دخولتسجيل الدخول

بره الصندوق | التاريخ الإسلامي: كتبه وكيف تقرأه

أيمن عبد الرحيمالمهندس أيمن عبد الرحيم
  • مدة الدرس:
  • قراءة

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، والصلاة والسلام على خير معلم الناس الخير محمد، وبعد.

أهلاً بكم من جديد، هناك سؤال متعلق بمدى فهم الناس للتاريخ، وخاصة التاريخ الإسلامي. لدينا إشكالية في من كتب التاريخ الإسلامي وكيف نقرأ هذا التاريخ. هناك من يقول إنه لا مشكلة، فالتاريخ شيء مضى وانتهى، فلماذا نشتغل بشيء مضى وليس له تأثير في الواقع في الحاضر؟

دائماً أهل التاريخ يرددون هذه الكلمة التي لا يعرف التاريخ لا يمل من تكرارها: "ما دام أنت لا تعرف ما الذي حصل، فمن الممكن أن تكرر نفس الأخطاء". كثير جداً من الناس يقولون، أو يقول علماء التاريخ: "الذي لا يعرف ماذا وقع قبل مولده، يظل طفلاً طوال عمره". نحن نسميها الطفولة الفكرية؛ أن تأتي وتكرر عدداً كبيراً جداً من الأخطاء كفرد، أو كمجتمع صغير، أو كدولة، أو كشعب، أو كأمة، ثم تقول إنه لن يحدث شيء، بالرغم من أن وقائع التاريخ تدل على أن من فعل كذا فُعل به كذا.

أحياناً نسميها من جانب شرعي "السنن"؛ ففي القرآن الكريم، يوجد في المادة القرآنية الكثير من قصص الأمم السابقة في تعاملها مع الوحي، وفي تعاملها مع الرسل والأنبياء وكذا. فمن نفس المنطلق، فإن فكرة فهم مفهوم التاريخ وفهم كيفية كتابة التاريخ، ومن كتب هذا التاريخ وكيفية قراءته، ترفع عنا كثيراً من الأخطاء التي ممكن أن نقع فيها في المستقبل، أو على الأقل في الحاضر.

هناك اختلاف ما بين المشتغلين بالتاريخ، سواء في الغرب أو في الشرق، على مفهوم التاريخ أصلاً. هل التاريخ مجرد ذكر الوقائع؟ يعني مثلاً أقول: المسلمون كسبوا في غزوة بدر، أو في سنة 1967 كان هناك العدوان الإسرائيلي على مصر، وفي سنة 1973 حرب أكتوبر. هل ذكر الوقائع هو هذا التاريخ؟ أم أن التاريخ هو الوقائع وتفسير الوقائع؟

هناك مدرسة تقول: لا، التاريخ هو أن تذكر الوقائع فقط، ما الذي حصل؟ تقوم بذكر الوقائع ووقتها فقط، تقول لنا الوقت الذي حصل فيه كذا وكذا. وفي ناس يقولون: لا، لا يكون تاريخاً إلا إذا ذُكر التاريخ مع التفسير. تقول له إننا في غزوة بدر سنة 2 هجري مثلاً حصل كذا، والمسلمون انتصروا؛ لماذا انتصروا؟ هذا ليس مكتوباً في الواقعة، لكنه شيء مضاف على الواقعة. أو تقول في سنة 1967 حصلت هزيمة لمصر في مقابل إسرائيل؛ لماذا حدث ذلك؟ تقول لي: إسرائيل ضربت مصر والأردن وسوريا، هذه هي الواقعة، ولكن ماذا حدث ولماذا؟ تقول لي: عسكرياً بسبب كذا، ودبلوماسياً بسبب كذا، وسياسياً بسبب كذا، وتعليمياً بسبب كذا. فأنت هنا تفسر الوقائع.

مشكلة المدرسة الأولى هي فكرة التفسير، يقولون لك: لا، الوقائع هي ما حصل، أما التفسير فهو رأيك أنت. وهناك مقولة شهيرة بين المؤرخين، يقولون لو اثنان يشاهدان نفس الواقعة التاريخية، أحدهما يراها هزيمة والآخر يراها نصراً، فكيف يحدث هذا؟ يقول المؤرخون إننا نتحدث عن اثنين عقيدتهما مختلفة. فإذا قلت إن عام 1967 كان انتصاراً عظيلاً، فنحن لا نعرف إلا أن هناك هزيمة كبيرة جداً، فبالتأكيد أنا أتكلم بلسان الطرف الإسرائيلي لأنه يرى الموضوع من طرفه، والعكس بالعكس. فالوقائع نفسها وتفسيرها يدل على وجهة نظرك، فماذا لو كانت وجهتك هذه مغرضة؟

هناك ما يشبه النسيان أو التغافل. والمؤرخون أنواع؛ فهناك مؤرخ يقوم بدور "الراوي"، وهو الذي يكتب الروايات أو القصص. نحن الآن مثلاً نشاهد مسلسلاً درامياً تاريخياً عن صلاح الدين الأيوبي، أو عن الأندلس، أو عن فتح المسلمين للهند والصين. هذه وقائع واردة في التاريخ، ولكن بعد ذلك توجد وقائع مثل: ماذا كانوا يرتدون؟ كيف قابلوا بعضهم؟ ماذا قالوا لبعضهم داخل البيت؟ هذا ليس مكتوباً في التاريخ، فمن أين أتى به؟ الراوي أو القصاص يكمل من عنده ليجلب لنا رواية نسميها "حبكة" معتبرة، بمجرد أن أقرأها أقول: والله هذا كلام كويس. مشكلة هذا النوع أنه كلام كويس ولكنه ليس هو ما حدث بالفعل.

وهناك نوع آخر من المؤرخين يقوم بدور "البستاني". البستاني عندما يدخل حديقة يرى الوقائع التاريخية، فماذا يفعل؟ يقوم بعمل تهذيب لها؛ فيزيل الأشياء التي لا يريدها، ويظهر الأشياء التي يريدها. هذا ما نسميه عند المؤرخين "الإعراض والتناسي". أن آتي عند واقعة معينة، فلو كنت مؤرخاً إسرائيلياً وأريد أن أغطي حرب 1973، وأريد أن آتي بالجزء الذي حقق فيه الجيش الإسرائيلي إنجازاً جيداً، أتغافل من أول 6 أكتوبر إلى 14 أكتوبر، وأبدأ الكلام من بعد 14 أكتوبر حيث بدأت تحدث المشاكل، فأحضر هذا الجزء وأترك الجزء الأول؛ أنا هنا فعلت دور البستاني، قمت بالإعراض والتناسي. والعكس بالعكس، لو كنت مؤرخاً مسلماً وأريد أن أقول إن المسلمين كانوا يكسبون كل معاركهم، بالرغم من أن التاريخ ليس كذلك، فهذا ما أتمناه لنفسي.

كسبوا كل الحروف بتاعتهم فآجي أجيب غزوة بدر، وأروح سايب أحد وأروح معدي جايب غزوة، وهكذا. طيب وإيه ده؟ أنت دي أحد دي وقعتها ليه؟ هو أنا ما كدبتش؟ بس أنا إيه، تناسيت، يعني أغفلت ذكرها ليه؟ عشان أنا عايز أخلي الناس تقرأ التاريخ بشكل معين.

هي دي مشكلة المدرسة الثانية، اللي هي مدرسة التفسير، إن أنا هتدخل في الوقائع التاريخية كما أريد. أريد أن أرى التاريخ خلاص، دي بقى هي المشكلة اللي إحنا أحياناً بنسميها فلسفة التاريخ. فلسفة التاريخ اللي هو إيه، الصورة الكلية، وكأني أنا مخرج. المخرج ده بيعمل إيه؟ هو اللي بيحدد إيه اللي المفروض الناس تشوفه. أحياناً المؤرخ بيعمل كده بسبب فلسفته هو للتاريخ، بيخلي أحياناً بيخدع نفسه وبيخدعك، إن هو يقرأ التاريخ اللي هو عايز يشوفه.

طب دي إيه المشكلة فيها؟ زي مثال هنضرب مثال على التاريخ الإسلامي. المثال بيقول إيه: إحنا دلوقتي لما بيجي مؤرخ يقول تاريخ إسلامي، إحنا بنؤرخ للإسلام ولا للمسلمين؟ دي مشكلة كبيرة جداً. في ناس يجي أي حاجة في التاريخ الإسلامي حاجة شايف إنها عيب أو المفروض الناس ما تشوفهاش، أو فيها مثلاً قتل، رَاق الدماء أو كذا، فيقول: والله لا، ده الإسلام ده حاجة جميلة جداً، فما دام الإسلام حاجة جميلة جداً المفروض ما يبقاش فيه حاجة مش جميلة جداً زي القتل أو التشريد أو كذا، أو حتى أخطاء كبرى، فيعمل إيه؟ يروح يصّصها، يسقطها.

طب هنا المشكلة دي حصلت منين؟ إن هو عنده فلسفة للتاريخ، فهو مخرج، والفلسفة تساوي هنا الإخراج. أنت عايز الصورة النهائية يطلع إيه؟ إن هو تاريخ هنسميه أحياناً تاريخ الباسه، أو أحياناً بنسميه التاريخ الافتخارية؛ الإسلام ده دين رب العالمين، كله خير، كله عدل، يبقى المفروض لما أنا أؤرخ للمسلمين يطلع كده. مش صحيح، أنت بتؤرخ للمسلمين يعني؟ دول بتؤرخ للبشر، البشر دول ممكن فهمهم للإسلام أحياناً يبقى تام مغلوط، مش صحيح، كامل ناقص. فالمفروض تذكر كل حاجة، بس وأنت بتذكر بقى تقول الإسلام بيقول إيه والمسلمين عملوا إيه في الوقت ده.

يعني مثلاً، بنقول إحنا مثلاً في وقت حياة النبي ﷺ في الفتوحات، النبي ﷺ أرسل سيدنا خالد بن الوليد لغزوة من الغزوات، سيدنا خالد بن الوليد راح، الناس هناك طلعوا لهجتهم غير لهجة قريش، عايزين يقولوا له إنهم أسلموا، إنهم دخلوا في الإسلام. فكلمة صابئ عندهم اللي هو بيغير دينه، يعني عايزين يقولوا إن إحنا غيرنا دينا من الشرك دخلنا في الإسلام، فقالوا له: صبأنا، صبأنا. سيدنا خالد بن الوليد عمل إيه؟ قتلهم، قتلهم كلهم، برغم إنهم كانوا مسلمين، بس هو إيه؟ فهم منهم إن هو طالعين بيقولوا له إحنا مش هنخش في الإسلام، يعني مش هيدخلوا الإسلام لأن ده المعنى اللي هو عند القرشيين، راح قتلهم.

أول ما رجع للنبي ﷺ، هنا بقى أنا لو كمؤرخ، يعني غالبه عليا فكرة إن الإسلام يجب أن يكون، تاريخ الإسلام ده عدل مطلق ما فيهوش أي ظلم، ما فيهوش أي انتهاكات، ما فيهوش أي حاجة غلط، الواقعة دي هعمل فيها إيه؟ أول ما سيدنا خالد بن الوليد قال للنبي أنا عملت كذا وكذا، فالنبي ﷺ قال إيه؟ نظر الإسلام، قال: «اللهم إني أبرأ إليك مما فعل خالد». أبرأ إليك مما فعل خالد. بس هو خالد بن الوليد، يعني سيدنا خالد بن الوليد أخطأ هنا في قتل هؤلاء الناس.

بس سيدنا أسامة بن زيد، وده من أحب الناس للنبي، ابن الحب، وده لقبه عند أهل السير وأخبار الصحابة وكذا، لما النبي ﷺ أرسله برضه في غزوة، وجد يقاتل رجل من المشركين، وقتل ناس كتير من المسلمين؛ أول ما سيدنا أسامة جه يقتله، فالرجل قال له إيه؟ «أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله». فسيدنا أسامة قال أكيد هو بيقول لا إله إلا الله محمد رسول الله عشان ما يتقتل، راح قتله.

لما رجع للنبي ﷺ وأخبر القصة، النبي ﷺ قاله إيه؟ قال له: «وكيف تفعل بلا إله إلا الله يوم القيامة؟ يا أسامة، إذا جاءت يوم القيامة أقتلته بعد أن قال لا إله إلا الله؟ يا أسامة!». طب هو إيه ده؟ يعني لو أنا هجيب الواقعة دي، أنا كمؤرخ المفروض أقولها ولا ما أقولها؟ واحد يقول لك: لا، بس ده قتل بعد ما بقى مسلم، طب لا المفروض المسلمين ما يعملوش كده أو الإسلام ما يبقاش فيه كده، فيروح أنا أسقطها من التاريخ. طب بقى أنت كده أنت كده مخرج، أو كده فلسفة التاريخ، عايز تاريخ الإسلام يبقى تاريخ باسم، ده تاريخ المسلمين مش تاريخ الإسلام.

خلاص، الواقع ذكرت والنبي ﷺ خطأ سيدنا أسامة، قال إن المفروض لا إله إلا الله دي بتعصم الدماء والأموال، فالمفروض إيه؟ خلاص، قال لا إله إلا الله محمد رسول الله خلاص يكف عنه. فده إيه ده؟ التقويم اللي عمله النبي ﷺ لسلوك سيدنا أسامة. وهكذا في التاريخ الإسلامي كتير جداً من الناس يقول لك إيه، سيدنا عمر بن الخطاب، المفروض ده راجل خليفة راشد وراجل صحابي كبير جداً، يعني عالم من أعلام الإسلام. المفروض لما أجي أنا أجيب خلافة سيدنا عمر بن الخطاب يبقى المفروض أجيب إيه في التصور؟ لو أنا فلسفتي ونظرتي للتاريخ إن أنا عايز أطلعه تاريخ الإسلام مش تاريخ المسلمين، المفروض أطلع سيدنا عمر بن الخطاب ده يعني انتشر في كل المعارك، مش صحيح.

المسلمين خسروا في عهد سيدنا عمر بن الخطاب معركة الجسر، قُتل فيها آلاف من المسلمين ومن الصحابة. طيب المفروض أطلع إيه؟ مثلاً كان في رخاء اقتصادي شديد جداً، ما هو راجل عادل فلازم يبقى في رخاء اقتصادي شديد جداً. اللي حصل إيه؟ إنه في عام كامل سيدنا عمر بن الخطاب حكم، عشر سنوات منهم عام كامل يعني، في مدة حكم سيدنا عمر بن الخطاب عام الرمادة، ده مجاعة، مجاعة الناس كانت بتسف التراب. إيه ده؟ طب المفروض أسقطها؟ دي كان في طاعون عمواس، طاعون وقع في الشام قتل عدد كبير جداً من الصحابة، منهم سيدنا معاذ بن جبل، أعلم أمة محمد بالحلال والحرام، إيه ده؟ هو كان عنده طاعون وكان عنده مشاكل اقتصادية وكان عنده... هو دي الفكرة في إيه، أنت عايز.

تشوف تاريخ مختلف بسبب أن في فكرة ترسخت في آذان المسلمين، أن هو المفروض يكون تاريخ الإسلام مش تاريخ المسلمين. النقطة التي نحن نحاول التأكيد عليها في فكرة كتاب التاريخ الإسلامي، هي الابتعاد عن التاريخ الافتخاري.

لأن التاريخ الافتخاري، مثل واقعة خالد بن الوليد لما قتل الناس، يجب أن يذكر: خالد بن الوليد قتل الناس، ولكن ما هو موقف صاحب الشريعة وموقف النبي ﷺ منه؟ قال: «اللهم إني أبرأ إليك مما فعل خالد». خلاص، هكذا نذكر الواقعة ومعها المعيار. سيدنا أسامة بن زيد، سيدنا أبو بكر الصديق، نفس الحكاية.

أنا أقول إن هذه حاجة متعلقة بتاريخ الخلافة الراشدة، والناس متصورة دائما لما نقول "خلافة راشدة" يجي في ذهن الناس: عدل واستقرار وأمن ورخاء اقتصادي، خلاص. طب هذا أي وجهة نظر؟ وهذه هي أهمية الكلام في موضوع الحلقة أصلاً، أن يستوعب الناس مفهوم التاريخ الصحيح، مش التاريخ الذي نحن نريده أو التاريخ الذي نحن نريد أن نكتبه.

أنا عندما أقول خلافة راشدة، أتكلم عن عدل؛ خلافة على منهاج النبوة، يعني واحد يفعل فعل النبي ﷺ أو يخلف النبي في الأمة، لكن هو ليس نبياً. أبو بكر ليس نبياً، عمر ليس نبياً، عثمان ليس نبياً، سيدنا علي ليس نبياً، سيدنا الحسن ليس نبياً، وبعد ذلك عمر بن عبد العزيز الذي ألحقه الناس بالخلفاء الراشدين لأنه رجل عادل من خلفاء بني أمية، وإن كان تأخر عن سيدنا الحسن، وهو آخر الخلفاء الراشدين المعروفين. سيدنا الحسن ابن سيدنا علي، وبعده سيدنا عمر بن عبد العزيز الخليفة الأموي جاء بعد ستة أو سبعة خلفاء أمويين أو ملوك، لأننا نعتبر "خليفة راشد" يعني خليفة للنبي ﷺ يفعل فعل النبي ﷺ ولكنه ليس نبياً.

الناس دائماً عندما نقول لهم: نريد أن نختبر فهمكم أو تصوركم لفلسفة التاريخ التي عندكم، نقول لك: ما تصورك عن وقت خلافة أبي بكر الصديق؟ تقول: لا، أبو بكر الصديق هذا صاحب النبي ﷺ الثاني، أول من أسلم من الرجال، يبقى المفروض في عدل شديد جداً، وهذا كان حاصلاً، وفي وفرة اقتصادية شديدة جداً، وهذا ما كان حاصلاً، وأمان واستقرار، وبرضه هذا ما كان حاصلاً.

كيف؟ أولاً سيدنا أبو بكر الصديق حكم سنتين فقط، هو بعد وفاة النبي ﷺ استخلف سنتين ثم توفي. ثانياً، معظم وقت خلافة أبي بكر الصديق في السنتين دول كانت حروب الردة. حروب الردة هذه، كل الجزيرة العربية، كل من دخل في الإسلام من العرب في عهد النبي ﷺ ارتد في خلافة أبي بكر الصديق، بل في أواخر حياة النبي ﷺ. النبي ﷺ قبل أن يتوفى، عندنا اثنين ادعيا النبوة؛ عندنا الأسود العنسي وعندنا مسيلمة الكذاب، وبعد ذلك لحق بهم طليحة الأسدي وسجاح، عندنا أربعة أو خمسة مدعي نبوة، اثنين منهم أدركوا آخر حياة النبي ﷺ، والنبي ﷺ رسل لمسيلمة الكذاب.

وعندنا بعد ذلك منع الزكاة وإعلان الناس للردة بشكل واضح في خلافة أبي بكر الصديق؛ كل العرب في الجزيرة ارتدوا إلا مكة والمدينة والطائف، هذه ثلاث مدن، ليست مساحة جغرافية كبيرة. طب أين الرخاء الاقتصادي؟ هو سنتان يحارب، والمدينة نفسها تعرضت للغزو أيام سيدنا أبي بكر الصديق لأن العرب كلها ارتدت، معظم الناس إما مرتد بالكلية، "أنا لست مسلماً"، أو مانع للزكاة، يقول له: "والله أنا مسلم وأصلي وكل شيء، بس الزكاة لا، الزكاة هذه كانت تدفع للنبي، لما توفي هذه ليست فرضاً من فروض الإسلام، هي حاجة متعلقة بشخص النبي ﷺ". وقاتلهم سيدنا أبو بكر الصديق على هذا. فأين الرخاء؟ ليس هناك رخاء، وأين الأمن والاستقرار؟ ليس هناك أمن واستقرار. وبعد ذلك أين الرقعة الأرضية الكبيرة التي فتحها لنتصور أنه فتح إمبراطورية؟ ليس هناك، هو سنتان فقط.

خلينا في عمر بن الخطاب، لأنه الأشهر على الإطلاق رضي الله عنه؛ سيدنا عمر بن الخطاب حكم عشر سنوات، كما قلنا، عام الرمادة، سنة طاعون عمواس، معركة الجسر، عشرات الآلاف على الأقل قُتلوا. ونسينا أيضاً أن في عهد أبي بكر الصديق عدداً كبيراً جداً من حملة القرآن من الحفاظ قُتلوا في حروب الردة، والسبب الذي دفع الصحابة أن يعرضوا على سيدنا أبي بكر الصديق جمع المصحف، وقد جُمع في عهد أبي بكر خوفاً من أن يتفانى الحفاظ، فيضيع القرآن الكريم، وقد حفظه الله عز وجل بحفظه وبأصحاب النبي ﷺ.

سيدنا عمر بن الخطاب كما قلنا، عام الرمادة وهو قُتل رضي الله عنه، عمر بن الخطاب نفسه قُتل. طب سيدنا علي؟ كان في اقتتال داخلي جوه الأمة، هو كان يقاتل الخوارج، وكان يقاتل في قتال مع جيش الشام التابع لسيدنا معاوية، وقعد الوضع هذا مستمراً خمس سنوات، الخمس سنوات دول ما كان فيها أي فتح لأراضٍ جديدة، على عكس قبل ذلك. خلافة سيدنا عثمان بن عفان كان فيها شوية رخاء اقتصادي متحقق، وكان فيها فتح أرض كبير، لكن في عهد سيدنا عثمان بن عفان خرج عليه مرتين، وفي الثانية قُتل.

سيدنا علي، تتمة الكلام الذي نحن قلناه، القتال الداخلي ما بين الخوارج وجيش الشام، عدم استقرار، توقف الفتوحات التي كانت بدأت وتوسعت جداً في عهد عمر وعثمان، وبعد ذلك هو قُتل رحمه الله، سيدنا علي نفسه قُتل. طب سيدنا الحسن؟ حكم ستة أشهر فقط، وبعد ذلك تنازل عن الخلافة لسيدنا معاوية.

ما المشكلة؟ أنت فهمك للتاريخ، أنت داخل على تاريخ الراشدين، ماذا تريد منه؟ أنت متصور أن يكون ماذا؟ يقول لك لا، هذا بوظت خالص موضوع الخلافة هذا. الخلافة الراشدة هذه ماذا كان شكلها؟ أنا أرجعك لحاجة أهم من هذا، وهي حياة النبي ﷺ.

صلى الله عليه وسلم. في ناس يقول لك لو حد عرض عليه، تقول له: تعيش أيام النبي صلى الله عليه وسلم؟ يقول لك: طبعًا، عيش سيد أيام النبي صلى الله عليه وسلم.

هو أيام النبي صلى الله عليه وسلم، النبي لم يتوقف عن الغزوات والفتوحات والقتال والجوع. الناس تصورها للتاريخ على أنها تاريخ باسم الآمال، بل حتى في أيام النبي صلى الله عليه وسلم، في واحد مرة قابل سيدنا حذيفة بن اليمان صاحب النبي صلى الله عليه وسلم وكاتم سره، الذي كان يطلع النبي صلى الله عليه وسلم على أسماء المنافقين، فقال له: هل رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: نعم. قال: لو رأيناه ما تركناه يمشي على الأرض.

كأنه يتمنى أن يعيش أيام النبي صلى الله عليه وسلم لأنه تخيله عن التاريخ أنه تاريخ باسم الآمال، وهذا هو سبب تخيله. قال له سيدنا حذيفة: «يا ابن أخي، لا تتمنَّ موطنًا غيبك الله عنه، رأى غيرك وكفر».

هل كنت متصور أن في أيام النبي صلى الله عليه وسلم ما هو إلا مجرد أماني؟ كيف أنت متأكد؟ ألم يكفر أولاد عمومته وقتلوا النبي صلى الله عليه وسلم؟ تصوره عن التاريخ تصور مغلوط، لذلك لو أجيب بحاجة ثانية، كأن يقال له: "حدث كذا وكذا"، يقول لك: "لا، أكيد ما حصلش". أنت متصور أن فترة النبوة هذه فترة ابتلاء وصبر وعبادة وصبر على أمر الله عز وجل وجهاد مع النبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك الخلفاء الراشدين، كل هذا مردوده لفكرة بسيطة فيها خلل في الوعي العام، وهي تصور مفهوم التاريخ: هل التاريخ هو الذي حصل، أم الذي كان نفسنا يبقى حصل؟ الناس دائمًا يكون لها فلسفة معينة عن التاريخ.

المشكلة الكبرى في التاريخ في العصر الحديث، في آخر 200 سنة، كما أشرنا في الحلقة الماضية لنشأة الدولة الحديثة مثل محمد علي، أن العالم كله من بعد عام 1648، وهو صلح وستفاليا الذي نشأ فيه مفهوم الدولة القومية الحديثة في أوروبا، بدأ ينظر لنفسه على أساس أنه دول قومية منفصلة؛ ألمانيا لوحدها، فرنسا لوحدها، هولندا لوحدها، بريطانيا لوحدها، وهكذا بقية الدول كـ مصر والعراق والهند بعد تفتت السلطنة العثمانية.

هذا المفهوم ظهر في أوروبا أولًا، وخاصة بعد الثورة الفرنسية، بدأ مفهوم التاريخ القومي يظهر للوجود. هذا التاريخ القومي الذي يعني: "أنا أولًا كفرنسا، قبل صلح وستفاليا كنت أرى أني جزء من الإمبراطورية المسيحية الكبرى في أوروبا، بعد صلح وستفاليا أرى أني مملكة فرنسا، وبعد قيام الثورة أرى أني جمهورية فرنسا".

ما الذي يترتب على هذا؟ أن يصبح لي حدود، وهذه الحدود ثابتة أراها مقدسة، أموت من أجلها وأدافع عنها. ولا بد لتأسيس الدولة القومية الحديثة من وجود لغة قومية وتاريخ مشترك. هذه هي المشكلة؛ لكي أصنع تاريخًا مشتركًا، يجب أن يكون تاريخًا افتخاريًا وتاريخًا باسمًا في نفس الوقت.

كيف يعني؟ أنا فرنسا يجب أن يكون تاريخ فرنسا عظيمًا جدًا، وإلا فما الذي جعلني كراجل فرنسي زمان أتكلم اللغة الفرنسية؟ العالم الأوروبي كله كان يتكلم اللاتينية، واللهجة المحلية بتاعتي هي الفرنسية، مثل العامية المصرية بالنسبة للعربية الفصحى. عندما بدأت أتحول لدولة لوحدي بعيدًا عن الإمبراطورية الكبرى، فخلاص، لماذا أتكلم لاتينية؟ أتكلم لهجتي المحلية وأكتبها، فبدأوا يكتبون الفرنسية، والإنجليز يكتبون الإنجليزي، وهي اللهجة المحلية من اللاتينية، وهكذا كل اللغات بهذه الطريقة.

لكي أنفصل عن الناس، يجب أن أقول أنا فرنسا غير إسبانيا، أنا فرنسا غير بريطانيا، وهذا تحقق باللغة والحدود. ولكن التاريخ المشترك هو ما يجب أن يتحقق؛ كيف يحققونه؟ الفكرة أنني يجب أن أكتب تاريخًا يتناسب مع تصوراتي أو فلسفتي التي أرى بها التاريخ والكون. يجب أن تكون فرنسا شيئًا عظيمًا جدًا، ويجب أن يكون لها تاريخ افتخاري وبطولات شديدة جدًا، ويجب أن يكون الجيش الفرنسي موغلًا في القدم، فيحارب من زمان، فيمكن أن أجلب معركة حصلت منذ 800 سنة وأقول: "الجيش الفرنسي فعل كذا".

بالرغم من أن مفهوم فرنسا هذا لم يتشكل إلا الآن، بعد صلح وستفاليا. قبل ذلك، الناس التي كانت موجودة هنا، وكأنه من باب الطرافة أن نقول: جيش المملكة العربية السعودية هو الذي خاض معركة بدر. نحن في الحقيقة المملكة العربية السعودية لم تكن قد أنشئت، هي دولة حديثة أنشئت في هذا المكان، فالتاريخ حصل في نفس المكان من العرب، لكن ليس هذه الدولة. هذا غير هذا، ونفس الحكاية في فرنسا. فما هو المفهوم المفروض أن يكون في ذهني؟ هذا ما سنقوم بتفصيله، انتظرونا.

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. تريد أن تنصر النبي صلى الله عليه وسلم؟ أسرع إلى تنفيذ أمر النبي، افعل ما أمرك النبي به، وانتهِ عما نهاك النبي عنه. كان الصحابة رضوان الله عليهم أسرع الناس إلى تنفيذ أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

روى الإمام البخاري في صحيحه من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: «كنت ساقي القوم في منزل أبي طلحة، وكان خمرهم يومئذ الفضيخ، فنادى منادٍ: ألا إن الخمر قد حرمت، ألا إن الخمر قد حرمت». قال أنس رضي الله عنه: فأمرني أبو طلحة فخرجت إلى سكك المدينة. فإنه كان الصحابة قد اجتمعوا على شرب الخمر قبل نزول آيات تحريم الخمر، وكان من يخدم سيدنا أنس بن مالك رضي الله عنه في منزل أبي طلحة، نادى منادٍ من قبل النبي صلى الله عليه وسلم: ﴿أَلَا إِنَّ الْخَمْرَ حُرِّمَتْ﴾، نزلت الآيات بتحريم الخمر: ﴿أَلَا إِنَّ الْخَمْرَ وَالْمَيْسِرَ وَالْأَنْصَابَ وَالْأَزْلَامَ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: 90].

إلا أن الخمر قد حرمت. قال أنس رضي الله عنه: «فأمر أبو طلحة فخرجت إلى سكك المدينة»، فأسرع الصحابة إلى تنفيذ أمر النبي بأن الخمر حرام، قالوا: «ربنا سمعنا وأطعنا».

تبطل سجاير، آخر سيجارة، آخر نفس، آخر علبة، آخر لقاء مع البنت، آخر شات على الإنترنت، آخر مرة ما ألبس الحجاب؛ لما أتزوج، لما أخطب، لما أدخل الثانوية. يا بنتي نزلت إيه؟ الحجاب؛ الحجاب كالصلاة. ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ﴾ [الأحزاب: 59]. علينا أن نسرع إلى تنفيذ أمر النبي محبة للنبي صلى الله عليه وسلم ونصره لنبينا محمد.

أهلاً بكم من جديد. المفهوم، مفهوم التاريخ القومي الذي أشرنا إليه، هو الذي سبب مشكلة كبيرة جداً بعد ذلك، حتى في كل الدول، بما فيها دول العالم العربي والإسلامي.

أنا أؤرخ، يعني مثلاً لكم أن تتخيلوا، أنا مثلاً عايش في باكستان. هذه الدولة نشأت سنة 1947، قبل ذلك لم تكن هناك باكستان، كان هناك الهند الكبرى؛ الهند الكبرى هي باكستان التي سنعرفها الآن، والهند التي سنعرفها الآن، وبنجلاديش وكشمير، كل هذه كانت بلداً واحداً اسمه الهند الكبرى. بعد الاستعمار الإنجليزي عن الهند تم تقسيمها لبلدين: باكستان والهند. الباكستان نفسها التي انفصلت تحولت لبلدين: باكستان الشرقية وباكستان الغربية. باكستان الغربية هي التي نعرفها الآن باسم باكستان، وباكستان الشرقية هي بنجلاديش. بعد ذلك انفصل إقليم أيضاً عن باكستان اسمه كشمير، وفضل متنازعاً عليه بين الهند وباكستان الغربية.

خلاص، أنا كرجل باكستاني عندما آتي لأكتب تاريخي، الباكستان المفروض، الموضوع ليس فيه هم خمسين سنة من 1947؛ ليس هناك تاريخ للباكستان التي نعرفها الآن، هذا تاريخ ما بعد 1947، لأن هذه هي باكستان التي قائمة الآن بعد أن تقطعت منها حتة كشمير وبنجلاديش.

مشكلته أنه ما دام أخذت مفهوم الدولة القومية الحديثة هذا، الذي نشأ في أوروبا في فرنسا وبريطانيا وغيرهما، أنني أريد أن أصنع تاريخاً؛ فأنا سأقول للطفل الذي أربيه في المدرسة: أريده أن يكون عنده ولاء لهذا البلد وهذا الوطن وهذه الأرض وهذه الحدود وهذا النظام السياسي القائم في باكستان. طيب، أقنعه بماذا؟ لازم أقنعه بأن لديه تاريخاً عظيماً.

فأنا ممكن أجلب له مثلاً -لكم أن تتخيلوا- دولة اسمها دولة الغزنوي، الغزنويين دولة أفغان من أفغانستان الموجودة الآن وحتت ثانية، لأن أفغانستان لم تكن بالشكل الحالي أيضاً، هذه الدولة حكمت فترة كبيرة جداً الهند. فإذا كنت باكستانياً، فبأي شيء أفتخر؟ هل أجلب تاريخ الغزنويين وأقول: انظروا، كان تاريخاً عظيماً وفيه انتصارات؟ لكن هؤلاء غير هؤلاء، هم حكموا نفس مساحة الأرض هذه، لكن لم يكونوا جمهورية باكستان الإسلامية التي جاءت عام 47 أو بعد الحرب مع بنجلاديش.

المثال الأكثر طرافة هو إسبانيا. إسبانيا في سنة 911 وما زالت حتى الآن تحتفل بعبد الرحمن الناصر، وتعتبره أعظم ملوك إسبانيا، وتحتفل بانتصاراته في إسبانيا على أساس أنه ملك إسباني عظيم. طيب يا إخوانا، إسبانيا هذه لم تنشأ إلا بعد صلح وستفاليا، وكمان لم تأخذ حدودها النهائية إلا بعد فترة طويلة جداً. أنت تحتفل بماذا؟ عبد الرحمن الناصر هذا كان خليفة مسلماً أو أميراً مسلماً، كان يحكم الأندلس، ومساحة الأرض هذه التي كان يحكمها كانت خليطاً من مسلمين وغير مسلمين، وكانت الديار خاضعة للمسلمين، خاضعة للفقه الإسلامي، خاضعة للقيم الإسلامية. الغزوات والحروب التي تفتخر بها كإسباني معاصر، هذه كانت ضد أجدادك، كانت ضد قشتالة التي أصبحت بعد ذلك إسبانيا والبرتغال. ففي خلط، ما الذي تحتفل به؟ هذا ملك كان يعيش في مساحة الأرض هذه لكنه ليس تبعك.

زي بالضبط عندما نأتي لنتكلم مثلاً عن الهكسوس. الهكسوس في الغالب -وعزيز مصر في القرآن على أغلب الأقوال- أنه من الهكسوس وليس من الفراعنة. عزيز مصر، الذي هو عزيز سيدنا يوسف في فترة النبي يوسف، عندما آتي لأتكلم عن هذه الفترة، لا أتكلم عن شخص يقول لك هو كان موجوداً في مصر، نعم، لكنه ليس من هذه المنطقة أصلاً؛ تاريخ المحل هذا تغير.

ما السبب؟ أنني المفروض عندما آتي لأؤرخ بالشكل القومي، أؤرخ قومياً؛ خلاص، أنا لا أدخل مثل المؤرخ الفرنسي، قبل قيام الدولة الفرنسية يمكن أن أؤرخ لأي شخص فرنسي على أساس أنه من جنود الرب، ربما حارب في أي مكان داخل أوروبا، لكن بعد قيام الدولة لم أعد أؤرخ إلا للفرنسي الذي هم داخل هذه المنطقة. نفس الحكاية، أنا الآن داخل مصر الحالية، مصر المعاصرة لم تأخذ حدودها هذه إلا بعد اتفاقية الجلاء، اتفاقية الجلاء كانت بين 54 و56، يعني جلاء الإنجليز عن مصر. قبل هذه الاتفاقية كانت مصر تشمل حالياً مصر والسودان، ومصر والسودان وغزة. وقبل ذلك بشوية، في عهد إسماعيل باشا، كانت مصر والسودان وأوغندا -التي هي المديرية الاستوائية- وجزء من إقليم في ليبيا وجزء من تشاد وجزء من سواحل الصومال وجزء من سواحل ميناء سواكن ومصوع في إريتريا، كل هذه كانت مملكة إسماعيل باشا.

فأنا عندما آتي لأؤرخ لشخص في إقليم ما في وقتها، لكم أن تتخيلوا كتاباً من موضوعات مكتبة الأدب للأمير توسون اسمه "مسألة المديرية الاستوائية". هذا الرجل عن ماذا يتكلم؟ المديرية الاستوائية، عندما يتكلم عن المديرية أقول: ما هي المديرية؟ هل هي محافظة أم ماذا؟ الرجل يتكلم عن أزمة مصر مع بريطانيا على أنهم أخذوا أوغندا، أخذوها من أين؟ من مصر! أه، نحن كنا نحكم أوغندا؟ لماذا لا نتحدث عن تاريخ أوغندا لأنها حالياً ليست داخل الحدود المعروفة باسم مصر؟ أنا كمؤرخ لست مهتماً بهذا. لكن لماذا كان يكتب عن أوغندا؟ لأنه حضر هذه الخطرة التي كانت أوغندا فيها طبع مصر، فهو يقر لها.

المشكلة كلها ترجع للمفهوم الذي بدأنا به من الأول: أنت كيف ترى التاريخ؟ ما هي فلسفة التاريخ؟ هل ترى التاريخ الذي تؤرخه هو تاريخ ناس، أم تاريخ ناس معتقدين ديناً معيناً، أم تاريخ ناس عايشين على...

حتى لو اختلفت اتجاهاتهم وقيمهم ودياناتهم، أنا مثلاً لما أقارن بين سيدنا عمرو بن العاص ورعمسيس الثاني، إيه المشترك ما بينهم؟ سيدنا عمرو بن العاص عربي، ورعمسيس الثاني فرعوني، ومن جنس مختلف، وسيدنا عمرو كان مسلماً وهذا غير غير المسلم، وكانوا بيحاربوا لأغراض مختلفة؛ ما فيش أي مشترك غير إن الاثنين كانوا عايشين في نفس الوقت.

أنا ممكن كده أقارن للإسكندر المقدوني، اللي هو بنى الإسكندرية وسميت على اسمه، على أساس إنه من مصر، والجيوش اللي طلعت بعد كده من مصر كملت غزو الصين والهند على إنها جيوش مصر، عشان الإسكندر كان عايش هنا فترة وبنى بلده وتعرفت باسمه. خلاص، فكل دي جاية من مشكلة الدولة، مش مفهوم الدولة، واللي طرق علينا، وبعد كده مشكلة فهم التاريخ.

إحنا إحنا بنخاف لإيه بالضبط؟ هل بنخاف للمساحة؟ يعني إحنا مثلاً لما بنيجي نتكلم عن صلاح الدين الأيوبي، إيه سبب احتفائنا بصلاح الدين الأيوبي؟ إحنا بنقول إنه قائد مسلم عظيم حارب مثلاً الصليبيين ووقفهم في حطين. طيب حطين دي فين؟ دي في الشام، طب هو صلاح الدين الأيوبي منين؟ هو كردي، طب هو قبل ما يحكم مصر كان بيحكم إيه؟ هو واحد من أمراء الزنكيين، والزنكيين دول مين؟ أتابك الشام كانوا بيحكموا الشام.

طيب هو كان بيعمل إيه هنا في مصر؟ جاي وزير عند الفاطميين. الفاطميين دول منين؟ من المغرب العربي، يعني الخليفة العبيدي اللي كان بيحكم مصر، الخليفة الفاطمي ده كان من المغرب وجاء حكم مصر، وكان صلاح الدين الأيوبي شغال عنده وزير. صلاح الدين الأيوبي كردي، وبعد كده لما ضاعت الخلافة الفاطمية، سيطر صلاح الدين الأيوبي على الحكم في مصر وألحقه بالإمارة الزنكية فترة، اللي هي الشام، وبعد كده استقل بيه وقامت الدولة الأيوبية في مصر.

كل اللي أنا بتكلم عليه ده أحداث حصلت في نفس البقعة، وأنا لما أرجع للدولة الفاطمية، دول مغاربة يعني من الناحية المكانية هم من المغرب، بس هم في الفترة دي كانوا في مصر. لو أنا جيت بقى أقارن بالتاريخ، وأبص للتاريخ على أساس إنه المفروض يكون مجموعة كبيرة جداً من الانتصارات، أو الإشكالية اللي إحنا هندخل فيها دلوقتي، وهي إيه مشكلة فهمي للتاريخ؟ ده هيطفي عليا فهم مغلوط للمستقبل.

بمعنى أن دي إشكالية خلت دول تُدمر في الحرب العالمية الثانية، الألمان واليابانيين، ودول مثال فج جداً للنموذج ده، اللي هو: أنا خلاص دولة قومية بالمفهوم اللي قلناه، عندي تاريخ قومي عظيم، التاريخ القومي ده تاريخ باسم ومتقدم إلى الأبد، يعني إيه؟ إحنا دلوقتي عملنا مرحلة، والمرحلة اللي جاية لازم تكون أفضل، لازم تكون أفضل، خلونا نركز، لازم تكون أفضل. ده التاريخ الباسم، إنه ماشي على طول كده بمنحنى صاعد، إحنا دايماً من أفضل إلى أفضل، إلى أفضل جداً، إلى أفضل خالص. يعني كل فترة بنتحسن، ما فيش مرة هننزل أو يحصل لنا كارثة أو حاجة، لا ما فيش كده.

عشان كده الدول القومية لما بتيجي تصيغ تاريخها، يا إما بتصيغه بشكل مغلوط بتكذب بشكل مباشر، يا إما بالإعراض والتناسي؛ تسقط الهزائم وما بتشوفهاش، يا إما تسميها نكسات، يعني تقول حاجة حصلت بطريقة عارضة لأن مسيرنا طبيعي هو الانتصار. التصور ده بيعمل إيه في الناس؟ إن الدولة لغاية ما بتنهار، بتنهار وهو شايف إنه مش ممكن تنهار.

زي ألمانيا، هتلر كان شايف إن ألمانيا دي تاريخ صاعد للجنس الآري، صاعد يعني إحنا بننتظر، دلوقتي ألمانيا قامت بعد الحرب العالمية الأولى وهي خسرت، ده طارئ على التاريخ الألماني، حاجة طارئة، طب إيه اللي هيحصل بعد كده؟ إننا هننتصر. وده حصل فعلاً، انتصرت خمس ست سبع انتصارات على الدول المجاورة، بعد كده ابتديت تخسر، فعمل إعراض وتناسي: أنا مش شايف، أنا ما بخسرش، بعد كده الدول دي جاية تحتل؟ لا مش ممكن تحتلني، أنا التاريخ متقدم دائماً وأنا لسه هكمل، ده لسه عصر صعود الرايخ الثالث اللي هو الحزب النازي جاي ولسه هنحكم العالم كله. فأكيد أنتم شايفين غلط، طب هو ليه مش قادر تشوف الواقع بشكل واضح؟ لأن عندي تخيل مسبق عنه إن التاريخ عظيم جداً والمستقبل أعظم إن شاء الله دائماً، لغاية ما الدولة وقعت وانهارت وهو انتحر، والجيش تم تفتيته، وألمانيا تم غزوها وتقسيمها بين الدول. وهو تصوره لغاية ما التصور انكسر بالواقع.

اليابان، اليابان شايفة إن التاريخ الإمبراطوري عظيم جداً لدرجة إنهم بيحسبوا بالتاريخ الإمبراطوري، يعني اليابان اسم العصر باسم الإمبراطور، إحنا عايشين في عصر "شينزو"، ده اسم الإمبراطور، يعني أنت تقول له إحنا في كام دلوقتي؟ يقول لك إحنا في ٢٥ شينزو، ده خلاص. إيه التقسيمة دي؟ إننا برضه أمة عظيمة جداً، أمة عظيمة على طول، يعني أنت ما حصلش غزو لأمريكا، ولا استُعمرت أمريكا حتى الآن مثلاً، لا أنا مش شايف ده، وأنت رايح فين لتاريخ باسم جداً ومتقدم إلى الأمام على طول؟ وده حصل كارثة في اليابان بسبب هذا المفهوم في الحرب العالمية الثانية، إنها خسرت، وتم ضربها بالقنبلة النووية، وتم غزوها، وتم تفكيك الجيش، كل ده هو مش قادر يتخيله، عشان كده في ناس كتير جداً كانت بتنتحر؛ لأن التصور اللي بناه في نظريته تعارض مع الواقع، بل انكسر في الواقع.

التصور الثاني بعد ما ألمانيا خسرت في الحرب العالمية الثانية وتم تأديبها وتهذيبها، وبدأوا يعملوا النهضة التقنية اللي إحنا نعرفها دلوقتي في أواخر الثمانينات، اليابان اللي نعرفها دلوقتي وماشيين برضه، أي حد بيسأله لا، اليابان خلاص، ده اللي حصل ده كان حاجة عارضة، وإحنا هنتقدم على طول، ما فيش كده يا إخوانا، ما فيش إنسان على طول متقدم، مش هيخسر ومش هيغلط. في الثمانينات بدأت تحصلهم مشكلة اقتصادية ضخمة جداً في اليابان، وبدأ برضه حالات انتحار شديدة جداً وحالات اكتئاب، ليه؟ لأن هو متصور إن اللي جاي إحنا كنا في حاجة كويسة واللي بعد كده أحسن واللي جاي...

ممتاز، فلما يحصل المنحنى مش مضبوط، إيه ده؟ في حاجة غلط؛ أصدق الواقع ولا أصدق التصور النظري اللي عندي؟ اللي بيقعد مصدق التصور النظري ده لغاية ما تجيله قوة قاهرة من الواقع تغيره. الأفضل إيه؟ إننا زي ما إحنا بنقول، ده أصلاً من بداية حلقات البرنامج، إن إحنا نعيد تأسيس الوعي، إن إحنا نغير، نجيب أفكار حتى لو هنفكر خارج الإطار أو خارج الصندوق المتعارف عليه في التفكير.

حتى ده لو حاجة مؤلمة، يعني إحنا تاريخنا مش عظيم، ممكن يطلع مش عظيم. يعني إحنا تاريخنا مش كله مشرف، ممكن يطلع مش كله مشرف، يعني إحنا اتهزمنا قبل كده، ممكن نكون اتهزمنا قبل كده. طب إحنا ممكن حالنا دلوقتي مش أحسن من قبل كده؟ لا، مش لازم يكون أحسن من قبل كده.

ليه؟ التصور اللي هو الصاعد ده، أنت لو رايح لدكتور وأنت رايح له أصلاً تقول له: على فكرة أنا كانت صحتي كويسة ودلوقتي صحتي ممتازة وبعد كده صحتي هتبقى ممتازة جداً، وأنت أصلاً الدكتور لما عمل التحاليل لقي عندك أنيميا وعندك هشاشة عظام وعندك مشاكل في الفيتامينات، يا تصدق ده يا إما تقعد تقول على نفسك صحتك عظيمة هتتحسن وإلى أعظم وإلى ممتاز جداً إن شاء الله لغاية ما تموت. أهل الحكمة زمان يقولوا: «من كتم داءه مات به»، يعني أنت بتقول أنا مش مريض يبقى هتموت بيه إن شاء الله، ليه؟ أنت مش معترف إن أنت مريض ومش هتتعالج وأنت شايف إن صحتك بتتحسن، دي الكارثة الأكبر إن صحتك بتتحسن.

خلاص، ودي الرؤية بتاعة التاريخ المتقدم، أو أحياناً إحنا بنسميه التاريخ المادي. التاريخ المادي يعني إيه؟ واحد يقول لك: إيه الكلام اللي أنت بتقوله ده غلط، لا إحنا بنتقدم. إيه الدليل إننا بنتقدم؟ أنت دلوقتي ركبت عربية، العربية دي سرعتها قد إيه؟ والله ممكن العداد يكون ٢٥٠ أو ٣٠٠ على حسب. يقول لك العربيات من ٥٠ سنة كان العداد بتاعها ٨٠ كيلو، شفت التقدم؟ أنت دلوقتي زمان جدك كان يعرف حاجة اسمها تكييف؟ لا، دلوقتي في تكييفات. جدك كان يعرف؟ أبوك كان يعرف حاجة اسمها كمبيوتر؟ لا، دلوقتي في كمبيوتر. كان في اتصالات زمان؟ لا.

يبقى دلوقتي إيه؟ ده هو إيه المعيار اللي أنت شايف إن التاريخ متقدم به؟ التقدم المادي أو التقني دي حاجة، دي بقى اللي هي إحنا بنسميها مغالطة التاريخ المادي، اللي هو مجرد إن ما كانش من ١٠٠ سنة في موبايل ودلوقتي في موبايل، يبقى إحنا أحسن حالاً من الـ ١٠٠ سنة اللي فاتت، مش صحيح، مش صحيح بالكلية. يعني واحد يقول لك: لا أكيد الاتصالات دي عملت فرق. إحنا ما بنقولش عملت فرق ولا ما عملتش فرق، إحنا بنقول مش دايماً الحاجة المتأخرة تاريخياً هي التالية ليها أكثر تقدماً.

حتى الآن، كل الحضارات المادية الموجودة على وجه الأرض المعروف في آخر ٢٠٠-٣٠٠ سنة، من أول الثورة الصناعية يعني من ١٨٤٠ مثلاً في أوروبا وبالأخص في بريطانيا، حتى الآن ما فيش حضارة مادية، سواء بريطانيا سواء أمريكا سواء الاتحاد السوفيتي سواء اليابان أو غير حد، قادر يقول إن الأهرامات يمكن صناعتها بهذه الكيفية بالوسائل المتوفرة في القديم. يعني هو لو قلت له اعمل زيها خرسانة ممكن يعمل، اعمل زيها حديد ممكن يعمل، لكن اعمل زيها بنفس المواد وبنفس الإمكانات اللي كانت موجودة ساعتها، يقول لك: والله لا أنا مش عارف بدقة اتعملت إزاي بالظبط.

طب ما دي حاجة قديمة، يبقى أنت المفروض التقدم التقني أو المادي دلوقتي المفروض يكون أعلى؟ ده ما يقولهوش غير صاحب تاريخ متقدم، اللي هو التاريخ ماشي على طول. إحنا بنقول إيه؟ طب الرؤية دي غلط، أمال إيه الصح؟

القرآن وهو بيعرض تاريخ الأمم في القصص، نلاقي حضارات كانت عظيمة جداً وبعد كده انهارت. انهارت يعني إيه؟ إن الحضارات ممكن تكون بتمشي، يعني مثلاً قوم عاد وثمود، الفراعنة ممكن تكون حضارة عظيمة جداً وبعد كده جه بعدها ناس لم يتوارثوا هذا القدر التقني أو المهاري أو الحرفي، فإنت تكون بدأت من الأول تاني وقربت توصلهم أو ما وصلتهمش.

ده ممكن، وده الأهم، إن فكرة التاريخ واحد. لو أنا جيت قارنت تاريخ النبوة وسيرة النبي ﷺ والخلفاء الراشدين بحضارة الصين أو الروم أو الفرس أو الهند اللي كانت موجودة في أيامهم من ناحية المادية، الصين والهند عندها حضارة أعظم بكثير جداً من الممتلكات المادية اللي موجودة في إيد النبي ﷺ أو الصحابة، لكن إحنا هنا التقييم هنا في التاريخ بقى، وده مهم جداً، إيه المعيار الإسلامي أو المعيار الشرعي اللي أنا بحاكم إليه تاريخ الأمم؟

يعني لما أجي أحاكم أمة، أقول: عملت مصانع كبيرة، عملت مباني كبيرة، عملت بيوت عظيمة جداً، عملت معابد شديدة جداً في البنيان، عملت جيوش ضخمة جداً؟ ولا في معيار تاني؟ إحنا بنقول إن المعيار منصوص عليه. دايماً المعيار في القصص القرآني، رب العزة يذكر حضارات كبيرة جداً ويصفها بالقوة، ويصفها بإعمار الأرض، ويصفها أحياناً بالمباني، وبعد كده يقول إيه؟ إن هذه الحضارات لم تحقق المراد منها.

اللي هو المعيار بقى إن التاريخ ده كويس ولا وحش، التاريخ ده اللي هو معيار مراد الله عز وجل منه، اللي هو العبودية. يعني أنا دلوقتي قوم عاد، قوم عاد من ناحية الحضارة المادية عظيمة جداً، فرعون من ناحية الحضارة المادية عظيم جداً، طب من ناحية مراد صاحب الشريعة؟ ما عملش المطلوب منه، ما عملش المطلوب منه، يبقى كده في التقييم أنا بقول لا، ده مش تاريخ جيد ولا تاريخ يحتذى به، ده بالعكس، ده أنا أحياناً صاحب الشريعة بيحذرني من إن أعمل زيه. ما عملش زيه خالص، ده مش المطلوب.

وده المثال ده أنا أظن ضربناه قبل كده في حالة اليابان بتاعة ثنائية التخلف والتقدم، وبنعيد تاني، اللي هو إن أنا لما باجي أقيم تاريخياً، يجي واحد مثلاً بيقيم حضارة معينة، أنا لما عايز أقيمها بالمعيار الشرعي عايز أقول: حققت مراد الله عز وجل منها ولا لأ؟ اللي هو التوحيد ابتداءً، ثم القيام ببقية شعب الإيمان. لو ما عملش ده، أكن دايماً المثال هو إن واحد جاب مجموعة.

كبيرة جداً من المهندسين أو غير المتخصصين في الطب، وقلت لهم اعملوا مستشفى، فعملوا أحسن رخام، بعد ذلك عملوا أحسن تكييف، وبعد ذلك عملوا أحسن شاشات عرض، وبعد ذلك عملوا كل حاجة حسنة إلا للرعاية الطبية. فأنا أقول: المستشفى دي متقدمة ولا متأخرة؟ واحد يقول لك: دي فيها أحدث تقنية صوت، فيها أحدث تقنية فيديو، فيها أحسن رخام، فيها أحسن تقنية معمار، فيها أحسن تقنية. أنا ما بسأل على ده، أنا بسأل على الغرض الذي أقيمت من أجله المستشفى، اللي هو الغرض الطبي؛ لو ما حققته تبقى ما حققت حاجة. لو حققت الغرض الطبي وبعد ذلك فيها نقص تقني وهكذا، أقدر أقول إنها محققة الغرض الطبي.

نفس المثال لما بنقول للناس: يا إخوان، إيه رأيكم في اللي عمله هتلر؟ يقول: والله هتلر ده حاجة عظيمة جداً، عمل جيش قوي جداً، عمل صناعة عظيمة جداً، عمل صناعة أسلحة عظيمة جداً. طيب، الراجل ده عمل إيه في العالم؟ الحضارة دي جت للبناء ولا للهدم؟ جاية لخدمة الناس لمراض الله عز وجل، أصلًا من وجود الناس على الأرض ولا لا؟ راجل تسبب في قتل 55 مليون بني آدم في الحرب العالمية الثانية، هو مش لوحده بس هو سبب رئيسي في ده.

والأخطر كمية التشوهات والناس، وإيه اللي ضافه للناس؟ ضاف ليها ظهور فكر القومية المتطرفة، فكرة احتقار غير الآريين أو النازيين وهكذا. اليابان يصدق عليها نفس الكلام، الاتحاد السوفيتي يصدق عليه نفس الكلام وهكذا. فأنا حتى رؤيتي للتاريخ، سواء رؤيتي للتاريخ العالمي أو رؤيتي للتاريخ المحلي القومي، أو اللي هو المفروض ما يوصلش بشكل قومي، لازم يعاد النظر إليها. ليه؟ لأن أنا أصلاً لو ما بصتش ليها تاني، ما عدناش ننظر فيها تاني، هكرر نفس الأخطاء على أساس إن أنا رايح لحاجة حلوة، وكأن أنا مدام أنا رايح للتقدم والتاريخ أنا شايفه تاريخ مادي، يبقى أنا بتقدم خلاص، يبقى أنا أكرر نفس الحكاية أو أوصل لنفس النتيجة.

طيب لو حبينا نلخص الفكرة اللي إحنا كنا عايزين نوصلها، جزء من حزمة المفاهيم اللي إحنا عايزين نناقشها ونعرضها على الناس في تصحيح الوعي العام، أو التفكير خارج المألوف، أو خارج النطاق المتعارف عليه، هي فكرة التاريخ؛ فكرة رؤية الناس للتاريخ.

يا إخوان، التاريخ مش بيتحرك دائماً إلى التقدم، إلى الأفضل، الأحسن، لا؛ على حسب سعي الناس. طيب، يبقى التاريخ وحش؟ في واحد يقول لك خلاص، التاريخ مش باسم أو متقدم، يبقى التاريخ كله سيء، الدنيا ما هو التاريخ هو سعي الناس في الدنيا. الدنيا دي حاجة وحشة جداً؟ التاريخ كان وحش، والحاضر كان وحش، والمستقبل كان وحش؟ إحنا ما نقولش كده.

سيدنا علي بن أبي طالب، واحد قدامه ذم الدنيا، عايز يقول له لا، أنا راجل زاهد، والمسلم المفروض يكون الدنيا دي ما تلموش، فسيدنا علي قال له: «لا، الدنيا بل دار صدق لمن صدقها». يعني التاريخ ده وحش؟ لا كويس، لا، أمال إيه؟ ده فعلك أنت، شوف أنت عايز تبقى إيه. يعني فهمك للتاريخ ده لازم يكون تقييم، وإيه الإيجابي وإيه السلبي وليه؟ وإيه المعيار؟

لأن لو حطيت معيار التقدم، يعني عندنا معيار شرعي عندنا معيار مادي، لو المعيار ده اختلف، رؤيتك للتاريخ هتختلف. طب لو رؤيتك للتاريخ اختلفت، هتختلف رؤيتك للحاضر وتقييمه، أنت كويس ولا وحش؟ ورؤيتك للمستقبل اللي أنت عايز تروح له، ده كويس أصلاً ولا وحش؟ وكويس وحش لأنهي معيار؟ ده هو المعنى اللي إحنا كنا عايزين ندندن حواليه في مفهوم التاريخ؛ كيف كُتب، وكيف يُكتب، وكيف نقرأه. نراكم إن شاء الله في الحلقة القادمة، السلام عليكم.