، بل يخاطب مشركي مكة وأهل مكة ابتداءً الذين كانوا خاضعين لسطوة الروم والفرس، بقوله لهم: هذا القرآن سأصنع لكم أمجاداً على الروم والفرس وعلى غيرهم من الأمم، فقط أسلموا واتبعوا وتمسكوا، واقبلوا هذه التعاليم وهذه الهوية الجديدة التي سيصوغها القرآن لكم، وأبشر بالخير: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ﴾. فعلاً، الذين استجابوا لهوية القرآن خلال سنوات أصبحوا أمام مملكة فارس والروم يكسرونها ويهدمون بنيانها.
هذا من توجيهات القرآن، وهي بث روح العزة في الشباب المسلمين، وبث روح: افتخر أنك مسلم، افتخر أنك تقرأ القرآن وتفهم القرآن، افتخر أن القرآن في جوفك. لا تشعر بأنه هذا شيء هين أو شيء قليل أو شيء هامشي أو شيء ليس بعظيماً، والله عظيم. ما عظمته أن تكون منتمياً للقرآن ومن أهل القرآن، لكن أهل القرآن هم ليس فقط من يحفظونه حفظاً، بل أيضاً من يفهمونه فهماً.
رابعاً: أن القرآن يعلمنا أن نضع مسافة بيننا وبين من لا يوافقنا في المعتقد. القرآن وهذه من الهوية، دائماً الهوية معناها أن هناك إطاراً أنت داخله، وهذه مسافة بينك وبين الذي لا يشاركك في هذه الهوية. فدائماً كان القرآن يتحدث عن موضوع الهجرة، وأنه في دار إسلام وفي دار كفر، في دار إسلام وفي دار حرب؛ هذه أحد المفاهيم الأساسية التي اتفق عليها المذاهب الأربعة وعلماء الإسلام.
ولذلك كان القرآن دائماً يتكلم: ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ [النساء: 97]. ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ ۖ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ ۚ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا ۚ فَمَهْرُبُهُمْ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ۚ وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً﴾ [النساء: 97]. كم من آية في القرآن تتكلم عن الهجرة؟ عشرات الآيات تركز هذا المفهوم؛ لأن مفهوم الهجرة هو أن هناك تباين في دارك ومقامك بين دار الإسلام ودار الكفر، وهذا يصنع هوية، ويصنع شخصية ونمطاً معيناً.
أنا لست اليوم كما يريدون؛ ألم نقل إنهم يريدون العولمة؟ الإسلام يرفض العولمة، الإسلام يقسم أنه في مسلم في دار إسلام وفي دار كفر، في مجتمع مسلم وفي مجتمع كافر، هكذا الإسلام يقول. من أين أتيت لتقول إن كل قرية واحدة والعالم واحد؟ فالقرآن يعلمك وضع الحواجز، من خلال مفهوم الهجرة، ومن خلال مفهوم: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ﴾، ومن خلال مفهوم: ﴿وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: 141]. هذه الآية كم حكماً فقهياً استنبط العلماء منها؟ قضية ﴿وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ في عدم جواز أن يكون رأس الهرم في أي دولة مسلمة على غير دين الإسلام، حتى على مستوى العبيد؛ فقد قالوا لا يجوز أن يبقى العبد المسلم تحت يد رجل كافر؛ لماذا؟ لأن الله يقول: ﴿وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾.
فهذه الآيات لما تقرأها في القرآن وتفهمها: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ﴾، ﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾، وآيات الهجرة وغيرها، تشعر أن القرآن ماذا يفعل في شخصيتي؟ أنت نفسك لما تكرر هذه الآيات ما هو الشعور الذي يأتيك؟ أنه لي نمط وشخصية وهوية تخالف ذلك. أنا مسلم، والله سبحانه من فوق سبع سماوات قال: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [القلم: 35-36]. أنت صحصح، ماذا تقول؟ هذا المسلم الموحد الذي ينقاد لشرع الله ولحكم الله، كالمجرم الذي رفض الانصياع لشرع الله؟ هذه دائماً هي المسافات التي يتركها القرآن بينك وبين الآخر.
ولما تأتي تقول: طيب يا رب، هل هناك مساحة أن أتعامل معه بأخلاقية؟ يقول لك القرآن: ﴿لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الممتحنة: 8]. هذا الذي هويته ليست هويتي، إذا هو لم يؤذني ولم يحاربني، فإن هناك مساحة أن أتعامل معه بالأخلاقيات؛ فالنبي ﷺ كان يعود اليهود مرضاهم.
وكان يتعامل معها بالأخلاقيات، بس إذا مس جناب الإسلام بيقطع شره، صحيح؛ فأخرج بني قينقاع، وأخرج بني النظير، وقتل بني قريظة. فنحن نعرف مساحة الأخلاقيات في التعامل مع من هو من غير هويتنا، لكن بده يعرف إنه في هناك مسافة، ومن هنا جاءت سورة الممتحنة، سورة عظيمة لتؤكد هذه المسافة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُم مِّنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَن تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِن كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي ۚ تُسِرُّونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ ۖ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ ۚ وَمَن يَفْعَلْهُ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [الممتحنة: 1].
شوف كيف القرآن بيعلمك إنه في مسافات ستبقى بينك وبين من يخالفك في العقيدة. هذه المسافة لا تعني دائماً أنك ستكون مع المخالف لك في الاعتقاد ستعامل بالحرب حسب طبيعة موقفه منك؛ رح يكون موقفي منه إذا هو بيتعامل معي بأخلاق، بحافظ على المسافة، بحافظ على المسافة والهوية وأخلاقيات عامة. إذا هو يريد أن يدوس ردائي، لا سيكون التعامل مختلفاً تماماً، وهذه العزة التي: ﴿إِذْ أَذَلَّهُمُ الْكَافِرُونَ وَأَعَزَّهُ اللَّهُ ۗ مُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ ۗ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾. هذه كل هذه الآيات إخواني، شو بتعمل؟ هل هي بتعمل عولمة، ولا بتعمل فوارق ومسافات واضحة بينك وبين من يخالفك في الاعتقاد؟
أيضاً من ميزات القرآن في صناعة الهوية الإسلامية وضوح القرآن في الحكم على الأفكار: ﴿لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾. شوف كيف القرآن؛ نحن أحياناً بعض الناس لما يخرج على الإعلام كذا، بيجيب القضية ملغوصة خايف يحكي القضية، لا، الفكرة هي إذا قيلت بوجه هذا ممكن تحتمل كذا وكذا، وإذا قيلت بالوجه الآخر، بس هو إذا أنا بوافق... قضايا كثيرة أنا ما بدي أسولف فيها كثيراً.
القرآن بيعلمك لا، ما في مجال إنه أنت كإنسان مسلم مش واضح عندك الأفكار الصح من الخطأ فيها. الذين يقولون إن الله ثالث ثلاثة، شو حكم هذا القول؟ قال: ﴿لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾. طيب الذين يقولون إن المسيح ابن مريم ابن الله؟ ﴿لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾. تمام، الآية إيش هي؟ ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ۖ ذَٰلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ ۖ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ ۚ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ ۖ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ﴾ [التوبة: 30-31].
شوف هيك لهجة القرآن، لذلك القرآن عزيز، فلا تأخذه إلا نفس عزيزة، لا نفس ذليلة. ما يجي على القرآن روح تعلم العزة ثم تعال اسمع القرآن وهو بيخاطبك، هو بيعلمك كيف تكون لك نفس أبية وروح عالية. القرآن بيقول لك خلص هذا القول هيك، ما في مجال، فما في مجال أسلم بـ "طيب يا شيخ مش ممكن نقبله في منتصف الطريق". القرآن يعلمك ما في التقاء في منتصفات الطريق في حق وباطل؛ هكذا وضوح القرآن وجليته تصنع ذاك الشموخ والاعتزاز الإيماني.
إذاً، كما قلنا، وضوح القرآن في حكمه على الأفكار والمعتقدات وعدم المواربة والمساومة، فيها أيضاً من أساليب القرآن في صناعة الهوية بيان القرآن أن عدوك من اليهود والنصارى حريص على تشويه هويتك. هذا من أساليب القرآن في صناعة هوية لك، أنه ينبهك أن عدوك يريد أن يطمس هويتك: ﴿لَن تَرْضَىٰ عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة: 120]. ويقول: ﴿وَلَئِنْ أَتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ۙ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ [البقرة: 120].
كذلك في سورة آل عمران وفي سورة المائدة: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ ۖ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ ۚ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: 48]. ثم في الآية التي بعدها: ﴿وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ ۖ أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ۚ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ * إِن كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ ۖ وَإِذًا لَّاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا﴾ [المائدة: 48-49].
كل هذه الآيات المراد منها ماذا؟ أخبارك أن عدوك يريد أن يطمسك. لن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم. ربنا بيخبرك انتهت القضية، هذا بيعطيك شعوراً داخلياً بأنه يجب أن أكون متيقظاً. ما دام الإله من فوق سبع سماوات الذي يعرف طبع هؤلاء الأقوام، أخبرني أنهم لن يرضوا عني حتى أصبح على دينهم. بالتالي أنا لا أقبل أي منتج يأتي من عندهم بحسن ظن، ولا أقبل أي عرض يقدمونه لي أنه عرض صحيح وأن نيتهم شريفة؛ لا يمكن، هذه نفوس خلص طبعت وجبلت، والله سبحانه وتعالى يطلع على باطنها ويعلم كيف تتعامل مع المسلمين.
فالقرآن هو من يضع لك هويتك، ولذلك علمك في سورة الفاتحة أن تقول: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾، أي يا رب ما بدي هوية المغضوب عليهم ولا هوية الضالين، بدي هوية صراط الذين أنعمت عليهم؛ بدي هذه الهوية بالتحديد من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.
أيضاً القرآن يعلمك في صناعة الهوية أن تعتز بأي قومية أو عرقية أو أي هوية تزاحم الهوية الإسلامية، مهما صنعوا لك من قومية عربية ولا وطنية ولا أي حركات نسوية ولا افركات (يمينية) ولا يسارية ولا اشتراكية ولا شيوعية؛ القرآن يعلم قضية: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾. القرآن جاء للعرب الذين كانوا ينقسمون إلى قبيلة قريش وخزاع وتميم ومض وربيعة، وكانوا يفتخرون بقومياتهم وأعراقهم وأنسابهم، جاء القرآن ماذا قال لهم؟ ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾. وقال لهم: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ [المجادلة: 22].
يعني أخوك وأبوك الذين من لحمك ودمك، إذا رأيته يحاد الله ورسوله انتهت علاقتك معه. هذه كلها مفاهيم: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ﴾ يعني يتحببون ويتوددون إلى من يحارب الله ورسوله، ولو كان هذا ابن عشيرتك، ولو كان هذا مش ابن أبوك وأخوك، ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم. شوف كيف القرآن بيقول لك ما في قوميات ولا وطنيات تزاحم هوية المسلم وتزاحم ما يريد القرآن أن يصنعه. طبعاً الإنسان في كل شيء لا يصطدم مع القرآن ولا مع الإسلام، يحترم الأدبيات والأعراف، ولذلك الإسلام اعتبر النسب وقيمته في الزواج اعتبره في أماكن أخرى، بس بشرط أنه ما يصطدم مع الهوية، متى ما صار...
يزاحم الهوية، فالإسلام هو الذي يكون له الصدارة.
أيضًا من أساليب القرآن في صناعة الهوية: تمايز الخطاب. تشعر أن خطابات القرآن، كما قلت، متمايزة؛ فالقرآن لم يكن ينادي الناس بعشائرهم، وإنما كان ينادي الناس بأديانهم ومعتقداتهم. فللصحابة ماذا كان يقول؟ «يا أيها الذين آمنوا»، وللكفار ماذا كان يقول؟ «قل يا أيها الكافرون». حتى ترى تمايز الخطاب، أنه ما في لغوصة، ما في حلول جانبية؛ «يا أيها الذين آمنوا» هؤلاء لهم خطاب، و«يا أيها الكافرون» لكم خطاب، انتهى.
فإذا في تمايز في الخطاب، وهذا كله ترى إخواني، الذي ينصبغ بالقرآن مع هذه الخطابات ومع هذه الأساليب، مع الوقت يصبح عنده عزة، يصبح عنده هوية، يصبح عنده انتماء؛ لأنه جعل القرآن هو الذي يحدد سلوكياته، شخصيته، طريقة خطابه، طريقة تفاعله مع الناس من حوله، وطريقة تصنيفه للمخالفين. إذا أنا أعطيت القرآن هذه المساحة، خلاص القرآن سيصوغها، لكن مشكلتك أنك تقرأ القرآن لكن لا تعطي هذه المساحة. وكثير من الأمور التي ذكرتها إلى الآن، كثير من المسلمين ما زال إما في شك منها أو ألقاها وراء ظهره. كل ما ذكرته إلى الآن من أساليب القرآن: تمايز الخطاب، بيان حرص الكافرين على تغيير معالم الملة، وضوح الأفكار. كل هذا تجده في العالم الإسلامي، حتى بعض من ينسب نفسه إلى أهل العلم واقع في أفخاخها وخالف الخطاب الشرعي القرآني فيها.
أيضًا من ميزات الخطاب القرآني في صياغة الهوية الإسلامية: صياغة مجموعة من المفاهيم التي تفصل بين هذه الجماعة وتلك الجماعة. القرآن جاء بمفهوم الكافر، وأتى بمفهوم المنافق، وأتى بمفهوم الفاسق. حتى قالوا إن كلمة «منافق»، هذا المفهوم إطلاقه على من يظهر خلاف ما يبطن، أول من أطلقه القرآن؛ يعني العرب ما كانت تعرف إطلاق «منافق» على من يظهر خلاف ما يبطن، كانت تطلقه على أمور أخرى، لكن القرآن أتى بمجموعة من المفاهيم: مؤمن، كافر، صادق، منافق، فاسق، مطيع، عاصي، مخطئ؛ هذه كلها مجموعة من المفاهيم لها دلالاتها القرآنية ومشروحة في القرآن.
اليوم يراد لهذه المفاهيم أن يتم مسحها، ووالله لو وسع الغرب وأذنابهم أن يمسحوها من القرآن لمسحوها؛ لأنهم عارفين أنها تشكل هوية. ولذلك ذكر ربنا في سورة الأنعام هذه القضية وكيف أنهم يسعون لتغييرها؛ لما قال: ﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام: 70]. يصنعون قولاً مزخرفاً، ظاهره جميل وباطنه مسموم، هدفه تهميش كل هذه الألفاظ القرآنية والعبارات الإلهية التي تصنع هوية، وفي نفس الوقت تصنع مسافة بينك وبين المخالف لك في العقيدة.
من أساليب القرآن أيضًا في صناعة الهوية، أنه يسفه لك أفكار الكافرين وحياة الكافرين. نحن إذا تتذكروا قبل قليل عندما قلنا أحد أسباب ضياع الهوية ما هو؟ أن الأمم الغالبة تفرض هيمنتها النفسية على الأمم المغلوبة. فالقرآن لما جاء خاطب العرب، أراد أن يبين لهم ما هي حياة الروم والفرس وما هي حياة الكفار من حولكم؛ لأن العرب كانوا متأثرين بالروم والفرس وبأهل الكتاب ويظنونهم أممًا عظيمة لأنهم أصحاب كتب سماوية وما شابه ذلك، فكان هناك نوع من الطغيان النفسي للأمم الغالبة على الأمم المغلوبة. أكثر ما يحتاج الشباب اليوم أن نزيدهم ثقة بفساد الحياة الغربية وكم هي حياة قذرة وتفقد الأخلاقيات والقيام؛ هذا ما فعله القرآن وهو يصنع الهوية المسلمة.
لما أراد الله سبحانه وتعالى أن يبين مثلاً سفاهة الكافرين قال: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى﴾ [محمد: 12]. هي حياتهم، شايف الحياة التي تلحق وراءها؟ هذه هي، يتمتعون شبهها بالأنعام. ولما جاء يسفه أفكار المشركين عموماً قال: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَٰذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَٰذَا لِشُرَكَائِنَا﴾ [الأنعام: 136]، فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم، شوف تفاهة التفكير. وقالوا: ﴿هَٰذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَن نَّشَاءُ بِزَعْمِهِمْ﴾، وأنعام حرمت ظهورها، وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها؛ ﴿عَلَىٰ افْتِرَاءٍ عَلَيْهِ﴾. ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ﴾ [المائدة: 103].
وماذا يفعل القرآن هنا؟ يغرك كم هي الأفكار تافهة وكم هي العقول صغيرة التي تفكر بقضية البحيرة والسائبة، والله هي ناقة أنتجت عشرة، خلص ما أحد يركب ظهرها، هذا الفحل أنتج عشرة، خلص اعملوا له كذا وكذا، كل شيء يعملون له فكرة وكل شيء يعملون له قصة وكل شيء يعملون له حكاية، في أمور تافهة لا تستحق. ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: 140]، سفهاً، شو ربنا يسميه؟ سفه.
ولما نتكلم عن اليهود، النموذج الأكثر ضغطاً كان على أهل العرب باعتبار أن اليهود أهل الكتاب، ذكر الله نموذجهم وهم يشاكسون في موضوع تحويل القبلة، ذكروا كنموذج، قال: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ﴾، ما قال سيقول اليهود، قال: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ [البقرة: 142]. ربنا يسمي اليهود سفهاء، حتى الصحابة والعرب عموماً تزداد ثقتهم؛ أنتم ليش مفكرين اليهود شيء كثير؟ مفكرين لأنهم أهل كتاب، معناته هم متعلمون، وأنتم يا عرب أمة أمية، معناته أنتم لستم أهلاً لأن تقودوا الأمم. لاحظوا كيف يسميهم القرآن سفهاء، يسميهم أنعام، يسمي القرآن الكفار سفهاء، يسميهم أنعام، جهال، بل أكثرهم لا يعلمون، لا يعقلون. صح هي المفردات: لا يعلمون، لا يعقلون، سفهاء، جهال، تعطيك انطباع أنه إذا هذول شايفينهم شيء كبير مثل الروم والفرس، إذا هذول مجموعة من السفهاء والجهال، مين قال لك؟ ربنا أخبرنا عنهم، فأنت عندك عزة الآن، أصبح عندك مجموعة من أنني منتمي، أنا ما كنت مفكرهم شيء كبير، اكتشفت أنه مش شيء كبير.
وهذا الخطاب يجب أن يستعمله الدعاة في تصوير الحياة الغربية المعاصرة اليوم؛ أن ما هو الإنسان الغربي المعاصر؟ إنسان استهلاكي مادي يعيش لشهوة بطنه وفرجه، هذا تعريفه، ما هو ماخذ بأسباب التكنولوجيا فيصنع أشياء، يعني هو ماخذ فقط بأسباب التكنولوجيا التي أنا ممكن آخذها وأصير أنا إنسان محترم لو فُتح لي المجال، بس هذا أقصى ما عندهم، وليس لأنه إنسان موفق أو إنسان راقٍ أو إنسان أخلاقي. الغرب قبل ثلاثة قرون، انظروا إلى القرون الوسطى كيف كانت حياتهم وكيف كانت نظرتهم للمرأة على أنها خطيئة وشيطان وكائن يجب التخلص منه، وانظروا إلى قضائهم لحاجتهم الغرب إلى الآن إخواني لا يعرفون الاستنجاء، لا يعرفون الطهارة من النجاسات. شايف هذا الفيلسوف الذي يجلس أمامك ويعطيك محاضرة عن الفلسفة والإنسان، بس ما أريدك أن تراه طبعاً، لكن أن دوره المياه لما يكون ما بيعرف يستنجي من النجاسة، هذه حكايتهم في حياتهم الشخصية وكيف يقضون وطرهم وعلاقاتهم الأسرية كاملة أشكال.
القرف والشيء المقزز تجده في حياة ذاك الفيلسوف المسلسف أمامك في التطور والحياة. وكينجي بيحكي لك عن "كانتشو" وهي الأشكال، أنه هي الناس بتعرف تحكي، وهؤلاء كما قلت لك ناس لا يعرفون حتى قضاء حوائجهم ولا تلبية متطلبات الحياة.
الإسلام والقرآن لم يترك صغيرة ولا كبيرة إلا وعلمك كيف تعملها. هكذا يفعل القرآن بالعقول والقلوب التي تعطيه المساحة؛ أنه يعلي من شأنك، يعلي من قيمة المؤمن. ولذلك حرم القرآن دماء المؤمنين وجعلها عزيزة وحرم المساس بها: «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث». لأن هذا المؤمن الذي رضي الإسلام ديناً عزيز عند الله سبحانه وتعالى، فلا يقبل عز وجل أن يسفك دمه على أقل قول ولا بأي طريقة وبأي تشوه من الغلو وما شابه ذلك. ليه؟ لأنه هذا عزيز اختار الإسلام ديناً واختار هذه الهوية، فمش بسهولة تخرج من هذه الهوية ومن هذا الدين.
أيضاً من أساليب القرآن، وحتى لا أطيل أكثر من ذلك، النقطة العاشرة أو الحادي عشر والأخيرة: تربية روح الانصياع للوحي وتقديسه والولاء له، ومباينة أهل الكتاب وغيرهم ممن كانت طريقتهم في الوحي «سمعنا وعصينا». أهل الكتاب ربنا كان يحذر الصحابة منهم، ويحذر الصحابة من نموذج بني إسرائيل؛ لأن نموذج بني إسرائيل لماذا ذكر في القرآن كثيراً؟ لأنه نموذج على أمة كان لها هوية ربنا أعطاها لهم فانسلخوا من هويتهم.
هذا نموذج بني إسرائيل في سورة البقرة، بعد أن ذكر الله سبحانه وتعالى قضية استخلاف الإنسان في الأرض وقصة آدم: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [البقرة: 40]. ومشت السورة آيات متتالية للكلام عن بني إسرائيل؛ لماذا؟ لأنه بنو إسرائيل هم أبرز نموذج لأناس ربنا أعطاهم هوية وجعل أنبياءهم والتوراة وموسى عليه السلام، وحتى أصبحوا الأفضل على مستوى العالمين في زمانهم، مش فضلناهم على العالمين، أصبحوا الأفضل على مستوى العالمين في زمانهم، لكن انسلخوا من هويتهم فاصبحوا في ذيل الأمم.
﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِّنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ وَبَاؤُوا بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ﴾. لماذا كانت هذه النتائج؟ لأنهم انسلخوا من الهوية، وهذا سيحصل بالأمة الإسلامية؛ لما تنسلخ من الهوية ستضرب علينا الذلة وستضرب علينا المسكنة وسنصبح تبعاً لعباد البقر ولليهود والنصارى جزاءً وفاقاً.
قضية المحافظة على الهوية هي قصة القرآن؛ في اعتقادي أنه يصنع لك هوية في العقائد والأخلاقيات والقيم، ويربي فيك روح الوحي: اتبع لا تخرج. ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: 36]. وملة إبراهيم إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين.
وبعدين أعطاك نموذجاً للانصياع للوحي، وكان أول نموذج في سورة البقرة نموذج القبله. يعني ربنا عز وجل لماذا ذكر نموذج تغيير القبله في سورة البقرة مع أنه قال في سياقه: ﴿لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾، يعني ليس هذا هو القضية الأعظم في النقاش الإسلامي، لكن القضية في موضوع: لما حولت القبله من بيت المقدس للبيت الحرام، إني بدي أشوف شو هويتكم؟ هل أنتم ستقبلون دعاوى اليهود أنه غير قبله إلى قبله العرب؟ وبدأوا يذمون النبي ﷺ، لذلك هل سيتاثر الصف الإسلامي بهذه الدعوى وينقلب على عقبيه؟
ربنا ماذا قال: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ﴾ [البقرة: 143]. هذا هو الهدف الأساسي؛ يعني كل موضوع تحويل القبله: ﴿لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾، هو يقول لك مش هي القضية الأعوص أنك ستصلي باتجاه البيت الحرام أو البيت المقدس، وإن كان لله مقصد في البيت الحرام، لكن القضية الأعوص هو أنت كيف ستفكر؟
فأعطاك هذا نموذجاً واحداً من أسهل النماذج؛ بس شوف تغيير القبله، هي المسألة الواحدة كيف سيتعامل معها الأمم من حولكم؟ كيف اليهود سيهولون الأمر عليكم؟ كيف المنافقون ستتزعزع عقائدهم ويقولوا إيش هذا الدين المضطرب؟ وكيف أن أصحاب الإيمان المعتزون بالوحي يقولون سمعنا وأطعنا؟ نموذج واحد، نموذج القبله تباينت الآراء والمواقف تجاهه، فما بالك بالنماذج الأعقد والمسائل الأكثر رسوخاً وعمقاً، كيف سيكون مواقف الناس منها؟
فلذلك القرآن يعلمك تريد لك هوية، تمسك بالوحي الإلهي: ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ﴾. هكذا تصنع الهوية. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يعيننا على صياغة هويتنا على موائد القرآن، وأن يعيننا على فهم كيف يصنع القرآن الهوية فينا، وكيف يعزز القرآن انتمائنا، وكيف يضع القرآن حولنا حدوداً ومسافات، ويعرفنا كيف نتعامل مع المخالفين لنا اعتقاداً وديانة وأخلاقاً وقِيماً، حتى نحافظ على ما تبقى من أمر ديننا. إنه سبحانه وتعالى الموفق إلى كل خير، وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل