دخولتسجيل الدخول

بره الصندوق | الإصلاح بين الدولة والمجتمع

أيمن عبد الرحيمالمهندس أيمن عبد الرحيم
  • مدة الدرس:
  • قراءة

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، والصلاة والسلام على خير معلم الناس الخير، محمد.

دائمًا ما يطرح الناس هذا السؤال: من المسؤول عن الإصلاح، الدولة أم المجتمع؟ هذا الأمر متعلق بالشعوب، بالإمبراطوريات، بالأمم مثلا؛ من المسؤول عن تعليم الناس؟ من المسؤول عن مهام الدفاع والحروب؟ من المسؤول عن إنشاء المستشفيات؟ من المسؤول عن تعليم النشء وتربيته؟

دائمًا ما يتجلى ذهن معظم شعوب العالم، حتى في آخر ٢٠٠ عام، إلى أن الدولة هي المسؤولة عن هذه المهام. يقسم علماء الاجتماع السياسي العلاقة ما بين الدولة والمجتمع فيما يتعلق بهذه المهام إلى: إما دولة قوية ومجتمع قوي، أو دولة قوية ومجتمع ضعيف، أو دولة ضعيفة ومجتمع قوي، أو دولة ضعيفة ومجتمع ضعيف.

ما هو المقياس، مقياس قوة أو ضعف المجتمع طبقًا لهذه المهام؟ هذه التقسيمة يتم توضيحها عن طريق الأمثلة. مثل الولايات المتحدة الأمريكية، عندما يتم تقييمها تقيم كدولة قوية ومجتمع قوي. مفهوم أن هي دولة قوية، فالدولة الولايات المتحدة الأمريكية تقريبًا هي أقوى قوة عسكرية موجودة في العالم الآن؛ حتى إن القوى العسكرية للولايات المتحدة الأمريكية تكافئ قوة ٢٠ أو أكثر من ٢٠ دولة بعد الولايات المتحدة الأمريكية في التسليح، كالصين والهند وروسيا وبقية أول ٢٢ دولة من ناحية التصنيع ومن ناحية المؤسسات.

لكن السؤال الثاني: ما هو معيار تقييم المجتمع الأمريكي؟ مجتمع قوي؟ لكم أن تتخيلوا أن الولايات المتحدة الأمريكية لديها مليون مؤسسة أهلية، مليون مؤسسة أهلية، وهذه المؤسسات غير خاضعة للدولة؛ جامعات أهلية غير خاضعة للدولة، وقفيات، جمعيات خيرية، جمعيات تنموية، جمعيات صناعية، شركات، مليون جمعية. نحن لو بالتقريب كده، أمريكا ٣٠٠ مليون نسمة تقريبًا ولديها مليون مؤسسة أهلية، يعني تقريبًا كل ٣٠٠ شخص عاملين جمعية، هذا معناه أنه مجتمع مستنفر جدًا.

لو ضربنا مثالًا بدولة ثانية عشان نقيس مقدار القوة ما بين الدولة والمجتمع، نجد مثلاً الهند، الهند مليار و٢ مليون، أي أربعة أضعاف الكتلة السكانية للولايات المتحدة، ولديها مليون مؤسسة أهلية، يعني لديها مليون داخل المليون جمعيات تنموية وخيرية وتعليمية وصناعية وهكذا. لو جئنا نضرب المثال مقارنة حتى يتخيل الناس حجم قوة المجتمعات أو ضعفها؛ الولايات المتحدة الأمريكية تقريبًا ثلاثة أضعاف عدد سكان مصر، فمن المفترض أن يكون في مصر ثلث تعداد المؤسسات الأهلية، يعني أمريكا لو فيها مليون مؤسسة أهلية، مصر المفروض يكون فيها ٣٥٠ ألف مؤسسة أهلية، من جمعيات خيرية وصناعية كما قدمت مصر، حتى تقريبًا لديها الآن ٤٥ ألف مؤسسة أهلية فقط.

عشان كده لما نأتي نقيم نقول الولايات المتحدة الأمريكية دولة قوية ومجتمع قوي، ولما نأتي نقيم الهند نقول إنها دولة ضعيفة بعض الشيء ومجتمع قوي، يعني مؤسسات الهند مش بنفس قوة مؤسسات الولايات المتحدة الأمريكية، والمجتمع الهندي يعتبر أقوى من الدولة بعض الشيء في الهند؛ لأن لديها مليون مؤسسة أهلية، وهذا نفس عدد مؤسسات أمريكا، فالمفترض أن يكون أربعة أضعاف، يعني مثلاً ٤ مليون مؤسسة أهلية.

مصر فيها ٤٥ ألف مؤسسة أهلية فقط، وإسرائيل فيها ٤٥ ألف مؤسسة أهلية، يعني إسرائيل أصلاً بعرب ٤٨ كلهم على بعضهم يوصلوا مثلاً ٧ مليون أو ٧ مليون ونصف، ومصر تقريبًا ممكن نقول إننا ٩٠ مليون أو ١٠٠ مليون لإنجاز التقريب، وإحنا الاثنين عندنا مؤسسات أهلية قد بعض، فلو جئنا نقيم سنقول مصر مجتمع ضعيف جدًا طبقًا للمقارنة بمجتمع زي المجتمع الإسرائيلي، المفروض المجتمع الإسرائيلي عدد الجمعيات فيه نحن المفروض نكون على الأقل ١٠ أضعافه، يعني هم لو عندهم ٤٥ ألف جمعية ومؤسسة أهلية نحن المفروض يكون عندنا ٤٥٠ ألف مؤسسة أهلية.

طيب، السؤال من جديد، سؤال الإصلاح: ما الذي جعل سؤال الإصلاح مطروحًا بهذا الشكل، بهذه الثنائية، الدولة أم المجتمع؟ حتى يتعرف المشاهد على مفهوم الدولة التي نقصده. قبل عام ١٦٤٨م لم يكن النظام السياسي المعروف باسم الدولة القومية الحديثة -المعروف الآن- موجودًا على وجه الأرض بالكلية؛ كانت إما ملكيات مطلقة، ملكيات دينية، أو إمبراطوريات، لكن لم يكن له وجود بهذا الشكل. بعد ١٦٤٨م، وهو صلح وستفاليا في أوروبا، نشأت الممالك التي عرفت بعد ذلك بالجمهوري، وفي حقبة أخرى تم ظهور فرنسا التي نعرفها الآن، وألمانيا وبلجيكا وهولندا، الدول المعروفة الآن.

هذا النظام السياسي من جملة مميزاته عن بقية الأنظمة أنه يتسلط على جميع المهام الرئيسية داخل المجتمعات. مثلاً قبل قيام دولة من الدول، يكون الناس ممكن يقومون هم بالحرب، يعني قبائل لديها سلاح مثلاً، مجموعات عرقية وكذا. هم يقومون بتعليم الناس، عاملين مؤسسات أهلية، مدارس وهكذا، سواء المجتمع لو مسيحي يبقى عندهم كنائس عندهم مدارس خاضعة للكنيسة، عندهم وقفيات خاضعة للكنيسة، لو مجتمع إسلامي يبقى يكون عنده مساجد عنده أوقاف كثيرة جدًا.

وهنا نأتي للمجتمع المسلم، كان شكله قبل قيام الدولة القومية الحديثة. المشكلة أول ما تقوم الدولة الحديثة، مثل محمد علي في مصر، الدولة تهدف إلى ضم جميع المؤسسات المجتمعية إلى بنية الدولة. كيف يعني؟ مثلاً لو أنا في المجتمع الإسلامي القديم قبل محمد علي، لو قلت نسبة التعليم ٩٠٪ من المدارس التي يتعلم فيها الناس، أين يتعلمون؟ هذه مدارس أهلية، يعني هذه ملك للمجتمع، المجتمع هو الذي يصرف عليها، هو الذي يحدد مناهجها، والعلماء هم الذين يحددون المناهج الخاصة بهذه المدارس.

المستشفيات كذلك، هذه كلها أوقاف؛ أوقاف، واحد مسلم يتبرع بعمل مستشفى، المستشفى هذه تنفق على نفسها وكذلك تنفق على الأطباء والعاملين فيها وكذلك المرضى. الصنائع والحرف، كل حرفة لها نقابة، كل حرفة يجمعون بعضهم ويعملون نقابة، زمان كان اسمها شيخ الحرفة وشيخ الصنعة، هذه هي المجموعة التي تشبه النقابات في الوقت الحالي.

لما جاء محمد علي ضم كل هذه البنا داخل مؤسسة الدولة. واحد يقول: طب ما هذا كويس أن تكون هناك إدارة مركزية للدولة؟ الخطر الوحيد لهذا السلوك، لسلوك الدولة بضم المؤسسات داخل الدولة، هو أنها تضعف المجتمع. كيف تضعف المجتمع؟ بمعنى لو أنا مثلاً أمريكا وبما أني دولة قوية فأخذت كل المدارس والجامعات وضمتها للدولة، افرض حصل فساد داخل الدولة، خلاص التعليم كده سيفسد، كل التعليم سيفسد؛ لأنها إدارة مركزية واحدة.

لكن لو التعليم بهذا الشكل الموجود حتى الآن في أمريكا، أن هو تعليم الدولة، لها جامعات ولها مدارس، والناس لها مدارس ولها جامعات، أشهر جامعات في العالم وأقوى جامعات في العالم في أمريكا، أو في بريطانيا أو فرنسا، معظمها جامعات وقفية وخاصة في أمريكا. هارفارد مثلاً دي وقفية، دي غير مملوكة للدولة، يعني إما رجل خير أو مؤسسة قديمة، أو في الغالب كثير جداً مؤسسات كنسية، يعني الكنيسة هي التي توقف هذا الوقف.

هنجي حتى لمفهوم الوقف بعد ذلك في الحضارة الإسلامية، هو ينفع على نفسه وينفع على المتعلمين، وعلى الأساتذة، والأبحاث، والطباعة، وكل شيء. هذا يحول دون لو حصل فساد عام في المجتمع أن هذا الفساد يدخل في كل حتة، لا، بل يكون فساداً جزئياً؛ يعني في جامعة واحدة باظت، جامعتين ثلاث، لكن الجامعات الباقية لا، هذه تُدار إدارة محلية.

حتى يتخيل الناس شكلاً، نحن سنضرب أمثلة قديمة قبل قيام الدولة القومية الحديثة، شكل المجتمع كان كيف؟ وعشان نعرف أن فكرة أن المجتمع وقتها كان قوياً. بعد ذلك سنضرب أمثلة في التاريخ المعاصر، لما المجتمعات تشعر حالياً في العالم العربي أو الإسلامي أن المجتمع نفسه حاسس أن الدولة ضعيفة، مش قادرة تقوم بالمهام الأساسية، سواء ضبط المرور، المستشفيات، الرعاية الصحية، الرعاية التعليمية، سواء من أول التعليم قبل الأساسي حتى التعليم الجامعي وما بعد الجامعي، والأبحاث الحرة، الأبحاث الصناعية، المؤسسات الصناعية، المؤسسات التجارية، كل المؤسسات الموجودة في الدولة. سنرى أمثلة في التاريخ المعاصر، لما المجتمعات تشعر أنها ضعيفة، كيف تتغلب على هذا الضعف بدون الاستعانة بالدولة؟

المثال القديم لكم أن تتخيلوا أننا، كان مثلاً في العالم الإسلامي قديماً، عندنا كل المؤسسات التعليمية في الغالب مؤسسات أهلية. يعني العالم يقعد مثلاً في مسجد أو في مدرسة، مدرسة سواء على حسب العلم؛ مدرسة فقه، مدرسة طب، مدرسة صناعة أو حرفة معينة، هذه كلها مملوكة للناس. يعني ماذا؟ مملوكة للناس؛ أنا رجل ثري، أول ما حسيت أن معي مالاً كثيراً وأريد أن أنفع الأمة، فأذهب وأبني مدرسة وأجلب لها نظاماً إدارياً وهيئة وكذا، وبعد ذلك أعمل لها مشروعاً تجارياً يصرف عليها. هذا المشروع التجاري وقف، يعني يفضل طول عمره يصرف على طلبة الطب، طول عمره يصرف على المهندسين، طول عمره يصرف على طلبة الخط العربي.

لماذا؟ لأن هذه الحرفة ممكن المجتمع يأتي في وقت يقول لك: ما هذا الخط؟ نحن نبطل ندرس خط الطب والمصاحف وكتب العلم وحتى التعرف على المخطوطات القديمة والمصاحف القديمة، فنحن نريد هذه الصناعة أن تستمر أو هذا الفن أن يستمر، نعمل ماذا؟ شخص يوقف وقفاً ثابتاً يدر دخلاً ثابتاً على أهل هذه الحرفة أو هذا الفن. في أحيان من الأوقاف لدرجة أن المجتمع وصل لمرحلة من الوعي بمهامه، أن الأمة مكلفة من قبل الله عز وجل بالقيام بفرض الكفاية؛ يعني الطب هذا فرض كفاية، الهندسة فرض كفاية، الخط فرض كفاية. فبدأ يعمل مجموعات كبيرة جداً من الجمعيات لها أفكار مختلفة، ستعرض هذه الأفكار على قدر كبير جداً من الطرافة في أفكار الأوقاف هذه.

أهلاً بكم من جديد. كانت أفكار الأوقاف في المجتمع الإسلامي القديم قبل قيام الدولة الحديثة تغطي تقريباً معظم نشاطات المجتمع، يعني المستشفيات والتعليم هذا كله من الثوابت، لكن نحن سنأتي بالأفكار التي تدل على أن المجتمع كان يبحث بدقة شديدة عن معظم ما يلزم المجتمع.

مثلاً لكم أن تتخيلوا أنه في دمشق كان هناك وقف اسمه وقف القطط، مدرسة اسمها مدرسة القطط، هذا قائم، وكأنه وقف بيطري قائم بس على القطط؛ المعالجة، الصحة، الأكل، الشرب. حتى الآن هذا الوقف مستمر، في تركيا هناك أوقاف متعلقة بالقطط موجودة حتى الآن؛ بنية الأوقاف ما زالت في تركيا فيها نوع من الحرية، لم تُضم بالكلية داخل الدولة.

كان عندنا وقف اسمه وقف النساء الغاضبات؛ واحدة متخانقة مع زوجها، لو رجعت بيت أهلها تحصل مشكلة كبيرة جداً، ولو قعدت في البيت تحصل مشكلة كبيرة جداً أيضاً، تذهب أين؟ واحد من خيار المسلمين عامل وقفاً كبيراً جداً اسمه وقف النساء الغاضبات، تذهب إلى مكان معد، وكأنه فندق كبير؛ أكل وشرب ورعاية لعدد معين، حتى تهدأ وتعود لبيتها. هذا مجتمع يفكر في السلم المجتمعي، حتى فكرة العلاقة الزوجية هذه يريد المحافظة عليها بوقف أيضاً، ليس مملوكاً للدولة لكن خاضع لإدارة أهلية ولا يتغير.

لكم أن تتخيلوا أن الفقهاء يقولون: افرض بعد عشرين أو ثلاثين أو خمسين سنة شخص قال: وقف القطط هذا نلغيه، لا ينفع؛ لأن شرط الواقف كنص الشارع. وإن عملت وقفاً على طلب الطب، تقول لي: لا نحتاج للطب، لا؛ هو موقوف لطلب الطب. واحد عامل الخط، واحد عامل لكل وقف على شرط ما يتغير، لكي يحفظ على الأمة. وكأننا الأمة تراكم ثرواتها لصالح المجتمع، بغض النظر عن النظام السياسي، سواء صحت الدولة أو فسدت، كانت قوية أو ضعيفة، المجتمع يصرف على نفسه، يغطي 95% من احتياجاته أو يزيد أو يقل، لكن معظم المهام الحيوية متغطية.

عندنا مثلاً أيضاً في الشام وقف اسمه وقف المرج الأخضر. الناس كانت زمان تستعمل الخيول كثيراً، والخيل بعدما يعجز ويكبر في السن، طبعاً الآن لم يعد مفيداً، ماذا يفعل به؟ في ناس تقول يقتل مثل خيل الحكومة، لا، المجتمع هناك يعرف أن هذه الحيوانات سيُحاسب عليها، ماذا يفعل؟ عامل واحد وقف المرج يصرف عليه مساحة أرض خضراء لتأكل فيها هذه الحيوانات لغاية ما تموت، ولكن لا يتم التخلص منها، فهذا وقف يُصرف عليه وكأنه وقف بيطري.

عندنا أيضاً شخص عامل وقف دخول الأسواق؛ عارفين الأمهات في البيوت، أول ما تبعث طفلاً صغيراً -أو زمان كان جارياً أو عبداً- تطلب منه شراء آنية فخارية، إذا كسرها ماذا سيحدث؟ طبعاً سيعاقب. التعامل مع الأطفال، عامل وقف اسمه وقف الأواني المكسورة؛ أي شخص معه آنية اتكسرت يجلبها وهي مكسورة، فقط لتسلم المكسورة، لكي لا يكون هناك عقاب.

المكسورة، كان إيه؟ المحل خلص في أول يوم. يسلم الآنية المكسورة، يروح يجيب، وقف الأواني المكسورة ده؛ أديه له يدي له واحدة سليمة. فده مجتمع بيفكر في كل التفاصيل، عامل إيه؟ عامل وقف ليها.

طيب ما الموضوع ما يستمر، إيه المشكلة؟ يعني إيه المشكلة؟ إن إحنا يبقى في دولة قوية ونظام مركزي كويس، وفي نفس الوقت الناس بتعمل الأوقاف دي. هنا بقى المشكلة؛ إن مفهوم الدولة القومية الحديثة اللي إحنا بنتكلم عنه، اللي إحنا قلنا إن هو بدأ من أول صلح وست فالي عام 1648، شايف إن أي عمل مجتمعي ده نوع من الضعف في سيطرة الحكومة على المناحي العامة. يعني إن الناس تعمل مستشفى، ليه؟ طب هو أنا مش قادر أعمل مستشفى؟ أعمل لهم مستشفى. إن الناس تعمل مناهج تعليمية منفصلة ومدارس منفصلة؟ لا، ده هيقلل من سلطة الدولة في السيطرة على الناس، فهو بيمنع ده.

يعني مثلا محمد علي أول ما جه ضم الوقف للدولة، خلاص، بعد مجيء ثورة الناصر، حكم 52، صدر قرار طبعًا بوزارة الأوقاف، دي بقت وزارة خاضعة للدولة. الأسوأ من كده على الإطلاق هو إلغاء الوقف الأهلي؛ يعني محمد علي ضم الأوقاف إلى الدولة، لكن أنا لو محمد علي عايز يعمل مستشفى وقف جديدة لسه أنا عايش وقتها، وأعمل وقف، تتعمل أيام عبد الناصر، بعد كده تم سن تشريع قانوني بمنع الوقف. ألا ما حدش يوقف ليه؟ هو الدولة مش المفروض تقوم بهذه المهام؟ لدرجة إن هذا الفهم ترسخ عند الناس.

بمعنى، مثلاً إحنا عندنا مشكلة كبيرة جدًا؛ في جمع القمامة عندنا مشكلة كبيرة جدًا، في توليد التيار الكهربائي عندنا مشكلة كبيرة جدًا، في تحلية المياه وتنقيتها. المشكلة دي نابعة منين يا إخوانا؟ إن المجتمع والدولة في نفس الوقت. إحنا دلوقتي 1800 مثلاً، محمد علي، إحنا دلوقتي داخلين على 200 سنة، بقت من الثوابت إن الدولة هي المسؤولة عن ده، بالرغم إن ده مش صحيح في كل الدنيا. يعني فكرة امتلاك مصادر الطاقة ده حق مكفول في أي حتة تانية، يعني أقدر أعمل محطة، يعني كل حي ممكن يعمل محطة توليد خاصة به، كل بيت ممكن يعمل مولد خاص أو طريقة ما لتوليد الكهرباء خاصة به.

لكن، كما تخالوا، هو ده جزء من التشريعات استمر فترة طويلة جدًا، ما أعرفش تغيرت في السنوات الأخيرة دي ولا لا، لكن هو ده الثابت كان في مصر، إن هو ممنوع قانونًا إن حد يمتلك وسائل طاقة خاصة به. إيه السبب؟ إن الدولة شايفه إن ده في عدوان على سيطرة الدولة. طب المياه، افرض حصل لا قدر الله لأي سبب من الأسباب، يا إما الدولة بسبب الفساد، أو إن المرفق العام بتاع تحلية المياه وتطهيرها وتوصيلها للبيوت حصل له مشكلة، إيه اللي يحصل؟ الناس كلها تتوقف عن ده، ما تقدرش تستخدم المياه.

بالرغم إن زمان، لو الناس ترجع شوية، وخاصة لو حد من المشاهدين في كبار السن يدرك الفترة اللي كان فيها، حتى ده مش هو مرتبط شوية بالقرى أو الريف، لكن حتى في البيوت العادية في الحضر في المحافظات ممكن تلاقي عنده طرمبة، اللي هي بيسموها امتلاك أدوات توليد المياه ذاتية. أنا ككل بيت أو حي أقدر، بحيث المشكلة لو حصلت لو في مشكلة في المياه، المشكلة دي ما تبقاش على الجمهورية كلها.

ودي المشكلة مشهورة جدًا في مصر، حصلت سنة تقريبا 90 أظن، هي مشكلة الاعتمار الكامل، إن مصر كلها، الإضاءة كلها طفت مرة واحدة في مصر، من أول أسوان لغاية إسكندرية لأسباب فنية، يعني إيه؟ مش ده محل شرحها، لكن ده حصل قبل كده الاعتمار الكامل. يا إخوانا أمريكا على قد إن أمريكا هناك فيها فكرة التوليد، ممكن أنا كفرد أمتلك محطة طاقة خاصة، لكن كان برده الخلل المركزي بيبقى مشكلة كبيرة جدًا؛ القطاع الشرقي 13 ولاية تقريبًا، ولا حاجة، مرة في السبعينات ومرة في التسعينات، اعتماد كامل على 13 ولاية.

ده رقم ضخم جدًا يا إخوان في مجتمع صناعي، ده معناه إنه كارثة، يعني مليارات ساعة، ولا ساعتين كهرباء تقطع دي مليارات، ودي ولايات بالكامل في ولايات في أمريكا، والولاية كلها أكبر من مصر حجمًا وتجارة واقتصادًا وكده. فالشاهد، الفكرة الأولى اللي إحنا عايزين المشاهد ياخد باله منها، إن ثنائية الدولة والمجتمع دي لازم تبقى واضحة. الأول إن مش الدولة، إحنا دلوقتي مش بنقول إن الدولة ده مش واجبها، لا هو واجبها إن هي توفر.

طب افرض ما وفرت؟ هنوصل للمعضلات؛ إن الدولة ضعيفة والمجتمع ضعيف، وهي دي مشكلتنا إحنا، إننا لأسباب تاريخية، من أيام محمد علي حتى الآن، إن مؤسسات الدولة نشأت في ظرف غير طبيعي. يعني يا إما محمد علي مثلا بيحارب، يا إما ثورة 52، يا إما فهو مش قادر يعمل حاجة مستقرة ثابته بعيدة عن الفساد، بعيدة عن العلاقات الشخصية، بعيدة عن الولاءات لمن هم في سدة الحكم. الكلام ده من أيام الضباط الأحرار في 52. والمجتمع نفسه ممنوع من إن هو يمارس دوره ده، لدرجة إن المجتمع صدق إن هو المفروض ما يعملش ده، فبقى بس اللي بيعمله المطالبة بحقوقه بس، إن هو عايز مياه وعايز كهرباء، وطبعًا ده واجب الدولة.

ماشي، ده واجب، إحنا بنسأل دلوقتي على السؤال الثاني اللي هو: إيه افرض الدولة ما عملتش ده؟ إيه الحل؟ الأمثلة اللي إحنا هنضربها، المثالين هنضرب مثالين متعلقين بالخارج في دول تانية، ومثال في مصر؛ لأن إحنا دايما لما بنقول الأوقاف قديمة، الناس بتقول والله جميل، في أواني مكسورة ومستشفيات وحاجات كويسة جدًا بس ده مش دلوقتي، ده زمان. طيب خلاص يا سيدي، في أمثلة دلوقتي في مجتمعات قوية، زي المثال اللي أنا هضربهم دلوقتي: مثال في الهند ومثال أمريكا، يقول لك والله جميل، دلوقتي وفي دول وبتاع، بس ده مش عندنا مش في مصر، فإحنا هنضرب مثال في الآخر بمصر، مثال حصل في الثمانينات واستمر حتى هذه اللحظة.

حتى يعلم المشاهد قدرة المجتمعات على إدارة شؤونها الداخلية والدولة موجودة، سواء ضعيفة أو قوية. إحنا الكلام اللي إحنا بنقوله ده مش فكرة لو الدولة ضعيفة يبقى إحنا المؤسسات الأهلية تقام، لا، ما أمريكا دولة قوية فيها أقوى مجتمع طرفي، إحنا بنسميه أحيانًا مؤسسات أهلية أو جماعات وسيطة أو مجتمع طرفي، أقوى مجتمع طرفي في العالم هو المجتمع الأمريكي، مليون مؤسسة أهلية.

فهو ليس دولة قوية، بل واجب علينا أن تكون دولة قادرة على إدارة شؤونها الداخلية بدون تدخل كبير من الدولة.

المثال الأول مثال من الهند، في أحد المهندسين المشهورين جدا اسمه بانكر روي، وهو مهندس هندي درس تعليماً جيداً جداً في الخارج وفي الهند. بعدما خلص تعليمه أصبح مهندساً كبيراً، ورجع الإقليم أو القارة بتاعته. عندما نقول إقليم أو قارة في الهند، فمعناه أن العدد كبير جداً ممكن يصل لنصف مصر مثلاً، لأن الهند نفسها قد مصر اثني عشر مرة أو أكثر، فهي قارة تقريباً.

الرجل رجع القارة بتاعته والناس تسأله: "ماذا بك، ألم تجد شغلاً؟". لأن هذا السؤال حتى هناك وهنا، نحن منذ فترة طويلة جداً، منذ حوالي مائتي سنة، الناس فقدت السؤال عن قيمة التعليم، أصبحوا يتعلمون لأغراض أخرى. لماذا الناس تدخل طب وصيدلة وما نسميه في مصر كليات القمة؟ برغم أن المفروض ألا يكون هناك تفاضل بين العلوم، فالطب مهم والهندسة مهمة والآداب مهمة، كل العلوم مهمة.

لكن التقسيم الطبقي للعلوم عندنا في مصر يقول إن الكليات العالية هذه تدخل لأغراض اقتصادية. أنت لماذا تدخل كلية الطب؟ هي كلية متعبة، في مصر سبع سنوات دراسة وبعدها على الأقل سبع سنوات لكي تأخذ الماجستير والدكتوراه وتفتح عيادة، وهذا هو الهدف الذي يضعه المجتمع: أن يكون لدي دخل اقتصادي قوي. الغرض ليس علمياً، وكذلك الهندسة لغرض اقتصادي قوي. ولماذا كانت هناك كليات زمان تعتبر كليات قمة، والآن أصبحت ضعيفة لا أحد يرضى بدخولها؟ لأن حصل تغيير في المدخولات؛ الزراعة مثلاً كانت كلية قمة، ولكن قيمتها المالية والدخل الذي تدره على الخريج ليس جيداً، فالناس تتركها. الفكرة هي أنهم لا يقيمون العلوم بقدر أهمية العلم، بل لغرض اقتصادي.

نكمل قصة بانكر روي بعد الفاصل. المهندس الهندي بانكر روي بعد عودته للإقليم، السؤال نفسه الذي نسأله هنا في مصر: "ألم تجد شغلاً؟". هو طرح السؤال بطريقة ثانية: "نحن أصلاً لماذا ندرس الهندسة؟". علم الهندسة معمول لتسهيل حياة الناس، لكي يبذلوا جهداً أقل بتكاليف أقل، ويوفروا الوقت ليفعلوا أشياء أخرى.

فقال: "لو عندي طفل عمره ثمان أو عشر سنوات، وأحببت أن أعلمه حرفة أو مهنة، أو امرأة لا تعرف القراءة والكتابة، أعطيتها لورشة لمدة ثلاثة أو ستة أشهر لتعلم النجارة أو الميكانيكا أو اللحام، هل ستتعلم؟ وإذا أعطيت امرأة تدريباً على الخياطة لمدة ستة أشهر، هل ستعرف أن تخيط؟". هو رأى أن كل ما قلناه هو نوع من أنواع الهندسة من ممارسة أعمال هندسية، فعمل شيئاً مشهوراً جداً اسمه "أكاديمية الحرف".

أكاديمية الحرف هذه متعلقة بأن يقبل الناس الذين لا يعرفون القراءة والكتابة، ويدخلهم الأكاديمية ليعلمهم حرفة أو صنعة يحتاجها المجتمع. بدأ يسأل الناس: "ماذا تريدون؟"، فقالوا: "نريد مياه نظيفة، نريد كهرباء، نريد أعمالاً حرفية يدوية". بدأ يعمل هذه الأكاديمية ويجلب حرفيين أو مهندسين ليعلموا الناس الجزء الهندسي الذي يحتاجونه فقط؛ فالنساء مثلاً يتعلمن كيف يصنعن بطاريات طاقة شمسية يركبنها، أو وحدات إلكترونية معينة، أو محطات توليد مياه صغيرة جداً للتحلية والتنقية.

هذه الأكاديمية غيرت وجه الهند، وبعد ذلك أصبح لها فروع دولية، فيمكنه أن يذهب ليعلم الناس في أفريقيا مثلاً. هذا النموذج يسهل جداً تطبيقه في المجتمعات الشبيهة بمجتمعاتنا؛ فبدلاً من أن يدخل الطفل في مصر ابتدائي ثم إعدادي ثم ثانوي ثم كلية، فيقضي سبعة عشر عاماً لكي يصبح مهندساً، ثم يعود ليجد مشاكل المجتمع قد تفاقمت جداً ولم يعد قادراً على السيطرة عليها. لو جعلت المجتمع كله يتعلم المهن أو الحرف التي تلزمه مباشرة بدون تدخل الدولة، فستكون النتيجة أفضل. أكاديمية الحرف ليست جامعة تابعة للدولة ولا مؤسسة، بل هي مؤسسة أهلية قائمة على الوقف، حيث يدفع الناس فيها أموالاً وهي تنفق على نفسها.

المثال الثاني هو سكوت هارسون، وهو شاب أمريكي كان يشارك في حملات ضد الأوبئة في أفريقيا، فوجئ بأن هناك عدداً كبيراً جداً من الأطفال لا يشربون مياه نظيفة، ولا يتعلمون لأنهم يضيعون معظم وقتهم في جلب المياه النظيفة من مسافات طويلة جداً. سأل لماذا لا توجد مياه نظيفة؟ قالوا: لا توجد محطات تحلية.

سكوت هارسون قال لزملائه: "أنا هذه السنة لن أحتفل بعيد ميلادي، وكل الذين كانوا سيجلبون لي هدية، ليجمعوا الأموال ويؤسسوا مؤسسة أهلية خيرية". وتسمت لاحقاً مؤسسة المياه أو "Water Charity". أهم وظيفة لهذه المؤسسة هي النزول للأماكن التي لا تتوفر فيها مياه نقية لعمل محطات تحلية وتنقية. والمؤسسة تعمل لوحدها مؤسسات تجارية لكي تنفق على نفسها، فهي لا تقوم طوال عمرها على التبرعات، بل هي فكرة الوقف؛ أن تعمل شيئاً تجارياً يجلب لك دخلاً، وهذا الدخل هو ما يغطي مصاريف النشاط الذي تقوم به. والهدف الأساسي ليس...

والناس تشرب مياه نظيفة، وإن كان هذا سيتحقق، فهو حق إنساني بدهي أن يشرب الإنسان ويشم هواءً نظيفاً ويأكل أكلاً صحياً ويتعالج؛ كل هذا شيء أساسي. لا، هو الرجل حقق هدفاً بأن الأطفال هذه لن تضطر للعمل بجلب المياه من مسافات طويلة، ماذا سيفعلون في هذا الوقت غير أن يتعلموا؟ المشروع في ظاهره أنه مشروع خيري متعلق بالمياه النظيفة، لكنه في الأصل مشروع تعليمي يريد توفير الوقت الكافي للأطفال ليتعلموا ما يجب أن يتعلموه في هذه السن.

كان عندنا في الهند، في إقليم كيرلا، أن الأمم المتحدة أعطته جائزة؛ لأن الإقليم قدر أن يصل إلى نسبة 100% محو أمية. ونحن نتكلم عن إقليم في الهند، وهذا شيء ضخم جداً وعدد كبير جداً من الناس. الدولة التي حققت هذا، بالعكس، كانت تحاول في إقليم كيرلا -بغض النظر عن موافقتنا على المثال من عدمه، لكننا نريد أن نرى كيف تحقق الهدف- الدولة كانت تريد تحديد النسل، ونحن داخلون على مليار ومائتي مليون في الهند، وأرادوا أن يقل العدد.

الناس لم تكن هناك استجابة إطلاقاً، لدرجة أنهم وصلوا إلى التعقيم الإجباري، والدولة لكي تجعل الناس يتوقفون عن الإنجاب بأعداد معينة لم تكن قادرة على فعل شيء، إلى أن ظهرت مجموعة من عشرين ألف متطوع قالوا لهم: يا إخواننا، نحن لدينا حل لهذه المشكلة، أبعدوا الدولة عن الموضوع ونحن سنحل المشكلة. نزلوا وعملوا حملة مستمرة لمحو أمية الناس، لكي يتعلم الجميع القراءة والكتابة.

أحدهم يقول: يا إخواننا، نحن نريد غرضاً متعلقاً بتنظيم النسل، فما علاقة القراءة والكتابة بهذا؟ فقال لهم: أنتم لو خلقتم شعباً من الناس يعرف القراءة والكتابة ومثقفاً، ستعرفون كيف تفهمونهم وماذا تريدون منهم. وبالفعل، هؤلاء المتطوعون اشتغلوا لفترة سنة وسنتين وثلاث سنوات، فحققوا محو أمية كاملاً بنسبة 100% في كيرلا وأخذوا جائزة في وقتها. والنتيجة أن كل المشروعات التي كانت الدولة تريدها من الناس ولم تستطع تنفيذها، أقنع بها هؤلاء المتطوعون الناس بسهولة جداً؛ لأنهم أصبحوا يعرفون كيف يتعاملون معهم، وهذا عمل بعيد عن مؤسسات الدولة.

المثال الأشهر على الإطلاق في التاريخ هو مثال «نساء المباني المهدمة» في ألمانيا. ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية، تقريباً البنية التحتية كلها دُمِّرت، والمصانع دُمِّرت، وانقسمت بين ألمانيا الشرقية السوفيتية وألمانيا الغربية التابعة لأمريكا، وكان الوضع سيئاً جداً. مجموعة كبيرة جداً من النساء الألمانيات بدأن يذهبن إلى المباني المهدمة لتنظيفها وإزالة الحطام، وبدأن بإنشاء مدارس؛ مدارس بعيداً عن الدولة، ليعلمن فيها الأطفال. وخلال عشر سنين بالجهد الجبار الذي بذلت فيه النساء، عاد كل ما كانت تصنعه أمريكا قبل الهزيمة أو الاحتلال ليُصنع من جديد، وبدأ المجتمع ينضبط بجهد الأفراد.

وأبان أيضاً مع الاجتياح السوفيتي لبولندا، الناس سألوا: ما أخطر شيء قد تواجه بولندا تحت الاحتلال السوفيتي؟ قالوا: تغيير الثقافة أو تغيير الهوية، لأن الاتحاد السوفيتي غير ثقافة الشعب البولندي. فماذا نفعل ونحن تحت الاحتلال، أي تم إزالة النظام السياسي أو أصبحت الدولة مسيطراً عليها من قبل قوة أجنبية؟ عملوا فكرة عرفت بعد ذلك بـ «الجامعة الطائرة». هذه الجامعة تجلب مجموعة كبيرة جداً من الأساتذة الجامعيين والمتخصصين في علوم مختلفة، وتتحرك بهم على القرى والمحافظات والمراكز كأنها ورش عمل مكثفة؛ يجلسون هنا ثلاثة أشهر، ثم هناك ثلاثة أشهر، وهكذا؛ لضمان أن الوعي العام بالتاريخ واللغة والثقافة والعلوم الأساسية موجود عند الشعب ولا يتم تشويهه.

هناك مثال فج جداً متعلق بـيهود الجزائر، والجزائر كانت تحت الاحتلال الفرنسي. الجنرال الفرنسي الذي تولى الحكم في فرنسا كان معادياً لليهود، فقال إن نسبة اليهود في المدارس الجزائرية المفروض ألا تزيد عن عدد معين. بمعنى أن الناس عندما يكبرون يكبر عدد أولادهم، فالمفروض أن يكون عدد المقاعد المسموح بها لهم في المدارس أكبر، لكنه اتخذ قراراً وتم تعميمه على الجزائر بأن عدد اليهود ثابت، وهذا معناه أننا بعد عشرين سنة أولاد اليهود كلهم سيخرجون جهلة لا يعرفون القراءة والكتابة.

ماذا حدث؟ عندما استقلت الجزائر كانت نسبة الأمية 93%، بينما اليهود تقريباً كلهم متعلمون. ما حدث هو أن اليهود اجتمعوا وبدأوا يعملون -وهو ما سنتكلم عنه في حلقة منفصلة- ما هو «التعليم المنزلي» أو التعليم المرن أو التعليم اللامدرسي. جمعوا أولادهم ونظروا إلى التخصصات الموجودة، فهذا مهندس وهذا دكتور، وعلموهم في البيوت بعيداً عن المدارس. وصلت الفكرة في النهاية أنه بعد عشر سنين، وبعد زوال القرار الفرنسي، كانوا جميعاً 100% يعرفون القراءة والكتابة ومثقفين ودارسين لكل شيء، وهذا جهد بعيد عن الدولة.

كل هذه الأمثلة لطيفة وجميلة، لكن قد يقول قائل: هذه إما في دول أخرى أو أحداث تاريخية قديمة، وكل مجتمع له خصوصيته. السؤال هو: ما الهدف الأساسي؟ الهدف الأساسي هو أن المجتمع يمكن أن يقوم بعمل عدد كافٍ من المبادرات التي تحل له تقريباً 85% من مشاكله، سواء كانت الدولة مهتمة أو غير مهتمة، وسواء كان فيها فساد كبير أو كانت تقوم بما عليها. القضية هنا هي الكلام للمجتمع؛ لأن الدولة أحياناً تكون هي العنصر الأقوى، ويصعب إجبارها إذا كانت لا تريد فعل الشيء من تلقاء نفسها.

هذا هو الحل المجتمعي الذي نتحدث عنه. في بداية الثمانينيات في مصر، مجموعة من المهندسين وطلبة الجامعات في قرية اسمها "تفه الأشراف" في محافظة المنيا، جمعوا الناس في القرية وقالوا لهم: يا إخواننا، ما هي مشاكلنا في القرية؟ وجدوا أن لديهم مشاكل في التعليم ومشاكل أخرى.

في الصرف الصحي مشاكل، في المياه مشاكل، في الكليات والجامعات والمواصلات، كل مشاكل المجتمع. راحوا قعدوا وحطوها، جمعوا مشاكله، جابوا التجار والعلماء والمشايخ والناس، وقالوا: يا إخوانا، إحنا عندنا مشاكل، واحد، اثنين، ثلاثة، أربعة وعايزين نحلها من غير ما ننتظر الدولة.

ما هي الدولة لو كانت قادرة تحلها ما كانت حلتها، يعني هي سايبة الشارع مش مرصوف والصرف الصحي وكل ده، ما هي سايبة، معناها يا إما فقيرة يا إما فاسدة، وفي الحالتين مش هتقدر تعمل معاهم حاجة. إيه بقى الحل؟ جمعوا من الناس فلوس وعملوا مشروع، وكأنه مساهمة بفلوس الناس، فلوس أهل القرية، كل اللي قدر؛ أنت مثلاً رجل ميسور تقدر تدفع مائة ألف، فحد يقدر يدفع عشرة جنيه، جمعوها وعملوا مشروع صناعة الدواجن بدأوا بيه.

ثلث مكسب هذا المشروع، ودي فكرة الوقف، أن الوقف ده شيء بيجيب فلوس وكل حاجة بيكسب، بس المكسب ده ما بيخش في جيب القائم على المشروع أو صاحبه، لا، ما فيش حد صاحبه هنا، ده فلوس الناس، فلوس المسلمين. خدوا الفلوس دي وبدأوا بيها مشروع جديد، سموه «سهم الشريك الأكبر» اللي هو يقصدون به الله عز وجل، يعني ده لله لوجه الله. هنعمل بيه إيه؟ نعمل بيه مشروع تاني لمصلحة القرية.

عملوا بعد كده فرن، وقعدوا يتوسعوا في المشروعات لغاية ما بدأوا يسألوا السؤال المهم جداً المتعلق بالتعليم: إحنا ليه بناتنا وأولادنا بيطلعوا بره القرية يروحوا يدرسوا في حتة تانية؟ والله لأن الفكرة إن الجامعة... يعني هنعمل جامعة؟ ده إحنا قرية! لكم أن تتخيلوا أنهم عرضوا على شيخ الأزهر في هذا الوقت، قالوا له: إحنا عايزين نعمل كلية جوه القرية، قرية مش مركز ولا محافظة، عايزين نعمل كلية جوه القرية.

بدأوا بكلية، وكل دي كليات أزهرية؛ عملوا كلية للبنات، بعد كده كلية تجارة، وبعدين قعدوا جمعوا عدد من الكليات لغاية ما وصلوا إنهم عملوا جامعة اسمها جامعة "تفهنا الأشراف". القرية الوحيدة في مصر اللي فيها جامعة، قرية تفهنا الأشراف اسمها جامعة تفهنا الأشراف، دي جمع أزهري، هم اتبرعوا بالأرض وجزء كبير جداً من المصاريف، واستعانوا هنا بشيخ الأزهر، قالوا له: إحنا عايزين نعمل كلية أزهرية، وعايزين نعمل... لغاية ما كملوا الجامعة وبقى عندهم جامعة في القرية. دي الجامعة الوحيدة اللي موجودة في قرية في مصر.

بعد كده خلاص بقى في فلوس كتير، لأن كل ما كل المشروعات دي بتولد مشروعات جديدة، والمشروعات دي كلها مملوكة للناس بتاعة القرية. فبدأوا يعملوا إيه؟ إحنا عايزين نشوف مشكلة الصرف الصحي، عملوا حاجة اسمها "بيت مال المسلمين"، جمعوا فيها الفلوس اللي هيبدأوا بيها، وعملوا بيها المشروعات: صرف صحي، مواصلات، مياه، كهرباء، أفران، ما سابوش ولا مشروع ممكن يتعمل لصالح الناس إلا وعملوه.

بعد كده قالوا: إيه هو؟ مين من الشباب مش قادر يتجوز، نجوزه برضه من بيت مال المسلمين. وهكذا لغاية ما هم تقريباً عملوا شبكة مواصلات، يعني حتى شبكة المواصلات بقت مملوكة للناس، زي ما بنسميها هنا النقل العام؛ النقل العام ده مش بتاع الحكومة، لا، ده بتاع الناس، إحنا لبعض. مش جايبين ميكروباص، دي القرية كلها، بس مش بشكل مباشر، لا، إحنا عملنا عشرة مشروعات، المشروعات دي بتكسب، وكل تراكم رأس المال ده ما بيروحش لحد، لا، ده بيرجع على مشروعات تانية تحل لنا مشاكلنا.

وهكذا الوضع ده استمر أكثر من ١٥ أو ٢٠ سنة، القرية بالكامل، ما فيش ولا مرفق من اللي ممكن يخطر على بال حد إلا والقرية خلصته لوحدها بفلوسها، بمجهودها الشخصي، بجهد مجتمعي كامل. هذا المفهوم، مفهوم المؤسسات الأهلية، أو إحنا أحياناً بنسميه المجتمع الطرفي أو الجماعات الوسيطة، أو لدي كذا اسم، يعني هذا المفهوم محتاج وعي من الناس.

واحد: الوعي بالفكرة الأولى اللي كنا بنتكلم عليها، ثنائية الدولة والمجتمع؛ أن الدولة دي مش المطلوب منها... ده بالعكس، لو الدولة قالت: يا إخوانا أنا هعمل لكم كل حاجة، إحنا المفروض نقول لهم: لا، ليه؟ لأن لو حصل لأي سبب ما، مثلاً زي العراق، هي دولة كانت كبيرة ومعاها جيش ومعاها مصانع، وتم غزوها من الخارج، لو الناس ما بتقدرش تعمل المدارس، لو الناس ما بتقدرش تعمل كل المرافق الحيوية دي، هتعمل إيه؟

الناس، هنفرض الفرض العكسي، لو الدولة حصل فيها زي فكرة الانقطاع اللي إحنا قلنا عليها في التسعينات هنا في مصر، أو في السبعينات والتسعينات في أمريكا، لأسباب تتعلق بأن المنشأة حصل لها خلل، الناس تقعد من غير كهرباء، من غير مياه، من غير خلاص. فالمجتمع لو عنده وعي بأن المجتمع نفسه لديه طاقة وقدرة كبيرة جداً، أنا لا أقول إنها تكافئ قوة الدولة، لا، بل هي أقوى من الدولة.

ليه؟ دايماً إحنا بنقول مثلاً أغنى رجل في العالم، بيل جيتس، ثروته مثلاً ٨٥ مليار دولار، ده راجل واحد معه شركة اسمها مايكروسوفت، مايكروسوفت دي شركة واحدة ميزانيتها أكبر من دولة، يعني هو مش راجل، إمكانياته أكبر من دولة، ده قد دولة. أكبر ١٠ شركات في أمريكا، شركات دي شركات خاصة يا إخوانا، ميزانيتها أكبر من ١٠ دول عربية مثلاً؛ مجتمع دول مش أفراد، هم ١٠ شركات بقوة دول أو أكثر من كده.

فالمجتمع لو هو عنده وعي، إن الشركات والمبادرات دي -والمبادرات دي يعني حاجة لسه ما وصلتش لدرجة إن تبقى مؤسسة أو جمعية أو حاجة زي كده- ممكن تغطي معظم حاجات المجتمع، سواء الحاجات التنموية، سواء الحاجات المالية، والأهم من ده كله على الإطلاق هو الحاجات التعليمية؛ يعني أنا ممكن أعمل مدارس خاصة، ممكن أعمل جامعات خاصة. الإجابة: اه، ده بالعكس، هو المجتمع المصري بيعمل كده أصلاً بس بصورة غير واعية.

معظم الناس في مصر ليها أكثر من ٣٠ سنة عارفة إن التعليم المؤسسي أو الحكومي سيء وغير مجدٍ وغير مفيد، والناس معترفة بده، والدولة معترفة بده، ده بالعكس، الدولة معترفة إنها مش قادرة تعلم الناس تعليم جيد، نسبة الأمية بتزيد. طب نعمل إيه؟ الناس كلها معظمها بتعلم ولادها فين؟ في دروس خصوصية. طب الدرس الخصوصي ده أصلاً فين؟ ده صورة من صور التعليم المنزلي اللي هنتكلم عليها إن شاء الله في حلقة قدام، عن فكرة إن الناس ممكن هي اللي تحط مناهجها وتختار مدرسينها وتختار.

مكان التعليم، يعني التعليم دروس خصوصية، صورة من صور التعليم المدرسي، ولكن للأسف أسوأ حاجة فيها أن هي بتخدم على المناهج الدراسية، سواء المنهج كويس أو المنهج وحش. هي مش عملية تعليم حر، لكن الصورة أن المجتمع المصري تقريبًا كله بيعلم ولاده في الدروس.

الدروس دي مين اللي بينظمها؟ الأهالي والمدرسين والطلبة، بس هم أحيانًا بيعملوا مناهج لوحدهم، أحيانًا بيعملوا كتب خاصة، كل ده بعيد عن الكتب الحكومية وعن المنظومة الحكومية وعن المدرسة. وعن كل ده خلاص، دي صورة من الصور.

الصور اللي غير دي صور الشركات، بس الناس أحيانًا بتحس الشركات دي تجارة؛ يقول لك الشركة دي تعمل كذا يبقى تجارة. طب ما أنت تعمل شركة تصرف على مؤسسات تعليمية، الشركة نفسها تعمل هي اللي تنفق على المؤسسات التعليمية.

عشان نلخص، الهدف من طرح ثنائية الدولة والمجتمع يجب أن يستوعب الناس، الأفراد، أن هم عندهم قدرة عالية جدًا على حل مشاكلهم، ولكن لو انتبهوا أصلاً أن هم مش مجموعة من الأفراد المتناثرين، بل يمكن تجميعهم في صور؛ إما نقابات أو مؤسسات أهلية أو جمعيات.

أنا هضرب مثال أختم بيه، اللي هو مثلاً في رأيي الشخصي أغنى نقابة في مصر ممكن تتعمل هي نقابة النقل البري. مصر فيها عدد مهول جدًا من السواقين؛ سواقين التاكسيات، سواقين الميكروباصات، سواقين الأتوبيسات، سواقين كتير جدًا. دول كلهم أقوى حاجة فيهم أن هم بيشتغلوا يوميًا؛ يعني المهندس ولا الدكتور ولا المدرس، ده بيقبض بالشهر، الثاني ده باليوم، يعني ده راجل بيشتغل كل يوم ومعاه رأس مال ثابت اللي هو العربية أو الحاجة اللي بيتحرك بيها.

الناس دي طبعًا ليهم نقابة اسمها نقابة النقل البري، بس النقابة مجرد مش فعالة. وأبسط مثال للمجموعة دي لكم أن تتخيلوا، لو عملت نقابة حرة، وده يعني وارد وبيتعمل كتير في مصر، هي مؤسسة، مبادرة كده، مبادرة نقابة الظل أو نقابة موازية، ممكن في اليوم الواحد يبقى مدخولات النقابة 30 مليون جنيه.

لكم أن تتخيلوا مؤسسة دي ممكن تعمل إيه؟ تعمل عقارات، تعمل مؤسسات طبية للعلاج، تعمل مؤسسات لصيانة العربيات بتاعتهم؛ كل الحاجة اللي ممكن يتخيلها واحد شغال في المهنة دي ممكن تعملها له. طبعًا ده موجود بصورة أو بأخرى في نقابات الطب والهندسة، لكن طبعًا هي في صدام دائمًا مع الدولة، فكرة السيطرة اللي اتكلمنا عليها في أول الحلقة.

أتمنى أن تكون ثنائية الدولة والمجتمع وضحت. أخيرًا لما بنيجي إحنا نصنف نفسنا، بنعتبر نفسنا بتصنيف دولي يعني إحنا دولة ضعيفة وأحيانًا مجتمع ضعيف. المطلوب حاليًا اللي في إيد الناس تقدر تعمله من بكره أو من بعد أو على طول، اللي هو زيادة قوة المجتمع لصالح المجتمع.

شكراً، بارك الله فيكم، نلتقي إن شاء الله في الحلقة القادمة. انتظروا...