دخولتسجيل الدخول

بره الصندوق | بين الفكر والواقع (1)

أيمن عبد الرحيمالمهندس أيمن عبد الرحيم
  • مدة الدرس:
  • قراءة

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، والصلاة والسلام على خير معلم ناس الخير محمد، وبعد.

مرحبا بكم في أولى حلقات برنامج "برا الصندوق". في كثير من الناس بيعتبروا أن النشاط الفكري أو البرامج الثقافية أو الفكرية بشكل عام هي نوع من الترفيه، وخاصة في المجتمعات اللي شبه المجتمع المصري؛ دايما الناس بتقول: "إحنا لو عايزين نتكلم في شيء مفيد، نتكلم في شيء يا إما سياسي، إما شيء يمت للواقع، أو حتى عمل تنموي أو عمل إخباري". المشكلة أن تقدير الناس للعمل الفكري بيظن أنه شيء، والواقع أو السلوك العملي شيء ثانٍ خالص.

في مؤلف اسمه جارد دايموند، عمل كتاب اسمه "الانهيار"، سماه كده بعنوان فرعي: "لماذا تنهار المجتمعات المعقدة". الرجل بحث حتى في مجتمعات تاريخية؛ حضارات، أمم، شعوب؛ زي حضارة الصين مثلاً، وحضارات أخرى، وحتى الحضارة الإسلامية في آخر شكل لها "السلطنة العثمانية". فوجئ أن معظم أسباب الانهيار أو اختفاء الحضارات حتى في التاريخ القديم ممكن تكون الأسباب متعلقة بطريقة تفكير المجتمعات دي، مش بشيء عملي اتعمل في الواقع؛ لا، هو طريقة تفكير أدت بعد كده للانهيار اللي حصل في الواقع نفسه.

في مثال كان درسه فريق مشتغل بالأبحاث الإدارية، فريق ياباني جاب فريقين، الفريق الأول 10 أشخاص، والفريق الثاني 10 أشخاص، والاثنين مطلوب منهم يعملوا مشروع. المشروع عبارة عن 100 ساعة شغل؛ دايما المشروعات بتقدر بعدد الساعات، يعني بنحسب عدد الأفراد اللي شغالين في المشروع، كل فرد اشتغل كم ساعة، نجمع المجموع كله، نقول المشروع ده مثلاً 300 ساعة، 40000 ساعة.

للتطبيق المثالي، المشروع 100 ساعة، قسموا فريقين؛ الفريق "أ" والفريق "ب". الفريق "أ" متاح ليه 100 ساعة زي الثاني، بس ليه خمس ساعات بس من أصل الـ 100 ساعة يفكر في المشروع ويخطط له، ثم يُجبر أنه بعد الخمس ساعات على طول يبدأ يشتغل. الفريق الثاني بنفس العدد، بنفس الكفاءات برضه، 100 ساعة، متاح ليه 20 ساعة تخطيط أو تفكير، يعني باللغة الواقعية أو العملية متأخر عن الفريق الأول 15 ساعة شغل. كل ما التجربة دي تعاد بتطلع النتيجة دي: أن الفريق اللي خد 20 ساعة تفكير وتخطيط بس من غير شغل، خلص المهمة بكفاءة أعلى وفي وقت أقل وأحسن من الفريق الأول.

لو ادينا لحد قطعة قماش وقلنا له قص، لو أدينا له ثلاث دقائق، وقلنا له فكر لثلاث دقائق وقص، وواحد تاني قلنا له خد نص ساعة تفكير وساعة تفكير وبعد كده قص، هنلاقي برضه أن اللي خد وقت أكتر في التفكير هيطلع منتج أحسن وبأخطاء أقل. دي الفكرة العامة اللي من ورائها دايما أي طرح ثقافي أو فكري؛ هي مش مجرد تعالٍ عن الواقع، أو زي ما الناس دايما يسموا أي حد مشتغل بعمل فكري أو ثقافي يقول: "ده راجل قاعد في برج عاج"، غير مهتم بقضايا الناس. الموضوع على العكس، من باب الاهتمام الشديد بواقع الناس، عايزين نرجع شوية نتأمل أو ننظر في الجانب الفكري اللي بيؤدي للمشاكل اللي في دنيا الواقع.

في سنة 1974، الأستاذ هيلبرت شيلر، وهو أستاذ مادة وسائل الاتصال في جامعة كاليفورنيا، طبع كتاباً، طبع الأول بالإنجليزية كان اسمه "The Mass Media and Society" أو "المتلاعبون بالعقول"، طبع بعد كده بعد النسخة الإنجليزية بفترة طويلة ترجم إلى العربية، ترجمته على معرفة الكويت، ترجمة الأستاذ عبد السلام رضوان. الهدف من ترجمة الكتاب هو إلقاء الضوء على من الذي يقوم بصناعة الوعي داخل المجتمع الأمريكي.

بعض المراقبين يقول: "طب إحنا غير مهتمين، كتاب قديم يعني 1974 ده خلاص حصل طفرة حتى في وسائل الإعلام، ليه إحنا كعرب أو كمسلمين ممكن نهتم بكتاب صدر في أمريكا ويتناول وسائل الإعلام وآثارها في تضليل أو توجيه المجتمع الأمريكي؟". عندي ملاحظتين على السؤال. أولاً: أن أمريكا هي أقوى دولة من ناحية هيمنة وسائل الإعلام على الحالة العامة، على المجتمع، على صناعة الأفكار؛ فدراسة نموذج بالقوة دي ممكن تخلينا نفهم أي نموذج تاني أكيد سيكون أبسط منه وأقل تعقيداً.

ثانياً: أن أمريكا بتقوم بدور المصدر لكل حاجة، بما فيها الثقافة، أو وسائل الإعلام، أو حتى الفلسفة الإعلامية، أو تقنية الصورة والمعلومات؛ فالثقافة التي بدأت في أمريكا، الثقافة الإعلامية، تم تصديرها بعد ذلك للعالم كله، بما فيها طبعاً العالم العربي والإسلامي. فكأننا وإحنا بندرس مجموعة من القضايا التي طرحها المؤلف في الكتاب، كأننا بندرس حاجة أُصدرت لنا من أكثر من 30 سنة.

السؤال الذي كان يُطرح بشكل أساسي في الكتاب يقول: إحنا دلوقتي عايشين في واقع -ويقصد المجتمع الأمريكي والعالم بالتبعية- في عالم اللي بيتحكم في تقنيات الصورة والمعلومات، نقدر نقول إنه بيتحكم في صناعة العقول والوعي، مش لفرد واحد ولا اتنين، لا، للمجتمع كله. فاللي يقدر يسيطر على الإعلام، أو بشكل سابق على الإعلام، الصورة والمعلومات، نقدر نقول إنه تقريباً هو الموجه الأساسي للمجتمع. التوجيه ده ممكن يكون سلبياً وممكن يكون إيجابياً.

الرجل بيحاول يدرس ده من خلال قوله إنه عشان حد يعمل مجهود بالضخامة دي، يشوف الوسائل من صور ومعلومات، جرايد ومجلات، ووكالات، وكتب، ودور نشر، ودور ترجمة؛ كل ده، فهو عايز يقول إن ده أكبر من طاقة فرد، حتى لو هو أستاذ أو متخصص في الإعلام. هو هياخد أمثلة، هاخد أمثلة بس، هو عمل كده كإضاءة على المساحة التي ممكن بعد كده حد غيره يشتغل عليها، أو من باب أن هذه هي الدراسة التي اشتغلها على ثلاثة موضوعات أو أربعة موضوعات بالخطورة التي اشتغل عليها.

الرجل أولاً بيسأل سؤالاً مهماً جداً: أنا كحكومة، التضليل الإعلامي ده معناه في مجتمع حر زي أمريكا -مجتمع هو نفسه لو سألنا أي حد في المجتمع الأمريكي بيقول إحنا مجتمع حر، مجتمع ديمقراطي- إيه اللي يخلي الحكومات في أمريكا وفي غيرها تلجأ إلى التضليل ما دام تقدر تمارس القمع؟

أنا ليه أحاول أقنعك أو أضحك عليك ما دام أنا أقدر أقمع قمعًا مباشرًا؟ فليه تتحرك من البديل بتاع القمع ده؟ خيار سهل وأبسط بكثير من التضليل. ليه التضليل وهو عملية معقدة عايزة وسائل وعايزة دراسة وعايزة علوم متخصصين وحتى مصاريف؟

الرجل بيقول إن الصورتين دول كأنهم بيجوا ورا بعض؛ أي حكومة في العالم في التاريخ، أولاً، بتلجأ للقمع المباشر، لو قدرت توصل للنتيجة اللي هي التحكم في الجماهير عن طريق القمع المباشر خلاص ما بتلجأ للتضليل، لأن أنا مش محتاج إني أحاول ألف من ناحية أو كده ما دام أقدر بشكل مباشر أجبرك إن أنت تعمل اللي أنا عايزه.

لما هو بينقل عن باولو فريري، وهو أستاذ تربية برازيلي مشهور جداً، ليه كتاب اسمه «تعليم المقهورين»، الرجل بيقول إن الحكومات أول ما بتفهم أو تدرك إن المجتمعات تقدر تغير من واقعها أو تعترض على الواقع بتاعها بعدد معين في كتلة حرجة من المجتمع عندها وعي بالدور القمعي اللي كانت بتمارس الحكومة عليه، فتنتقل مباشرة، مش بتبطل قمع، لا، بتخفف جانب القمع المباشر وتنتقل لمرحلة تانية وهي التضليل الإعلامي.

بيقول: أنا مش قادر أخليك تعمل اللي أنا عايزه بالقوة الجبرية أو القوة المباشرة، فأنا بلجأ إن أنا أخليك تعمل اللي أنا عايزه بس عن طريق الاقتناع، أنت تعمله وأنت مقتنع. خطورة التضليل الإعلامي أننا رجعنا للصورة الأولى، يعني هي صورة من صور القمع عنده لكن بصورة وعي؛ أنا هعمل اللي كنت هعمله وأنا تحت القمع، ولما تسألني أنت بتعمل كده؟ أقول لك: لا، ده اختياري الشخصي وأنا حر، وأنا عملته بإرادتي الحرة بدون أي ضغوط.

فهو بيقول إن الخطورة أننا بنعمل مجتمع من العبيد، ولكن هذا المجتمع من العبيد يزعم لنفسه أنه مجتمع حر. هو بيقول في مجتمع زي أمريكا، إيه اللي يخلي الناس -ما دام في مساحة معينة من الحرية والمعرفة- ما تدرك ده؟ الغريبة هي أنها تدرك أن وسائل الإعلام بالذات تمارس دوراً كبيراً جداً إما في تضليل الوعي أو صناعته، طب ليه الناس ما بتعترض على ده؟

بيقول إن المجتمع بيتم إيهامه، جميع أفراد المجتمع أن أنت حالياً في دور المتفرج أو دور المتأثر أو دور الممارس عليه التوجيه أو التضليل، بينما أنت ممكن بجهدك الشخصي تشتغل كويس وتشتغل بقوة وتنتقل لمرحلة صانع القرار؛ فانت عندك الفرصة دي، فليه ما نحافظ على الوضع زي ما هو؟ في ناس بتصنع الوعي وفي ناس بيصنع وعيها، أنت ممكن بشطارتك وشغلك الشخصي وزيادة المعرفة والدخول في المنظومة تتحول لصانع القرار، فانت عندك فرصة إن أنت تبقى قمعاً مش مقموماً، فلا تبوظ المنظومة، حاول بس تتكيف مع منظومة القهر أو التضليل دي.

التضليل الإعلامي حاجة بسيطة ناعمة، مش قمع خشن عنيف، لا، ده شيء طبيعي، نحن الاثنين سنتفق أن أنا أضللك وأنت تُضلل، والاثنين سنكون مبسوطين كما نحن. هو بيقول إن المجتمع أدرك أن دي لعبة، وأن أدوارنا هذه ممكن أن تلف؛ يعني أنا بدل ما أكون خاضعاً للإعلام، أنا ممكن أبقى اللي بيصنع الإعلام، فخلينا زي ما إحنا.

هذه أول ملاحظة، هو يلاحظ على اثنين؛ يقول إن أحياناً السياسة الإعلامية بشكل عام ممكن تمارس تضليل أو توجيه أو صناعة للوعي بشكل كامل، وبشكل خفي جداً لدرجة أن قطاعاً كبيراً يكون واعياً، خلاص الرجل واعي أن في عملية تضليل مستمرة بتحصل وهو عنده أمل يتحول في يوم من الأيام لممارس لهذا التضليل.

المجموعة الثانية، وهذا عجب كبير جداً، بل القطاع الأكبر من المجتمع، لدرجة أن أحد السيناتورات في الكونجرس في أمريكا كان بيقول: نحن أكبر شعب في التاريخ، حضارة وتقنية كبيرة، يكون وعي الجماهير متدنياً بالشكل ده! وهذه حاجة على عكس ما هو متعارف عليه عن المجتمع الأمريكي؛ أمريكا دولة قوية لكن المجتمع ثقافته هشة جداً، أو يمكن التلاعب بثقافته بشكل دائم.

الرجل بيقول إن الممارسة دي ممكن تكون ناعمة جداً لدرجة أنك ما تحسها، ويضرب المثال الأول بما يسميه «تبييه الأساطير الخمسة» في أركان الإعلام، يمارسها بشكل فج جداً والناس عارفة إن ده بيتمارس بس مش عارفة خطورته. الأساطير الخمسة التي يبثها الإعلام في أمريكا، منها الأسطورة الأولى: «الفردانية»، أنت فرد مش مجتمع. كسياسة إعلامية بشكل عام، الهدف الأساسي منها أن أحافظ على الوضع الذي نحن فيه.

اللعبة هي أن هناك تفاوت في الأجور مهول جداً، وتفاوت في الثراء مهول جداً في المجتمع الأمريكي، والمجتمع عارف كده. طيب إيه اللي يحول دون أن قطاع كبير جداً من الناس المتضررة أو الفقيرة، في مقابل الناس الأغنياء جداً -يعني في فرق مهول بين واحد ملياردير وواحد يأكل من الزبالة- إيه اللي يخلي اللي يأكل من الزبالة ده ما يعملش ثورة أو يعترض على النظام ده أو يحاول يغيره؟

الأسطورة الأولى هي الفردانية؛ أنك فرد في كل شيء، لازم يكون عندك بيت لوحدك، لازم يكون لك عربية لوحدك، لازم يكون لك موبايل لوحدك، لازم يكون كل شيء لوحدك. هذه أسطورة يجب على الإعلام أن يكرسها، وكأنه يفصل الناس عن الأسرة أو من أي صورة من صور التجمع ولو صغيرة، حتى الأسرة نفسها؛ أنت لست فرداً في أسرة، أنت فرد نقطة فرض.

وهناك الأسطورة الثانية: «وسائل الإعلام والمؤسسات حيادية»، يعني خلاص نحن الآن عندنا إعلام، وهذا الإعلام ليس ملكاً لأحد، بل هو محايد، مثل السلطة الثالثة التي هي الحكومة والقضاء والصحافة؛ الإعلام شيء محايد. طيب، إيه اللي يخلي الإعلام كله يكذب؟

الحيادية دي أسطورة بيؤسس ليها جوه الإعلام. مصلحته إيه؟ أنا راجل بتاع أخبار، قناة إخبارية أو مجلة أو مجلة علمية، إيه اللي يخليني أمارس نوع من التضليل؟ أنا راجل حيادي.

الأسطورة الثانية، والأسطورة الثالثة: طبيعة ثبات الطبيعة الإنسانية. الوضع اللي إحنا فيه ده مش وضع بسبب إننا مارسنا شيء معين فطلع المجتمع ليه وضع اقتصادي معين أو اجتماعي معين؛ في فقراء وفي أغنياء، مش إحنا اللي عملنا ده، مش إحنا اللي عملنا الواقع ده. حتى التفاوت الموجود جداً ما بين الأغنياء بشكل فج والفقراء بشكل فج برضه، لا، ده طبيعة الأشياء؛ الطبيعة كده، زي ما في واحد طويل وفي واحد قصير، في واحد غني جداً وفي واحد فقير جداً، دي طبيعة، دي من الثوابت الطبيعية مش نتاج إحنا عملناه.

فأنا لما كمواطن، واحد يقول له: "طب أنت راجل فقير قوي ليه ما بتعترضش؟"، يقول لك: "والله إحنا مجتمع حر ودي طبيعة الأشياء، في ناس غنية جداً وفي ناس فقيرة جداً، في ناس ذكية جداً وفي ناس أغبياء، دي حظوظ، ده جزء من الطبيعة مش واقع إحنا اللي صنعناه".

الأسطورة الثالثة: أهم حاجة إن ما فيش صراع. أمريكا ده مجتمع ما فيهوش صراع؛ يعني إيه ما فيهوش صراع؟ يعني مش ممكن نعترض على النظام الموجود أو نغيره أو نسأل هو مين اللي حطه وحطه ليه ومن المستفيد منه؟ لا ما فيش صراع، إحنا مجتمع حر، ودي دايماً الكلمة. أي حد في صانع قرار سياسي، أي حد جوه اللعبة في المجتمع الأمريكي، أول كلمة تيجي على لسانه لازم يقول: "إحنا مجتمع حر، إحنا مجتمع ديمقراطي". يعني المجتمع الحر ده يعني ما يحصلش فيه مشاكل، ما يحصلش فيه اتهام للحكومة بأنها ممكن تكون بتبدد فلوس الشعب أو بتدخله في حروب مالهاش لازمة، ممكن نتصارع على السلطة، يقول لك: "لا، إحنا مجتمع ديمقراطي، ليه نتصارع على السلطة؟ إحنا مجتمع ديمقراطي فسطوري".

مجتمع اللا صراع ده، أو المجتمع الهادي دايماً ما فيهوش مشاكل، دي أسطورة من الأساطير اللي بيؤسس لها الإعلام، يعني مجتمع ما يقومش فيه ثورة مثلاً، برغم إن طبعاً التاريخ المعاصر بتاع أمريكا، سواء حركة الحقوق المدنية للسود، سواء الحركات الطلابية في الستينات المعترضة على حرب فيتنام، كتير جداً من موجات الغضب والاعتراض المجتمعي على قرارات سياسية أو قرارات اقتصادية ممكن تحمل بذرة تغيير نظام في أمريكا، لكن الإعلام -وده جزء من قوة الإعلام المهولة جداً في ضبط الواقع والحفاظ عليه زي ما هو- يقول إن ده مجتمعنا، مش زي مجتمعات تانية، لكن مجتمعنا ما فيهوش صراع، خلاص دي أسطورة.

وهنشوف دي موجودة فين، هو ضرب مثالين في غاية الغرابة: بمجلة ناشيونال جيوغرافيك، وعالم والت ديزني كرتون؛ إن الأسطورة بتاعة الصراع دي داخلة حتى في ده، في الكرتون وفي الجغرافيا. هنشوف مثال غريب جداً من أهم الأمثلة اللي جابها الدكتور هيلتر شيلر في الكتاب "التعددية الإعلامية"، هو دي الأسطورة الخامسة.

هو بيقول دول الأساطير اللي بعد كده هبينهم عليكم. أي حاجة في الأداء الإعلامي، إحنا دلوقتي أنت بتتهمني أنا شخصياً كقارئ لكتاب، بقول المجتمع الأمريكي ده زي ما هو، هشير بيقول إن في نوع من التضليل الإعلامي الشديد جداً، فهو يقول لك: "إيه الكلام ده؟ طب تضليل إيه ده؟ إحنا عندنا أكتر من 5000 قناة إخبارية، 10000 قناة إخبارية، عندنا كل ولاية فيها أعداد مهولة جداً من الجرائد اليومية، جرايد محلية، أي حد عايز يعمل جرنان اعمل جرنان، عايز تعمل قناة اعمل قناة، عايز تعمل مجلة اعمل مجلة، عايز تطبع كتاب اطبع كتاب، عايز تعمل برنامج اعمل برنامج، طب فين التضليل؟".

فالفكرة شكلها فعلاً منطقي، يعني طب نضلل إيه؟ ده هم الناس باقية كل واحد يعمل قناة في أمريكا، كل واحد يبقى معاه مجلة، كل ده ظاهر. هو الراجل بيقول إيه؟ بيقول أنا لو جيت من مجتمع من المجتمعات طالب بحقه في حرية الأخبار وكده، فإحنا قلنا له: "خلاص، بس إحنا هنسمح بـ 1000 قناة"، فإحنا نقول: "آه خلاص، مادام في 1000 قناة و1000 جرنان يبقى خلاص أكيد إحنا أحرار".

طب افرض الـ 1000 قناة دول كلهم مختصين بالكورة، بالفن، بأي حاجة متعلقة بقطاع التسلية والترفيه أو المتعة، اللي هو هيشير عليه بعد كده، مش حاجة جادة، مش حاجة تعليمية، مش حاجة تحليلية، يبقى هو التعددية دي... لو أنا دخلتك في مكان أنت عايز تاكل عيش، عايز نوع معين من الخبز، دخلتك محل وده موجود كتير جداً في الثقافة الأمريكية، ألاقي 200 نوع من العيش، في الحقيقة أنا مش هختار غير من واحد أو اثنين أو ثلاثة أو خمسة مش أكتر من كده، ده رقم كبير جداً. أنا عايز آكل جبنة، أدخل محل ألاقي فيه يقول لك: "والله إحنا عندنا 150 نوع من الجبنة"، ده هل دي حرية ولا ده نوع من التخيير المحير؟

نفس الحكاية، أنا لما أجيب مثلاً واحد يكون عايش من 50 سنة في مصر، فأقول له: "زمان كان ما فيش قنوات، ما كانش في تلفزيون، لما بقى في تلفزيون كان في قناة واحدة، دلوقتي لو واحد مدش مع 1000 قناة، 1000 قناة دي حرية ولا تضليل؟" واحد يقول لك: "لا والله دي حرية، هو يقدر يتفرج على اللي هو عايزه". طب الـ 1000 خيار المعروضين دول، إيه؟ ممكن يكون 80% أو 90% منهم قطاع الترفيه أو التسلية أو المتعة.

ده واحد: إني أنا ما بديش أي دور، اللي موجود هو اللي بيتعرض عليّ، أنا خلاص اللي معروض أنا هختار حاجة من اللي معروض. اتنين: الكثرة الرهيبة جداً دي، لو أنا تنقلت ما بين القنوات، هم 1000 قناة، كل قناة ثانية ما فيش أي شيء مفيد هنشوفه. بعد كده اللي هو إيه؟ إزاي نحافظ على دور التضليل ده مع وجود الكثرة الرهيبة جداً من وسائل الإعلام أو وسائل الحرية الإعلامية؟

الراجل الأساطير الخمسة دول بيؤسس ليهم لإيه بقى التقنيات؟ أساطير الخمسة دي بتؤسس لإيه في الآخر؟ يعني إيه المطلوب بعد أنا دلوقتي دول الأركان الخمسة للعملية الإعلامية؟ هو الراجل بيقول هم في حاجتين في الآخر بتقول لي كل التقنيات دي: واحد التجزئة، التجزئة إن أنا أقدم لك كمية من المعلومات الجزئية مهولة جداً.

بس أنت ما تقدرش تركب منها أي تفاصيل، بمعنى أنا جئت مثلاً مذيع نشرة أخبار، جئت أنت بتسمع كمشاهد لنشرة أخبار، أنا قلت فيضان في الصين، ثورة في تشيلي، بنزين غلي في أوكرانيا وروسيا، وبعد كده ماتش كورة، وبعد كده أخبار الطقس.

كمية المعلومات دي وأنت قاعد بتبقى حاسس إنك والله قالوا لنا معلومات كتير، المعلومات دي بقى إيه دورها في رفع وعيك أو تفكيرك أو تغيير الواقع؟ هي التجزئة، أن أنا عندي زي قنوات كتيرة جداً، حضرت من هنا دقيقة، ومن هنا دقيقة، وفي الآخر إيه المحصلة؟ ما فيش فكرة جديدة اتكونت في دماغي، أو ما فيش وعي اتغير من ناحية الواقع اللي أنا عايش فيه.

هذا هو أول شيء، التجزئة. الثاني هو الفورية، أن أنا بتعامل مع الأخبار أو المعلومات بمبدأ هو اللي هيحكم كل سلوك الصانع للإعلام والمتلقي الذي هو أنا المشاهد؛ أن كل خبر لازم تجيبه لي طازة. يعني إيه؟ أنا ممكن أقطع حاجة وأقول لك عاجل حصل كذا وكذا، شريط الأخبار "تك تك تك"، فده برضه شعور بيديني إحساس بأن والله أنا بعرف كل حاجة بتحصل في العالم كله دلوقتي.

طيب، السؤال لو أنا قلت لك أي خبر وأنت عرفت إنه حصل دلوقتي، بعد ربع ساعة الخبر اللي كان طازة في وقتها الفوري، اللي هو السبق الصحفي أو السبق الإعلامي، ده بقى خلاص قديم والجديد؟ طب القديم ده إحنا ما حللنا؟ يعني حصل ثورة في مكان، حصل اعتراض، حصل إضراب، حصلت كارثة طبيعية، حصلت كارثة قطر، حصل أي حاجة؛ إحنا هنرجع للأخبار القديمة؟ لا خلاص، دي بقت قديمة.

طيب إحنا شغالين بإيه دلوقتي؟ الجديد، ودي أكبر من أكبر كوارث الإنترنت وحتى وسائل التواصل الاجتماعي، أن أي حاجة بعد عشر دقائق خلاص، بعد خمس دقائق خلاص، إحنا العالم كله بيبقى بيتكلم في حاجة تانية. حتى طبيعة حاجة زي تويتر مثلاً، إن هو مجرد ١٤٠ حرفاً، أنت بتقول حاجة وراحت بعد ساعة من دلوقتي العالم كله بيتكلم في حاجة تانية. هذا ما يؤسس لأي حاجة، عشان كده دايماً بيقولوا من أكبر أخطار التلفزيون أو وسائل الإعلام بشكل عام، وبالذات على الأطفال، أن هي طريقة العرض بتاعتها، اللي هو كادرات الصور، أسرع بكتير من قدرة معالجة الأطفال على المعلومات، فهو ما بيعالج حاجة، بيقعد سلبي كده؛ يعني بتجيله كمية معلومات كتيرة جداً فورية وما بيعملش بيها أي حاجة بعد كده. فيقوم إيه اللي اكتسبه؟ ما فيش مهارات ذهنية ولا حاجة.

فده طبعاً على الكبار والبالغين بالشكل المعلوماتي اللي هو التجزئة والفورية، كل حاجة على طول حديثة. بعد الحديثة، بعد ساعة خلاص أنا نسيت كل اللي اتقال لأن أنا أشبعت رغبتي المعرفية لحظة بلحظة، بس ما كونش منها أي حاجة بعد كده، ما فيش فكرة عامة.

المنتج النهائي من التجزئة والفورية ده بيطلع لي إيه؟ بيطلع لي في الآخر اللي هو إيه الهدف الأسمى لوسائل الإعلام؟ أنا قاعد بتلقى معلومات، طيب هعمل حاجة؟ يعني بعد ما أتلقى المعلومات دي هتحرك بيها؟ لا، هو ده الهدف الأسمى؟ أن "خليك معانا، خليك معانا" لغاية إمتى؟ يعني أنت لو قاعد قدام قناة متخصصة مثلاً في الكورة في الرياضة، لو قعدت ٢٤ ساعة هتقفل؟ لا. طيب لو طفل جبت له قناة فيها كرتون، لو طفل قعد ١٠ ساعات بيتفرج هو مستمتع؟ أه، استفاد حاجة؟ لا، هو ممكن يكون استفاد حاجة سلبية، يعني اكتسب عادات سلبية أو معلومات سلبية أو تشكل وعيه بشكل سلبي، هذا لسه هنشوفه.

لكن القصد إيه؟ اللي هو إيه المواطن السلبي، أو "الكنبة"، أن هو قاعد طول الوقت ما بيعملش حاجة غير إنه بيستقبل حاجة. افرض أنا قدرت أبث معلومات أو أي شيء، معلومة فنية أو دينية لمدة ٢٤ ساعة، إيه اللي هضمنه؟ هضمن عدد مهول جداً من المجتمع، تم تحويله إلى "كنبة"، أنت بتتلقى بس، مش مهم المهم أنت تم إيقافك عن العمل.

نرجع لفكرة في الأول قلناها، نضرب عليها مثالين عشان بس الناس تستوعب إيه فكرة الإعلام، وإيه دوره ممكن يكون على الوعي، اللي هو فكرة انهيار المجتمعات المعقدة التي كنا قد تكلمنا عنها. المجتمع المعقد، الذي هو حضارة، مش مجتمع بدائي، مجتمع حضارة كبيرة، إيه اللي ممكن يخليه ينهار أو يفسد حياته كلها؟ عن طريق مجرد الوعي.

أولاً، لما نحن نقول كلمة وعي، إحنا بنقصد بها معرفة معها رغبة في التغيير، معرفة يصحبها إرادة للتغيير، هذا هو الوعي. لو أنت عندك وعي مشوه، يبقى عندك معرفة وإرادة في التغيير بس باتجاه الغلط، فأنت بتبقى بتغير اتجاه هادم، أنت بتهدم ما بتبني. أو ما عندكش وعي أصلاً، ممكن يكون عندك معرفة بس؛ إحنا دايماً بنقول إن الإعلام ممكن يديك معلومات، والمعلومات مش مفيدة في حد ذاتها. افرض أنا رفعت كم المعلومات اللي عندك من ١٠٠٠ معلومة لـ ١٠٠,٠٠٠ معلومة زي مسابقات المعلومات، مين عمل إيه سنة كام، عرفت إيه؟ المطلوب يعني إيه المعرفة، وإيه الوعي اللي ممكن يتشكل عن طريق المعلومة دي؟ ما فيش حاجة، عشان كده إحنا بنقول أي معرفة ما تحولش لوعي، وعي إيجابي، يعني معرفة ومعها إرادة للتغيير، يبقى ده مش مفيد أو قد يكون وعياً مضللاً.

تمام، الأمثلة بتاعة انهيار المجتمعات، هنضرب مثال أو مثالين. فكرة أن مجرد فكرة في ذهن الأفراد أو المجتمعات ممكن تخليه ينهار وهو قاعد ساكت، يعني ما بيعملش أي حاجة، بسبب عنده خلل بس في الوعي. مثالين أخطر من بعض جابهم جارد دايموند في كتاب "الانهيار"، كتاب الانهيار: كيف تتخذ المجتمعات قرارات كارثية؟ بيقول إيه، سمى حاجة فيهم "عقدة السد"، بيقول أنا لو جبت مجتمع قرية ساكنة جنب سد، السد ده لو سألت أي حد بعيد عن السد بـ ١٠ أو ٢٠ كيلو: "هل السد ده احتمال ينهار؟" يقول لي: "أه"، ولو انهار هيحصل إيه؟ يقول لك: "أه، بيوتنا تتدمر وحياتنا هتبوظ"، ده اللي بعيد عن السد.

تمام، اللي قريب من السد، اللي تحت السد على طول، أقوله ممكن السد ينهار، يقول لي لا طبعًا مش ممكن ينهار بصدق. لو السد ده انهار هو هيحصل إيه؟ هو هيموت، فإيه المشكلة هنا؟ هي دي فكرة واحدة في دماغه، زي الفريق بتاع الإدارة اللي إحنا ضربنا بيه المثال الأول، اللي هو خمس ساعات أو عشرين ساعة، ده مجرد فكرة، ما فكرش تفكير تاني، ما فكرش تفكير كافي، لا ده بيفكر تفكير مغلوط.

دي حاجة معرفية لو هي موجودة عنده هتغير له وعيه، إن اللي هو بيعمله ده حاجة بيسموها «عقدة السد»، اللي هو إيه؟ أنا عشان أتعايش أقول لا مش هيحصل. سنة 1927 كان رئيس أمريكا نفسه بيقول: إحنا يا إخوانا دلوقتي من نجاح إلى نجاح، والمجتمع بتاعنا مش بيخطو خطوات ناحية التقدم، إحنا بنخطف قفزات مباشرة قفزات مش خطوات. ده في أمريكا سنة 1927، وفي سنة 1929 بدأ الكساد الكبير، الناس كانت بتنتحر عشان مش لاقية شغل، مش قادرة تصرف على نفسها، مش قادرة تصرف على أولادها. سنتين بس، سنتين بس، طيب ده إيه اللي حاصل؟ ده «عقدة السد».

أشبه بـ«عقدة السد»، الناس كلها، في ناس كتير متخصصين اقتصاد، في ناس فلاسفة، في ناس بتوع علم اجتماع، يقولوا له: يا إخوانا إحنا ممكن على الأقل في اثنين سيناريو، ممكن إحنا نتقدم زي ما بيقول أو نقفز ناحية التقدم زي ما بيقول الرئيس الأمريكي، أو الناحية الثانية إن ممكن يحصل لنا مشكلة. لا، هو الكلام كله على إن إحنا رايحين من تقدم إلى تقدم، طيب الطريقة بتاعة التفكير دي هي «عقدة السد». وده المجتمع فين؟ أمريكا، دي مضرب مثل لغاية دلوقتي. الأزمة بتاعة 2008 لما حصلت الأزمة المالية بتاعة أمريكا، كان كل الناس، برضه أساس الاقتصاد، يقولوا لهم يا إخوانا أنتوا كده كساح كبير مرة أخرى، يعني حتى بيفكروا بـ 29، 30، 31، استمرت فترة الأزمة الاقتصادية، أزمة طاحنة سموها الكساد الكبير في أمريكا، دي «عقدة السد». إحنا لا، مش هيحصل حاجة، السد ممكن يقع؟ لا، الاقتصاد ممكن يقع؟ لا، إحنا ممكن نروح في داهية؟ لا.

تمام، دي أول فكرة من الأفكار اللي هو عرضها، إن مجتمع معقد جدًا ياخد قرار بالطريقة دي. نموذج تاني ضربه هو السلوك غير المنطقي، أو أحياناً بيسموه «معضلة المشاع»، السلوك المنطقي هنا مش بالمعنى الحسن، هنا بالمعنى الأناني، اللي هي بيسموها «معضلة المشاع» أو «المرفق العام». دي مشكلة إحنا بنعاني منها في الحياة العامة، بس الناس ما تعرفش إن دي حاجة ليها اسم في علم النفس الاجتماعي أو حتى نظرية الألعاب.

بيقول إيه؟ بيقول إحنا دلوقتي لو عندنا مساحة أرض خضرا نزرع فيها حاجة، ناس معاها قطيع أغنام، مجموعة 10 أو 20 واحد، كل واحد معاه قطيع أغنام بيستخدموا الأرض دي، كلهم بيدفعوا فلوس مع بعض عشان يزرعوا الأرض دي ويخلوها تنتج دايماً عشان يرعوا فيها القطعان بتاعتهم، وبعد كده الفائدة تعود على الجميع. لو اكتشف واحد فيهم -وهي دي مشكلة المرفق العام- إن أنا ممكن أدفع فلوس زي زيهم وفي نفس الوقت بدل ما أرعى أغنامي ساعة أو ساعتين، إيه اللي هيحصل؟ ما حدش هياخد باله وأنا هستفيد أكتر.

الغريب إيه؟ لو كل الناس فكرت بنفس الفكرة دي، ده مجتمع معاه مادية، ومعاه ثروة، ومعاه نظام اقتصادي منظم نفسه يعمل حاجة معينة. الفكرة دي لو هو عملها والمجموعة عملتها، هيحصل إيه؟ زي المثال القديم، بيقولوا إن أمير في قرية عايز يتأكد من «معضلة المشاع» دي موجودة عند الناس ولا لأ، لأن دي وعي سلبي لو ساد في المجتمع كله ممكن المجتمع ينهار في لحظة. الأمير عمل إيه؟ قال يا إخوانا مطلوب كده بشكل أمر مباشر: كل الناس تجيب كوباية واحدة من اللبن تحطها في خزان كبير جدًا بالليل، ويجي الصبح نوزع الكمية كلها اللي إحنا خدنا الـ...

واحد أول واحد جتله فكرة: «طب هو الناس كلها هتحط لبن، هي هتفرق معانا أنا؟ أوفر والخير كله هيرجع علينا في الآخر، لكن أنا مش هحط لبن، أنا هحط كوباية مية صغيرة مش هتفرق قوي في كمية لبن كبيرة». ودي «معضلة المرفق العام»، إنها لو واحد بس عملها فعلاً مش هتبقى مشكلة، لكن لو الناس كلها عملتها تبقى كارثة، وعشان كده المجتمع بينهار بسبب الفكرة دي. الراجل عمل إيه؟ عمل كده وهو فاكر نفسه إنه الوحيد اللي عمل كده، الصبح ليه؟ ليه الخزان كله مية؟ لأن الناس كلها فكرت بنفس الطريقة.

إحنا ليه دايماً المرور عندنا رائع في القاهرة؟ بسبب الناس كلها بتفكر بنفس الطريقة: «أقول لك بس أنا الوحيد اللي هاخد، يعني همشي عكس، أنا الوحيد، أنا الوحيد». طب هو في الغالب اللي بيقول أنا الوحيد ده بيطلع مين؟ كلنا، كل الناس بتعمل نفس المشكلة مع بعض. دي فكرة، وهي في وعيه أو ممكن اكتسابها.

إزاي ممكن نكسب الناس دي؟ دي خطورة الإعلام، إن الفكرة مش مزروعة عنده أو أنا أزرعها عنده، زي فكرة الفردية اللي إحنا قلناها في الأول، إن أنا مجتمع كله بخلي يتجه إن هو دايماً... «هيرتش» يقول إن المجتمعات الأولى كانت بتفكر إن هي تشتغل عشان تجيب حاجاتها الأساسية، الإعلام خلاها تفكر تشتغل بأقصى طاقة ليها عشان تجيب الحاجات اللي الشركات أو الإعلام عايزك تشتريها. أنا مثلاً مجتمع زي مصر، مجتمع يعتبر مجتمع فقير، مجتمع نسبة الأمية فيه عالية جداً، مجتمع عنده مشاكل، المجتمع ده لو أنا عايز أوفر له سلع أساسية أوفر له سلعة أساسية، لكن أخليه يجيب سمارت فون بالأعداد المهولة دي، أو عربيات زي مرسيدس أو بي إم دبليو، ده واضح إن الإعلام له دور.

نستكمل بعد الفاصل. أهلاً بكم من جديد. حتى الآن، أولاً فكرة العمل الفكري أو العمل الثقافي، إحنا بنقول مهم جداً في تشكيل عالم الأفكار أو الوعي اللي بيتحرك به الناس، المجتمع كله مش مجرد فرد ولا فردين.

الإعلام بيمثل أكبر قوة حاليا بتشكل وعي الناس. في وقت معين كانت الكتب والكتابة هي الوسيلة، لأنه ما كانش فيه أي وسائل إعلام تانية غير الكتابة والخطابة، لكن حاليا في الوقت اللي إحنا عايشين فيه ده، وسائل الإعلام ليها النصيب الأكبر في تشكيل وعي الناس.

زي ما كنّا بنقول حاجة قبل الفاصل على طول، إن إحنا مجتمع زي المجتمع المصري مثلا، الإعلام بدل فيه، لكن في أمريكا إحنا بنقول إنها مجتمعات رفاه؛ يعني حتى لو أنا بخليه يشتري حاجة لمجرد الاستهلاك أو لمجرد الامتلاك، دي حاجة الإعلام بيشتغل عليها؛ إن أنا عايز أخليك -أنت جبت موبايل- آه طب ممكن تغيره، طب أغيره ليه؟ أنت جبت عربية، طب ممكن تغيرها، طب أنت عندك شقة، طب لما تجيب شقة أوسع. الفكرة إن هي دي حاجة بنسميها قيمة استهلاكية، يعني هي لوحدها مش قيمة بذاتها، أنا مش حاجة ناقصاني، لا، دي مجرد حاجة رفاهية أو تكميلية.

لكن لما ييجي عند مجتمع فقير وأنا أحوله إنه بيشتغل، قام طاقته بعد ما بيحوش يروح جايب موبايل غالي جدا ليه؟ في دول تعتبر من أغنى دول العالم، دولة زي النرويج، دولة بترولية، دولة متقدمة جدا، التعليم فيها ممتاز جدا، كل حاجة عالية جدا، كل ما كان أفراد المجتمع في المعدل العام معاهم جهاز كمبيوتر واحد. بمعنى إنه في مصر ممكن البيت الواحد يكون فيه بعدد الأشخاص أجهزة، في لاب توب وفي بي سي، لكن هو مجتمع محصن ثقافيا، هو مجتمع مثقف جدا وعنده وعي بفكره الإعلام وتشكيل الثقافة، أو على الأقل استيراد النمط الأمريكي في التفكير، سواء في الجرايد أو في الأجهزة الشخصية، ما بيمشيش قوي ورا وسائل الإعلام في صناعة وعيه أو حاجاته.

الإعلام أحيانا بيصنع لي حاجة، وده كل اللي بيشتغلوا في التسويق بيقولوه: "إحنا الجمهور لو ما عندوش الحاجة دي وعايزين نبيع له، أنا أخلق له الحاجة الأول بعد كده أبيعها له، أخلقها له"، يعني هو أنت أصلا ما بتفكرش في ده، لا، أقول لك أهمية الحاجة دي وبعد كده أبيعها لك، سواء دي مضرة أو مفيدة.

النموذجين اللي ضربهم هيلبرت شيلر، ودول يعتبروا مثالين صادمين جدا، هما اللي هنتكلم عنهم دلوقتي: المثال بتاع ناشونال جيوغرافيك أو المجلة القومية للجغرافيا، والنموذج بتاع ولت ديزني. طب أنا دلوقتي الكلام عن وسائل الإعلام ممكن يتصدق، لكن ناشونال جيوغرافيك مجلة جغرافيا، يعني إيه علاقة الجغرافيا بالتضليل الإعلامي؟ وده الغريب. المجلة دي بدأت تصدر في أمريكا من 1888، ولغاية ما وصلت سنة 1972، يعني إحنا بنقول كتاب سنة 1974، سنة 1972 كانت بتبيع أكتر من 7 مليون نسخة، 7 مليون نسخة من مجلة مافيش مكتبة مدرسية ولا جامعية في أمريكا إلا وما فيها ناشونال جيوغرافيك.

طيب إيه اللي ممكن مجلة زي كده تمارس تضليل؟ هو بيقول إيه الأساطير الخمسة اللي إحنا قلناها الأول إن الإعلام مبني عليها؟ أنا عايز أتظاهر بأن أنا بوفر سبل المعرفة للمجتمع؛ جغرافيا، تاريخ، تقنية، علوم، كل حاجة، بس أهم حاجة بحافظ على الأساطير الخامسة. أسطورتين أخريين كانوا مهمين جدا، اللي هو إن إحنا مجتمع ما فيهوش صراع، ومجتمع فيه تعددية إعلامية. المجلة دي من وسائل الإعلام، بس هي وسيلة إعلام علمي، أنا دلوقتي عندي مجلات كتير منهم ناشونال جيوغرافيك، دي حاجة متوفرة قدامك.

طيب أنا لو مسكت المجلة، هو بيقول كده، أنا دلوقتي عايز أقرأ عن أفريقيا، العدد عن أفريقيا؛ أول ما أقرأ عن أفريقيا -ودي مجلة قبل طبعا ما يبقى فيه قناة وكده- المجلة دي بتتكلم عن الطبيعة في أفريقيا، عن الشجر، عن الأدغال، عن الحيوانات. طيب أنا بعد ما أقرأ المجلة أطلع بإيه؟ يعني الدولة اللي أنا عمال أتكلم عنها، نيجيريا، أنهار وغابات وبتاع، طب هو البلد دي ما فيهاش حروب؟ لا فيها مشاكل سياسية، إيه علاقة أمريكا بالتدخل السياسي في القرار النيجيري؟ معرفش، طب أنجولا؟ معرفش، طب تنزانيا؟ معرفش، طب الهند؟ هو بيقول إيه؟ إن هي بتقدم عالم طبيعي بدون مشاكل.

إخوانا ده عشان الناس بس تستوعب المثال ده، لو عايزين نقرب للواقع المصري، في فترة كده في السينما المصرية، فترة الستينات أظن بعد النكسة، لو إحنا بنتفرج على الفيلم دلوقتي في الوقت الحالي، الفيلم يبدأ وينتهي وإحنا مش عارفين ده سنة كام ولا إيه، ولا الواقع اللي كان الناس عايشاه ولا أي حاجة عن الوضع السياسي ولا الواقعي، ما فيش أي إلمام عن الواقع اللي كان الناس عايشة فيه في الوقت ده؛ ممكن فيلم كله يبدأ وينتهي في عمارة، ممكن يبدأ وينتهي كله في شقة، ممكن حتى ما فيش أي حاجة عن مين كان بيحكم مصر في الوقت ده، ما فيش.

فده واحد يقول لك إيه؟ والله دي دراما للدراما، لا، دي جغرافيا للجغرافيا، يعني أنا بقدملك جغرافيا بس، الدول دي طب الناس اللي عايشة فيها؟ الثقافات اللي الناس عايشة فيها؟ فيش، معرفش. عشان كده إحنا دايما في أفريقيا في ناس كتير جدا، وأظنه ممكن المشاهد يكون تعرض لده، أي شاب مصري أو طالبة في الجامعة بيتكلم مع أي حد على الإنترنت، أما يقول له أنت من مصر، يقول له مصر؟ آه، طب أنتوا عندكم جمال؟ طب هو دايما حتى أفلام هوليوود لما ييجي مصر يبقى الأهرامات، جبال، ناس بادو.

كتير قوي في كلام، في ناس كتبت كتب عن ده: "صورة العرب والمسلمين في الشاشة الغربية". طب هو مين اللي بيكرس لده؟ واحد يقول لك والله هم يمكن معلوماتهم غلط، لا هي مش معلوماتهم غلط، هو معلوماتهم تم صناعتها بشكل غلط أو بشكل متعمد، بمعنى إن أنا وأنا ناشونال جيوغرافيك دي بعملها، أنا جزء من المستهدف بتاعي وده، بيقولوا إنهم عن عمد "لو سمحت لا تتطرق لأي صراع اجتماعي أو أي واقع سياسي جوه الجغرافيا دي، جغرافيا بس، جغرافيا بس". هنا واحد يقول لك والله خلاص دي أمانة علمية، لا، ما المشكلة في إيه؟ إن المجلة دي هي المفروض دورها إنها بتصنع الوعي من أول الأطفال لغاية الكبار، أنا طول عمري ما أعرف إن أفريقيا فيها طبيعة وأدغال وبتاع لو أنا أمريكا.

أعلنت الحرب وإن هي تنزل قوات في أفريقيا. والله أنا ما عنديش مشاكل، لكم أن تتخيلوا أن في استطلاع رأي، كوسيلة من وسائل التضليل؛ يسأل الأمريكيون: العراق بعد الغزو الأمريكي للعراق، في أي قارة؟ وحوالي 60% من الذين شاركوا في الاستطلاع قالوا إن العراق في أفريقيا! بلد دولتهم احتلتها، ونزلت فيها أكثر من 400 ألف جندي، وعملت لهم كارثة اقتصادية في الاقتصاد الأمريكي الداخلي؛ فبدل ما كان عنده مثلاً فائض نصف تريليون دولار من أيام كلينتون، أصبح عنده عجز حاد جداً في الميزانية؛ كان عنده فائض 600 مليار دولار، فأصبح عنده عجز في الميزانية واحد تريليون، يعني ألف مليار دولار، وهو لا يعرف البلد في أي قارة.

هو أنت ممكن كان جبت لك الآثار زي مصر، جبت لك أبو الهول، جبت لك الأهرامات. طيب، الناس مشاكلها إيه في مصر؟ لا أعرف، طب ما هو النظام السياسي؟ لا أعرف، ما علاقة النظام السياسي في أمريكا بالنظام السياسي في مصر؟ لا أعرف، خلاص أنا ممكن أشوف النيل، تمام، الصحراء، المحميات التي في سيناء، لكن الواقع الذي جوه البلد هذه، أنا لن أتعرض له. وكأنه يغض الطرف عما يفترض أن يراه؛ لأنه بالنسبة للقارئ هو العين التي تجعلك ترى الواقع، هو يرسم لك واقعاً ثانياً.

هل هذا كذب؟ لا، هو جزء من الواقع، ولكن هل هذا هو كل الواقع؟ لا، فهذا نوع من التزييف في الواقع. هذا هو المثال الذي ضربه ناشيونال جيوجرافيك. طيب، وولت ديزني؟ هذا كرتون، رسوم متحركة، فما الذي يمكن أن يكون فيه خداع؟ نفس الإشكالية.

نحن نعلم أن أي شيء، سواء السينما أو وولت ديزني -وهذه سينما كرتون وحتى وولت ديزني تنتج أفلاماً عادية- يُسمى في أمريكا "صناعة السينما". والقول هو أن وسائل الإعلام، بما فيها السينما، تتحكم فيها رؤوس الأموال والشركات الكبيرة؛ أصحاب رؤوس الأموال لا يريدون مشاكل، يريدون الصرف طوال الوقت في قناة أو مجلة أو أفلام، لكن أهم شيء أن هذا النشاط لا يسبب مشاكل. يريدون أن يعيش الناس في سلام دائم، هذا هو الأهم لضمان تدفق الأموال من جيوب المستهلكين أو المجتمع إلى الشركات أو الأنشطة الصناعية.

المطلوب أننا لا نضايق الناس؛ ناشيونال جيوجرافيك أصرف عليها سواء الحكومة أو القطاع الخاص، المهم أن يستمتع الناس، وبالتالي يشترونها وتدخل أرباح وإعلانات، لكن دون وجود أي مشاكل في الواقع؛ هذه هي اللاوعي عند الناس بأن "لا توجد مشاكل".

ولدت ديزني نفس الحكاية، أنا يمكن أن أسرب معلومات من داخل أفلام الكرتون للأطفال والكبار. ماذا يمكن أن يُسرب؟ في وولت ديزني، هناك باحثان أمريكيان قاما بعمل بحث على القيم المبثوثة في أفلام الكرتون، ونحن نتحدث عن فترة ما قبل السبعينيات، لنرى ما الذي استمر لغاية الآن. وجد الباحثان أن هناك بعض القيم الموجودة في معظم أفلام الكرتون؛ إما أن يكون هناك ناس يبحثون عن ذهب، أو خناقة على سلطة أو ثروة، أو شخص يستكشف دولاً أجنبية.

الشخصيات الكرتونية في وولت ديزني تمثل المجتمع الأمريكي وتمثل جزء الطبقة الوسطى؛ فلا بد إذا كان هناك كرتون وبطة، أن يكون البطل لديه ميكروويف في البيت، وعربة، ليكون نموذجاً لما ينبغي أن تكون عليه الطبقة الوسطى في المجتمع الأمريكي من حيث الحالة الاستهلاكية؛ كل بيت يجب أن يحتوي على غسالة أطباق، ميكروويف، دفاية، كل هذا مطلوب ليرسم هذه اللوحة، بحيث يتعود الطفل منذ صغره أن هذا هو المجتمع الطبيعي.

أيضاً، الرحلات في الدول الأجنبية؛ كل الدول الأجنبية التي يذهب إليها الأمريكي يجب أن تظهر بشكل معين، يجب أن يكونوا بدائيين، وكأننا نحن المجتمع المتقدم الوحيد، والناس هناك بدائيون وسذج، مجرد ناس يريدون الأكل والشرب، وأنا ذاهب لأستكشف عن شيء أبحث به عن الثروة لأصنع حضارة.

أما البطل الأمريكي أو الأبيض في الأفلام، فلا بد أن يكون مفتول العضلات، قوياً، ضمن نموذج معين أشكله أنا، وأي نموذج آخر قد يكون سميناً، أو أسود، أو ملوناً، أو أصفراً؛ أي شيء آخر غير الأبيض. هو شخص أبيض، بطل، قوي، مفتول العضلات، والباقي بدائي وملون؛ هذه هي الفكرة الثنائية.

هناك شيء آخر يمكن ملاحظته في وولت ديزني، وهو فكرة طبيعة الأشياء؛ في الكرتون، أي طفل يشاهدهم يرى أنهم في صراع دائم، وهذا يُصوَّر كأنه جزء من طبيعة الأشياء، وكأن الطبيعة الإنسانية ثابتة، لا يمكن لأحدهم أن يتوب أو يتوقف. وحتى إذا استُدعيت عصابة في أفلام الكرتون، فلا بد أن تتكلم بلغة ما نسميها "البلاك إنجلش"، وكأن الطبقة المتوسطة في الكرتون يجب أن تمثل طريقة تصرف الطبقة المتوسطة في أمريكا من ناحية الاستهلاك والبيت والشكل، أما الطبقات الفقيرة أو المهمشة...

لازم يكونوا عصابات أو تجار مخدرات أو مجرمين أو كذا، وفي الغالب المفروض يتكلموا بلغة اللهجة، لهجة الزنوج. والبرضه الكرتون ما فيهوش سياسة، عالم بدون صراع. ولو في حد شرير، يبقى الشر ده ثابت فيه؛ أي حد شكله وحش في الغالب هيبقى شرير، وأي واحد شكله حلو أو واحدة شكلها حلو لازم يكون طيب في الغالب.

خلاص دي حاجة بيكرس ليها فكرة المواصفات، إحنا بنسميها المواصفات الجسدية أو "الموديلز". لو أنت راجل يبقى لازم "الموديل" بتاعك إن أنت تبقى قوي، فيه عضلات وبتاع، والموديل لازم كل الناس تبقى كده؛ خلاص ما فيش واحد تخين وفيش واحد قصير. ولو ست يبقى لازم تكون رفيعة جداً زي الموديلز بتوع عروض الأزياء، ده شيء ثابت؛ يعني أي ست المفروض تبقى بالشكل ده، ده الوزن الطبيعي وده الجسم الطبيعي.

واحد يقول لك بس ده مش مقصود، ده هم بيرسموا كرتون كده، هيلبرت شيلر بيقول لا. والباحثين اللي اشتغلوا على "والت ديزني" بيقولوا لا، ده كأنه بيكرس؛ يعني أنا مثلاً ناس بتوع شركات ملابس أزياء ومستحضرات تجميل، أنا اللي بشكّل وعي الناس في الحاجة اللي تخصني، فالحاجة اللي تخصني مش هبيعها غير لو الناس اقتنعت بأن أنت لازم يكون شكلك كده.

الجزء الأخير اللي هو شاور عليه بشكل يكمل منظومة التضليل الاجتماعي والتضليل الإعلامي هو استطلاع الرأي. المفروض استطلاع الرأي يكون بيعرف رأي الناس في حاجة معينة، لكن هيلبرت شيلر بيقول إن أنا ممكن أعمل العكس، ممكن أسأل الناس في حاجة عشان أوجه رأيهم لده. هو بيضرب مثال، بيقول مثلاً الحكومة الأمريكية في وقت حرب فيتنام، ونكسون مش عايز يسحب قواته، وفي دلوقتي لغط اجتماعي كبير إن أمريكا اتورطت في الحرب دي ولازم نسحب قواتنا.

سياسياً مش عايز يسحب قواته، وهو مجتمع المفروض ديمقراطي وحر عنده كونجرس، طيب إزاي أضغط؟ إزاي أقنع الناس إن المفروض ما نسحبش قواتنا على الأقل لوقت معين؟ فمؤسسة الرئاسة ترعى شركة أو مؤسسة معينة من مؤسسات استطلاع الرأي تقول لها: اعملوا استطلاع رأي تُصاغ فيه الأسئلة بطريقة معينة، اللي هو السؤال يصاغ بطريقة "هل توافق على سحب القوات قبل موعد معين يؤثر على حياة جنودنا في فيتنام؟".

ده اللي بنسميه السؤال الموجه؛ يعني أنا هقول لك: إيه، ترضى نسحب جنودنا ويحصل لهم حاجة هناك؟ فإنت تقول: لا ما نسحبش قبل كذا، وهو ده اللي كان عايزه القرار الرئاسي. طب هو التوجيه ده هيحصل إزاي والناس ما عندهاش فكرة؟ الناس بتقول إيه، المفروض خلاص إحنا في مشاكل والمفروض تورطنا في ده لازم ننسحب، طب أنا عايز أجل؛ بعمل استطلاع رأي.

استطلاع الرأي عنده نفس الحكاية، إن أنا أسألك السؤال آخذ عينة. دايماً الإنسان، لو أنا قلت لك في عشرين أو ثلاثين واحد اختاروا (أ)، وأنت داخل مكتبة أو داخل سوبر ماركت وجبت لك قائمة كده وقلت لك دي أكثر الحاجات مبيعاً، أنت في الغالب هتميل إن أنت تشوفها الأول؛ ليه؟ لأن الإنسان ميال بطبعه للتقليد. ولو أنت ماشي في شارع كده في مساحة مفتوحة ولقيت آثار رجلين كتير رايحة جاية، فإنت في الغالب هتمشي من الحتة اللي فيها آثار الرجلين دي.

الإنسان يقول من باب التوفير، بموجب قانون الاقتصاد، إن عشان ما أفكرش كتير مادام الناس عدت من هنا وراحت وجت هنا يبقى ده طريق كويس. نفس الحكاية في استطلاع الرأي؛ إن أنا أصيغ استطلاع الرأي بعينة عشوائية كبيرة جداً ممكن تكون في مساحات أنا عارف إن الناس هتديني رأي معين، فأقول عملت استطلاع رأي طلع 60% بيدعموا، و30% معارضين، و10% ما عندهمش رأي.

أنت لما تشوف الاستطلاع من ناحية علم النفس، هتميل وتقول: والله 60% أو 70% من الناس عايزين ده، فخلاص. بالرغم من إن استطلاع الرأي ده لو أنا عندي شعب أمريكي مثلاً 300 مليون، وعملت استطلاع رأي على 5000 واحد، ده ممكن يكون رقم مش معبر، لكن هو هيساعد بعد كده في توجيه الرأي ناحية اختيار حاجة معينة.

حاولنا نستعرض في الحلقة الأولى من البرنامج ركناً من أركان العملية الفكرية أو صناعة الوعي، أول حاجة أخدناها هي وسائل الإعلام. بعد كده قد ننتقل إلى ما أحاول وضعه في منظومة: الإعلام، اللغة، والتاريخ. الثلاثية دي ممكن تشكل وعي الناس؛ الإعلام وأثر الإعلام، اللغة وأثر اللغة في التعليم وفي الهوية وفي الثقافة، والتاريخ وفهمنا للتاريخ وتصورنا عنه. إن شاء الله هتناوله بالنقاش في الحلقات القادمة، انتظرونا في الحلقة القادمة، شكراً لكم.