السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته. حياكم الله الإخوة والأخوات في هذا المجلس الطيب المبارك، صوت جيد، نبدأ إذا إن شاء الله.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأصلي وأسلم على النبي المصطفى صلاة تترا وعلى آله وصحبه ولنهجه اختفى. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علماً نافعاً يا أرحم الراحمين. حياكم الله أيها الأكارم في الأمسية المنتظرة، أمسية كن أبا خيثمة. وفي البداية أعتذر على تأخير هذه الأمسية لأسبوعين وذلك لظروف قاهرة حالت دون إقامة هذه الأمسية. واليوم بحمد الله أعاننا الله سبحانه وتعالى على الحضور والالتزام، فالحمد لله أولاً وآخراً ظاهراً وباطناً.
هذه الأمسيات التي اعتدنا عليها منذ أشهر بحمد الله عز وجل نركز في كل أمسية على قضية من قضايا الإيمان، أو قضايا الفكرة، أو قضايا التربية التي يحتاج المسلم أن يناقشها مع إخوانه، وأن يتدارسها، وأن يعرف أسبابها وأعراضها، وإذا كانت تحتاج إلى علاج فكيف تعالج؟ فهكذا نتواصى على الحق ونتواصى على الصبر على هذا الحق. ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ﴾ [العصر: 1-3]. هكذا مدارسة، معالجة، تفكير بقضايا الإيمان ﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾.
ولاظن أن الله سبحانه وتعالى لم يقتصر على وتواصوا بالحق، بل اتبعها بماذا؟ أن نتواصى على الصبر على هذا الحق، وذلك لأن وهذه قضية دائماً أنبه عليها في أي محاضرات إيمانية تربوية تزكويه هو ألا يصبح هدف الشاب المسلم أو الفتاة المسلمة مع الوقت التكثر من سماع المحاضرات على حساب التغيير والإصلاح الداخلي، يعني ليس الهدف أو تصبح المحاضرات هدفا مقصودا لذاتها، وأصبح أظن أنني بمجرد أن تابعت المحاضرة وسمعت أنني أنجزت وحققت المطلوب، لا.
المحاضرة أو المجلس أو المدارسة هي خطوة من الخطوات المهمة، هي المفتاح قد تكون لك في النجاح في قضية ما، لكن ما بعد ذلك كل القضايا الإيمانية والتربوية والسلوكية لن تعالج في داخلك إلا من خلال الصبر والمجاهده والمكابده. هذا مهم أن تفهمه حتى لا تبقى تغر نفسك وتخادعها أن سماع المحاضره هو الذي هو الانجاز الأخير، لا، هو الإنجاز الأول وهو لن يغير حياتك إذا لم تتبع هذا السماع وهذه الاستفاده بالعمل وأن تستثمر الفوائد التي قيلت بصورة مباشرة سلوكيا، وهذا أنصح به نفسي وإخواني.
لذلك السلف رضوان الله عليهم بالنسبة لهم مجالس الوعظ كانت مجالس على قدر الحاجة، ويتخولون بعضهم بعضاً بها، ويقلون الكلام؛ لأنهم يدركون أنه في النهاية حتى أطور أنا في حياتي لابد أعمل ولا أأبقى أسمع أسمع أسمع واستكثر من حجج الله علي، ثم أنظر في ذلك في ميدان عملي فإذا أنا مستكثر من المحاضرات قليل في الإنجاز والأعمال؛ لأن سماع المحاضرات قد تستروح له النفوس وتجد فيه نوع من السهولة وبالتالي الرضا الذاتي، لكن العمل فيه مكابده في جهد في تعب ونحن للاسف كثير منا لا يريد أن يتعب، وهذا لا يمكن، لا يمكن أن تعالج قضايا الإيمان بدون مكابدة ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ [البلد: 4]، وقال سبحانه: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾ [البلد: 11] بدك تقتحم، بدك تدخل، بدك تورط نفسك، بدك تشتبك مع الواقع حتى تستطيع أن تعالج سلوكياتك وأخطائك ومشاكلك الإيمانية والتربوية وما شابه.
محاضرة اليوم تحت عنوان: كن أبا خيثمة. لماذا أبو خيثمة أيها الأكارم؟ كيف استطاع أبو خيثمة أن يلملم أوراقه سريعا ويتدارك الركب قبل أن يسقط، قبل أن يفوت الأوان؟ الصحابي الجليل أبو خيثمة رضي الله تعالى عنه قصته التي سننطلق من خلالها هي قصة لطيفه ويمكن بل تقع مع كل واحد منا في حياته الإيمانية. قصته هي قصة تخلفه في غزوة تبوك في بداية الحال، وكيف استطاع أن يتدارك الموقف ويتدارك فتوره وابتعاده عن المشهد ليعود سريعا ويلتحق بالصحابه الكرام وبالنبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يسجل من المتخلفين عن هذه الغزوة.
في المقابل هناك بعض الصحابة جاءه شعور الفتور وشعور التسويف وأجل وأجل، ولكنه لم ينجح، لم يستطع أن يقوم بلملمة الأوراق في الوقت المناسب حتى يفعل كما فعل أبو خيثمة رضي الله تعالى عنه. ولعلنا قصصنا قصة هؤلاء الصحابه الثلاثه الذين تخلفوا عن غزوة تبوك في شرحنا وتعليقنا على رياض الصالحين. الذي يهمني هنا: كيف أكون أبا خيثمة؟ كيف استطيع أن ألملم الأوراق في حالة الفتور الإيماني والضعف وأعود سريعا لبناء الذات والانطلاق مرة أخرى في مساحات الإيمان والمنافسة والعمل والجدية؟
كلنا يصاب بالفتور، وهذا الفتور نحن متفاوتون في التعامل معه؛ فمنا من يفتر لكنه يبقى ملتزماً بالفرائض مجتنباً للمحرمات محافظاً على توازنه، ومنا من يفتر فيسقط أحياناً في شيء من المعاصي والذنوب، ومنا من يفتر وتتدحرج كرة الثلج معه ويقع ليس فقط في ذنوب والصغائر بل يقع حتى في الكبائر بل تصبح للأسف بعض حالات الفتور انتكاسات والعودة للوراء، ويصبح بعد أن كان من أهل الخير والصلاح أو من أهل الالتزام والبرامج والامور النافعة يصبح إنسان ضائع تائع حائر من أصحاب الشكوك من أصحاب الشهوات من أصحاب الملذات. أين وصل فتورك؟ ما مستوى فتورك؟ وهذه قضايا نتكلم عنها إن شاء الله في مجلس اليوم.
لكن دعونا في البداية نسرد قصة أبي خيثمة رضي الله تعالى عنه التي ذكرها ابن إسحاق وذكرها ابن هشام عن ابن إسحاق رحمه الله تعالى عليه، يقول ابن إسحاق في سياق قصته أو في سياق سرده لغزوة تبوك، يقول رحمه الله عليه: ثم إن أبا خيثمة، الآن ابن إسحاق يسرد لنا ماذا وقع مع أبي خيثمة في غزوة تبوك. الآن طبعا هو سياق طويل غزوة تبوك الذي تكلم عنه ابن إسحاق وتكلم كيف أن النبي عليه الصلاه والسلام والصحابه انطلقوا، الآن انطلقوا وغدوا السير باتجاه تبوك، أبو خيثمة في البدايه كان يعاني من فتور، دعونا نسميه.
يقول ابن إسحاق: ثم إن أبا خيثمة رجع بعدما سار رسول الله صلى الله عليه وسلم أياماً إلى أهله، يعني النبي عليه الصلاه والسلام غادر المدينة منذ أيام متجهاً إلى أين؟ إلى تبوك. أبو خيثمة لم يغادر، لماذا؟ حالة فتور. فعاد أبو خيثمة إلى أهله، وكان متزوجاً بامراتين، عاد إلى أهله في يوم حار، فوجد امراتين له في عريشين لهما في حائطه، كان له بستان وكان له زوجتان، وكل زوجة وضعت له في مكانها المخصص لها، وضعت له مجلساً وفراشاً ومتكئاً ليجلس فيه، فدخل هو إلى حائطه إلى بستانه، فوجد في هذا اليوم الحار كل زوجة أعدت له متكئاً وأصلحت له شأنه، والماء البارد استعذبته له، ووضعت له ثماراً جيدة.
المهم لاحظ كيف هذا المشهد استفز أبا خيثمة، يقول: فوجد امراتين له في عريشين لهما في حائطه، أي في بستانه، قد رشت كل واحدة منهما عريشها وبردت فيه ماء، يعني أعدت له مكاناً جاهزاً للراحة وهيأت له فيه طعاماً. فلما دخل قام على باب العريش فنظر إلى امراتيه وما صنعتا له. ملاحظوا هنا كيف اشتعلت جذوة الإيمان بعد أن كان فيها نوع من الخمود والفتور اشتعال الجذوة، فقال في نفسه: رسول الله صلى الله عليه وسلم في الضح والريح والحر، وأبو خيثمة في ظل بارد وطعام مهيأ وامرأة حسناء وفي ماله مقيم، ما هذا بالنصف! يعني هذا ليس بانصاف، هذا ليس بعدل أنه أنا أكون جالس هنا مستريح وأعيش حياتي ولذائذي وإخواني في الله يجاهدون ويكابدون ويقاتلون ويقدمون المشاريع النافعة والأعمال الجيدة ويسابقون بالخيرات ويكابدون حر الحياة، وأنا جالس في لذائذي وشهواتي ورغباتي، كحال كثير من الشباب على السوشال ميديا وفي المقاهي وفي الجلسات العائلية وليله ونهاره نائم في المنزل من مطعم إلى مشرب إلى جلسة إلى استرواح.
وفي المقابل نجد هناك من يقاتل في ميادين الرباط للأمة وهناك من يسارع في طلب العلم وتحصيله ويكابد الليل والنهار ويسهر، وهناك من يعمل في مشاريع إنتاجية إغاثية إصلاحية، وناس تعمل وناس تنام، وناس تبذل لهذه الأمة وناس أمام الجوالات، وناس في كبد الحياة تدفع الأثمان في السجون وخلف القضبان ومن أرواحها وأرواح أبنائها وأزواجها وحياتهم وطمأنينتهم ويشعرون بالقلق والخوف وأنا وناس آمنون في ملذاتهم وفروشهم ونسائهم.
لاحظ كيف أن أبا خيثمة شعر أن هذا ليس عدلاً، ليس إنصافاً أن أكون أنا منتمي لهذا الدين ولكنني نائم في سباتي وأعيش لذائذي، وفي المقابل هناك من ينتمي لهذا الدين ويقدم الغالي والنفيس ويبذل الحياة والمهج والليل والنهار وعلى حساب لذائذه، قال: هذا ليس بالنصف. طيب هل لملم الأوراق؟ هل تدارك الموقف؟ الآن هو إلى الآن في خطأ أليس كذلك؟ هو لم يلتحق بالمعركة، مع أنه لم يكن معذوراً، هو لم يلتحق بالمعركة، هو في هناك خطا، كما قلنا هذه حالة فتور تصيب ممكن أي إنسان مؤمن في حياته الإيمانية، لكن جمالية أبي خيثمة هو كيف تدارك الموقف.
فيقول، قال: والله لا أدخل عريش واحدة منكما حتى ألحق برسول الله صلى الله عليه وسلم، فهيئا لي زاداً. مباشرة لاحظ، ما أعطى نفسه مساحة للتفكير ولا هو لو بده يجلس يفكر ويتردد ويسوف كعب بن مالك رضي الله عنه لما قرانا سيرته وقصته في تبوك الاشكال أنه أطال التفكير وسوف فكان ما وقع. لكن هنا أبو خيثمة سر نجاحه أنه ما أطال التفكير، ما قال يعني بتعرف لما تجيك حالة إيمانية اتبعها بعمل مباشر، هو لو هذه الحالة الإيمانية التي راها أنه أنا أكون مرتاح والنبي عليه الصلاه والسلام والصحابة يبذلون ما هذا بالنصف، بعدين قال: خير إن شاء الله بنفكر في الموضوع، لا، الشيطان سيستغل حالة التسويف في اتخاذ الموقف.
فهو ورط نفسه في القرار، لاحظ كيف ورط نفسه، اتخذ قرار سريع لمعالجة حالة الفتور الإيماني التي يمر بها، فانطلق مباشرة، هيأ زاداً ففعلتا، ثم قدم ناضحه وهو الجمل الذي سيركب عليه، ثم قدم ناضحه فارتحله، ثم خرج في طلب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أدركه حين نزل تبوك. واضح أنه في مسافة طويلة كانت بينهم، فالنبي عليه الصلاه والسلام أصبح الآن في تبوك، وأبو خيثمة ما قال: فاتني الأوان، أنا تأخرت أيام، خلص إن شاء الله مرة قادمة بمعالج الموقف.
لاحظ كيف الهمم تصنع وكيف الفتور يعالج باتخاذ القرار السريع، ولو لم يتخذ هذا القرار لعله كان رابع الثلاثة، لكن هو قال: حتى لو كان النبي عليه الصلاه والسلام مشى سبعين بالمئة من الطريق ثمانين بالمئة من الطريق المهم أن أصل، ودائماً نحن بنقول: أن تصل متأخراً خير من أن تصل قال: أن أكون في ذيل الركب لكنني حسبت مع هذا الركب كتب لي ثواب هذه الغزوه ولو كنت من آخرهم خير من ماذا؟ من تسويف المشاريع وتاجيلها والتعويض مرة أخرى. لم يقبل أن يعوض مرة أخرى، الآن الآن قبل أن يفوت الأوان، فمباشرة ركب وغذ السير باتجاه النبي صلى الله عليه وسلم.
ثم خرج في طلب النبي صلى الله عليه وسلم حتى أدركه حين نزل تبوك، وقد كان قبل أن يصل أبو خيثمة إلى المعسكر الإسلامي في تبوك أيضاً هذا موقف، وقد كان أدرك أبا خيثمة في الطريق صحابي جليل اسمه عمير بن وهب الجمحي، في الطريق خرج يطلب النبي صلى الله عليه وسلم، طبعا عمير ما كان من المتخلفين، كانه كان خارج المدينة، كان عنده تجارة أو شيء، ولما وصل بلغه أن النبي عليه الصلاه والسلام خرج إلى تبوك فمباشرة انطلق، يعني هو لم يكن متخلفاً أو مذنباً، كان عنده ظرف ومباشرة غذ السير باتجاه النبي عليه الصلاه والسلام.
ففي الطريق وأبو خيثمة يمشي وحده أدركه هذا الصحابي عمير بن وهب الجمحي، فلما اقترب فترافق، يعني مشى مع بعضهما حتى دنوا من العسكر، قال: حتى إذا دنوا من العسكر قال أبو خيثمة لعمير بن وهب: إن لي ذنباً، فلا عليك أن تخلف عني حتى آتي النبي صلى الله عليه وسلم. لاحظ كيف يتحمل مسؤولية قراره ويتحمل مسؤولية ضعف أبو خيثمة رضي الله عنه. ماذا قال لعمير؟ قال: يا عمير، أنا مذنب، أنا أخطأت ولم ألتحق بالمعركة من بدايتها فرأيي أنت تنفصل عني الآن وأنا آتي إلى النبي صلى الله عليه وسلم وحدي، حتى ايش؟ حتى لا تحسب معي، حتى لا يظن أنه أنت تخلفت بسببي أو أنا أثرت عليك أو شيء من ذلك، لا اريدك أن تتهم باختصار، لا اريدك أن تتهم انك سرت معي.
فهو أبو خيثمة وهو لا يعرف كيف سيتصرف معه النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: قال لا عليك أن تخلف، أنه أنت تأخر عني وأنا سآتي وحد النبي عليه الصلاه والسلام وأنظر القرار الذي سيقال لي. قال: ففعل عمير وترك أبا خيثمة في نهاية الطريق، قال: حتى إذا دنى من رسول الله صلى الله عليه وسلم، الآن بدأ يلوح للمعسكر الإسلامي وللنبي عليه الصلاه والسلام، بدأ يلوح لهم من بعيد أن هناك راكب على جمل في صحراء الحجاز يتحرك تجاههم، بدأت تظهر هذه المخايل من بعيد.
فالمعسكر الإسلامي ينظرون من بعيد ويقولون للنبي صلى الله عليه وسلم: أن هناك راكباً مقبل. فالنبي عليه الصلاه والسلام ولاحظوا القائد الأعلى عليه الصلاه والسلام والمحب لأصحابه والذي يظن فيهم الخير دوماً، ماذا قال؟ قال: كن أبا خيثمة، يعني يا رب كن أبو خيثمة، يعني يعز على النبي صلى الله عليه وسلم أن يجد صحابي من الصحابة الذين يثق بهم يتخلف عن مثل هذه المواطن ويعصي ويكتب من المتخلفين، فكان عليه الصلاه والسلام متشوقاً أن يكون هذا الصحابي من أبو خيثمة، فقال: كن أبا خيثمة، يعني يا رب يكون هذا.
الرجل، طيب فقالوا يا رسول الله فعلا اقترب؟ قال: هو أبو خيثمة يا رسول الله.
فلما بلغ أبو خيثمة أقبل فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له عليه الصلاة والسلام: «أولى لك يا أبا خيثمة». ايش يعني أولى لك؟ يعني ويل لك يا أبا خيثمة! لماذا تأخرت؟ أخرت! طبعا هو في النهاية أدرك خلص، حسبت له، لكنه يلومه أن مثلك يتاخر يا أبا خيثمة. أولى لك ويل لك! طبعا هذه عبارة تعتبر يعني هي ليس دعاءً، وإنما هي نوع من التأنيب، يقول لك: يا ويلك ليش تأخرت؟ لماذا لم تكن من السابقين؟ أنا أحسبك دائما من الصفوف الأولى. أولى لك يا أبا خيثمة!
ثم أخبر النبي صلى الله عليه وسلم كيف استطاع أن يلملم أوراقه، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم خيرا ودعا له بالخير؛ لأنه في النهاية هو أحسن التصرف، استطاع أن يعالج حالة الفتور في الوقت المناسب قبل أن يفوت الأوان، لملم أوراقه في الحياة وغادر وانطلق حتى ولو وحيدا، ولاحظ كيف هو ما أخذ يحسب كثيرا؛ طب الآن النبي عليه الصلاة والسلام مشى، كيف بدي ألتحق بالغزوة؟ سأسير في الصحراء وحدي! كل هذه الأمور طردها أبو خيثمة الآن، وكان هدفه المباشر أن تنتهي حالة الفتور، وأن أعود لأحلق مع هذا الركب الفاضل ومع هذه المسيرة الطيبة، فلم يضع عراقيل، لم يسوف، لم يقبل أن يقوض تجربة أخرى أو يقول لعل أعوض في قابل الأيام.
الآن وهذه حقيقة طريقة ممتازة، أن الإنسان لا يسوف ملفاته، ولا يظن أن الحياة ستعطيه فرصا أخرى، بل يعتقد أن هذا الموقف هو إما أنجح وإما أن أفشل، فاستطاع أبو خيثمة بهذه الإرادة السامية بعد توفيق الله أولا وآخرا أن يلتحق بهذه الغزوة ولو متأخرا، ونجح في الانتهاء من حالة الفتور هذه. قصة نريد جميعا أن نكون أبا خيثمة، ولذلك يسمينا هذه المحاضرة: كن أبا خيثمة! يجب كل شخص منا يعاني من فتور إيماني أن يحاول أن يقتدي بهذا الصحابي الجليل، وأن يسير على خطاه في ماذا؟ في إدارة الفتور والمسارعه في الانفكاك منه والالتحاق بركب الصالحين والسابقين والباذلين قبل أن يفوته الأوان. وهذا سيقودنا بالتالي لمعالجة إشكالية الفتور الإيماني؛ عندما يخبو النور، كيف يحاول الإنسان أن يتصرف في حال الفتور وكيف يعالجه؟
وفي البداية سنتكلم عن أسباب الفتور حتى نرتب الأفكار، وأنا دائما أحب ترتيب الأفكار، دعنا نتكلم عن أسباب الفتور، لماذا يصاب المسلم أو المؤمن بالفتور الإيماني؟ هذا سؤال، ما الذي يجعلنا نصاب بهذه الحالة؟ ثم بعد ذلك دعونا نتكلم كيف نتصرف في ثناياه؟ حقيقة هناك أسباب كثيرة يمكن إحصاؤها قد تعد سببا لهذا المرض أو لهذه الحالة.
أولا، إي بدي أبدأ بالحالة الطبيعية، وهو أن الفتور؛ فتور الإنسان هو جزء من الحالة البشرية الطبيعية، أن الإنسان يكون في مراحل معينة بهمة عالية ومقبل على قضايا الإيمان ومشتبك معها، ويحاول أن يقرأ ويتعلم ويشارك في الدورات والبرامج وما شابه ذلك، ثم في مراحل معينة يصاب بحالة من ماذا؟ من الفتور وشيء من الملل والكلل، ثم بعد ذلك يصعد مرة أخرى في الأصل ويعود ثم بعد ذلك ينزل. فقضية أن الإنسان المسلم يمر بحالات من الفتور والملل، هذا أولا جزء من طبيعة الحياة البشرية التي كتبه الله عز وجل على كل شخص منا، وكما أنك تبتلى في حالة اندفاعك كذلك تبتلى في حالة فتورك.
ولذلك النبي عليه الصلاة والسلام حتى يخبرنا عن طبيعة هذه الحالة وأنها هي جزء من الحياة الإنسانية، يقول صلى الله عليه وسلم: «إن لكل عمل» أي عمل تدخل فيه في الحياة إيماني تربوي «تجد فيه شرة» شرة يعني إقبال واندفاع همة «قال ولكل شرة فترة»، لكل شرة كانها قاعدة كلية هكذا، لكل شرة فترة، أي اندفاع شيء طبيعي يكون بعده نوع من الفتور. لذلك أنت مثلا في رمضان تجد نفسك مقبلا على الله سبحانه وإيمانيات وختمات وما شابه ذلك، بمجرد تأتي ليله العيد، ما بعد ليله العيد، شيء طبيعي انك تشعر أنه في ليله العيد وما بعدها مستوى العمل والانتاج ليس كالحال الذي كان في رمضان، مواسم الخيرات عشر ذي الحجه وما شابه ذلك، كذلك مثلا لما كنا نعمل مواسم علميه، تجد الإنسان في بداية الموسم العلمي همم مدارس تجد الشباب مقبله وكذا والزحمه والكل يريد أن ينجز ويقرا، وبعد أن تنتهي هذه حالة الإقبال العلمي المكثفة تجد الإنسان بعده بده يأخذ شوية راحة وهيك يشعر بحالة من الفتور وأنه يسمح لنفسه بشيء من الدعة والسكون، نقول: هذا جزء من الحياة الطبيعية للانسان؛ لأن الله عز وجل كما يختبرك في ساعة اندفاعك ماذا ستفعل؟ أيضا يختبرك في ساعة فتورك ماذا تفعل؟
وسيأتي معنا تكملة هذا الحديث، لكن أنا أتيت بالجزء الأول من الحديث ليبان لك أن الفتور أولا هو جزء من الطبيعة البشرية، حتى أيضا لا يحمل الإنسان نفسه فوق طاقته ويقول: لا، أنا اريد دائما أبقى في صعود دون أي فتور يتخلله، نقول: هذا صعب، لكن المهم كيف تتعامل مع ساعة الفتور؟ يعني أن تبقى دائما في صعود دون الشعور بشيء من الفتور في أي مرحلة من المراحل، هذا نوع من المثالية التي يعني يندر أو قد يكون غير صحيح يعني أصلا أن تطلبها، ولكن المطلوب منك أن تتعلم كيف تتعامل في ساعات الفتور.
كذلك الحديث الذي رواه الإامم الطبراني رحمه الله عليه في الأوسط قال صلى الله عليه وسلم: «ما من القلوب قلب إلا وله سحابة كسحابة القمر، بينما القمر مضيء إذ علته سحابة فأظلم، إذ تجلت عنه فأضاء».
يعني النبي عليه الصلاة والسلام يخبر أن القلوب؛ قال: ما من القلوب قلب؛ قلوب المؤمنين ما من القلوب قلب إلا وستمر عليه سحابة كما تمر السحابة على القمر، بتعرفوا سحابة الصيف هذه التي تمر على القمر دقيقة دقيقتين ثم تغادره؟ لما تاتي سحابة الصيف تاتي على القمر وهو بدر دقيقة دقيقتين أكيد سيحجب نوره، ستشعر بشيء من الظلمة، لكن سرعان ما تمر هذه السحابة وتغادر ويعود للقلب إشراقه. فكذلك النبي عليه الصلاة والسلام يشبه قلب المؤمن الناضج المؤمن الواعي أنه لا بد وأن تمر عليك سحابات الصيف؛ ما من القلوب قلب إلا وله سحابة كسحابة القمر، بينما هو مضيء؛ بينما القمر مضيء قال: إذ علته سحابة، جاءت سحابة أغلقت عليه، إذ علته سحابة ماذا سيحصل؟ شيء طبيعي في إظلام في خمود في فتور، قال: إذ تجلت عنه يعني ثم ذهبت وأكملت مسيرتها هذه السحابة فعاد مضيئا. فكذلك إذا النبي عليه الصلاة والسلام كأنه يوجهنا إلى تقبل حالة الفتور، وأن تفهم أنها جزء من الحياة البشرية أو الطبيعة البشرية، أن الإنسان لا يبقى في حاله صعود دائم لا يتخلله شيء من السكون، لابد وأن تتخللك هذه المراحل وأن تتعلم كيف تتعامل معها، يعني عندما تأتي السحابة هيك خلى عندك عبارة: أتتعامل مع نفسي ومع إيماني عندما تأتي السحابة، بدي أتعلمها هذه مهارة بحيث أجعل هذه السحابة تمضي سريعا ولا تمكث، إنه بعض الناس للأسف لما تأتي السحابة لا، خلاص بتضل السحابة! لا، المؤمن سحابته سحابة صيف تاتي وتمر سريعا.
كذلك قال صلى الله عليه وسلم: «إن الإيمان ليخلق في جوف أحدكم كما يخلق الثوب». إذا النبي عليه الصلاة والسلام يخبر أن الإيمان يخلق، ما معنى يخلق؟ يبلى، تاتي فترات تشعر فيها أنه أنت تحتاج إلى التجديد في الإيمان، فيقول: كما أن الثوب مع طول لبسه يخلق كذلك الإيمان يخلق.
إذا هذه الاحاديث: «إن لكل عمل شرة ولكل شرة فترة»، «إن الإيمان ليخلق في ثوب أحدكم كما يخلق الثوب»، «ما من القلب قلب» عفوا «ما من القلوب قلب إلا وله سحابة كسحابة القمر بينما القمر مضيء إذ علت سحابة فأظلم اتجاه جلت عنه فأضاء»، هذه الأحاديث كلها هي تركز على قضية ما هي؟ أن الفتور هو جزء من الطبيعة البشرية، فعليك أن تحسن التعامل معه، ولا تعتبر أن مجرد وجود فتور يعني أنك منتكس، مجرد وجود فتور يعني أنك إنسان غير جيد، مجرد وجود فتور معناه انتهت المشاريع الإصلاحية وعلي أن أعود إنسان لا، حاول دوما أن تهدا وتفكر في الفتور على أنه جزء من حياتي، من دورات الحياة الطبيعية التي تمر به.
هذا إذا السبب الأول من أسباب الفتور، ما هو؟ الطبيعة الإنسانية.
طيب نيجي الآن على السبب الثاني؛ طبيعة الحياة وصعوبات الحياة والكبد الذي في الحياة، حقيقة مثل كبد الرزق، أي كبد الزواج ومحاولة الشاب يريد أن يصل للزواج ثم الحياة الأسرية وماذا تحتاج من مصاريف وأتعاب وأمراض وطبيعة الواقع المعاصر وضغوطاته السياسية والاجتماعية والظرفية، ضغوطات الحياة المتكاثرة المتزاحمة على هذا الشاب أو على تلك الفتاة، كذلك من المشاكل الاجتماعية خطرت في ذهني والأسرية والخلافات، هذه كلها تجعل الشاب المقبل على الخير والصلاح هيك يشعر أن هذه المشاكل تضغط على مناطق الإحساس لديه، فيبدا يمل من ممارسه القضايا الإيمانية، أو يمل من القراءة والتعلم، أو يمل من أي مشروع إصلاحي أو خيري كان يمارسه في الحياة بسبب الشعور بالارهاق الزائد، وهذا يجب أن نعترف به، أن الإنسان كثره تفكيره في مشاكل الحياة وضغوطاتها تؤثر على همته الداخلية، حتى بل حتى على قوته البدنية، فيبدا يشعر بماذا؟ أنه معالجته لقضايا الإيمان واستمراره في المشاريع يبدا يلهث، يبدا يشعر بالتعب: وينك يا فلان ما عدت ما عدت نهارك، شاعرين عندك حالة من الفتور؟ والله يا شيخ أنا داخل في مشاكل حياتية ومشاكل أرزاق وكذا ومشاكل عائلية وكذا أصبحت ألهث حتى ألحق بكم! فتبدا تشعر أن هذا الشاب فعلا منهك تماما.
ولذلك دائما مش كانوا علمائنا لما يتكلموا عن طالب العلم وأن طالب العلم إذا وجد من نفسه قدرة على الابتعاد عن المشاكل حتى في الزواج كانوا يقولون: أجل، لأنهم يعرفون أنه كما قال سفيان الثوري: إن من تزوج؛ يقول سفيان: ركب البحر فإذا ولد له غرق! ولماذا يقول سفيان الثوري ذلك؟ لأنه يدرك أنه كلما كبر الإنسان واشتبك مع الحياة أكثر، ضغوطات الحياة، متطلبات الحياة، صعوبات الحياة ستؤثر بشكل عام على همته في الطلب، على همته في التحصيل، على همته في الاشتراك. طبعا هي ليست شيء لازم، ركزوا أنا بدي أتكلم عن السواد الأعظم عن المعتاد، أنه كلما كثرت اشتباكاتك وضغوطاتك وايش والأمور التي تمر بها في الحياة في العادة، هذا سيؤثر على الهمة وعلى الاهتمام بقضايا الدين والإيمان وما شابه ذلك، فتبدا تشعر بماذا؟ باللهث الإيماني واللهث العلمي وأنك منهك تماما، وبالتالي حسن معالجة هذه المشاكل والتقليل منها والخلاص مما يمكن الخلاص من كل هذا، بإذن الله يساعدك على التقليل من حالات الفتور قدر المستطاع.
طيب أيضا من الأمور التي تسبب الفتور أيها الكرام هو التصور الجزئي للدين الذي يدع الإنسان غير مستعد للمفاجات في أثناء طريقه في العمل لهذا الدين أو الإصلاح أو الطلب أو التحصيل أو النفع.
التصور الجزئي للدين، ما معنى هذا الكلام؟ لما آجي أنا أصور لك أن طريق التدين والالتزام طريق مفروش بالورود، وانه دائما الناس ستستقبلك وتهش وتبش في وجهك، ولن تجد عقبات ولا أي كبد في هذا الطريق، بل بالعكس الناس خير وبتحب الدين وما شابه ذلك، فانت تبدأ في ماذا؟ في طلب العلم أو التحصيل أو شيء أو تبدأ في برامج وما شابه ذلك، فجأة نص الطريق تجد أنه بدأت تظهر عقبات، قد تكون العقبات تبدأ من أسرتك؛ أن والدك أو الأهل أو كذا غير راغبين بتدينك واهتمامك بحال بالصلاه والمحافظه على الدين والتمسك به، تبدأ تشعر في مواجهة من أقرب الناس إليه، فجأة تجد الظروف الاجتماعية تحيط بك أيضا تحاول أن تحد من اهتمامك الديني وأقبالك على التدين، والله قدمت لوظيفه أو لعمل رفضوا شكلي لأنه أنا مثلا ملتزم باللحية أو ما شابه ذلك، أو رفضوا هذه الأخت لأنها ملتزمة بالحجاب الشرعي ولم تظهر لباقتها في التعامل مع الشباب (بعض الشركات وبدهم الشابه تحتك وتختلط)، تبدأ تشعر انه حالة التدين والطريق الذي أسلكه في مشاكل أسرية عند بعضنا سببت له في مشاكل اجتماعية مع الوسط المحيط، ممكن أحيانا تسبب لك حتى مشاكل أمنية، ممكن تسبب لك أمور صعبة، إيه ولا الجماعة مناديني: تعال يا عمي أنت وين رايح الله يرضى عليك بدك تصير يعني؟! وبصير يتفاهم معك وبتلاقيه هلا هو شوي ممكن قعد له يوم يومين عند الجماعة، وبعدين طلعت، بعدين إيه سكروا دروس، فتحوا دروس، طلعت القصة إيه مشاكل بصير يشعر الإنسان أنه لم أفهم الدين بهذه الطريقة، ما كنت أتوقع أن طريقة التدين والالتزام محفوف بالاشواك ومحفوف بالمخاطر ومحفوف بالهموم، اللي صور لي الدين ابتداء صور لي إياه بأنه يعني الحياة الوردية وأقول: هذا خطأ، نعم.
اللي صور لك الدين ابتداء أنه في الدنيا من حيث المادة حياة وردية، أخطأ، هذا تصور جزئي. الأصل أن تتصور الدين كما هو: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ﴾، وربنا عز وجل هو الذي أعطانا طبيعة التدين في القرآن: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: 155]، وسبحانه وتعالى يقول: ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ﴾ [الفرقان: 20]، وقال سبحانه: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: 2-3]، فالقران
لما عرض لنا الدين والتدين، لم يعرض على أنه حياة وردية؛ أنك تتدين شاء الله سيصبح معك برج من الأبراج، في منطقة من مناطق العالم، سيصبح معك حالة اقتصادية فارهة. لن تجد القرآن طرح التدين بهذه الطريقة، بل أعطاك أنه: ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل: 97]؛ أن من يعمل الصالحات من ذكر وأنثى سيعيش حياة طيبة، ستشعر بالرضا عن هذا الطريق الذي اخترته، لكنه طريق فيه آلام.
الحياة الطيبة هي الشعور بالرضا والسكينة والطمأنينة، هذا صحيح، لكن من حيث الأمور المادية الخارجية ستجد تحديات، عقبات، وصعوبات. ولماذا طرحت هذا الموضوع كسبب من أسباب الفتور؟ لأن طالب العلم أو الإنسان الذي يريد الالتزام، أو الذي يهتم بحياته التدينية، عندما يبدأ بالالتحاق بالبرامج ثم يجد أن البرامج توقفت أو أغلقت نوعًا ما أو حُد منها، أو كان يستطيع أن يحضر وجاهيًا فما عاد يستطيع، أو كان معه رفقاء طريق وابتعدوا، فيبدأ يشعر بالفتور والملل والكسل ويضعف، ويقول لك: خلص يا شيخ، ما هو الواقع يريدنا ألا نتدين، الحياة أصبحت صعبة.
نقول: إذًا مشكلتك أنك فاهم الدين بصورة جزئية، أنك فاهم التدين أنك دائمًا ستجد من يصفق لك ويحملك، وأنك لا تريد أن تتحمل مسؤولية نفسك وتتحمل العقبات والصعوبات والمكابدات، فهذه مشكلة. فعليك أن تنتبه، عليك أن تتصور الدين تصورًا كاملاً، أنه حياة فيها عقبات ومشاكل وتحديات، ولكنها تقودك إلى الله سبحانه وتعالى: ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى﴾ [النجم: 42]، ﴿وَأَنَّ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الزخرف: 61]، ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: 162]. فأنا أريد أن أظل أجدد المعاني الصحيحة، ولعل هذا ما أتكلم عنه عندما نعالج هذا السبب، لكنني أريد التركيز الآن على السبب، وهو التصور الجزئي.
السبب الرابع هو ضعف التحصين عمومًا؛ فهناك عبادات كلما قصرت فيها ستجد أنك ستكون سريع الفتور، ويكثر الفتور في حياتك، وهذه العبادات هي صلاتك، وقرآنك، وأذكارك. هذه الثلاث في العادة تمنع من الانهيار الإيماني، تمنع من الفتور العميق. لا أقول لك إنها تمنع الفتور كله، ستمر بفتور لأنه كما قلنا جزء من الحالة الإنسانية، لكنها تمنع من الانهيار في الفتور.
فبالتالي، ضعف التحصين، ضعف صلاتك، وضعف اهتمامك بإتقان صلاتك، وضعف اهتمامك بالخشوع في الصلاة، أن تصبح الصلاة عادة فقط وليست عبادة حقيقية، هذا سيؤثر بلا بد على إيمانك. وقرآنك، وعلاقتك بالقرآن ومع وردك اليومي، هل تفتح القرآن يوميًا؟ هل لك ورد في فهم معاني القرآن وإدراك ما فيه؟ وأذكارك، أذكار الصباح والمساء وبعض الصلوات، هل أنت مهتم بإتقان الذكر؟ ليس فقط بالذكر بل بإتقان الذكر، أن أعود فأقول إن البعض قد يذكر لكنه يذكر بطريقة ميتة، يذكر بطريقة تصبح أقرب إلى أنها عادة من كونها عبادة، المهم أن ينتهي من هذا التكليف الذي كلف به نفسه، فيسبح الله عقب الصلوات بطريقة سريعة، لا تكاد دقيقتان تنتهي إلا وانتهى التسبيح، كذلك أذكار الصباح والمساء بقلب غافل.
هذه الأدوية وهذه الأمور المغذية هي تغذي الإيمان وتمنع انهياره، فإذا لم تؤدها أصلًا سينهار، وإذا أديتها لكن بطريقة خاطئة أو ضعيفة سيبقى الإيمان لكنه سيبلى مع الوقت، لأنه لا توجد صلاة متقنة، ولا قرآن متقن، ولا ذكر متقن، وبالتالي أنت تطلب شيئًا غير موجود.
إذاً ضعف التحصين كما قلنا سبب من أسباب الفتور، والسبب الخامس هو ميل الإنسان إلى لذائذ الدنيا. النبي ﷺ ذكر هذه القضية وهي الوهن، وأن هذا الوهن سيكثر في الأمة، قالوا: وما الوهن يا رسول الله؟ بماذا عُرف الوهن الذي هو الضعف؟ قال: «حب الدنيا». كلما كنت أكثر اهتمامًا بلذائذ حياة الدنيا ومنشغلًا بالصرعات الجديدة في عالم اللذة، كلما تأثر إيمانك وهمتك وإقبالك.
والمشكلة اليوم، الله يعين الشباب والنساء، أن العدو يتفنن في إخراج اللذائذ. قديمًا كانت هناك أصول اللذائذ المعتادة، حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة؛ أصول الشهوات موجودة في زمن الصحابة وفي زمن التابعين، في النساء وفي المال، لكن ما هو التضعيف الذي حصل في واقعنا المعاصر؟ أنه أصبح العدو الذي يتربص بنا يتفنن في تزيين اللذائذ؛ الأفلام، المسلسلات، الأموال، القبائح، الكبائر، يتفنن لك في تزيينها وإخراجها والدعاية لها وتسهيل الوصول إليها بكافة الأشكال.
أنت في بيتك لأسف، الحرام يدخل عبر الشاشات وعبر الجوالات وعبر كل شيء. وحتى على مستوى ليس اللذائذ المحرمة، بل حتى مستوى اللذائذ المباحة، أصبحنا أسواقًا استهلاكية عالية جدًا. افتح فقط وسائل التواصل الاجتماعي على الفيسبوك أو أي مكان تسويقي، تجد الرجال والنساء، أنواع السيارات بأشكالها وألوانها، أنواع المطاعم، افتح تطبيقات طلبات التوصيل تجد أنواع المطاعم بأشكالها ولذائذها، وخاصة فكرة الصورة؛ الصورة التي تظهر لك الوجبات السريعة، وتظهر لك المناسف، والأجبان والرز واللحم وما شابه. اذهب بعد ذلك إلى الأثاث المنزلي وما شابه، تجد أنواعًا وأشكالًا.
الإنسان المعاصر غارق في بحر اللذائذ، سواء اللذائذ المحرمة أو حتى اللذائذ المباحة، وأصبحنا عبارة عن أسواق استهلاكية. فهذا الإنسان الذي اعتاد النظر في اللذائذ والتشبع بها، أي الانهماك والانغماس معها، حقيقة هذا إنسان متعب منهك؛ لأن هذا القلب وعاء، وهذا الوعاء إما أن يمتلئ بالذكر، وبالقرآن، وبالعلوم النافعة، وبالبرامج المفيدة، وبالجلسات الطيبة، وإما أن يمتلئ بالصورة والصوت والموسيقى والمعازف واللذائذ.
وأعود فأقول، أنا لا أتكلم فقط عن اللذائذ المحرمة بل حتى اللذائذ المباحة، لقد أنهكت إيماننا. حتى الموضات والأزياء والأفكار والألقاب والسوشيال ميديا، حتى قضية المشاهير واليوتيوبرز وما شابه ذلك، أصبحت كأنك تلهث لمتابعة كل صرعة جديدة وكل خطاب جديد وكل شخص يخرج وكل إنسان يتكلم، كأنني في سباق مع هؤلاء، ولا أشعر بالراحة في يومي إلا إذا تابعت وشاهدت ونظرت في كل ما هو جديد، وفي كل ما نزل لفلان وفلان. أنت غارق في المتابعات ومنهك تمامًا في اللذائذ، ثم بعد ذلك تسألني من أين يأتي الفتور؟ شيء طبيعي، هذه تعمل فتورًا.
وبالتالي، سياتي معالجة الفتور: كيف أن الإنسان عليه أن يتخفف من الصورة قدر المستطاع، وتكون له اشتباكات نافعة في الحياة ومشاريع يدخل فيها، صدقني ستختلف حياتك تمامًا وتبدأ تشعر: أين كنت ضائعًا؟ وأين كنت حائرًا؟ هذا الفتور الذي كنت غارقًا فيه هو بسبب هذه الصور التي أنهكت بها عقلي وفكري وقلبي وخاطري.
إذاً الوهن بسبب اللذائذ والتوسع فيها، والنقطة السادسة من أسباب الفتور هي التفرد والابتعاد عن الرفقة الصالحة، ولذلك النبي ﷺ...
عليه الصلاة والسلام كان دائما ما يوصي بالاجتماع، «إياكم والفرقة، فإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية». لماذا الجماعة والحرص على الجماعة؟ لأن الإنسان مع الجماعة يقوى، يشعر أنه في حالة من التماسك؛ حتى لو ضعفت، يشدهم معه.
وفعليًا اللي حصل مع أبي خيثمة في غزوة تبوك، ما هو أنه أبو خيثمة تربى ضمن جماعة، فلما شعر أن هذه الجماعة التي هو معها سبقته إلى عمل من أعمال الخير -وهو ذهب إلى زوجتيه فوجدها لذائذ الدنيا- ما الذي ساعده أنه يلملم أوراقه سريعًا؟ أنه أصحابه والناس الذين هو معهم سبقوه للخير، فقال: لا والله لا أقبل، فتجهز وخرج وأراد أن يلحقهم. سبحان الله، وجودك ضمن جماعة نوعًا ما يساعدك أنك في لحظات الانهيار أو الضعف تجد من يعينك، يأخذ بيدك، أو أنت تجد الحافز السريع للإصلاح؛ لأن هؤلاء أنت تربيت معهم، فتكره أن تكون منبوذًا منهم أو أنك في يوم من الأيام ما عدت تقتدي بهم.
ما مر معنا في روضة العقلاء أن الإنسان على دين خليله، أليس كذلك؟ فإذا كان خليلك صالحًا يحذيك بأطايب الكلام والتصرفات والود، فأنت لو قصرت تبقى تشعر أن لك قدوة تحاول أن تقتدي بها، هناك بيئة تحاول أن تنجذب لها. ولذلك، مثلًا الشاب الذي يكون في بيئة علمية، لما يشوف نفسه بيمر في حالة فتور، يأتون إخوانه ويقولون: والله إنا فتحنا مجلس علمي جديد، فيشعر أنه في شيء يسحبه. كذلك الأخت لما تكون ملتحقة بثلّة طيبة من الأخوات الملتزمات المحافظات، وقد اشتبكت معهن تمامًا ودائمًا مع بعض، لو هي فترة شعرت بملل أو بشيء من الكسل، يتغير الحال لما ترى أخواتها عقدن مجلسًا، هي في نشاط معين، هي في عمل صالح، فتشعر أن هناك شيئًا يضغط عليها: ارجعي، لملمي أوراقك، لا تتركي هذا الركب، لا تتركي هؤلاء الصح.
فلذلك إياك أن تكون وحدك، إياك أن تبقى بعيدًا عن الرفقة. ربنا قال: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ۖ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ﴾ [الكهف: 28]. إياك أن تلتفت عنهم؛ لأن في اللحظة التي ستكون فيها وحيدًا، الوحدة قاتلة، الوحدة مؤلمة، الوحدة فعلاً تشعرك بالضعف ثم بالانكسار ثم بالانهزام والانتهاء؛ فلا تبقى وحدك في حياة التدين والالتزام.
ولذلك من أكثر الناس ثوابًا في آخر الزمان هم الذين يحافظون على الإيمان وهم وحدهم، لم يجدوا إخوانًا يعينونهم على الخير، لم يجدوا من يعينهم على الخير ولكن قبضوا على الجمر وتألموا وتعبوا كثيرًا من أجل أن يحافظوا على التزامهم وعلى تدينهم؛ فهؤلاء من عظماء الناس، من عظماء أهل الإيمان الذين يستطيعون الثبات والمحافظة على مستوى عالي في الالتزام رغم أنهم وحدهم.
أيضًا النقطة التي بعدها، أظن السابعة من أسباب الفتور، وهي حقيقة من أهم أسباب الفتور: الذنوب والمعاصي. كلما كثرت ذنوبك ومعاصيك فإن هذا سينعكس على فتورك الإيماني وعلى جذوة النور. ولذلك كما قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: «إن للسيئة سوادًا في الوجه، وظلمة في القلب، ووهنًا في البدن». ماذا يقول ابن عباس؟ إن للسيئة سوادًا في الوجه، وظلمة في القلب، ووهنًا؛ لاحظ الفتور، ووهنًا في البدن. لاحظ! سبحان الله، الذي ينام على معصية كيف يكون استيقاظه لصلاة الفجر؟ الذي يدمن المعاصي كيف يكون نشاطه البدني للعبادة والطاعة والصلاة؟
في ناس تجدهم نشيطين، يحرصون دوماً على الصلاة والأذكار والقراءة والتعلم، وفي إنسان يقول لي: يا شيخ أنا أشعر بالكسل، يشعر بالكسل والثقل؛ يعني يكون مخططًا وواضعًا برنامجًا ومجهزًا أموره، يأتي يريد أن يقوم ليعمل هذه العبادة أو يمارس هذه الطاعة، فإذا به يجد أن جسده لا يعينه. فهنا أنا مخطط ومجهز، فما أسباب فتوري؟ أقول: من أسبابها الذنوب والمعاصي. فإن الذنوب والمعاصي قطعًا -وهذا شيء دل عليه الدين والواقع والتجربة- كل واحد فينا جرب كيف تسبب له معاصيه وذنوبه نوعًا من التثاقل عن الطاعات، ونوعًا من شعوره بكآبة النفس وظلمتها؛ فلا يشعر نفسه يأنس في مجلس علم، ولا في حضور محاضرة، ولا في ذكر الله سبحانه، ولا في الإقبال على القرآن، بينما يجد في المقابل ذاك الشخص يصلي في اليوم عشرين ركعة، وذاك يختم خمسة أجزاء، وذاك يحضر ويجلس في طلب العلم تسع أو عشر ساعات، وهو مسكين ما زال يؤرجح نفسه بين ساعة وساعتين، ويقول لك: لست شاعرًا أنني نشيط.
أقول له: أخبرني عن ذنوبك ومعاصيك، كيف حالك مع ذنوب الخلوات؟ كيف حالك مع الله سبحانه وتعالى؟ فإن هذا القلب نشاطه وإقباله بيد الله سبحانه. فكلما وطدت العلاقة مع الله، وكانت الحبال بينك وبين الله مستقيمة، كلما كان أنشط على الطاعة ومقبلًا عليها ويشعر بالخفة. في المقابل، كلما كان ثقيلاً بالذنوب والمعاصي، أنهكته النقاط السوداء، كلما كان عاجزًا كسلان ملولًا فاترًا. وبالتالي، إذا كنت مدمنًا على معاصٍ وذنوب ولم تتب منها بعد، فلا تخبرني من أين يأتيك الفتور، والسبب واضح.
إذن موضوع الذنوب والمعاصي يجب أن ننتبه له كأحد المؤثرات الأساسية في تغيير ليس فقط القلب، بل حتى البدن؛ حتى البدن تشعر أنه كسلان وفاتر، والنعاس محكم عليك، ولا تريد القيام من الفراش وتتقلب ذات اليمين وذات الشمال، وما إن تبدأ الجلسة والعلم حتى تحاول جر نفسك: يا شيخ جر ومتعب، هذا كله من آثار الذنوب والمعاصي.
النقطة التي بعدها من أسباب الفتور أيضًا -وهي إيمانية حقيقة- هي التنطع والتعامل مع قضايا الدين بالغلو. عندما تغلو في بعض قضايا التدين، ستجد أن هذا الغلو في يوم من الأيام سينعكس سلبًا عليك. سواء لما تغلو في قضايا سلوكية وتحمل نفسك مستوى عاليًا من العبادة أعلى من طاقتك وأعلى من وقتك؛ ستشعر أن هذا المستوى ربما نشطت له شهرين أو ثلاثة أشهر، لكن مع الوقت بدأت تشعر أنه يعجزك ويكبلك ويتعبك. وإذا كانت مشكلتي أنه سيعجزني، سأعبر نفسي أنني مقصر وأنه لم أعد مثل زمان، وبالتالي سأنزل عنه قليلاً إلى أن أسقط.
لكن فعليًا لو أنك من البداية حافظت على القليل الدائم بدل الكثير المنقطع -وهذه كانت هدية النبي عليه الصلاة والسلام: القليل الدائم- لأن النبي عليه الصلاة والسلام يعلم من حالنا أننا سنفتر، وأن لكل عمل شِرّة ولكل شِرّة فترة؛ فانت عندما تطالب نفسك بمستوى عالي من الممارسات التعبدية، أعلى من قدرتك البدنية وقدرتك الإيمانية والنفسية، فشيء طبيعي مع الوقت سيبدأ ينزل هذا السقف، ولما ينزل أنت ستعتبر نفسك في بداية...
الانحدار والسقوط، مع أن هذا المستوى الذي نزلت إليه ربما هو المستوى الطبيعي لكثير من المؤمنين، هو مستوى طبيعي لكثير من المؤمنين مبسوطين فيه ومسرورين، ومعتبرين أنفسهم فيه ممتازين، بس أنت لما نزلت له اعتبرت نفسك مقصر. سيتدخل الشيطان هنا ليشعرك أنه بطلت مثل زمان، يا فلان ما عادت معنوياتك عالية، وين لما كنت تقرأ في اليوم ستة أجزاء، هسا بتقرأ جزئين؟ والجزئين بالنسبة لبعض الناس رائع ممتاز، أقول لك أنا مستريع معها، بس أنت بدأت بست سبع أجزاء وأنت ما كنت معتاد على هذا النمط، انتقلت لمستوى عالي أنت مش متعود عليه، فلما نزلت لمستوى الجزئين شعرت أنه ما عدت مثل زمان، وبالتالي يصير حتى الجزئين أنت ما تواظب عليهم حتى تنهار وتترك قراءة القرآن تماماً عند البعض.
فلذلك احذر من التنطع في مجال السلوك، وكذلك احذر من التنطع في مجال الفكر؛ لأنه حتى التنطع في مجال الفكر، لما يصبح الإنسان دابة وشغله الشاغل أن ينشغل بالحكم على الناس، لما يصبح شغله الشاغل أن يحكم على الناس إما بالتكفير وإما بالتبديع وإما بالتفسيق ويتتبع أحوالهم وشغفه هذه المسائل، تتبع أعيان الناس والحكم عليهم: "إيش رأيك أبو فلان؟ يلا خلينا نشوف اليوم فلان مجروح ولا معدل، فلان مبدع ولا مسنن، فلان كفر ولا طب؟".
أنت لما يصبح هذا شغلك الشاغل وهذه حواراتك، ولما تجلس مع الناس، مع الوقت ستشعر بالخواء الإيماني، أنني الآن لست قاضياً، أنا لم أوضع قاضياً، أنا منشغل بنفسي. هذه أحكام شرعية، هذه أحكام بالتأكيد، ولكن ليس كل إنسان يحسن تطبيقها وتنزيلها، وأنا لست مطالباً بتطبيق كل حكم من هذه الأحكام ما دمت لست مؤهلاً، ولست أنا القاضي الشرعي في البلد.
لكن في المقابل هناك كثير من قضايا الإيمان ضاع عليّ الانتباه لها والالتفات والتعايش معها لأنني منشغل بماذا؟ بقضايا الحكم على الآخرين وإنزال المسائل عليهم. وكثير من هؤلاء انتكسوا، كثير من هؤلاء الذين أشغلوا أنفسهم بالغلو في مسائل الأسماء والأحكام والتنطع فيها ومتابعة الناس فيها، هذا مع الوقت يبدأ يشعر بأنه: "أنا طب أنا وين ذاتي؟ أنا كيف علاقتي مع الله؟ كيف إيمانياتي؟ كيف حبال الوصال بيني وبين مولاي؟". يبدأ يشعر أنه انشغل بالآخرين على حساب إيمانه وقلبه وصلاح نفسه، فأورثه الانشغال بالآخرين قسوة في القلب وجفافاً في الدمع وابتعاداً عن محاضن الإيمان وابتعاداً حتى عن التأثر بمسائل الإيمان.
فهذه القسوة هي نوع من العقوبة، تسبب فتوراً وربما انهياراً أحياناً في الإيمان، وابتعاداً حتى عن مجالس العلم، كثير منهم تجدهم ما يحضرون مجالس العلم، خلص هو اعتاد قسوة القلب أنه أنا فقط هدفي أحكم على الناس. فلذلك لو قلت له: تعال خلينا نفتك من الحكم على الناس وهذه الأمور وندعنا نشتغل في طلب العلم النافع، يقول لك: "والله يا شيخ ثقيل علي العلم". أنا أعرف لماذا ثقيل؟ لأن الله سبحانه وتعالى جعلك فاتراً كسولاً ملولاً، حرمك بسبب تنطعك، حرمك بسبب غلوك. فالغلو سواء في السلوك أو في الأفكار من أسباب الفتور، بخلاف الإنسان الهادئ المتوازن الذي يتعبد الله عز وجل سلوكياً بهدوء على قدر استطاعته وجهده، وفي الفكر متبع لأهل العلم، هادئ يبني نفسه علمياً رويداً رويداً، ما عنده شهوة الكلام أو شهوة النظرة للآخرين؛ اقتصد في هذا الباب واعتدل، فهذا تجد أقرب لأن يبقى مستمراً في عطائه وفي همته وفي نجاحاته من ذاك المتنطع.
طيب، إذا ذكرنا كم سبب من أسباب الفتور؟ ثمانية أسباب، وله أسباب أخرى. أنا ذكرت ما ظهر لي مما ورد في الكتاب والسنة فيما فهمت أو فيما نظري في نفسي وفي حال إخواني، أنت قد تضيف شيئاً آخر تقول: "والله يا شيخ أنا لاحظت أيضاً من أسباب الفتور كذا وكذا"، فذه هذه ليست استقصائية وإنما تمثيلية.
بعد أن تكلمنا عن أسباب الفتور، دعونا نتكلم كيف يتعامل الإنسان في أثناء مروره بساعات الفتور. نحن عرفنا زي ما قلنا أن أول سبب من أسباب الفتور هو أن طبيعة الإنسان أصلاً هو جزء من الفتور، هو جزء من الطبيعة الإنسانية البشرية أن الإنسان يفتر، حتى كما قلت لا أكون مثالياً لأعتبر أن كل فتور هو انتكاسة، لا، ليس كل فتور هو انتكاسة. وبالتالي الآن سأنتقل إلى السؤال الثاني: كيف نتعامل في ساعات الفتور؟ كيف نعالجها؟ كيف نتصرف فيها؟ لأنه حقيقة الشيطان يشتغل ويجلب خيره ورجله في هذه الساعات، سيحاول إسقاطك.
أبو خيثمة رضي الله عنه لما رأى زوجتيه وكل واحدة قد أعدت له متكئاً، هل قال أنا خلص فشلت؟ أنا ما لحقت النبي ﷺ، النبي ﷺ أصبح قريباً من تبوك وها أنا قد فشلت في الاختبار؟ بالتالي استطاع الشيطان أن يقنع بماذا؟ أنك إنسان فاشل، أنك إنسان لست تصلح لهذه البيئة، اترك هذا المكان فلست من أهله. هو ما فكر بهذه الطريقة السلبية، أعاد لمت أوراقه واستعد، قال بالحق، ولكن لا أستسلم لخطرات الشيطان التي ستحاول الآن أن تكبر، تبليني وتحاول أن تقيدني وتقنعني بأني إنسان لا يمكن أن أستطيع النهوض مرة أخرى. نهض أبو خيثمة، نهض أبو خيثمة رغم أن الفتور أوقعه في خطأ، لكنه نهض رضي الله عنه.
فإذاً كيف نتعامل مع ساعات الفتور؟ أول قضية أيها الكرام: تقبل الفتور كحالة إنسانية. يعني أول خطوة بدك تعملها وأنت في ساعة فتورك أنه لا تنظر للفتور -برجع أقول أنه دائماً انتكاسة لا- في جانب من التقبل، أنه لازم أتقبل أن الإنسان ضعيف ﴿وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: 28]، فإني أمر بشيء من حالات الفتور هذا متفهم، متوقع، وليس دلالة على أنني إنسان غير جيد، أو إنسان لا يصلح للالتزام والتدين، أو إنسان هذا مش مكاني وأنا خلاص ما رح أرجع أحاول التقدم مرة أخرى؛ لأن تراجعك هو جزء من طبيعتك البشرية.
الآن سأتكلم عن أسباب أخرى للفتور، لكن أنا بدي أركز على القضية الأولى حتى لا تنتكس، حتى لا ينقلب الفتور إلى نكص على عقبيه؛ تفهم فتورك، تقبله لمستوى معين، رح نحاول نعالجه بس تقبل وقوعك في الفتور حتى تستطيع أن تنهض مرة أخرى، ولا تجعل الشيطان يقنعك أن هذا الفتور دلالة على أنك إنسان سيء وأنك إنسان غير قابل للنضوج مرة أخرى. هذه النقطة في اعتقادي كثير مهمة ومحورية في إعادة استعادة الصحة الإيمانية والصحة النفسية مرة أخرى.
اثنين، في ساعات الفتور...
النصيحة الثانية التي أوجهها لنفسي ولإخواني: لا تقارن نفسك بالآخرين. ما معنى هذا الكلام؟ لما نمر في ساعات الفتور، ساعة الفتور التي مر بها عاصم قد يكون توقيتها ليس هو توقيت ساعة الفتور التي سيمر فيها عمر. يعني عمر الآن قد يكون في أوج نشاطه وقوته في هذه الأيام، بس عاصم مر في ساعة الفتور، وقد يحصل العكس، أنه بعدين ينشط عاصم ويصبح في حالة من التقدم، لكن لما عاصم أصبح متقدماً، جاءت عمر الآن وخلصت نفس ساعة الفتور.
ساعات الفتور تختلف فيما بيننا؛ فقد أكون أنا أمر في ساعة فتور وأنت تمر في ساعة نشاط معرفي، وقد يكون العكس بعد ذلك، أنا أمر في حالة نشاط معرفي وأنت الآن جاءت ساعة فتورك. بالتالي في ساعات الفتور، ما الذي يقلق أحياناً؟ أن يقارن الإنسان نفسه بغيره.
قد تقول لي: أبو خيثمة، هل معقول أنا أكون في كذا وكذا من الحياة الرغيدة والنبي ﷺ لا؟ هو ليس يظن أنه مقصر وأن الصحابة يتعبون فلا بد أن يتعب مثلهم، هو استطاع أن يوظف هذه النقطة بصورة إيجابية أنه يلحق بأصحابه. لكن أنا ما أقصده هنا، وأرجو أن تفهموا الفكرة، هو أنه أحياناً الإنسان لما يكون في ساعات الفتور ويبدأ ينظر مثلاً في إخواننا الذين كانوا معه متقدمين في أمور معينة وقطعوا مشواً، ماذا يحصل؟ يضعف، يضعف أكثر.
دعوني أرجع وأقيس الموضوع على قصة أبي خيثمة ونفكر مع بعض. أبو خيثمة لما قارن نفسه بالصحابة الكرام، لاحظ أنه معقول أنا أكون مرغداً منعماً والصحابة يتعبون؟ فقال: «ليس هذا بالنصف»، وبالتالي أمسك نفسه سريعاً وحاول أن يدرك الصحابة فأدركهم.
أنت لما تكون في ساعات فتورك، قد تجد أن أصحابك تقدموا عليك بمراحل في سماع برامج أو في حضور أمور معينة؛ أصبح صاحبك ما شاء الله حصل على الماجستير والدكتوراه وأنت لا تزال في البكالوريوس بسبب فتورك. تنظر أن من حولك من إخوانك تقدموا، هنا أنا أخاف أن تبدأ بمقارنة نفسك بالآخرين، لأن المقارنة تؤدي إلى انهيارك أكثر وأكثر، وتشعر أنه «فاتني الركب، إخواني سبقوني».
في النهاية أنت تبحث عن النجاة لنفسك، أنا ليس لي علاقة ابتداءً بالآخرين، لأنني أريد أن أنجح أنا، أنا الذي يجب أن أصل إلى الله. العلاقات الاجتماعية الهدف منها أن تقويني وتزيدني إصراراً وثباتاً، لذلك أحتاج إلى إخوة، لكن في النهاية المهم أن أصل أنا. لو إخواني سبقوني، أو أنجزوا من القراءة أو التعلم أو في الحياة، هل معناها أنه بالتالي ما عاد في فائدة أن أشتغل وأطور نفسي؟ حتى لو أدركت آخر الركب، ما المشكلة؟ حتى لو أصحابك سبقوك طول الحياة.
لكن أنا في النهاية ما هدفي في الحياة؟ أفكر ما هدفي في الحياة؟ الوصول. هم وصلوا، وكل واحد له حياته الخاصة، والكل سيأتي يوم القيامة فرداً، الكل سيأتي ربه سبحانه وتعالى يوم القيامة فرداً، وكل واحد منا سيسأل سؤالاً شخصياً عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه. فما دامت المسألة شخصية، بالتالي في حالات فتوري أنا لن أجعل أبداً أقارن بالآخرين.
بدلاً من المقارنة التي تزيدني بعداً وتزيدني ضعفاً في الهمة، يجب علي أن أزيد قناعتي أن القضية قضية شخصية، وأن القضية قضية نجاة. خليني أطبق لك إياها في الحياة الواقعية حتى نفهم أكثر: لو تخرجت مع مجموعة من أصحاب الثانوية العامة، وأصحابك هذا فتح مشروعاً اقتصادياً كبيراً ونجح، وذاك فتح معرض سيارات ومشت أموره، وهذا أصبح عنده كذا وكذا؛ هل ستأتي وتقول: والله أصحابي هذا فتح شركة كبيرة وهذا صار معه سيارات وأنا لا أزال لم أكون حالي، خلص ما بدي أكون حالي؟ هل هناك عاقل يحكي هكذا؟
لا، لأن في النهاية إذا بقيت تفكر أنه لا فائدة من العمل لأن أصحابي سبقوني، سيقول لك الناس: يا أخي أنت ما علاقتك بأصحابك؟ أنت نفسك تريد أن تنجح، وأنت نفسك يجب أن تتزوج وتبني أسرة وتكون لك حياة، بغض النظر هل وصلت إلى مستوى أصحابك المالي أم لا. إذا بقيت تقارن نفسك بإخوانك الذين سبقوك اقتصادياً، ستبقى تشعر أنه لا داعي للعمل، وليس هذا حكم العقلاء ولا تصرف العقلاء؛ سيقول لك العقلاء: ليس لك علاقة بالآخرين، هذا الله رزقه وهذا الله رزقه.
أولاً، أنت ممكن أن تعود سريعاً وتنهض قوياً فتسبقهم، فهذه أرزاق. ثانياً، لو نهضت متأخراً وعملت ولم تسبقهم، فالمسؤولية أنك مسؤول عن نفسك أمام الله، وبالتالي لا ينبغي أن أبقى أقارن نفسي بهم. أنا مسؤول أن أصرف على نفسي، وعلى زوجتي، وعلى أولادي، فمهما كان أنا مضطر أعمل مشروعي الاقتصادي وأمشي فيه، وأقول الله يبارك للجميع والحمد لله، والله يرزقهم ولا أحسدهم، ولكني في النهاية سأشق طريقي في البحث عن مشروع اقتصادي ينفعني.
نفس الشيء في قضايا الإيمان وفي قضايا التعلم وما شابه ذلك؛ لما تمر عليك ساعات فتور، احذر أن تجعل نظرتك لإخوانك الذين سبقوك سبباً في تقييدك وتكبيلك، وفي شعورك أنه «فاتني الركب». إذا كنت تبحث عن النجومية، فستعتبر أنه فاتك الركب، لكن إذا كنت تبحث عن الوصول إلى الله، فلم يفوتك الركب.
إذا كنت تسابق على قنوات في وسائل التواصل الاجتماعي، وأصحابك صار عندهم متابعون مئتا ألف وأنت لا تزال عند عشرين ألفاً، فقد أقول لك فاتك الركب، ولكن أنت لست تعمل للآخرة، فكلامي ليس معك. إذا كنت تبحث عن نظرة الناس، فأنت مرائي وغير صادق، وساعتها أنا ليس عندي علاج لك إلا أن أقول لك: عد إلى الإخلاص ثم نتكلم. لكن أنا أتكلم عن الإنسان الصادق مع نفسه، الذي لا يهتم أن ينظر الناس إليه لمستوى علمي أو مستوى متابعاتي أو مستوى الجمهور الذي يحلق حولي؛ كل هذه الأمور أنا لا أنافس أحداً فيها، باختصار أنا لا ألاحق أحداً، أنا ماشي في طريقي على قدراتي.
بهمتي وعلى ما ربنا أعطاني من قدرات عقلية، من وقت ومن جهد ومن ظروف حياتية، ماشي، حتى ولو كنت أتعثر لكني ماشي، والمهم أن أصل، والمهم أن أصل إلى الله سبحانه وتعالى.
ولذلك أبو خيثمة -رضي الله عنه- المميز في ما هو أنه عارف أنه الآن سيطلع وحده في الطريق وسيمشي في الصحراء، وهذا حتى لحق غزوة تبوك، المهم أن يصل. ماذا سيقول الصحابة عني؟ الناس الذين حولي ليس مشكلة، لأنني في النهاية لا أريد أن أُسجل عند الله متخلفًا فقط. لذلك أمسك رحله وأمسك دابته وصعد دون أن يفكر في أي قضية جانبية؛ نظرة الناس، هل أنا لست من الرعيل الأول؟ هل أنا لست من الأوائل من الصحابة في غزوة تبوك؟ هل أنا من آخرهم؟ كل هذه القضايا وضعها أبو خيثمة جانبًا، فكر أبو خيثمة كيف يصل فقط.
هذه الفكرة إخواني، صدقوني لو أخذتم بها ربما ستعالجون كثيرًا من القضايا التي يمر بها الشباب، وهي مقارنة نفسك بالآخرين. مقارنة نفسك بالآخرين في ساعات الفتور تُكبلك وتقيدك، وتجعلك بلا همة أو دافعية لتستمر؛ شعورك أنك لن تكون من الرعيل الأول أو من المميزين أو من صفوة الصفوة، أو نظرة النبي ﷺ إليك. لاحظ أن أبا خيثمة وضع كل هذه الخواطر جانبًا لأن الهدف هو أن يصل، لازم يصل، لازم يلملم أوراقه، لازم ينهض من جديد بغض النظر عن أي معطى آخر حوله.
وكان النبي ﷺ قال لأبي خيثمة: «كن أبا خيثمة». فهذه شعار لكل واحد فينا: كن أبا خيثمة، كن هذه الشخصية، كن هذا الراقي الذي استطاع ألا يجعل الخواطر تحيط به فتكبر فتمنعه من المسير. ما فكر بأي صحابي كيف سينتقده، أو ماذا سيقول عنه، أو أنه تأخر عن هؤلاء وهؤلاء؛ كل هذه الحسابات لم تكن عند أبي خيثمة، ولو كان يحسب بهذه الطريقة ربما لم يتحرك، ربما قال خلاص ذهبت وضاعت الأمور، وهكذا يحدث مع كثير من الشباب.
الفكرة الثانية: مقارنة نفسك بالآخرين هي القضية في أثناء فتورك. فترتك هي ساعتك، وبالنسبة للآخرين لم تأتِ ساعة فتورهم بعد. أنا الآن في وقت فتوري، وقد أحتاج يومين أو ثلاثة أو شهرًا حتى أنشط، بينما الذي كان متقدمًا قد تأتي الآن ساعة فتوره. فمن الممكن أن تكون لي ساعة فتوري الخاصة، وعوامل فتوري الخاصة، وظروف حياتي الخاصة التي تقتضي أني أتحمل ساعة الفتور وأعالجها دون أن أجعلها سببًا في زيادة الانتكاسة والتراجع.
ثالثًا: تحمل مسؤولية فتورك في ساعات الفتور. كن رجلًا وتحمل مسؤولية فتورك. ما معنى هذا الكلام يا عبد الله؟ بعض الناس خاصة اليوم، مع عالم المشاعر والأحاسيس، إذا مروا بحالات من الفتور والملل، أصبحوا يحبون دائمًا أن يتكئوا على الآخرين ويفضفضوا لهم، ويبكون دائمًا، ويظنون أن الآخرين هم الذين سيصنعون الحياة الجديدة لهم.
أنت ممكن تستعين بمشورة الآخرين، لكن لا تتكئ عليهم. أنا ممكن أمر بحالة ضعف إيماني أو فتور، فأذهب لعاصم وأقول له: أنا أمر بكذا، فتنصحني كشيخ وتوجهني، هنا أستفيد من التوجيه، لكن في النهاية أنا من سأنهض من الفتور وحدي، أنا من عليّ أن أعالج هذه الحالة. فلا تكن من "الرخويات" الذين يتواجدون على وسائل التواصل الاجتماعي؛ إذا فتروا قالوا: "أنا أقاوم الحياة"، فيجدون الناس يقولون لهم: "يلا يا فلان قاوم نحن معك". في النهاية أنت تعيش ظروفك الصعبة وأنت من سيكافح مشاعريًا وحسيًا.
أعجبني في موقف أبي خيثمة قضية أنه تحمل مسؤولية فتوره. لما كان معه عمير بن وهب، لم يقل له أبو خيثمة: "تعال يا عمير خلك معي، خلينا ندخل أنا وإياك على النبي ﷺ"، بل ذهب وحده. أبو خيثمة رجل، قال لعمير بن وهب: "تخلف عني"، أراد أن يتحمل مسؤولية فتوره وحده. هذه هي الرجولة والقوة في الشخصية عند أبي خيثمة؛ فذهب إلى رسول الله ﷺ وقال: "أنا موجود أمامك، أنا أخطأت كذا وكذا، أريد أن أعالج الموقف". فماذا حدث؟ دعا له النبي ﷺ بالخير وانتهى المشهد.
أحيانًا أقول هذا لأن بعض الشباب -وربما يكثر هذا عند الأخوات- يكثر عندهم هذا الأمر. أنا قد أسامح في حق النساء قليلاً، لكن في حق الرجال لا أنصحك بهذا؛ تحمل مسؤولية فتورك وكن رجلًا. ليست حالة فياضة من المشاعر والحساسية لتبقى تتكلم عن مشاعرك وأحاسيسك، خاصة بعض الشباب الذين يغلب عليهم هذا الجانب، حقيقة لا تعجبني هذه الشخصية التي تشعر أن فتوراتها وإشكالاتها وتحديات حياتها يجب أن يعرضها للناس، والناس تحاول مدحك: "كن قويًا، اثبت يا رجل، حاول أن تقاوم"، فيرد عليهم: "أعدكم أنني سأحاول مرة أخرى".
نحن لسنا في قصة، نحن نريد رجالًا من المؤمنين، رجالًا صدقوا ما عاهدوا الله عليه. احمل أنت مسؤولية نفسك، حاول أن تعرف أين المشاكل وأين التحديات، عالج العقبات، واستشر من تثق بعقله ودينه ممن يخدمك، لكن لا داعي للاستعراض على عالم السوشيال ميديا ولا للبوح بشكل كبير؛ انهض فإن أمتك تحتاجك قوية.
إذن الفكرة الثالثة: دائماً تحمل مسؤولية فتورك ولا تتكئ على الآخرين.
رابعًا: حاول أن تدرس أسباب وقوعك في هذا الفتور. لأنه كما قلنا، هناك فتور طبيعي وهو جزء من الحياة الإنسانية، وهناك فتور فيه مشكلة وهو الذي سببته ذنوب أو معاصٍ، أو قد تكون الوحدة، أو ضعف التحصين كضعف الأذكار والقرآن والصلاة، أو ضغوطات الحياة. بالتأكيد كل سبب له معالجته الخاصة، لكن المهم أن أعرف: هل سبب فتوري هو سبب طبيعي؟ كشخص شعر بعد رمضان بنزول مستوى التعبد بشكل عام، فهذا جزء من...
طبيعي، ما رح نجي نقول لك أنت مذنب وعاصي، وكلنا أصحاب. لكن أقصد أنني لن أعلق الأمر ابتداءً على أسباب جانبية، سأقول لك إن الوضع الطبيعي هو أن الإنسان بعد مواسم الخيرات، تأتي العيد فتخفف شوي، تأتي أفراح ومناسبات، فبكون أكيد مستواه ليس مثل مستواه في العشر الأواخر عندما كان معتكفاً، يعني لا بد أن تكون أنت مثالياً زيادة عن اللزوم.
فإذا كان سببه طبيعياً، أحاول أن أقول له إنه سبب طبيعي، ولكن عليه أن يكون أسرع في الخلاص من هذه الحالة. لكن إذا كان سببه الفتور، يا شيخ، طول معي؛ إذا كان هناك فتور أو انتكاسة، مثلاً شهر ونصف أو ستة أشهر، فهذه لم تعد فتوراً، بل صارت أقرب إلى انتكاسة من كونها فتوراً.
من الفوارق بين الفتور والانتكاسات أن الفتور حالة عارضة ولا تصبح حالة دائمة، إذا أصبحت حالة دائمة فمعناه أننا لا نتكلم عن فتور، بل أصبح نوعاً من أنواع الانتكاسات. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يثبتنا على الدين حتى نلقاه.
فإذاً النصيحة الرابعة في ساعات الفتور: عليك ألا تبقى حبيس أحزانك، عليك أن تدرس واقع الفتور وتحدد ما الذي أوقعني فيه؛ هل هي مشاكل الحياة وضغوطاتها؟ هل التفكير في الزواج أو الرزق أو غير ذلك؟ نأتي الآن إذا حللنا: هذه المشكلة تسبب فتوراً لفلان، كيف نحاول تخفيف آثارها؟
ممكن أقول لك تزوج، ممكن أقول لك في موضوع الرزق اعمل كذا وكذا، ممكن تأخذ بعض المهارات التي تعينك على تفكيك المشاكل، فلا تحمل نفسك مشاكل فوق طاقتك. ممكن إذا كانت هناك مشكلة اجتماعية عندك مع أم أو أب أو زوجة، تأتي عند مصلح اجتماعي أو شيخ، فيقول لك أصلحها كذا وكذا وتنتهي أمورك.
كم من شاب كانت أسباب فتوره علاقات اجتماعية خاطئة وضعفاً في معالجتها، ولما عرف كيف يتعامل مع الموقف انزاحت عنه هموم كثيرة وأحسن إدارة الحياة، فلما أحسن إدارة الحياة عادت همته. كثيراً من الشباب يأتي الفتور من سوء إدارة الحياة، فإذا جاء عند رجل متخصص فهمان رتب له أموره وأعاد له جدول الحياة مشت أموره.
فإذاً، تحديد سبب الفتور بالضبط هو من أهم الممارسات أثناء ساعات الفتور، لا تترك الفتور هكذا متشعباً وغير مدروس، ادرسه حتى تفهم كيف تنهض من جديد.
خامساً: من المهم جداً في ساعات الفتور ألا تنهار إيمانياً، وأن تحافظ على مستوى معين؛ أنا نزلت صح، ولكن في مستوى معين لا أنزل تحته. ولذلك في الحديث الذي ذكرناه قبل قليل: «إن لكل عمل شرة، ولكل شرة فترة».
وفي أكثر من رواية، في رواية عند الإمام أحمد يقول: «فمن كانت فترته إلى سنتي فقد أفلح»، وفي رواية: «فقد اهتدى»، و«ومن كانت إلى غير ذلك فقد هلك». انظر الرواية الأولى عند أحمد؛ فمن كانت فترته، أي من كان في ساعات الفتور محافظاً على السنة، يعني على العقيدة الصحيحة والطريقة الصحيحة. السنة هنا بمعنى المنهج العام للنبي ﷺ، فلا يبتدع ولا يخترع شيئاً ليس من الدين، ولا يفجر ولا يعمل معاصي، وكذلك يحافظ على التمسك بأدبيات الإسلام؛ النوافل قد يقلل منها، وتذهب بعض القراءات، لكن يبقى محافظاً على مسلك النبي ﷺ، لا يبتدع ولا يعصي.
لأن الفتور في العادة يحاول الشيطان فيه أن ينزلك إما إلى سقف الابتداع أو إلى سقف المعاصي والذنوب. الإنسان في حالات الفتور يكون مَلِكاً (مُتعباً)، فيرى الشيطان مئات الفرص ويقول: هذا يصعب أن أوقعه في زنا أو خمور، لكن هذا يمكن أن أجعله يبتدع، فيقول له: ما رأيك أن نعمل عبادات جديدة؟ والله العبادات الموجودة دائماً نفعلها وصارت معتادة، ما رأيك بعمل نمط جديد من التعبد؟ وهذا ما أوقع الصوفية وغيرهم في تخبطات البدع؛ من أسبابها الفتور عن السنة، فتروا عن السنة لأنهم لم يتذوقوا جماليتها حق التذوق، ففي ساعة الفتور ألقاهم الشيطان في البدع، فأصبحوا يحبون الموالد وجلسات فيها دفوف وطبول، ويوجد فيها نوع من التعبد المختلط بين الرجال والنساء.
فالنبي ﷺ يقول: «فمن كانت فترته إلى سنتي»؛ في ساعات الفتور احذر من أن تنزلق إلى البدع وتخترع سلوكيات جديدة حتى تشعر بالانبساط، أو أن تقع في مستنقع الذنوب والمعاصي. قال: «ومن كانت إلى غير ذلك فقد هلك».
وفي رواية أخرى عند المنذر في الترغيب والترهيب: «لكل عمل شرة ولكل شرة فترة»، يقول ﷺ: «فإن كان صاحبها سدد أو قارب فارجوه». الضمير هنا يعود على صاحب الفتور؛ فإن كان صاحبها سدد وقارب فارجوه، أي إذا رأيتم من وقع في فترة في ساعات فتوره مقتصدًا معتدلاً، كما قلنا لم يقع في الذنوب والمعاصي ولم يقع في البدع، هو لم يعد يقرأ مثل زمان، ولم تعد لديه همة في قيام الليل مثل القديم، ومستوى حفظه للقرآن نزل، لكنه لم ينهار، فقد سدد وقارب.
ماذا قال النبي ﷺ؟ «فرجوه»، أي هذا بإذن الله سيستغفر ويرجع لأنه استطاع في ساعات الفتور أن يحافظ على توازنه. قال: «وإن أشير إليه بالأصابع فلا تعدوه».
هل لدى أحد فكرة عما يعني «وإن أشير إليه بالأصابع فلا تعدوه»؟ إذا تغيرت حالته في ساعات الفتور تماماً، فمثلاً نحن نعرفه من الشباب الصالحين من أهل المساجد، فأصبحنا نراه في المقاهي، نراه في الاستادات، نراه في حفلات ماجنة، أو نراه في مجالس أهل بدع، نراه في الرقص والطبل، أو يبتدع أشياء في الدين، بالتالي أصبح ملفتًا للنظر، فيقول الناس: انظروا إلى فلان! وهي كناية عن أنه أصبح ملفتًا للنظر بتغير حاله، فتعرف بعض الناس في حالة فتوره يحلق اللحية أو يغير ملابسه.
ملابس عادية تلبس بنطالاً وقميصاً أمورك طيبة، بس الفكرة هي: ليه؟ أنا بدي أفهم، ليه؟ هل لأنه أحياناً تغيير الملابس قد يكون إشارة عن تغيير القلوب؟ ترى تغيير الملابس قد يكون إشارة عن تغير القلوب؛ لأنه الآن في إنسان في الوضع الطبيعي يلبس بنطالاً وبلوزة، هذا مع أموره طيبة ما في مشكلة. لكن أنا أخاف من الذي في حالات ساعات فتور يحلق اللحية، أو يخلع الثياب التي كان معتاداً يلبسها من لباس أهل أو ما شابه ذلك، ساعتها أنا أخاف وأخشى عليه، طبعاً أخشى عليه لأنه ممكن بعدين تتطور الأمور وتصبح في أماكن أو في ساعات غير مرجوة.
فلذلك النبي ﷺ -انظروا لهذا الوصف الدقيق- يقول: «وأن أشير إليه بالأصابع فلا تعدوه». يعني الذي في ساعات فتور ما حافظ على توازناته، ينتكس؛ ما حافظ على السنة، لا هو ترك النوافل والفرائض، بل دخل في المحرمات أو قصر في كثير من الفرائض وسقط في كثير من المحرمات، هذا في العادة. قولوا «فلا تعدوه»، هذا أيضاً من كلام النبي ﷺ في العادة، يعني في الأغلب أن هذا السقوط صعب يرجع زي ما كان.
فلذلك تصرفاتك في ساعة فتورك هي نوع من البلاء، الله يبتليك في ساعات فتورك ليرى: هل ستتوازن أم ستسقط؟ فلذلك انتبه، ساعات الفتور ليست ساعات مجانية، لأن بعض الشباب يظن أن ساعات الفتور ساعات ماذا؟ خلص يا شيخ أنا في ساعة فتور، يمسك الجوال ويعطي لعينه العنان، أو يطلق العنان لعينيه: تمطري إلى ما شئتِ من المسلسلات والأفلام وكذا، يا شيخ خلص أنا بمر في ساعة فتور. يعني كان يظن أن ساعة الفتور لا يحاسب عليها الإنسان، خلص بكره إن شاء الله برجع لمجالس العلم والقراءة.
يا أخي، سامعوني في هذه الساعتين، يعني الواحد ما يمل؟ يمل، ما بكل شيء. طيب، أعطونا مساحة شوي بساعات الفتور؛ نروح عن النفس، يا أخي روح عن النفس، اطلع رحلة، روح على مطعم كل لك أكلة طيبة، ما عندنا مشكلة، العب مع الشباب كرة قدم ما عندنا مشكلة، لكن لا تسقط، لا تطلع للحرام. لأنه فعلياً في ساعات الفتور كثير من الشباب يظن أنه معفو عنه، أنه خلص أنا مضغوط، بمر في حالة فتور، مش قادر أسمع كلام وعظي، إيماني يقول لي إنه لا تعمل، أنا في فتور.
الفتور لا يعني رفع التكليف، الله يكرمك، لم يذكر في أصول الفقه أن من الأمور التي ترفع التكاليف ساعات الفتور. لا يرفع التكليف إلا الجنون، أو الإغماء، أو أن يكون صبياً، لكن الفتور لا يرفع التكليف، فلا تعتبر نفسك ارتفع عنك التكليف في ساعة فتورك وبالتالي تضيع. ولذلك لاحظ كيف أن النبي ﷺ جعل حسن التصرف في ساعات الفتور من علامات الإيمان، ومن علامات الرجاء، ومن علامات التوفيق. احفظ هذه القاعدة: حسن التصرف والتوازن في ساعات الفتور من علامات التوفيق، فهمت علي؟
لذلك في الحديث الأول ماذا قال: «فمن كانت فترته إلى سنتي فقد أفلح»، وفي رواية: «فقد اهتدى»، «ومن كانت إلى غير ذلك فقد هلك». وفي الرواية الأخرى عند المنذري: «فمن كان عفواً، فإن كان صاحبها سدد وقارب فارجوه، وأن أشير إليه بالأصابع فلا تعدوه». شوف كلام النبي ﷺ، إشارات واضحة أنه بدك تفهم هذا الشخص ماذا يصير معه في هذه الساعات.
لكن في المقابل، نحن في النقطة الرابعة قلنا: عدم الانهيار، صحيح؟ الخامسة هي: ألا تنهار إيمانياً. لكن في المقابل، النقطة السادسة الآن: في ساعات الفتور لا تحمل نفسك فوق طاقتها. نحن قلنا لا تنهار، لكن في المقابل أضف الآن النقطة السادسة: لكن لا تحمل نفسك فوق طاقتها.
وهنا أتذكر كلام عمر رضي الله عنه يقول: «إن لهذه القلوب إقبالاً وإدباراً، فإذا أقبلت فخذوها بالنوافل، وإذا أدبرت فالزموها بالفرائض». ايش معنى هذا الكلام؟ يعني القلوب أحياناً بتنشط مقبلة وأحياناً تفتر مدبرة. قال: فلما تجد نفسك مقبلة، اعمل نوافل أكثر من القراءة والسنن والأعمال الصالحة، وإذا وجدت نفسك فترت، قال: الزمها بالفرائض.
لكن لا تحملها فوق طاقتها، لا أن تنزلي يا أيتها النفس وتجبريها أن تحافظي على نفس المستوى من النوافل، النفس الآن تقول لك: أنا الآن مش قادرة، أنا الآن مش في أحسن أحوالي. لا، تريدين أن تجلديها جِبراً؟ تريدين أن تحافظي على النوافل؟ هنا خطأ، هذا خطأ في معالجة النفس. ما أطلبه من النفس هو أنه لا تنزلي، لا تنهاري؛ النقطة الخامسة ما بدنا ننهار، ما بدنا ننزل لمستنقع البدع أو مستنقع الذنوب والمعاصي، لكن أن أخفف عنك شوي، نعم هذا مطلوب.
ولذلك أيضاً علي بن أبي طالب رضي الله عنه ماذا يقول؟ «إن للقلوب إقبالاً وإدباراً، ونشاطاً وفتوراً، فإذا أقبلت فخذوها عند إقبالها ونشاطها، واتركوها عند إدبارها». لاحظ القاعدة الختامية عند علي بن أبي طالب: «فخذوها»، يعني لما تشوف نفسك نشيطة، والله هي الآن مقبلة على شيء محبه له، اقرأ خمسة كتب، اعمل صلي من الصلوات، اذكر الله بأقصى ما يمكن أن تفعل، هي الآن نشيطة، خلها تفعل كل ما يمكن تفعله، هي لن تكون حزينة منك ولا مغضبة منك لأنها الآن نشيطة.
لكن ماذا قال؟ «واتركوها عند إدبارها»، لما تشوفها مدبرة خلص خليها. النفس كالطفل، لما تشوف طفلك مقبل بده يحفظ قرآن معك، تستغل الوقت وبحفظه صفحة، صفحتين، لكن لما أشوفه بيلعب، تعال نحفظ، تعال بنطنط، كذا مش مركز، بعرف أن نفسه أدبرت، خلص اتركه، لا بدك تحفظ الآن طيب والعقل مش مجاوب؟ كلت وملت؟ مش قادر يستقبل؟ مو هي حالة الفتور؟ هي حالة تجد النفس مش قادرة تستقبل منك شيء.
في هذه الحالة بدك تحترم ضعفك وبدك تقول للنفس: خلص رح أعطيكِ فترة سماح محدودة، بس لا نقع في مستنقع الرذائل، رح أعطيكِ فترة أريحية. هي الفترة من الأريحية جيدة للنفس لأنها إن شاء الله تعينها على الذهاب مرة أخرى والإقبال مرة أخرى على الطاعة. فننتبه، إن سياسة النفس في ساعات الفتور تقتضي أنني أخفف عنها، لأن هذا التخفيف عنها رح يعطيها مجالاً أنها تنهض مرة أخرى، لكن إذا بقيت ضاغطها حتى في...
ساعات الفتور تلومها وتؤنبها، ستتوحش وتتمرد ولن تستطيع السيطرة عليها. مرة أخرى، إدارة النفس ملف إخواني مش سهل، وهذا كلام العلماء والمحققين والصحابة والتابعين؛ هؤلاء أساتذة في هذه العلوم، فهم يعرفون كيف تتعامل ويقول لك افعل كذا مع نفسك حتى ما تخطئ، لأنه إذا أنت أخطأت، الوصفة العلاجية قد تدمر.
كم نقطة ذكرناها؟ ستة. سأقف عند هذه الستة، وأذهب الآن إلى المحور الأخير في مجلس اليوم، وهو: كيف نعالج الفتور؟ نحن ذكرنا قضية أسباب الفتور، وذكرنا قضية كيف نتصرف في ساعات الفتور لما نكون في أثناء هذه الساعات. الآن بدنا نتكلم عن الجزء الأخير، أنه كيف نعالجه كإشكالية نمر بها؟ بدنا نعالج أنه أنا ما بدي أبقى في هذه الحالة، أنا بدي أعود، بدي أنهض مرة أخرى.
فنقول كيف نعالج الفتور؟ أولاً: النبي ﷺ لما ذكر أن «الإيمان لا يخلق في جوف أحدكم كما يخلق الثوب»، ماذا وجهنا؟ بماذا نصحنا ﷺ؟ قال: «فادعوا الله أن يجدد الإيمان في قلوبكم». فوجهنا إلى السلاح الأساس، فهو الدعاء. دائماً في ساعات الفتور علينا أولاً أن نتوجه إلى الله بالدعاء والأذكار التي تمنح القوة في المناسبة لهذه الحالة، ومن أهمها: «لا حول ولا قوة إلا بالله».
هذا من أهم الأذكار التي تقال في ساعات الفتور لما تفتر إيمانياً، سلوكياً، أو علمياً. دائماً أكثر من قول «لا حول ولا قوة إلا بالله»، كأنك تقول: لا حول لي عن هذه الحالة، ولا قوة لي للانتقال عن هذه الحالة إلا بالله؛ فتعترف بضعفك ليعينك ربك سبحانه وتعالى. لا تعتمد على ذكائك أو أنك شاطر وتعرف تدبر نفسك؛ هذه مشكلة، فبعض الشباب يعتمد على ذكائه وقوته الشخصية، يقول: أنا عارف نفسي، هي ساعات بتمر علي مش مشكلة، بدبر نفسي. لا، افتقر لله سبحانه وتعالى، وأظهر حاجتك إليه، وقل: بسم الله الصمد، الصمد المقصود في الحوائج، بسم الله الولي، ولي الذين آمنوا. توسل إلى الله في سجودك، في خلواتك، في دعائك؛ ليرى الله دموعاتك، حاجتك، تذللك، خضوعك، تضرعك؛ فهذا ما يعينك، فإن الفتور هو نوع من أنواع البلاء، والبلاء يرفع بالدعاء.
فلا تستهن بالدعاء، ولا تظن أن بعض القضايا أو كل القضايا ستعالج بأن تأخذ دورة في إدارة ساعات الفتور، دورة عند المدرب الفلاني. تعرف بعض الشباب دائماً يحب يحضر الدورات التدريبية، جزاه الله خيراً، نصيحته قد تكون مفيدة في جوانب، لكن قبل كل شيء عليك أن تعلم أنه إذا أذن الله لك أن تنهض من فتورك ستنهض، وإذا لم يأذن لك، لو أخذت كل الدورات التدريبية وسمعت كل البودكاستات التي تتكلم كيف تنهض من فتورك، وكيف تعالج نقص الحافز، وكيف تعيد ترتيب أوراقك؛ كل هذه العناوين البراقة إذا لم يأذن الله لك أن تنهض لن تنهض، فعليك بالالتجاء، وهذه أيضاً وصية النبي ﷺ: «فادعوا الله أن يجدد الإيمان في قلوبكم».
ثانياً: سرياً، عليك أن تحط نفسك بالرفقة. ما يعالج الفتور وجود بيئة ناهضة، قوية، محفزة. ولذلك دائماً نحن نقول: ليش دائماً في الحياة العلمية والحياة الإيمانية لازم نصنع بيئات محفزة للشباب المسلم؟ لأنه سبحان الله حتى نحن كطلاب علم أو كإنسان لما يكون وحده في الحياة العلمية أو في الحياة الإيمانية يمل. لذلك ذكرنا أن من أهم أسباب الفتور الوحدة، فلذلك وجود رفقة معك، وجود بيئة نشطة وحيوية أمر مهم.
ما تظلك تتابع السوشيال ميديا فقط، وما تظلك تتابع المشايخ عبر الشاشات إذا كانت هذه وسيرتك الوحيدة؛ لا يكلف الله نفساً إلا وسعها، لكن أنا أتكلم عن الإخوة الذين يمكن أن يلتقوا، الذين يمكن أن يجلسوا مع بعضهم البعض. هذا اللقاء عبر شاشات السوشيال ميديا وعبر التلفاز هو الذي يصنع حالة من البرود والعدم، بخلاف لما لو كنت تشعر أنك مع إخوانك في مجلس ست أو سبع ساعات بتصير معهم. أنت ربما عمرك ما جلست في مجلس ساعة، بعض الشباب يجلس معنا ست أو سبع ساعات، لأن هذه تعدي وتصبح قضية فيها عدوى، يصبح الإنسان يقوى بإخوانه. فدائماً في ساعات الفتور، احط نفسك ببيئة محفزة على الطاعة، على الخير، مع الصالحين، مع الناس أصحاب الهم، ادخل في البرامج والمشاريع المحفزة والملهمة، فإن هؤلاء إن شاء الله يعينونك على أن تنشل نفسك.
ثالثاً: وهذا تبع الثاني، ورط نفسك. ودائماً أقولها: ورط نفسك في مشاريع. إذا بدأت تشعر أن الفتور عم تطول مدته -معقول يوم أو يومين أو ثلاثة أو أربعة أسابيع، لكن بعدين بدك تنهي الموضوع، بدك تنهي هذه الحالة- ورط نفسك. ادخل في أي مشروع نافع، ولا تقيس: «طيب هذا المشروع شو رح يجيب لي؟». لا، أنت الآن هدفك أن تنهض، لا تبدأ تحسب حسابات جانبية، أنت أصلاً ما عندك خيارات أخرى، أنت الآن أصلاً ضعيف، فأي مشروع نافع ومفيد يخدمك الآن وينهضك، طبعاً يكون مشروعاً معقولاً، ليس مشروعاً يحتاج خمسين سنة لينتهي، بل مشروع كتاب صغير، موضوع كتيب، فكرة برنامج لثلاثة أشهر؛ مشروع معقول لكن أريد أن أورط نفسي فيه وألتزم فيه حتى أشعر أنني أنجز، لأنه سبحان الله الإنسان متى شعر أنه ينجز تبدأ حالة الفتور تتقلص.
رابعاً: عليك أن تجاهد ولا تستسلم. مما يعالج الفتور أن تجاهد ولا تستسلم؛ لو شعرت أنك كسول عن حضور مجالس العلم، روح احضر المجلس ولو جررت نفسك جراً، لو شعرت أنك متكاسل عن فتح الكتاب، افتح الكتاب، لو شعرت أنك ملان، لو ممتاز. طبعاً هذا كما قلت، هذا لما يبدأ الفتور وتطول مدته، أعطيناك فترة تريح فيها النفس، بس في النهاية هذا الموضوع يجب أن ينتهي.
سبحان الله، لما كنا ندرس في المدينة، ربما قلتها لبعض الإخوة، كان الشباب لما تأتي من العطلة الصيفية لنبدأ الدوام في الجامعة الإسلامية، كان كثيراً من الشباب يقولوا: شاعرين أننا مش قادرين نرجع نحفظ وندرس زي ما كنا قبل ما ندخل في العطلة. العطلة لما كانت ثلاثة أشهر، كان الشباب يذهبون إلى بلدانهم، وكانت ثلاثة أشهر طويلة، فيصير عندك حالة من العجز والفتور إذا لم تستغل العطلة في القراءة والتعلم. وأنت حتى في العطلة لازم تستمر في التعلم حتى تبقى عندك نفس ووصال، فلا تقل: هي عطلة صيفية أنا مش رح أدرس فيها ولا أتعلم، وتجلس ثلاثة شهور، ثم لما يبدأ الفصل الدراسي الجامعي الجديد، يأتي بالكسل حالة جرّ أنه يريد أن يعود إلى المرونة.
سبحان الله، العقل والدراسة هذه كلها مرونة، مثل العضلات؛ لما تكون أنت يوميًا بتتدرب بتشعر أنها صارت حركة اعتيادية، صحيح التعلم والأمور كذلك، لكن لما تتركها فترة، عملية نهوضك مرة أخرى رح تشعر أنها ثقيلة وتحتاج لوقت. لذلك من أهم النصائح لمعالجة الفتور يقولون: عليك ألا تطيل فترة فتورك.
خذوها إخواني قاعدة في الحياة، كلما طالت فترة الفتور كلما أصبحت معالجتها أصعب وأصعب. الفتور الذي يكون أسبوعًا بقدر أعالجه بسهولة، لكن لما يصبح الفتور شهرًا، عملية استنهاض الهمة مرة أخرى سيكون أصعب، ولما يصبح الفتور ثلاثة أو أربعة أشهر سيكون استنهاض الهمة أكثر وأكثر. لما يصبح الفتور سنة أو سنتين وما فتح الكتاب، إذا أردت أن تعود، أريد أن أبني من جديد، والله أعلم تصلح ولا ما تصلح. لذلك حاول أن تقلل فترة فتورك ولا تجعلها فترة طويلة، لأنه كلما طال الفتور كلما أصبح النهوض صعبًا.
ولذلك سبحان الله، نصيحة النبي وتوجيه النبي عليه الصلاة والسلام لما قال إنه في ساعات الفتور أوعك تنهار؛ لأنه يريد أن يحافظ لك على مستوى من التدين قائم. هذا المستوى من التدين الذي أنت سددت وقاربت فيه، هذا معناه أنك لم تقطع التعود ولم تترك حقل التدين، أنا مستمر ولكن على نار هادئة. تخيلوا النار لو طفت، إعادة إشعال النار مرة أخرى سيكون متعبًا أكثر وأكثر، فدائمًا في ساعات الفتور خليك على النار الهادئة، ما تطفي نارك لأنها إذا طفت سيصبح الأمر صعبًا، ولكن إذا طفت لوقت قصير يمكن أن نتدارك.
أبو خيثمة هو ذنب الذي وقع فيه لكن عالجه بسرعة، لم يأخذ الموضوع فترة، لكن سيدنا كعب بن مالك ما استطاع أن يعالج ابتداءً، فلذلك كان يحتاج إلى الخمسين يومًا حتى يعيد صناعة أشياء كثيرة في نفس كعب بن مالك والصحابة الذين تخلفوا معه. فدائمًا ساعات فتورك لا تطل، وجاهد على أن تتخلص منها، اعمل أي شيء، قاوم، اعمل كما قلنا ورط نفسك، ادخل مع صحبة مع رفقة، المهم فكرة المجاهدة أن الفتور يحتاج إلى مجاهدة لينتهي.
خامسًا، نوع في أنواع العبادات حتى تعالج الفتور. كيف يعني؟ بعض الشباب يكون مركزًا على قضية التعلم أو مركزًا على عمل خير معين، نوع في أنواع العبادات حتى لا تشعر بالانهيار. في ساعات الفتور، كما حكينا، يمكن أن تمارس صلة أرحام وأنت مقصر فيها، أو تمارس عملًا إغاثيًا معينًا. التجديد في العبادات التي داخل دائرة السنة يعطيك روحًا جديدة.
أنت بجوز طالب علم، لا أحد يقول لي أنا شخص طالب علم هي شغلتي، أو أنا إنسان مثلاً عمل إغاثة، آتي أقول لك حتى تعالج فتورك ممكن أنت محتاج أن تمارس أنواعًا أخرى من العبادات المشروعة؛ مارس لك عبادات مثل تفقد الفقراء والمساكين، أو صلة الأرحام، أو بر الوالدين، أي عبادة أخرى قد تصنع لك نوعًا من التجديد في الحياة، بدلاً من أن ينقلك الشيطان للبدع. هناك عبادات أنت أكيد مقصر فيها، يمكن أن تمارسها فتجدد الروح مرة أخرى، فتجديد الروح في عبادة أخرى يعيد لك روحك في العبادة التي تريدها. لما تصبح تصل أرحامك وتعمل أعمالًا إغاثية وتتصدق يوميًا، أنا في حالة فتور عن طلب العلم بصير أتصدق، فبصير أشعر أن ذاك الحقل أعاد لي روحي في الحقل الذي أنا فيه، فإذاً تنويع العبادة سيساعدك على معالجة فتورك.
أخيرًا حتى لا أطيل، عليك بالصبر. أي حالة إيمانية تريد الوصول بها إلى الله تحتاج إلى الصبر: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا﴾. باختصار، أي داعٍ لما يتكلم في موعظة أو نصيحة، نحن لا نملك العصا السحرية، نملك علاجات، كبسولة من الصيدلية، نحن نحاول أن نضع خطوات وإجراءات تُتخذ، لكن أي خطوة وأي إجراء سيحتاج إلى وقت حتى يظهر أثره، فعليك أن تصبر، فالصبر مهم جدًا جدًا.
هناك نقطة قفزت عنها وهي أيضًا مهمة في قضية معالجة الفتور، أحيانًا قد يكون سبب الفتور عدم رؤية النتائج سريعًا، وهذا ربما يذكر كسبب ويذكر الآن كعلاج. خاصة لمن يشتغل في الحقل الدعوي أو التربوي أو الإصلاحي؛ أنه يبدأ في عملية التعلم أو التعليم أو يمارس أي نشاط، فيجد أن الآثار سواء على نفسه في عملية التعلم لا تظهر، أو لا يشعر أنه أصبح متقنًا، أو إذا كان معلمًا يرى أنه لم يكّون جيلًا أو لم يظهر الصلاح أو النبوغ في طلابه، فيحدث عنده حالة من الفتور.
أنا أتعلم، تعلمت عند شيخ وجالست المشايخ سنة أو سنتين أو ثلاث، لست شاعرًا أن مستواي يتقدم، أو إذا كان مصلحًا يشعر أن الناس ما زالت ضعيفة ودعوته غير مقبولة، فالعادة أن الذي يريد النتائج السريعة إذا لم يرها يفتر. هذا سبب من أسباب الفتور، عدم رؤية النتائج تخرج أمامك. فهنا يكون العلاج في هذه المساحة: أن توطن نفسك على عدم رؤية النتائج، وهذا ما كان يقوله الله لنبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿فَأَمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يَرْجِعُونَ﴾ [سبأ: 55].
استمر مهما كانت النتائج التي تراها، حتى لو لم ترَ البشريات بعد، حتى ولو لم ترَ البذور تنمو ويظهر لك الفسائل، حاول أن تستمر وتذكر أنك وأنت تستمر أنت تتعبد الله، أنا لا أتعبد الله فقط في النتائج، أنا أتعبد الله أثناء العمل. فليس المهم أن أرى النتائج، المهم أن أبقى مستعملًا، أن أبقى في الميدان، أن أبقى أضع البذور، هذا هو المهم. من معالجات الفتور أن يوطن الإنسان نفسه على عدم انتظار النتائج، إن حصلت وحصدتها فالحمد لله، وإن توفيت قبل أن أحصدها وحصدتها أجيال قادمة فالحمد لله. فاصبر، ﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكُمُ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾ [يونس: 53]؛ فهنا جمع الله بين العلاجين: الصبر واليقين. هناك ناس ليس عندها يقين لأنها لا ترى النتائج سريعًا، أنت يجب أن يكون عندك يقين أن العمل الذي أفعله الآن سينبت غدًا، وقد أرى النتائج وقد لا أراها، إنما عليك البلاغ.
صاحب رسالة، ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ [الأنعام: 48]. داعياً إلى الله، فتبقى هذه المعاني حية في نفسك؛ أنني لست مسؤولاً أو ملزماً بأن أرى النتائج. هذا يخفف عنك، وبيعيد لك شيئاً من النشاط ومن الروح للعمل مرة أخرى.
هذه مقاربة سريعة في قضية الفتور، وأرجو أن تكون مفيدة ونافعة إن شاء الله لمن تابعها وحضرها. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يجدد الإيمان في قلوبنا، أن يرزقنا عزيمة ونفوساً أبية، وأن يجعلنا كأبي خيثمة. وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل