ثالث ترجيح.
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، يا حياكم الله يا إخواني وأخواتي في مجلس جديد من مجالسنا. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا وإياكم لكل خير إن شاء الله. نبدأ بالمجلس الختامي بالتعليق على كتاب "لغة الأصول" لابن نصر الله الكناني الحنبلي -عليه رحمة الله تعالى- ونسأل الله عز وجل أن يجزيه عنا خير الجزاء يا أرحم الراحمين.
كنا في الدرس الماضي بدأنا نتكلم في موضوع التعارض والترجيح وقواعد الترجيح، وقلنا إن ابن نصر الله تكلم عن قواعد الترجيح باعتبار النقل، وقواعد الترجيح باعتبار العقل ويقصد بالعقل الأقيسة العقلية. وقلنا إن النقل إما أن يكون باعتبار السند أو المتن، أو قرينة خارجية، وتكلمنا عن الترجيح باعتبار السند أو المتن، وبقي علينا أن نتكلم عن الترجيح بين النصوص باعتبار القرائن الخارجية.
اقرأ يا شيخ عمر. بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللمصنف وللسامعين ولجميع عبادك المستضعفين، آمين.
قال رحمه الله تعالى: «الثالث: ترجيح غير مخصوص عليه». الثالث الذي هو الترجيح باعتبار القرائن. أولاً قال: «ترجيح غير مخصوص عليه»، يعني أن نرجح العام الذي لم يدخله الخصوص على العام الذي دخله الخصوص. يعني عندك الآن نصان متعارضان، هذا عام وهذا عام، لكن العام الأول دخله الخصوص في بعض صوره، والعام الثاني كما يسميه ابن تيمية "العام المحفوظ" الذي لم يدخله الخصوص بشكل من الأشكال. فأيهما أقوى؟ العام المحفوظ، دائماً العام إذا دخله الخصوص يضعف، كأنه ينزل مرتبة. فإذا تصورنا -وهي مسألة ذهنية بغض النظر عن مدى وجود أمثلة عليها- أن هناك عامين متعارضين أحدهما مخصوص والآخر لم يدخله الخصوص، فالذي لم يدخله الخصوص يكون مقدماً عند التعارض.
قال: «ومتلقى بالقبول على ذي نكارة». الآن إذا كان عندنا أيها الكرام دليلان أحدهما تلقاه العلماء بالقبول -وهذا يكون في الأحاديث- حديثان أحدهما تلقاه العلماء بالقبول والآخر أنكره العلماء أو لحقه الإنكار من بعضهم، فأيهما مقدم؟ الحديث الذي اتفقت الأمة على قبوله مقدم على الحديث الذي حصل فيه نكارة.
يمثلون لهذا بحديث: «لا يتقدمن أحدكم رمضان بصوم يوم أو يومين، إلا أن يكون رجل يصوم صوماً فليصم». النبي ﷺ نهى أن الإنسان يتقصد أن يتقدم رمضان بيوم أو يومين حتى لا يكون في هذا نوع من الاحتياط المبتدع من أجل رمضان، لكن إذا كان شخص متعوداً يصوم اثنين وخميس، وجاء اثنين وخميس قبل رمضان بيوم أو يومين، فلا مشكلة، قال: «إلا أن يكون رجل يصوم صوماً فليصم».
هذا الحديث عارضه حديث: «إذا انتصف شعبان فلا تصوموا». الحديث الأول حديث متفق عليه وتلقته الأمة بالقبول، أما حديث «إذا انتصف شعبان فلا تصوموا» فقد أنكره كثير من أهل العلم وقالوا عنه حديث منكر. وبالتالي، حديث «إذا انتصف شعبان فلا تصوموا» يدل بإطلاقه على أنه بعد خمسة عشر من شعبان لا يصوم أحد، أما الحديث الأول فيدل على أنه لا يتقدم رمضان بيوم أو يومين فقط. فبالتالي قالوا هناك تعارض بين الحديث الذي وضع المشكلة في يوم أو يومين، وبين الحديث الذي وضع المشكلة في كل ما بعد نصف شعبان، فأيهما يقدم؟ قالوا يقدم ما تلقته الأمة بالقبول وهو الحديث الأول. فهذا مثال على تقديم ما تلقته الأمة بالقبول على الحديث الذي أنكره طائفة من أهل العلم.
قال: «وما قل نكيره على ما كثر». حديثان متعارضان كلاهما دخله شيء من النكارة، لكن أحدهما النكارة فيه أقل من الآخر، فمعلوم أن ما كانت النكارة فيه أقل فهو مقدم على صاحبه، وهذا معلوم في الذهن.
أيضاً قال: «وما عضده عموم كتاب أو سنة أو قياس شرعي أو معنى عقلي على غيره». هذه قاعدة عامة؛ أي نصين تعارضا وأحد النصين عضده عموم نص آخر ثالث، أو عارضه نص في الحديث النبوي، أو عضده القياس، أو عضده معنى عقلي في الاستحسان أو الاستصلاح، فهذا يقدم على الحديث الآخر الذي لم يدخل عليه عاضد. عندك حديثان متعارضان، أحدهما عضده نص آخر من الكتاب أو السنة أو القياس أو المعاني العقلية، فالذي له عاضد ليس كالذي ليس له عاضد، وهذا واضح.
قال: «فإن عضد أحدهما كتاب والآخر سنة، قدم الأول في رواية والثاني في أخرى، إذ السنة مبينة للكتاب». يقول: إذا تعارض دليلان، أراد أن يتكلم عن مسألة أخرى؛ إذا تعارض دليلان هذان الدليلان متعارضان، الأول له عاضد من القرآن الكريم، والذي يقابله له عاضد من السنة النبوية، أيهما يقدم؟ ذكر روايتين في المذهب؛ الرواية الأولى يقدم ما عضده الكتاب باعتبار أن القرآن أعلى منزلة من السنة، وهذه فلسفة هذه الرواية. والرواية الثانية يقدم ما عضده الحديث؛ لأن السنة بطبيعتها مبينة للكتاب، فعندما يعضد الحديث سنة أخرى، فإن السنة من جهة أنها مبينة للقرآن يتقوى جانبها في هذه المسألة، وهذه الرواية الثانية يقولون هي الأظهر، أن ما عضده الحديث يقدم على ما عضده القرآن من جهة أن القرآن عادة ما يتكلم عن عموميات وعن قواعد كلية، وأما الحديث فيكون يتكلم عن تفصيليات.
تفضل يا شيخ. الشيخ يقول: القرآن والسنة في بعض الأحيان، القرآن يقدم لأنه كان أقطع ثبوتاً، والسنة تقدم لأنها أوضح بياناً، في حالات مثل المواريث. لا شك أن القرآن يقدم، وهذا يعني أنا أتحدث لماذا توجد روايتان؟ هي مسألة لن نحسبها، أنا أقول لك سيبقى في النهاية زوايا نظر، ولذلك أعود فأقول: الترجيح مبني على فكرة تجميع النقاط؛ هذا الدليل كم نقطة له؟ وماذا يعضده؟ والدليل الآخر كم نقطة له؟ لذلك ما تدرسه هنا هي نظريات أسميها تجريدية، لكن في الواقع العملي...
الترجيح لا يكون فقط بهذا، أنت بتجمع نقاط من كل المرجحات؛ مرجح باعتبار السند، مرجح باعتبار المتن، مرجح من الجهة التي جمعت نقاطاً أكثر، بالنسبة إليك تميل الكفة، والله أعلم.
ثم قال: «وغير ذي سبب عليه». الحديث إذا قاله النبي ﷺ ابتداءً، وليس لسبب معين وقع أمامه أو جواباً عن سؤال، يقدم على الحديث الذي ورد على قصة أو سبب. لماذا؟ ما رأيكم؟
أحسنتم، لأجل الاحتمالية الخصوص. يقول: عندك حديثان؛ حديث تكلم به النبي ﷺ ابتداءً دون أي سبب، وحديث تكلم به النبي ﷺ تعليقاً على واقعة ما. فيقولون: الحديث الأول عند التعارض أقوى أن يكون عاماً، والحديث الثاني فيه احتمالية أن يكون خاصاً بهذا الصحابي، فنقدم ما جزمنا أنه عام للأمة على ما فيه احتمالية أنه خاص بذاك الصحابي.
أيضاً قال: «وما عمل به الخلفاء الراشدون في رواية». قال: يقدم ما عمل به الخلفاء الراشدون في رواية عند أصحابنا. طبعاً هذه الرواية مقدمة، وهي مذهب، ليس فقط رواية، هي المذهب عند الأصحاب أن الحديثين تعارضا أو نقلان تعارضا وأحدهما عمل به الخلفاء الأربعة: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي؛ فهذا يقوي جانب هذا الحديث، يعني نقول هي نقطة لهذا الحديث، تعطيه نقطة.
قال: «وما لم يخالفه بحال راويه على ما خالفه ولا يرجح». الآن من المرجحات أيضاً: حديثان متعارضان، أحدهما الراوي في فعله خالف النص، والثاني لم ينقل عن الراوي أنه في فعله خالف ما رواه ونقله.
فمثلاً حتى نفهم أكثر، حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن النبي ﷺ نهاه عن الصلاة بعد الصبح حتى تشرق الشمس، وبعد العصر حتى تغرب. عارضه ما جاء في حديث عائشة: «ما كان النبي ﷺ يأتيني في يوم بعد العصر إلا صلى ركعتين». حديث عائشة يدل على أن النبي ﷺ كان يتطوع بعد العصر، وحديث عمر: «لا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس» يدل على أنه لا يصير التطوع بعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس.
أيهما يقدم؟ نقول عائشة تروي أن النبي ﷺ كان يتطوع، وعمر يروي من نصه ﷺ أنه كان يقول: «لا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس». في نوع من التعارض، فهمتم وجه التعارض بين الروايتين؟ أيهما يقدم؟
يقولون هنا في هذه الجهة رجح كثير من أهل العلم حديث عمر؛ لأن حديث عائشة قد جاء عنها ما يخالف في فعلها روايتها لهذا الحديث، فجاء عن عائشة نفسها النهي عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، فإذاً لها رواية أو فعل يخالف ما نقلته. فهنا حديث عمر يقدم على حديث عائشة؛ لأن حديث عمر لم يأته عن عمر الراوي ما يخالف ما نقله عن النبي ﷺ، وأما عائشة التي نقلت أنه كان يصلي في بيتها بعد العصر ركعتين، فهي نفسها ورد عنها حديث في النهي عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، فخالف فعلها أو قولها روايتها، وبالتالي حديث عمر يكون له مرجح.
لكن كما قلنا، حديث عمر أعطيناه نقطة أنه لم يخالف، ولكن له مرجح آخر، ذكرناه فيما مضى؛ مثلاً قضية أنه من الخلفاء الراشدين، هذه نقطة له.
ثالثاً: «قبول...» لا، ليس هناك شيء أعلى من ذلك، الذي هو: «غير الذي سبب عليه». وقد يحمل هذا على سبب ثانٍ لحديث عائشة؛ إلى الآن حديث عائشة حمله على سبب صعب لأنه قالت: «ما كان يأتيني»، أطلقت على عمومه. قال: «ما كان يأتيني إلا صلى ركعتين»، مثبت على النافي؟ لا، هو ليس هناك شيء مثبت على النافي، لأنه في النهاية ليست واقعتين، واحد يثبتها وواحد ينفيها.
أما حديث عمر فهو حديث عن النبي ﷺ، حديث عمر حاضر، وحديث عائشة مباح. حديث عمر يدل على حظر، وحديث عائشة يدل على أصل الإباحة. أيضاً حديث عمر قول، وحديث عائشة تروي فعلاً. مش قلنا في الدرس الماضي إن قول النبي ﷺ يقدم على فعله؟ لأن فعله يحتمل أشياء كثيرة عند التعارض، يحتمل الخصوصية ويحتمل معاني كثيرة. فإذاً عندنا قول مقابل فعل، عندنا حظر مقابل إباحة. شوف هي قضية أن تجمع نقاط حتى تصل لقناعة أن هذا من حيث الفقه أقوى العمل به من ذاك، فأنت لن تعتمد على مرجح واحد فعلياً عندما تريد الترجيح.
ما بعده؟ «ولا يرجح بقول أهل المدينة والكوفة». هنا سنخالف قليلاً؛ فالمذهب عند الحنابلة أن الحديثين إذا تعارضا وعضد أحدهما عمل أهل المدينة، يؤخذ بعمل أهل المدينة. هذا أظن مر معنا سابقاً لما تكلمنا عن الإجماع، ومر معنا هل إجماع أهل المدينة إجماع؟ وحررنا القول في ذلك، فقلنا إذا تعارض حديثان وأحد الحديثين يعضده عمل أهل المدينة -طبعاً عمل أهل المدينة في القرون الثلاثة المفضلة فقط- أما بعد القرون الثلاثة المفضلة فنحن ليس لنا علاقة، ممكن يفسد كثير منهم. فهذا هو المراد بعمل أهل المدينة، فقوله: «ولا يرجح بقول أهل المدينة» يعني هذه فيها ضعف، أما الثاني صحيح. أما قضية أهل الكوفة فلا، فأهل الكوفة لا يرجح بقولهم، ليس سبباً من أسباب الترجيح.
أكمل. قال: «ويقدم ما عضده تفسير راوي الخبر أو وجه ترجيح على غيره من احتمالات». عندنا حديثان تعارضا وأحد الحديثين فسره الصحابي الذي رواه بما يتلاءم مع المسألة التي نحن فيها، أما الثاني الذي يعارضه فما ورد عن الصحابة نص في تفسيره، فباختصار الحديث المفسر يقدم على الحديث غير المفسر.
مثال ذلك يقولون: مثلاً حتى أعطيك صورة أخرى لهذه المسألة؛ «حديث ولا يحل له أن يفارقه خشية أن يستقيله»، هذه مسألة خيار المجلس. تذكروا مسألة خيار المجلس قلنا في البيع هل يجوز إذا أنا وياك كنا عملنا عقد بيع أن تتعمد أنت... بس دقيقة، تعال يا شيخ طلال، يا رب، شوف والله هذا عرفت من هو؟ تفاهم معه ورد عليه، عرفت؟ لا يجوز له أن يتعمد الخروج من مجلس البيع حتى...
الطرف الآخر من خيار المجلس، صحيح؟ الآن أين وردت المشكلة؟ وردت المشكلة في اللفظ. الآن ما لفظ الحديث؟ «ولا يحل له أن يفارقه خشية أن يستقيله»، يعني أن يطلب منه فسخ البيع، فلا يصير أن تتعمد المفارقة.
اختلفت المذاهب الفقهية: ما المراد بالمفارقة هنا؟ هل هي المفارقة بالأبدان، ولا المفارقة بالأقوال؟ فإذا دخلت في موضوع آخر، خلص هذا يعتبر عند بعض المذاهب إنهاء خيار المجلس، وعندنا لا؛ المفارقة المراد بها المفارقة بالأبدان، إنه لا أحدكم يطلع من المجلس.
أيهما أرجح؟ المفارقة بالأقوال ولا بالأبدان؟ نظروا في فعل ابن عمر، ووجدوا أن ابن عمر راوي الحديث نفسه روى هذا الحديث، ثم ماذا كان يفعل؟ كان ابن عمر إذا بايع رجلاً يستعجل في مفارقته ببدنه خشية أن الرجل يطلب منه الاستقالة.
طبعاً اللي فعله ابن عمر إحنا مذهبياً ما بنوافق عليه، خلاص نقول هذا اجتهاده، لكن مذهب أحمد لا يوافق ابن عمر رضي الله تعالى عنه على ما فعله، ويعتبره اجتهاد صحابي، لكن نحن أولى. لكن ما يهمنا الآن، بغض النظر إنه ابن عمر أصاب أو لا، وكيف فهم الحديث؟ هو الصحابي الذي روى حديث: «ولا يحل له أن يفارقه»، وماذا فهم من المفارقة؟ فهمها مفارقة بالأبدان بدليل أنه كان يمارسها.
فهنا رواية فعل ابن عمر نوع من أنواع التفسير للنص لما كان هناك فهمين للنص. أحياناً قد يكون التعارض ليس بين نصين، قد يكون التعارض بين فهمين للنص الواحد؛ أحدنا فهمه أنه مفارقة بالأقوال، والمذهب الآخر فهمه مفارقة بالأبدان. فأنا كحنفي بقول الذي يقوي فهمي للحديث هو فعل راوي الحديث أنه كان يفارق ببدنه وليس بقوله، أليس كذلك؟ فهذا معنى قولنا: "ويقدم ما عضده تفسير راوي الخبر"، أو "عضده وجه ترجيح"؛ أي شكل من أشكال وجوه الترجيح على غيره من الاحتمالات.
إنه أراد أن يختم بها؛ أن أي نقلين تعارضا وأحدهما له وجه من وجوه الترجيح فإنه سيقدم. هذا يدل على أن كل ما ذكرناه من وجوه الترجيح ليس حصراً، وإنما كل هذه أمثلة، وإلا فقد ينقدح في ذهن العالم من أوجه الترجيح غير ما ذكر، ويمشي ويرى أن هذا وجه مقبول.
تفضل. هل يمكن القول أن الآن فعل ابن عمر يدل على الرأي الثاني بما أنه هو يفعله؟ أنت قصدك مسألة أخرى، أنت الآن تريد أن تقول إن فعل ابن عمر يدل على الجواز؟ لا، تقصد أنه يرجح الفهم الآخر الذي هو الكلام في المسألة، أنه التفرق تفرق بالأقوال وليس بالأبدان، لأنه ابن عمر كان يفارق.
لا، ليس هكذا. هو ورد معنا أن ابن عمر كان يفعل ذلك تقصداً لئلا يحصل خيار المجلس، وكان يتعمد المفارقة البدنية حتى لا يعطي فرصة للآخر لخيار المجلس، فإنه قطعاً كان يفعل هذا لأنه فاهم أن الحديث يقول له إذا أحدهما فارق المجلس انتهت أموره، هو فهم أن المفارقة هي المفارقة البدنية ولذلك وظفها.
هنا اختلاف الرواية؛ أصل الرواية التي مشى عليها ابن عمر هي أصل الحديث الذي هو: «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا». هنا نعم اختلفوا، "ما لم يتفرقا" يعني بدنياً أو قولياً، وابن عمر فهمها بدنياً وبالتالي وظفها.
أنا أظن أنه كان لازم أذكر الحديث السابق، لست أنا من وهم في نقل الحديث، الحديث الذي رواه ابن عمر هو: «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا». فمن المستحيل أن يكون ابن عمر راوي رواية «ولا يحل له أن يفارقه» ويتعمد مخالفتها، هو روى «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا»، فإذاً فهم التفرق بالأبدان وليس بالأقوال.
ثم عندنا الحديث «ولا يحل له أن يفارقه خشية أن يستقيله»، نقول هذا لعله لم يبلغ ابن عمر، فلذلك كان يظن أنه يجوز له أن يتعمد المفارقة البدنية، أما أن يتقصد صحابي مخالفة النبي ﷺ فهذا لا يمكن، لا يجوز أن نقول إن أحد الصحابة يتعمد مخالفة أمر النبي ﷺ.
قال: "والقياسي". الآن انتهينا من المرجحات النقلية، نأتي إلى المرجحات العقلية، وطبعاً هنا يقصدون بالعقلية القياس بالتحديد، ولكن أنت ممكن تبني عليه أفكاراً أعم من القياس، حتى في المصلحة المرسلة، ممكن نوظف هذه المرجحات.
بسم الله، قال: "والقياسي إما من جهة الأصل، أو العلة، أو القرينة". كما أننا قلنا الترجيح في النقول إما من جهة السند، أو المتن، أو مرجح خارجي، قسم أيضاً الترجيح بين الأقيسة إلى ثلاثة أقسام: ترجيح من جهة حكم الأصل وطبيعة الأصل (المقيس عليه)، أو ترجيح باعتبار العلة لسبب متعلق بالعلة، أو ترجيح باعتبار قرينة خارجية.
عمل هذا التقسيم الثلاثي، فنبدأ بالحالة الأولى فقال: "فيقدم حكم أصل ثابت إجماعاً على غيره". هذه أمور سهلة لا تحتاج تعليقاً. يقول: "إذا كان حكم الأصل" عندها، دائماً أنت احفظ الكلام: أنا أمام قياسين متعارضين، الأصل في أحدهما ثابت بالإجماع والثاني ليس كذلك، أو الأصل في أحدهما حكمه ثابت بالقرآن أو السنة المتواترة والثاني أصله ثابت بحديث آحاد، فيقدم الأصل الثابت بالقرآن أو السنة المتواترة على الأصل الثابت بحديث آحاد.
وكما قلنا أيضاً، يقدم الثابت بالقرآن أو التواتر على الثابت بالآحاد، وبمطلق النص على الثابت بالقياس؛ هذا طبعاً إن صح، أي إذا كان قياسان أحدهما الأصل فيه ثابت بمطلق النص -بمعنى بغض النظر هل النص متواتر أو آحاد- والثاني أصله ثابت بالقياس. وهنا نقف؛ هل يجوز عند الحنابلة أن يكون الأصل ثابتاً بالقياس؟ فهذه مسألة، خذها بشكل عام، اكتب على مذهب الحنابلة لا يجوز أن يكون عندنا الأصل...
ثابت بالقياس، هذه مرت معنا في شروط الأصل. لكن لو فرضا، بغض النظر، أمامي شخص جاب لي قياس أصله ثابت بالقياس؛ تمام، نحن هنا كلام عام، ماذا نقول؟ إذا كان هناك قياسان أحدهما أصله ثابت بالنص -بغض النظر ما هو النص من حيث ثبوته متواتر أو آحاد- والثاني أصله ثابت بالقياس، أسألك: الحنبلي لا يرضى أصلاً كقياس هذا.
لكن لو فرضا تنزلت عندك، ماذا تقول؟ ما كان أصله ثابتا بالنص مقدم على ما كان أصله ثابتا بالقياس. طبعاً هذا مر معنا عند ابن نصر الله، وهو لم يقل إن الحنبلي لا يقبل هذا النوع من الأقيسة، بل السؤال: أيهما يقدم؟ ما كان أصله ثابتا بالنص، لأنه هذا متفق على قبوله عند القائلين بالقياس، لكن ذاك أصلا فيه خلاف: هل يقبل هذا القياس ولا ما يقبل أصلا؟ فهذا بالتالي سيكون أرجح بلا شك.
أيضا قال: «والمقيس على أصول أكثر على غيره». إذا كان عندنا في شيء نص، هل نقفز عنه؟ لا. والمقيس على أصول أكثر على غيره؛ ماذا يعني؟ يعني إذا كان عندنا قياس حقيقة ليس فقط أصل واحد يشهد له، بل هناك عدة أصول تشهد له، والذي يعارضه قياس لا يشهد له إلا أصل واحد، فهنا يرجح القياس الذي له عدة أصول تشهد له.
مثل مثلا لو قلنا النية؛ هل النية شرط في الوضوء؟ الآن عند الحنفي يقيس على إزالة النجاسة، فيقول: كما أن إزالة النجاسة لا تحتاج إلى نية، فالوضوء لا يحتاج إلى نية. ونقول له: أنت قست على صورة واحدة، لكن أنا كحنفي وكشافعي أقول: النية شرط في الوضوء قياسا على أنها شرط في سائر العبادات؛ هي شرط في الصلاة، وشرط في الصوم، وشرط في الحج، وشرط في الزكاة. فأيهما يقدم؟ قياس النية في الوضوء على النية في الصلاة والزكاة والصوم والحج، أم قياس النية في الوضوء على إزالة النجاسة؟ الأول؛ الأول لأنه ذاك تشهد له عدة أصول أن النية شرط فيه، أما أنت تقيس النية في الوضوء على النية في إزالة النجاسة باعتبار أنها ليست شرطا، فهنا فلا تكون شرطا هنا؛ نقول أنت قست على صورة واحدة، فليس هذا قياسا متينا.
قال: «وقياس أصل لم يخص على خلافه». هنا سيحصل نوع من التكرار، وهو فكرة إذا كان الأصل دخله التخصيص. الأصل الآن -لاحظ، ليس القياس، ركزوا، لا أتكلم عن القياس، دخل الأصل نفسه- الآن هذا حكم أصل أريد أن أقيس عليه، ممتاز؟ هذا حكم الأصل الذي دخله التخصيص بشكل من الأشكال. في المقابل عندي حكم أصل آخر معارض له، حكم أصله لم يدخله التخصيص بشكل من الأشكال. فالأصل الذي لم يدخله التخصيص أقوى من حكم الأصل الذي دخله التخصيص، وهذا شبيه بما مر معنا قبل قليل، ألم نقل إن العام الذي دخله التخصيص يكون أضعف من العام الذي لم يدخله؟ هي نفس الفكرة.
فيقول لك: إذا كنت تريد أن تقيس على عموم دخله التخصيص، وأنا أريد أن أقيس على عموم لم يدخله التخصيص، أيهما أقوى؟ العموم الذي لم يدخله التخصيص. فمثلا القياس على الرطب والتمر؛ هل الرطب يجري فيها الربا؟ نعم، لكن دخلها التخصيص في صورة العرايا، وهي مجرد مثال. أنت تريد أن تقيس الآن ثمرة على الرطب في أنه يجري الربا فيها، فنقول لك: الرطب جرى فيها شيء من التخصيص وهو مسألة العرايا. في المقابل لو جاء الشخص الآخر بقياس لم يدخله التخصيص بشكل من الأشكال، أو قاسه على ثمرة أو نبتة لم يدخلها التخصيص والاستثناء، يكون ذاك القياس أقوى من الناحية النظرية.
يمكن يقال: إننا نقيس على الرطب أنها ربوية، ولا نقيس عليها الحال الاستثنائية الثانية. لا، هو لا يتكلم عن الحال، هو يتكلم أنه أنت نفس هذا العام الذي تريد أن تقيس عليه أنه ربوي، ما دام دخله التخصيص، يبقى أضعف من العام الذي لم يدخله التخصيص بأي شكل من الأشكال في صورته الأصلية، وليس في الصورة الاستثنائية.
قال: «وتقدم علة مجمع عليها». انتهى الآن المرجحات من جهة الأصل، وسينتقل الآن إلى الترجيح بين القياسين من جهة علتهما. فقال: ستجد أن الأفكار فيها نوع من التكرار؛ العلة المجمع عليها مقدمة على العلة التي لم يجمع عليها. قياسان متعارضان، أحدهما علته مجمع عليها والآخر علته غير مجمع عليها، يقدم الذي علته مجمع عليها. كذلك العلة المنصوصة تقدم على العلة المستنبطة، أليس كذلك؟ فالعلل باختصار: العلل المجمع عليها والمنصوصة أقوى من العلل المستنبطة. فإذا أتيت بقياس علته مجمع عليها أو منصوصة، وأنت أتيت بقياس علته مستنبطة، أيهما أقوى؟ المنصوصة والمجمع عليها؛ لأنه أنا أريد أن أعتمد على علة يدل عليها النص أو الإجماع، وأنت تحدثني عن علة استنبطتها بالمناسبة أو بالصبر والتقسيم، فعلتي ستكون أقوى من علتك.
أيضا قال: «وثابتة علتها تواترا على آحاد». يعني كذلك أقول لك إذا كانت إحدى العلتين في قياسين متعارضين علته ثابتة بالنقل المتواتر، والأخرى علتها ثابتة بالآحاد عن طائفة من أهل العلم، أي نقل أحادي؛ العلة التي كانت متواترة تقدم على ما كانت منقولا بالآحاد.
قال: «أو مناسبة على ضدها». طبعاً هنا يقصد بالثابت بالمتواتر أو بالآحاد العلة المنصوصة. حتى نفهم ذلك وماذا يريد أن يقول الآن في علة منصوصة عن النبي ﷺ في حديث؛ لا أريد أن أذكر الكثير من الأمثلة النظرية، فليس من الصعب أن تجد مثالا صحيحا، فلا نريد أن ندخل في باب الأمثلة ونأتي بشيء من عندنا.
الفكرة هي: أن يكون عندك حديث وردت فيه علة عن النبي ﷺ وهذا الحديث نقل بالتواتر، وعندك حديث آخر ورد فيه تعليل يعارض التعليل الأول، لكن هذا الحديث الثاني الذي وردت فيه علة منصوصة هو منقول آحاد. فإذا كان هناك حديثان عن النبي ﷺ، كل واحد ذكر علة والعلتان متعارضتان، وكان هذا الحديث متواترا بوصوله إلينا والحديث الآخر آحادا بوصوله إلينا، أيهما ستقدم؟ لأنني في الوضع الطبيعي في باب النقل أقدم المتواتر على الآحاد، فهنا شيء طبيعي؛ إذا كانت علة منصوصة لكنها متواترة عن النبي ﷺ، وعلة منصوصة لكنها آحاد عن النبي ﷺ، ستقدم العلة المتواترة.
المتواترة عنه على العلة المنصوصة الأحاد إذا تعارضتا وأمكن وجود هذا المثال ما بعد ذلك.
قال: أو مناسبة على ضدها، أو مناسبة ربما أظنها أفضل هنا، نطفة تواتر وتابع أو مناسبة ثابتة مناسبة وثابتة. هذا إضافة من المحشي، جزاه الله خيرًا. إذاً، وتقدم العلة المجمع عليها والثابتة عليتها أو مناسبة؛ يعني لو قالها مناسبة ما احتجنا لكل هذه القصة، لماذا نحن مصرين أن تكون مناسبة، أو مناسبة على ضده؟ العلة المناسبة، يعني العلة التي ثبتت بمسلك المناسبة، تتقدم على العلة التي ثبتت بالدوران أو الشبه، صحيح؟ لأنه العلة التي ثبتت بمسلك المناسبة، ثبت لك مناسبتها لمقاصد الشريعة وأصولها، أما العلة التي ثبتت بمسلك الدوران، فأنا ما ثبتت لي مناسبتها، فقط اعتمدت على دورانها وجودًا وعدمًا مع الحكم، أو أنها شبه تشبه أن تكون مقبولة، فهذا بالتأكيد مقدم.
أيضًا قال: وناقلة على مقررة. العلة التي تنقل عن الأصل، تنقل عن الأصل، تقدم على العلة التي تؤكد حكم الأصل. فإذا كان مثلاً عندنا الأرز، خلينا نأخذ مثالًا آخر، الزيتون. إذا قلنا علة الزكاة في التمر هي أنه مكيل مدخر، كما في مذهب الحنابلة، فالزيتون بالتالي لن يكون فيه زكاة؛ لأنه صحيح مكيل، لكن ليس مدخرًا بالتجفيف، بل مدخر بالمرتبانات. لكن إذا جعلنا علة الزكاة هي القوت، وعموم القوت، أنه طعام قوت، فالزيتون على هذه العلة سيكون فيه زكاة، صح؟
الآن من الناحية النظرية أيهما يقدم عادة؟ الثاني ولا الأول؟ بناءً على هذه العلة التي تنقل عن حكم الأصل، الثانية التي تنقل مقدمة على العلة التي تبقي على حكم الأصل. نأتي لنسأل: ما الأصل في الزيتون؟ أن يكون فيه زكاة أم لا يكون؟ الأصل براءة الذمة أنه لا يكون فيه زكاة حتى يثبت فيه ذلك. فالعلة الآن، أي العلتين هي التي تنقل عن حكم الأصل في الزيتون؟ إذا قلنا المكيل والادخار، أم قلنا القوتية؟ إذا قلنا أن يكون طعامًا قوتاً، هذه التي توجب الزكاة فيه، أما إذا بقينا على كونه مكيلًا مدخرًا، هذه لن توجب الزكاة فيه. فإذا أي العلتين ستُقدم في النظر؟ الثانية، القوت؛ لأنها ستؤدي إلى حكم جديد فيه، "نقل". وهذه نفس ما مر معنا في النصوص، إذا تتذكرون، في مرجحات النص أن النص المؤسس لحكم يقدم على النص المقرر على حكم الأصل، وهي نفس الفكرة ستأتي في العلل؛ فالعلة التي تثبت حكمًا جديدًا في الشيء يسمونها المؤسسة، تقدم على العلة التي تبقي الشيء على حكمه الأصلي المؤكد. ممتاز، فهمتم مثال الزيتون كيف ممكن نطبق عليه؟
أيضًا نفس الشيء، قال: وحاضرة على مبيحة. يعني العلة الحاضرة التي تؤدي إلى حكم حظر تقدم على العلة التي تؤدي إلى حكم إباحة، لأن الحاضر مقدم على المبيح. فمثلاً لو قلنا هنا مثلاً الأرز بدي أقيسه على البر في موضوع الربا، فنقول ما هي علة الربا عندك؟ فنقول علة الربا هي الكيلية، وأنت ما علة الربا عندك؟ فرضًا ممكن واحد يقول بالنفـي أنها ليست مكيلة.
شيخنا، إذا جبت لي مثال ثاني من موضوع النبيذ؛ لأن الأحناف أباحوه بشبهتهم، لكن الجمهور حرموه لأنه شدة مطربة. قضية قياس النبيذ على الخمر، إذا قلنا العلة هي الإسكار، فهذه حاضرة، الإسكار مبيحة، ستكون مبيحة لأنه لا يسكر. وإذا قلنا الشدة المطربة، فإنه سيكون حرامًا؛ فأيهما يقدم؟ الحاضر يقدم على المبيح، فنقول مثلاً الشدة المطربة ستؤدي إلى أن يكون النبيذ حرامًا، بينما الإسكار لن تؤدي. وإن كان هذا المثال مدخولًا في بعض صوره، لكن كما قلنا، لو قلنا الأموال النقدية المعاصرة، هل تقاس على الذهب والفضة في الربا؟ إذا قلنا العلة هي الثمانية كما يقول الشافعية، فسيؤدي هذا إلى جريان الربا في النقود المعاصرة. وإذا قلنا العلة في الذهب والفضة هي الوزنية، فالأموال النقدية المعاصرة لن يجري فيها الربا.
فالآن، إذا قلنا أن علة الربا في الذهب والفضة هي النقدية، فهذا سينتج حكم التحريم في الأوراق النقدية، يعني حكم الربا فيها. وإذا قلنا أن علة الربا في الذهب والفضة هي الوزنية، فهذا سينتج إباحة الربا في الأموال المعاصرة أو التفاضل فيها. فأيهما سيقدم؟ قياس الشافعية سيقدم على قياس الحنابلة؛ لأن قياس الشافعية أدى إلى الحظر، حظر الربا في الأموال النقدية، لكن قياس الحنابلة أدى إلى الإباحة في الأموال النقدية، والقاعدة تقول: العلة التي تؤدي إلى الحظر تقدم وترجح على العلة التي تؤدي إلى الإباحة. فعلة الشافعية ستقدم هنا على علة الحنابلة، هذا مثال قد يكون سهلًا وواضحًا.
قال: ومسقطة حد وموجبة. مسقطة حد، يعني عندنا قياسان تعارضا، أحدهما علته تؤدي إلى إسقاط الحد، والآخر علته تؤدي إلى إثبات الحد. لو فرضًا قالوا قياسان؛ أحدهما يقول علة الزنا هي الإيلاج في فرج، والآخر يقول علة الزنا الإيلاج في قبل. فإذا أردنا قياس اللواط على الزنا، وقلنا اللواط يقاس على الزنا بجامع الإيلاج في فرج، هذا سيؤدي إلى إثبات الحد على اللاط. أما إذا قلنا أن علة الزنا هي الإيلاج في قبل، ففي اللواط ليس هناك إيلاج في قبل بل في دبر، بالتالي سيسقط الحد عن اللاط. هي فرضية، لكن في الفكر يقولون: القياس الذي علته تؤدي إلى الإسقاط يقدم على القياس الذي علته تؤدي إلى الإثبات.
قال: وموجبة العتق والأخف حكمًا على خلاف فيه كالقيد. نعم، وموجبة العتق، الآن نأتي إلى موجبة...
العتق. هذه مرت معنا مسألتان طلب برضه في النص. إذا بتذكروا قضية إنه الشيء الذي يؤدي إلى الحرية، مش في النصوص قلنا يقدم على النص الذي يبقي على العبودية؟ نفس الشيء، القياس الذي علته تؤدي إلى الحرية يقدم على القياس الذي علته تبقي على العبودية؛ لأن الشريعة تتشوف إلى العتق.
قال: «والأخف حكمًا». القياس قالوا الذي ينتج حكمًا خفيفًا يقدم على القياس الذي ينتج حكمًا شديدًا؛ لأن الشريعة مبناها على التخفيف وليس على التجديد على المكلفين. فالقياس الذي ينتج حكمًا مخففًا يقدم على القياس الذي ينتج حكمًا مشددًا. فقالوا: فلو كان هناك قياسان، أحدهما يؤدي إلى إثبات الكفارة، مثل قياس القتل العمد على القتل الخطأ، أو قياس اليمين الغموس مثلًا على اليمين المنعقدة في إثبات الكفارة، وقياس آخر يؤدي إلى إسقاط الكفارة عن اليمين الغموس أو إسقاط الكفارة عن القتل العمد؛ يقولون: الذي يؤدي إلى إسقاط الكفارة يقدم على الذي يؤدي إلى إثبات الكفارة.
بس طبعًا هذا المثال الذي أتيت به لا يصلح في هذا المقام؛ باعتبار أن الكفارة إنما سقطت في اليمين الغموس من باب التغليظ وليس من باب التخفيف. قالوا لأن مثل هذه الأمور لشدتها وكبيرتها لم تعتبر فيها الكفارة تشديدًا وتغليظًا من الله؛ أنه هذا حتى الكفارة ما بتؤدي معها. تخيلوا، اليمين الغموس ما فيها كفارة عندنا. عند الشافعية يقولون من باب أولى؛ هم اعتبروها قياس أولى، بس هذا قياس أولى وظني. إذا تذكروا أن قياس الأولوية أحيانًا يكون ظنيًا.
فيا إحنا وجهة نظرنا أنه سقطت الكفارة في اليمين الغموس لأن قالوا الكفارة لا تجاوب في إسقاط الإثم؛ لأن معنى أنه كفارة: أنه خلص إذا أديت الكفارة برئت ذمتك، واليمين الغموس لم يردها الله أن تكون كذلك -على الأقل فيما نفهمه كحنابلة-. أراد أن تبقى كبيرة من الكبائر حتى لا تظن أنك تكذب بعدين تقول يلا بعمل كفارة وهيني كفرنا وخلصنا؛ لا، هي أعظم من الكفارة.
لكن ممكن نأخذ بعض الأمور المتعلقة مثلًا بالمفطرات في رمضان، بعض المحظورات في الحج، بحيث إذا قستها قياس معين يؤدي فيها إلى كفارة، وإذا قستها على قياس آخر لا يؤدي فيها إلى كفارة. فمثلًا هل الشافعية المالكية رحمة الله عليهم قاسوا المفطرات على الجماع؟ نعم، قاسوا المفطرات عمومًا المختلفة على الجماع فوجب عندهم الكفارة في المفطرات. نحن لم نقسها على الجماع، نفرض أن قسناها على شيء آخر غير الجماع.
فمثلًا لو قيل لك: الإنزال في رمضان، الاستمناء في رمضان، هل هو مفطر أو لا؟ إذا قسته على الجماع -أو نقول هو بالاتفاق مفطر- لكن هل فيه كفارة ولا لا؟ إذا قسته على الجماع سيكون فيه كفارة، وإذا قست الاستمناء على الأكل والشرب لن يكون فيه كفارة فرضًا. فنقول: قياس بالنسبة لنا كحنابلة قياس الاستمناء باليد أو ما شابه ذلك على الطعام والشراب؛ عدم الإفطار بالطعام والشراب يؤدي فقط إلى القضاء دون وجوب الكفارة عليه، لكن لو قست الاستمناء باليد على الجماع سيؤدي إلى القضاء والكفارة. فأيهما أولى أن يقاس على ماذا؟ أن يقاس على الشيء الذي يخفف عنه وليس على الشيء الذي يشدد عليه.
قال: «والوصفية للاتفاق عليها على الاسمية». طبعًا فقط حتى أعلق على كلمة "على خلاف فيه"؛ هذه لا ترجع فقط على الأخف حكمًا، هذه ترجع على الناقل على المقرر. لأنه في النصوص في الباب السابق قضية: هل الناقل يقدم على المقرر؟ هل الحاضر يقدم على المبيح؟ هل المسقط للحد يقدم على ما هو غير مسقط؟ هل موجب العتق يقدم على غير موجب؟ هل الأخف حكمًا يقدم؟ هذه كلها مسائل مختلف فيها. فهو يقول لك: "على خلاف فيه"، ليس فقط تعود على الأخف حكمًا، بل تعود على مجموعة مما سبق، من بداية قولي: والناقل يقدم على المقرر، والحاضر على المبيح، والمسقط، والموجب، والأخف حكمًا. كل هذا فيه خلاف.
فهو أراد أن يقول: كالخبر، وإن كان يحتمل أيضًا أنه يعود على ماذا؟ الشيخ الودعاني جعله يعود على الجميع. يعني هو في باب النصوص ذكر الخلاف في مسقط الحد وموجب الحرية، وذكر الخلاف في ناقل عن حكم الأصل على غيره؛ في هؤلاء الثلاثة. فالشيخ الودعاني لذلك أعاد كلمة "على خلاف فيه" على جميع ما سبق: بدءًا من عند الناقل يقدم على المقرر، والحاضر يقدم على المبيح، والمسقط على غير المسقط، والموجب على العتق على غير الموجب، والأخف حكمًا على ما هو أشد حكمًا. يعني هو فعليًا فيها خلاف في هذه الأمور، وممكن إرجاع جملة "على خلاف فيه" على هذه الأمور كلها يكون صحيحًا. قال: "كل خبر" يعني كما أن الخبر فيه خلاف هل يقدم الناقل على غير الناقل والحاضر على المبيح والمسقط والموجب؟ كذلك هناك خلاف في الأقيسة في الترجيح باعتبار هذه الأمور.
ثم قال: "الكلمة للطوفي". اقرأ ماذا قال الطوفي عندك؟ قال: «على خلاف في ذلك كله». اقرأ ماذا قال في الشرح؟ «كما سبق في نظيره من الأخبار؛ لأن العلل مستفادة من النصوص فتتبعها في الخلاف والوفاق في ذلك ونحوه. وهذا كله في المنصوصتين والمستنبطتين. أما في المنصوصة والمستنبطة فالمنصوصة واجبة التقديم بكل حال لما سبق في المناسبة مع غيرها».
يعني الطوفي أعاد كلمة "على خلاف فيه" على الجميع تقريبًا، إلا على الأول اللي هو أن المجمع والمنصوص عليه بالاتفاق يقدم على العلل المستنبطة؛ يعني هذا الوجه الأول من أوجه الترجيح هو الوحيد المتفق عليه، ويقول: والباقي كله محل نقاش ونزاع. بدءًا من قوله: والله أعلم، والمناسبة على ضدها. هو أعادها إلى ما هو أكثر مما ذكره الشيخ الودعاني.
المهم، قال: «والمردودة والوصفية». قال: «والوصفية للاتفاق عليها على الاسمية». إذا كانت العلة وصفًا تقدمت إذا كانت العلة اسم جنس. أسماء الأجناس مثل أسماء النباتات، أسماء الثمار، أسماء الحيوانات، وأما الوصف والمشتقات: اسم فاعل، اسم مفعول. فيقولون: إذا كانت العلة وصفًا، مثلًا مطعوم.
قست هذا البر، الرز على البر باعتباره مطعوماً، موزوناً، مكيلاً. هي الكلمات مطعوم، موزون، هي مشتقات أوصاف. إذا كانت العلة وصفاً من هذه الأوصاف يقدم على القياس الذي تكون علته اسم جنس.
فلو قال شخص العلة في البر أنه بر، أو البرية؛ نقول البر هذا اسم جنس، هذا ليس وصفاً، وصفاً مشتقاً. وهذه أيضاً ستؤدي إلى مشكلة أخرى كما قلنا، أنها ستؤدي إلى أن تكون العلة قاصرة. كذلك لو قال شخص العلة في تحريم آنية الذهب والفضة أنها إناء، نقول كلمة إناء هذا اسم جنس، أنها أوعية. التعليل بالأوعية؛ نقول التعليل أن هذا شيء محرم لأنه وعاء أو إناء. كما قلنا: خمر، بر؛ هذه كلها أسماء أجناس، فأن تجعلها علة هذا فيه ضعف؛ لأنه مختلف هل يجوز التعليل بأسماء الأجناس أو لا يجوز؟ وأما التعليل بالأوصاف مثل «طوافون عليكم» والطواف اسم، فمتفق على التعليل بها، فلذلك العلة الوصفية تقدم على العلة الاسمية. فهمنا؟ إذاً ما معنى اسمية؟ اسم جنس.
قال: «والمردودة إلى أصل قاس الشارع عليه على غيرها، كقياس الحج على الدين، والقبلة على المضمضة». طبعاً هذا حقيقة أنا لا أعتقد أنهم متعلقون بالعلة وحدها، لكن هو جعلها من مرجحات العلل. يقول: «العلة المردودة إلى أصل قاس الشارع عليه» تقدم على العلة التي أردتها إلى أصل؛ أنا أجعله أصلاً للقياس وليس الشارع هو الذي جعله أصلاً.
الآن هل الشريعة، هل الشارع الحكيم استعمل الأقيسة؟ نعم، هناك نصوص، النبي ﷺ استعمل فيها الأقيسة؛ كالرجل الذي جاء وقال: «يا رسول الله، إن أمي نذرت أن تحج، فلم تحج حتى ماتت، أفأقضيها عنها؟» قال ﷺ: «أرأيت لو كان على أمك دين، كنت قاضيته عنها؟». إذًا قاس قضاء الحج على قضاء الديون المالية، قاس قضاء الديون التي لله على الديون المالية. قال: «نعم»، قال: «فدين الله أحق أن يقضى». إذًا الديون المالية هي القياس عليها، ثابت بنص الشارع. فلو جاء شخص يريد أن يعارضها بقياس آخر، نقول: أخي، النبي ﷺ استعمل الديون المالية أصلاً للقياس، فيقدم على ما كان الأصل فيه طبعاً.
الآن أنا في اعتقادي أن هذه المسألة ليست أن شخصاً يريد أن يأتي بقياس آخر يعارض كلام النبي ﷺ، فهذا لا يمكن، وهذا اسمه في قوادح الأقيسة فساد اعتبار. لكن كأنه يقصد: أنا إذا استعملت هذا الأصل الذي استعمله النبي ﷺ في مسألة أخرى، وجاء شخص عمل قياساً في مسألة أخرى، وجاء شخص عمل قياساً أصله هو وضعه أصلاً ولم يثبت من الشارع استعماله كأصل، فهذا من المرجحات؛ أن هذا الأصل الذي قبلت الشريعة استعماله يقدم على الأصل الذي أردت أنت أن تجعله أصلاً لهذا القياس ولم يثبت في الشريعة أنه استعمل.
كذلك حديث المضمضة، أو عفواً القبلة للصائم؛ أن النبي ﷺ لما جاءه عمر فقال: «يا رسول الله، قبلتُ هلكتُ»، قال: «وماذا؟»، قال: «قبلتُ وأنا صائم»، النبي ﷺ قال: «أرأيت لو تمضمضت وأنت صائم؟» قال: لا، قال: «فكذلك». فالفكرة أن النبي ﷺ قاس القبلة للصائم على المضمضة للصائم؛ أنه كما أن المضمضة للصائم لا حرج فيها، كذلك القبلة للصائم لا حرج فيها، فأصبحت المضمضة أصلاً استعمله الشارع في القياس. فاستعمالك لهذا الأصل في حالة تعارض، أنا استعملت أصلاً استعمله الشارع وأنت عارضتني بأصل لم يستعمله الشارع، فقياسي مقدم على قياسك.
وهنا مثلاً ذكر مثال لو تردد حكم القبلة للصائم بين كونه مفسداً للصوم قياساً على الوطء لأنه نوع استمتاع، وبين عدم إفساده قياساً على المضمضة في عدم التأثير على الصوم، فالقياس على المضمضة أولى؛ لأنه قياس على أصل قاس عليه الشرع. فنحن الآن ماذا نقول له؟ نحن أصلاً هذا القياس، قياس القبلة على الوطء لا يصح لأنه فاسد الاعتبار، لأن النبي ﷺ خلص هو قاس القبلة على المضمضة، أنت كيف تضع قياساً مقابل كلام النبي ﷺ؟ هذا لا يتصور.
مثلاً قال في المثال الأول: لو تردد الحج بين القياس على الدين في كونه لا يسقط بالموت، وبين القياس على الصلاة في سقوطها بالموت، فالقياس على الدين أولى لأنه أصل قاس عليه الشارع. نفس المشكلة، هو يستعمل أنه قياس يقابل النص. شوف الطوفي بالله ما الأقيسة التي ذكرها مثالاً! هنا جيد أن الودعاني انتبه للمشكلة، قال: «ورغم أن كون المؤلف قد ذكروا هذين المثالين بهذه الطريقة، ففيهما إشكال». ليه؟ من جهة كونه قياساً معارضاً للنص، فالترجيح ليس بكون الأصل قد قاس عليه الشارع، وإنما بمعارضة القياس الآخر للنص، لكن لو كان المثال في مسألة أخرى لم يرد النص ببيان حكمها، نعم، خلص أنه اتفق معنا في الآخر.
يعني هذا الكلام هو المقصود عند العلماء؛ ليس مقصودهم في الترجيح هو قياس يقابل النص، لا، الفكرة أنه لو هذا الأصل الذي قاس عليه الشارع أنا أخذته واستعملته في مكان آخر في مسألة أخرى، فبالنسبة لنا استعماله كأصل له مرجوحية، ويستأنس به أن الشارع استعمله، فيقدم على أصلك الذي الشارع لم يستعمله في مكان من الأمكنة. يعني كأن استعمال الشارع لهذا الأصل يعطيه نقطة من نقاط الترجيح فقط لا غير، ولا يمكن أن تكون الأمثلة بالطريقة التي ذكرها، وإلا سيكون لك إشكال: كيف يأتي شخص بقياس يصادم قول النبي ﷺ ثم يقال هذا يرجح باعتباره أصلاً قاس عليه الشارع؟ هذا ما فيه ترجيح أصلاً بين رأي المخلوقين وكلام النبي ﷺ.
- تفضل. - يا شيخنا، حتى قياس النبي ﷺ، نقول نحن نعتبره نصاً ولا نعتبره قياساً؟ - أحسنت.
أحسنت، فهو ليس تعارض نص قياس مع قياس، هو تعارض قياس مع نص، وهذا أيضًا نص عليه هنا البعدان، انتبه لهذه الجزئية؛ فلذلك يجب أن يحمل كلام البعدان. أنا أظنه منطقي، الرجل ذكر لك مثالاً بالصورة التي ذكرها، أنه يحاول أن نأتي بمثال في مسألة أخرى استعمل فيها هذا الأصل وليس في نفس المسألة.
قال: «والمنعكسة على غيرها، إن قيل بصحتها، العلة المطردة تقدم على العلة المنقوضة». تذكروا العلة المطردة والعلة المنقوضة؟ نحن قلنا الحنابلة الأصل عندنا أن الاضطراد شرط إلا في الصور المستثناة. فالآن إذا فرضنا عندنا قياسًا أحدهما علته مطردة لم تنقض في مكان من الأمكنة، والآخر علته حصل فيها نقض، أي القياسين سيكون أقوى؟
إذا أنت قبلت العلة التي فيها نقض ولم ترَ أن الاضطراد شرط دائم، لكن سيبقى عمومًا الذي علته مطردة ولم تنقض في صورة من الصور يقدم على الذي القياس الذي علته منقوضة في بعض الصور، هذا شيء طبيعي، هذا قريب من فكرة العام المخصوص والعام غير المخصوص؛ العام الذي لم يدخله الخصوص هو زي العلة المطردة، والعام الذي دخله الخصوص زي العلة المنقوضة، هي هي الفكرة؛ فدائمًا المحافظ على عموميته واضطراده يقدم على ما دخله شيء من التخصيص؛ لأن النقد هو تخصيص بالضبط.
قال: «والمنعكسة على غيرها، إن اشترط العكس». طيب، المنعكسة على غيرها؛ إيش يعني منعكسة على غيرها؟ تذكر ما هو الانعكاس؟ أخذناه في النظم الصغير، مين يذكر لي ما هو الانعكاس؟ وهل هو شرط من شروط العلة حتى أخذناه سابقًا؟ إذا انتفت العلة ينتفي الحكم؟ لا، الانعكاس؛ نعم، كلامه صح، الانعكاس إنه إذا انتفت العلة ينتفي الحكم. فإذا انتفت العلة ووجد الحكم، معناته لم يحصل انعكاس.
عكس الاطراد تمامًا، شو الاطراد؟ إذا وجدت العلة وجد الحكم، فإذا وجدت العلة ولم يوجد الحكم اختل الاطراد. الانعكاس بالعكس: إذا انتفت العلة يجب أن ينتفي الحكم، فإذا انتفت العلة والحكم لساته موجود، معناته إيش بنقول؟ ما فيش انعكاس. طيب، هل هذا شرط؟ إيش كنا في المذهب عندنا؟ ليس شرطًا، الصحيح أنه ليس شرطًا عند الحنابلة؛ لأنه قد قالوا تخلفه علة أخرى، يعني أنا ماشي لم أذهب إلى دورة المياه، معناته خلص لم ينتقض وضوئي، لا ممكن ينتقض وضوئي، بقي الحكم موجود، بس ليش؟ لعلة أخرى، ولذلك قالوا وجود الحكم مع انتفاء العلة لا يدل على أن العلة لا تصلح، أنه قد تكون من باب تعدد العلل.
لكن عمومًا قوله: «والمنعكسة على غيرها» حقيقة يعني ما في داعي أن يقيد: إن اشترط العكس؛ ليه؟ يعني سواء قلنا باشتراط العكس أو لم نقل باشتراط العكس كمرجح، العلة المطردة المنعكسة أقوى من العلة التي اختلف فيها الاطراد أو الانعكاس، وهذا شيء واقعي. بغض النظر إحنا بنقول إنه الانعكاس شرط ولا لا؟ أنا مش لازم أقول إن الانعكاس شرط حتى أرجح به، أنا ممكن أقول إنه هو ليس شرط، بس وجوده يعطي قوة، فلا داعي للتقييد الذي ذكره ابن نصر الله: «إن اشترط الانعكاس». بالظاهر صنيع أصحابنا أن العلة المنعكسة التي إذا انتفت انتفى الحكم معها أقوى من العلة التي إذا انتفت لا ينتفي الحكم معها، أقوى.
شيخ، أستاذ جلال، الطرد والعكس في العلة له علاقة بالطرد والعكس كما ذكرنا في مسألة التعريف بداية المسألة؟ نعم، يعني هو نفس المسألة في التعريف، أنت يهمك أن يكون جامعًا مانعًا، فهو في تقارب في المفهوم، بس هناك أنت تتصور بطريقة، وهنا أنت تتصور بطريقة أخرى، بس هذه لها علاقة بنظرية المعرفة حتى ما نستفيض فيما بنحكي فيها إن شاء الله.
قال: «إذا انتفاء الحكم عند انتفاء العلة يدل على زيادة اختصاصها بالتأثير». فتصير كالإيش؟ كالحد مع المحدود؛ لاحظ كيف ربطها في القضية اللي بنحكي فيها، قال: «فتصير كالحد مع المحدود». إذا وجد المحدود وجد الحد، أو إذا وجد الحد وجد المحدود، عفوا إذا وجد الحد وجد معه المعرف، وإذا انتفى انتفى. فما ينفعش أن يكون المحدود مش موجود والحد لساته موجود، معناته في مشكلة.
تخيل هي نفس الفكرة، تخيل أنه أنا عم بعرف شغلة وأعطيتها تعريفًا، أجد أحيانًا الشغلة مش موجودة والتعريف موجود، والتعريف موجود منطبق على هذه الصورة، إذاً في مشكلة؛ صار التعريف أوسع من الصورة التي أنا أعدها، فهي نفس الفكرة هنا؛ كيف تكون انتفت العلة ولسه الحكم موجود؟ انتفى المحدود ولسه الحد موجود في الصورة، انتفى الحكم العلة ولسه الحكم موجود، نفس المشكلة.
فيقول: «إذ انتفاء الحكم عند انتفاء العلة يدل على أن العلة لها مزيد تأثير»، بدليل أنها لما انتفت راحت معها الحكم؛ قالت: «أنا ما بروح إلا يروح معي الحكم»، مش أنا أروح ويظل الحكم موجود، هذه العلة قوية، فتكون أقوى من العلة التي لا تقبل اللي حصل اللي الانعكاس فيها لم يحصل. ثم قال: «والعلة العقلية» وهي أظنها متعلقة بالنص السابق، «فتصير كالحد مع المحدود، والعلة العقلية مع المعلول»، إنه كيف العلة العقلية مرتبطة بمعلولها، فإذا انتفت العلة العقلية ينتفي معها المعلول.
قال: «والمتعدية والقاصرة، إن قيل بصحتها سيان حكمًا لقيام الدليل على صحتها». هذه مسألة مرت معنا سابقًا، أولًا: هل من شروط العلة أن تكون متعدية؟ ارجعوا لشروط العلة، المنصوص سيختلف عن المستنبط، هسه قلنا إذا كانت منصوصة أو مجمع عليها ما لنا علاقة، كانت متعدية أو قاصرة نقبلها جبرًا عنا جميعًا إلا إذا كانت منصوصة أو مجمع عليها، أما إذا كانت العلة مستنبطة فالأصل عند الحنابلة أن تكون العلة متعدية وليست قاصرة.
فلذلك هو بنى على أنه تنزلًا يقول: «إذا تعارضت متعدية مع قاصرة، إن قيل بصحتها» أي بصحة التعليل بالقاصرة، على سبيل التنزل. فهو ماذا اختار هنا صاحبنا ابن نصر الله؟ قال: «اختار أنهما سواء»، فلا ترجيح لأحدهما على الآخر. لكن نحن الحنابلة كمذهب، مش راح أقول لك الراجح عندنا، لأنه هو الأصل نحن ما بنقبلها، لكن هو قال: «إن قيل بصحتها» فهو يرى ابن نصر الله أنهما سيان، يعني لا يرجح بأحدهما على الآخر، كونها قاصرة أو متعدية لا يرجح بأحدهما على الآخر، لقيام الدليل على صحتها؛ إيش يعني قيام الدليل؟ يعني أنا عندي علة متعدية قام الدليل على صحتها، وعندي علة قاصرة قام الدليل على صحتها، أنا ما بقدر أقول فقط لأنه هذه متعدية أو...
قاصرة، وأرجح هذه على هذه أو هذه على هذه. هذا طبعاً اختياره هو، وفي المسألة فيها أقوال أخرى؛ البعض قدم المتعدية، والبعض قدم القاصرة، وهذا فيه نقاش طويل.
وقيل: تقدم القاصرة لمطابقتها النص في موردها وأمن صاحبها من الخطأ. الذي قال «وقيل» واللي رجح القاصرة ذهب إلى ماذا؟ شوف كيف الناس بتفكر، وأنا بهذه اللحظة لماذا أحب كتب الأصول؟ لأنها هي بتعلمك التفكير.
أنا واحد قال لك: أنا بدي أقدم القاصرة، إيش وجهة نظرك؟ قال: القاصرة هي أقرب للنص؛ لأنها ملتزمة بدائرته، ما هو وسعته. القاصرة بتضل إيش أنت؟ أقرب إلى «قال»، لمطابقتها النص في موردها. فلما أنا فرضاً أعلل الربا في الذهب والفضة بأنه ذهب، فهي قاصرة، صحيح؟ بس هي في النهاية بتضل إيش؟ مطابقة لمورد النص؛ لأنني بقيت على الذهب، وإذا وسعت الدائرة... وفي نفس الوقت يأمن صاحبها من الخطأ؛ أنه أنا لما أعلل بعلة متعدية بتكون أوسع من النص، فممكن أنا أعطي علة متعدية خطأ وأعمل كارثة للأمة، يصير الكل يقيس عليها وتكون خطأ. أما إذا أنا عللت بعلة قاصرة، فأنا فعلياً منعتك من القياس، فأنا كنت أمنت من الخطأ.
بس هذا فعلياً مش منطقي كثيراً، ليه؟ لأنه أنت بالعكس قد يكون بقاؤك على العلة القاصرة هو الخطأ؛ لأنه بيعمل خلل في منظومة أحكام أخرى. زي إخواننا الظاهرية لما قالوا إن الأصل النصوص لا يقاس عليها، جعلوا الربا فقط في الأنواع الستة، طيب ما هو أنت هيك عملت مشكلة ودربكة في منظومة الربا كاملة لما يكون الربا فقط في الأصناف الستة، والتمر والزبيب هذه مش موجودة أغلبها اليوم استعمالها إلا محدود. فقوله «وأمن صاحبها من الخطأ»، وهذه ممكن الطرف الآخر يقول لك بالعكس: أنت على محك الخطأ كما أنا على محك الخطأ والخطر، كلانا سيكون على خطر.
ومن قال تقدم المتعدية على القاصرة، فإنما قال ذلك من جهة كثرة فوائدها؛ لأن العلة المتعدية تنتج أحكاماً كثيرة بالقياس عليها، فالفوائد التي تجنيها منها كثيرة، وإذا كان هناك مجال للترجيح فالمتعدية حقيقة مقدمة على القاصرة، وهذه كما قلنا إذا كانت كلاهما مستنبطة، فالعلة المتعدية الذي يظهر أنها أقوى من القاصرة، والله أعلم.
قال: «فعلى هذا ترجح الأكثر فروعاً على الأقل، ومنه ترجيح ذات الوصف لكثرة فروعها على ذات الوصفين». فعلى هذا، إذا قلنا إن المتعدية تقدم على القاصرة بسبب كثرة الفوائد، فبالتالي سيصبح عندنا ترجيح جديد أو مرجح جديد؛ فلو قيل: المتعدية لكثرة فوائدها تقدم على القاصرة، سينتج عن هذا مرجح جديد وهو أن المتعدية التي تكثر فوائدها تقدم على المتعدية التي تقل فوائدها، لكن هذا متى سينتج؟ إذا قلنا إن المتعدية عموماً تقدم على القاصرة بسبب كثرة الفوائد.
قال: «ومنه ترجيح ذات الوصف لكثرة فروعها على ذات الوصفين»، يعني العلة المركبة، أو العلة التي من وصف واحد تقدم على العلة المركبة من وصفين. لو قلنا أيهما مقدم: أن نقول علة الزكاة في الزروع والثمار هي القوت، أو نقول علة الزكاة في الزروع والثمار مكيل مدخر؟ أن تكون القوت؛ لأنه القوت بتوسع المتعديات أكثر، لكن إذا صارت العلة وصفين أنت تقيدت أكثر وأكثر الاحتمالات التي ستخرجها، إذا صارت ثلاثة أوصاف أكثر وأكثر وهكذا، بتقل الاحتمالات التي ستدخل.
ثم قال: «ورد بأن ذات الوصفين قد تكون أكثر فروعاً». يعني البعض رد وقال: ذات الوصفين قد تكون لها أكثر فروع. هذا ربما من شيء عرفي ممكن؛ في الحياة ممكن أن تقول: والله المكيل المدخر قد يكون أعلى من علة أخرى، مثل النقدية مثلاً لأنها علة مش مركبة، مفردة، بس أكثرتها أقل بكثير من المكيل المدخر؛ المكيل المدخر أكثر بكثير من النقد، النقد محدود جداً في جزئياته.
حسين، أنت تتحدث في أي مسألة؟ أنت هنا دخلت مسألتين ببعض. هذا فرض، لكن شوف إحنا كاحتمال رياضي كعلم رياضيات وهندسة، أظن أنه كلما كثر الوصف قل الداخل، يعني هذا الاحتمال المنطقي الرياضي؛ أنه كلما كثرت الشروط يقل عدد الاحتمالات الموجودة، فمنطقياً وعقلياً ذات الوصف مساحتها أكثر من ذات الوصفين. لكن واقعاً وعرفاً نقول ممكن، فعلاً تجد بعض الأمور بنيت على علة وصف، وعلة أخرى بنيت على وصفين، وكانت ذات الوصفين أكثر أمثلة ووجوداً من ذات الوصف. لكن كعقل واحتمال رياضي الأصل يكون أقل.
ممكن يقصد هو أن العلة المركبة أضعف من... هذه أنت تتكلم عن شيء آخر، هذول صاروا علتين وكل علة تنتج حكماً، يعني مكيل أو موزون، هذول تعدد علل، أنت تتكلم في باب آخر مش في الباب الذي نحن فيه.
قال: «ولا مدخل للكلام في القاصرة والمتعدية في ترجيح الأقيسة، وإنما فائدته إمكان القياس بتقدير تقديم المتعدية كالوزن في النقدين، وعدمه بتقدير تقديم القاصرة كالثمنية فيهما، إذ القاصر لا يتعدى محله ليقاس عليه». هذه مرت معنا أن القاصرة لا تتعدى محله فيقدم عليه، هو ماذا يقول هنا؟ يقول: ولا مدخل للكلام في القاصرة والمتعدية في ترجيح الأقيسة؛ لأنه أصلاً القاصرة ما فيها قياس، يعني نحن لا نقول قياس مقابل قياس. القاصرة فيها قياس؟ ما هي أصلاً قاصرة، كيف؟ هو يقول لك نحن لسنا بصدد ترجيح قياس على علة متعدية على قياس على علة قاصرة، لأن الجملة الثانية خطأ؛ كيف يكون قياس على علة قاصرة؟ ما هي أصلاً علة قاصرة، فبقول لك هذا ليس ترجيحاً بين أقيسة؛ لأنه لا يوجد قياس على علة قاصرة. فبقول لك الكلام هنا حقيقة في هذه المسألة بالتحديد ليس ترجيحاً بين الأقيسة، وإنما فائدته إمكان... هو يتحدث عن الإمكان هنا؛ قال: «وإنما فائدة كلامي أنه يمكن القياس بتقدير تقديم العلة المتعدية كالوزن في النقدين، على عدم إمكان القياس في حال قدرنا العلة القاصرة كالثمنية».
مفهوم لديكم إذا قلنا إن العلة هي الثمنية. هو شوف العبرة، هو استعمل كلمة الثمانية بس، أنا أعتقد لازم يستعمل علة أخرى؛ لأن كلمة الثمانية سوف تؤدي إلى أن تكون العلة متعدية، ويصف الثمانية بالذهبية.
الثمنية عندهم ما كانت متعدية، هو عندهم هيك، أنا فاهم هذا؛ هم في عقلهم الثمن مئة سنة، هو الذهب والفضة. أنا أفهم أن كلمة ثمن عندهم هي لا تُحمل إلا على ذهب وفضة بس، حتى الأخوة الذين يسمعوننا يفهموا الكلام؛ المراد بالثمن نفس الذهبية والفضية، هذا المراد بالثمانية، يعني الذهبية والفضية نفسها لا سواها، وكل الأوراق النقدية وما شابه ذلك هي قياس على الأثمان وليست أثماناً بذاتها.
المهم، فالثمانية هي الذهبية والفضية ستؤدي إلى عدم إمكانية القياس، هكذا يحكي لك ابن نصر الله. بينما الوزنية إذا قلنا إن الذهب والفضة العلة فيها ليست أنها ذهب أو فضة أو ثمن، العلة فيها أنها موزونة، فهذا سيؤدي إلى إمكانية القياس. فالترجيح في هذه الحالة يكون بين إمكانية القياس وبين عدم إمكانية القياس، وليس بين قياس وقياس، هذا الذي يريد أن يقوله حتى لا يُفهم الكلام غلط. قال: إذا القاصر لا يتعدى محله ليقاس عليه أصلاً حتى نقول إنه هناك تعارض بين أقيسة.
طيب، أكمل. قال: «ويُقدم الحكم الشرعي واليقيني على الوصف الحسي والإثباتي عند قوم، وقيل الحق التسوية؛ إذ بعد قيام دليل العلية لا يختلف الظن بشيء في من ذلك».
قال: «ويقدم الحكم الشرعي واليقيني على الوصف الحسي والإثباتي عندكم»، ماذا يقصد بذلك؟ يريد أن يقول القياس إذا كانت هذه عند بعضهم؛ إذا كانت علته حكماً شرعياً، يُقدم على القياس الذي علته وصف حسي.
يعني مثلاً لو أن شخصاً قال: يحرم بيع الخمر، شو العلة؟ الإسكار، نقول هنا علل أنت بوصف حسي. طيب لو شخص قال: يحرم بيع الخمر، نفس الجملة، بس شو العلة؟ حرمة شربها. أنت قلت حرمة بيع الخمر؛ لأن الشيخ عمر علل ذلك لأنه يحرم شربها، فجعل العلة حكماً شرعياً، ونحن قلنا يجوز أن تكون العلة حكماً شرعياً سابقاً. والشيخ اختار أن يقول: لا، أنا أقول يحرم بيع الخمر لأنها مسكرة، فذكر وصفاً.
يقولون بالحكم الشرعي مقدم على التعليل بالوصف الحسي. التعليل بالحكم الشرعي مقدم على التعليل بالوصف الحسي. وإن كانت هذه المسألة، وأنا أعتقد وقيل الحق التسوية وأنا أميل إلى هذا، أنه ما لها علاقة كثيراً بأنه قال والله أنا عللت بحكم شرعي أو هنا كانت العلة وصفاً حسياً.
طبعاً ما دليلهم؟ يقولون لأن القياس هو طريق شرعي لإثبات الأحكام، فأن تكون العلة التي تستعملها حكماً شرعياً أولى من أن تكون العلة التي تستعملها وصفاً حسياً. يعني بقولك القياس أنت ليش بدك تستعمله أصلاً؟ لإنتاج حكم شرعي، فأن تكون العلة نفسها حكماً شرعياً تنتج حكماً شرعياً، تظل هكذا أنت في جو الشريعة، أولى من أن تكون العلة التي تريد استعمالها وصفاً حسياً مثل الإسكار لتنتج حكماً شرعياً.
لكن في اعتقادي هذا يصعب الترجيح من خلاله؛ لأنه كل مسألة بحسبها وبحسب طبيعتها. يعني في مسألة بالعكس أنت تبنيها على الأوصاف أولى من أن تبنيها على الأحكام، هي هكذا طبيعة المسألة. فهل أقول لا والله هنا أن تبنيها على الحكم الشرعي مقدم على أن... أعتقد أنها ليست بذاك التعليل القوي؛ ليس لأن القياس طريق ينتج أحكاماً شرعية يجعلني أقدم أن تكون العلة حكماً شرعياً. أنا أعتقد أن كل مسألة يجب أن يُنظر إليها بطبيعتها، ما هو الملحظ فيها؟ هل الملحظ فيها الأوصاف الحسية مثل مسكر أو طواف، أو الملحظ فيها حكم شرعي؟ هذا الذي ينبغي أن يكون مؤثراً. لكن هكذا قال بعضهم، ولذلك قلت إنهما سواء، وسبحان الله وجدنا ابن تيمية يتفق معنا في ذلك، أنهما سواء. يعني ابن تيمية رفض فكرة أن الحكم الشرعي إذا كان علة يقدم على العلة إذا كانت وصفاً حسياً؛ لأن هذه ليست شيئاً ذا منطق، وليست صحيحة هذا النظر، لأنك تتعامل مع كل مسألة بحسب طبيعتها.
طيب، خلينا نكمل السؤال. الحالة الثانية: «ويقدم اليقيني»، ماذا يقصد باليقيني؟ هنا استخدم اليقيني بمعنى غريب، يقدم اليقيني على الإثباتي. اليقيني هو السلبي، العلة السلبية تقدم على العلة الإثباتية. فماذا يقصد بالشيء السلبي؟ ولماذا سموه يقينياً؟ السلبي الذي هو قال التمسك بالأصل، بالبراءة الأصلية. العلة التي تقوم على البراءة الأصلية والتمسك بالأصل مقدمة على العلة التي تؤدي إلى إثبات حكم.
بس هذا سيؤدي عندنا إلى إشكال مع فكرة الناقل وغير الناقل. نحن قبل قليل قلنا الشيء الذي ينقل إلى حكم جديد أقوى من العلة التي ثبتت الأصل، الآن هو ماذا قال هنا؟ يقول: «إذا تعارض قياسان، والجامع في أحدهما حكم سلبي وفي الآخر حكم إثباتي، وقوله اليقيني يريد به السلبي لأنه المستند إلى يقين النفي»، وكان الأولى أن يقول السلبي.
طيب، الآن هو ماذا يقول؟ يقول هنا: «والأصح عند الحنابلة تقديم العلة الثبوتية على السلبية»، ليه؟ قال لأن العلة الثبوتية ستفيد حكماً شرعياً جديداً لم يُعلم بالبراءة الأصلية، بخلاف النافية السلبية فإنها تبقيك على البراءة الأصلية. ونقول، وهذا الذي ينسجم مع قوله سابقاً: الناقلة تقدم على المثبتة أو المبقية على الأصل.
طبعاً مثل ما قلنا في قوله: يقدم الحكم الشرعي إذا كانت العلة حكماً شرعياً على الوصف الحسي، واختار -وهو ظاهر كلام ابن نصر- أنه اختار القول الذي يرى أن العلة إذا كانت حكماً شرعياً تقدم على العلة إذا كانت وصفاً حسياً، هو مشى بهذه الطريقة على طريقة ابن الكلاب، لكن ابن مفلح -اكتبوا هذا الكلام جيداً لأنه الظاهر أنه هو المعتمد مذهبياً- أن ابن مفلح وتبعه المرداوي وابن النجار قدموا العلة إذا كانت وصفاً حسياً على الحكم الشرعي.
وابن تيمية اختار أنها سواء، يعني صار عندك ثلاثة أقوال في المسألة: ابن الكلاب وتبعه ابن نصر الله والطوفي فيما يظهر، أن العلة إذا كانت حكماً شرعياً تقدم على الوصف الحسي؛ أبو يعلى وابن نصر والمرداوي وابن النجار، وعادة ما يكون هذا هو المذهب. وابن مفلح، وابن المرداوي، وابن النجار من المتأخرين إذا اتفقوا على شيء عادة يكون هو المذهب حتى في أصول الفقه، فرأوا أن الحسي مقدم على الحكم الشرعي. وابن تيمية اختار أنهما سواء، وأنا أقول أنا...
أعتقد كلام ابن تيمية أنا أميل إليه، ليس مذهبيا ولا أميل إليه من حيث النظر، بل لأنه هو المتناسب مع طبيعة المسائل.
ثم قال حتى نختم الآن سريعا: «والمؤثر بعد قيام...»، وقيل الحق التسويه لمن اختار التسويه، وهو ابن تيمية وأتباعه؛ قال إنه بعد قيام دليل العلية لا يختلف الظن بشيء من ذلك. يعني إذا ظهر دليل العلية، سواء ظهر دليل العلية على أنه حكم شرعي، أو ظهر دليل العلية بالوصف الحسي، ثبتت أنها علة؛ كون العلة حكما شرعيا أو كون العلة وصفا حسيا هذا على حسب طبيعة المسألة وما الذي تقتضيه أن تكون العلة فيها.
ثم أخيرا قال: «ويقدم القياس الذي علته مؤثرة على الذي علته ملائمة». هذا واضح على حسب تعريف المؤثر والملائم الذي سبق معنا؛ عين وصف وعين الحكم. «ويقدم الملائم على الغريب»، وهذا أكيد أنه مر معنا أنه يا هو المؤثر، ثم الملائم، ثم الغريب. ثم قال: «والمناسب عموما يقدم على الشبهي»، وهذا فيه هنا تكرار؛ أنه ما أخذ بمسلك المناسبة مقدم على ما أخذ بمسلك الدوران والشبه، هي نفس الفكرة السابقة. ثم ختم فقال: «وتفاصيل الترجيح كثيرة».
فالضابط العام الختامي للترجيحات عموما، سواء في المنقولات أو المعقولات، هو ما اقترن بأحد الطرفين المتعارضين من أمر نقلي، أو أمر اصطلاحي -والاصطلاح هنا يقصد به العرف- أو أمر عرفي، سواء كان عرفا عاما أو عرفا خاصا يؤيد، وطبعا العرف لا يتعارض مع الشرع، هذا لازم نفهمه دائما، أو قرينة عقلية، أي منطق عقلي، رجح أحد الأمرين على الآخر، أو قرينة لفظية، وهذا يعود إلى اللغة عموما.
ما الفرق بين النقلي واللفظي؟ الأمر النقلي يقصد أنه حديثان متعارضان أو نصان متعارضان أو قياسان متعارضان، أحدهما يعضده نقل من الكتاب أو السنة وأقوال الصحابة. أما القول اللفظي فيقصد به اللفظ لغة، أي مرجح لغوي؛ كأن يكون هذا حقيقة يقدم على المجاز، أو هذا مشترك أو مبين يقدم. فهذا فرق بين النقلي واللفظي؛ فاللفظي يقصد به أمر لغوي مثل الحقيقة والمجاز وما شابه ذلك.
قال: «أو قرينة حالية»، وهي القرينة الحالية السياقية؛ أن هذا النص كان في سياق غزوة، أو كان في سياق حال معين. فالقرائن الحالية واللفظية والعقلية والعرفية والنقلية، كل هذه القرائن تحتشد في عقل المجتهد عندما يقوم بالترجيح؛ فأي شيء من هذه المرجحات جاء وأفاد زيادة ظن بأنه هذا أعلى من هذا، رجح به.
هي هكذا القاعدة العامة؛ هو بعد أن انتهى من سرد المرجحات قال: «وهكذا هي الفلسفة العامة في الترجيح»، أنك ستحتاج إلى مرجحات نقلية، وعرفية، وعقلية، ولفظية، وحالية، تعطيك أن هذا مقدم على هذا في الظن، وقد حصل بهذا بيان الرجحان من جهة القرائن.
الآن هو لما تكلم عن المرجحات في القياس قال: إما يرجح من جهة حكم الأصل -عفوا حكم الأصل أو العلة- أو القرائن. لم يذكر المرجحات من حيث القرائن في القياس، بل أراد أن يعطيك قاعدة عامة، كأنه يريد أن يوصل إليك أن الفلسفة العامة بهذه الطريقة يفكر بها، وليس للمرجح انحصار، وقوة الظن هي المثار، كما قال السيوطي في الكوكب الساطع: «وليس للمرجح انحصار». إنما الفكرة العامة وقوة الظن هي التي تعطيك قوة الظن وهي مثار التفكير في المرجحات.
قالوا: وجه الرجحان في أكثر هذه الترجيحات... يعتذر بأنه سرد المرجحات سريعا ولم يشرح لماذا هذا يقدم على هذا، لأنه وجه الترجيح بينهما -تفهمونه خاصة إذا كان هناك معلم يشرح لكم- فلهذا أهملنا ذكره اختصارا.
والحمد لله رب العالمين، وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه. نحمد الله سبحانه وتعالى أن أعاننا على قراءة هذا السفر المبارك وأتممناه خلال الستة أشهر السابقة. ودائما لكل بداية نهاية أيها الكرام، وهذا ما يشعر طالب العلم بالجدية والحماس؛ أن يشعر أن الكتاب إذا واظب عليه ودرسه بشكل جيد ثم انتهى منه، يشعر أن في إمكانية للإنجاز. ولذة الإنجاز لذة جميلة إذا قورنت بالاهتمام والفهم؛ لأنه أحيانا قد تنجز أنت كتابا ولكنك لست فاهما له.
هذا الكتاب نحن ربما أنهيناه في خمس وخمسين محاضرة. ربما بعض الناس يقول لك: بلغت خمس وخمسين محاضرة وكل محاضرة ساعة ونصف! حقيقة هذا أقل القليل في اعتقادي البسيط. كان دائما بعض الإخوة يقولون: يا شيخ إبراهيم، بعض المشايخ يشرحون هذه الكتب ربما في عشرين أو خمسة عشر مجلسا. أقول: لكل شيخ طريقته، وهذه مدارس في التدريس، ونحن نحترم جهود الجميع وطريقة الجميع.
هناك من يفضل فقط فك الألفاظ، ويعتمد أن الطالب هو وحده يقرأ في المطولات ويفكر وينمي، وأنا فقط أفكك الألفاظ. أنا في اعتقادي وظني أن التدريس يقوم على المناقشة والأمثلة ومحاولة استثارة المشاكل، وتتأكد أن الطالب فهم الموضوع وتذكر مثال ومثالين، وهذا بطبيعته يأخذ وقتا مع المراجعة. لأن الطريقة السابقة -والأولى أنا وجدتها سواء في حياتي أو من خلال نظري في الإخوة، سواء أيام طلبنا في المدينة أو غيرها- أنها لا تنتج؛ يبقى الطالب ضعيفا، هو فقط يفك لفظه لكن لا يعرف المعنى، ولم يفهم القضية بعد، ولم يصل إلى نقطة الإشكال ولا إلى مرام المؤلف ومقصده.
ولذلك قد تطول بعض الدورات وبعض الكتب، لكن سيجد طالب العلم أثرها بعد ذلك إن شاء الله في حياته العلمية؛ فالكتب التي تتدارس وتستشكل فيها القضايا وتطبق فيها الأمثلة ليست كالكتب التي تقرأ سردا. فالحمد لله الذي أعاننا على هذا الختام، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يتقبل منا ومنكم هذا الجهد الطيب المبارك.
وأشكركم على الثبات لهذه الفترة، لأنه حقيقة ليس سهلا. ما بذلتموه ليس شيئا عظيما جدا، ولكن الفكرة هي أنه ليس سهلا أن يتقبل الطالب أصول الفقه؛ فالفقه تمشي أموره من حيث أنه شيء عملي، لكن أصول الفقه عقليات وأقيسة وشروط ونقد، وطرد، وقوادح القياس، وقلب القول الموجب؛ هي ثقيلة. لكن «من ثبت نبت»، ومن استمر في قرع الباب أوشك أن يفتح له. أنا أعتقد أن دراسة كتابين في أصول الفقه بهذه الطريقة تؤهلك إن شاء الله أن تقرأ وحدك، ولماذا هذه التجارب الأولى لازم تكون عميقة؟
لأنه أنا بدي آخذ المصطلح، آخذ الفكرة. بعد ذلك لما تقرأها غدًا أنت عند المرداوي، ولا عند ابن مفلح، ولا عند الغزالي، أو عند الطوفي، أو عند أي عالم؛ هذه المصطلحات عاركتها مع المشايخ في الدروس، فأصبحت لما أنظر في كتب الكبار أفهم إيش هي المسألة التي يتكلمون عنها، وتصبح القضية أن أنظر في الاستدلالات وأميل إلى رأي معين، أنظر في الاستدلال. أكيد لسه باقي هناك مسائل، بس أنا أعتقد كتاب، كتابين، ثلاثة في أصول الفقه هو خلاصة ما في كل هذه المكتبة الأصولية التي تراها أمامك، وستشعر أن الباقي إنما هو توسعة وتضييق وشرح واستدلال ليس أكثر.
لذلك اهتم في الدراسة الأولية أن تكون متعمقة لتفهم؛ إذا فهمت لا تحتاج إلى مدرس بعد ذلك، أو إن ربما تحتاج إليه في بعض النقاشات، لكن أصول المادة أصبحت بين يديك.
نسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا حسن الختام. كنا حابين نتمنى ندعو، لكن صلاة المغرب مقدمة. وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل