دخولتسجيل الدخول

بره الصندوق | مفهوم التحضر والتخلف (2)

أيمن عبد الرحيمالمهندس أيمن عبد الرحيم
  • مدة الدرس:
  • قراءة

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، والصلاة والسلام على خير معلم الناس الخير، محمد، وبعد.

مرحبًا بكم من جديد، نستكمل حديثنا. في الحلقة الماضية عن مفهوم الحضارة، التقدم والتخلف، ضربنا مثالًا بكوكب اليابان الشقيق، وأرجعنا جزءًا متعلقًا بالمطلوب. بعد طرح مفهوم الحضارة، ومفهوم التقدم، ومفهوم التخلف، ماذا نصنع؟ كيف ننشئ حضارة أو تقدمًا بالمعنى الإيجابي؟

لأننا في الحلقة الماضية قلنا إن مفهوم الحضارة ده مفهوم حيادي، يعني ممكن تكون حضارة سلبية وحضارة إيجابية، حضارة ظالمة وحضارة مؤمنة. ممكن يكون التقدم اللي إحنا شايفينه تقدمًا هو تقدم مادي تقني فقط، لكن على حساب القيم التي خُلق من أجلها، أو القيم الإنسانية بشكل عام، كما رأينا المذابح التي ارتكبها مثلاً الجيش الياباني في الحرب ضد الصين في اجتياح منشوريا.

المعنى الأهم من ذلك كله، أنني كمسلم عندما آتي لأنشئ حضارة، ما هو المطلوب مني؟ هل إنشاء المعنى الحضاري في الإسلام أو داخل الدين، أو الذي يمكن للمسلم أن يفعله، يعني أن المسلم لا ملh له حضارة أو لا يملك أي وسائل صناعية أو تقنية؟ أم لازم يكون ضعيفًا؟ أم العكس؟ هل لازم المسلم ما دام يتقدم لكي يعمل حضارة أن يأخذ كل الأدوات أو مواصفات الحضارة والتقدم الموجودة في الحضارات الغربية غير المسلمة فيصير بها غير مسلم، أو يتخلى عن معظم قيم الإسلام؟

هذه الثنائية غير صحيحة. نحن لا نقول يا هذا يا ذاك. المسلم المفروض يميز؛ هو ماذا يريد أن يعمل؟ الإسلام ماذا يريد منه؟ وبعد ذلك ينشئ كل نظم حياته على هذا الأساس، سواء التقنية، سواء الصناعة، سواء العمارة، استجابة لسؤال القيام، وليس أن يريد إنشاء حضارة مشابهة للحضارة الأوروبية فيفاجأ مثل اليابان بالضبط؛ أول ما نقل الحضارة الأوروبية فوجئ أنه لم يعد يابان، أي فقد هويته نفسه. ثم الأخطر من ذلك أنه يبقى عنده كل الأمراض، بل أمراض أسوأ، أمراض حضارية قيمية على حساب الإنسان، قيمة الإنسان وجوده وحياته.

سنضرب مثالًا للمقارنة بتجربة تاريخية، لأن في ناس كثيرًا جدًا يقولون لك: لا، نحن لو عملنا كما يفعلون بالضبط سنتقدم. سنضرب مثال محمد علي؛ نحن الآن نقول إن اليابان في الحلقة الماضية تكلمت عن أن اليابان أولما جاءت تنهض شافت أقرب نموذج لها في الشرق نهض وعمل شيئًا يشبه الدول الأوروبية في التقانة والصناعة والجيوش والعسكرية، فلقي محمد علي تجربة الدولة المصرية أو المملكة المصرية في أيام محمد علي.

نريد أن نرى نموذج محمد علي. هذا كان الدكتور مسعود ضاهر، عمل كتابًا سماه: «النهضة العربية والنهضة اليابانية: تشابه في المقدمات واختلاف في النتائج». يقول الدكتور مسعود ضاهر إننا برغم أن النهضة اليابانية والنهضة المصرية أو العربية بدأتا متشابهتين، لكنهما أنتجتا شيئًا مختلفًا. ونحن نقول شيئًا أهم من ذلك، وسأستعين بمفاهيم الكتاب لكن سنقول شيئًا أهم؛ إن مفهوم النهضة نفسه يريد أن يتحرر.

ما عمله محمد علي، في رأيي الشخصي، لا يختلف قوي عما عمله اليابانيون، وهو أنه امتلك معظم الوسائل المادية أو الحضارية أو المتقدمة التي كان يريدها من الغرب، ولكن على حساب قيم؛ هنا كان على قيم الأمة اليابانية نفسها وعلى قيمة الإنسان الياباني، وهنا على قيم الإسلام نفسه.

هنا يجب أن نحرر شيئًا في الأول: هل محمد علي قبل أن يتجه إلى مشروعه، مشروع النهضة أو التقدم أو الصناعة أو العسكرية أو الجيش القوي، هل كان يعمل شيئًا ضد الإسلام؟ هناك ناس كثيرون، وهذه نظرية المؤامرة تكون مسيطرة جدًا على أذهان كثير من قراء التاريخ أو حتى كتاب التاريخ، يقولون إن محمد علي كان رجلًا ألمانيًا، وهو رجل مضاد للإسلام وهكذا، فهو عشان كذا عمل اللي عمله.

تخيلوا أن معظم التجارب المشابهة لتجارب محمد علي، والتي يمكن أن نسميها النهضة أو التقدم الأعرج، كان غرضها أصلاً غرضًا مغلوطًا؛ لكي تنشئ حضارة مادية أو صناعية، غرض مغلوط وهو أنه يريد أن يعمل مثل الأوروبيين. هل هذا غرض في حد ذاته؟ أنت تريد امتلاك أسباب القوة، تريد أن تكون أمة قوية، هذا له سكة ثانية سنشير إليها، وهي أن تبدأ أولًا بتحديد قيم الإسلام وتنطلق منها، هو بدأ معكوسًا.

سنقرأ لحضراتكم جزءًا بسيطًا جدًا من رسالة كان بعث بها محمد علي للسلطان العثماني، يقول له ما المطلوب؟ نحن المفروض نعمل ماذا؟ وأوروبا تريد منا ماذا؟ سأقتطع أسطرًا قليلة جدًا منها، لأن هناك فكرة حول محمد علي، في شخصية قلقة في التاريخ، ناس يقولون عنه إنه ضد الإسلام، لا، هو كان مع الإسلام، هو مؤسس مصر الحديثة. طيب، هل هذه حاجة كويسة ولا وحشة؟ هو عمل نهضة كبيرة جدًا، هل هذا شيء كويس أم لا؟ مفهوم التقدم، محمد علي عمل تقدمًا صناعيًا، نحن نقول نعم، هل التقدم في حد ذاته سلبي أم إيجابي؟ هو ليس سلبيًا في حد ذاته، سنرى الآن إيجابي وسلبي، لكننا الآن سنقرأ فقط لكي نحدد هل كانت نيته سليمة تجاه الدين أم لا؟ ونحن نقول إن نيته كانت سليمة.

يقول في الرسالة التي كان الدكتور جوزيف حجار قد ترجم مجموعة كبيرة جدًا من وثائقها، وهي الرسائل المرسلة من محمد علي للسلطان العثماني ومن العكس؛ الدكتور مسعود ظاهر ينقل من جوزيف حجار عن محمد علي بلسانه للسلطان العثماني: «لقد سبق أن كتبت إليكم أي السلطان العثماني أن مصيرنا مرتبط بخيط، وهو خيط ضعيف»، وقصد بذلك أن يعالج تحديدًا العواقب الخطيرة التي تهدد وجود الأمة ووجود الدين الإسلامي، فهو خائف على الأمة وخائف على الإسلام. أما بالنسبة إلى الكرامة التي تذكرها، فإنها لا تُعطى بل تُؤخذ بالأفعال التي تجهد النفس. يعني أنت لو تريد تقديرًا أو إعانة، فهذا ليس شيئًا سهلًا، نحن يجب أن نعمل شغلًا مضنيًا ومرهقًا لكي نصل إلى الصورة التي...

وهو يقول له: "وهي تقضي بالعمل على تقوية الدولة وتنمية مواردها وقواتها بمجهود كبير لا يعيقه شيء"، وبعد ذلك يقول له: "وإلا أوقعنا بذلك السلطنة العثمانية والدين الإسلامي في كارثة نكون نحن المسؤولين عنها أمام الله وأمام التاريخ". هذا كلام محمد علي للسلطان العثماني، وفي تتمة الرسالة يقول له: "على فكرة، أوروبا لا تريد إلا هدم السلطنة العثمانية، ولا تريد إلا القضاء على الإسلام وعلى الخلافة".

هذا كلام كويس جداً، إمال هو عايز إيه بقى؟ محمد علي نص كلامه هكذا. طيب إيه بقى المطلوب؟ إحنا دائماً بنقول زي اليابان بالضبط، أول ما بيكون مستهدفة للتقدم أو الحضارة، عينك على المنتج المادي، في حاجة هتحصل غلط؛ لأن واضح أن تقييمك للأمور ابتداءً فيه خلل.

نحن الأول عايزين نعرف محمد علي عمل إيه؟ محمد علي استلم مصر بعد خروج الفرنسيين، هو تقريباً بقي في صدارة الحكم 1807، ماسك والي مصر المتنفذ. عمل ماذا؟ واحد: كليات هندسة، اثنان: كليات تعليم، مدارس تعليم فني، أسطول، مسح للأراضي الزراعية كلها في مصر. هذا الذي فعلوه يشبه بالضبط ما فعله "الميجي" أو الإمبراطور في اليابان في عصر الإصلاح؛ إصلاح زراعي، إصلاح صناعي، استجلاب فني من بره، استجلاب مدربين للجيش.

هذا عمله محمد علي، عمل جيش؛ وهو التجربة التي عملتها اليابان، لكن محمد علي عملها أولاً، واليابان عملتها بعده بـ 40 سنة. هو نفس الخطوات: جيش قوي، ترسانة عسكرية قوية، مدارس فنية من أول متوسطة وثانوي اللي يشبه الجامعة دلوقتي، تعريب للعلوم، ابتعاث بعثات في أوروبا، كتابة الكتب والهندسية كلها بالعربي، والمسح الزراعي كله الذي استلزم وجود ترع وقناطر، وكل المنتجات المادية عملها.

الأهم من هذا كله هو الجيش؛ أنا عايز جيش زي الجيش الأوروبي، زي الجيش الفرنسي الذي غزا مصر أيام المماليك قبله على طول، بدأ يكون جيشاً بنفس التكوين الغربي، بنفس الأدوات، بنفس المدربين، وبنفس الزي تقريباً. هذا الذي عملته اليابان بالضبط يا إخوانا بعد تجربة محمد علي. هو عينه على ماذا؟ "أنا عايز أبقى متحضر وأبقى متقدم زي الدول الأوروبية". هنا الهدف الذي رايح له النية بتاعة محمد علي؛ النية أن هذا لخدمة الإسلام وللأمة وللدفاع عن الأمة.

المشكلة في هذا أن النية ليست متطابقة مع السعي. أنا الآن كمحمد علي أو كاليابان، عايز أعمل جيشاً، ما هي عقيدته القتالية؟ في اليابان فوجئت أن طلع جيشاً مثل الدول الأوروبية؛ يأخذون الدول الخارجية، يقتلون الناس، يعملون مذابح، ولا يريدون اعترافاً بها حتى الآن. محمد علي فُوجئ أيضاً أنه يعمل جيشاً موجهاً للخارج؛ فأنت تفشل في معاركك ضد الغربيين، وتنجح في معاركك في اكتياح الشام واكتياح الحجاز.

يبدو أن هناك توجهاً تجاه هذه المؤسسة ليس مضبوطاً؛ التعليم. أنت تريد أن تخرج ماذا؟ "أنا عايز أطلع مهندس أو دكتور أو كذا". لحظة، هو التعليم في الإسلام كان المفروض يخرج ماذا؟ أنا أخرج أولاً مسلماً، مسلماً. دائماً نقول: لو مهندس فهو مسلم، أو طبيب مسلم، أو مقاتل مسلم؛ المفروض أن الجزء الذي يتكون فيه هو "المسلم" أولاً قبل المهندس، والمُسلم قبل الطبيب.

محمد علي مستعجل، زي ما قلنا في حالة اليابان بالضبط؛ أمة في عجلة، أنا مستعجل عايز أبقى زي الدول الأوروبية، عايز أبقى في المستوى المادي، ثم أجلب المستوى المادي وأريد ماذا؟ كأنه بداية معكوسة وتنتج نتائج معكوسة.

يضرب الدكتور خالد فهمي مثالاً في كتابه "كل رجال الباشا"، يستعرض فيه تجربة التحديث أو التقدم التي عملها محمد علي في مصر. يقول إن محمد علي بدأ بعد ما كون جيشاً من المصريين؛ في الأول كان الجيش من القراقطة والمماليك وكذا، بدأ يعمل ويجيب ناس من الصعيد وينشئ الجيش المصري الذي سيصبح بعد ذلك جيشاً ضخماً جداً خلال سنوات.

يقول إن الجيش حصلت عليه اعتراضات على ضرائب باهظة فرضها محمد علي على الناس في هذا الوقت، فحصلت انتفاضة في الجنوب في الصعيد، فأرسل الجيش، وكان الجيش لم تكمل تدريباته بعد، لكن يريد تجربته؛ أنت عملت شيئاً جديداً وامتلكت وسائل من وسائل التقدم والقوة التي تريدها مثل الدول الأوروبية، فتريد أن ترى: هل هي قوية أم لا؟

فأرسل الجيش للصعيد لإخماد هذه الفتنة، فوجئ أحد الجنود بأن أباه أحد الفلاحين المعترضين على الضرائب الباهظة المفروضة على الناس، فحاول الجندي أن يقنع أباه بهدوء أو أن يصرفه عن أعمال الشغب لأن هذه جاءتهم أوامر الجيش بها، والمفروض أن يكف الناس عن الاعتراض على الضرائب. ما كان من الجندي إلا أنه قتل أباه.

الدكتور خالد فهمي يورد هذه الرواية في "كل رجال الباشا". طبعاً الموضوع عرفه قائد الجندي، والموضوع قعد يُرفع لغاية ما وصل لمحمد علي، فماذا فعل محمد علي؟ رقّى هذا الجندي. هنا السؤال: في الأصل، هذا الجندي عندما كنت أعمل جندياً قبل محاولة التقدم أو الحضارة أو النقل من الدول الأوروبية، المفروض أن أعمله بعقيدة قتالية معينة؛ هو رجل مجاهد في سبيل الله، ومحمد علي بما أنه حاكم مسلم، فمن المفروض أن هذه هي عقيدته ودي عقيدة السلطنة العثمانية، وعقيدة أي مسلم في أي مكان.

عندما أعمل هذا الجيش وأوجهه للداخل، أن أصل إلى قتل الأب، فهذا من الناحية العسكرية ممتاز جداً، وهذا يشبه ما عملته اليابان؛ الالتزام بالأوامر كان عنيفاً جداً في فترة تحديث "الميجي"، لكن خرج جندي بهذا الشكل الذي رقاه محمد علي.

أريد أن أرى المنتج الذي طلع بعد ذلك، أولاد محمد علي الذين عملهم محمد علي، كملوا ولكن بحالة تشبه حالة اليابان. نحن في مصر مثل اليابان؛ عندما ضُربت اليابان عام 1945 وأُجبرت أن لا يكون لها جيش، محمد علي حدث معه ذلك في سنة 1840؛ قالوا له: "والجيش الخاص بك كان وصل مثلاً 150 ألف مقاتل أو جندي، الجيش المصري المفروض ألا يكون عدده غير 18 ألف". التزم أولاده بذلك، فبقوا دولة مثل اليابان بالضبط؛ مصر دولة متقدمة، لأن محمد علي ترك كلية هندسة، وترك كلية طب، وترك صناعة سفن، وترك زراعة، وترك ترعاً.

تحول التعليم في مصر من تعليم أهلي، كما كان في الفترة التي سبقت محمد علي، إلى تعليم نظامي يشبه التعليم الأوروبي؛ نفس المدارس بنفس العقيدة التي يُفترض أن يُربى عليها الطفل. والنظام التربوي سنرى ماذا سيخرج لنا من أولاد محمد علي، ونحن نمضي حتى نصل إلى إسماعيل باشا. كانت المملكة تشبه المملكة اليابانية؛ إمبراطورية ليس لها جيش إلا الجيش المحلي، لكنها دولة غنية ومتقدمة جداً، لدرجة أنها كانت الدولة التي استلهم منها اليابانيون لعمل نهضتهم.

في وقت ولاد محمد علي، كانت الدولة متقدمة بالمعنى المادي، عندها شوارع نظيفة جداً. إسماعيل باشا كان يحاول تحويل مصر لجزء من أوروبا، ولغاية الآن نجد مصر الجديدة في القاهرة تشبه فرنسا في شكل المباني، وطبعاً ليس الوضع الحالي، لكن الشاهد أنه كان يحاول محاكاة الأوروبيين في كل شيء: في التعليم، وفي الشوارع، وفي المعمار، وفي اللبس، وفي الثقافة.

هذا يؤدي إلى ماذا؟ سنرى في عام 1882 عندما جاء الإنجليز، وهذه تجربة خطيرة جداً أظن أننا أشرنا إليها قبل ذلك، وهي تجربة المماليك. نحن لا نقارن المماليك بدولة محمد علي؛ محمد علي دولة متقدمة، أما المماليك فنحن نقول إنهم بدائيون ومتأخرون حضارياً ومادياً وتقنياً عن دولة محمد علي.

عندما جاء الغزو الخارجي الفرنسي عام 1798، لم يستطع الفرنسيون الاستقرار في مصر أكثر من سنتين ونصف، وتم طردهم بالمقاومة الشعبية. الجيش والمماليك أنفسهم هربوا، والمقاومة الشعبية هي التي أخرجت الفرنسيين. لم يكن حينها هناك كلية هندسة، ولا أسطول، ولا جيش نظامي، ولا أي شيء مما صنعه محمد علي، بل كان التعليم تعليم أهلي عبر الأوقاف والكتاتيب. ومع ذلك، صمد المجتمع لمدة سنتين ونصف وقدر على إخراج العدو الخارجي.

بالمقابل، تجربة محمد علي استمرت لأكثر من 70 سنة، طبق خلالها نماذج التحديث مثل اليابان. اليابان عام 1945 عملت كل شيء حتى تحولت لدولة استعمارية، ولكن بمجرد أن انهارت تحت الحرب خضعت للإرادة الأمريكية، وحتى الآن الدستور الياباني هو الذي كتبه الأمريكان سنة 1947 وهو ملزم لهم. ما حدث أيام محمد علي هو أن الإنجليز عندما دخلوا عام 1882، قعدوا في مصر لغاية عام 1952، أي قضوا أكثر من 70 سنة.

لماذا لم تقم الناس؟ سنرى الآن نموذج التقدم أو الحضارة السلبيات التي نقلتها وأنت لا تشعر. التعليم جعل المقاومة تضعف؛ في السابق كان الأزهر يقاوم، والشيوخ وطلبة العلم هم من قاوموا، حتى أن الطالب العلمي هو من اغتال "كليبر" قائد الفرنسيين، وهو حلبي (سوري) كان يدرس العلم الشرعي هنا. كان يرى من وظيفة الناس المقاومة، لكن ماذا حدث للتعليم لدرجة أن الإنجليز يجلسون 74 سنة دون مقاومة تذكر، أو مقاومة ضعيفة جداً، والخديوي نفسه ليس معترضاً؟

ما حدث هو شيء ضخم جداً؛ النموذج الثقافي الذي صنعته في عجلة وأنت مستعجل لتحقيق تقدم مادي، جاء على حساب الجانب القيمي. نحن دائماً نقول إن هناك ثنائية يقع فيها الناس، حيث يقولون: إما أن تكون متخلفاً أو متقدماً مسلوب الهوية. ونحن نقول: لا، ليس بالضرورة، بل يجب أن تعمل حداثة واعية؛ تحدث أدواتك ولكن بوعي وتركيز على القيم، فترجع أولاً لقيمك وقيم الإسلام.

الإسلام يطلب منك أن تستعمر الكون، استعماراً من باب العمارة، فيكون استعماراً حضارياً إيمانياً؛ ترى مراد الله عز وجل منك وتعمل به. تأملوا تعامله مع الحيوانات لا مع البشر فقط؛ في نموذج محمد علي مثلاً، مات ثلاثة آلاف شخص في العمل المجهد والداؤوب من أجل حفر ترعة "الكاروشي".

وفي اليابان، يموت الآلاف سنوياً تحت ضغط العمل. وفي الحديث، دخل رسول الله ﷺ يوماً حائطاً من الأنصار، فرأى جملاً، فلما رآه النبي ﷺ ذرفت عيناه، فمسح دموع الجمل وقال ﷺ: «لمن هذا الجمل؟»، من رب هذا الجمل؟ فأتى فتى من الأنصار قال: هو لي يا رسول الله. فقال له النبي ﷺ: «ألا تتق الله في هذه البهيمة التي ملكك الله إياها؟ شكى إلي أنك تجيعه وتدئبه». الجمل اشتكى للنبي ﷺ أنه يُجوع ويُكلف عملاً دؤوباً.

هذه هي القيمة التي نحتاجها إذا أردنا تأسيس حضارة أو تقدم؛ أن تكون القيمة حاضرة أمام أعين الناس طبقاً لمراد صاحب الشريعة. إذا أردت التعامل مع الحيوانات، يجب أن تراعي المعنى الذي قاله النبي ﷺ من عدم التجويع والتدئب، وهذا ينطبق على البشر أيضاً؛ فالشغل يجب أن تكون فيه قيمة تنظم العمل، وقيمة تنظم التعليم، وقيمة تمنع أخذ شيء معارض لقيمك ودينك من حضارة أخرى. حتى عند نقل القيم العسكرية، لا نأخذ نموذجاً يجعل الجندي يقتل أباه، فهذه عقيدة غربية، أما العقيدة في الإسلام فمختلفة؛ فقد أمر النبي ﷺ في إحدى سراياه ألا يقتلوا شيخاً ولا امرأة، وعندما رأى ناراً أوقدها أصحابه غضب وقال لهم: «أوقدوا ناراً».

وادخلوا فيها فمرض، يعني ترددوا بعد ذلك. النار لم تنفعهم، وما دخلوش في النار لما رجعوا. النبي ﷺ قالوا له: «ده كان عايز كذا وإحنا خفنا إن إحنا عصيناه، ما دخلناش في النار عشان ده يكون عصيان لأوامرك»، لأن طاعة النبي ﷺ هي طاعة للأمير، وطاعة الأمير من طاعة رسول الله ﷺ.

فالنبي ﷺ غضب وقال لهم: «إنما الطاعة في المعروف». هذه قيمة من قيم العمل، أو قيام الإمارة، أو قيم الجندية والعسكرية. يجب أن نرى.

نستكمل بعد الفاصل. أهلاً بكم. توقفنا عند تقييم نموذج محمد علي، لأنه هو النموذج الذي نهضت عليه النهضة اليابانية، فنحن نقارن نموذجاً غير مسلم، وهو عصر الإصلاح في اليابان الذي استمر به لغاية الآن.

دائماً عندما يُذكر محمد علي، يُذكر أنه إنجاز مؤسس مصر الحديثة، مؤسس مصر المتحضرة أو المتقدمة التي تشبه في تقدمها الدول الأوروبية. فنحن نريد أن نرى ما هو تقييم نموذج محمد علي طبقاً لقيمنا، حكمنا عليه حتى الحضارات القديمة والحضارات الحديثة والحضارة اليابانية وغيرها، وهي القيمة القرآنية والقيمة الربانية؛ ما هي وظيفة الإنسان على هذه الأرض، سواء في المنتج المادي أو القيمي وكل شيء؟ هذا هو المعيار الذي نقيم عليه.

لقد جئت بأن محمد علي ليس النموذج الوحيد. نموذج محمد علي -وسنسميه نموذج التحديث- هو أن تحاول تحديث أدواتك لتصبح دولة متقدمة مثل الدولة الأوروبية. من النماذج التي تشبه نموذج التحديث في مصر؟ أخذنا نموذج اليابان، وهو نموذج غير مسلم حاول يقلد النهضة المصرية.

النموذج الذي يليه مباشرة هو نموذج تونس، أحمد باي، سلطان تونس، حاول عمل نفس نموذج التحديث؛ النقل عن الغرب، ولكن مع تجاوز القيم الإسلامية. هو يريد دولة متقدمة مثل أوروبا، ولكن الدولة المتقدمة مثل أوروبا لديها قيم لا تتوافق أو تتعارض بشكل كلي مع الإسلام، سواء في العسكرية، أو التصنيع، أو العمل، أو وضع المرأة داخل المجتمع، أو الترتيب الأسري، أو الحالة الاجتماعية العامة.

لنضرب مثالاً أو مثالين من اليابان في الحالة الاجتماعية للشباب الحالي، ونقارن بمصر وتجارب التحديث في تونس ومصر والعراق. مدحت باشا وداود باشا عملا نفس تجربة التحديث بتاعة محمد علي، وبعده استفادوا من تجربة محمد علي. وفي إيران، قبل رضا خان مؤسس إيران الحديثة، كان هناك سلاطين القاجار، وأخذ رضا خان من تجربة محمد علي تجربة التحديث التي قام بها السلطان سليم الثالث ومحمود الثاني في تركيا، ومن بعدهم طبعاً مصطفى كمال أتاتورك بعد إلغاء الخلافة.

كل هذه النماذج تشترك في شيء؛ أن كل واحد منهم، سواء محمد علي، أو تونس، أو القاجار في إيران، أو مدحت باشا وداود باشا في العراق، أو سلاطين آل عثمان، هدفهم الأصلي هو الحصول على الحضارة الأوروبية أو التقدم الأوروبي. ليس هناك واحد منهم عكس المفهوم؛ أي أننا حالياً نمر بحالة خلل، ليس لأننا أخطأنا في فهم قيم الإسلام أولاً، لا، بل لأننا أخطأنا في الأدوات التي معنا، فقالوا: "النماذج التي معنا أقل منهم، فسنأخذ أدوات مثل أدواتهم" فقط.

النموذج التاريخي يقول: كل الدول التي تم تحديثها بالطريقة العجولة -وهي طريقة مستعجلة كاليابان، ولكن عندنا في العالم العربي لأننا نقول إن النهضة المصرية سبقت اليابان، والتحديث يشبه التحديث الأوروبي- كل هذه الدول عندما تعرضت للاستعمار سقطت سريعاً جداً. سواء كان الاستعمار مباشراً مثل مصر والعراق وإيران وتونس، أو استعماراً داخلياً، حيث أصبحت القيم الغربية هي الحاكمة من الداخل، بحيث لا يحتاجون لمن يأتي من الخارج، فهم يطبقون قيم الغرب لوحدهم، كما في نموذج مصطفى كمال أتاتورك في تركيا.

كل هذه الدول عندما تعرضت لغزو خارجي، كما حدث في مصر على يد البريطانيين أو غيرهم، سقطت فريسة سهلة جداً للاستعمار، وبعدما جاء الاستعمار قعد على طول. حتى اليابان، القيمة الثقافية في اليابان ما زالت حتى الآن تابعة لأمريكا في كل شيء؛ في قيم التصنيع، وفي قيم الاستهلاك، وحتى في الدستور خاضعة للإرادة الأمريكية.

وعلى النقيض، نجد مثلاً نموذج الحركة السنوسية، الملك السنوسي ملك ليبيا في ذلك الوقت، أو أمير ليبيا، هذا لم يمر بتجربة التحديث بتاعة محمد علي. وفجأة دخل الطليان ليبيا، وفجأة وجدوا أن ليبيا تقاوم لمدة ثلاثين سنة، ثلاثين سنة رافضة لوجود الإيطاليين على الأراضي الليبية، لغاية ما حصل اتفاق وخرج الطليان من ليبيا. وفجأة في حالة مصر، دخل عام 1882 الغزو، ووقعت مصر فريسة للغزو وقعد سبعة وأربعين سنة.

وحتى في إيران، نجد في الأدبيات -وهي الكتب التي كتبت في توصيف الحالة الثقافية في مصر أو غيرها- نجد أنها تشبهها بالضبط. نحن هنا نكتب عن تغريب الهوية وتغريب الثقافة، وأننا أصبحنا نلبس مثلهم ونتكلم مثلهم، ونواجه نفس المشاكل والأمراض المجتمعية، وكأن المجتمع نفسه بعيد تماماً عن روح الإسلام وقيم الإسلام وأخلاق الإسلام، بل يشيع في المجتمعات الإسلامية كل القيم المذمومة في الغرب.

وفجأة ظهرت هذه الأدبيات أيضاً في إيران؛ نجد نفس الكتابات التي كتبت في مصر تشبهها جداً لنفس المرض، وكان نفس طريقة التحديث جلب نفس الأمراض. جلال آل أحمد، المفكر الإيراني، كتب كتاباً اسمه «الابتلاء بالتغرب»، والمفكر علي شريعتي الإيراني كتب «العودة إلى الذات». كلهم يدندنون حول معنى أننا أخذنا نموذجاً ليس نموذجنا، وكأننا نقول: نحن سنحقق التقدم أو الحضارة إذا أصبح عندنا مصنع مثلهم، وجيش بنفس أدواتهم أو سلاحهم، وهكذا.

هذا النموذج حدث أيضاً في اليابان؛ اليابان تتعرض حالياً لرجّة شديدة جداً ناحية الشباب. لماذا؟ لأن هذا الجيل، الذي بدأ يظهر من عام 1995 تقريباً، هو جيل لا يعرف شيئاً خالصاً عن مشاكل الحرب العالمية الثانية، لم يتعرض لضغوط، هو "ابن الوفرة"؛ أي أن كل شيء متوفر له، واليابان هي التي تصنع كل شيء، واليابان لديها كل الأدوات. فماذا يكون شكل هذا الجيل؟

هذا راجل مرتاح جداً، وما عنده مش محمل بالآلام النفسية ولا التجربة التاريخية السيئة اللي مر بها الراجل اللي حضر اليابان، اللي حضر الحرب، وحضر الهزيمة، وحضر القنبلة الذرية، وحضر التجربة بتاعة التصنيع والتحديث والقيام مرة أخرى بعد الحرب المفاجئة.

نسبة أكثر من 45% مثلاً من الذكور والإناث غير راغبين في الزواج؛ هو مش مش قادر، إحنا هنا مش قادر يتجوز، لا، هناك مش عايز يتجوز. طب ليه ده؟ ده هو موفر لكل حاجة، لا، في اغتراب نفسي، أنا حاسس إن قيمة الحياة مش بقت المنتج المادي اللي أنا عندي. يعني أنت وكأنك لو واحد مصري بيسأل واحد ياباني يقول له: أنت عندك إيه؟ يقول له: أنا عندي ناطحات سحاب، وعندي أحسن تعليم، وعندي أحسن مصانع، وأحسن كل حاجة. طب ليه ماتتجوزش؟ لا والله أنا غير راغب في الجواز، مش عايز أتجوز.

طب إيه بقى؟ أنت بتكلم مين؟ مرض بقى مستشرٍ في ملايين من الشعب الياباني من الشباب في سن المراهقة؛ التوحد التكنولوجي الذي هو: أنا مش عايز أكلم حد خالص، شخص قاعد ما بيكلمش أي حد، متمسك بالأجهزة الإلكترونية، ما بيقدرش يتكلم مع حد، مش عارف، مش عايز يعيش مع حد، مش عايز يدخل الجامعة، مش عايز يكمل تعليم، بيتفلت من التعليم الثانوي والجامعة.

هنا بقى سؤال مهم جداً: إزاي حضارة بالمعنى السائد عندنا، وإزاي دولة متقدمة بالمعنى السائد عند الناس، أو كوكب اليابان الشقيق، زي ما معظم الناس بتمثل لنا دايماً يقولوا؛ إحنا بنشوف دايماً الجانب اللي إحنا قلنا سميناه القناع اللي اليابان لابساه، أو أمريكا عايزة اليابان برضه عايزة الناس تشوف اليابان بهذه الطريقة؛ الدولة التي هي أمريكا استعمرتها، ما حصلش حاجة، وهي دولة متقدمة وعندها كل حاجة كويسة وأخلاقها ممتازة وبتاع. طيب هل ده صحيح؟ لا، نموذج حتى النموذج ده بيعاني من هذه الأمراض، الشباب اللي ناتج عنده.

طب إيه الفرق بينه؟ طب ده أنت دولة متقدمة جداً، طب تعال شوف مشاكلنا إحنا. أنت عندك مقدار الخلل النفسي في كتير جداً من الدول اللي إحنا بنسميها دول أقل تقدماً، بل دول متخلفة لو قارناها بالحالة النفسية بتاعة المراهقين سواء البنات أو الأولاد في اليابان، تلاقي أحسن بكثير جداً. نموذج عجيب جداً، مثال على فكرة عدم ارتباط التقدم المادي بالراحة النفسية، أو التقدم المادي بوجود قيمة.

باحث برازيلي متعلق بالأبحاث الاجتماعية، علم الاجتماع، عمل مقارنة ما بين بيوت أيتام في أمريكا وفي بيت أيتام في البرازيل. المفروض البرازيل مقارنة بأمريكا، البرازيل كان بيضرب بها مثال بالفار، طبعاً هي حالياً من الدول الصناعية الكبرى، بس برضه عندها نفس المشكلة، نفس المشكلة؛ ناس عاشة في حالة من الرفاهية تشبه اليابان وأمريكا والدول الصناعية الكبرى لأن هي دولة صناعية كبيرة، وفي نفس الوقت ناس بتموت فعلاً من الجوع أو بتُباع كسلعة عشان ياخدوا أعضاءها من الفقر والجهل وكذا.

النموذجين موجودين في نفس الدولة، اللي هو اللي قد يثير دهشة المشاهد أن نموذج شبهه موجود في اليابان، هنضرب مثال دلوقتي. لكن الشاهد، التجربة الأولى بتاعة بيت الأيتام أن عملوا دراسة نفسية على بيت أيتام في البرازيل وفي أمريكا. الطفل اللي في أمريكا ده في دور الأيتام ده مكفول من الدولة، فلوس ضخمة جداً، أحسن لبس، أحسن أكل، أحسن رعاية طبية، كل حاجة من ناحية التقدم المادي. خلاص، والحالة النفسية بتاعة الطفل المشابه ليه في البرازيل؟ نفاجأ بالآتي: أن الحالة النفسية بتاعة الطفل في معظم بيوت الأيتام اللي قارنوا بيها في البرازيل أحسن.

طب إيه الفكرة؟ فجوة بأنه الود والتعامل الرحيم والبطريقة معينة متعلقة شوية بالمجتمعات اللي إحنا بنسميها أحياناً مجتمعات تراحم، يعني هناك بيتعامل مع مؤسسة أن المؤسسة دي بترعى الأطفال، فده شغل يعني؛ الطفل ده حقه إن يعمل كذا، حقه إنه يعالج معالجة جيدة، حقه إنه يحصل على أموال، حقه إنه... ده حقه. المجتمع الثاني اللي هو التراحم ده بيبقى متعامل بالعاطفة أكثر منه من... زي بالضبط النموذج اللي بيستعرضه المصري لما بيروح مثلاً دولة من دول الخليج يشتغل، سواء مهندس أو دكتور، أول ما نسأله من ناحية التقدم بالمعنى المادي أو الحضارة نقول له: إيه أخبار الدنيا هناك؟ نقول له: والله ناطحات سحاب، شوارع نظيفة جداً، تقنية عالية جداً، تأمين صحي، كل حاجة كويسة.

طيب أقول لك بس، هو في حاجة في خلل كبير هناك. القيمة المادية وقيمة... هو القيمة المادية، أنت جاي هنا تشتغل يعني، أنا بني آدم بشتغل، لا، أنت جاي تشتغل. طيب أنا قيمتي إيه؟ لا، أنت مش قيمتك، مافيش قيمتك دي، أنت شغال ترس في مكنة، يعني ممكن أشغلك 14 ساعة، مش مشاكل، 15 واحد يقول لك يا سيدي كويس. طب هو ما قدرش يعمل الاثنين؟

إحنا دايماً إحنا كنا بنقول إن وضع النموذجين قبال بعض ده إحنا رافضينه، إن هو يعني إحنا نبقى متخلفين يا إما نبقى متقدمين من غير قيمة الإنسان، ما ينفعش أعمل الاثنين. يعني أبقى براعي، بكسب، بديله فلوس كويس، براعيه نفسياً وعائلياً وبدنياً وطبياً، وبقى ملتزم بقيام الإسلام. في ناس كتير جداً في دول الخليج يقول النموذج ده، يقول إن هو متقدم جداً مادياً، أحسن تقنية في الغرب بيجيبها، أحسن عمالة، أحسن كل حاجة، بس في تفسخ أخلاقي شديد جداً، في استهتار بقيمة الإنسان، لو في عامل مصري ولا هندي ولا... معاملة سيئة.

طب هو ليه النموذجين دول مع بعض؟ ليه ما يقدرش يعمل الاثنين مع بعض؟ إحنا بنقول إن القيمة المتمركز حواليها معنى التحضر أو معنى التقدم هناك هو معنى مادي، اللي هو بيسموه معضلة الإنتاج. يعني في اليابان سكوا مصطلح كده اللي هو لو عربنا نسميه كده: "أزم الإنتاج"، اللي هي هوس الإنتاج. وطبعاً دي حمى موجودة في العالم الإسلامي، موجودة من بعد الاستعمار، يعني من أيام محمد علي لغاية دلوقتي، اللي هو التحديث الأعرج؛ أن أنا عايز أبقى نموذج متقدم على حساب أي حاجة، يعني أهم حاجة الإنتاج، عجلة الإنتاج، إحنا بننتج قد إيه.

طب يا سيدي هو ما ينفعش نعمل الاثنين؟ ما ينفعش الدولة تبقى بتعمل، يعني نسب الطلاق تبقى قليلة، معاملة الأطفال تبقى كويسة، الأب والأم يقدروا يقعدوا يعيشوا مع بعض حياة إنسانية. يعني في اليابان في...

ناس بتعاني معاناة شديدة جدا من إنه بيشتغل يوميا 14 ساعة وثلاث ساعات مواصلات، أصحاب الياقات البيضاء؛ يعني الناس بتشتغل شغل اللي هم بيموتوا في الآخر بالكروشي، زي ما إحنا قلنا كده، بالجهات تحت ضغط العمل. طب هو ما فيش أي وسيلة إن الأسرة دي تبقى أسرة أكثر ترحمية من كده؟ ده لو ضفنا كمان إن الأب والأم بيشتغلوا، دي قيمة إحنا استوردناها من قيام الغرب.

طب إحنا القيمة دي موجودة عندنا بأي شكل؟ نفس النموذج بتاع التقدم أو التحضر: الأب تعليمه عالي، الأم تعليمها عالي، الاثنين ممكن يكونوا شغالين في الخارج أو شغالين عمل دؤوب. يعني أنت شغلك إيه؟ مهندس شغال 12 ساعة، تاخد راتب عالي جدا في شركة مالتي ناشونال جوه مصر. يعني قيمة التقدم أو الإنتاج هي اللي مؤثرة على المفهوم. طب الأم، والله دكتورة أو مهندسة، شغالة بإيه؟ راتب كويس جدا.

طيب هنا سؤال هامشي: الولاد فين؟ يعني المجتمع ده قيمته المتمحور حوالين إيه؟ نفس القيمة اللي إحنا نقلناها من الغرب، من أمريكا أو من أي دولة أوروبية، نفس مفهوم الإنتاج اللي خدته بعد كده اليابان، اللي إحنا حاليا بناخده بس بشكل أعرج، سواء في العالم الإسلامي أو حتى مصر. لو جبنا النموذج ده يبقى في تفسخ؛ يعني الإنتاج على سبيل القيمة، أه أنا والله مهندس وباخد مرتب كويس جدا، ومراتي دكتورة وبتاخد راتب كويس جدا، بس الأولاد بنجيب لهم حد يربيهم، حد يربيهم. طب هو هيربي إيه؟ طب هو هيعطف عليهم برضه؟ هيديهم نفس المفروض دي.

ده بذرت المجتمع المسلم. المجتمع أصلاً القيمة اللي بتخليه ينشئ نفسه مش دي، القيمة بتاعته أصلاً مش قيمة الإنتاج. دي قيمة إن الأب والأم والأطفال دول كلهم مستعبدين من قبل الله عز وجل، عبيد لله عز وجل، بيطلعوا مجتمع. كل الأسر دي، شبكة الأسر دي، بتطلع مجتمع ليه قيمة، اللي هي عبادة الله عز وجل. القيمة دي بنشوف بقى النشاط الاقتصادي والإنتاجي والعملي والتعليمي والعسكري كله متمركز حوالين القيمة دي، مش قيمة تانية. فإنا لو عملت إنتاجية عالية جدا على حساب أي قيمة، القيمة الأساسية، يبقى أنا كده مش متقدم، ده أنا كده العكس.

لو إحنا جينا نحط مفهوم التقدم والتخلف، يبقى المفروض مفهوم التقدم الصحيح اللي نتبناه نقول إن هو التقدم ناحية قيم الإسلام. لو أنت بتتقدم، يعني أنت بتقترب من منظومة قيم الإسلام في كل حاجة، تبقى أنت كده بتتقدم. لو أنت بتبعد عنها حتى لو معاك دبابة ومصنع ونضّاح سحاب وبتاع، يبقى أنت بتتخلف. والتخلف هو إنك تتراجع، أنت بتتراجع عن قيام الإنسان.

طب هنا بقى سؤال مهم جداً جداً جداً، لأن المقولة دي شاعت فترة طويلة جداً والناس بتقولها على سبيل إنها من المسلمات، ليها معنى حسن بس هي في جملتها -في اعتقادي الشخصي- خطأها أكبر من صوابها. المقولة بتنسب لشيخ محمد عبده، إنه لما سافر أوروبا قال المقولة الشهيرة جدا: «وجدت إسلاماً ولم أجد مسلمين، ولما عدت فوجدت مسلمين ولم أجد إسلاماً». المقولة دي خطيرة جداً جداً جداً؛ ليه؟ لأن هي ما زالت حاكمة على عقل الناس، حتى إن أنا بقول إيه؟ الأوروبيين، لا، ده الأوروبيين بيطبقوا الإسلام أحسن من المسلمين.

هنا بقى سؤال يا إخوانا، في فرق كبير جداً -وده جزء من هدف أصلاً البرنامج ده إنه تصحيح المفاهيم- في فرق بين إن أنا أسمى الأشياء بمسمياتها، وفي فرق بين إن أنا أخلط حاجة واحدة بحاجتين وأسميهم اسم واحد. في فرق بين إن حاجة أسميها العدل، والعدل في الإسلام نظام، والاسلام دي قيم. يعني أنا لما أقول قاضي عادل، قاضي عادل يعني بيجيب اثنين؛ واحد ظالم وواحد مظلوم، طبقاً لقانون ما أو قاعدة أخلاقية ما، بيقول والله ده ظالم وده مظلوم، خلاص ده رجل عادل. هل القيمة دي مرادة من صاحب الشريعة؟ يعني رب العزة يحب ده؟ أه، ده أحب لله عز وجل العدل، لكن هل ده بيصير هم مسلمين أو اللي عملوه عدل أو اللي عملوه إسلام؟ لا، ليه؟ لأنه ممكن يكون العدل اللي هو عمله ده عدل عنده بس مش عند صاحب الشريعة.

بمعنى، لما أنا أقول إن الأوروبيين عندهم أخلاق وعندهم نظافة، أنا أقدر أقول إن القيم دي قيم محببة أو بيحبها صاحب الشريعة، لكن ما أقدرش أقول إن القيم دي هي الإسلام نفسه. ليه؟ لأن إحنا دايماً بنقول إن الإسلام حزمة أو شعب، أجزاء في جزء، لو مش موجود كل الشعب دي مابقاش موجود، كأنها مش موجودة أو مالهاش قيمة. إزاي مالهاش قيمة جوه الإسلام؟ وإلا ليها قيمة دنيوية تبقى محمودة دنيوياً وليها آثارها والإنسان يجني ثمرتها، اللي هو إيه؟ شعبه: «لا إله إلا الله محمد رسول الله». كلمة توحيد هي دي الإسلام، وبعده شعب الإسلام، يعني دي ركن الإيمان الأول وبعد كده يجي باقي الشعب. أي حاجة تانية لو لقيتها موجودة من الشعب ومش موجودة «لا إله إلا الله محمد رسول الله»، يبقى أنا اللي شفته ده عمل من أعمال البر، عادل وسميته باسمه، يعني لو لقيت واحد عادل أقول إن ده عادل، لو لقيت واحد كريم أقول إن ده كريم، لكن ما أقولش إن اللي بيعمله هو الإسلام.

الإسلام هو إن يشهد «لا إله إلا الله محمد رسول الله» ثم يأتي بجميع الأفعال طبقاً لـ «محمد رسول الله». لو هو بيعمل شعبة من شعب الإيمان من غير «لا إله إلا الله محمد رسول الله»، يبقى هو راجل بيعمل حاجة كويسة، حاجة من أعمال البر، بس مش ده الإسلام. ليه؟ لأن لما المفهوم ده بيترسخ، مفهوم إن اللي هم عليه هو الإسلام، اللي هو مفهوم التقدم، مفهوم النظافة، مفهوم النظام، مفهوم العدل، وإحنا بنقول إنه منظم وعادل وكل حاجة طبقاً لمفهومه بس، ما نقولش إن هو ده الإسلام. فهو لما أنت بتضع مفهوم الإسلام محل الأشياء، ده فيه خلط، فأنت كده هتدعي اليابانيين لإيه؟ يعني إحنا واجبنا ناحية اليابانيين إيه؟ في ناس بيقولوا إن إحنا مش ممكن كمسلمين ندعو اليابانيين إلا لو عملنا روبوت أو عملنا قمر صناعي أو عملنا مكوك فضائي، طب ده معناه إيه؟ ده معناه إن الصحابة مش ممكن كانوا يدعوا لا فارس ولا الروم عشان الفارق الحضاري، ولا الصين ولا الهند، دي حضارات.

ضخمة جدا، المفروض أن أنت بتدعو ليه؟ الياباني والصيني والهندي وكل الناس اللي موجودة على الأرض اللي ليها حضارات، بالمعنى اللي إحنا قلناه؛ حضارة يعني منتج حاضر أمام الناس، تقني، يأخذ حكم السلب أو الإيجاب، يا إما كويس يا إما وحش. هنشوف بقى طبقاً لقيم السماء وقيم الإنسان في النموذج ده، إني لما أقيم النموذج ده أشوفه بيراعي ده ولا لا، بيراعي ده ولا لا.

عشان كده لما أجي أنا أدعوه، هدعي لإيه؟ أنا عايز أروح اليابان أكلمهم في إيه؟ أكلمهم في الإسلام، الإسلام اللي هو إيه؟ مش اللي هم بيعملوه. واحد يقول لك أنت قادر تعمل اللي هم بيعملوه، يا سيدي أنا ما... إحنا قلنا من الأول الصلاحية والفاعلية. أنا بدعو لشيء صالح في ذاته هو وظيفته على هذه الأرض، مش إن هو يعمل المكوك ده، مش بقول له ما تعملوش، أنا بقول له اعمل المطلوب منك الأول.

زي مثال المستشفى اللي إحنا ضربناه الأول؛ إن هو واحد عمل كل حاجة وما عملش الخدمة الطبية، يبقى كل اللي عمله صفر. لو عمل الخدمة الطبية بكفاءة وكان في نقص في الأدوات يمكن جبرها، يعني ممكن أحسن الأدوات، أجيب جهاز أكثر دقة، لكن القيمة الطبية هي الحاكم. نفس الحكاية لما أنا بجي عايز أدعو العالم للإسلام، يبقى أنا بدعوهم لإيه؟ بدعوهم لـ ﴿لَا إِلٰهَ إِلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾، ده الأول ولو دعتهم لدي فهي الأساسية، بعد كده بدعوهم بقى الإيمان بالكتب والرسل واليوم الآخر، كل شيء.

بعد كده اللي يدخل فيها إكرام الجار وحسن المعاملة والصدق وعدم الكذب، عمارة الأرض طبقاً لمراد صاحب الشريعة أو طبقاً لقيم الإسلام، هو ده بقى المدار بتاع التقدم بالمعنى؛ التقدم ناحية قيام الإسلام، التقدم ناحية مراد الله عز وجل من الناس. الناس مين؟ كل الناس داخل فيهم، الياباني، والصيني، والهنود بحضارتهم، بطائراتهم، بروبوتاتهم، كل ده داخل معانا. خلاص لو هو افتقد الجزء الأولاني يبقى هو اللي عليه مش الإسلام.

زي ما في حديث عمرو بن العاص لما جه يصف الروم، قال إنه أسرعهم إفاقة بعد مصيبة، وأسرعهم كره بعد فورة، وخيرهم يتيم ومسكين، وأمنعهم من ظلم الملوك. وصفهم بكل ده، وده مش يعني مش ده الإسلام ليه؟ لأن ده متخلف عنه، ما تقالتش "لا إله إلا الله محمد رسول الله".

طيب إيه المطلوب بقى إن إحنا نعمل إيه؟ إن أنت الأول كمسلم تلتزم بمفهوم القيمي بتاع «لا إله إلا الله محمد رسول الله»، لأن أنت ممكن توفر على نفسك مجهود كبير جداً، زي اللي حصل مع المسلمين زمان في دعوة المغول. المغول كقوة عسكرية ضخمة جداً، طب إيه نعمل إيه؟ نبقى أقوى منهم عشان ندعوهم؟ طب هم مستعمرين العالم الإسلامي! الغريب أن العالم الإسلامي في حالة الاستضعاف والهزيمة العسكرية دي، خلاهم يسلموا وكل القوة دي تدخل جوه منظومة الإسلام ويكملوا نفس المجهود العسكري وهم مسلمين.

أرجو أن يكون المفهوم بتاع التقدم، الحضارة والتخلف، واضح في أذهان المشاهدين. شكراً لكم، نلتقي الحلقة القادمة إن شاء الله. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.