حراس العلم، طريقك نحو علم شرعي راسخ.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأصلي وأسلم على النبي المصطفى صلاة تترى، وعلى آله وصحبه ومن لنهجه اقتفى. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علماً نافعاً يا أرحم الراحمين.
حياكم الله أيها الأكارم في أمسية جديدة من أمسيات غراس. وهذه الأمسية مختلفة اليوم كما يقولون؛ كنا نتمنى أن نكون مع بعضنا البعض، ولكنها أقدار الله الجارية، لكل آجل كتاب. وهكذا هي الدعوات أيها الكرام، لا بد من شيء من عناء الطريق، ولا بد من التحديات والعقبات التي يواجهها كل داعية وكل من يحاول أن يوصل الخير إلى الناس. لا بد أن يواجه تحديات وعقبات ويتحمل ويصبر.
وهكذا دور الطالب أيضاً، والمهتم بالعلوم الشرعية والمهتم بإصلاح نفسه وقلبه؛ لا بد وأن يصبر ويحتسب ويرجو من الله سبحانه وتعالى أن يرفع الغمة، وأن يزيل الهم، وأن يعيد الأمور إلى مجاريها. فالأمر لله من قبل ومن بعد، والله سبحانه وتعالى هو المرجو وهو المأمول أن يرفع هذه الغمة، وأن يزيل هذا الكرب، وأن يعيدنا إلى ما كنا فيه من الاجتماع على طاعته، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
أيها الكرام، أمسيتنا العاشرة بحمد الله في أمسيات غراس هي حديث من القلب إلى القلب عن رحلة القلب إلى الله سبحانه وتعالى وعنوانها، وعنوناها بكلمة سيدنا إبراهيم عليه السلام لما قال: ﴿إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَىٰ رَبِّي﴾ [العنكبوت: 26]. هذا عنوان محاضرتنا اليوم، وعلى خطى سيدنا إبراهيم نتكلم عن الهجرة.
حقيقة أيها الأحبة، عندما نتأمل في مفهوم الهجرة نجد أن القرآن استعرض كثيراً هذا الموضوع وأشار إليه في آيات عديدة. يقول سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَٰئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَهُ﴾ [البقرة: 218]، فعلق حصول الرحمة الإلهية على ثلاثة أمور؛ أحدها الهجرة.
يقول سبحانه وتعالى: ﴿فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ [محمد: 39]. ويقول سبحانه وتعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّىٰ يُهَاجِرُوا﴾ [الأنفال: 72]. ويقول سبحانه وتعالى: ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ [النساء: 97]. ثم يقول أيضاً في سورة النحل: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: 110].
إلى غير ذلك من الآيات التي لو فتحت العديد من صفحات كتاب الله سبحانه ستجد أن مفهوم الهجرة من أبرز المفاهيم الحاضرة في الخطاب القرآني. ولعل الاقتران الكثير في كتاب الله بين الإيمان والهجرة؛ "آمنوا وهاجروا"، "آمنوا وهاجروا"، كأنه يعطيك مؤشراً من بداية الطريق أن كل إيمان لا بد بعده من هجرة.
الآن هل تكون هجرة حسية أم تكون هجرة قلبية؟ هذا نتحدث عنه، لكن كل إيمان لا بد فيه من هجرة إلى الله ورسوله. لذلك حتى أعظم حديث في الإسلام، أو من أعظم الأحاديث في الإسلام، حديث «إنما الأعمال بالنيات»، المثال الذي أتى به النبي ﷺ هو مثال يتعلق بالهجرة؛ فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه.
أيضاً القرآن استعرض لنا أحوال كثير من الأنبياء والصالحين قرروا الهجرة ودفعتهم ظروف الحياة إلى أن يهاجروا حفاظاً على دينهم ومكتسباتهم. فأصحاب الكهف هاجروا: ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ﴾ [الكهف: 16]؛ كانت هجرة وتركاً لتلك البيئة الفاسدة التي كانوا يعيشون فيها، ورأوا أن حفاظهم على دينهم ومبادئهم لا يتأتى إلا بتحقيق هذه العزلة عن ذاك المجتمع أو عن تلك البيئة، وهذا شكل من أشكال الهجرة.
سيدنا إبراهيم الذي بدأنا به، ماذا قال في موضعين من كتاب الله؟ في سورة العنكبوت قال: ﴿إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَىٰ رَبِّي﴾، وفي سورة الصافات قال: ﴿إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الصافات: 99]. ولاحظوا هنا كيف سيدنا إبراهيم عليه السلام وسع مفهوم الهجرة؛ أنا أعتبر ألفاظ سيدنا إبراهيم عليه السلام تعطيك أن الهجرة مفهوم أوسع من أن يكون مجرد الانتقال من مكان إلى مكان ما، ما قال إني مهاجر إلى الشام، أو مهاجر إلى فلسطين، أو مهاجر إلى الحجاز، قال: ﴿إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَىٰ رَبِّي﴾. هي هجرة إلى الله، اقتضى الأمر أن تكون هجرة قلبية فحسب، أو اقتضى أن تكون هجرة قلبية حسية؛ المهم أن المؤمن إذا هاجر فقبلته ووجهته إلى الله رب العالمين، هكذا أعلنها سيدنا إبراهيم عليه السلام، وعلى خطى ملة إبراهيم نسير.
طيب الآن أيها الكرام، عادة عندما يتكلم عن الهجرة أول ما يخطر في ذهن المتلقي أو السامع أنها الهجرة الحسية؛ الانتقال من دار الإسلام إلى دار الكفر، أو الانتقال من دار البدعة إلى دار السنة، أو الانتقال من دار المعصية إلى دار الطاعة. فالهجرات الحسية ثلاثة: أن تغادر مجتمعاً كافراً إلى مجتمع مسلم، أن تغادر مجتمعاً مبتدعاً بألف أهواء إلى مجتمع على السنة على قدر المستطاع، أن تغادر بيئة فيها معاصٍ وفجور إلى بيئة فيها طاعة وخير. هذه الهجرة الحسية، ولكن هذه الهجرة الحسية فرع وأصلها هي الهجرة القلبية.
ولذلك النبي عليه الصلاة والسلام ماذا قال؟ لما النبي ﷺ أعطى تعريفاً للمهاجر قال: «المهاجر من هجر ما نهى الله عنه». أن تهجر كل شيء نهى الله عنه، ابتداءً من قلبك؛ تهجر الكفر والشرك، وهذا أعظم ما نهى الله عنه، تهجر البدع والأهواء، تهجر المعاصي والذنوب؛ هذه الهجرة من حققها فهو المهاجر حقاً.
وهنا ابن القيم رحمه الله يقول في "الرسالة التبوكية": «الهجرة هجرتان؛ هجرة بالجسم من بلد إلى بلد، وهذه أحكامها معلومة، هذه معروفة، الهجرة الحسية؛ والهجرة الثانية هجرة بالقلب إلى الله ورسوله، وهذه الهجرة هي الهجرة الحقيقية». إذاً جعل الهجرة الحسية فرعاً، والهجرة الحقيقية التي لا ينفك عنها مسلم في أيام حياته هي هجرة القلوب إلى الله سبحانه وتعالى، فقال: «وهذه الهجرة هي الهجرة الحقيقية وهي الأصل، وهجرة الجسد تابعة لها».
هكذا يقول ابن القيم، فإن تنتقل بجسدك فهذا فرع من قرار اتخذته في قلبك؛ يعني أنت أولاً قررت أن تهجر الشرك في قلبك، قررت أن تهجر الفساد في قلبك، وأن تهجر الباطل في قلبك، فلما قررت هذا قلبياً انعكس ذلك حسياً فغادرت من مكان إلى مكان. لذلك استطراد سريع: هؤلاء الذين يرفضون الهجرة من الأماكن الفاسدة إلى الأماكن الصالحة عادة عندهم مشكلة في القلب، أنه لم يتخذ قرار الهجرة قلبياً، لم يتخذ قرار الهجرة قلبياً إلى الله ورسوله، فلم يتخذه بدنياً وجسدياً.
فيقول: «وهي الأصل وهجرة الجسد تابعة لها، وهي هجرة القلب، وهي هجرة تتضمن من وإلى...». أي هجرة لها نقطة بداية ولها نقطة نهاية.
من أين سيهاجر؟ وفي أي شيء؟ فيقول ابن القيم: يهاجر بقلبه من محبة غير الله إلى محبته، ومن عبودية غيره إلى عبوديته، ومن خوف غيره ورجائه والتوكل عليه إلى خوف الله ورجائه والتوكل عليه، ومن دعاء غيره وسؤاله والخضوع له والذل له والاستكانة له إلى دعاء ربه وسؤاله والخضوع له والذل والاستكانة له. وهذا هو بعينه معنى الفرار إليه؛ قال سبحانه: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾ [الذاريات: 50].
نقرأ كلام ابن القيم ليكون مدخلاً لنفهم أيها الكرام أصل الهجرة، هجرة القلب. ولذلك هجرة القلب مفهوم لا ينفك عن حياة المسلم، ومخاطب به كل مسلم في كل يوم؛ يجب أن تهاجر بقلبك وتحلق بروحك إلى الله. وهذه الهجرة كما قلنا المخاطب بها الجميع، إذا ميزنا الهجرة بالقلب؛ إن المخاطب بها الجميع وأنها يومية.
أما الهجرة الحسية، من بلاد الكفر إلى الإسلام أو ما شابه ذلك، فهذه ليس المخاطب بها الجميع، صحيح المخاطب بها من تورط فيها أما مسلم في ديار الإسلام وليس مخاطبًا بها. كذلك الهجرة الحسية أنت لست مخاطبًا بها يوميًا، وإنما أنت مخاطب بها على حسب الحاجة. ولذلك كان الحديث عن هجرة القلوب إلى الله هو أعظم الحديثين وأهم الأمرين، فاهتم علماء السلوك وعلماء الفكر وكل من يعرف طبيعة الدين الإسلامي بالحديث عن هجرة القلب؛ لأن من لم يهاجر بقلبه إلى الله لن يفلح.
وهكذا القرآن عرض الهجرة، إخواني لما تقرأها في كتاب الله اقرأها كمفهوم واسع، أنت مشمول فيها. المشكلة دومًا لما نقرأ مفهوم الهجرة في القرآن ينعكس على ماذا؟ ينعكس على الهجرة الحسية، وهذا قصور. نعم، وإن كنت تتكلم عن الهجرة الحسية لكن المفهوم أوسع. سيدنا إبراهيم لما قال: ﴿إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَىٰ رَبِّي﴾ [العنكبوت: 26] لم يقل إلى الشام، لم يقل ذلك؛ لأنه لا يريد سيدنا إبراهيم أن يحصر نفسه في هجرة حسية، بل يريد أن يقول إنني منتقِل إلى الله، حيث كان مراد الله أكون، حيث كان مراد الله أكون.
هكذا تهاجر بقلبك إلى الله؛ فإذا كان مراد الله أن أبقى هنا سأبقى، وإذا كان مراد الله أن أنتقل سأنتقل. المهم ألا أبقى مع هواي ومع نفسي ومع ذوقي، وأن أبقى مع مراد ربي سبحانه وتعالى وما يريده مني. هكذا تهاجر بقلبك.
وحقيقة طبيعة العرض الذي أحببت أن أعرضه معكم اليوم هو: ما هي الصعوبات والعقبات التي تمنع الإنسان من أن يهاجر بقلبه إلى الله؟ ما هي الصعوبات والعقبات التي تمنع الإنسان من أن يهجر المعاصي والذنوب والغفلات، والغرق في المباحات والعادات السيئة؟
الآن لما أقول -كما يقول ابن القيم- «هجرة القلب هي هجرة من قيود الماضي إلى آمال المستقبل»، أظن هذا كان عنوان المحاضرة: «من بين قيود الماضي إلى آمال المستقبل». أنا أريد أن أهجر الماضي، أريد أن أهجر معاصي وذنوبي وأخطائي، أريد يا شيخ أن أهجر غفلاتي والعادات السيئة التي أفعلها، سواء كانت عادات محرمة أو عادات مكروهة أو عادات مذمومة، حتى نمط الحياة الخاطئ؛ الكسل، كثرة النوم، الجلوس على السوشال ميديا.
أنا لست راضيًا عن أدائي في هذه الحياة الدنيا، وأعتقد أنني محاط بمجموعة من المشاكل والتحديات، منها هي ذنوب، ومنها هي عادات سيئة اكتسبتها، ومنها هي من الغفلات، ومنها توسع في المباحات لا داعي له. كل هذه الحياة التي أعيشها لا أعتقد أنها تمثل ما يرضي ربي سبحانه وتعالى. أريد أن أغادرها إلى حياة ملؤها الإيمان والطمأنينة، الحياة الصالحة، الحياة الطيبة التي تكلم عنها كتاب ربنا سبحانه؛ حياة فيها طاعة، فيها عطاء، فيها بذل، فيها نشاط، فيها همة، فيها إقبال على دين الله سبحانه، فيها عادات حميدة إيجابية وصفات يحمد المرء عليها.
هذه الهجرة القلبية التي أبحث عنها، لكن صدقني إنني أحاول وأحاول منذ عقود وسنوات وما زلت مقيدًا بالماضي، وكلما حاولت أن أنهض إذا بالماضي يشدني ويأبى علي أن أتغير، فإذا أنا أفشل وأعود إلى موطني الأصلي. لذلك أحببت من باب المقاربة وتسهيل الفكرة أن أقارن بين الهجرة القلبية وأحوال الناس فيها، وبين هجرة الصحابة من مكة إلى المدينة.
لأن نظرك في قصص الصحابة المهاجرين من مكة إلى المدينة -الهجرة الحسية- وقيس عليها الهجرة القلبية، ستجد أن أحوال الناس في الهجرة القلبية هي مثلها أحوال الناس في الهجرة الحسية؛ فعندما نرى المتردد، ونرى المتلكئ، ونرى الذي انسحب، ونرى الذي أقدم، ونرى الذي خطط، ونرى الذي أسرع، هذه الأحوال في الهجرة الحسية الحقيقية هي نفسها التي تمر بنا في الهجرة المعنوية، الهجرة القلبية الإيمانية.
ولذلك كلما قرأت في سيرة النبي ﷺ في أحواله وأحوال من كان معه في الهجرة وكيف تباينت مواقفهم واختلفت أحوالهم، أحاول أن أقيس هذه الهجرة المعنوية القلبية على تلك الهجرة الحسية، فأفهم أنه هكذا سيكون الناس، هكذا سيكون الناس. وأعرف أن الصحابة الذين استطاعوا النجاة من مكة إلى المدينة كانوا هاجروا بقلوبهم إيمانًا وقلبيًا إلى المدينة قبل أن يهاجروا بأجسادهم، كانت القلوب هناك تطوف وتحلق، لكن لما اتخذوا القرار أخذوا احتياطاته وإجراءاته فأفلحوا ونجحوا.
وبالتالي دعونا نتحدث سريعًا -وهكذا ستكون طبيعة المجلس- عن موقف من مواقف الصحابة، أو مواقف حتى المنافقين في الهجرة، أو الذين ارتدوا على عقبهم، وأعلق عليها بما يقابلها في الهجرة الإيمانية القلبية، لنعرف ما الذي يحصل معنا في الحياة.
السؤال الأول أيها الكرام، أو النقطة الأولى: لو أردت أن أسأل لماذا كانت الهجرة إلى المدينة؟ يعني هو هكذا مفهوم الهجرة إلى المدينة النبوية، لماذا كانت؟ لو أردت أن أجيب أنا عن هذا السؤال كونه في الشرح يجيب كثير اليوم، فنقول أيها الكرام: الإسلام يدرك أن بقاء الصحابة في بيئة ملؤها الفساد والاستضعاف والقهر لن يرتقي بهم.
وسيبقى ذاك الصحابي الذي يعيش في مكة بين عتاولة مكة وفاسديها وشياطينها سيبقى مكبلاً في إيمانه، في ممارساته القلبية والشعائرية والدينية. لن يرقى إسلامهم إلى الدرجة المطلوبة حتى تحصل الهجرة، وحتى يبحثوا عن بيئة آمنة مطمئنة يمارسون فيها شعائر الله ومرادات الله سبحانه وتعالى، وتكون تلك البيئة الآمنة مكانًا للارتقاء ومساحة أكبر للإقبال على الله سبحانه وتعالى وفتح العلاقات.
أما لما تبقى أنت في بيئة نتنة فاسدة، كلما حاولت أن تتقدم تشعرك قيود وتخوفات وإرهاصات تحيط بك تمنعك من التقدم من نحو كل الاتجاهات في علاقتك مع الله سبحانه وتعالى، فتشعر أنه إذا أردت أن أتقدم أحتاج لبيئة آمنة، أحتاج لمكان مطمئن، أحتاج لنوع من الهدوء والراحة القلبية حتى أستطيع أن أعبد الله. ولذلك دائمًا فقهائنا عندما يعللون الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام، قالوا ماذا؟ أن يستطيع أن يتعبد بشعائر الله سبحانه وتعالى بكل استقلالية؛ لأنك إذا تعبدت بكل استقلالية حلقت، تشعر بالطمأنينة والسكينة والهدوء، هذه الأجواء التي تفتحها الهجرة.
إلى المدينة هي التي تعين المسلم أن يرتقي، وهذا كلام في ماذا؟ في الهجرة الحسية، فكذلك الكلام في الهجرة القلبية.
الخواطر الرديئة التي تحيط بك، الأفكار السلبية، الغفلة، العادات السيئة؛ هي حقيقة تمنعك من الارتقاء. لو سألت اليوم أي شاب وأي فتاة، عم يحاول يعمل أعمال جيدة، عم يحاول يحضر دروس دين، عم يحاول يتقدم، عم يحاول يعمل، عم يحاول يحفظ قرآن، بيقول لك: يا شيخ عم أحاول مش عم بنجح، أنا أحاول أن أهاجر بقلبي وأحاول أن أكون أفضل في علاقتي لكنني لا أفلح.
فأقول لنفسي وله: لعلك محاط بغفلة القلب، لعلك محاط بعادات سيئة، لعل هناك معاصي أنت مدمن عليها، كلما حاولت أن تحلق أعادتك إلى الأرض، كلما حاولت أن تتقدم إذا بها تشبثك في مكانك، فتشعر أنك لا بد أن تتخذ قرار الهجرة كليًا. هذه العادات السيئة في حياتك من عادات الكسل والنوم والممارسات المحرمة وحضور الأفلام والمسلسلات والمتابعات والغفلات والجلسات العائلية -وأنت يمكن تعد لك كثيرًا منها- ترى هذه قيود، هذه قيود تمنعك من أي تحليق، تمنعك من أي محاولة تغيير، تمنعك من أي محاولة أن تكون أفضل وأرقى في علاقتك مع الله سبحانه وتعالى.
ما هو الحل؟ الحل لابد أن تهاجر، لابد أن تترك هذه الأخطاء وهذه العادات وهذه الممارسات وهذا الماضي السيء والذكريات والخواطر الرديئة، لابد وأن تعلن قلبيًا أنك هاجر لها، إلى الله سبحانه وتعالى، إلى الخواطر الإيجابية، إلى الأفكار الصحيحة، إلى بيئة إيمانية قلبية، إلى واحة القرآن، إلى سنة النبي ﷺ. سأغلق التلفاز، سأغلق السوشال ميديا، سأغلق كثيرًا من هذه الأمور، سأهجرها إلى الله، إني مهاجر إلى ربي إخوانًا أيها الكرام، دون قرار الانفصال عن الواقع السيء في الذهن وفي القلب، دون قرار الانفصال عن ذاك الواقع السيء إلى واقع جديد تفرضه على نفسك، واقع حميد.
سيبقى الإنسان متعبًا منهكًا إيمانيًا، ضعيفًا في تقدمه، متعثرًا دائمًا، خائفًا غير مرتاح، لا يشعر بالسكينة إذا لم يقرر هذا الانفصال، صالًا عن الماضي إلى المستقبل الجميل، سيبقى ذاك الإنسان المتعثر الضعيف المنهك الذي تلهث في الإيمان، ثم تقول لي بعد ذلك لماذا هلكت؟ لأنك لم تقرر الهجرة، لا يمكن أن ترتقي وأنت ضمن بيئة تقيدك، بيئة من الخواطر غير خواطرك.
طيب يا شيخ، في ألم في تغيير الخواطر مش سؤال، أنا عارفة، ومن الذي قال سياتي معنا نقطة؟ ومن الذي قال إن الهجرة كانت مفروشة بالورود للصحابة الكرام؟ سياتي معنا بعد قليل فكرة التضحيات والآلام. لكن أنا أقولها لك، لأن بعض الشباب لما يتكلم معنا في موضوع الهجرة بالقلب، بده يحاول يجمع الكل، يقول لك: يا شيخ أنا بدي أظل أفكر بالخواطر وبالشهوات، بس في نفس الوقت بدي أكون طالب العلم، حافظ القرآن، وبدي أقتنص من الدنيا وأجمعها بكل شهواتها ولذاتها وأفكارها وأتابع مسلسلات، وفي نفس الوقت أكون حافظ القرآن، طالب العلم الهمام اللي بيستيقظ على الفجر، يذكر الله عند الشروق.
أقول هذا وهذا لا يجتمعان، هذه الأفكار من بيئة وهذه الأفكار الأخرى من بيئة. فإذا أردت الفجر وجلسة الشروق والإقبال على القرآن، وأن تشعر قلبك منفتحًا له ومقبلًا عليه، وأن تشعر بخفة النفس لطاعة الله سبحانه وتعالى، والهمة في المتابعة، والقدرة على الالتزام والانضباط بالأحكام الشرعية، عليك أن تهجر الطبيعة الأولى لك وتقرر الانفصال، قال عنها: مهما كلف الثمن ومهما كانت التضحيات. أما اعتقاد أنك يمكن أن تتعايش بين مكانين منفصلين في الأفكار والخواطر والإيمانيات فهذا وهم؛ هذا مكان، هذه بيئة من الخواطر والتصورات الفاسدة، وتلك بيئة من الإيمانيات والأفكار والتصورات الصحيحة، إما أن تكون هنا أو هنا. ولا بد إذا أردت الطمأنينة أن تهاجر من هنا إلى هنا، فهذه معنى أو مدخل إلى: لماذا هاجر الصحابة من مكة إلى المدينة أصالة؟ بحثًا عن الارتقاء، فكذلك أنت تهاجر بقلبك من تلك البيئة الفاسدة إلى تلك البيئة الناضجة بحثًا عن الارتقاء.
نأتي الآن إلى النقطة الثانية: هل كانت هجرة النبي ﷺ وهجرة الصحابة هجرة عفوية دون أي تخطيط واقتناص للفرص؟ كانت هجرة مخططًا لها، أليس كذلك؟ هذه قضية ونقطة مهمة. الهجرة ما كانت هجرة عفوية، من ينظر في تفاصيل هجرة النبي ﷺ وكيف كان أبو بكر يستعجله فيقول له: «لعل الله أن يجد لك رفيقا»، ثم بعد ذلك كيف جاءه في الظهيرة: «يا أبا بكر، إن الله أذن»، «الصحبة يا رسول الله»، قال: «نعم».
كان أبو بكر قد جهز الراحلتين، واحدة له وواحدة للنبي ﷺ، وكان أبو بكر قد جهز ما يسمى اليوم جميع الأمور اللوجستية؛ كان يأمر عامر بن فهيرة أن يمر بقطيع الغنم إلى غار ثور، وكان يأمر عبد الله بن أبي بكر أن يأتيه بالمعلومات الاستخباراتية إلى غار ثور، وكانت أسماء بنت أبي بكر مسؤولة عن التزويد بالطعام. كان هناك تخطيط، وأنه عبد الله بن أريقط -وهو الدليل الذي سيأخذهم إلى المدينة- وتواعدوا أنه بعد ثلاثة أيام نلقاك عند غار ثور، بكامل السرية وبكامل الاحترافية، تم إنجاز المهمة.
إذًا أي هجرة تحتاج إلى تخطيط، ما كانت هجرة عفوية فوضوية. كذلك عندما نستقرئ عند باقي الصحابة هجرة عمر بن الخطاب، وهجرة بعض الصحابة الذين كانوا يحملون معهم الضعاف -ستأتي معنا لأن السيرة لم تحفظ لنا تفاصيل كل من هاجر- لكن في بعض القصص تبقى إرشادات ونصائح وتوجيهات في هذا الظلام الحالي. يهمني المشهد الأعظم في التخطيط، وهي سيرة النبي ﷺ، أنه كان التخطيط على أوجه.
أنا ماذا أريد أن آخذ من هذه الفكرة على مستوى الهجرة القلبية؟ أن الهجرة القلبية أيضًا تحتاج لتخطيط. إخواني، بعض الشباب فوضوي، لما يريد أن يهجر واقعه السيئ وخواطره الرديئة وأفكاره وكل مشاكله إلى واقع جديد يفرضه على نفسه، هي القضية فوضوية؛ يدخل مثلاً عامًا دراسيًا جديدًا، عامًا جامعيًا، يلا بدنا نغير كل الأخطاء مرة واحدة، يظن أن عملية قلع ذاك الماضي والذكريات عملية سهلة، فيريد مرة واحدة أن يصبح ذلك العابد الزاهد التقي النقي في يوم وليلة وضحاها، وفي ظروف معينة قد لا تسمح له أصلاً بتحقيق كل هذه الرغبات. الفوضى وعدم التخطيط والترتيب، ما هي الأمور التي ستبدأ بهجرانها أولاً؟ أنت لن تستطيع أن تكون مرة واحدة في نموذج الصحابة الكرام، لن تستطيع أن تتقمصهم. طبعًا كلما كثرت أخطاؤك وعاداتك السيئة وخواطرك الرديئة، كلما كانت أكثر وأكثر، كلما كان التحرر منها والهجرة منها أصعب وفيها تضحيات وآلام؛ بالتالي تصور أنه سأهاجر بقلبي مباشرة من هنا في يوم وليلة.
إلى بيئة أخرى لأصبح طالب العلم النشيط، الهمام، أو العبد الصالح، أو المرأة الصالحة التقية الذاكرة العابدة المقيمة إلى آخر ما تتصور وتحلم به؛ هذا فيه نوع من الوهم. الهجرة تحتاج لتخطيط وترتيب أوراق.
أولًا: ما هو الوقت المناسب لاتخاذ هذا القرار؟ قد تستغل أيام رمضان، قد تستغل العشر من ذي الحجة، مواسم الخيرات، قد تستغل حصول نقطة نظام في حياتك. أحيانًا ممكن تكون انتقالك من مكان إلى مكان، أو بداية عمل في شركة، أو مثلاً بداية زواج أو نهاية زواج إذا كان مشكلة. باختصار: تتحين فرصة مناسبة لاتخاذ قرارات كبيرة.
ثانيًا: تحاول أن تعرف ما هي الأمور التي هي الأصلح أن تبدأ بها وتحاول أن تهجرها، ثم بعد ذلك تتبع الأمور الأخرى؛ يعني صراعًا واتباعًا. إنني لن أستطيع مرة واحدة أن أترك كل شيء. طبعًا بالتأكيد أنت مخاطب أن تترك كل الأخطاء، لكن من حيث الواقع ومن حيث الخطاب الشرعي أنت مطالب أن تترك جميع المعاصي والذنوب والأفكار وما شابه، وبهذا حتى الإسلام لما خاطب الصحابة، ما خاطبهم ابتداءً أنه اتركوا لي كل واقعكم وأصبحوا ذاك العبد التقي الذي لا يشرب الخمر ولا يفعل كذا، لا؛ بنى فيهم العقيدة ثم بنى فيهم القيم وبنى فيهم الأخلاقيات والكليات، ثم رويدًا رويدًا نزل إلى دائرة الأحكام.
فمن المهم جداً أن تفهم نفسك وتحصر أخطاءك وتجلس وتضع على الورقة والقلم: أولًا ما هي الأشياء التي أريد أن أهجرها وأعتقد أنها تسبب لي الحياة الكئيبة والبعد عن الله؟ سجلها ودونها، ثم خطط من أين سأبدأ؟ ما هو أعظمها وأشدها الذي إذا فُكت العقد فيه يتبع ذلك ما بعده تباعًا إن شاء الله. أما الفوضى في اتخاذ الهجرات إلى الله سبحانه وفي هجرة القلوب، كأن أقول أريد أن أهجر أي شيء بغض النظر ما هو، أو أنني في لحظة واحدة سأترك كل عاداتي السيئة؛ والله إذا استطعت فأنعم وأكرم، لكن في العادة أكثر الناس لا يغير كل أخطائه وكل ممارساته.
بماذا أبدأ يا شيخ؟ سجل، دون، استشر المشايخ والتربويين، اعلم من أين تؤتى عادة، حاول أن تجفف بعض المنابع. أنا فقط هنا لن أدخل في التفاصيل؛ لأن هذا درس وحده: كيف تخطط للهجرة إلى الله؟ لكن فقط أريد أن أركز على قضية أن الهجرة تحتاج إلى تخطيط حتى هجرة القلب، وليست قرارًا فوضويًا وقرارًا عشوائيًا وقرارًا تتخذه في لحظة وتظن أن النتائج تأتي تباعًا، فإذا بك تنصدم أنك لم تتغير، أنك لم تهاجر، فتعود إلى أسوأ مما كنت وتقول: أنا فاشل، أنا لا أستطيع أن أتغير، الحياة مربكة، الأمور يا شيخ أصعب مما تتصورون.
أنتم المشايخ تنظرون، نحن لا ننظر، بقدر ما أقول إنه أنا أعرف أنك دخلت في موضوع الهجرة بشكل عنيف وبشكل فوضوي، لم تخطط قلبيًا ونفسيًا لهذا الموضوع تخطيطًا جيدًا. إذا كانت الهجرة الحسية تحتاج لتخطيط، ومحمد ﷺ المؤيد من السماء يخطط، فما بالي أنا وأنت لا نخطط ولا نرتب أوراقنا؟ حاول أن تفهم الهجرة القلبية في ضوء الهجرة الحسية حتى تفهم كيف الهجرة تؤتي أكلها وتنجز.
وكذلك الدعاء والمصلحين، وهذه أنصحكم بها يا شباب، وهي فكرة أنه لما توجه الخطاب الشرعي إلى الشباب أيضًا بدك تفهم إمكانيات التغيير الموجودة، يعني لا تطالبهم بمثالية غير واقعية، لا تطالبهم بالهجرة الكلية وهو لا يستطيع أن يحقق هجرة جزئية. شيخ ممكن أن تكون الهجرة القلبية هجرة متلاحقة؛ يعني أهجر الآن بقلبي نوعًا من الأخطاء، ثم أهجر نوعًا من الأخطاء الأخرى، نعم. أبرز الأمور التي تبدأ بهجرتها المعاصي، ثم مثلاً العادات السلبية: كثرة النوم، وكثرة الأكل، وكثرة الضعف، ثم مثلاً بعض إضاعات الوقت التي لا معنى لها. أنت لن تهجر كل شيء مرة واحدة، لن تستطيع، سيثقل كاهلك، فلا أنت تستطيع ولا تخاطب الناس بهذا حتى لا يفشلوا. إذاً الفائدة الأولى: لماذا نهاجر؟ الفائدة الثانية: الهجرة تحتاج إلى تخطيط وإلى ترتيب وإلى معرفة من أين سأبدأ.
النقطة الثالثة: الهجرة والتضحيات المؤلمة. هل الهجرة يمكن أن تكون سالمة مفروشة بالورود ناعمة؟ أم الهجرة من القرارات التي يتبعها في العادة ألم وتضحيات؟ وهذه قضية بدنا نتفق عليها الآن: الهجرة قرار يتبعه ألم وتضحيات، ولذلك يقولون: «لن تتحلى حتى تتخلى». في ألم وفي تضحيات.
خلونا نبدأ بمواقف الصحابة الكرام في الهجرة الحسية، ثم نعود بعد ذلك نسقطها على الهجرة القلبية. نبدأ أولًا بهجرة النبي ﷺ. النبي عليه الصلاة والسلام لما هاجر كان متألمًا من مفارقته لأرضه التي يحبها، فلذلك عبد الله بن عدي بن الحمراء يعطينا المشهد الأخير للنبي عليه الصلاة والسلام وهو يغادر، فيقول إنه سمع النبي ﷺ وهو واقف بالحزورة في سوق مكة وهو يقول: «والله إنك لخير أرض الله، وأحب أرض الله إلي، ولولا أن أهلك أخرجوني منك ما خرجت».
إذاً النبي عليه الصلاة والسلام كان متألمًا، كان يحب مكة؛ أولًا هي أحب أرض الله إلى الله، يعني أعظم بقعة مقدسة على وجه الأرض مكة ما في أحد يتمنى يخرج منها، ثانيًا هي بلده، والإنسان أيضًا قضية الانتماء للبلد الذي نشأ فيه قضية كبيرة. فالنبي عليه الصلاة والسلام خرج متألمًا. حتى لذلك لما ورقة بن نوفل -نرجع لورقة بن نوفل- لما قال له: إن قومك سيخرجونك، يعني يا ليتني كنت فيها جذعًا حتى أقف معك، فيقول: «أومخرجيهم؟»، تفاجأ النبي عليه الصلاة والسلام، معقول أصل إلى يوم سأضطر فيه أن أغادر بلدي وموطني وعزوتي والناس الذين عرفتهم وأحبابي وأقاربي آل هاشم؟ قال: نعم، لم يأتِ أحد بمثل ما أتيت به. وبالتالي النبي عليه الصلاة والسلام كان متألمًا، وكان يشرب الحزن والمرارة أنه اضطر في يوم من الأيام أن يغادر بلده وموطنه، لكنها الهجرة، وهي مكان التضحيات.
نأتي إلى نموذج آخر، والقصة الشهيرة التي ربما ذكرناها في دروس كثيرة، هجرة أبي سلمة وأم سلمة، هذه أعظم صور التضحية والفداء في قرار الهجرة. أبو سلمة هو أول صحابي هاجر أو قرر الهجرة إلى المدينة، خرج بزوجته وابنه سلمة، وعلى عتبات مكة إذا بأهل أم سلمة بني المغيرة يأتون إليه: أين يا أبا سلمة؟ تريد أن تخرج وتغادر شأنك؟ أما أن تخرج بضعينتنا وابنتنا لا نسمح لك. فأصروا على أن يترك أم سلمة، ثم يأتي أهل أبي سلمة، عشيرة أبي سلمة، فيهاجمون عشيرة أم سلمة. طب هذه أم سلمة تركتموها عندكم، وسلمة ابنهم هذا ابننا.
والولد ينسب إلى أبيه، لا والله لا نتركه. معكم فأبو سلمة أمام ناظريه وناظر أم سلمة، تبدأ القبيلتان تتنازعان الطفل، هذا يشده من يده وذاك يشده من يده حتى خلعوا كتفه أمام ناظريه والديه.
تمزقت العائلة، لكن أبا سلمة يعلم أن الآن فرصة مناسبة للهجرة قد لا تتوفر له، بقي مهاجراً، وهو يعلم أن زوجته لن تؤذى، لكن سيكون معها ألم، فلتصبر إلى أن يجعل الله لها فرجاً ومخرجاً. غادر أبو سلمة إلى الله ورسوله، انظروا إلى التضحيات؛ زوجته وابنه ترك كل شيء وراء ظهره لله.
أم سلمة تقول: كانت بعد ذلك تخرج إلى البطحاء في كل يوم إلى المكان الذي صارت فيه الواقعة حيث تفرقوا، تخرج تبكي، إلى أن سخر الله لها رجلاً من رجالات قريش الكفار لكنه صاحب مروءة، فقال: «لا ينبغي لهذه المرأة أن تترك»، فذهب إلى أهلها واستشفع لها، فألحقوها بزوجها. عادوا؛ ماذا تفعلون؟ تحبسونها عندكم وكل يوم تخرج تبكي؟ ثم ذهب إلى أهل أبي سلمة وقال: «ترى أنا شفعت أن تخرج أم سلمة؟»، فردوا إليها ولدها لعلها تلحق بزوجها. وهم كفار، وبينهم وبين أهل المدينة معارك، لكن الله سبحانه في البيئة الفاسدة يسخر لك رجلاً صالحاً، ولعله الله يسخر الصالحين.
نرجع لموضوعنا، بعيداً عن السياسة، باختصار قصة أم سلمة هي قصة مليئة بالتضحيات. من يستطيع أن يفعل كما فعل أبو سلمة؟ من يستطيع أن يترك زوجته وأبناءه لله متوكلاً على الله؟ كيف سيدنا إبراهيم ترك هاجر في أرض غير ذي زرعة، وما حيلته إلا الدعاء: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ ۖ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾ [إبراهيم: 37]. يا رب، أنسهم في وحشتهم. هو يعلم أن الهجرة لها ثمن، وأن المطلوب أن يتحمل هذه الآلام، وهذا جزء من رحلتك إلى الله سبحانه وتعالى.
أيضاً من الصحابة الذين ضحوا ورويت قصصهم في الهجرة، صهيب الرومي، الذي كان من تجار مكة الكبار وكان يملك ثروة هائلة على الأقل، وغادر مكة متجهاً إلى المدينة، فلحقه رجال قريش. واضح أن بعض رجال قريش كان عينه على ثروة صهيب الرومي، فلحقوا به في الطريق وقالوا: «لا والله، أتيتنا فقيراً فتعلمت وصار عندك صنعة وأصبح عندك مال وثروة، والآن تخرج بكل أموالك؟ لا والله لا ندعك تخرج بأموالك».
صهيب بكل هدوء قال: «إذا أعطيتكم مالي تركتموني؟»، قالوا: «نعم»، قال: «فدلهم على ماله». فتركوه؛ أصحاب دنيا لأنهم ذهبوا إلى ماله، وذهب هو إلى النبي صلى الله عليه وسلم مهاجراً إلى الله ورسوله. روي في الآثار أنه لما رُئي قيل: «ربح البيع أبا يحيى»، ربح البيع؛ أي أحسنت، خسرت الدنيا أو أموالك على الأقل، لكنك كسبت الدار الآخرة.
هكذا هي التضحيات أيها الشباب، الهجرات تحتاج إلى تضحيات، ما في هجرة بدون ألم، بدون شعورك بالحنين إلى أمور وممارسات كنت تفعلها. دائماً بعض الشباب لما يتخذ قرار الهجرة القلبية -سأتكلم عن الهجرة بالقلب- لما يتخذ قرار: «بدي أهجر الخطرات السيئة التي كنت أفكر فيها، بدي أهجر الأفلام الإباحية، بدي أهجر النظر إلى النساء، بدي أهجر كثيراً من الخطرات والغفلات، بدي أهجر المسلسلات والأفلام والمباريات، بدي أهجر علاقات»، يشعر عندما اتخذ هذا القرار أنه يلهث، ويقول: «في أشياء كثيرة وذكريات كثيرة تأسرني، معقول كل هذا بدي أتركه حتى أهاجر إلى الله؟».
نعم، الحقيقة أنا أعرف ما الذي تمر به، وكلنا ذاك الرجل الذي يحاول أن يصلح من نفسه. أعرف ما معنى ذكريات الماضي، طبعاً الذكريات التي فيها معاصٍ وذنوب، وأحياناً توسع في المباحات، هي دائرة بين هذا وهذا، وأعرف أحياناً فيها كسل ونوم زائد وأشياء كثيرة، وأعرف أن لها لذة في النفس، لكن يجب عليك أن تقاوم وأن تتقبل وأن تتشجع أن تنسى ذاك الماضي وتحاول أن تهمشه، وتحاول أن تنشغل عن التفكير فيه لأنه هو آسِر.
بعض الشباب يقول لي: «يا شيخ أنا أريد أن أترك الخطأ، أريد أن أترك المعاصي، بس لما أجلس أتذكر فلانة التي كنت أتحدث معها، لما أجلس أتذكر ذاك الفيلم»، فيصير لا يعرف كيف يجلس أو يفعل، إلى أن يسقط ويعود ويترك قرار الهجرة. هنا الرجولة، هنا الثبات، وهل الجنة تُعطى بالمجان؟ لا. لماذا الصحابة كانوا هم العليا، هم المقدمون في جنات النعيم؟ لأنهم قوم دفعوا الثمن، رضوا بأن يدفعوا الثمن. أنت، هل قبلت أن تدفع الثمن؟ من الذي قال لك إن الهجرة مفروشة بالورود؟ الهجرة القلبية إخواني مليئة بالألم والتضحيات.
ما الذي سيصبرني يا شيخ؟ رؤية العواقب. هو سؤال أبو سلمة: إيش الذي صبره على فراق زوجته وولده؟ لولا أنه يرى فجراً جديداً ومستقبلاً مشرقاً في المدينة، يتحمل الألم ويتجرعه مقابل أن يحقق الأمل في دار أخرى، ولعل الله عز وجل يبدله ويعوضه خيراً. هكذا هي الحياة. الشيء الذي سيجعلك تشعر بالطمأنينة ويخفف عنك الآلام والتضحيات التي ستتركها وتتخلى عنها لله ورسوله هو نظرتك إلى القادم الأجمل.
إنه صحيح، أنا أتألم وتأتيني ذكريات والشيطان يغريني أن أفعل كما كنت أفعل في الماضي، لكن يجب أن تبقى الرؤية واضحة أمامي للمستقبل؛ أنه إذا غلطت مرة أخرى سأفقد تلك الميزة التي تنتظرني في نهاية الطريق. حبك لله، وتعظيمك لله، وطلبك ما عند الله، وطموحك للجنة، واهتمامك بأمتك ومحاولتك السمو بأفكارك؛ هذه قضية مهمة. كلما عليت أفكارك وطموحاتك وسمت، كلما كنت أقدر على أن تهجر الأشياء السيئة لأنك تشعر أنك يجب أن تكون على قدر طموح أمتك، يجب أن تكون على ما يريده ربي منك. ﴿قُلْ إِنَّمَآ أَخَافُ عَلَيْكُمۡ عِذَابَ يَوۡمٍ أَلِيمٖ﴾، الموضوع مخيف، ولذلك الذي سيعينك هو القرآن.
أنا في اعتقادي -ولست اعتقاد ظني جازم بذلك- أن الذي أعان الصحابة على تجرع مرارات الهجرة هو ما ذاقوه من القرآن؛ الذي تربوا عليه في مكة وكانوا يقرأونه فاهمين له، هو الذي أعانهم على اتخاذ قرارات كبيرة، أن يهجروا ديارهم وأموالهم وأهاليهم وكل شيء وينتقلوا إلى بيئة جديدة. وأقول لك: أنت لن تهاجر بقلبك إلى الله إلا إذا كان لك نصيب من القرآن؛ لأن القرآن هو الذي يمنحك الصبر على التضحيات التي ستبذلها. وركز، التضحيات لن تكون فقط أن أترك المعاصي، أحياناً ستترك مباحات، مثل صهيب الرومي الذي ترك ماله.
ترك معصية، ترك مباحات، أحيانا قد تكون التضحية أنك تترك بيئة عمل. تريد أن تترك بيئة عمل يا شيخ؟ بيئة عمل مالها حلال، أنا عارف، لكن هي مصدر مقلق، فيها خلطة فيها إشكالات، فيها أمور ما عادت منتجة لك. قد تضطر أن يكون عندك بيت وتضطر أن تبيعه من أجل أن تنتقل لبيت آخر في محافظة أخرى، في مكان آخر أنفع لأولادك ودينك ولحياتك.
اليوم إخواننا، لما نتكلم مع كثير من المقيمين في الغرب ونيجي نقول له: تعال هاجر إلى ديار الإسلام كهجرة حسية، أكثرهم -أقول أكثرهم- الذي يمنعه هو أنه لا يريد أن يتألم؛ كونوا واضحين، هو لا يريد أن يدفع ثمن الهجرة، لا يريد أن يتألم. هو تعود على نمط معين، على مستوى رفاهية معين، على طعام وشراب وحياة وسياحة، وهو يعلم أن الهجرة فيها انخفاض في المستوى المعيشي وما يريد أن يدفعه، فيأتي ويقول لك: لا مشايخنا، لاقوا لي حلاً ثانياً، لاقوا لي حلاً أكون فيه صالحاً مؤمناً تقياً زاهداً وأنصر الإسلام، وأنا أعيش في الغرب وأدفع لهم الضرائب ومتمتع معهم!
أنت تطلب الجمع بين النقيضين أو الضدين، وهذا لا يمكن؛ لا يوجد إسلام بدون تضحيات. لذلك أعود فأقول: لماذا قرن القرآن في العادة من الآيات ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا﴾؟ يا من تقرأ القرآن، إياك أن تظن أنك تقرأ عن الصحابة الذين هاجروا فقط، لا، هذا خطاب لك أنت يا من تقيم في الغرب، وأنتِ يا من تقيمين، وأنت الذي تعيش في بيئة فاسدة، حتى لو كنت في بلاد المسلمين لا بد أن تهاجر. لا يوجد إيمان لا هجرة فيه، احفظها؛ لا يوجد إيمان لا تتألم فيه، ولا تضحيات ولا تخليات، ليس فقط عن معاصٍ وذنوب، بل حتى عن مباحات في لحظات معينة. سنتخلى عن مباحات لرضى الله سبحانه وتعالى وبحثاً عن الحياة السعيدة المطمئنة.
أحياناً قد تضطر أن تتخلى عن طموح وأحلام؛ ممكن تكون مخططاً أن تتزوج فلانة، لكن تكتشف أن هذا الخيار فيه مشكلة، فتحتاج أن تغير طموحك وأحلامك من الزواج منها إلى امرأة صالحة أخرى تجدها هي الأوفق لتربية أبنائك. قد يكون طموحك أن تدرس في جامعة في أوروبا أو غيرها، فيأتيك الخبر أن تلك الإقامة لا تحتاجها، وأن عليك أن تقيم في بلاد المسلمين ما دام الشيء يمكن أن يحصل في بلاد الإسلام، فكل ذهب وخطط وغير بوصلة تخطيطاتك.
يقول لي أحدهم: معقول والله! فكرت أن أفتح متجراً في أمريكا، ثم يأتي شيخ من أهل العلم يقول له: ترى هذا لا يجوز أن تقيم في ديارهم، فيريد أن يغير تخطيطاته. أقول له: معقول أتخلى يا شيخ عن طموحي؟ والله فكرت كثيراً. نعم، بدك تتخلى؛ هي هكذا، لن تتحلى حتى تتخلى، احفظها: لا بد أن تتخلى عن شيء لله، والله يريد أن ينظر هذا التخلي؛ الله سبحانه وتعالى يريد أن ينظر هل ستتخلى عن شيء من أجله؟
إخواني، أظن أن تعريفنا للإيمان في أنفسنا فيه قصور؛ نريد إيماناً كاملاً دون أن نتخلى عن شيء. أحسب الناس أن يتركوا ويقولوا آمنا وهم لا يفتنون، ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۖ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: 3]. إذاً الإيمان فيه تخلي، والله سينظر هل أنت قادر على أن تتخلى عما تحب تبعاً لما يحب سبحانه وتعالى؟
رابعاً، إذا تكلمنا لماذا نهاجر، فالهجرة قرار يحتاج إلى تخطيط، الهجرة فيها ألم وفيها تضحيات، وبدك تستعد أن تبذل وبدك تتحمل. الهجرة قرار لا يقبل التردد؛ بعض الناس لما يريد أن يهاجر يقدم رجلاً إلى الأمام ورجلاً إلى الخلف، والمترددون عادة يسقطون. قرار الهجرة يجب أن يكون قراراً قوياً عازماً عليه، فإذا عزمت فتوكل على الله.
أما الذي يفكر: "أترك المعصية؟ لا، ربما في فتوى، ربما يمكنني ترك القليل منها، ربما أحاول أن أضع بعض المكياج..."؛ هؤلاء الذين يدخلون في دائرة التردد، يقدم رجلاً إلى الصلاح ويضع أخرى في العادة يسقط ولا تتم أجرته القلبية إلى الله. هنا في قصة أود أن نقرأها الآن ونعيش معها، لأن فيها أكثر من نقطة قادمة، وليست فقط النقطة الرابعة، فهي مليئة بالعبر والأفكار التي يجب أن نفهمها: هجرة عياش بن أبي ربيعة مع عمر بن الخطاب.
وسنبين إن شاء الله لاحقاً أنه ما يروى أن عمر بن الخطاب هاجر جهراً وأنه وقف على جبل وقال لقريش: "اتبعوني والله إنني لا يأتيني أحد إلا رميته بسهم"، هذه قصة ضعيفة، ضعيفة تماماً. وعمر بن الخطاب على الصحيح هاجر سراً. قصة أنه وقف نحن نحب هذه السردية لأنها مشجعة، لكن أكون صادقاً معكم، هي قصة ضعيفة الأسانيد.
والقصة الصحيحة، صحة الإسناد التي سأتلوها عليكم وصححها المحققون من المحدثين، عن عبد الله بن عمر عن أبيه عمر بن الخطاب يقول: "لما أردت الهجرة إلى المدينة، ابتعدت أنا وعياش بن أبي ربيعة وهشام بن العاص في التناضب"؛ والتناضب هي اسم منطقة من أراضي بني غفار فوق سرف. تحديد دقيق لمكان معين هاجروا منه.
إذاً من الثلاثة الذين تواعدوا على الهجرة سراً؟ عمر بن الخطاب، وعياش بن أبي ربيعة، وهشام بن العاص. توعدوا في نقطة معينة أن نلتقي فيها حتى ننطلق معاً إلى المدينة. وقلنا طبعاً ماذا اتفقوا؟ أي واحد لم يصب عندها فقد حُبس، فليمضِ صاحباها. اتفقنا الساعة الثانية عشرة الظهر نكون هناك، وأي واحد لم يكن موجوداً في الساعة الثانية عشرة الظهر سنعرف أن أهله حبسوه ولم يستطع أن يفلت، فسيملي أصحابه.
يقول عمر: فاصبحت أنا وعياش عند التناضب وحُبس هشام. من الذي استطاع أن يأتي في الموعد؟ عمر وعياش، وأما الثالث وهو هشام بن العاص فما استطاع أن يفلت من أهله. قال: «وفتن»، فافتتن؛ يعني قومه أوجعوه وأوثقوه على أن يترك الإسلام فافتتن، والبعض يقول افتتن يعني استجاب لهم ظاهراً، ويأتي معنا أنه هاجر لاحقاً، لكن افتتن يعني اضطر أن يجيب قومه على ما أرادوا وأظهر لهم من شدة الفتنة التي أوقعوه فيها من العذاب والضرب، أعطاهم ما يريدونه في الظاهر. قال عمر: فلما قدمنا المدينة، تخيل أين وصلوا؟ عمر وعياش بقيا يمشيان.
يمشون على راحلتهم حتى وصلوا المدينة على أوائلها، قال: فلما وصلنا المدينة نزلنا في ديار بني عمرو بن عوف في منطقة قباء. من الذي خرج؟ قال: فخرج أبو جهل والحارث بن هشام إلى عياش. تخيل هذين الرجلين مشوارًا كاملًا، وهي سياتي معنا، كيف أنه هناك من أهل الباطل من يخطط لكي لا تهاجر بقلبك إلى الله!
تخيل يا أبا جهل، أنت أبو جهل، ماذا عداك هذا المشوار كله من مكة للمدينة؟ تريد أن ترجع؟ الرجل مشوار كامل في وقت وثمن، ومستعد أبو جهل كان يبذل وقته وجهده وأيامًا من التعب، صعد على جمل من أجل أن يرجع هذا الرجل. إليه أهل الباطل، سيجلسون في طريقك، بل سيتعبون من أجل إفسادك، سيتعبون من أجل منعك ووضع العراقيل في طريقك. يجب أن تنتبه، فالهجرة تحتاج إلى إنسان غير متردد، وجامد، وصاحب همة وعزيمة.
وصل أبو جهل والحارث بن هشام إلى بني عمرو بن عوف، وكان عياش ابن عمهما وأخوهما لأمهما، جاء حتى قدم المدينة، وكان النبي ﷺ في مكة، يعني لم يكن قد هاجر بعد. فكلما صاروا يكلمونه، كأن الشيطان سيضخم له تضحيات الهجرة ليمنعه من أن يكملها. وأنت تحاول أن تهاجر بقلبك إلى الله، سياتيك شياطين الإنس والجن: «يا فلان، تريد أن تصلي؟»، «يا فلانة، تريدين أن تحجبي؟»، «بدك تبطلي تحضري أفلامًا ومسلسلات؟»، «بدك تجلسي معنا مثل ما كنا نجلس زمان؟».
يريدون أن يضخموا له أن الثمن الذي تدفعه لا يستحق، وأنك تضيع نفسك وعائلتك. فماذا قال له؟ قال له: «إن أمك يا عياش قد نذرت ألا يمس رأسها مشط حتى تعود إلى مكة»، «ولا تستظل من شمس حتى تراك». اشتغلوا على العاطفة، لكي لا يستظل من الشمس، لكي لا يقف في الشمس.
هنا كان خطأ سيدنا عياش، تردد شوي وصار يفكر: «أرجع لأمي؟». طب في تضحيات، طب أبو سلمة ضحى وما رجع، عشان تعرف الدنيا أحوال وقامات، أبو سلمة ضحى وما رجع، لم يخرج وراءه أحد. عياش صار يفكر، فمن الذي انتبه له؟ هو عمر، فقال له عمر: «إنه والله إن يريدك قومك إلا ليفتنوك عن دينك يا عياش». يضحكون عليك، هؤلاء شياطين يريدون إياك أن تبقى في حياتك الفاسدة، يريدون أن يفتنوك عن دينك فاحذرهم.
صار عمر يقنعه: «فوالله لو آذت أمك القمل لتنشطت»، يعني لو دخل القمل في شعرها ولو اشتد عليها حر مكة لاستظلت في النهاية، لكنهم يقولون هذا الكلام فقط ليلعبوا على العواطف. ودائمًا في الهجرة القلبية سيأتيك من يقول: «أبوك، أمك»، وتأتيك أفكار وخواطر بترققك وتحاول أن ترجعك للماضي، وتخاف من العائلة، فالعائلة عادةً تجبن وتبخل من أجلهم، والاسلام بني على التضحية. فعمر يقول له: «يا عياش، أوعك ترجع، إياك أن تعود على عقبيك بعد أن هاجرت».
لكن عياش صمم على بر أمه والذهاب معهما، قال: «لا يا عمر، أنا سأذهب بطيب خاطر أمي، أطمئنها ثم أرجع». هنا تظهر أهمية الرفيق الصالح، عمر دور الصالح، وأبو جهل دور الشيطان. فقال له عمر: «إن لي ناقة نجيبة ذلولًا، ما دمت أنت مقرر ومتشبثًا برأيك يا عياش، عندي ناقة ممتازة سأعطيك إياها، اركبها والزم ظهرها، فإن رأيت منهما شيئًا فانجُ عليها». عمر لم يكن مطمئنًا لهما وعارف أنهم يضحكون على عياش.
فخرج عليها فعلاً، قال عياش: «جزاك الله خيرًا»، وأعطاه إياها فخرج عليها معهما. فلما كان مع أبي جهل وصاحبه في بعض الطريق، قال له أبو جهل: «يا أخي، والله لقد استغلظت بعيري هذا، ألا تعقبني على ناقتك هذه؟»، أي ماذا رأيك نبدل؟ قال عياش: «بلى».
واضح أن الناس طاقات، عمر كان منتبهًا أن هذين ثعالب. عياش، الإنسان الطيب، ابن عمه وأخوه، يريدون إفشاله. فلما استويا، أرادوا عليه فأوثقاه رباطًا، مكروا به وخداعًا، ربطوه وحملوه على الناقة ثم دخلوا به مكة يضربان. قال: ﴿فَفَتَنَّاهُمَا فَتَنَةً ۖ فَظَنَّا أَنَّهُمْ سَيَصْلِحُونَ﴾ [الأعراف: 49]. فتنوه عن دينه فافتن، أي أظهر لهم الاستجابة ظاهريًا، أظهر أنه يوافقهم من شدة العذاب الذي لحق به، لكنه في الباطن كان مسلمًا رضي الله عنه.
لكن انظروا إلى الخطأ الذي نتعلم منه: في قرارات الهجرة لا مجال للعواطف ولا مجال للتردد. الهجرة تحتاج إلى قلب قوي إذا أردت أن تغير حالك وتصلح من شأنك، لأن القرارات المترددة لا تجدي؛ «بكرة إن شاء الله أبدأ أصلي»، «الأسبوع القادم أحضر الدورات»، هذا متردد، وأين سيهاجر بقلبه إلى الله؟ أنت لا تملك قرارًا حاسمًا، وبالتالي تفشل دومًا في الإصلاح لأنك لا تملك قرارًا صارمًا.
دعونا نرجع لعياش بن أبي ربيعة، قال عمر: «فكنّا نقول لا يقبل الله ممن افتتن توبة». فصحابة الآن بالنسبة لهم في الظاهر أن عياش والحارث اللذين افتتنا وتابعا كفار قريش لن يقبل الله منهما توبة، وكانوا يقولون ذلك.
﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنِيبُوا إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ﴾ [الزمر: 53-54].
قال عمر: «لما نزلت هذه الآية كتبتها في ورقة وأرسلت بها إلى هشام بن العاص، الذي هو أول من لم يخرج معهم أصلاً. فلما أتتني قال هشام: جعلت أقرأها بذي طوى، أصعد فيها وأصوب ولا أفهمها، حتى قلت: اللهم فهمنيا».
عمر كتب هذه الآية إلى هشام، فكان هشام يمسك بهذه الآية، يصعد ويصوب، يعني طالع نازل على الجبل في منطقة «ذي طوى» وهي على حدود مكة، يحاول أن يفهم: ما هي الرسالة المطلوبة مني في هذه الآية؟ عمر لماذا كتب لي هذه الآية؟ أريد أن أفهم كيف أسقط الآية على واقعي. فقال: «يا رب فهمني ما هي الرسالة المطلوبة مني»، فألقى الله في قلبه أنها إنما نزلت فينا أنا وعياش، وفيما كنا نقول في أنفسنا.
وكانوا يقولون ذلك لأنفسهم. عياش وهشام بن العاص لما رجعوا للحبس، وعياش اضطر أن يظهر الكفر، شعر بالسلبية من نفسه. انظر إلى لحظات الضعف النفسي، عياش وهشام بن العاص صاروا يقولوا لأنفسهم: «راحت علينا». وهذه مهمة سنرجع إليها، أن بعض الشباب يهاجر في منتصف الطريق ثم يرجع، فلما يرجع ولا يستطيع أن يهاجر بقلبه من المعاصي إلى الطاعات ينهار نفسيًا، فيصبح يقول: «أنا فاشل، أنا خلص ربنا كتب لي النار، أنا لن أذهب»، فيبدأ يشعر بالنفاق والإحباط.
هكذا كان هشام وعياش، كما جاء في الحديث، شعروا أنهم منافقون وأن الله لن يقبل منهم، خاصة أن عياش شعر بالخطأ، كيف رددت على أبي جهل؟ لماذا ضعفت؟ هذه فتنوني فاضطررت أن أوافق لهم، إذاً أنا غير صادق، أنا الغلطان، ولو لم أرجع لما فُتنت، أنا السبب. فكان يلوم نفسه. قال: «فألقى الله في قلبي أنها إنما نزلت فينا وفيما كنا نقول في أنفسنا إننا لن نفلح، فرجعت إلى بعيري فجلست عليها فلحقت برسول الله ﷺ إلى المدينة». رجعوا وقرروا قرار الهجرة، هشام وكذلك عياش أيضًا، وهاجروا مرة أخرى.
وهذه أيضاً من الأفكار التي ستأتي معنا؛ قضية المحاولة والتجربة مرة أخرى، وعدم الإصغاء لهمزات الشياطين. الآن ضمن هذه القصة التي قرأناها، وهي قصة مليئة بالعبر في موضوع الهجرة القلبية إلى الله، أول قضية كانت: أن الهجرة ليس فيها مجال للتردد، وأنه في اللحظة التي تتردد فيها ممكن تسقط. في اللحظة التي لن تكون فيها حاسمًا أمورك، الشيطان يجلس في الترددات ويقتنص.
يقول الشيطان: «هذا قلب هذا الشاب أو هذه الفتاة ما زال متعلقًا بالماضي، هو ينتقل إلى الحياة الجديدة بكامل الجدية، فدعني اقتنص هذا التردد، أضخم له التضحيات، أهول عليه، أحاول إقناعه أن هناك حلولاً أخرى، يا أخي ليس هناك داعٍ أن تترك المسلسلات والأفلام والشباب، يمكنك أن تصلي لك ركعتي قيام ليل وتحاول فعل بعض الأمور، ويمكن أن تتصدق أو تبني مسجدًا، وابقَ في المال الحرام وضلك كذا، وهذا المسجد والصدقات..»، كما لو قلت للفتاة: «أنتِ تعرفين لو قرأتِ القرآن وكذا، إن شاء الله ربنا يغفر لكِ أنكِ متبرجة أو تضعين زينة». فيبدأ الشيطان يضخ، كما فعل أبو جهل، يضخ ويهول الأمور.
لذلك في حديث عظيم عن النبي ﷺ رواه ابن مسعود يقول: «إن الشيطان قد أينع في صدر ابن آدم، وقعد له في كل طريق». الشيطان قاعد لك على كل طريق خير تريد أن تسلكه. قعد له أولاً بطريق الإسلام، فقال له: «تسلم وتذر دينك ودين آبائك وآباء أبيك»، فعصاه فأسلم. إن استطعت أن تتجاوز هذه الخطوة مع الشيطان، ثم قعد له بطريق الهجرة.
لما تقرر أن تهاجر إلى الله، الشيطان لن يتركك، وأكبر شيء يخيفه هي الهجرات القلبية قبل الهجرة الحسية. الشيطان يخاف أن تصبح شابًا ملتزمًا، يخاف أن تترك عاداتك السيئة والخواطر الرديئة والعلاقات المحرمة والكسل والملل، وتصبح إنسانًا محترمًا تحضر مجالس العلم والخير وتحفظ القرآن وتدبره، وتصبح إنسانًا سويًا ومعطاءً؛ هو الشيطان يخاف من هذا.
قاعد له بطريق الهجرة، ماذا سيقول لك الشيطان؟ «تهاجر وتذر أرضك وسمائك؟». انظر إلى العبارة: «وإنما مثل المهاجر كمثل الفرس في الطول»، ما معنى هذا الكلام؟ الطول هو الحبل المرخى، عندما قالها طرف بن العبد، الطول هو الحبل. الشيطان يقول لك عندما تريد أن تترك بيئة الناس الفاسدين الذين كنت تعيش معهم لفترة طويلة، سواء بيئة عمل أو عائلة، يقول لك: «إلى أين ستذهب؟ ستذهب عند ناس غرب؟».
الشيطان يحاول أن يصور لك أن الإنسان الذي يكون في بيئة جديدة غريب، فيقول: «كمثل الفرس في الطول»، مثل الفرس المربوط لا يعرف أين يذهب. عندما تغترب تذهب إلى بلد آخر أو مكان عمل آخر أو بيئة أخرى وتترك أصحابك أو بيئتك العائلية، ستكون مثل الفرس المربوط في مكان لا تعرف فيه أحدًا.
أعرف بعض الشباب عندما يدخلون دروسنا، يكون مستحيًا، ربما كان في الماضي لديه معاصٍ وذنوب وحابب يصبح شابًا صالحًا، فيدخل ويرى لحى ومشايخ، فيقول له الشيطان: «هذا المكان ليس لك، أنت قبل أيام كنت في مقهى، كنت مع شباب وصبايا في الجامعة، والآن تريد أن تجلس مع هؤلاء الناس الذين لا تعرفهم ولا يعرفونك، ربما لا ينسجمون معك». يحاول الشيطان أن يريك أن البيئة الجديدة التي ستهاجر إليها بقلبك هي بيئة غريبة، بيئة لن تصعد فيها، كالفرس المربوط لا يستطيع فعل شيء، فقل له: «خليك مع أصحابك ومع بيئة العمل والبيئة التي ألفوك لتعيش فيها».
وكذا وكذا، وزي ما قلنا لك، اعمل لك كم صدقة، اعمل لك كم مشروع خيري، يا أخي شارك لك، أطعم يتيمًا وخلاص وعيش حياتك. ليش تعيش أجنبي في بيئة؟ وكان الإنسان إذا انتقل إلى بيئات الصلاح وإلى الأماكن المطمئنة السوية كأنه سيفسد! معقول أهل الخير والصلاح يلقونك ومعقول سيتجهمون في وجهك؟ لكن هكذا الشيطان يصور لك البيئات النافعة حتى لا تأتيها، حتى لا تهاجر بقلبك إليها.
فهكذا النبي عليه الصلاة والسلام يخبرنا؛ إذاً الشيطان يجلس في طريق الهجرة، سواء الهجرة القلبية أو الهجرة الحسية، ويضخم لك الثمن الذي ستدفعه والتضحيات التي ستبذلها، فتبقى مترددًا: أقدم ما أقدم، أترك العمل اليوم، طيب في مساحة معي، خليني شيخ أقعد لآخر الشهر؟ وأنا عندي كثير من المشاورات مع الشباب وكثير من الإخوة والأخوات الذين دائمًا يشعرون في ذهنهم أن هذا ما سيتزبط معه الهجرة القلبية لأنه ليس جادًا وعم يحاول يسوف ويؤخر القرار ويجد مخرجًا. ما تتزبط الهجرة القلبية؛ بطبيعتها هجرة حاسمة لا مجال فيها للتردد.
النقطة الخامسة، وهذه أيضًا من فوائد قصة عياش بن أبي ربيعة وهشام بن العاص: إذا فشلت في الهجرة حاول مرة أخرى، واحذر أن الشيطان سيجعلك تجلد نفسك ويريك أنك فاشل وغير صادق. هذا الذي صار مع سيدنا هشام وعياش في البداية، أنهم شعروا أنهم فشلوا في الهجرة الأولى ولم يكونوا على قدر الاستعداد والعزيمة التامة، وهذا الفشل جعلهم يشعرون بالإحباط. وليس فقط هم، بل عرفوا أن الصحابة في المدينة يتحدثون عنهم أنهم كفار ومنافقون. الإحباط جاء من الداخل ومن الخارج.
تخيل أنك حاولت تصير شابًا ملتزمًا، أو أنك حاولت تصيري شابة جيدة تمامًا وتلبس اللباس الشرعي وأقدمت إلى الهجرة إلى الله بقلبك، في ثنايا الطريق ضعفت، تعبت، لهثت، فشلت فعدت؛ ماذا ستكون نظرتك إلى نفسك؟ أو كيف سيجعلك الشيطان تنظر إلى نفسك؟ إنك فاشل، أنت أصلاً واضح أن ربنا ليس كاتبًا لك التوفيق! هكذا سيقنعك الشيطان، سيشعرك بالفشل والإحباط، فما بالك أن يزيد الطين بلة؟ تشعر أن الناس حولك يتكلمون: «شوفوا هذه البنت التي لبست الحجاب ثم خلعته، واضح أنها من البداية غير صادقة»، أو «واضح أنها غير جادة، واضح أنها منافقة»، أو أنت كشاب حاولت تلتزم وكذا وكذا وصرت، ماذا الناس تحكي عنه؟ «شاف خير، حاول صلى يومين ثلاثة أربعة، بعدين راح، ليس جادًا».
لما تصلك هذه الإشارات السلبية من داخلك ومن خارجك تصاب بقمة الإحباط، وهنا الشيطان يصيدك؛ أنت محبط، فالشيطان يحاول إقناعك: لماذا تحاول مرة ثانية وتفشل وبعدين الناس؟ حاول مرة ثانية وفشل مرة ثانية، مش قلنا لكم؟ فبتصير أنت تخاف أكثر وأكثر أن تتخذ قرار الهجرة مرة أخرى لأنك تشعر إذا اتخذته مرة ثانية وفشلت سأسيء نظرتي لنفسي أكثر وأكثر، وسأثبت أني فاشل والناس ستتأكد أني فاشل. فإنت قد يقنعك الشيطان: أغلق هذا الباب وخلص، عيش مع هؤلاء الناس واسأل الله الستر.
وهذا خطأ؛ ولذلك هشام بن العاص وعياش بن أبي ربيعة صحيح شعروا بالسلبية ابتداءً، لكن لما سمعوا القرآن: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ﴾، ربنا ينهاك عن السلبية بهذه الآية. لذلك هي أرجى آية في كتاب الله، يعني أعظم آية تفتح الرجاء كما قال الصحابة، هي هذه الآية: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ﴾، لا تقنطوا من رحمة الله، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾.
الله سبحانه وتعالى يستدعيك، يقول لك لو فشلت استمر؛ هذه رسالة الله لك. لو فشلت في قرار الهجرة القلبية مرة ومرتين وثلاث، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ﴾، حاول وانهض وإذا تعثرت حاول من جديد، لكن خذ بالإجراءات التي حكيناها قبل قليل؛ لا تكون هجرة عفوية، لا، هجرة مخطط لها ومدروسة. لكن لو فشلت، إياك أن تقلع عن الباب، ادم طرق الباب وحاول وانهض، واعلم أن الله ينتظرك سبحانه وتعالى.
وهذا الذي كان سببًا في نجاح هشام أنه صاحبه عمر بن الخطاب يذكره بالقرآن، وهي نصيحة لكم: إذا شفت صاحبك حاول يلتزم وما التزم، أو أخت حاولت تهتدي وما اهتدت، ذكريها بالقرآن، أعطها آية قرآنية لعلها تنهض همتها من جديد. وهذا الذي أنهض همة هشام؛ آية قرآنية جعلته يفكر مرة أخرى، لذلك لن ينهضك في العادة إلا القرآن، يعني دائمًا القرآن يبعث الهمم لأنك تستشعر أنه ليس كلام بشر، بل هو خطاب من رب البشر لي، لي أنا؛ من أريد أن أهاجر إليه هو الذي أرسل لي هذه الآية لي ويقول لي: إذا لم تصل إليّ في هذه المرة، حاول مرة أخرى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ﴾.
لا تقنطوا، ممنوع اليأس في طريق الهجرات، ممنوع أن تصاب بالإحباط. لو فشلت مرة ومرتين وثلاث استمر مئة واثنين ومئتين وثلاثمئة، المهم أن يراك الله مهاجرًا: ﴿وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً﴾، ومن يخرج من بيته مهاجرًا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله، حتى لو لم تكتمل هجرتك إلى الله. يكفيك أن يراك الله محاولًا للهجرة. هؤلاء بعض الصحابة خرجوا مهاجرين إلى الله ورسوله فماتوا في الطريق، كتب لهم الله أجر المهاجرين.
يكفي أن يراك الله تحاول، لعله يكون لك عذر عند الله أنه: يا رب هي المعصية أسرتني وأنا ما زلت أحاول وأحاول، وبوقع وأرجع أحاول وبوقع بس رح أظل أحاول. إذا رآك الله محاولًا للهجرة فقد وقع أجره على الله. لذلك الرجل الذي قتل مئة نفس، مش نصحوه أن يذهب إلى دار الصلاح ويحاول الهجرة ويبدأ في خطواتها لكنه مات في الطريق؟ الله ساعده من فوق سبع سماوات، كان في بعض الروايات تقول: كان أقرب إلى دار المعصية منه إلى دار الطاعة، فقال الله لدار المعصية ابتعدي ولدار الطاعة اقتربي، فقاسوا الطريق فوجدوه أقرب إلى ملائكة الرحمة، فخبطته ملائكة الرحمة. غير الله تضاريس الأرض من أجل هذه المحاولة، سبحانه رحيم، رحمته سبقت غضبه: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾. لكن اجعل الله يراك محاولًا، هذا ما أقوله دائمًا؛ كن محاولًا مبادرًا حتى لو فشلت استمر، فإن الله سبحانه وتعالى يقيل عثرتك.
أيضًا من الأفكار الجميلة في هذه القصة، في قصة عياش وفي قصة أبي بكر مع النبي عليه الصلاة والسلام، وهي الأعظم: قضية الرفقة في الهجرة. أي عمر بن الخطاب لماذا أراد أن يهاجر مع أصحاب؟ حتى يكون عونًا له ويكون هو عونًا لهم، صحيح، يكون لهم عونًا ويكون هو عونًا لهم، كذلك أبو بكر والنبي عليه الصلاة والسلام مع أن...
النبي ﷺ، جبريل ينزل من السماء من أجله، لكن مع ذلك أخذ الأمور الحسية أنه يحتاج إلى رفيق معاون، وهكذا.
إخواني، الهجرة القلبية؛ حاول إذا أردت أن تهاجر إلى الله أن ترى شابًا مبتلى بمعصية، فتتعاون أنت وهو على ترك المعصية؛ لأنه لما تشعر أنك لست وحدك واقعًا في فخ المعصية، وتقول: "والله أنا أعرف صديقي واقعًا في نفس المأزق، أقول يا فلان تعال، ما رأيك أنا وإياك نترك هذه المعصية؟ وإذا أنا ضعفت أنت تقويني، وإذا أنا ضعفت تقويني"، هذه مهمة تساعدك جدًا وتشجعك على الأقل في هذا الطريق.
كما قلنا، طريق الهجرة فيه تضحيات؛ أنا أريد أن أترك ذكريات الماضي، فيكون معي واحد يفهمني وأفهمه، لأننا نعاني من نفس الألم ومن نفس الماضي. أختي، إذا كنتِ تلبسين جلبابًا أو شيئًا، حاولي أن تصاحبي أختًا معك في هذه الرحلة، لا تحاولي تخوضيها وحدك، خذي أحدًا معك تشدون بعضكم وتقوون بعضكم البعض. لذلك دائمًا الإسلام يحبذ: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الكهف: 28].
اعمل علاقة صحيحة، علاقة ناضجة لأنها تعينك: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾. أن تقول: "يا فلان، ما رأيك أن نكون أنا وإياك على درب الاستقامة؟"، ولما نتفق نصبح ممن تواصوا بالصبر، أنا أصبرك وأنت تصبرني، ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ﴾. نحن نحتاج لبعضنا في طريق الهجرة إلى الله، لا تأخذ طريق الهجرة وحدك، خذ رفقاء الطريق معك؛ لأن هذا أكبر داعم نفسي يساعدك إلى أن ترتقي في علاقتك مع الله سبحانه وتعالى، أفضل من أن تكون في طريق موحش ترى فيه نفسك وحدك.
وهذه الفكرة السادسة: خالد بن الوليد وعمرو بن العاص، ثم عثمان بن أبي طلحة لحقهم الثالث، وقال: "وين بدك أنت؟ وين ما بدك يلا بدنا نهاجر"، قال: "نترافق مع بعضنا البعض". سبحان الله، رفقاء الهجرة هؤلاء لا تنساهُم، إذا نجحت هجرتكم مع بعض تظل ذكريات لا تنسى.
وهنا جاءت في ديني فكرة من أفكار الهجرة النبوية؛ أيضًا بعض الصحابة كانوا مستضعفين، غير قادرين أصلًا على الهجرة، فكان يعينهم الصحابة الأقوياء. كان هناك صحابي مشهور أنه هو الذي يحمل المستضعفين من مكة ويشيلهم إلى المدينة، من هو؟ مرثد بن أبي مرثد. مرثد بن أبي مرثد رجل المهمات الخاصة، رجل من الصحابة الأقوياء، كانت شغلته الشاغلة أن يرى من في الصحابة بمكة يحب أن يهاجر ولكنه ضعيف، بمعنى غير قادر ولا يملك الإمكانيات، فينزل على مكة سرًا ليلًا، يتسلل، يحمله على ظهره، يحمل عناقته ويساعده.
ما أعظمهم هؤلاء الذين يرون إخوانهم مكبلين في الذنوب والمعاصي، فيتسللون إلى حياتهم وإلى واقعهم وإلى أفكارهم، ويحاولون إقناعهم وحملهم إلى دار السعادة. هؤلاء من أعظم الناس حقيقة؛ أن تعرف فلانًا فيه خير ولكنه ضعيف غير قادر على اتخاذ قرار الهجرة إلى الله. نعم، هناك ناس لا تملك العزيمة، فليس كل الناس يملكون الهمة والإرادة، الضعيف يحتاج لمن يشيله، لمن يأخذ بيده.
فأنت أيها الداعي أو المصلح أو الشاب الذي فيه خير، لما ترى واحدًا ضعيفًا غير قادر على اتخاذ القرار، اشمله، قل له: "يا فلان، تعال، أين أنت عن دروس الخير والصلاح؟ يا فلان، تعال، أين أنت عن صلاة الفجر؟"، تذهب لتوقظه وتأخذه معك بالسيارة. إذا رأيته -مثلاً- يعيش في الإدمان والأفلام والقصص، تهتم بأمره وتقول: "تعال، والله هناك درس عنه، والله هناك نشاط رياضي مع شباب ملتزمين ومحافظين، تعال أنا وإياك نروح". تحاول أن تقويه، تشحنه، تذيب ما يمكن أن يكون الشيطان قد هواه عليه في طريق الهجرة، واستعظم ذلك. ومع وجود هذا الرجل القوي، ينهض الضعاف إن شاء الله.
لذلك، لماذا عادة المجتمعات عندما يغيب عنها الشيوخ والمصلحون تضعف وتنهار؟ مثل مجتمعاتنا المعاصرة؛ لأن الشيوخ والمصلحين والدعاة هم الأقوى عادة، ليس بالضرورة أن يكونوا عاديين، لكن في التاريخ كانوا هم الأقوى، وبالتالي الناس تأخذ طاقتها منهم. الناس ضعيفة وهشة في هجرتها القلبية إلى الله ورسوله، والذين يقويهم هم أهل الخير والصلاح، يشيلونهم. فإذا غاب أهل الخير والصلاح سقطت الناس وعادت إلى ماضيها.
لذلك اليوم، كثير من الدول إذا أرادت أن تصنع حالة من الفساد فيها، ماذا تفعل؟ تسجن أهل الخير والصلاح. القضية واضحة: غيبوا أهل الخير والصلاح خلف القضبان، واسرحوا وامرحوا يا أهل الباطل. الناس ستتذكر المشايخ شهرًا أو شهرين أو سنة أو سنتين، تدعوهم في الصلاة، ثم تأسرهم، فتبدأ الناس بالانهيار لكثرة ما ترى من المعاصي والذنوب التي يمارسها الضعيف والقوي.
ولذلك ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: 11]. العلماء ورثة؛ لأن الأنبياء هم الذين حملوا الصحابة، والعلماء وظيفتهم أن يحملوا ضعف الناس، ويكونوا صمام أمان للناس وللمجتمعات، الناس تقوى بهم وتسير بخطاهم، فإذا غابوا غاب الناس، وإذا حضروا حضر الناس. هذه قضية مهمة جدًا نفهمها؛ أن بعض الناس ضعيف يبحث عمن يأخذ بيده، فكن أنت ذاك المساعد.
سابعًا: نذكرنا ذكرنا ستة، الآن سابعًا: احذر من الانتكاسات بعد الهجرة. يقول سبحانه وتعالى في سورة النساء: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ * وَاللَّهُ أَرْكَسَهُم بِمَا كَسَبُوا﴾ [النساء: 68-69]. ذكر ابن جرير في هذه الآية مجموعة من التفاسير، التفسير الثاني الذي ذكره فيها أنها نزلت في مجموعة ممن هاجروا من مكة إلى المدينة؛ تخيل رجلًا وصل، لكنه عاد فتذكر الدنيا فرجع.
ممكن أنا يا شيخ أهاجر بقلبي إلى الله، وأصل وأسير مع أهل الخير والصلاح، وبعد ذلك... فإنت تحتاج أن تسأل الله الثبات: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾. ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ * وَاللَّهُ أَرْكَسَهُم بِمَا كَسَبُوا﴾ أي ردهم على أعقابهم بما كسبوا، بما فعلوه. أنت هاجرت ووصلت المدينة من أجل دنيا وأموال تذكرتها في مكة، فقررت أن تنهي هذه الهجرة وتعود.
ليس كل الناس تقدر أن تصبر على نتائج الطريق؛ تخيل أن هناك إنسانًا تحمل الهجرة وعناءها، ولما وصل إلى النتيجة رآها ليست هي التي في الطريق، ليس في بدايتها، أي أنه لم يتردد في البداية، بل في منتصف الطريق، بل وصل، ولما وصل رأى أنه فقد شيئًا من الدنيا فالتفت وراءه فعاد. لم يجبر أحد على العودة، لذلك كانوا منافقين.
رأى بيئة الصلاح تركها وغادر من أجل أموالهم، جاء في الروايات أن أصحابهم اختلفوا فيهم: هؤلاء منافقون ولا مسلمون ضعاف الإيمان؟ فالله قال: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ [الحديد: 14]، ليش مختلفين فيهم؟ هذا منافق، وهذا الذي يصل إلى الهجرة بأمان ولا يوجد أي ضاغط عليه، أسري أو عائلي، ثم يلتفت ويغادر ويعود أدراجه؛ هذا شكل من أشكال النفاق.
الآن ممكن يصوب أوضاعه بعدين، هو ماشي قد يكون نافق وممكن يصوب أوضاعه، لكن اللي معرسه نفاق لأنه قدم الدنيا على الآخرة. الله عز وجل يعذرك إذا كنت مكرهاً، يعذرك إذا أنت ما كنت تتوقع الأمور بهذه الطريقة، لكن أن ترى الأمور وقد وصلت إلى نهايتها، ووصلت إلى الهجرة إلى الله ورسوله ثم تغادر بكامل إرادتك وقواك، معناتها أنت لست صادقاً؛ هذا نفاق، أنت محب للدنيا مقدم لها على رضوان الله سبحانه وتعالى.
بالتالي احذر من الانتكاسات بعد الوصول؛ لذلك حتى عياش بن أبي ربيعة -طبعاً هو ليس منافقاً فيما ذكرت الروايات- لكن الفكرة أنه أيضاً وصل، لأن الفكرة أن عياش لما رجع، أبو جهل ما رجعوه من نص الطريق بعد ما وصل، في ناس رح تحاول ترجعك وأنت ممكن ترجع بنفسك. فكذلك الهجرة القلبية، ممكن أنت تختار أن تصير ملتزماً وتصير كثير في بعضهم، والله ممكن يصير داعية، وبعضهم صاروا أشياء أكثر من أنه مش مجرد ترك الحياة الكئيبة والسيئة، لا، صار متقدماً وصار الناس تقبل الرؤوس والأيادي، ثم والعياذ بالله، نسأل الله الثبات، انتكس على عقبيه وأصبح مع أهل الباطل يكون في فلكهم ومعهم.
الثبات بيد الله بعد الهجرة، لا تظن أنك بمجرد أن تهاجر فقد أمنت، عليك أن تسأل الله الثبات: «يا مقلب القلوب، الله يقلب قلبك»، فتكون في هجرة فتنتكس إلى واقعك. لا تظن أنها من وإلى وانتهى، لا، هي ممكن تصير من وإلى، فننتبه إلى ضرورة الثبات والسؤال والالتجاء والأخذ بعوامل الثبات؛ لأن القضية متعبة. وتخيل أناساً في زمن الهجرة هذا هاجروا ووصلوا ثم عادوا وانتكسوا، فكذلك هجرات القلوب يمكن أن يكون فيها انتكاسات. لا تهجر قرآنك، لا تهجر أذكارك، هذه مثبتات لك، والله مثبتات، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يعيننا على الثبات والديمومة على الخير.
ثامناً، قربنا ننتهي يا شباب، الهجرة ليست استعراضاً. أنا أعجبني هنا ما بعرف الفكرة التي خطرت في ذهني، بنظر كيف كان الصحابة يهاجرون؟ الصحابة إخواني كانوا يهاجرون سراً، حتى محمد ﷺ هاجر سراً. ليش النبي عليه الصلاة والسلام هاجر سراً؟ ليش ما وقف قدام قريش بكل هذا: هيني أنا مهاجر وهي جبريل من السماء؟ حتى النبي عليه الصلاة والسلام أراد أن يكون قدوة للأمة في أن الهجرات تأخذ فيها الأسباب وتؤخذ فيها المعينات؛ «استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان».
فالنبي ﷺ هاجر سراً، وعمر بن الخطاب هاجر سراً كما قرأت لكم، عمر ما هاجر علناً، وهذه جميلة تفهمها؛ «هجرتي علناً» حديث ضعيف، وهذا حديث صحيح الإسناد. فقضية أن عمر هاجر علناً بقدر ما نحبه بقدر أنه لا يملك رصيداً كافياً من الصحة حتى نبني عليه معلومة، ولذلك أقول لا أعلم ولا أقول لا يوجد حتى أكون دقيقاً. قصة مشهورة أن أحد الصحابة هاجر علناً، وقف قدام كفار قريش: هيني مهاجر واللي بده يلحق يلحق، لا أعلم قصة صحيحة في ذلك.
الكل حاول أن يهاجر سراً، ليس ضعفاً في أنفسهم، لكن المهم أنا ماشي، ما استعرضت وحاولت، المهم أوصل، ما فائدة أني استعرضت وقتلوني؟ هذه وين ممكن نستفيد منها في الهجرة القلبية؟ في فكرة تتكرر في واقعنا المعاصر في هذا الموضوع، بسم الله: الاستعراض في التوبة.
اليوم ممكن يكون مغنٍ قرر يتوب، أو امرأة قررت تنعدل في أخلاقها، ومشهورة خاصة هؤلاء مشهورين السوشال ميديا، فبعد ما يكون مغنٍ قرر يتوب أو مشهور على السوشال بقرر يتوب، يفزع الدنيا في توبته: «أنا الحمد لله قررت أني أتوب وأني أصير كذا منيح»، وبصير يعمل لي ستوري عن توبته وستوري عن كذا وستوري عن كذا، وبصير مشهور في استعراض التوبة، وهذا خطر. خذ هذه، التوبة بينك وبين الله.
الآن طبعاً فرق بين قضيتين؛ بين واحد بده يعلن أن يا جماعة أنا الماضي مش راجع له وأرجو أنكم مثلاً أغانيه أو كذا تتركوا لي إياها، هذا مطلوب لأنه يريد أن يمنع الناس من الاستمرار، لا أنا بتكلم عن غير ذلك. حتى بعض الناس لما يحاول أن يهاجر إلى الله ورسوله كأنه بده يحمل الأمة همّه، وبده يستعرض استعراضات كبيرة، هذه الاستعراضات ترى هل تعرف ممكن تضغط عليك؟ وحصل هذا مع بعض المغنيين؛ صار الموضوع أنه هو مغنٍ تاب، تعال جيبوا لنا إياه، ويستضاف على القنوات والفضائيات، وصار عليه بالتالي لما صار رمزاً صار يضغط عليه من جهات رسمية ومن دول، يا بتترك هذا اللي أنت فيه يا بتخسر كذا وكذا، ويكون لسه هو توبته هشة، جديد تاب، فمع كثرة الضغط وكثرة الإرهاق وإيمانه مش قوي جداً بينهار ويضعف فيعود منتكساً، وهناك كثير من الشواهد لا أذكر أسماءها لأني لا أحب ذكر الأسماء، سببها الاستعراضات.
التوبة إخواني ليست استعراضاً، واترككم من الاستعراض بالتائبين؛ يعني أنا بعرف نفسية الناس التي تحب أن التائب هذا بدي أتصور معه سلفي، وهذا التائب بدي أعمل معه... يا أخي هذا إنسان يريد أن يعود إلى ربه، يستر على خطيئته ويرجو من الله العفو، ما يصير مشهور لأنه تاب. التوبة لا تصنع شهرة، التوبة هي بحث عن الستر وبحث عن الإقبال والإخبات على الله عز وجل. فتقول يا رب ثبت هؤلاء التائبين.
وأنت كإنسان كان عندك معاصي وتبت، لا تجلس -خاصة إذا كان لك جمهورك أو أتباعك أو شيء- لا تحاول تستعرض، الصحابة وهم بيهاجروا ما كانت القضية استعراضية، كانت القضية سرية لأن المهم أن نصل إلى الله بأمان ونرتقي. فأنت هدفك في توبتك وإصلاح نفسك هو الستر، بتلاقيه؛ تاب إلى الله ممتاز، أخت تابت إلى الله اليوم الثاني في مكة، اليوم الثاني سلفي: هيني أنا عم بدعي لكم عند الكعبة والامور طيبة وتبت إلى الله وصرت إنسان... اعمل يا...
أنت تبت إلى الله أو أنت تبت إلى الله، هذا بينك وبين الله، مش أن أشفك سلفي عند الكعبة، وسلفي وأنت رافع يديك بتدعو، وسلفي وأنت بتقرأ قرآن، وسلفي. كذا هذا ما أسميه أنا استعراض الهجرات، وهذا لا يصلح. والله سبحانه وتعالى، يعني أنت ترائي حتى في هجرتك! طب أنت تريد ستر الله عليك وماضيك الأسود الذي كنت فيه، ترائي حتى في هجرتك؟
إذاً الهجرات القلبية ليست مكاناً للاستعراض، بل هي مكان للستر، و"يا رب أنا بدي أعيش أصلح، أبني حياة جديدة". إذا صار عالماً أو صار إنساناً مفكراً، صار إنساناً جيداً له فعلاً أثر دعوي إصلاحي، هنا انقلبت القضية؛ صرنا أنت تحتاج تقصده، أما هو الآن أنا لست محتاجاً أن أقصد، هو محتاج أن يستر على نفسه. أنا لست محتاجاً أن أقصد، ماذا سأفعل به؟ أنا مسرور بتوبته وفرحت لها، لكنه لا يقصد، هو يحتاج أن يستر على نفسه ويسأل الله العافية ويقبل على الله.
أعينوهم على الإخلاص ولا تعينوهم على الرياء، وهذا دورنا نحن كمجتمع أن نفهم. هي القضية ليست كل واحد تائب أريد أن أجعله مشهوراً، هو يحتاج إلى أن يستر على خطيئته وليس أن يُعان على الرياء في هذه اللحظات.
لذلك في آية ممكن تناسب هنا قضية الهجرة ليست استعراضاً: ﴿وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا﴾ [المزمل: 10]. ربنا أمر بالهجر الجميل دائماً، ومعنى كلمة الهجر الجميل تحتمل عدة مساحات؛ هجر هادئ، ليس مناكفة. الهجر دائماً ليس استعراضاً، ليس بمعنى إظهار النفس، وإنما الهجر الجميل الذي تكون فيه النتائج الجميلة تحصل، وتصل إلى الله سبحانه وتعالى بكل خير.
حتى بعض الناس لما يهاجر بصير يفتعل المشاكل مع الناس الذين هاجر منهم، بصير يقول لك: "أنا هاجرت وهؤلاء الذين كنت أعمل معهم فاسدون، وهؤلاء كذا وهؤلاء كذا". أنت هاجرت، ماشي، ربنا قال للنبي عليه الصلاة والسلام: ﴿وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا﴾. حتى البيئة الفاسدة التي كنت فيها، ممكن تكون بيئة عائلية، ممكن تكون بيئة عمل، ممكن تكون مجموعة أصحاب؛ لما تهاجر وتترك لله لا تفضحهم، يعني لا تشهر بهم، ممكن يكونوا على معصية، استمروا على معاصيهم لكنهم مستورون. يا أخي سَلِّمه الهداية، ما تصير تحاول تناكف وتعمل مشاكل معهم وتخلق أموراً.
بعض الشباب يريد أن يجعل الهجرة وصلاح النفس موضوعاً وحديث العام وحديث الناس، أنه فلان تركهم وهاوشهم وعمل معهم وضربهم وضربوه، واعتقلهم واعتقلوه. هذه كلها، أنا أعتقد، جانب من الاستعراضات التي لا تعطيني مؤشراً جيداً عن طبيعة هذا الشخص. الهجرة ابدأها بهدوء حتى تصل بهدوء.
تاسعاً: الهجرة لا تعني أنها ستفتح الدنيا عليك. بعض الناس يقول: "أنا يا شيخ بدي أترك الحرام بدي أصير ملتزماً، وإن شاء الله بمجرد ما ألتزم ربنا رح يفتحها عليّ ويصير معي رصيد بنكي عالي والدنيا..." هو حاط في ذهنه أن الهجرة ماذا تعني؟ تعني أنها ستفتح الدنيا عليه بالورود، وسيتوسع رزقه وسيجد المال والثراء والحياة. يقول لك: "مش أنتم تحكون يا مشايخ أن الهجرة في الحياة طيبة، بعدها وين؟ فحيني نوعية طيبة؟". فهو واضح في ذهنه أني بمجرد أن أهاجر بقلبي إلى الله مباشرة رح تفتح الدنيا.
طيب، يهاجر بقلبه إلى الله، فينصدم ببلاء! ينصدم بدخول السجن، ينصدم في شغل، ينصدم في أشياء كثيرة، فيقول: "هذه الهجرة التي حكيتوا لنا عنها؟ هذه الحياة طيبة؟ لا، أنا ما بدي الهجرة، أعود أدراجي". لا! إذا أنت مسكين، هنا أتذكر في هجرة الصحابة أن ثمانين من أهل الصفة كانوا صحابة في المدينة، كانوا في مكة فقراء المهاجرين، لهم بيوتهم وحياتهم لكن اضطروا أن يهاجروا فتركوا كل شيء وراء ظهورهم. لما وصلوا المدينة لم يجدوا موئلاً ولم يجدوا رفيقاً، فبقوا اسمهم "أصحاب الصفة"، يجلسون في آخر المسجد النبوي، فقراء النبي عليه الصلاة والسلام، حاول يودي لهم طعام وشراب، يعيشون في المسجد النبوي على لحم بطونهم.
هل قرروا كما قرر المنافقون العودة إلى مكة؟ في اثنين من الناس وصلت المدينة وقالت: "هذه وضعها المادي متعب، ما فيها اقتصاد، خليني أرجع لمكة أحسن لي". هذا زي واحد يترك أمريكا يجي على الأردن، تقول له: "يا شيخ أنا هاجرت إلى الله ورسوله"، يصل الأردن في الشغل يقول لك: "لا يا عمي الله يرضى عنكم، أنا صار لي خمس سنين بدور على شغل في الأردن، أنا برجع على أمريكا وللبيت رب يحميه، بدبر حالي هناك". أنا تمام، مش كل الناس قد حالها.
فلا، لا بد أن تنتبه، هناك كثير من الصحابة الذين هاجروا إلى المدينة بقوا -فيما يُروى- إلى السنة السادسة والسابعة مع أهل الصفة، لما فتحت خيبر وتحسنت الأمور انتهت، لكن بقوا إلى حوالي ست سنوات وهم يجلسون. وطبعاً كما قال الشاطبي كانوا يتعاقبون، يعني في واحد كان وضعه يتحسن فيستقل، ويجي واحد ثاني مكانه وهكذا؛ لأنه ليس فقط الهجرة كانت من مكة، بل في بعض الناس كانت تهاجر من دوس ومن غفار ومن مناطق عديدة إلى المدينة.
المهم، ليس كل مكان، بل هو مستعد يتحمل الثمن. بدك تهاجر عليك أن تفهم أن الحياة الطيبة لا تعني الثراء المالي، تعني السكينة والطمأنينة والرضا عن الله. ولأن المال هو أكثر ما يخيف في موضوع الهجرة القلبية والحسية، قال الله سبحانه وتعالى في سورة العنكبوت: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾ [العنكبوت: 56]. هاجروا، ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ۖ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [العنكبوت: 57]. لما تهاجر لا تخاف من الموت، ثم إلينا ترجعون.
ولما كان أكبر هاجس هو المال، قال في نفسه: ماذا؟ ﴿وَكَأَيِّن مِّن دَابَّةٍ لَّا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [العنكبوت: 60]. يعني أنتم لماذا خائفون من الهجرة؟ خائفون أنه لن تجدوا مالاً في المدينة؟ ﴿وَكَأَيِّن مِّن دَابَّةٍ﴾، يعني وكم من دابة على الأرض، لا أنتم ترزقونها ولا أحد يرزقها، الله يرزقها وإياكم. لا تخف على رزقك، المهم أن تخاف على توحيدك، المهم أن تخاف أن تلقى الله مشركاً أو كافراً أو معانداً أو محارباً لله ورسوله، أما الرزق فالله تكفل به.
فالطير تغدو خماصاً وتعود بطاناً؛ الطير من الذي يرزقها؟ تخرج في الصباح تعود شبعانة في المساء، في طير -شوف- نادر ما تشوف هيك طير ماشي مدروب بالجوع، صح؟ الله يرزقها إلى أن تأتي منيتها، لذلك قال: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾، فلا تخاف من الموت ولا تخاف من الرزق.
كل شيء مكتوب، وهذا ما نقوله دوماً في الهجرة القلبية؛ إذا تركت بيئة عمل، وبعد ذلك لم تجد عملاً، فلا تقل: "خليني أرجع للحرام حتى تتيسر"، بل اثبت. ما هو المرجع؟ أقول: في ألم وفي تضحية. فهذا دائماً ما أقوله لكل من يريد أن يهاجر بقلبه.
وأقول قبل ذلك لنفسي: أي هجرة قلبية لا تعني الانفتاح الدنيوي، وإنما تعني الانفتاح القلبي، أما الدنيا فالله يرزقك ويعطيك ويريد أن يرى صبرك. هو ما وعدك في الدنيا بجنات الخلد، وعدك في جنات الخلد في الآخرة. أما الدنيا، فتنتظر وتصبر وتحتسب؛ لأن الهجرات المبنية على انتظار الثراء هجرات مهزوزة، مخوفة، في أي لحظة ينفك عقدها، فهذا ننتبه له.
أخيراً، لا تكن مهاجر أم قيس. من هو مهاجر أم قيس؟ هذه قصته وردت في السند الصحيح، أنه رجل هاجر من مكة إلى المدينة بهدف أن يتزوج من امرأة ممتازة، ففعل في الصورة كما فعل الصحابة لكنه أضاع الثواب. ما إسقاط هذا في حالة الهجرة القلبية؟ كفكرة عامة، أحياناً قد تكون في بيئة عمل فاسدة، فتتركها، لكنك لم تتركها لله ورسوله؛ بل تركتها من أجل بيئة عمل نظيفة، أو من أجل راتب أعلى.
بعض الشباب يغير مكان العمل من بيئة فاسدة إلى بيئة نظيفة، لكنه لم يترك بيئة العمل الفاسدة لله ورسوله، وإنما جاءه عرض أكبر، قالوا له: "سنضعك في منصب مسؤول أكبر". كمن يعمل في بنك حرام، ثم يذهب ليعمل في بنك إسلامي، باختصار كان يعمل في بنك حرام وصار يعمل في بنك حلال، لكنه لم يهاجر لله والرسول.
لماذا ذهب؟ هناك فرق هائل بين رجل ترك البنك الحرام وصار يشتغل في البنك الحلال موظفاً لأنه لا يريد الحرام، فهذا مهاجر بقلبه إلى الله، وبين إنسان كان شاغلاً في البنك الحرام وصحت له وظيفة أعلى في البنك الحلال، هو فقط بحث عن وظيفة أعلى. هكذا ضيع ثوابه وضيع نفسه.
ففي ناس مثل مهاجر أم قيس، الذي هاجر ولم يحصل على ثواب، بل من أجل دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها، فهجر إلى ما هاجر إليه. وذاك الذي ترك البنك الربوي وصار يشتغل في البنك الحلال، أو كان رصيده في بنك ربوي وشعر أن أموره معقدة، فقال: "خليني أحط في بنك حلال" دون أن تكون نيته الصلاح؛ فقد أضاع أجره وآخرته. لو نوى الهجرة القلبية لحصل دنياه وآخرته، فلماذا تفقد الثواب؟ النيات هي الأساس.
إذا كنت أحياناً قد تُجبر على الهجرة في الدنيا، يعني الدنيا قد تجبرك على بعض الهجرات وعلى بعض الترك للعادات وما شابه ذلك، ما دام يمكنك أن تترك، فاتركها لله، وانوِ فيها الخير، لعل الله عز وجل أن يكتب لك فيها الثواب والخير والقبول.
هذه عشر نقاط أردت أن ألخص فيها، أيها الكرام، من أحوال الهجرة النبوية ومن أحوال الصحابة الكرام في الهجرة، وهي هجرة حقيقية حسية. أريد أن ألخص بالضبط ماذا يحدث في الهجرة القلبية المعنوية؛ فإن هذه الأحوال الحسية الظاهرة لها انعكاساتها الباطنية القلبية، فحاول أن تتبصر بها لتعرف أن قرار "إني مهاجر إلى ربي" قرار بحجم كبير، يحتاج إلى رجال، ويحتاج أن تفهم ما معنى الهجرة وما ضريبتها؛ إنها عزيمة، وإصرار، ورفقة.
احذر من الانتكاسة، ليست استعراض ثبات، بل ترقب كل النتائج الممكنة. وأخيراً، تحتاج إلى نية، «إنما الأعمال بالنيات». اللهم اجعلنا ممن هاجر إليك صادقاً مقبلاً غير مدبر، ممن هاجر بقلبه وصدق معك، فثبته وأعنته إلى أن وصل إليك. آمين آمين. وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل