دخولتسجيل الدخول

بره الصندوق | القابلية للاستعمار وعالم الأفكار

أيمن عبد الرحيمالمهندس أيمن عبد الرحيم
  • مدة الدرس:
  • قراءة

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، والصلاة والسلام على خير معلم الناس الخير، محمد، وبعد.

كنا أشرنا في نهاية الحلقة الماضية إلى موضوع هذه الحلقة، وهو مفهوم الاستعمار والقابلية للاستعمار وعلاقته بعالم الأفكار. إن المصطلحات الثلاثة: الاستعمار، والقابلية للاستعمار، وعالم الأفكار، تعتبر من أخص المصطلحات التي أثارها المفكر الجزائري مالك بن نبي رحمه الله.

مالك بن نبي له خصوصية في الفكر الإسلامي المعاصر، تتمثل في الآتي: أن الرجل نشأ تحت ظل الاستعمار الفرنسي للجزائر؛ هو الرجل ولد وتعلم تحت الاستعمار الفرنسي، ثم ذهب إلى استكمال الدراسة في فرنسا، أي أنه تعلم في النظام التعليمي بلغه المستعمر، فهو رجل أصبح يتكلم العربية والفرنسية، وكتب معظم كتبه بالفرنسية مخاطباً بها المسلمين الجزائريين الذين هم عايشين في فرنسا، وظل يكتب في محاولة لمساعدة الجزائر للتخلص من الاستعمار الفرنسي حتى حصلت الجزائر على استقلالها من فرنسا.

لقد ناضل الرجل وكتب ونشر أفكاراً وحاول تصحيح وعي الناس في الجزائر حتى استقلت الجزائر عن فرنسا. ثم بعد ذلك، في ظل الحكومة الوطنية التي استلمت الحكم في الجزائر بعد خروج الاستعمار الفرنسي، تم إعطاؤه منصب وزير التعليم العالي. دائماً نحن في التاريخ نسأل: ماذا يحدث لو؟ دائماً نقول لو واحد مفكر أو فيلسوف في سدة الحكم، لو نحن جئنا بمفكر وأعطيناه وزارة التعليم، هل ستتحل الأمور؟ أو لو جعلناه رئيس وزراء أو رئيس جمهورية، هل ستتحل الأمور؟

الغريب في حالة مالك بن نبي أنه مفكر وفي السلطة، وله كتابات منذ ثلاثين سنة يمارس فيها كتابات متعلقة بالحل وتصحيح وجهة العالم الإسلامي ومشاكله الفكرية، لكن الرجل بعد فترة استقال من وزارة التعليم العالي في الجزائر -أو ما يشبه وزارة التعليم العالي- وأطلق المقولة الشهيرة. لو قالوا له: "انتظر قليلاً، يمكن أن تصبح رئيس الجزائر فتنفذ أفكارك الإصلاحية"، فقال لهم: "أنا لو قدر لي -في ظني- أن أمسك قيادة العالم الإسلامي كله، برضه مش هيحصل حاجة، برضه مش هقدر أغير حاجة".

لماذا لن يستطيع تغيير شيء؟ قال: لأن المشكلة عندنا مشكلة متعلقة بعالم أفكار العالم الإسلامي. هو لم يعد مستعمراً، وهذا هو محل الشاهد في الحلقة؛ أننا الآن لسنا مستعمرين، فالاستعمار الفرنسي خرج، لكن مالك بن نبي كان يقول: "نحن عندنا قابلية للاستعمار". هذا هو الشيء الذي نريد أن نسلط عليه الضوء من ناحية أثر هذا المفهوم على وعي المسلمين في التاريخ المعاصر.

يمكننا أن نقول في آخر مائتي سنة تقريباً، عندما أسأل أحداً في الجزائر أو مصر أو تونس، أقول: "الجزائر وتونس يتكلمان الفرنسية، والتعليم عندهم فرنسي، ومتأثرون بعلاقات اقتصادية وعسكرية وثقافية مع الدولة التي كانت مستعمراً"، فأقول: أثر الاستعمار هو أنه غير الثقافة وغير التعليم. هذا مفهوم.

أما في مصر يا إخوانا، نحن دولة أخذت استقلالها من عام 1952 أو 1956، أي من وقت الجلاء ورحيل الإنجليز، لكننا حتى الآن نعلم الناس بالإنجليزية -كما أشرنا في الحلقة الماضية في أثر التعليم باللغات الأجنبية- ومهتمون ومبهورون جداً بثقافتهم ولبسهم وأكلهم وشربهم وطريقة تعليمهم وثقافتهم. فنقول أيضاً: بسبب أثر الاستعمار، هم كانوا مستعمرين فأثروا وأفسدوا التعليم.

لكن هنا تظهر قوة مفهوم مالك بن نبي في دول لم تُستعمر؛ مثل تركيا، والسعودية، واليمن. كل هذه الدول لم يسبق استعمارها بشكل مباشر؛ اليمن كان في عدن وأخذتها بريطانيا، لكن هذه كانت حاجة هامشية، أما اليمن نفسها فلا، والسعودية نفسها لا، وتركيا نفسها لا.

تركيا ماذا فعلت في لغتها؟ مصطفى كمال أتاتورك بعد استقلال الجمهورية التركية أو إعلان الجمهورية عام 1924، غير الخط التركي وجعله باللاتيني، وبدأ يعلن أننا يجب أن نلبس مثلهم ونأكل مثلهم ونشرب مثلهم. وهذا هو الذي فُعل في الدول التي تم استعمارها؛ هذا هو أثر الاستعمار. لكن في تركيا، لم يستعمرها أحد، فلماذا اختار هذا الخيار بالرغم من أنه لم يجبره أحد على ذلك؟

كذلك السعودية، والكثير جداً من دول الخليج، أو أي أحد من دول الرفاه يكون عنده رفاه مادي ضخم جداً بدون هيكل ثقافي واضح أو وجهة واضحة، فنجد أن نسبة التغريب في اللبس والأكل والشرب، وفي النظم والتبعية حتى السياسية والخارجية، واضحة جداً للدول الاستعمارية، سواء في بريطانيا قديماً أو في أمريكا حالياً. هذه الدول لم يستعمرها أحد، ومع ذلك نجد دولاً لا تستطيع عمل تنمية أو نهضة أو استقلال عسكري أو قرار في السياسة الخارجية، ويكون قرارها تابعاً للدول التي استعمرتها بسبب علاقات تاريخية مكتفاها.

لماذا الدول التي لم يستعمرها أحد تكون تابعة للدول الأخرى؟ هنا يقول مالك بن نبي: "يجب أن تسبق أي قصة لاستعمار أي شعب قصة قبول هذا الشعب للاستخذاء". أنا لست مضطراً لأن يأتي أحد ويجبرني أن أكون تابعاً له ثقافياً؛ يكفي فقط أن بوصلتي تضيع، ألا أعرف ماذا أريد، فأكون طواعية من غير أن يأتي أحد ويستعمرني عسكرياً، أو يغير نظام التعليم، أو يشوه هويتي، أو يغير النظم الاقتصادية والسياسية.

أنا لوحدي سأكون تابعاً لأي نظام؛ لو كان الاتحاد السوفيتي قوياً سأختار الاشتراكية، ولو كانت أمريكا قوية سأكون رأسمالياً. لو كانت هناك دولة قوية مثل الاتحاد السوفيتي سآخذ منها سلاحاً وأجلب خبراء سوفيت، ولو كانت أمريكا قوية سأغير العقيدة القتالية وآخذ سلاحاً منها وأتدرب معها. الاتحاد السوفيتي لم يستعمرني، وأمريكا لم تستعمرني، فلماذا أنا كذلك؟ لأن عندي قابلية للاستعمار. هذه القابلية يقول مالك بن نبي إن ليس لها علاقة بالعالم المادي.

يكون حد جه استعمر واجبك على كده؟ لا، أنت لوحدك، تطوعت بسبب خلل في عالم أفكارك. بالطريقة دي يكون قابلًا للاستعمار، اللي هو المعامل الاستعماري، زي ما بيميه مالك بن نبي.

طيب إيه الحكاية دي؟ إحنا عايزين نرجع خطوة ورا شوية، نجيب مصطلح من عند مالك بن نبي عشان نفهم كلامه عن عالم الأفكار. بيقول الراجل إن المشكلة الأساسية في الراجل اللي عنده قابلية الاستعمار ده، إن هو ما بيعرفش يفرق ما بين ثلاث عوالم.

العالم الأول بيقول إننا دلوقتي، أنا كبني آدم عايش في الكون، من أول ما اتولد لغاية ما أبقى شخص ناضج كبير، بيبقى عندي ثلاث عوالم بيظهروا بالتتابع: واحد عالم الأشياء، واثنين عالم الأشخاص، وثلاثة عالم الأفكار. يعني يقول الطفل مثلاً في الأول خالص، يبقى عنده عالم الأشياء والأشخاص؛ عارف والده وعارف والدته، وعالم الأشياء مثل الأكل والشرب، فعنده أشياء وعنده أشخاص، ما عندوش عالم أفكار.

يعني الطفل ما يفهمش يعني إيه كرامة، ما يعرفش يعني إيه عدل، ما يعرفش يعني إيه رحمة، ما يعرفش يعني إيه؛ كل ده ما يعرفوش، هو بس يعرف إيه؟ حتى ما يعرفش يعني إيه خوف، المعاني المجردة دي اللي هي المفروض هتبقى بعد كده في عالم الأفكار ما يعرفهاش. عشان كده إحنا لو أنا راجل كبير شفت أسد ممكن أخاف منه، الطفل ممكن يروح يلعب معاه؛ ليه؟ لأن هو عالم أفكاره لسه ما اتحطش فيه الفكرة دي، هو يعرف أشخاص وأشياء بس.

تمام، المثلث ده: عالم أشياء، عالم أفكار، عالم أشخاص. بيقول مالك بن نبي: معظم المشاكل اللي بتجيب أظاهر زي قابلية الاستعمار، أو الخلل في الهوية، أو التشوه بتاع التبعية الاقتصادية والعسكرية وغيرها، بيجي منين؟ بيجي من خلل في عالم الأفكار، مش في عالم الأشياء ولا الأشخاص.

إزاي؟ بيضرب المثال الشهير بتاعه، بيقول: أنا ألمانيا لما جت تنهض اقتصادياً، اللي عمل حزمة الإجراءات الاقتصادية بتاعته الإصلاح في الثلاثينات، وبعد الحرب، أظن أثناء الحرب العالمية الثانية أو في الصعود بتاع الحرب العالمية الثانية وما بعد الحرب، بروفيسور شخط شخط، ده راجل عالم من أعلام الاقتصاد الألماني، راجل عمل طفرة كبيرة جداً وخلى ألمانيا تستعيد مكانتها الصناعية والاقتصادية.

مين استدعى شخط؟ بعد استقلال إندونيسيا. إندونيسيا كانت خرجت من الاستقلال، استقلت من تحت هولندا وبريطانيا واليابان، بعد 45 سنة أو 47 سنة، كانت إندونيسيا أعلنت نفسها جمهورية مستقلة، خلاص يبقى هو كده كده مش مستعمر. هنيجي لمفهوم مالك بن نبي: مش مستعمر، يعني ما فيش قوة مادية موجودة في إندونيسيا تكبره، على عكس اللي هو عايزه.

هو جه عمل إيه؟ جاب شخط، قال له إيه المطلوب؟ قال له اعمل لي نفس النهضة الاقتصادية اللي أنت عملتها في ألمانيا، اعملها في إندونيسيا. إندونيسيا طبعاً، أي حد ما يعرفش الفارق ما بين ألمانيا وإندونيسيا، إندونيسيا إمكاناتها المادية مهولة جداً؛ يعني عالم الأشياء في إندونيسيا ثري جداً، طاقة بشرية مهولة، طبعاً أكبر من ألمانيا بكثير، زراعة، مياه، أسماك، في موقع جغرافي ممتاز، مطل على أرض وفيها بحر وفيها كل حاجة. خلاص، فالمفروض مهمة شخط تبقى أسهل شوية، ليه؟ عنده كتلة سكانية أقوى، عنده موقع جغرافي أفضل، ففرصته في النجاح أفضل من اللي عمله في ألمانيا.

طبعاً هو فشل فشلاً ذريعاً في إندونيسيا. مالك بن نبي بيرجع يقول إيه؟ المشكلة في عالم الأفكار؛ إن عالم الأفكار اللي كانت بتناقش الخطة دي معمولاً له هو عالم أفكار الألمان مش الإندونيسيين. عشان كده إحنا دايماً لما بنقول إن في حد يجي يعمل سياسة يطبقها على العالم الإسلامي أو العالم العربي أو هنا حتى في مصر، يقول والله ده الكلام العالمي، يعني ده بيتطبق في أي دولة تانية، فإحنا نقول له: آه فعلاً، بس ده في عالم أفكارهم هم، مش عالم أفكارنا إحنا؛ أنت لازم تحط حاجة تتناسب مع عالم أفكارك أنت.

طيب عشان نوضح الفكرة شوية، مالك بن نبي بيقول إيه؟ بيقول أنا لو المثال ده أظن تعرضنا له قبل كده، إن هو لو أنا جبت الشعب الألماني وأديته غابات الأمازون، وجبت الناس اللي عايشة في غابات الأمازون وأديتها ألمانيا، إيه اللي هيحصل؟ الناس كلها طبعاً يقول لك طبعاً الألمان هيعملوا نهضة في غابات الأمازون، والأمازون اللي هم هيروحوا ألمانيا هيبوظوا ألمانيا.

إيه السبب؟ بالرغم إن هم هيروحوا هياخدوا نفس المباني ونفس المعدات ونفس الماكينات الموجودة في ألمانيا، مالك بن نبي بيقول المشكلة طبعاً في عالم الأفكار؛ إن عالم الأفكار بتاعته الأمازون هو نفس عالم الأفكار بتاعهم ما تغيرش، والألمان راحوا الأمازون بعالم أفكارهم هم.

طب يبقى إيه الحل عند مالك بن نبي؟ بيقول أنا عشان أزيل القابلية للاستعمار، عشان أنا ما أبقاش قابل للاستعمار بعد ما أستقل، يعني القابلية للاستعمار تبقى... لو أنا عايز أضرب مثال واضح لفكرة مالك بن نبي في العالم العربي والإسلامي بعد زوال الاستعمار، فمثلاً في أفريقيا، كل الدول الأفريقية يا إما بتتكلم إنجليزي يا إما فرنسي. يعني كل الدول اللي موجودة في أفريقيا اللي هي كانت مستعمرة من فرنسا أو بريطانيا أو البرتغال أو ألمانيا أو بلجيكا، أي دولة من دول حالياً في الوقت اللي إحنا فيه، اللي هم كلهم استقلوا، ما فيش أي استعمار بالقوة موجود في أفريقيا، كل الدول دي يا إما بتتكلم إنجليزي يا إما بتتكلم فرنساوي.

طيب، خاضعة اقتصادياً مين؟ لأمريكا أو فرنسا أو الصين. طيب عسكرياً خاضعة لمين؟ لأمريكا أو فرنسا. هو بيقول إيه؟ هنا بقى يظهر مفهوم القابلية للاستعمار: إن أنا بعد ما مشيت أنا كمستعمر، يبقى أنت كده مستعمر بس لوحدك، عندك قابلية للاستعمار إن أنت تبقى خاضع ليا في الأكل والشرب والزي واللبس والثقافة، يبقى أنت قابل للاستعمار لوحدك من غير ما أجي جنبك.

عشان كده كان في حد دايماً بيسموا المصريين اللي حكموا مصر بعد ما الإنجليز خرجوا بيسموهم "الإنجليز السمر"؛ لأن ما عندوش عالم أفكار تاني غير عالم أفكار المستعمر، فالإنجليزي السمر ده لو يجي يعمل علاقات اقتصادية هتلاقي جره لبريطانيا أو أمريكا، هو اللي هو عالم أفكار، أنا ما عنديش عالم أفكار جديد، فهو عالم الأفكار اللي كان بيحكم هذه البلد هو الإنجليزي.

في المستعمرات الفرانكوفونية، البلاد اللي كانت بتحكمها فرنسا في أفريقيا، كانوا بيسموهم أحياناً الفرنساويين الزنوج أو الفرنساويين السود؛ إن هو راجل سواء سنغال، كوت ديفوار، مالي، تشاد، جمهورية أفريقيا الوسطى، بس خاضع في عالم أفكاره لفرنسا، بيتكلم فرنسي. تمام، في كتير جداً من رؤساء الدول، كوت ديفوار مثلاً.

يُحكمها حاليًا عبد الرحمن الحسن، أتار وده مسلم خلاص يتكلم فرنسي وزوجته فرنسية، هو رجل أسمر يعني من نفس الجنس الإيفوار، هو من كوت ديفوار لكن هو فرنسي بالتبعية، هو رئيس الدولة نفسها.

القابلية هذه واضحة جدًا في العالم العربي؛ فكرة الخضوع الثقافي في المأكل والمشرب وكده. فهنا يأتي سؤال قبل أن نفصل في أمراض الأفكار: علاقة القابلية للاستعمار بعالم الأفكار، لكن بشكل موضح؛ ماذا يعني ذلك؟ اللغة، ماشي مفهوم.

لقد تكلمنا مرتين في حلقتين قبل ذلك عن أثر اللغات الأجنبية، أن هذه ظاهرة متعلقة بالهوية، خلل في الهوية أو خلل في عالم الأفكار. مالك بن نبي يقول: «أنا عندي قابلية للاستعمار»، بس الاستعمار لغوي، طب من ناحية الملبس والمأكل؟

كم تسمعون هذا التصريح؟ هيلاري كلينتون مرة تقول: «الجينز، والكوكا كولا، والماكدونالدز، الأكل الأمريكي وبتاع، هذه الأشياء أمن قومي». بمعنى أيضًا، تصريح ثاني كان وزير خارجية، أو أظن وزير دفاع، كان يقول: «ما فيش دولتين فيهم علامة ماكدونالدز يحاربوا بعض».

أمريكا تقول إن أي دولة تشربت الثقافة الأمريكية في المأكل والملبس والمشرب، مش ممكن تحارب دولة ثانية تشربت نفس الثقافة، لأنهم في الحقيقة صاروا دولتين أمريكيتين أو تابعين للقرار الأمريكي، فمش ممكن دولتين خاضعين لنفس الإدارة يحاربوا بعض.

فلما نقول إن الأكل والشرب ونمط اللبس يدل على القابلية للاستعمار أو تبعية ثقافية، يبقى نحن نجيب مش ده؛ لأن في ناس يقول لك: لا، ده محاولة تطرف، أو لا، مش صحيح. ده بالعكس، هو ده اللي يقوله صاحب الثقافة نفسها؛ يقول إن أكلي وشربي ولبسي دول أمن قومي، يعني أنا عسكريًا وثقافيًا أبذل جهدًا غير عادي لنشر هذه الثقافة.

لو الناس تحب الأرقام، أمريكا فيها أكثر من 32 هيئة حكومية وظيفتها بس نشر اللغة الإنجليزية، 32 هيئة عشان توفر اللغة الإنجليزية للعالم في هيئة مسموع ومطبوع ومواد أفلام ومترجمات وقنوات على النت ومواقع، كل هذا عشان ينشر ثقافته، الأكل والشرب.

الدكتور عبد الوهاب المسيري -رحمه الله- كان يقول: في ناس بيبقى خايف من التنصير وخايف من انتشار الكنائس في الخليج وبتاع، قالوا بيغض الطرف على أن عدد ماكدونالدز أكبر من عدد الكنائس. هو يقول، على نفس كلام هيلاري كلينتون، إن فكرة انتشار نمط ثقافي ينتمي لعالم أفكار آخر.

يعني هذا عالم أفكار الأمريكي، أو عالم الأفكار زمان كان الاتحاد السوفيتي بينافس أمريكا ثقافيًا، فكنت يا إما واقعًا في صراع ما بين عالم أفكار الكتلة الشرقية وعالم أفكار متعلق بالأمريكان أو العالم الغربي، ولكن أنت ما عندكش أفكار خاصة بك.

دائمًا يقولون: «من لم يخطط، فلا بد أن يقع في مخططات الآخرين». يعني ما دمت مالكش وجهة معينة، فأكيد هتروح عند أي واحد عنده وجهة واضحة، فسواء كان هذا أمريكا أو الصين أو الاتحاد السوفيتي. في ناس دلوقتي يقول لك: لا، نحن يجب أن نتحرر من التبعية لأمريكا، نعمل إيه؟ نتبع الكتلة الصينية، يعني برضه أنت مالكش وجهة واضحة.

من أين يأتي هذا الخلل؟ مالك بن نبي يقول إن المشكلة في عالم الأفكار. طب ما هي الأعراض أو الأمراض التي يمكن أن تطرأ على عالم الأفكار؟ مالك بن نبي يقول هذه تقسيمة لطيفة جدًا، يقول عندنا مشكلة من مشاكل عالم الأفكار هي أنني ممكن أتمنى فكرة ميتة، وهذا الذي يجعلك قابلًا للاستعمار.

ما معنى أن تكون قابلًا للاستعمار؟ مالك بن نبي يقول إنك ممكن تأخذ فكرة ميتة. يعني ماذا؟ الفكرة تنتمي لعالم أفكارك أنت فعلاً، مثل أن أجيب فكرة من التراث الإسلامي أو من التاريخ العربي، هي بتاعتي أنا، مش واخدها من حد، لكنها فكرة ميتة.

يعني أخذتها من سياق وجئتها من سياق آخر تمامًا لا يتناسب مع السياق بتاعي. مثل من تنبه لهذا؟ سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه، جاءه وهو يحكم تعرضت له مسألة كانت في عهد النبي ﷺ وأبو بكر الصديق تُعامل بطريقة معينة، فجاء هو يغير هذه المسألة، فالناس يقولون: لا، كيف؟ نحن لازم نحتفظ بنفس الفكرة القديمة.

فهو يقول: لا، السياق اختلف. السياق اختلف، وهو ما نسميه أحيانًا في الفقه "الاجتهاد"؛ أنه بدأ يجتهد مرة أخرى ليتأكد من أن هذه الفكرة ما زالت صالحة في هذا السياق. هي كانت صالحة في سياق النبي ﷺ وكانت صالحة في سياق أبي بكر الصديق رضي الله عنه، فأنا أريد أن أتأكد أنها صالحة في سياق المسلمين الآن في هذه الظروف الجديدة.

مالك بن نبي يقول إن أحد الأشياء التي تجعل الشخص قابلًا للاستعمار هو أن يجلب فكرة تنتمي لعالم أفكاره ولكن مع اختلاف السياقات، يسمي هذا "فكرة ميتة"، أي فقدت قدرتها الحيوية أو قدرتها على الحياة وإنشاء حياة سليمة أو متزنة.

طيب، ما الذي يمكن أن يطرأ أيضًا من أمراض عالم الأفكار؟ مالك بن نبي يقول: الأولى كانت فكرة ميتة، ممكن أنت تستورد فكرة مميتة. يعني ماذا؟ فكرة مميتة يعني أن تجلب فكرة غريبة على عالم أفكارك، ليست بتاعتك.

لنضرب مثالًا بتركيا في بداية عام 1790، السلطنة العثمانية بدأت ما يعرف في التاريخ أحيانًا بعصر التنظيمات. تركيا قالوا: والله نحن الآن الدولة تخسر عسكريًا، نحن نحارب روسيا ونحارب بريطانيا والدول الأوروبية، ونحن نرى جيوشهم جيوشًا قوية جدًا، فنحن نريد أن نعمل جيوشًا قوية مثل جيوشهم.

يجب أن ينتبه المرء لهذا؛ أنا أريد أن أصنع جيشًا قويًا مثل جيشهم، أريد شيئًا مثل الذي لديهم. ولكن "مثل الذي لديهم" عليها علامة استفهام، وسنرى ماذا حدث في عصر التنظيمات. الفكرة المميتة هي أنهم قالوا: الأوروبيون متقدمون في الناحية المادية، ماذا سنفعل؟ قالوا: أنا أريد أن أجلب قوانينهم. بدأ يأخذ القانون السويسري مثلاً في البحرية، والقانون الجنائي، وقانون التنظيمات، وبعد ذلك قالوا: والله هم يقومون بتشكيلات عسكرية.

بشكل معين وماشية عسكرية، وزي عسكري بشكل معين. أنا عشان أبقى منضبط وقوي زيهم لازم أعمل زيهم بالضبط، في إيه؟ في اللبس. إحنا كلام هيلاري كلينتون، إحنا كنا لسه مافيش من دي، اللي هو إن الجينز والكوكا كولا أمن قومي.

إن هو أنت هستورد. محمود الثاني وسليم الثالث في عصر التنظيمات هيبدأوا يستوردوا، إزاي؟ إزاي القتال؟ يعني بدل ما أنت كنت بتلبس، تركيا الجيش بتاعها بيلبس واحد، هيلبس بالضبط زي الجيش الغربي. وبعد كل ده، «مالك بن نبي» يقول: أفكار مميتة، مش بتاعتك خلاص.

وهو عايز يطلع جيش بنفس الكفاءة القتالية بتاعته، فراحت هناك وشاف في مدارس ثانوي بتدرس مواد معينة، الطالب بيلتحق بيها وكأنها ثانوية عسكرية، ثم يلتحق بمدارس، بعد كدة يلتحق بالكليات العسكرية. راح عامل حاجة اسمها "مدرسة رشدية"، مدرسة رشدية دي في مستوى الثانوية حاليًا، وراح عامل مدارس الرشدية العسكرية، مدارس الرشدية العسكرية دي بتدرس نفس المواد اللي بيدرسها الطالب الأوروبي، اللي هو معجب بالجيوش بتاعته، ف عايز يعمل جيش زيه، جيش زيه تمام.

اللي طالع عنده إيه؟ إحنا بنتكلم في 1840، يعني بعد 50 سنة، يعني مثلا 60 سنة تقريبًا، جيلين من تطبيق نفس الأفكار المميتة -بلغة مالك بن نبي- إن هي أفكار مش بتاعتك، أفكار جاية من سياق تاني، أفكار جاية بتجاوب على أسئلة مش بتاعتك، أفكار كانت بتجاوب على أسئلة في مجتمع تاني، الأفكار دي مميتة مش بتاعتك.

إيه اللي حصل؟ إن هو طلع له من جوه هذه المدارس العسكرية الخاضعة للسلطان العثماني حزب "الاتحاد والترقي"، أو أعضاء اللي هم تركيا الفتاة، اللي هو زي مصطفى كمال أتاتورك وبتاع، اللي هم حلوا الخلافة العثمانية وقضوا على وجود الإسلام في تركيا وأعلنوا دولة علمانية، والجيش حامي علمانية الدولة في الدستور حتى الآن، وتركيا ما زالت بتعاني من هذه العلمانية المتطرفة جدًا من عام 1936.

هؤلاء الضباط، الضباط زي مصطفى كمال ترك، حزب الاتحاد والترقي في تركيا، دول في المدارس التي نشأت وتأسست على هذه الأفكار المميتة، اللي خلّت هو يطلع له من جوه مدارسه من ينادي بإلغاء الإسلام ومنع الأذان بالعربية، وتحويل حروف اللغة التركية إلى اللغة اللاتينية، وإن هو تابع لأوروبا في لبسها وشكلها. منع! ده أنت الموضوع وصل لدرجة كانت لطيفة جدًا هناك؛ منع ارتداء العمائم، تلبس طاقية، تلبس برنيطة زي الأوروبيين.

طب أنت لو عايز تتقدم، إيه علاقة البرنيطة بالتقدم؟ اشتغل زيه، اخترع زيه، اتعلم العلوم الأساسية اللي أنت ضعيف فيها زيه. يعني ده يبقى ليه وجه إن أنت بتتعلم العلوم لكن تلبس برنيطة زيه؟ إيه علاقة التقدم بالبرنيطة؟ كان ده قرار مصطفى كمال أتاتورك.

فإحنا نقول إن دي أفكار مميتة، وللإنصاف ده مرض إنساني، يعني مش مصطفى كمال أتاتورك بس اللي عمل كده. أحد سيرت روسيا أيام التحديث، راح لبريطانيا فلمها متقدمة جدًا، فرجع هو عايز يبقى متقدم زيهم، فيعمل إيه؟ فقال لهم أول قرار هياخده إيه بقى؟ هياخد نفس العلوم اللي بيدرسوها في بريطانيا، أو هيستورد المكن اللي بينتج بيه بريطانيا عشان يبقى زيهم في الإنتاج الاقتصادي، أو هيشتغل بنفس الجدية اللي بيشتغلوا بيها بريطانيا؟ لا، قال لك إيه أول قرار؟ إن كل رجال البلاط يحلقوا ذقونهم.

كانت روسيا القيصرية في هذا الوقت بيربوا ذقونهم، كبيرة قوي روسيا القيصرية قبل الثورة البلشفية، يعني قبل 1917. فهو خد القرار ليه؟ هو راح لبريطانيا لقيهم متقدمين خلاص، واللي لفت نظره إنهم بدون حلق ذقونهم، فقال لك إحنا عشان نتقدم زي بريطانيا نعمل إيه؟ نحلق دقنا. طب هو ده ماله؟ مش ده العلاقة بده؟ «مالك بن نبي» بيقول دي أفكار مميتة، أنت جيت عند فكرة مش بتاعتك ولا ليها أي انتماء ثقافي في الأكل والشرب والملبس وطريقة ومنظومات الحياة وكده، رحت جاي مسكنها في سياق آخر.

وللإنصاف برضه إن مش الروس بس اللي عملوا ده، اليابانيين عملوا ده. اليابانيين لما بعد 1905، إحنا قلنا ده في حلقتين كاملين بتوع وهم التخلف والتقدم على كوكب اليابان، إن هم أخدوا كل حاجة، قال لك عِد عدد زراير اللي في جاكيت البدلة وهو اللي هنعمله، بيقص شعرهم، ما بيعملوش شعر طويل. يبقى إحنا نقص شعرنا ليه؟ أنا مش عارف، هم متقدمين ليه فأنا هعمل كل اللي هم بيعملوه؟ «مالك بن نبي» بيسمي دي أفكار مميتة اللي صرح بها بشكل فج.

عندنا في مصر كان طه حسين، طه حسين في أول كتابه "مستقبل الثقافة في مصر"، على عكس المتعارف عند الناس إن طه حسين كان عميد الأدب العربي، وهو أديب فعلاً لا يشق له غبار، أديب من طراز رفيع، لكن إحنا نتكلم على الأمراض الفكرية. الأمراض الفكرية إيه؟ قال -وهذا نص كلام طه حسين يا إخوانا من كتاب مستقبل الثقافة في مصر- قال: «إحنا حتى نلحق بأوروبا أو نتقدم زي أوروبا هنعمل إيه؟».

ده زي اللي عمله قيصر روسيا برضه، والجماعة اليابانيين ومصطفى كمال أتاتورك، قال إحنا لازم نعمل كل حاجة زيهم زي الأوروبيين، بلغة «مالك بن نبي» إحنا هنستورد جميع الأفكار المميتة اللي هي مش بتاعتنا. قال ولو هم عندهم ديدان في بطنهم، إحنا هناخد الديدان دي برضه معانا، لأن دي ضريبة الحضارة. هم متقدمين وعندهم الأمراض دي، يبقى إحنا لازم ناخد الحضارة بكل عيوبها وكل إيجابياتها عشان ما نضيع حاجة.

بالظبط، يعني المفروض أي إنسان عاقل يقول إيه؟ طب آخد الكويس وأسيب الوحش. هو قال لك لا، هم مادام عملوا ده وتقدموا فظهر عندهم الإيجابيات دي كلها اللي إحنا شايفينها، التقدم المادي والنظافة والطب وكده، وفي نفس الوقت شوية السلبيات دول، فإحنا المفروض ناخدها كلها على بعضها.

فعشان كده أنا بقول إن هو ده مرض إنساني، مش قيصر روسيا اللي عمل كده، مش اليابانيين اللي كده، مش مصطفى كمال أتاتورك بس اللي عمل كده، مش محمد علي بس اللي عمل كده، ده بالعكس واحد أديب أو مفكر زي طه حسين، المشهور بعميد الأدب العربي، قال نفس الكلام، بس المرة دي بشكل صراحة يُحسد عليه، إن هو لو عندهم ديدان أو أمراض في بطنهم إحنا لازم ناخدها عشان نكمل حزمة التقدم أو الحضارة زيهم.

ده بلغة «مالك بن نبي» دي مجموعة من الأفكار المميتة. «مالك بن نبي» برضه بيقول: «قبله للاستعمار أحياناً بتيجي من عندك»، من إيه؟ إن هي توثين الأفكار، بسميها هو الفكرة الوثن، الفكرة الوثن اللي هو إيه؟ إن...

أنا فكرة واحدة أحطها في المركز وأقعد بقى، هي دي أنا مش هبقى كويس ولا أتقدم ولا أبقى ولا أخرج من التبعية إلا لو عملت واحداً، ثلاثة أعيه، زي إيه مثلاً؟ ساد فترة طويلة جداً في بعد نظام.

مالك بن نبي أحياناً يتكلم عن "الفكرة الوثن"، الفكرة الوثن اللي هو إيه؟ نحن مشكلتنا الوحيدة مع العالم الغربي اللي استعمرنا هي البندقية أو السلاح؛ عشان ما كانش عندنا سلاح بس فهم، تقدموا علينا. الفكرة دي برضه مرض إنساني.

الاتحاد السوفيتي بعد الحرب العالمية الثانية عمل طفرة مهولة جداً في التسليح. لما جه نهار الاتحاد السوفيتي ما نهرش عشان ما كانش معاه سلاح، ده كان معاه سلاح نووي، معه أكبر مخزون صواريخ نووية طويل المدى، معه غواصات نووية، معه محطات فضائية. فبلغ مالك بن نبي اللي إحنا أسلفنا وأشرنا ليها؛ عالم الأشياء مليء جداً، يعني ما هو معاه كل حاجة، الاتحاد السوفيتي وهو بيقع كان معاه محطات فضائية، كان معاه صواريخ نووية، معاه غواصات، معاه دبابات، معه منشآته العسكرية، معه جامعات.

عالم الأشياء ثري جداً، لكن كان عنده خلل كبير جداً في عالم الأفكار؛ عالم الأفكار السياسية، عالم أفكار العدل، أفكار الإنصاف، توزيع ثرات البلد بشكل معتدل على الناس، فكرة الشفافية، فكرة محاكمة المؤسسة السياسية والمؤسسة الحاكمة. الحزب الواحد حكم، الفرد استبد، عنده كمية مشاكل مهولة جداً في عالم أفكاره، مش في عالم أشياء اللي هو بيمتلك.

مالك بن نبي بيقول أحياناً الفكرة الوثن دي بتيجي على حساب بقية الأفكار، يعني يقولك إخوانا لا صوت فوق صوت المعركة، إحنا لازم... هو مشكلتنا بس مشكلة السلاح؟ طب يعني هو أنت لو كان معاك سلاح مش خلاص مشاكلك هتخلص؟ الإجابة أحياناً بتبقى: لا، مشاكلك مش هتخلص. ده مرض فكري، ده ممكن يجيب لك الاستعمار.

محمد علي عمل كده، قال إحنا على فكرة مشكلتنا... الفرنسيين ليه تجرؤوا في الحملة الفرنسية وجوا مصر؟ عشان كان عندهم مدافع كتير. هو مصر ما كانش معاه مدافع؟ لا، كان معه مدافع بس قليل، ما كانش معاه مدافع كتير، وما كانش معانا بنادق كتير، وما كانش معانا سفن كتير. فدي برضه مشكلة الفكرة الوثن على رأي مالك بن نبي.

يبقى إحنا المفروض نعمل إيه؟ إحنا قدرتنا على التسليح لو بقت كويسة إحنا هنحل مشاكلنا؟ محمد علي راح بكل اتجاهه عشان يعمل جيش قوي. الجيش القوي ده هل حل له مشكلة التربية؟ هل حل له مشكلة الاستبداد السياسي؟ هل حل له مشكلة علاقته بالدولة العثمانية؟ هل حل له مشكلة التبعية للعالم الغربي؟ بالعكس، لو محمد علي أول ما مشروعه بدأ قفل كل الأزمات اللي كانت عنده بسبب استعجاله المهول جداً في الفكرة الوثن بتاعته المتمركزة حوالين زيادة قدرته العسكرية فقط.

ما هو أكيد أي مجتمع عايز يبقى ليه وجود على الخريطة الدولية أكيد لازم يبقى عنده قوة عسكرية كافية إنه يحمي نفسه ويؤمن قدراته عن النهوض في الداخل بدون أي عدوان خارجي، دي فكرة بداهية من بداهات الاجتماع السياسي؛ إن أي مجتمع عايز يحفظ نفسه بيعمل لنفسه القدر الحد الأدنى من القوة العسكرية اللي تحمي أمنه الداخلي وعدم العدوان الخارجي عليه. لكن الفكرة هي دي الفكرة الوحيدة، الوثن، اللي هي لو هو راجل مستبد يقولك خلاص مش مهم، المهم نعمل النهضة العسكرية. الراجل عنده خلل في نظام التوريث، نظام ملكي مثلاً زي محمد علي وأولاده، مش مهم، المهم النهضة العسكرية.

مش مهم؟ هو دي كده يبقى إحنا دخلنا في عالم الأمراض اللي هي بؤرة القابلية للاستعمار. عشان كده فعلاً محمد علي بعد خطوة، اتنين، تلاتة في مشروعه على طول جه الاستعمار، بعد كده الاستعمار ما عرفش يقومه، حتى أولاده ما عرفوش يقوموه، ده الاستعمار جه وقعد ٧٥ سنة. مالك بن نبي بيقول إيه؟ هذه الدول كانت قابلة للاستعمار قبل ما يجي الاستعمار، إيه السبب؟ إنه كان عنده فكرة مميتة، عمال يجيب أفكار مش بتاعته، عمال يسكنها جوه، عمال جايب فكرة عمال يتعبد ليها وهي فكرة باطلة زي الفكرة الوثن دي مثلاً؛ فكرة محورية البندقية أو السلاح أو النهضة العسكرية ومضيع باقي القضايا الثانية، فعمل له خلل في عالم أفكاره خلاه قابل للاستعمار، فالاستعمار أول ما جه ما لقى فعلاً مقاومة لأن عالم الأفكار كان تم تشويهه أو تدميره.

طيب برضه من الأفكار اللي بيشاور عليها مالك بن نبي داخل في عالم الأفكار، أمراض بؤرة الإنسان إنه يبقى قابل للاستعمار، الأفكار المخذولة. الأفكار المخذولة هي إن أنت تدعي إن أنت عايز تطبق فكرة بعينها، الفكرة اللي أنت عايز تطبقها دي أنت تخذلها، يعني صاحب الفكرة نفسه ينقص أو يخون الفكرة دي.

إزاي؟ يعني أنا مثلاً مثال الاتحاد السوفيتي، الاتحاد السوفيتي كان جزء من الفكرة اللي هو بينشر في العالم، فكرة العدل، فكرة المساواة ما بين الناس، كل الناس تأكل زي بعض، تشرب زي بعض، يمتلكوا نفس الحاجات، ما فيش تسلط طبقة على طبقة. فدي فكرة، وهو جاي يطبقها بالعكس عمل ضدها تماماً، عمل خلل كبير جداً في ممتلكات الناس، خلى الناس كلها مطحونة، الطبقة هي اللي بتحكم هي اللي معاها كل الأدوات، فهو اللي خذل الفكرة نفسها، الفكرة نفسها هو اللي خذلها.

يعني ما حدش جه جنبه، ما حدش استعمر، هو فعلاً تم تفكيكه. وعدد كبير جداً من الدول اللي كانت خاضعة للاتحاد السوفيتي أصبحت حلف مباشر لعدو القديم؛ يعني الدول اللي كان ضاغط عليها الاتحاد السوفيتي وخلاها جوه الاتحاد، أول ما الاتحاد اتفك بسبب خذلانه لأفكاره هو نفسه، الدول اللي كان حاططها جوه انتماء سياسي معين راحت للانتماء السياسي اللي ضده على طول، وكأنها قابلية لاستعمار الفكرة البديلة.

طب إيه قابلية الاستعمار دي جتلك منين؟ لأنه فكرة مخذولة، أنت اللي خذلت فكرتك. مما يرى من طرائف الحزب الشيوعي الحاكم في الاتحاد السوفيتي، كان جاي اسمه إيه ده... خيرت شوف كان بيتكلم وهو رئيس، فكان بيقول ده الرفيق ستالين اللي هو كان قبله، كان عنده كذا وعيوب وظلم وقتل لمنافسين واستبداد، قعد يقول عيوب كتير جداً، فالمفروض الفدائيات الشيوعية أو الماركسية إنه المفروض يبقى في مصارحة وفي مكاشفة، فواحد بيقول له إيه؟ بيقول له أنت طب أنت...

كنت فين لما كان استلم بيعمل واحد أنين؟ فهو مسك الورقة كده اللي مبعوتة له وقال: «فين صاحب الورقة دي؟ مين اللي بعت الورقة دي؟»، فمحدش رد طبعاً. فقال له: «كنت أنا خيرت، كنت أمارس الصمت الثوري مثلك»، يعني أنا كنت بعمل اللي أنت بتعمله دلوقتي، أنت وهو واللي بعت له الورقة دي كلكم بتاخدوا الفكرة نفسها.

أنت لو كنت فعلاً عندك شفافية وعندك إدارة جماعية وعندك نظام سياسي ديمقراطي زي ما بتدعي، فدي فكرتك، فأنت اللي خذلت فكرتك، وعشان كده النظام نفسه كله انهار. فبقيت قابل بعد كده إن يجيلك أفكار من أي حد تاني، أو تبقى تابع لأي دولة تانية، أو تابع لأي نظام تاني أو أفكار، أو تبتعد بالكلية عن الفكرة الأساسية بتاعتك؛ لأنك خذلت الفكرة الأساسية بتاعتك.

العالم الإسلامي قبل ما يجي الاستعمار، المطلع على شكل خريطة العالم الإسلامي استغرب من ظاهرة واضحة جداً، وهي أن كل ديار الإسلام، المحكومة من قبل ملوك وأمراء وحتى السلطان العثماني نفسه، كل هذه الدول تعرضت للغزو الخارجي. 95% من ديار الإسلام كلها سقطت تحت الاستعمار المباشر؛ مصر، ليبيا، تونس، المغرب، الجزائر، نيجيريا. كل الإمبراطوريات اللي عندي كانت إمبراطورية إسلامية: تشاد، النيجر، مالي، بوركينا فاسو، كوت ديفوار، الكونغو، كينيا، السودان، الصومال، جيبوتي، إريتريا، وجزء كبير من إثيوبيا وتنزانيا، وكل ممالك الساحل.

عدن، الهند كلها، جمهوريات آسيا الوسطى اللي بعد كده خدها السوفيت، كل ده؛ والعراق وسوريا، كل ده سقط. كانوا بيحكموا مسلمين، وتونس وكل ده سقط تحت الحكم غير المسلمين. طب إيه السبب؟ مالك بن نبي بيقول إيه؟ بيقول إن المسلمين نفسهم هم أصلاً خانوا الفكرة نفسها. يعني أنت كنت بتحكم بأي قواعد؟ أنت بتقول إن هذه الديار محكومة بقواعد الإسلام، طب قواعد الإسلام دي إيه؟

عالم أفكار الإسلام ده فيه إيه؟ فيه العدل، فيه محاكم تحاسب الحاكم على التزامه بقواعد الإسلام في تطبيق الشريعة على الجميع، أن كل الناس سواء أمام أحكام الشريعة، خلاص القضاء بيحكم بالشريعة وما فيش حد يعلوه. القضاء بيحكم بالشريعة، أمير المسلمين ده واحد من المسلمين، واحد عادي من الناس المسلمين ولكنه أكثرهم حملاً. لما أنت خذلت هذه الفكرة، أصبح هذا النظام قابلاً للاستعمار، يعني يجي واحد من بره ويحكمه.

عشان كده كتير جداً من ديار الإسلام لما جه المستعمر من بره، المستعمر جه خلى الحاكم زي ما هو قاعد. يعني مثلاً الإنجليز لما دخلوا الهند سابوا إمبراطور المغول، المسلم بيحكم وأدو له راتب وكملوا هم حكم. إيه ده؟ إزاي؟ إيه اللي بيحصل؟ ده هو كان خذل الفكرة، يبدو أنه كان في تطبيقه للإسلام أو رؤيته للإسلام مخذول جداً، يعني ما بيطبق أي حاجة من تعليم الإسلام، فلما يجي له واحد من بره خلاص، هو كان أصلاً مجتمعاً قابلاً للاستعمار.

الكونغو كان بيحكمها عرب عمان، كان بيحكمها واحد اسمه محمد المرجبي لغاية 1900، كان العرب العمانيين بيحكموا الكونغو، لما جت بلجيكا في فترة حكم إمبراطور بلجيكا "ليوبولد الثاني" جه حكمها، قعدوا حكموها 25 سنة، والحاكم العربي العماني ده قاعد تحت حكم البلجيكا. مصر، الإنجليز لما دخلوا 1882 لقوا في خديوي، الخديوي ده قعد لغاية ممالك مصر لغاية نظام 52، الإنجليز قاعدين وفي خديوي أو ملك لمصر قاعد تحت حكم الإنجليز.

فده طب إزاي؟ ده قبل ما حد يحكمه وهو ملك مثلاً أو خديوي، الإجابة أن هو أصلاً خذل الفكرة الأساسية، فبقيت الفكرة المخذولة دي قابلة إن يجي مستعمر خارجي يطبق عالم أفكار ثاني، لأن أنت أصلاً ما كانش عندك عالم أفكار أولاني، يعني أنت كنت بتاخذ بفكرتك الأساسية ما بتطبقها، فأنا لما جيت أطبق أي حاجة ثانية فأنت ما عندكش مشاكل لأنك كنت أصلاً ما بتطبق فكرتك الأساسية.

المنتج اللي بيطلع هو ما يقوله مالك بن نبي، لما أنا ألاقي واحد بعالم أفكاره إما مليء بالأفكار الميتة، أو الأفكار المميتة، أو الأفكار الوثنية. الأفكار الوثنية مش معناها الوثنية التي هي الفكرة الوثنية، بل هي فكرة البندقية، فكرة التقدم والتخلف اللي إحنا كنا عملنا قبل كده عليها حلقتين. أفكار المخذول أول ما بتجتمع دي بتنسب داخل عالم أفكار مجتمع من المجتمعات، هذا المجتمع بيبقى قابلاً للاستعمار ولو لم يُستعمر.

يعني أنا يجي عندي تركيا، أقدر أقول يا إخوانا تركيا ظهر فيها كل أمراض الاستعمار، غيرت لغتها ولبسها والتبعية بتاعتها ونظامها السياسي واختارت العلمانية طواعية، وهجرت الإسلام طواعية، كل ده بسبب الاستعمار؟ ما فيش أصلاً، الاستعمار لما يدخل تركيا... طب إيه ده؟ أمال إيه اللي حصل؟ فاحنا نقول هنا تظهر بقوة فكرة مالك بن نبي اللي هي متعلقة بالوعي، إنه كان عنده خلل مهول جداً في عالم الأفكار.

لما أجي أنا أتكلم على حد من إمارات الخليج أو الممالك الخليجية أقول: طب الدول دي ما حدش استعمرها، هي ليه خاضعة ثقافياً وسياسياً واقتصادياً وحتى اختيارها اللغوي بتختار اللغة الإنجليزية طواعية؟ ليه بالرغم من إنه ما فيش استعمار؟ فكرة مالك بن نبي تظهر بقوة جداً أن هذا المجتمع لم يُستعمر، ولكنه مجتمع قابل للاستعمار. قابليته للاستعمار دي استمدها منين؟ من الخلل أو التشوه أو فساد عالم أفكاره.

أتمنى أن تكون فكرة القابلية للاستعمار في مقابل الاستعمار وضحت، وعلاقتها بعالم أفكار المجتمعات؛ بحيث أقدر أفسر إن أنا لو مجتمع خاضع لغوياً، ناحية المعمار والمنشآت، نظام التخطيط، النظام السياسي، الملبس، المأكل والمشرب، النظام السياسي، العقيدة القتالية، الانتماء العسكري، كل ده، والسياسة الخارجية خاضعة لدولة ثانية وأنا دولة مستقلة وما فيش أي قوات أجنبية على أرضي، أعرف إن ده ممكن يكون برضه استعمار، بس هو قابلية للاستعمار أكثر منه استعمار مباشر أو استعمار حقيقي عمار مادي. شكراً، بارك الله فيكم، نلقاكم الحلقة القادمة، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.