دخولتسجيل الدخول

أصحاب الأخدود - بين الماضي والحاضر | المجلس التاسع | برنامج أمسية

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأصلي وأسلم على النبي المصطفى، صلاة تترى، وعلى آله وصحبه ومن لنهجه اقتفى. اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علماً نافعاً يا أرحم الراحمين.

حياكم الله أيها الأكارم في أمسية جديدة من أمسيات غراس، هذه الأمسيات التي نركز فيها على القضايا الإيمانية أو التربوية التي يحتاجها الشاب المسلم والفتاة المسلمة في هذا الزمان؛ هذا الزمن الذي يحاط به الشباب بالفتن والمتقلبات، ويرى الإنسان فيه من الأمور ما يشيب لها الرؤوس. ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعل هذا المحضن العلمي الشرعي التربوي محضناً وكهفاً من كهوف الحياة يلوذ به الشباب المسلم؛ ليتفقهوا، وليتعلموا، وليتبصروا، وليفهموا طبيعة دينهم، وطبيعة الدعوة، وطبيعة السير إلى الله سبحانه وتعالى.

اللهم آمين. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يفرج عن إخواننا المستضعفين في مشارق الأرض وفي مغاربها عامة، أن يفرج عنهم في غزة خاصة، وأن يجعل لهم من كل ضيق مخرجاً، ومن كل هم فرجاً، ومن كل بلاء عافية، وأن ينصرهم على عدوهم، إنه سبحانه وتعالى نعم المولى ونعم النصير.

أمسيتنا في هذا اليوم تحت عنوان «أصحاب الأخدود»، وهذه الأمسية من الأمسيات المهمة في اعتقادي للشباب المسلم الذي يريد أن يعرف طبيعة الدعوة، وطبيعة السير إلى الله سبحانه وتعالى، وطبيعة حمل هذا الدين، وما هي الأعباء المنوطة به، وما الذي ينتظره في طريق سيره إلى الله سبحانه وتعالى من عقبات وصعوبات.

ففهم طبيعة هذا الدين هو جزء من الأمور المثبتة لك على الاستمرار عليه؛ لأن كثيراً من الناس لما يدخل في حقل التدين والمحافظة على دين الله سبحانه وتعالى، ويريد أن يكون شاباً ملتزماً أو فتاة ملتزمة، يظن أن هذا الطريق مفروش بالورود، وأن الأمور دائماً ستكون سهلة وميسرة، وأن الجميع سيستقبل ويحمل، ولا يعرف أن هذا الطريق هناك ثمن سيدفع فيه.

معرفة الإنسان بطبيعة الأثمان التي تدفع في ميدان الدعوة إلى الله، وفي ميدان الثبات على العقيدة الإسلامية والقيم الإسلامية والمنهج الإسلامي، إذا عرفت أن هناك ثمناً، هذا سيهون عليك دفعه، وسيعينك على فهم ما يحصل في واقعك المعاصر من كثير من الصور المؤلمة والمتعبة والمنهكة، التي إذا واجهها الإنسان ورآها على شاشة التلفاز أو نظر إليها في المقاطع بدون وجود قاعدة صلبة إيمانية لديه، قد تهتز قناعته بالدين الإسلامي، قد تهتز قناعته حتى بوجود الإله -للأسف عند كثير من الشباب- بسبب ما يرى من العذاب الشديد والألم الكبير الذي ينزل بحملة الدعوة، أو بالمدافعين عن الدعوة، أو بعلماء الدعوة، أو بغيرهم.

وبالتالي تأتي مثل هذه المجالس لتزيدك في هذا الرصيد إيماناً بطبيعة هذا الدين وحقيقته، إيماناً بما أخبر به ربنا ونبينا ﷺ عن التحديات والعقبات والآلام التي سيواجهها حملة هذا الدين، ثم ما هو الثمن العظيم الذي ينتظرك عند الله سبحانه وتعالى مقابل هذا الصبر ومقابل هذا الثبات.

النبي ﷺ عندما كان في مكة كان مع الصحابة في زمن الاستضعاف، أليس كذلك؟ كان الصحابة يتعرضون لأشد أنواع العذاب والتنكيل، بل حتى القتل في بعض الأحيان، إلى أن بعض الصحابة من شدة التعب والألم والإنهاك وسنوات مرت عليه، يأتي إلى النبي ﷺ كخباب بن الأرت فيشكو إليه: «يا رسول الله، ألا تستنصر لنا؟». يعني الألم اشتد يا رسول الله، والأمور أصبحت منهكة، والعذاب والقتل اشتد بنا، ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو لنا؟

فالإنسان أو الشاب المسلم الذي يحمل العقيدة الصحيحة، هو يظن في تصوره أنه لأنه يحمل العقيدة الصحيحة والمنهج الصحيح في هذه الأرض، فإنه لن يؤذى، أو أنه على الأقل الأذى يجب أن يكون محدوداً، ولأني صاحب عقيدة صحيحة إذاً يجب أن أجد مباشرة الأمور تفتح وتفرج وتكون الحياة رغيدة.

فالنبي ﷺ كان متوسداً في ظل الكعبة، يعني كان لافاً عباءته على نفسه في ظل الكعبة، لما جاءه خباب بن الأرت وقال له: «يا رسول الله، ألا تستنصر لنا؟»، فكان عليه الصلاة والسلام متكئاً فجلس، وذكر لخباب من أحوال السابقين، وقال له: «قد كان من كان قبلكم يمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه لا يصده ذلك عن دينه، وكان يوضع في الحفرة فيؤتى بالمنشار فيوضع على رأسه فيفرق فرقين لا يصده ذلك عن دينه».

وأراد أولاً أن يعطيه أنه مدى صبرك يا خباب بن الأرت على آلام الدعوة وتحملك لهذه الرسالة ترى يعتبر شيئاً قليلاً مقارنة بآلام السابقين والجراحات التي أصابت الأمم السابقة. يعني تخيل يا خباب أنت ماذا حصل معك؛ وضع على ظهرك شيء من الحديد المحمى، لكن طبعاً هو عذاب شديد يعني ما كان شيئاً سهلاً، لكن يريد أن يقول له: من كان قبلكم كان يتعرض لما هو أقسى في العذاب، ولما هو أقسى في التنكيل، ومع ذلك ما كانوا يتراجعون عن منهجهم وعن عقيدتهم وعن التوحيد لله سبحانه وتعالى.

تخيل ذاك الرجل الذي يؤتى بمنشار فيفصل لحمه عن عظمه ولا يبدل ولا يغير، لا إله إلا الله، وذلك الذي يوضع في حفرة فيوضع منشار على رأسه فيفرق فرقتين. بعض الشباب اليوم هو لا يصبر حتى على أن يحضر مجلس علم، هو لا يصبر على شيء من الحر، لا يصبر على أمور يسيرة، أو ضغط والده أو والدته عليه في طريق الالتزام والتدين؛ يعني في نوع من الهشاشة عند كثير من الشباب المعاصر، أنه أنت لم يوضع قرص الحديد على رأسك، ولم توشط أمشاط الحديد دون لحمك وعظمك، هي فقط صلاة الفجر جزاك الله خيراً بس تحافظ عليها، وتحافظ على بر الوالدين والأخلاق والقيم وتكون في مجالس الصالحين، حتى هذا الشيء اليسير شباب الدعوة اليوم أكثرهم لا يريد أن يتحمل هذا، وكلما عارضه في هذا الطريق شيء من الألب اليسير أو من التعب والإرهاق تاف وقال: يعني هذا الدين صعب، له غيري، ويبدأ يتهرب من تبعات التزامه بدعوته إلى دين الله سبحانه وتعالى.

فالنبي ﷺ لما قال لخباب هو أراد أن يخبره: يا خباب، لم يبلغ بك ما بلغ بالسابقين ومع ذلك ثبتوا، فحري بك أن تثبت. لما ذكر له البشارة بأنه إيمان الله ليتممن هذا الأمر حتى تسير الضعين من صنعاء إلى حضرموت لا تخشى إلا الله، ثم قال: «ولكنكم تستعجلون».

يعني الله سبحانه وتعالى أراد لهذه الدعوة الصحيحة أن من يحملها لابد وأن يتعرض للبلاء، هكذا سنن الله سبحانه وتعالى التي عليك أن تفهمها وأن تتشربها من الآن؛ أن من يحمل هذه الدعوة ينبغي أن يمتحص وأن يبتلى ليعرف الله سبحانه وتعالى الصادق من الكاذب. ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت: 2].

﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: 3]. هذا قانون من قوانين حملك لهذا الدين؛ أنك ستبتلى، وأنه لا بد وأن يحصل التمحيص؛ ليعرف الله من حمل هذه الدعوة في قلبه حقا وصدقا ووجدانا، ومن الذي يدثر بها قشورا في الخارج؛ ماشي بيصلي، بيشارك في العمل الإسلامي في الجامعة، وبيروح وبيجي مع الشباب، لكن عند حزها ولزها وغير مستعد لدفع الثمن؛ لا، معناتها أنت لم تفهم الدين بعد.

هذا الدين لدفع الأثمان، هذه الدعوة تريدك أن تدفع الثمن، وعليك أن تجهز نفسك لدفع الثمن، ومن لا يريد أن يدفع الثمن عليه أن يجهز نفسه لبلاء آخر من جهات أخرى، فتنة والعياذ بالله. ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ ۖ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ ۖ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِ ۚ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ﴾ [الحج: 11]. فعدم رغبتك في دفع الثمن لا يعني السلامة، لا يعني أنك ستتعرض لعذاب أشد، لكن عند الله سبحانه وتعالى يوم القيامة؛ فإما أن تدفع الثمن في الدنيا، وإما أن تدفع عند الله عز وجل، وأنت ستختار أيهما بالنسبة لك هو الأولى والأحرى، والإنسان العاقل لا يقوى على عذاب الله.

ولذلك سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ [العنكبوت: 10]. ما معنى جعل فتنة الناس كعذاب الله؟ يعني هو قرر أن ينتكس، مع أنه يعرف -المشايخ قالوا له- أن الانتكاسة معناها عذاب الله يوم القيامة، فسوى بين الأذى في الدنيا -وهو أذى محدود يسير- وبين العذاب الشديد في الآخرة، لدرجة أنه قال: ما بدي عذاب الدنيا وأذاها، لكنه في المقابل اختار عذاب الآخرة، وهذا من أشد أنواع القياسات فسادا.

هل تقيس فتنة الدنيا وأذى الناس في الدنيا بعذاب شديد في نار تلظى؟ مسكين الذي يختار الانتكاسة وترك الالتزام والتدين؛ يقول أنا مش راغب في أذى في الدنيا، لكنك في المقابل عم تنتظر الأذى الشديد أو العذاب الشديد عند الله سبحانه وتعالى. فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله؛ يعني مفهوم الآية قرر الانتكاسة إذا أوذي؛ لأنه قارن بين فتنة الناس وعذاب الله فجعلهما متساويين، أو لعله جعل فتنة الناس لأنه يراها الآن أشد من عذاب الله الذي هو في الغيب، فقدم دفع أذى الناس وانتكض مقابل ما ينتظره يوم القيامة عند الله سبحانه وتعالى.

هذه الفكرة يجب أن يفهمها الشاب المسلم في طبيعة هذا الدين، وهو أن هذا الدين يبتلى أصحابه، ويبتلى حملته، ويبتلى السائرون إلى الله سبحانه وتعالى بمختلف أنواع البلاء، والقرآن وسنة النبي ﷺ هي التي تعبئك التعبئة الإيمانية الصحيحة حتى تستقبل هذا البلاء وتتحمل هذا البلاء. ومن هذه التعبئة الإيمانية التي كان النبي ﷺ يحرص على تعبئة الصحابة عليها ووردت أيضا في الكتاب العزيز؛ هذه القصة التي سنسردها معا، هذه قصة لأهميتها وردت في القرآن كإشارة عامة كلية، ثم وردت في سنة النبي ﷺ تفصيليا؛ لأنها تمثل قصة وواقعة قد تتكرر في كل زمان وفي كل مكان، وهي الآن تتكرر في بعض مناطق العالم الإسلامي.

قصة أصحاب الأخدود هي قصة لأناس أو لجيل آمن بهذه الدعوة ودفع ثمنا باهظا فيها، بل هذا الجيل أو هذا الشعب أو هذه الأمة من الناس فنيت تماما مقابل ثباتها على دين الله سبحانه وتعالى. الله عز وجل خلد لنا ذكرى هذه القرية الطيبة، وهذا المجتمع الطيب الذي فني كاملا؛ ما عنده مشكلة كان فني كاملا مقابل الثبات على المبادئ والعقائد والقيم التوحيدية الإسلامية التي ترضي الله سبحانه وتعالى.

قصة أصحاب الأخدود؛ هذه قصة وردت في القرآن في أي سورة مشايخنا؟ في سورة البروج: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ * وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ * وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ * قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ * النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ * إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ * وَهُمْ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾ [البروج: 1-7]. طبعا قتل كثير من المفسرين يقولون: المراد أصحاب الأخدود هم الملك وزبانيته. ﴿حُفِرَتِ الْأَخَادِيدُ﴾ كما سيأتي معنا، ودفن أصحاب الدعوة، دفنوا وأحرقوا بهذه النار: ﴿النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ * إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ * وَهُمْ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾.

وما نقموا منهم؟ إيش فعلوا هؤلاء المؤمنين حتى يقتلوا هذه القتلة وحتى يحرقوا في أخاديد الأرض؟ ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ * الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [البروج: 8-9]. إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات؛ كل من يفتن أهل الإيمان ويحرقهم ويقتلهم، يقتل رجالهم ونسائهم وأطفالهم ويجوعهم وينهك أبدانهم، ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا﴾ قبل موتهم؛ فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق.

في المقابل، هذا الشعب وهذه الأمة التي تعرضت للتنكيل والقتل والحرق انتهوا في الدنيا، نعم انتهت هذه القرية تماما، لكنها ارتقت عند الله سبحانه وتعالى في جنات النعيم، حيث لا مقارنة بين آلام الدنيا وبين نعيم الآخرة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ۚ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ﴾ [البروج: 11]. يا ترى هذه القرية التي اختارت أن تنزل في الأخدود وأن يحرقوا تماما في أحافيره؛ هل هم انتصروا أم هزموا؟ ربما في معايير الناس الدنيوية أنهم هزموا، استطاع الملك أن ينهي وجودهم، لكن في المعايير القرآنية والشرعية هم انتصروا، انتصار الثبات على المبدأ والعقيدة.

فإذا أردت أن تقيم مشهدهم هم؛ فنيوا نعم تماما، فنيت القرية في معايير الدنيا، والناس يقولون لهم: أهلكتم أنفسكم، أوديتم بها، كان بإمكانكم أن تختاروا حلولا أخرى بدلا من الفناء، لكن عند الله سبحانه وتعالى رفع قدرهم وأثنى عليهم وأثنى على ثباتهم وصمودهم. هذه القصة التفصيل العامة وردت بصورة مجملة في سورة البروج، والنبي ﷺ في يوم من أيام مكة كان جالسا مع أصحابه، والصحابة كانوا يمرون بحالة صعبة، الأمور في مكة كانت ثقيلة شديدة، فكانوا محتاجين إلى مثبتات؛ فكان من المثبتات أن جلس معهم النبي ﷺ يوما وقص عليهم قصة أصحاب الأخدود بكل ما فيها من الحكم والتفاصيل.

وهذا ما سنفعله اليوم إن شاء الله، أننا بالورقة التي بين أيديكم سنقرأ قصة أصحاب الأخدود التي ينقلها لنا الصحابي الرومي كما جاء في صحيح مسلم ومسند الإمام أحمد والترمذي وغيرها، فهي قصة صحيحة وردت في أصول الإسلام ومصادره الكبرى، قصة حقيقية فيها العديد من الوقفات الإيمانية والتربوية التي يجب على شباب الدعوة أن يفهموها وأن يتبصروا بها، وأن تكون بالنسبة لهم قصة أصحاب الأخدود معيارا ومقياسا.

ليفهموا طبيعة السير إلى الله سبحانه وتعالى والتحديات التي ترتقبهم في هذا الطريق. حتى لا أطيل، لأن هناك العديد من الأفكار أريد أن أعلق عليها في هذه القصة، نبدأ بقراءتها.

عن صهيب رضي الله تعالى عنه، أن رسول الله ﷺ قال: «كان ملك فيمن كان قبلكم». من هنا تبدأ الحكاية؛ ملك، البعض قال كان أحد ملوك اليمن، والبعض قال إن هذه القصة هي قصة قرية من قرى اليمن في الزمن الغابر، لكن بعد زمان عيسى ابن مريم، قالوا إنها كانت بعد زمان عيسى ابن مريم، وهناك بعض المؤشرات قد تشير إلى هذا.

هنا يقول النبي ﷺ -تخيل جالسًا مع أصحابه في زمن الاستضعاف يعطيهم مثبتات ويخبرهم عن مسيرة الدعوة، وما الذي ينتظركم فيها، وما هو الثمن، وكيف أن من قبلكم فعلوا البطولات وضحوا بالغالي والنفيس، فحري بكم أن تسيروا على منهاج من سبقكم في حمل هذا الدين رغم الآلام والتضحيات التي ستدفع- فطبعًا هنا كلمة الملك ربما هي رمز الاستبداد في هذه النقطة، رمز التحدي الذي ينتظر شباب الدعوة فيها. يقول: «كان ملك»، إذًا هي القصة من البداية بدأت من عند الملك، من وجود حالة فيها طغيان وفيها استبداد.

وهذا -كما قلنا- أحد ملوك اليمن، كان فارضًا على أهل قريته أن يعبدوه، كان يرى نفسه ربًا. هل كان يطلب منهم أن يعبدوا أصنامًا أخرى موجودة كما كان فرعون يفعل؟ سياتي معنا في تفاصيل القصة أنه لما قال لعامله: «وهل لك رب غيري؟»، إذًا هو كان يرى نفسه ربًا، وأن في يده الهيمنة والسيطرة، وأن أهل القرية يجب أن يتوجهوا إليه وأن يخدموه. إذًا هنا لما قال «كان ملك»، فمن البداية هناك حالة من الاستبداد والطغيان والهيمنة التي كانت تُفرض على هذه القرية وعلى هذه المدينة.

هذا الملك، وقال: «وكان له ساحر»، وهذه هي العادة المستدامة؛ أن الطغيان والاستبداد يحتاج إلى سحرة حتى يروجوا له للناس، ويتحدثوا باسمه، ويقنعوا الجماهير باتباعه. ولذلك دائمًا أقول: هؤلاء سحرة الملك دائمًا في كل زمان وفي كل مكان، الاستبداد يحتاج إلى سحرة، وإن من البيان لسحرًا. نعم، هذا ربما كان ساحرًا حقيقيًا، لكن هي فكرة أبعد من ذلك؛ أن دائمًا الطغيان لا يكون من شخص واحد، وإنما هذا الشخص يستطيع أن يمارس طغيانه من خلال وجود من يعينه. لذلك الله عز وجل قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا﴾ [النساء: 142]. فدائمًا بطانة المستبد هي التي تروج لفساده وأفكاره وطغيانه، أليس كذلك؟

فهذا حاله كحال غيره، وقصته متكررة في كل زمان ومكان: رجل مستبد، وهناك سحرة يثبتون حكمه، ينشرون فساده، ويقنعون الناس بضرورة الركون إليه. وهذا فعلاً من السياق ما كان حاصلًا في تلك القرية؛ هذه القرية كانت خاضعة للملك، متماشية معه، تعتقد فيه أنه رب، سواء حقيقة في بطونهم أو مجرد المماهاة معه حتى يفلتوا من العقاب. المهم أن القرية كانت مطبقة على هذه الحالة.

قال: «فلما كبر هذا الساحر»، أي الساحر ماذا قال للملك؟ وشوفوا هذا الساحر كيف هو حريص على أن يستمر الفساد للأجيال القادمة، وأن ما فعله في تثبيت الاستبداد والظلم أن يُعلّم وأن ينتقل، مع أنه هو شخصيًا بعد أن يموت لن يأتيه انتفاع شخصي، لكنه يريد استمرار الظلم. هذا الساحر، استمرار معاونة الفاسدين، استمرار أن يكون دومًا في ركبهم، فأصبحت عنده حالة نفسية شخصية؛ أن هذا المرض الذي أنا فيه، وهو نشر الفساد في هذه القرية، يجب أن يستمر بعدي، ولا بد أن يكون من يحمل راية الفساد بعدي وإن كنت أنا سأموت، لكنه أصبح يحب وجود الفساد والعياذ بالله ومتطبعًا معه.

فماذا اقترح على الملك؟ يقول: «قال للملك إني قد كبرت»، أنا إنسان أصبحت كبيرًا والموت قد يأتيني في أي لحظة، «فابعث إلي غلامًا أعلمه السحر». هذا الموت، يعني هذا الساحر لو سألته: أنت رح تموت، شايف حالك كبرت، ربما وجودك في حاشية الملك وفي بطانة الملك جعلك منتفعًا بالأموال والدنيا خلال حياتك، أليس كذلك؟ أنت انتفعت من هذا القرب، لماذا أنت حريص على أن يستمر هذا الشر والفساد من بعدك؟

هذا هو السؤال المنطقي، الآن ممكن واحد يسأله: أنت لما تُدفن يا أيها الساحر تحت الأرض، لماذا أنت حريص على أن يأتي جيل بعدك، غلامًا تعلمه فسادك لينتقل الفساد؟ هذا ما يجعلنا نفسر أنه عندما ترى اليوم إنسانًا وصل لسن السبعين والثمانين وما زال يطرح العلمانية والليبرالية بشدة وبعمق ويدافع عنها أحيانًا، تقول: هذا على حافة قبره، يعني هو ماشي في دنياك وكنت مستفيدًا في فترة الشباب من هذه الحالة، أنت الآن على حافة قبرك، فتتساءل: لماذا امرأة تدافع عن الفكر النسوي، أو رجل يدافع عن الليبرالية بأشكالها القذرة؟ ما الذي يدفع عمره في السبعين والثمانين أن يبقى حريصًا على هذه الفكرة وتعليمها ونشرها؟ ما أن يعلم بل حتى يمكن يكتب في كتبه: «أوصيكم أيها الجيل القادم أن تحافظوا على هذه الأفكار وأن تحذروا من أهل العلم والمصلحين».

طبعًا سمينا أسماءً ثانية، هو يوصيهم وصية بأن يستمروا على منهجه، هذا يدلle إخواني أن الإنسان الذي يعيش على الشر ونشر الفساد يتطبع معه، الحمد لله الذي عافاك أنت من هذه الحالة، لكن أريدك أن تفهم أنه سيعيش طول عمره يدافع عن فكرة العلمانية أو النسوية أو أي فكرة خاطئة، ويرى نفسه حامل لوائها. هو لا يحب أن ينتهي هذا المشروع، ويحب أن ينتقل حتى إلى أجيال لاحقة يراهم سيمثلونه ويحملون الرايات من بعده في فساده وبغيته. وهذه طبيعة أهل الفساد في كل زمان ومكان، حتى ولو كانوا سيموتون، يكونون حريصين قبل موتهم على إفساد جيل قادم وعلى نشر باطلهم بأشد أنواع النشر قبل أن ينتهوا.

وهذا الذي فعله الساحر، قال للملك: «ابعث إلي غلامًا أعلمه السحر»، التأثير على الأجيال القادمة وعلى الناشئة. «قال فبعث إليه غلامًا يعلمه». يا حسرتي على هذا الغلام! هذا الغلام هو رمز للجيل، أليس كذلك؟ رمز لأجيال المسلمين التي يراد غسل دماغها وتطبيعها بأفكار جديدة لا تتماشى مع الفكر الإسلامي ولا القيم الإسلامية. غسل الدماغ للجيل القادم هي صنيعة أهل الباطل. ولاحظوا اليوم كيف يكون لك حرص واهتمام واحتفاء أن أبناء المسلمين لا يسمعون الحقيقة، لا يسمعون الشرع الحنيف؛ تجد الدول العالمية بأذرعها في العالم الإسلامي ليلًا ونهارًا تهتم بماذا؟ بنشر أفكار التغريب، الشذوذ، الانحرافات السلوكية الأخلاقية، السوشيال ميديا بكل ما فيها من القذارة، هم يهتمون.

بالجيل الذي يليه، إنه هو الذي سيحمل الراية من بعده. فالملك اقتنع بكلام الساحر فبعث إليه غلامًا يعلمه؛ ماذا سيعلمه؟ يعلم الفساد، وسيعلم كيف يكون فاسدًا مثل الساحر، وكيف تخدمه بعد وفاة هذا الساحر وتكون على ركب الفاسدين قبلك. مسكين هذا الغلام، مسكين هذه الأجيال التي نحن نرمقها بعين الشفقة.

صدقوني الإخوة، لما أرى أطفال المسلمين الناشئين اليوم أكون في الداخل حزينًا وخائفًا. إنا شفنا اللي شفناه، الجيل القادم، أبناؤنا وبناتنا ماذا سيرون؟ إنا أدركنا السوشيال ميديا وكل ما فيها من القذارة، والعدو يحاول أن يخرجهم فاسدين؛ أقول ماذا سيرى الجيل القادم؟ هل بقي شيء من الفساد لم تخترعه الترسانة العالمية لإفساد أبناء المسلمين؟

أسأل الله أن يعينهم وأن يعيننا على تربية أبنائنا وبناتنا حتى يتم حمايتهم وتحصينهم ورعايتهم، حتى إذا كبروا يحموا الأجيال القادمة من هذه الأمة. هذه وظيفة التربية، وظيفة التحصين، وظيفتي ووظيفتك؛ لأن أهل الباطل كلهم كالسحرة، هؤلاء كلهم كهذا الساحر الذي هو في أشد الحرص على استمرار دوامة الفساد في المجتمع، فبعث إليه غلامًا يعلمه فساده وسحره.

هذا الغلام واضح أنه تم اختياره بعناية، هل برأيك الملك سيختار أي غلام ليذهب عند الساحر، أم سيختار غلامًا تظهر عليه علامة النجابة والتميز؟ الوضع الطبيعي أن دهاقنة البطل إذا أرادوا أن يختاروا شخصًا ليخدمهم يذهبون إلى شخص ذكي، ما يروح لشخص أبلة يوظفه معي، هذا ما يخدمني هذا بيضرني، فيذهبون إلى أذكياء معينين يقومون بتبنيهم. ممكن يدرسوا على حسابه، ممكن يطلعوا على جامعات غربية، ممكن يعطوه كافة أشكال الدعم؛ لأني مراهن عليه أنه في يوم من الأيام سيخدمني هذا الشاب.

فهذا الشاب، وسيتضح لنا حجم ذكائه وتوقده، وكيف أن هذا الذكاء -بحمد الله- وظفه هذا الشاب في إنقاذ هذه القرية من عبادة الملك. والإنسان الذكي سلاح ذو حدين؛ لأنه إذا وظف ذكاءه في خدمة الدين يرتقي بهذه الأمة ارتقاءً عظيمًا باهرًا، وإذا كان ذكاؤه ضد الدين سيكون ويلاً شديدًا وعذابًا أليمًا لأمة الإسلام.

اليوم كثير من المبتعثين للخارج يخدمون المنظومة الغربية؛ كثير من الأسلحة التي تصنع في أمريكا، واليوم اليهود يقصفون بها المسلمين في غزة، صنعها مهندسون مسلمون، وأنا حضرته هؤلاء يقيمون في أمريكا وفي أوروبا. هذه الأسلحة التي تقتل أبناء المسلمين اليوم شاركوا في صناعتها، إذاً هم أذكياء، واضح أن الذي صنع هذه الأسلحة بكل هذه الدقة هو شخص ذكي، لكن أين وظف ذكاءه؟ في قتل المسلمين والإضرار بهم، وكان هدفه فقط أنه يحصل على منصب مرموق في شركة عالمية في صناعة الطائرات أو الصواريخ.

هو فقط هدفه دنيا، أقول لك: هي الصواريخ تقتل من تقتل، ما يهمني، المهم أنه أصبح شخصًا مرموقًا وأحصل على رواتب ضخمة هائلة، وأنني أستمتع بحياتي اليوم في نيويورك ولا في شواطئ الغرب، وأما المسلمون قتلوا بصواريخي وذبحوا، ما عنده أي اهتمام ولا أي اعتبار لذلك. ففرق بين الشاب المسلم الذي يوظف ذكاءه لخدمة الإسلام والمسلمين والنهضة بأمته، وبين الشاب الذي يبيع أمته بعرض من الدنيا بخس.

هذا الشاب الغلام من أي النوعين كان؟ هل استخدم ذكاءه لخدمة الملك الذي بعثه إلى الساحر، أم وظف ذكاءه لإنقاذ قريته من الظلم والاستبداد؟ دعونا نكمل القصة؛ قال فكان في طريقه إذا سلك راهب فقال، فقعد إليه وسمع كلامه. وهذه سبحان الله لما أقول، لما تأتيك آيات الهدايات الإلهية في الطريق وأنت تسير في هذه الحياة.

هذا الغلام واضح أنه ابتداءً ما كان يعرف ما معنى طريق الاستقامة والتدين. غلام ذهب إلى الملك، إلى أهله وقال: والله ابنكم هذا بدي أدير بالي عليه، بدي أخليه إن شاء الله من بطانتي وحاشيتي، فبدي أوديه عند الساحر حتى يعلمه ويصبح إنسانًا له شخصية وسيكون من المقربين. فواضح أن والد الغلام ووالدته اقتنعوا وشافوا العرض مغريًا، فقالوا: آه والله، إيش بدنا أحسن من أن الملك يأخذ ابننا ويتبناه ويصير يتعلم حتى يصير بكره من الناس اللي لها وجاهة في هذه القرية؟ لكن إذا شاء الله شيئًا هيا له أسبابه، أنت تريد وهو يريد والله يفعل ما يريد.

هكذا عليك أن تفهم أن هناك قدرًا يمشي، وأن الله سبحانه وتعالى أقداره فوق إرادات البشر، وفوق تخطيطاتهم، وفوق مؤامراتهم، وفوق ما يطمحون إليه. تخيل أن هذا الغلام الذي تم اختياره ليكون بديلًا عن الساحر، في يوم من الأيام كان نقمة على هذا الملك. وهذا يذكرك بقصة من الأنبياء؛ قصة موسى عليه السلام الذي تبناه فرعون ورعاه في بيته، فالتقطه آل فرعون ليكون لهم في يوم من الأيام عدوًا وحزنًا. هذه دائمًا تذكرها القصة؛ كيف أن الله سبحانه وتعالى يأتي بقدره على خلاف ما يظن المستبدون والظالمون. يظنون أن هذا الشخص سيخدمنا، فإذا هو يكون وبالًا عليهم وعلى مسيرتهم.

فالله إرادته نافذة، وقدرته فوق قدرة البشر، وحكمته فوق حكمة البشر، وما نعرفه نحن إنما هو الشيء اليسير، وأمر الله أعلى. هذه عقيدة تجعل الإنسان يكون واثقًا بالله سبحانه وتعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ۖ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾ [الروم: 60]. إياك أن تتزحزح ثقتك بالله وبقدر الله وبحكمة الله وبإرادة الله بسبب ما ترى من الاستبداد، وما يحصل لإخوانك في غزة وفي غيرها من المناطق من الأخدود التي تحفر والعذاب الشديد الذي يتعرضون له. إياك أن تتزحزح ثقتك أن هناك قدرًا إلهيًا نافذًا، وأن قدر الله يعمل في الخفاء، ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال: 30]. هذه عقيدة لا تتزحزح عند المسلم لما يقرأ هذه القصة ويستفيد منها ومن غيرها.

المهم، فمن قدر الله السعيد لهذا الشاب أنه كان وهو في طريقه إلى الساحر، اكتشف أن هناك راهبًا في صومعة أو في كهف -الله أعلم- يعبد الله سبحانه وتعالى. وهذا الشاب كما قلت لكم، هذا الغلام واضح أنه كان من الأذكياء، فكان لذكائه ما حجر على نفسه؛ ما رأى أن هذا الراهب شيء تافه، أنا ما بدي أشغل نفسي، خلص أنا بدي أظل مع الملك، أعطى لنفسه فرصة ليسمع خطابًا آخر.

فكان في طريقه، في طريق الغلام إذا سار إلى الساحر، راهب، لكن واضح أن هذا الراهب كان يكتم إيمانه، كان يمارس العبادة في صومعته أو في كهفه ولا يعرف به الملك أن هذا الراهب شيخ. يعني حتى دائمًا رموز القصة بدك تسقطها على واقعك لتفهم؛ هذا كأنه شيخ أو مصلح أو إنسان متمسك بدينه، لكنه لا يستطيع أن يبوح به، ويعرف أن البوح ضمن هذه القرية يعني الهلاك. فكان هذا الراهب في حاله، يمارس عبادته لله سبحانه وتعالى على حدة، ولم يؤمن بالملك ولا بسطوته ولا بما يحاول.

الملك أن يفرضه على هذه القرية من المعتقدات والأفكار الخاطئة. هذا الغلام، وهو سائر، كان يجلس إلى هذا الراهب وسمع كلامه فأعجبه.

أعطوني إخواني مؤشرًا معينًا، وهو أن الحق فطري؛ أي أن الحق فطري بمعنى الفطرة السوية. هذا غلام في ريعان شبابه، لساته ورقة بيضاء، لما سمع الحق، سمع التوحيد، سمع عبادة الله؛ أعجبه كلام الراهب، مع أنه يروح على الساحر يوميًا، لكن بمجرد أن جلس للراهب وسمع "لا إله إلا الله" ودعوته للتوحيد، وعرف أن هذا الملك لا يصلح أن يكون ربًا ولا إلهًا، عرف أن الحق فطري.

فسرعان ما أعجب الغلام بطرح الراهب وبكلامه، ورأى أن الراهب يتكلم بمعقولية، يتكلم بأدلة وبراهين، وأما سحرة الملك فهؤلاء يشوشون عليه، يقولون له: اعمل كذا وسوِّ كذا، لكن طرحهم غير مقنع ولم يعجب هذا الغلام. وهكذا سبحانه وتعالى لما جعل الحق حقًا تقبله النفوس السوية؛ كل مولود يولد على الفطرة، فالإنسان الباحث عن الحقيقة لن يعجزه أن يعرف صحة الإسلام وفطرية الإسلام ووضوح براهينه، وليس دينًا يحتاج إلى استدلالات عميقة حتى تكتشف صحته، بل الفطرة السوية والأدلة العقلية الواضحة تكفي إلى أن تعرف أن هذا الدين هو الحق، وأنه لا يمكن أن يحل سواه دين آخر.

فأعجبه، فكان إذا أتى الساحر مر بالراهب وقعد إليه؛ فكان هذا الشاب الذي أصبح الآن باحثًا عن الهداية مطلوبًا منه يوميًا أن يروح على الساحر، لكنه تعوّد كلما أراد أن يذهب إلى الساحر أن يميل على الراهب يسمع منه كلام الدين والإيمان ويأخذ منه النصائح. قال: «فإذا أتى الساحر ضربه».

بدأت الصعوبات تظهر في حياة هذا الشاب من اللحظة الأولى لما أصبح يتردد إلى منزل الراهب، فأصبح بالتأكيد يتأخر على الساحر، والساحر يقول له: أين تأخرت؟ فالغلام لا يحسن الإجابة، يريد أن يكتم، فيضربه الساحر. هنا هذا الغلام إلى أين يذهب؟ أصبح يتألم من شدة ضرب الساحر له، هل يذهب إلى والديه؟ البيئة المنزلية غير داعمة. هذا يصور للشاب المتدين الذي يكون أبوه وأمه على منهج باطل، فاسدين غير مهتمين بالتدين ولا بشيء، المهم أن تذهب وتجيب مالًا وتعمل وتجد لك كذا، ويقولون له: "يا بابا سيبك من الشيوخ، أنا كم مرة قلت لك سيبك منهم، الجلسة معهم والذهاب إليهم والله بتجيب وجع رأس وقصص".

هذا الشاب، أنا متأكد من سياق القصة أن أبوه وأمه مش داعمين له، واضح أنهم على دين الملك، فالقرية كلها على دين الملك، وأهل القرية الذين ليسوا على دين الملك سيخافون على ابنهم. تخيل هذا الغلام لو ذهب لأمه وأبيه وقال: "يا بابا أنا شفت راهب في الطريق والله يحكي كلامًا خلاف كلام الساحر"، ماذا سيقولان له؟ "يا بابا أنا مش قلت لك تروح على الساحر وترجع؟ إيش بدك وعلاقتك بالراهب؟". وإذا كان أبوه وأمه مناحين، سيقولان له: "يا بابا والله جبنا الورطة، روح على الساحر ودعك من الراهب حتى لا تجيب لنا مشاكل"، وإذا كانوا فاسدين بالعكس سيحذرونه من الراهب ويقولون له: "ترى هذا الرجل يغير دماغك، هؤلاء يلعبون في عقلك ولا يريدون لك الخير والمصلحة، انتبه من الراهب".

هذا الراهب هو رمز الداعية والشيخ، والساحر هو رمز الفاسد الذي يحاول أن يغسل عقل الجيل. تذكروا هذه الرموز ونحن نسير في القصة؛ لأن النبي ﷺ لما يقص هذه القصة لأصحابه، هو يريدهم أن يتعلموا ويفهموا كيف تسير الحياة، وقصة وجود المستبدين الفاسدين ووجود الدعاة المصلحين، وكيف أن الجيل الناشئ سيشعر بتوتر العلاقة. هذا شاب في سن الخامسة عشرة أو السادسة عشرة، يخرج للدنيا ويحاول اكتشافها، فيجد صراعًا بين أهل الحق وأهل الباطل، وهو ما زال يتلمس الطريق.

سيظهر لنا أن الغلام، وإن كان يجلس مع الراهب، لم يصل بعد إلى مرحلة اليقين التام في الثقة بكلام الراهب؛ لأنه في مصدر آخر يتلقى منه، وهو سحرة الملك. هذا الغلام عنده مصدران للتلقي؛ مصدر يقول له: "امشِ"، ومصدر يقول له: "امشِ في الاتجاه الآخر"، ولا يوجد داعم له، فبيئته المنزلية ووالده ووالدته ليسوا ملجأ له في معركة الحياة التي يخوضها.

تذكر هذا، فانت قد تكون ذاك الغلام، أنت يا من تسمعني الآن، أحدكم قد يكون ذاك الشاب الذي بيئته غير متدينة أبدًا وهو يبحث عن مكان عالٍ وشيء من الدنيا، وفي طريقه في هذه الحياة وهو يروح على الجامعة، رأى شيخًا من المشايخ فقال: "خليني أشوف المشايخ ماذا يقولون"، فحضر درس علم ودرس تزكية، وقال: "والله هؤلاء المشايخ فيهم خير، هذا الدرس حرك مشاعري"، لكن صار يتأخر عن منزله مع جلوسه في مجالس العلم، وهو خائف يحكي لوالده ووالدته أنه يحضر مجالس العلم النافع، لئلا يقولوا له: "أنت بعدين معك، بدك تجيب لنا المشاكل"، فهو غير قادر أن يبوح بما لديه من الاهتمامات الدينية وحب الالتزام والتدين وأن يكون شابًا محافظًا، فانت قد تكون هذا الغلام.

هذا الغلام لمن يشكو تعبه وألمه؟ يذهب إلى الساحر فيضربه، ويرجع على أهله متأخرًا فيضربونه. هنا يأتي دور الشيخ في حياة الباحث عن الهداية؛ أحيانًا قد يكون دور الشيخ في حياتك أعظم من دور والدك ووالدتك. هذا الغلام إلى من شكا؟ قال: «فشكى ذلك إلى الراهب».

هذه قاعدة؛ لذلك كان النبي ﷺ يقول للصحابة: «إنما أنا لكم بمنزلة الوالد، أعلمكم». وهكذا دائمًا دور المصلحين والدعاة والمربين في حياة تلاميذهم وطلابهم أن يكونوا ملجأ ومفزعًا، عندما تكون بيئة الطالب الخير والهدى والصلاح المنزلية لا تدعمه في التزامه، فلو أراد أن يتكلم مع والده ووالدته لن يصغي له أحد ولن يهتموا به، فإذا لم يمنعوه من حضور مجالس العلم النافع، فلن يجد أحد يلجأ إليه ويسمع ألمه وشكواه إلا ذلك الشيخ أو الداعية أو المصلح الذي وثق فيه، فيجد فيه مفزعًا وملجأً يشكو إليه همومه.

قال: «فشكى ذلك إلى الراهب». فالراهب الآن وظيفته أيضًا وظيفة الشيخ والداعية؛ أن يساعد تلاميذه وطلابه ويحاول أن يجد لهم مخرجًا وأن يخفف عنهم. هذا الشاب يريد من الراهب أن يخفف عنه ويعطيه حلولاً لهذا المأزق الذي هو فيه، إذ لا أهله راضون.

«عني شيخ ولا الساحر، راضية عني ماذا أفعل؟» فالراهب والشيخ والداعية يريد أن يساعده ويخفف عنه قدر المستطاع وفق سقف المعقول. فقال له الراهب: «إذا خشيت الساحر فقل حبسني أهلي، وإذا خشيت أهلك فقل حبسني الساحر».

باختصار، بماذا أمره؟ على المكشوف بماذا أمره؟ بالكذب. قال له: هذا بلاء، ومما سيساعدك في هذا البلاء أن تكذب. وإيش يقول له؟ قال إذا خشيت الساحر، أنك الآن رح تتأخر على الساحر، مش بتيجي تحضر الدرس عندي، قال له أنت رح تتأخر، فلما توصل الساحر رح يقول لك: وينكم يا ولد ليش متأخر؟ إيش تقول له؟ والله حبسني أهلي، يعني أبوي وأمي أخروني. قال: لا أبو أخر ولا شيء. قال: وإذا خشيت أهلك لما تروح على البيت متأخر في الليل وأبوك وأمك: وين كنت؟ متأخر، وين غايب عنا؟ قل لهم حبسني. الساعة شو يعني؟ حبسني، ومش أنه اعتقلني، لا، حبسني يعني أشغلني وأخرني وطول اليوم علي، فلذلك تأخرت عليكم.

هذا الأسلوب هل هو أسلوب صحيح؟ شو رأيك يا شيخ؟ حقيقة نعم، هذا أسلوب صحيح إذا كان الشافي بيئة غير داعمة، وقد تحصل معه مثل هذه المواقف. فالنبي ﷺ أباح الكذب في ثلاث، ومنها الحرب، والحرب خدعة، وأنت تواجه أهل الباطل في مجتمعك، مش ضروري الحرب تكون حرب عسكرية، أحياناً قد تكون حرب إيمانية نفسية أنت تحتاج الثبات فيها، ففي مثل هذه المناطق الكذب محمود وليس الصدق هو الصحيح في مثل هذه الحالة.

أنت تريد أن تثبت، تريد أن تصرف عنك والدك ووالدتك المؤذين الذين لا يريدون الاستقامة، وكان يريد أن يصرف عنه الساحر الذي أيضاً ليست الأمور مضبوطة معه. فالراهب -وهذا الراهب يمثل الشيخ المصلح الذي يوجه تلميذه لحل يرضي الله- قال الحل الشرعي في هذه الحالة أن تكون صريحاً زيادة عن اللزوم، بإمكانك أن تستخدم المعاريض وبإمكانك أن تكتم الحقائق إلى أن يجعل الله لك أيها الغلام فرجاً ومخرجاً.

وهذا يحتاجه الإنسان ترى في حياته؛ إذا رأيت أن والله مثلاً تحضر مجلس علم، تروح البيت، تعال يا بابا وين كنت؟ والله أبوك مثلاً ما يحب تحضر مجالس العلم، إذا صدقت والله عمرك ما تطلع من البيت، يقول لك تعال، أنا أظن كل يوم تقول لي: والله حضرت عند إبراهيم رفيق، ولا حضرت عند فلان ولا علتان، واقعد يا بابا في الدار وريحني من القصة. يقول له: لا، هنا أنت بإمكانك إذا شعرت أن تصريحك بالحقيقة سيؤدي إلى منعك من الخير، هنا عدم التصريح هو الأفضل، هو الصح، هو الصحيح.

وتستخدم المعاريض، يعني كما قال النبي ﷺ: «إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب الصريح». إذا قدرت تستخدم المعاريض، والله يا بابا كنت عند فلان صديقي، أنت صادق كنت عند صديقك بس أنت صديقك كنتم قاعدين، يعني في مساحة للتعريض واللف وكذا. الشاب إخواني الذي لا يعرف المعاريض يضيع إذا كان يبحث عن الالتزام واللي حوله مش مساعدينه، إذا بده دائماً يكون صريح ما بتزبط معك، فلذلك هناك شيء من الحكمة.

هناك شيء ممكن تكون والدتك أحياناً -ترى أحياناً مش يكون والدك ووالدتك سيئين لكن هو خائف عليك، يعني يخاف من أبعاد كثيرة تعرفونها، هو ليس قصداً للسوء بقدر ما هو مصلحة ابنه خائف عليه- وأنت يا شاب تقول: طيب هو هذا الخوف بالعكس رح يخليني أنحرف أكثر وأكثر. يا أبو السوشيال ميديا، ذبحتني صور النساء المغريات والشهوات، أنا أحتاج لمجالس علم نافع أحمي بها نفسي، أنا عارف أنك خائف علي، لكن الحمد لله المشايخ يقولون قال الله، قال رسول الله ﷺ كلام خير وعظ ونصح وإرشاد، ما في شيء يخوف.

أحياناً يكون سقف الخوف زيادة، لسه هذا الغلام أموره بتخوف أكثر، أما أنت وأنا في بلد في خير وأمان والحمد لله، والكلام وسطي والمنهج معتدل إن شاء الله، يعني بيكون الخوف الزائد ما له معنى إلا أنه تخوف يدخله الشيطان على قلب الوالد والوالدة. فدائماً استعمل المعاريض، أنا ما بدي أصرح كثير لكن استعمل المعاريض إذا أردت أن تصرف إشغالات الناس وقلق الناس: وين كنت؟ وين رحت؟ ما تكون شاباً بسيطاً يعني لازم كل شيء يكون على لسانك، بعض الشباب يقول: لا يا شيخ أنا دائماً صريح، مش صح، لازم تفهم في لحظات في الحياة أن الذكاء مطلوب. وهذا الراهب أشار إلى الغلام بالذكاء.

وهذا الحديث عن النبي ﷺ، هل النبي ﷺ علق أنه فعل الراهب غير صحيح؟ هل قال إن نصيحة الراهب غير صحيحة؟ لا، إذاً هذا يدل على أن ما قاله الراهب صح وليس باطلاً.

قال: فبينما هو كذلك، واضح أن الغلام مشى على كلام الراهب وأصبح يتهرب من الساحر بهذا الحل ويتهرب من أهله بهذه الحجة. قال: فبينما هو كذلك، في يوم من الأيام كان الغلام في طريقه إلى الساحر، قال: إذ أتى على دابة عظيمة قد حبست الناس. كان في طريقه إلى الساحر فوجد حيواناً كبيراً -الله أعلم هو فيل، هو إيش الحيوان؟ ممكن يكون فيل- قد حبس الناس، يعني سكر الطريق العام، أغلق هذا الحيوان الطريق العام فالناس لا هي قادرة تذهب ولا هي قادرة تأتي.

اليوم الآن أعود فأقول: هل وصل الغلام لاستقرار داخلي عميق؟ أن كلام الراهب أوثق من كلام الساحر، أم ما زال عنده كأي إنسان مصدرين، بالتالي هو شوي متشوش؟ شيء طبيعي أن يكون في تشوش لأنه في حدا بيعطيه معلومات، أبوه وأمه والساحر في جهة، وفي ناس تعطيه معلومات في اتجاه مقابل مختلف تماماً، أهل الخير والصلاح والمربين. فهو الآن في صراع داخلي: مين الصح؟ من الذي يتكلم الحقيقة؟ من الذي ينصحني نصيحة تنجيني بإذن الله؟ هل الساحر ومن حولهم الذين يريدون أن أصبح يوماً من الأيام مكانهم وأساعد الملك، أم ذاك الشيخ والداعي والمصلح الذي يرشدني إلى التوحيد والزهد والعلاقة بالله وما شابه ذلك؟

هو يعيش في صراع داخلي، وإن كان هو أعجب بكلام الراهب واطمأن إليه لدرجة عالية، لكن في النهاية شيء طبيعي هو يسمع من مصدرين، فقال اليوم: أعلم الساحر أفضل أم الراهب أفضل؟ الساحر يعني هذا سؤال: اليوم أعلم الساحر أفضل أم الراهب أفضل؟ الآن هو كأنه من شدة ابتهاله لله والتجائه إلى الله أن يهديه وأن يشرح صدره، أنه يا رب دلني على الحق دلني على ما يرضيك، كان يريد من الله كرامة، هيك علامة تعطيه مؤشر أنه وين الصح، هو ولا هون؟ أحاول أن أتخيل أن هذه الدابة بالنسبة للغلام التي كانت تعيق الناس، بالنسبة له هي تمثل ماذا؟

كأنها تمثل له الساحر ودهقنه الملك الذين يمنعون الناس من أن يختاروا آراءهم وتوجهاتهم بصورة فطرية. كانت هذه الدابة في رمزية الغلام هي العائق، هي التحدي الذي يمنع الناس من أن يسيروا في طريقهم بسلاسة.

فهو قال: "سآخذ حجراً وأرمي هذه الدابة، فإذا ذهبت وزالت فهذه آية من الله لي أن كلام الراهب هو الصواب، وإذا بقيت واستمرت فهذه آية أن كلام الراهب هو الخطأ". وهذا يدل على أن هذا الغلام صادق مع الله؛ هو كان صادقاً في بحثه عن الحق، وكان واثقاً من صدق الله.

هذا الغلام ليس نبياً، هذا شاب مثله مثلك، ليس نبياً ولا يوحى إليه من السماء، لكنه فعلاً من داخله اطلع على صدقه فعرف أنه يبحث عن الحقيقة. ولذلك من صدق مع الله بتجرد وموضوعية لا بد وأن يصدقك الله؛ لا يمكن أن يراك الله باحثاً عن الحق بكل موضوعية بعيداً عن الهوى ويتركك سبحانه وتعالى. كن واثقاً، بس إذا أنت عندك هوى داخلي عاد، لا تلومن إلا نفسك.

فهذا الشاب موضوعي، فقال: "يا رب بدي علامة، بدي كرامة تساعدني حتى أرشدني إلى أيهما أذهب"، فقال: «اللهم إن كان أمر الراهب أحب إليك من أمر الساحر فاقتل هذه الدابة حتى يمضي الناس». وفعلاً أخذ الغلام حجراً فرمى الدابة فقتلها.

طبعاً أنت تتكلم عن دابة عظيمة مثل الفيل، يعني أكيد ليست هرة التي تسكر الطريق ولا كلباً. لما تقول دابة تسد الطريق فأنت تتكلم عن الفيل فصاعداً، وأنت متخيل أنه بحجر رمى بحجر مات الفيل أو ماتت الدابة؟ ليس متوقعاً أن تموت دابة بحجم الفيل من مجرد حجر، إلا أن يكون هذا على سبيل الكرامة من الله سبحانه؛ قال: ﴿فَرَمَاهَا فَقَتَلَهَا﴾ [البقرة: 54].

هنا اقتنع الغلام، دام دعا الله واستخار الله، وكانت ثقته بالله عالية، وثق الغلام أنه يسير في الطريق الصحيح؛ لأن الذي صار أمامه ليس طبيعياً، كيف أن تلك الدابة العظيمة قتلتها بحجر صغير؟ معناتها هذه آية من الله لي أمشي مع الراهب وأسير في طريقه.

بعض الناس يقرأ هذه القصة ويقول: ما هي العلامة؟ كيف اقتنع أن الراهب صح من مجرد قتله للدابة؟ لا، أنت يجب أن تفهم أن هذه الدابة هي كائن عظيم في الوضع الطبيعي، حجر ما يقتله، ولما رأى أنها قتلت بحجر، فهذا على خلاف المعتاد، إذاً هذه آية وكرامة أن تسير مع الراهب.

هنا مباشرة كأنه جاء فرحاً إلى الراهب، فقال: «فأتى الراهب فأخبره». وهنا دور الشيخ الذي ينظر في طلابه ويتفرس في ذكائهم، فيعرف أن بعض الطلاب متميز، وأن هذا الطالب سيكون له مستقبل، يعني هذا ليس كغيره.

لما جاء الغلام إلى الراهب وأخبره أنه أمسك حجراً وقال: "يا رب إن كان أمر الراهب خيراً"، وأنه صارت كرامة، رمى الحجر وماتت الدابة، فالراهب مباشرة عرف بذكائه أن هذا الغلام له شأن عند الله. التقطها الراهب؛ هذا ليس شاباً عادياً من الشباب الغافلين الطائشين، هذا سيكون له شأن لأنه صادق وجريء في صدقه، وواضح أنه يبحث عن الهداية بمستوى عالٍ.

فقال له الراهب بكل وضوح وشفافية: «أي بني، أنت اليوم أفضل مني». هل يستطيع الشيخ أن يقول لطالبه: أنت اليوم أفضل مني، وأنني أتوقع أنك ستقوم بخدمة هذا الدين أكثر مما قمت أنا بخدمته؟ هذا يدل أيضاً على أن هذا الراهب إنسان متواضع، إنسان لا يبحث عن شهرة ولا أن يشار إليه، بل بالعكس يعرف إمكانياته، يعرف قدرته على الاحتمال، ويعرف أن هذا الشاب الناشئ سيكون أقدر على احتمال ما سيواجهه هو.

في وجهة نظر الراهب يقول للغلام: أنت سيكون لك مستقبل يا بني، أنت ستغير في واقع مجتمعك، واضح من الكرامة التي أجراها الله على يدك أن لك شيئاً عند الله مدخراً. وبعد ما أعطاه هذه الميزة، لم يعده أن هذا الطريق سيكون سهلاً، بل أراد أن يعطيه الحقيقة كما هي حتى يستعد هذا الشاب للمرحلة القادمة؛ مرحلة مواجهة الباطل ومواجهة الاستبداد.

فقال له: «أي بني، أنت اليوم أفضل مني، قد بلغ من أمرك ما أرى». يعني أن الله أراك كرامة، كيف أن الله جعلك تقتل دابة عظيمة بحجر، واضح أن شيئاً ليس طبيعياً، قد بلغ من أمرك ما أرى، أن الله عز وجل يجري الكرامات على يديك وأنك ستُبتلى.

هذه هي؛ ضع تحتها خطاً في القصة: «إنه سُتبتلى». إذاً هو الاستعداد النفسي؛ استعد للمرحلة القادمة. ما قال له في المرحلة القادمة: أبشر بالخير ترى الدنيا سهلة، أو إن شاء الله لن ترى في يومين أو ثلاثة إلا الأمور مفتوحة أمامك، لا، بل أعطاه طريق الدعوة كما هو.

وهنا أتخيل النبي ﷺ وهو جالس مع أصحابه في دار الأرقم وهو يقص عليهم هذه القصة، ويريد أن يقول لأصحابه ﷺ: إن هذا هو الطريق، لا يوجد حل آخر، هذا هو الطريق لمن يحمل الدعوة؛ أنك ستُبتلى. لا توجد وعود برفاهية اقتصادية، ولا وعود بأن تفتح الدنيا عليك، ولا وعود بأن تصبح كذا وكذا. الوعد الذي أقوله لك والحقيقة التي يجب أن تفهمها يا بني هي أن هذا الطريق فيه بلاء، فيه دماء، فيه قتلى، فيه أشلاء، وفيه كثير من الأمور الصعبة. وهذا ما حصل فعلاً، قال: ﴿إِنَّكَ سَتُبْتَلَى﴾.

الراهب عارف إمكانياته، وعارف يقول: "يا بني أنت أفضل مني وربنا سيرفع شأنك وأنت يأتيك بلاء، لكن بدي أكون صريحاً معك: فإن ابتُليت فلا تدل عليه". يعني إذا الجماعة أمسكوك وقالوا لك: تعال من أين تأخذ هذه الأفكار ومن يعطيك هذه المعلومات؟ قال له: لا تدل عليه. وهذا يدل على قضية مهمة، وهي أن هذا الراهب يعرف إمكانياته في الاحتمال.

وهذا مهم؛ النبي ﷺ يقول: «لا ينبغي للمرء أن يذل نفسه». قالوا: وكيف يذل نفسه يا رسول الله؟ قال: «يعرض نفسه من البلاء ما لا يطيق». بعض الشباب تجده متحمساً ومنفعلاً ويتكلم كلاماً أكبر من حجمه، وبعدين في أول جلسة يقول: "يا شيخ أنا سأقول لهم يا عمي الله يرضى عليك"، أنت شايف حالك حبتك قليلة ومعنوياتك قد حالك، يا أخي ليش تعمل حالك أبو العريف؟

على السوشيال ميديا بيرفع وبيخفضوا، قال لك إمكانياتك روح صلي في المسجد، اعبد الله، اذكر الله، يعني أنت عارف حجمك وإمكانياتك وبساطتك. هذا الراهب الذي أعجبني فيه ترى صدقه، يعني واضح عنده مكاشفة مع نفسه أنه أنا مش قد الصراع، أنا راهب مختار قاعد ببيتي تمام، بدي أعبد الله ببيتي، ولا أنا بدي أواجه هذا الملك وهذا الساحر، ولا بدي أدخل في أي شيء، أنا بدي أعبد الله وأدير بالي على أولادي وعائلتي، ويعطيني العافية، جزاه الله خير.

هو عارف إمكانياته وعارف طاقته، لذلك هو أصلاً من البداية شو قال للغلام؟ قال له: «أنت أفضل مني»، يعني هو يعرف أن الغلام أقدر على مواجهة الباطل منه. فقال للغلام: «يا بني إنك ستبتلى»، واضح أنك متحمس، وأنه عندك حب للخير وحابب تدعو الناس وتغير واقع هذه القرية، اتضح هذا للراهب من خلال طبيعة الشاب، بس يا بني اللي بدك إياه أنا ما بقدر له، قال: «فإن ابتليت فلا تدل علي».

وكان الغلام يبرئ الأكمه والأبرص ويداوي الناس من سائر الأدواء. يعني هذا الغلام واضح أنه خلاص بدأت الكرامات تظهر على يديه أكثر وأكثر. من هنا قال البعض إن هذا الغلام كان في زمن بعد عيسى بن مريم؛ لأن عيسى بن مريم ماذا كانت معجزته؟ كان يبرئ الأكمه والأبرص، فهذا الغلام كان في زمن بعد زمن عيسى فأجرى الله على يديه كرامة من جنس معجزة النبي.

وكرامات الأولياء قد تكون أحياناً من جنس معجزات الأنبياء، كما قال ابن تيمية: قد تكون من جنس معجزات الأنبياء بس من معجزات الأنبياء الصغرى وليست الكبرى. الآن يقول شيخ الإسلام في كتاب النبوات إن معجزات الأنبياء على نوعين: هناك معجزات كبرى، مثل معجزة موسى لما فلق البحر اثنتي عشرة فرقة، قال هذه لا تكون للولي؛ انقلاب العصا حية لموسى، هذه معجزات كبرى لا تكون مثلها للأولياء.

لكن هناك معجزات صغرى مثل تكثير الماء والطعام للنبي ﷺ، مثل النار كانت برداً وسلاماً على إبراهيم، هذه المعجزات يمكن أن يكون جنسها للأولياء والصالحين، وهذا ما حصل مع هذا الغلام، أنه وجد أن الله عز وجل يعطيه كرامة. ما هي؟ هذا الغلام كان إذا جاءه رجل أكمه أو أبرص بمجرد ما يقرأ عليه يشفى بإذن الله.

طبعاً أنت لاحظ خلال كل هذا المشهد أن الملك مش عارف عن موضوع الغلام، يعني هذا الغلام بدأ يمشي في الناس ويدعوهم إلى توحيد سبحانه، وكان يرى الناس المستضعفين الذين عندهم مشاكل في العين أو مشاكل في الجلد أو ما شابه، ويقرأ عليهم ويشفون، ويقول: «يلا هذا بشفاء الله، لوحد الله». فكان يستعمل هذه الكرامة وسيلة لدعوة الناس إلى توحيد الله سبحانه، فبدأ الغلام يشتغل باختصار، بدأ يدخل على البيئة الدعوية ويمارس الدعوة إلى الله من خلال الامتيازات التي ربنا سبحانه وتعالى أعطاها له.

الآن شيء طبيعي، انتشر هذا الغلام وصار الناس يتحاكى بقصته، أنه في غلام في القرية موحد لله سبحانه يبرئ الأكمه، يعني إذا وضع يده على مرض يشفيه بإذن الله ويدعوكم إلى التوحيد. شيء طبيعي أن هذه القصة تنتشر، فالناس بطبيعتها تتناقل هذه الأخبار. لمن وصلت هذه المعلومة؟ وصلت هذه المعلومة إلى البلاط الملكي، وصلت إلى جليس الملك.

الملك له وزراء، أحد الوزراء كان أعمى، فلما سمع أنه هناك شاب بمجرد ما يقرأ عليك أدعية التوحيد والأذكار يشفى المريض بإذن الله، فكانت فرصة بالنسبة له أن يدعو هذا الغلام ليقرأ عليه فيشفى من العمى. فسمع جليس الملك الذي كان قد عُمي، فيظهر لي أنه كان بصيراً وجاءه العمى، فأتاه بهدايا كثيرة؛ هذا الرجل الذي هو جليس الملك جاب هدايا كثيرة يريد أن يقدمها للغلام مقابل أن الغلام يقبل أن يقرأ عليه وربنا يشفيه.

فقال هذا الجليس أو هذا الوزير للغلام: «ما هاهنا لك أجمع»، يعني كل هذه الهدايا لك، كل هذه الهدايا لك جمعاء، مقابل ماذا؟ قال: «إن أنت شفيتني إذا قرأت عليّ ورد الله إليّ بصيراً». الآن كما قلنا هذا الغلام أصبح يحمل هم الدعوة، أصبح داعية في مجتمعه، فالرجل لا يبحث عن مناصب دنيوية ولا يبحث عن إغراءات مادية، ليس منصباً يجعله يغير دعوته، ولا مجموعة هدايا تجعله يلف ويدور على إله، هو ثابت على مبادئه وعلى قيمه، ليس شغل مناصب ولا هدايا ولا إغراءات.

فماذا قال هذا الغلام لجليس الملك؟ قال: «إني لا أشفي أحداً إنما يشفي الله، فإن أنت آمنت بالله دعوت الله فشفاك». واضح أن هذا الغلام كان شرطه لمعالجة أي شخص هو أن تسلم، إذا أنت بتسلم وتوحد الله أدعو الله لك فيشفيك. هذا شرط الغلام ليعالج أي حالة يتعرض لها، وهكذا قال لجليس الملك: «وحد الله واسلم واترك دين الملك وأنا أدعو الله لك وباذن الله تشفى». فآمن بالله فجليس الملك آمن بالله فشفاه الله.

الآن الأصل بجليس الملك ماذا يعمل؟ لا الأصل ما يرجع للملك؛ لأن أول سؤال سيأله الملك: «أنت أمس كنت أعمى اليوم كيف صرت ترى؟»، هنا أنت أعطيته الحبل الذي من أولها سيبدأ الملك يتبع أنه في شيء يحدث من ورائي. فهذا الرجل رحمه الله مات شهيداً، ولكن أنا أعطيك القصة لأنه لو كنت أنت مكانه لازم ما تعمل مثل زيه.

في اليوم التالي راجع للملك بقوة، فأول سؤال بديهي يريد الملك أن يسأله لوزيره هو: «من الذي أرجع لك بصرك؟ أنت أمس كنت أعمى اليوم أصبحت ترى، كيف حصل هذا؟». طبعاً ما دام هو رجع البصر، فمن الممكن أن يكتم، على الأقل يقول إنه جلب له سالفة غير موضوع البصر، مثل: «والله أخذت عشبة ووضعتها على عيني فمشى الحال». كان بإمكانه استعمال علاجات كثيرة، لكن أحياناً -وكما قال هرقل لأبي سفيان- هكذا الإيمان إذا خالط بشاشته القلوب؛ الرجل كان مشبعاً بأفكار باطلة، هذا جليس الملك مشبع بالفساد، فلما رأى أن توحيده لله أنقذه من العمى أصبح مستعداً أن يستغني عن روحه. أنتم متخيلون الرجل ماذا كان يريد والآن ماذا صار؟

كان يبحث أن يرد بصره، الآن أصبح مستغنيًا عن روحه، هو يعرف الآن. شوف الإجابة اللي أجابها، واضح أنه إنسان مستغني عن حياته، واضح هكذا الإيمان إذا خالطت بشاشته القلوب.

هرقل زعيم الروم، متخيلين إخواني لما جلس مع أبي سفيان ماذا قال له؟ تعرفوا أبو سفيان هو طلب مين من القرشيين في الشام؟ فقيل له هناك وفد، فهرقل يسأل أبا سفيان عن النبي ﷺ عن دعوته، ومن الذي يؤمن به؟ فقال أبو سفيان: المستضعفون. قال: هل يرتد أو هل يرجع أحد منهم عن دينه؟ فقال أبو سفيان: لا يرجع أحد منهم عن دينه. فماذا أجاب أبو سفيان هرقل النصراني؟ وهكذا الإيمان إذا خالطت بشاشته القلوب. اللي بيعرف ربنا صح ومؤمن صح، مستعد يستغني عن روحه من أجل الله سبحانه وتعالى.

هكذا الإيمان، مستعد يتخلى. وبالتالي النبي ﷺ يريد أن يخبر الصحابة؛ ذاك الرجل الذي وضع في حفرة فشق نصفين، أو ذاك الرجل الذي مشط بأمشاط الحديد ما بين لحمه وعظمه، ايش اللي بيخليه يتحمل هذا العذاب الشديد؟ لولا أنه في إيمان بالنسبة له هو أعز من كل شيء، وبالنسبة له هو ما يلتفت ماذا يمكن أن يحصل في جسده، لأن الإيمان الذي دخل في القلب هذا إيمان مش قشور إخواني. حتى نفهم أنه مش سهل أن تقول إنه عندك هذا النوع من الإيمان. الله إن شاء الله يثبت الإيمان في قلوبنا جميعًا. نحن مؤمنون صحيح، لكن مش سهل أن الواحد يدعي أن الإيمان وصل للعمق لدرجة أنه يمكن أن يوضع على رأسه فيُفرَق فرقين، أو يُمشط بأمشاط؛ مش سهلة هي القضية. لا تظن أن هذا الكلام ممكن أي شخص يدعيه، هذا يحتاج إلى إيمان عميق ومحبة شديدة لله سبحانه وتعالى حتى تصبر على كل هذه الأذواء.

المهم، فهذا الرجل جليس الملك، والملك قال له: كيف رد إليك بصرك؟ فماذا قال؟ الوزير قال: ربي. واضط الوزير، وبده يعلنها، قال: ولك رب غيري؟ يعني أنت مين ربك؟ هو أن الملك بيقول أنا ما رجعت لك بصرك، وأنا فارض على الناس أن أكون أنا ربهم، فبالتالي من ربك الذي أرجع لك بصرك؟ فهنا أعلنها صراحة: قال ربي وربك الله. لا، أنت مش رب، أنت مجرد وهم، أنت مجرد نموذج الاستبداد والظلم، أنت لست إلهًا فاعلاً. ربي وربك الله؛ هذه لحظة إعلام ولحظة إيمان، لكن هذه اللحظة بعدها سيبدأ مسلسل البلاء الذي سينتهي بانتهاء القرية كلها.

من هذه الكلمة سيبدأ مسلسل ينتهي به كل أهل هذه القرية، سينتهون تمامًا من الموحدين. ولذلك كما قلت، أنت لست مطالبًا أن تفعل كما فعل وزير الملك؛ أنت قد تهرب، قد تفعل أي شيء، لأنه في النهاية أنت لا تريد... أحيانًا الإنسان قد يتحمل البلاء الذي يتعلق بنفسه، أنت ضحيت بنفسك قوة الله، لكن ليس من الصحيح أن تعفي شيئًا قد تكون ضريبته ليست عليك وحدك، لا، الضريبة هذه يدفعها الجميع؛ لا تعرض إخوانك لمثل هذه الضريبة الباهظة.

لكن قد يكون هذا الرجل ممكن ما توقع أن يكون الأمر بهذا البعد، وهذا قد يحصل، التقديرات الخاطئة في الميادين الدعوية تحصل إخواني، وهذا ربما يناسب ما نحن في ظرفه اليوم؛ بعض الناس لما ينظر في حال أهل غزة وما شابه ذلك، بتكون نقاشات كثيرة: طيب يا شيخ هو صح مش صح؟ أنا ماذا أقول دائمًا؟ بغض النظر كان صح ربنا عز وجل يتقبل، كان خطأ الدعوة فيها تقديرات خاطئة، وهذه التقديرات الخاطئة -إذا كان تقديره خاطئًا- ماذا حصل؟ القرية أبيدت تمامًا.

القرية أبيدت تمامًا، فالنبي ﷺ ما قال والله هذا الرجل جليس الملك أخطأ وأورد قريته في إبادة لا نهاية لها. أحيانًا الإنسان يقدر، اليس كذلك؟ قد يصيب في ميدان الدعوة تقديره ويكون فعله صحيحًا، وقد يخطئ التقدير في طريق الدعوات، قد يخطئ التقدير، ما في مشكلة، يعلم، يرشد، ينصح، لكن قد يخطئ التقدير وقد تكون في ثمن باهظ، لكن هذه سنة الله سبحانه، وقدر الله النافذ. وما دام في سبيل الله فالأمور تهون، لو كان في الدنيا والله الواحد بيزعل أكثر وأكثر، لكن لما تكون في سبيل الله وفي محاولة الإنسان، لا يجب أن يأخذ هذا البعد عنده أكثر من حجمه الطبيعي.

هل الأخطاء متصورة في ميدان الدعوات؟ نعم، أنا ممكن أخطئ، والشيخ ممكن يخطئ، وأي شخص ممكن يخطئ، وقد يكون تقديرك مش صحيح، وقد يكون تقديرك أحيانًا فيه شدة وضرر على إخوانك. هي أمور قدرية، قد تكون استعجلت خطوة، تأخرت خطوة، وقد تكون أصبت، لكن في النهاية أنت تحاول، أنت تسعى، أنت تبحث. أحيانًا قد تكون الحلول أمامك محدودة، قد تظن أن هذا تصرف صح وتكتشف أنه خاطئ، والمهم أن نتعلم من تجاربنا.

لكن ليس المهم أن يُلام جليس الملك: يا أخي أنت يا جليس الملك، الله يسامحك يا أخي أنت ورطت كل القرية وكل القرية فنيت بسببك! الآن من حيث سياق القصة هو الذي كشف الموضوع كامل؛ فكل القرية فنيت بسببه، لا يؤاخذ أنك ما تعرف شو تقديراته كيف كانت، ونظرته للأمور، وما هي الحسابات التي قدرها في هذه اللحظة؟ يعني هل لو كان يعلم أن الأمور ستنتهي بهذا المال هل كان فعلاً سيعود إلى الملك؟ قد يكون الرجل ظن أنه أنا سأضحي بنفسي وخلص، بس هو ما كان متوقع أن الأمور ستأخذ هذه الأبعاد من الملك، وهي الشراسة لدرجة أنه يحفر أخاديد يدفن فيها أهل القرية ويعذبهم جميعًا.

هذا العذاب، دائمًا نستفيد من هذه القصة في واقعك المعاصر لتعرف كيف يتعامل الإنسان مع أخطاء الدعوة، مع أخطاء السير، وكيف أن الأخطاء أحيانًا صارت واقعًا وبدك تعالجه وتواجه، ولا تبقى تلوم، وتستفيد من تجارب قادمة. هذه قضية أحببت أن أعلق عليها في هذا السياق.

طبعًا لما قال للملك ربي وربك الله، الوضع الطبيعي أن المستبد ماذا سيفعل؟ سيستشرس، قال معناها في دبح في القرية. لا، شوف هذا الملك ذكي، ترى هذا الملك ذكي، ليه؟ لأنه هو ما مسك الجليس وقتله، لا، قال لك هذا امبارح كان معي اليوم أصبح ضدي، إذا في حدا وراه بدي أعرف مين وراه.

الملك يعرف أن مثل هذه الأمور ليست عفوية، فمن يتآمر عليه في القرية؟ هناك ناس خارجون عن السكة، وحاول بالتالي أن يأتي بهم. فالإجراء الذي اتخذه الملك ما هو؟ قال: ﴿فَلَمْ يَزَلْ يُعَذِّبُهُ﴾، قال: فأخذه فلم يزل يعذبه حتى دل على الغلام. أخذ هذا الجليس ويعذب فيه.

كلمة «فلم يزل يعذبه» تعطيك مؤشراً، ما هو يا شيخ؟ أنه ليس من أولها. الراهب جليس الملك لم يكن من أولها، بعض الشباب يكون من أولها، لكنه صبر له قليلاً. أشار على الغلام، فجاءوا به. واضح أن هذا جليس الملك صبر وانضرب يومين أو ثلاثة أو أربعة، لكن في النهاية الإنسان طاقة بشرية، وقد تصل لمرحلة من العذاب الشديد، اللهم لا تحملنا ما لا طاقة لنا به.

الرجل وصل لمرحلة من العذاب، و«فلم يزل يعذبه» تدل على شيء مستمر. حاول يكتم، ولذلك قلت لك في اعتقادي أن ما حصل مع جليس الملك هو أنه قدر أنه سيصبر ولن يبوح، وأنه سيُقتل وحده في أسوأ التقديرات، لكنه لم يعرف أن العذاب الذي ستتعرض له سيجعلك تبوح. هو عندما أتى للملك أراد فعلاً أن يواجه الملك ويصادمه، لكنه لم يرد أن يضر الغلام، ولا أن يضر أهل القرية، ولا أن يكشف الموضوع. قدر في نفسه أنه يستطيع التحمل، وبالتالي قال أنا على مستواي الشخصي بايع، فقال للملك: «ربي وربك الله».

ظن أن الملك سيقتله وينهي الموضوع، أحياناً يكون التقدير خاطئاً؛ فربما لو درس الأمر لربما فكر أن الملك قد لا يقتله، أو يريد فقط أن يعرف من أين أخذ الكلام، وربما كان هناك حل آخر. لكن كما قلت، هكذا هي الحياة، وهذه أقدار الله سبحانه تجري على الناس. الرجل قدر تقديراً، لكن فعلاً عُذب حتى وصل للانهاك، فاضطر أن يعترف.

قال له الغلام، وهنا الملك بالنسبة له الموضوع خطير؛ لماذا هو خطير؟ لأنه اكتشف أن الذي يتآمر وراءه ليس إنساناً بعيداً عن دائرته، بل هو الشاب الذي تبناه، وفحصه ليكون بديلاً عن الساحر ليخدمه، فإذا به هو الذي يتآمر عليه، ويحرض الناس ضده، ويعلم الناس غير ما يعلمهم. بالنسبة للملك كان الموضوع شديداً؛ لأنه اكتشف أنه من الدائرة المحيطة به.

لذلك أقول لك هذا الملك مستبد لكنه ذكي. ماذا فعل؟ أتى بالغلام، فقال له: ﴿أَيُّ بُنَيَّ قَدْ بَلَغَ مِنْ سِحْرِكَ مَا تُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَتَفْعَلُ وَتَفْعَلُ﴾. ماذا حاول الملك أن يفعل بهذا الطرح؟ هو يريد أن ينصب ما يفعله إلى السحر الذي تعلمه وليس إلى الله. الغلام ربه أعطاه كرامة أنه يبري الأكمه والأبرص، لكن الملك لا يريد مواجهته مباشرة، بل بدأ باستمالته؛ لأن الملك يعرف أن هذا الشاب ذكي، وإذا صار عنده قدرة أن يبري الأكمه والأبرص، فكر الملك: «هذا أنا أستطيع توظيفه لصالحي».

بدأ معه بأسلوب: «ما شاء الله عليك، السحر الذي علمناك إياه لم يذهب سدى، لقد أصبحت تبري الأكمه والأبرص، فبفضل السحر الذي تعلمته على يد الساحر أصبحت إنساناً عظيماً، وتستحق فراستي فيك، فأنت شاب سيكون لك مكانة بإذن الله». هو يحاول إغراء الشاب، وكأنه يقول له: أنت ما زلت على العهد الذي بينك وبيني، وما زلت تتعلم من الساحر، فأخبرني ماذا تعلمت حتى أطمئن.

هنا الغلام رأى الأمور بوضوح، والراهب عندما فرّس في الغلام وأدرك أنه شاب مقبل للتضحية لم يخطئ فراسته. فقال له الغلام: «إني لا أشفي أحداً، إنما يشفي الله سبحانه وتعالى». أنا في هذه اللحظة أتخيل أن الملك طار عقله؛ لقد بذلت له العناية والتركيز وتبنيته، وفي النهاية يظهر أنه هو الذي يتآمر ضدي ويدعو الناس إلى ترك الإيمان بي. فأخذه وعذبه، ولكن لماذا لم يقتله؟

الملك يا إخواني يعرف طاقمه كاملاً، هو مستبد وظالم لكنه فاهم، وهذا ما يجب أن تنتبهوا له. مثلاً الصهيونية العالمية اليوم، هم فجار، لكن لا يجوز أن تستخف بطاقة عدوك. بعض الشباب يظن أنه بما أن العدو كافر فهو بالضرورة أحمق، وهذا خطأ؛ فهو كافر ولكنه ذكي ويعرف كيف يعمل. الصهيونية استطاعت أن تمسك العالم الإسلامي من مفاصله، وهذا ذكاء في العمل والقدرة والإدارة.

إياك أن تستهين بعدوك، ولا تظن أنه لمجرد كفره سيكون أحمق، فهذا طيش. قد تملك أنت القيم والمبادئ والعقيدة وهو لا يملكها، لكنه يملك الدراسة والذكاء والتعلم. سبحانه وتعالى عندما قدر هذا الكون أن يجري على الأسباب، فإن من يأخذ بالأسباب يتقدم، حتى لو كان كافراً. أما المسلم الموحد الذي لا يتعلم ونائم في بيته وكسول، فسيُهزم؛ هكذا هو قانون الحياة. النبي ﷺ لم ينتصر من أول يوم، بل أخذ بالأسباب وارتقى حتى استطاع أن يهزم عدوه.

في جراح وفي هجرة وفي تعب؛ لأنه يريد أن يعلمنا أن الإسلام ينتصر بالأسباب وليس بالتمنيات والاندفاعات والأحلام الوردية. هناك أثمان وأسباب، عندئذ يتربع الإسلام -بعد سنوات ربما أو الله أعلم- على عرش البشرية.

المهم، فالملك عارف أن هذا الغلام شاب صغير، وهذا الكلام الغلام ما أخذه من عنده، في واحد في القرية هو اللي عم يدس هذا الكلام. الملك مقتنع بهذه القناعة، أنه في واحد في القرية هو اللي بيعلم هؤلاء؛ لأن هؤلاء شاب صغير وهذاك جالسي، مستحيل يكون هذا الكلام والعلم أخذوه من أنفسهم، في حد عم يعلم الناس. فهو كان حريصاً أن يعرف من هو الرأس المدبر، فأخذ الغلام فلم يزل يعذبه.

طبعاً نحن الراهب شو الغلام؟ قال: «فلم يزل يعذبه»، واضح أن الغلام أيضاً مش من أولها دل على الراهب. حاول، حاول يتحمل؛ يوم، يومين، ثلاث؛ ضرب سياط، تجويع، بغض النظر ماذا تعرض له. أنهكت قواه مع شدة العذاب، اعترف، وهذا لا يؤاخذ عليه الإنسان؛ يعني ما حدا بيلوم الغلام ولا حدا بيلوم الراهب، بل بالعكس، الغلام أسطوري، سيظهر معنا الآن ثباته الكبير. هو مش جاي يخون الراهب، الله يسامحك يا غلام، شو قال لك الراهب؟ وأنت لما تكون مكان الغلام رح تحكي؟ لأن العذاب الذي تعرض له مش عذاب سهل، لما تنخلع أظافرك ويجي يشيل الكماشات أسنانك، الموضوع مش بتلك الصورة السهلة.

واضح أن الغلام مر بعذاب شديد حتى وصل لمرحلة الاعتراف، وأن الملك كان حريصاً أن لا يقتل الغلام حتى يعترف، ليعرف الملك من الذي في القرية يحاول أن يفسد على إمارته. قال: «فلم يزل يعذبه حتى دل على الراهب»، فجيء بالراهب. هل هنا الملك عذب الراهب حتى يعترف بشخص أعلى منه، أم اقتنع أنه هذا هو الرأس؟ لا، الملك اقتنع أنه هذا هو الرأس؛ راهب، شيخ، متعلم، دارس، قال لك في غيره؟ يعني ما توقع أنه يكون في حدا أبعد منه، لذلك الراهب ما عذبه حتى يعترف، لا، مباشرة قتله.

وصل الملك إلى قناعة أنه هذا هو الرأس المدبر في القرية، فأخذه. قال: «فجيء بالراهب». الآن الملك ابتداءً ليس متعطشاً كثيراً للدماء بالمفهوم الابتدائي، يعني هو مش هدفه ابتداءً أنه يريد أن يقتل، قال لك خليني أخلي هذا الشيخ الذي هو الراهب يغير مبادئه، حاول، بدي أحاول معه. قال له ارجع، عرض مغري، صح ولا لا؟ العرض مغري؛ أنك في النهاية، عارف، إذا ما رجعت راهب رح تموت، فالملك ما استعجل مسكه وقتله مباشرة، لا، حاول أن يغريه، قال ارجع عن دينك وخلص أمورك طيبة، يعني بترجع على بيتك ما حدا بيسولف معك، لكن بدك تبدل وترجع.

هنا عجبتني شخصية الراهب، صحيح الراهب في البداية كان متوجساً وقال للغلام لا تدل علي، لكن في النهاية في حزها ولزها ثبت، كان رجلاً. وهنا سبحان الله، قد تكون إنساناً تعرف ضعف نفسك وتخشى على نفسك الفتنة، فلا تحب أن تعرض نفسك للبلاء، لكن قد يفرض البلاء عليك فرضاً، وعندئذ يثبتك الله سبحانه وتعالى. شوف، لما يجيك البلاء الذي هو أعلى من طاقتك لكن أنت ما استجلبته، ربنا بيعينك عليه. لكن لما أنت تستجلب البلاء، وأنت عارف أنه أنت لست قد البلاء، قد يكون فتنة عليك؛ احفظ الفرق بين هاتين القاعدتين، بإذن الله تنتفع بهما في حياتك.

أيُّها الشاب، النبي ﷺ ماذا قال؟ قال: «لا تتمنوا لقاء العدو، فإذا لقيتموه فاصبروا». سال الله العافية. إذاً، إذا لقيتموه فاصبروا. لما أنت تستجلب البلاء، مع أن البلاء ليس جايك، البلاء ما طرق دارك، تروح أنت تجيب لنفسك البلاء وتضع نفسك في مكان أعلى من طاقتك فقط من أجل الاستعراض، ساعتها قد تفتن، قد تفتن، حتى لو تقول يا شيخ بس أنا... أنت لست مطالباً أن تستجلب البلاء إلى ثغرك، «لا تتمنوا لقاء العدو»، هكذا علمنا النبي ﷺ؛ سال الله العافية.

أخي، ما يدريك؟ ترى قد لا تثبت، لا تشبر وتعمل وكذا. لا، أخي سال الله العافية، قل: اللهم اصرف عنا شر البلية أجمعين. لكن إذا فرض عليك البلاء فرضاً، أنك أنت ما أحببت أن تتعرض للبلاء وصرفته قدر المستطاع وكنت إنساناً سوياً وبحالك، لكن جاء البلاء، هو طرق باب بيتك، هنا يعطيك الله من الدعم والقوة الإيمانية ما يجعلك تسطر ما سطره الراهب. فالبلاء الذي لا يُستجلب استجلاباً وإنما يُفرض فرضاً، الله سبحانه وتعالى يعين صاحبه بقوة لا تعلم من أين أتتك، لا تعلم أنت. يعني إذا بتقعد مع حالك: والله يا شيخ أنا أضعف من هيك بكثير، بس والله اجتني قوة إيمانية، والله ما بعرف كيف ثبتت؛ هذا الصحيح، هذه من الله، هذه مش منك، هذه مش من الأسباب ولا من "الجيم" الذي لعبت عضلات، لا، هذه قوة إيمانية من الله سبحانه وتعالى أتتك، لأن الله عز وجل يعين عباده، ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحج: 38].

الآن الراهب رفض أن يرجع عن دينه، قال: «فأبى الراهب أن يرجع»، قال له: اعمل بدك إياه، قال: «فدعا بالمنشار». منشار إخوان! فوضع المنشار في مفرق رأسه، في هذه المنطقة مفرق الرأس، قال: «فشقه شق نصفين»، تخيل من هنا إلى هنا، قسمين كاملين!

إخواني، الناس الأقدمين تعبوا في حمل هذا الدين، فما لم نتعب نحن؟ أنت الحمد لله بخير وعافية، أنت بتروح على بيتك عندك طعام وشراب وأمور، وبعض الشباب يشتكي على ماذا تشتكي؟ والله بيشتكي: والله يا شيخ أنا والدتي ضايقتني، أو أبوي زعل مني أو زعلني، أو شوي الطريق في أزمة، أو طالت علي الطريق، أو في حدا وجه لي كلمة. بعض الشباب هشاشة كبيرة في التدين، ما تصلح! الأقدمين لما حملوا هذا الدين، حملوه بهذه النفوس الأبية التي كانت مستعدة أن تنقسم قسمين وتثبت على دينها. أنت ماذا تحملت في دين الله سبحانه وتعالى؟ شوية حر؟ شوية أزمة طريق حتى اجيت للمجلس؟ شوية أمور حياة؟ شوية المادة ضاقت عليّ فبطلت أصلي؟ أيش البلاء الذي تعرضت له؟ أخبرني، هذا راهب وعابد لله.

تعرض لبلاء شديد، قسمين، ومع ذلك، يا شيخ لماذا لا؟ أليس هذا إكراهاً؟ لماذا لم يقل له: خلص أنا معك؟ وقلبه مطمئن بالإيمان؟ لا، هذا الراهب أراد الموقف الأعلى، أراد ألا يقول كلمة الكفر وقلبه مطمئن بالإيمان، أراد أن يستشهد. الراهب طلب المرتبة الأعلى وهي الشهادة، ورزقها بإذن الله.

قال بعد أن الملك يريد أن يخلص على كل هؤلاء الرؤوس لأنه خائف من انتشار موضوع الإيمان داخل القرية. قال: ثم جيء بجليس الملك، دعا الوزير، قال له: ترجع عن دينك؟ الوزير الذي هو أصلاً دل على الغلام، قال له: ترجع عن دينك؟ أعطاه هذا العرض ليرى مدى ثباته، فقال: أبى. تخيلوا، الوزير هذا كان طموحه ابتداءً أن يرجع بصره، الآن مستعد أن يستغني عن الروح! شوف الإيمان كيف يغير نظرتك للدنيا؛ كان وهو وزير مهموماً، يبحث عن رؤية الناس ليعيش مثلهم، الآن بعدما خالط الإيمان قلبه، أصبحت كل الدنيا بالنسبة له شيئاً لا يريده ومستغنياً عنها، ويقول: أريد أن أستشهد في سبيل الله.

فقال له: اعمل الذي تريده، وهو قد يكون سمع أو رأى الراهب، شاف الراهب ينقسم قسمين أمامه ومع ذلك أصر هذا الرجل أن يثبت على دينه. كل الموازين اختلفت، ما عادت الدنيا بالنسبة له تعني الكثير ليقاتل من أجلها. فقال له: اعمل الذي تريده، فأبى، فوضع المنشار في مفرق رأسه فشقه به حتى وقع شقاه، نفس الشيء، قسموا قسمين.

ثم جيء بالغلام، الآن الملك لا يريد قتل الغلام مباشرة؛ لأنه في اعتقادي ما زال الملك يراهن على هذا الغلام. هذا الغلام ذكي، وكان الملك حريصاً قدر المستطاع أن يعطيه فرصة أكثر للتوبة في وجهة نظر الملك والتراجع، لعلي أستفيد منه، هذا أبرأ لك؛ ما هو الأبرص؟ يعني هذا بالنسبة للملك ثروة لو استطاع أن يجعله يتراجع عن مبادئه ويصبح من زبانيه، الملك ومن خدامه.

فبالتالي أعطاه الملك فرصة أطول، وستقول الآن: لماذا استعجل الملك على قتل الراهب والجليس ولم يستعجل في قتل الغلام؟ لأن الغلام بالنسبة له مشروع، قال: ممكن أستثمر فيه، وهكذا يفعل أحياناً المستبدون؛ عندما يرون شاباً ذكياً لا يستعجلون عليه، يقول: دعني أتفاهم معه، دعني أطيل نفسي معه، لأنه إذا استطعت في يوم من الأيام أن آتي به لصالحي فسيخدمنا كمكسب. فكان الملك هذا ليس سهلاً، يخطط ويعرف ماذا يفعل.

قال للغلام: يا غلام ارجع عن دينك، فأبى. طبعاً الملك يحاول استمالة الغلام، أن يرجع وتكون أموره طيبة ونفتح صفحة جديدة، فأبى الغلام. فدفعه إلى نفر من أصحابه، قال: خذوا هذا الغلام، اذهبوا به إلى جبل كذا وكذا، فاصعدوا به الجبل، فإذا بلغ ذروته فإن رجع عن دينه وإلا فاطرحوه.

لماذا يصعدون به إلى رأس الجبل؟ من هنا حتى يصل إلى الجبل مشوار، وهذا شاب عمره 17 أو 18 سنة، لعله يراجع حساباته في هذا المشوار. وهذا كان يراهن عليه، وقال لهم إذا وصلتم إلى رأس الجبل؛ لم يقل لهم القتل مباشرة، بل قال: ارموه في الحفرة وقولوا له ترجع عن دينك وإلا نلقيك. الملك يريد أن يعطيه أطول فرصة ممكنة لعل هذا الغلام يراجع أوراقه ويبدل دينه.

ماذا حصل؟ قال: ﴿فَإِذَا بَلَغْتُمْ ذِرْوَتَهُ﴾ أي رأس الجبل، فإن رجع عن دينه وإلا فاطرحوه. فذهبوا به وصعدوا به الجبل، فماذا قال الغلام؟ قال: «اللهم اكفنيهم بما شئت». هذا دعاء، احفظوه، هذا من الأدعية التي يقول العلماء إنها تكفي عنك شر الظالمين: «اللهم اكفنيهم بما شئت». وهذا الغلام أصلاً مستجاب الدعوة، هو كان يبرئ الأبرص من خلال الدعاء، فقال: «اللهم اكفنيهم بما شئت»، فرجف بهم الجبل، فسقط الجنود وهو ما سقط، ببركة هذا الدعاء، ربنا استجاب دعاءه.

وجاء يمشي إلى الملك. هنا المعضلة: لماذا رجع الغلام إلى الملك؟ لو كنت مكان الغلام، خارج القرية، لماذا أرجع للملك؟ الملك واضح أنه يريد أن يقتلني. لكن هنا سؤال لكم، وأريد إجابات: تتوقعون لماذا رجع الغلام إلى الملك وهو يعرف أن الملك يريد قتله؟

تفضل. نعم. يعني هو الآن يريد أن يستمر في ميدان الدعوة، أحسنت. قضية أنه يريد الوقوف أمام الملك وأمام حاشيته بكل قوة وثبات ليقول: يا جماعة، ترى أنا معي حق، والدليل أنكم رأيتم جنودكم وقعوا وأنا رجعت! هذا شيء غريب، الملك سينصدم عندما يسمع القصة؛ أن الجنود وقعوا وأنت رجعت، لأنهم أخذوك ليرموك، فهم الذين وقعوا وأنت الذي طلعت ورجعت.

بالنسبة للملك، لعل الملك ومن حوله ينتبهون أن الوضع ليس طبيعياً، وأن هذا الذي يحصل يدل على أن هذا الشاب ليس كأي شاب، وأن العقيدة التي بين جنبيه هي عقيدة حقيقية يؤيدها الله بالكرامات. هذا الشاب يظهر لنا أنه مستغنٍ عن الحياة، وأن هدفه الأكبر ليس بقاء حياته، بل أن يجعل الطاقات والامتيازات التي أعطاه الله إياها وسيلة، وهو مستعد أن يضحي بنفسه مقابل أن يعلو هذا الدين في القرية.

واضح أنه ذاهب فدائي، بمعنى أنه يدرك أن الملك يستهدفه، فإذًا هذا الشاب وطن نفسه على أنه مستغنٍ عن حياته، ليس لديه مشكلة. لذلك سأرجع للملك لأثبت له مرة أخرى أنني أملك أموراً تدل على صحة ديني وعلى بطلان ما أنت عليه. أنت لا تزعم أنك رب، بل الملك يزعم أنه رب، وأنت لم تستطع قتلي وأنا استطعت الرجوع؛ كيف تكون أنت رباً ولم تستطع قتلي، وأنا الذي أوحد الله وأنقذت نفسي بتوحيدي لله؟ إذاً معادلتك ليست صحيحة، أنت لا تصلح للربوبية.

أراد أن يظهر لحاشية الملك ولمن حوله أن هذا الذي تزعمون أنه ربكم الأعلى، لم يستطع أن يقتلني وأنا رجعت بديني وتوحيدي. فالغلام مصر على أن ينشر الدين، ليس لديه مشكلة في الحياة، المهم أن ينصر الدين. لماذا الغلام، ما دام مستغنياً عن حياته، لم يطلب الشهادة على رأس الجبل؟ لماذا كان حريصاً على رأس الجبل؟

حياته، هكذا دخلت الأمور؛ الغلام مستغنٍ عن حياته، ومع ذلك دعا ببقاء حياته: «اللهم اكفنيهم بما شئت». هو يريد أن ينقذ الآن، لأنه هذا الغلام -إخواني- يريد أن تكون تضحيته لها أثر حقيقي. هو يقول الآن: إذا ارتميت من رأس جبل، أهل القرية ما رح يعرفوا بالموضوع وانتهت الدعوة. وهذا ملحظ مهم؛ ألا تضحي بنفسك في شيء لا قيمة له، لا تضحي بنفسك بشيء ما له قيمة وما له أثر في حياة الناس.

ولذلك الغلام يعطيك هذا المشهد؛ الغلام قال: «اللهم اكفني»، ما بدي أموت يا رب، الآن يا رب ما بدي أموت، مع أنه هو حريص. في النهاية سنعرف أنه هو الذي سيقول للملك كيف يقتله، صحيح، لكن هو الآن لا يريد أن يموت في هذا المشهد؛ لأنه يريد أن تكون اللحظة الأخيرة لحظة مبهرة، يريد أن تكون اللحظة الأخيرة لحظة مدهشة، لحظة ذات أثر للأجيال اللاحقة.

وكان ما كان وصدق الله فصدقه الله، فالغلام رجع إلى الملك، فقال له الملك: «ما فعل أصحابك؟» -والجنود الذين بعثهم معي- قال: «كفانيهم الله». فالآن الملك يريد أن يحاول مرة أخرى، فدفعه إلى نفر من أصحابه بعثوا مع جنود آخرين، فقال: «اذهبوا به فاحملوه في قرقور» -يعني قارب- وتوسطوا به البحر، حطوه في نص البحر، لما تصير في نص البحر قولوا له: يا بترجع عن دينك يا بنقيك في عرض البحر.

فتوسطوا به البحر، فإن رجع عن دينه وإلا فاقذفوه في البحر. قال فذهبوا به وهو في نصف البحر، قال: «اللهم اكفني بما شئت»، دعا بنفس الدعاء فانكفأت بهم السفينة -انقلب القارب أو مال- فغرقوا، ورجع الغلام بالقارب للملك. فالملك عرف أن الموضوع هي ثاني مرة نفس التفصيل؛ الجنود يموتون وعم يرجع الشاب بصحته وعافيته، وجاء يمشي إلى الملك، فقال له الملك: «ما فعل أصحابك؟» قال: «كفانيهم الله».

الآن الغلام خلص، ما بده يطول الأمور، لأنه يريد أن ينتهي انتهاءً فاخراً، ويريد أن ينشر الدين والعقيدة في القرية ولو على حساب روحه وحياته الشخصية، ما عنده مشكلة. وهكذا الإيمان إذا خالط بشاشة القلوب، خلص تصبح الدنيا ليست ذات قيمة كبيرة في حياتك؛ "بدي أكبر وأتزوج وأجيب مصاري وأعيش وأبني فيلا وتكون عندي سيارة حديثة"، لا، ما هذا.

ما كان هذا في بعد الغلام، ولو كان الغلام زي حالاتنا لانتصرت الدعوات؟ صعب، ولا لا؟ الغلام هذا واضح أنه ليس صاحب طموح زواج وسيارة وبيت فاره وزوجة جميلة والأثاث، هو يريد أن ينهي الحياة، ما عنده مشكلة، لكن بشرط أن يكون الانتهاء انتهاءً فاخراً يليق بهذه الدعوة ويكون له أثر في حياة الناس.

فقال للملك: "شوف، إنك لست بقاتلي حتى تفعل ما أمرك به". والآن يريد أن ينصح الملك، قال: أنت بدك تقتلني، صحيح؟ قال له: أنت لن تستطيع أن تقتلني، واضح؛ أنت أمامك مرتين حاولت تقتلني وما صلحت معك، لست بقاتلي حتى تفعل ما أمرك به. قال: وما هو؟

قال: أول خطوة تجمع الناس في صعيد واحد، إعطاء الخطوات الإجرائية؛ أول شيء تجمع الناس في مكان مفتوح، في أرض واسعة، في صعيد واحد على مكان واحد. قال: ثم تصلبني على جذع، تربطني على جذع. ثم خذ سهماً من كنانتي -تاخذ سهم مني مش منك- شوف هو دقيق هنا، قال: ثم تأخذ سهماً من جعبتي أنا وليس من جعبتك أنت، إنه يريد أن يظهر أمام الناس أنه لم يستطع أن يقتل الغلام إلا من خلال سهم الغلام نفسه، أنه أنت سهمك يا ملك لن يقتلني، لن تستطيع حتى تأخذ سهماً من جعبتي أنا وليس من جعبتك أنت؛ إحراج للملك أمام الرأي العام.

قال: ثم ضع السهم في كبد القوس، يعني ضع السهم في كبد القوس وارفع وشد الوتر، ثم قل: «بسم الله رب الغلام». بده إياه يتكلم بهذه الجملة ليثبت أنه إنما استشهد وقتل الغلام بإذن ربه سبحانه وتعالى وليس باسم الملك.

طبعاً قد تفهم ضمنياً من طبيعة المجتمعات، أن الغلام لما رجع للملك مرتين أصبحت القصة منتشرة في القرية، يعني هكذا الوضع الطبيعي، اليوم بتصير قصة في العقبة بتلاقيها دقيقتين وصلت عمان. فبالتالي شيء طبيعي أن أهل القرية انتشرت عندهم القصة؛ تعرفوا شو صار في الغلام؟ شو صار؟ ترى الملك أخذه على الجبل وما ضبطت معه، وحطه في القارب، فالقرية مستعدة نفسياً أن هذا الغلام الملك مش قادر يقتله، وأكثر من مرة حاولوا وما ضبطت معه.

فالغلام بده يبهره ويدهشه، قال له: قل «بسم الله رب الغلام»، لما يرى الناس أنه قُتل فقط باسم رب الغلام سيعرفون أنه صاحب حق، وأنك أنت ملك عاجز، لست ربّاً، أنت تزعم أنك رب ومش قادر تقتل غلاماً، مش قادر تقتله وأكثر من مرة بتحاول بتفشل ولم تستطع أن تقتله، حتى أولاً هو الذي أخبرك كيف تقتله وهو الذي أعطاك الآلية، وهو قال لك: خذ من كنانتي وسمِّ باسم ربه. إذن واضحة القضية؛ أصبحت أنك مزيف، أنك لست حقاً، أنت إنسان مزيف تصنع نفسك إلهاً ورباً ولكنك في الواقع لا تملك أي شيء.

فالمهم، الملك -ما أعرف هل هو ذكي فيما يظهر من سياقات عديدة- لكنه وصل لمربع أنه ما في حل. باختصار، مهما بلغ العدو من الذكاء، في لحظة معينة يتورط، وهذه الورطة يوقعه الله سبحانه وتعالى فيها، يجعله يخطئ خطأً تاريخياً بسببه تنتصر الدعوات. العدو مهما بلغ من الذكاء -وهذا الملك واضح أنه عارف شغله وليس واحداً مغفلاً- لكنه أخطأ الخطأ التاريخي بالنسبة له.

وهذا الخطأ، الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ [النساء: 76]. شو ما كنت ذكياً، الشيطان في النهاية هناك إله حقيقي هو الذي يدبر المشهد، وهو به تسير الأقدار، وهو الذي يعلم مآلات الأمور. أنت مهما كان ذكاؤك، لن يكون أكثر من الذكاء في الأمور الشرعية.

فالملك أخذ الغلام، ثم قال: "ارمني، فإنك إذا فعلت ذلك قتلتني". فجاء الملك ما عنده الآن خيار، لأن هذا الغلام إذا ظل موجوداً فهو مصيبة بالنسبة للملك ولتدمير دعوته، فقال: ما في مجال إلا أن أقتله حتى ولو بطريقته. قال: "وبعدين بتفاهم مع الناس"، يعني هو قال: خليني أقتله بطريقته بعدين بتفاهم مع الناس وبحاول أقنعهم، المهم أن يزول قول هذا الغلام الداعي عن المشهد، لازم ينتهي بأي طريقة من الطرق. فجمع الناس في صعيد.

واحد وصلب على جذع، ثم أخذ سهماً من كنانته، أي من كنانة الغلام، ثم وضع السهم في كبد القوس، ثم قال: «بسم الله رب الغلام»، ثم رماه، فوقع السهم في صدغه. الصدغ هنا وقع السهم فيه فاستشهد الغلام.

وضع الغلام يده في صدغه في موضع السهم فمات. هذه الجملة بالنسبة لي أعتقد أن فيها شيئاً من الغموض؛ لماذا وضع الغلام يده على صدغه؟ هل دعا الله أن يموت أو أن يستشهد الآن؟ قد يكون نوعاً من الدعاء، أنه وضع يده على صدغه كأنه يقول: «يا رب الآن الآن»، وهذا قد يكون سراً بينه وبين الله، لأنه قال في المرة الأولى: «اللهم اكفريهم بما شئت»، وفي المرة الثانية: «اللهم اكفريهم بما شئت»، لما وقع السهم في صدغه وكان بينه وبين الله سر أنه: «يا رب الآن الآن»، لأنه راهن أن أهل القرية سيؤمنون لما يروا هذا المشهد، فالله أعلم. المهم أن في هذا إشارة؛ لماذا وضع الغلام يده على صدغه في هذه اللحظة ثم مات؟

الناس طبعاً، والقرية كلها معبأة أصلاً سابقاً في أخبار لديهم عن هذا الصراع بين الحق والباطل الذي يحدث في أخبار الغلام ونجاته من كيد الناس، فالوضع الطبيعي معبأ في القرية. فلما جاء المشهد الختامي بهذه الطريقة، صرخ الناس جميعاً: «آمنا برب الغلام، آمنا برب الغلام، آمنا برب الغلام».

وقع ما كان يخشى منه الملك. الملك يريد أن ينهي الشاب عن المشهد حتى تعود الأمور لمجاريها ويعود أهل القرية لعبادة الملك، لكن الذي وقع خلاف مقصوده. فلما رآهم الملك بهذه الطريقة جن جنونه. فأتت زبانية الملك للملك، فقيل له: أرايت ما كنت تحذر؟ يعني أنت كنت خائفاً أن هذا الغلام يؤثر على الناس، فها هي القرية قد آمنت الآن برب الغلام وتورطنا، ولم نستفد من قتل الغلام شيئاً. ما فائدة أن تغيبه عن المشهد لكن بقيت دعوته وأفكاره ونظرياته وكل الهمسات والكلمات أصبحت الآن حية في قلوب الناس يعيش الناس بها؟

أنت قد تغيب الجسد، لكنك لا تستطيع أن تغيب الأفكار. أنت قد تغيب الجسد وقد تقتله، وقد تغيب العلماء خلف الأسوار وتعمل ما تعمل، لكنك لا تستطيع أن تقتل الفكرة إذا بُذرت في قلوب الناس وسُقيت. والناس رأوا أن هذا الغلام ليس تاجر دنيا؛ هذا الغلام لو كان هذا الشيخ تاجراً لكان توافق مع الملك وعملوا معه صفقة وخلص، وأنا أترك الدعوة مقابل أن تعطيني امتيازات شخصية. من السهل جداً على مثل هذه الشخصيات المميزة أن يساوم مع الملك، والملك أصلاً يعرض عليه مساومات، لكن الناس عرفوا أنه صادق، ويحمل هماً، ويحمل ديناً، ويحمل عقيدة.

فقيل للملك: أرايت ما كنت تحذر؟ قد وقع والله ما كنت تخافه، قد آمن الناس. الملك طبعاً فقد السيطرة تماماً وعرف أنه لا بد أن ينهي الناس. انظر إلى هذا الاستبداد وهذا الطغيان الذي يذكرك اليوم بطغيان اليهود، كيف أنهم مستعدون أن ينهوا غزة كاملة مقابل غطرستهم وبقاء حكمهم وملكهم. هكذا هم المستبدون عبر التاريخ؛ الذين لا يعبأون بالبشر ولا بالشجر ولا بالحجر، ولا يعطون أي قيمة لدماء الناس ولا لأرواحهم مقابل طغيانهم واستبدادهم لتبقى لهم الدائرة، ولكن الله سبحانه وتعالى لهم بالمرصاد.

هذا الملك، سؤال: كم عاش بعد أن قتل أصحاب الأخدود؟ عاش له أيضاً عشر سنين أو خمس عشرة سنة، لكن الذي ينتظر عند الله خالد مخلد في نار جهنم، لا ينتهي عذابه إلى أبد الآبدين. اشترى لذة الدنيا الفانية مقابل أنه باع الآخرة، واستعد لفتنة المؤمنين والمؤمنات، ثم لم يتوبوا، وربنا توعد هذا الملك. والعبرة بعموم اللفظ، ولكنه أولى من يدخل في هذا الوعيد؛ لأن الله تعالى قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾ [البروج: 10].

لاحظ هنا في سورة البروج وعيدان وراء بعضهما: ﴿فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾. الحريق ليس هو جهنم يا شيخ، لكن لهجة الوعيد المتكررة تعطيك أنه يا ويل هذا المستبد الذي يفني الناس ويهلك الناس من أجل طغيانه وجبروته وملكه. ﴿فَحُفِرَتْ لَهُمْ أَخْدَادٌ فِي الْأَرْضِ﴾، فالأخدود هو الحفر في الأرض في فواهم السكك، والسكك هي الطرقات؛ أي أمر أن تحفر أخاديد في الشوارع والطرقات في بلدته. ﴿وَأُصْلِيَتْ نَاراً﴾، أي أصبحت الأخاديد وضعت فيها الحطب وأصبحت نيراناً عظيمة مشتعلة.

﴿وَقَالَ لَهُمْ أَرْضُوا أَنْتُمْ أَمْ أَنَّا أَرْضُوا﴾، أو قيل له: «قولوا له اقتحم»، أي ادخل. وبالتالي حتى الملك الآن لا يلقيهم مباشرة، بل يريد أن يحاول قدر المستطاع أن يهز قناعاتهم، ويريد أن يرى من فيهم الثابت ومن ليس ثابتاً، فقال لزبانيته: «أعرضوا على الناس، أترجع عن دينك ولا نلقيك؟». إذا رجع عن دينه اتركه، وإذا لم يرجع فأحموه بها، أي صلوه في هذه النار.

طبعاً هذا مشهد مرعب؛ تخيل أهل قرية كاملة الآن سيتم إبادتهم وانتهاء قصة قرية. ممكن البعض يقول: طيب يا شيخ، خلص، دع أهل القرية يظهروا له أنهم يريدونه، وبعد ذلك يوحدون الله في بيوتهم. لكن النبي ﷺ يريد أن يعطي الصحابة هذا المشهد؛ أن الإنسان إذا قرر التضحية -ولو كانوا كلهم قد قرروا التضحية- فهذا مشهد عظيم عند الله سبحانه وتعالى وليس من إلقاء النفس في التهلكة.

الله سبحانه وتعالى رفع من شأنهم وأثنى على هذه القرية وإن أُبيدت تماماً وحُفرت لها الأخاديد وكلهم قرروا قرار الشهادة في سبيل الله، فالله سبحانه وتعالى أعلى شأنهم وذكرهم وأثنى عليهم. نعم، قد تكون طويت قصتهم، وقد لا يكون بقي من نسلهم، لكن يكفي أنهم خلدوا في التاريخ كنموذج مشرق لنماذج الثبات على الدين والعقيدة. يكفي أنهم إلى اليوم، وأنت تقرأ سورة البروج، هذه القرية لو بقيت مصرة على دين الملك لربما لم تُذكر أصلاً في تاريخ البشرية. ما الذي جعل هذه القرية لها تاريخها ومجدها وشرفها وعليائها؟ أنها تذكر إلى اليوم في الصلوات وعلى ألسنة الناس، ونحن إلى اليوم نذكر قصتها ونعطي قصة الغلام.

ما الذي خلد الغلام في التاريخ؟ لولا المواقف العظيمة ما انتشرت الدعوات، ولولا هذه المواقف والبطولات والتضحيات والآلام لما انتشرت الدعوات. فالله سبحانه وتعالى يستعمل لنشر الدعوات أمثال هؤلاء الأبطال أصحاب البطولات. الدعوة بالتأكيد لن تنتشر بالشباب الذين يجلسون على وسائل التواصل الاجتماعي، ولن تنتشر بالشباب الذين يقضونها في النظر للنساء والعلاقات الغرامية، أو الشاب الذي يبكي على بنت.

سامحني، إذا لم تغير نفسك وكيانك لن تنتصر الدعوة فيك؛ أنت لست أهلاً لأن يستعملك الله في هذه الميادين. إنما تنتصر الدعوات بأمثال الغلام، وبأمثال الراهب، وبأمثال جليس الملك، وهم الناس الذين لم تعد الدنيا عندهم ذات قيمة، واستطاعوا أن يضحوا بدنياهم مقابل أن يثبتوا على عقيدتهم.

بأمثال هؤلاء تُنصر الدعوات فقط. حتى تفهم هذه الفكرة؛ إذا أردت أن تكون عظيماً في حياة أمتك، عليك أن تتخلى عن ملذات الدنيا. ليس من الضروري أن تكون إنساناً فقيراً ومقطعاً، ولكن عليك أن تعرف أن العظماء سيتخلون عن كثير من ملذاتهم ومحبوبهم وفراشهم وراحتهم على حساب أن يدونوا ويسجلوا أسماءهم في تاريخ الأمة.

البطولات لا تُصنع بالمجان، والتضحيات وانتصارات هذه الأمة ليست ثمناً سهلاً يُعطى بأريح الأثمان، بل لها ثمن باهظ. هذه القرية ثوابها عند الله عظيم لأنها قررت أن تدفع الثمن وهي مطمئنة، حتى سجل التاريخ في هذه القرية أسمى صور التضحية.

في ختام القصة يقول: حتى جاءت امرأة؛ وهذه أعلى صور التضحيات التي صارت من هذه القرية. امرأة، أنثى عاطفية حنونة ومعها صبي. تخيل امرأة في حضنها وفي مهدها صبي! لو كانت امرأة بدون صبي لربما ترنحت، فما بالكم وهي في حضنها وفي حجرها طفل؟ القرار ليس سهلاً، قرار التضحية في تمام الرجوع.

المهم، فقلنا حتى جاءت امرأة ومعها صبي لها فتقاعست، وهذا شيء طبيعي؛ إنسان والموت أمامه نار تحترق بها الأجساد والأطفال، فالمرأة تقاعست بسبب طفلها أن تقع فيها. فالله سبحانه أنطق الصبي من فوق سبع سماوات، وقيل إن هذا كان في المهد؛ فقال لها الغلام -وفي بعض الروايات أنه من الذين تكلموا في المهد- فقيل إنه كان غلاماً لا يتكلم أصلاً، يعني الطفل رضيع ما زال لا يتكلم.

لكن كما قلت لك، عندما يُفرض عليك البلاء، يرسل الله لك من المثبتات أموراً لا تعرف من أين تأتيك. هذه المرأة التي طفلها في حجرها، أنطق الله طفلها فقال لها: «يا أمة، اصبري فإنك على الحق». يعني، خلينا نرمي حالنا في النار، مش مشكلة يا أمي، أنا أعرف أنه صعب عليكِ أن تريني أمامكِ أنا وإياكِ معاً نُقتل، لكن هكذا الدعوات؛ فيها نيران، وفيها أشلاء، وفيها دماء، وفيها جروح، وفيها تضحيات كثيرة تُبذل.

ما يعزينا وما يثبتنا أمام كل هذه الآلام التي نشاهدها ونعايشها، أنها الحق؛ أنك تدافع عن دين، عن عقيدة، عن مبادئ سامية، عن توحيدك لله سبحانه وتعالى. فالدين يستحق، يوم الدين يستحق التضحية. نعم، سننتهي من هذا الوجود الدنيوي، لكننا موقنون أننا سننتقل إلى السعادة الأخروية وإلى راحة الأبد، وبالتالي لا أسف على الدنيا. لا يؤسف على دنيا فيها أمثال هذا الملك وفيها أمثال الزبانية، وفيها أمثال هؤلاء الذين لا يريدون أن يعيش الناس بهدوء وطمأنينة وراحة وأمان، فنختار الله والدار الآخرة.

ليست الدنيا شيئاً كبيراً، ولذلك متى تضعف التضحيات؟ إذا زاد حبك للدنيا وتعلقك بها. ومتى تزيد قدرتك على التضحيات؟ عندما تصبح الدنيا في وجهة نظرك تافهة. إذا رأيت الدنيا تافهة، ستقدم لدين الله سبحانه وتعالى، وستطلب العلم، وستجلس تتعلم، وستدعو إلى الله؛ هذا في مسجد، وهذا في مركزه ليل نهار يشتغل ويدعو. وإخواننا في رباطهم في غزة وفي غيرها يكونون أمام اليهود صخرة صلبة، صعب أن يطاها اليهود إلا على جثثهم وعلى دمائهم وعلى أرواحهم. لكن في النهاية الحق أعلى من كل شيء، وهذا الدين يُنصر بأمثال هذه النفوس الأبية.

هذه قصة إخواني أصحاب الأخدود، وهذه القصة متكررة في كل زمان وفي كل مكان. كان هدف النبي ﷺ من قراءتها أمام أصحابه في الفترة المكية هو أن يعلمهم أن هكذا هي الطريق، وأننا في مكة ولو هلكنا جميعاً فقد فعلنا ما علينا. هذه القرية في الدنيا قد لا يصبح لها ملك، وليس بالضرورة كما في السيناريوهات الأخرى أنه لا يحصل حادث في الملك والملك يتم القضاء عليه وأهل الإيمان ينتصرون انتصاراً دنيوياً، هذا يحصل ولكن ليس دائماً.

انتبهوا إخواني، بعض الناس ينتظر في نهاية القصة ماذا سيحدث، كما في الأفلام والمسلسلات؛ أن الملك يقع في قصة معينة وواحد يطيح فيه ويضعه في حفرة ويأتي البطل ويخرج، لا، ليس دائماً هكذا سيحدث. ليست دائماً نهاية المشاهد أن المسلمين وأهل هذه القرية سيحكمون، بل ممكن في لحظة من اللحظات تفنى القرية عن بكرة أبيها وثوابهم عند الله.

فالنبي ﷺ لما قص هذه القصة على أصحابه، كان يعطيهم رسالة واضحة: «يا من تحملون هذا الدين، قد تنتصرون على عدوكم انتصاراً دنيوياً، وقد تموتون في الطريق، كلا الاحتمالين وارد وعليك أن تستعد لكل الاحتمالات». وهذا الدين سينتصر؛ ربما هذا الجيل لم ينتصر، لكن ممكن ينتصر جيل آخر، أليس كذلك؟ قد تفنى منطقة من مناطق العالم الإسلامي، قد تفنى ولا يضرهم ذلك؛ هم فعلوا ما يستطيعون فعله ولم ينصرهم أحد، فلو فنوا ذهبوا عند الله والنصر سيأتي على أجيال لاحقة.

النصر في الدنيا لا تعرف على من سيأتي، هذا أمر الله وقدره؛ ﴿وَأُخْرَىٰ تُحِبُّونَهَا * نَصْرٌ مِّنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾ [الصف: 13-14]. لكن ما يحبه الله هو أن يرى قلبك في ساعات البلاء؛ هذا هو الذي يريده، أن يراك: هل أنت ثابت كالغلام؟ هل أنت ثابت كالراهب؟ هل أنت ثابت كجليس الملك؟ هذا المهم في المعايير الإلهية: ثباتك، ورجولتك، ومدى دخول الإيمان في قلبك.

أما أن تفنى هذه القرية أو المدينة عن بكرة أبيها، أو أن تنتصر وتغلب، فكل هذا أمر الله، فلا يتزحزح إيمان الإنسان إذا فنيت القرى. هل نقول والله عز وجل خذل هذه القرية؟ إياك أن تشك بالله العزيز الحميد، بل اعلم أن قصة أصحاب الأخدود قصة متكررة في الماضي والحاضر. قد تفنى قرى، وقد تُباد، وقد يُسلط عليها ظالمون ويفعلون ما في وسعهم وتنتهي الحكاية، ولا يشكك هذا في عدل الله ولا في حكمة الله؛ لأن المؤمن يفهم دينه ويعرف أن الدنيا ليست هي مكان الانتصارات.

نحن مطلوب منا أن نحقق ما يمكن تحقيقه، لكن الانتصار الحقيقي هو أن أصل إلى الله بأمان، أن أصل إلى الله وأنا ثابت على عقيدتي وديني وتوحيدي ومبادئي وما بدلت تبديلاً. هذا معناه أنك أنت انتصرت، أما الدنيا فممكن أن أموت، وممكن كل القرية تموت، والله يسخر جيلاً.

ثالثًا أو رابعًا، يعيد البناء ويطرد رد اليهود وتبنى الأمة، هي هذه سنة الحياة. لكن لأن شبابنا يعيشون على القصص والأفلام وكذا، بعض الناس هو غير متقبل فكرة الفناء. صحيح هي صعبة، أنا أقول لك قصة أصحاب الأخدود مش مؤلمة؛ مش نهاية المشهد بالنسبة لك نهاية يعني يكون فيها حزن، وألم ودماء، وأم تلقي بنفسها مع طفلها. الألم وارد، وهذه إحدى الاحتمالات، لكن الله يعلمك أنه لا تعطي الدنيا مساحة كبيرة، الأمور عند الله.

لذلك الله عز وجل في سورة البروج أخبر عن الآخرة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [البروج: 11]. أصحاب الأخدود الآن بإذن الله هم في جنات تجري، انتهى عناء الدنيا وتعبها وألمها، والأمة انتهت وهم الآن سعداء. انتهت؛ نحن لا نرى سعادتهم نتألم، لكنهم يستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون.

أهل الجنة ممن دخلوا الآن الجنة بأرواحهم وإن لم يدخلوها بأجسادهم بعد، هم الآن في نعيم عظيم، ويقول مساكين أهل الدنيا حزنانين علينا، ويقولوا: حرام مساكين هذول راحوا فيها حزنانين علينا، يا ريتهم يجوا يشوفوا ايش النعيم الذي نحن فيه الآن. ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم؛ كنا معطين الدنيا كثيرًا، لكن الحمد لله أنها على أهون الأسباب، وكانت شهادة، وانتقلنا إلى الله والدار الآخرة. يعني ليست شيئًا كبيرًا هذه الدنيا التي فيها بني صهيون وفيها غيرهم من اليأس، ليست هذا الجمال وهذا الشيء العظيم الذي يقاتل من أجله.

ولذلك فكرة أصحاب الأخدود أرجو أن تبقى قصة في حياتك حتى لا تفقد ثقتك بالله، حتى لا تفقد ثقتك بدينك، حتى لا تشك أو تسمع للناس في مجالس عامة أو خاصة يشكك أمامك بعدل الله وبحكمته لما يرون من أهوال القتل وأهوال الدماء، ويقول بعد ذلك: يا أخي لو كانوا صادقين لنصرهم، لماذا الله لا ينصر أولياءه؟

لا، هي القضية ماذا تعني بالنصر؟ وهو مجرد ثباته، وهو نصر، مجرد أنه يموت على عقيدته وهو انتصر. الذي لا ينتصر هو الذي يبدل، هو الذي يغير، هو الذي يحرف. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يرحم المستضعفين في مشارق الأرض وفي مغاربها، وأن يجعل لهم من كل ضيق مخرجًا، ومن كل هم فرجًا، وأن يعافينا سبحانه وتعالى من البلاء، وإذا ابتلانا فأن يصبرنا ويرضينا ويسلي قلوبنا، وأن يرزقنا لقاءه على ما يرضيه ثابتين غير مبدلين، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.