حياكم الله الإخوة في مجلس جديد من مجالس التعليق على "بلغة الوصول" للإمام الهنائي -عليه رحمة الله-. وصلنا إلى الباب الأخير بحمد الله من هذا الكتاب، وهو الباب الذي يتحدث عن ترتيب الأدلة والترجيح. وكما قلت؛ البعض يقدمه على باب الاجتهاد والتقليد، والبعض يؤخره عنه.
هذا الباب أيها الكرام ينظر فيه في أمرين؛ والبعض يجعله باب التعارض والترجيح في مساقات أخرى، وفي هذا الباب جمع بين أمرين: بين ترتيب الأدلة، والترجيح. والمراد بترتيب الأدلة: ما هي الخطوات التي يتخذها المجتهد عندما يقوم بالبحث في المسألة؟ من أي خطوة يبدأ في النظر في مصادر التشريع؟ أنت الآن في ختام كتاب أصول فقهي عرفت مصادر التشريع: الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس المتفق عليه، ومصادر التشريع الأخرى. إذا أراد المجتهد أن ينظر في مسألة، فما هي الخطوة الأولى التي سيبدأ بها؟ يعني ما هو المصدر التشريعي الذي سيبدأ من عنده؟ فهذا اسمه: ترتيب الأدلة. كيف سيرتب المجتهد الأدلة ترتيباً صحيحاً؟ فيبدأ النظر أولاً في هذا، فإن لم يجد الحكم ينتقل إلى المصدر الثاني، فإن لم يجد الحكم ينتقل إلى المصدر الثالث، وهكذا؛ هذا اسمه ترتيب.
وأما الترجيح، فالترجيح متعلق بالتعارض؛ مسبوق بالتعارض، لأنه أنت لا ترجح بين الأدلة إلا إذا حصل تعارض في ظنك. ظهر تعارض في ظنك وفي بادئ الظاهر؛ فإنك ستقوم بمحاولة الجمع، ثم النسخ، ثم الترجيح. فيقومون هنا بذكر أشكال وأنواع من المرجحات التي يمكن أن يستعملها المجتهد تعينه على عملية الترجيح. فهذه فائدة هذا الباب؛ إذاً ترتيب الأدلة، ثم ما هي الأدوات التي يمكن من خلالها أن ترجح سواء بين النصوص المتعارضة، أو بين الإجماعات التي يظهر في الظاهر أنها متعارضة، أو بين الأقيسة المتعارضة وهكذا.
فنبدأ بترتيب الأدلة، قال رحمه الله تعالى: "يقدم الإجماع على غيره". نبدأ موضوع ترتيب الأدلة؛ أول خطوة في عملية البحث عن الحكم الشرعي عند المجتهد قالوا أن ينظر في الإجماع. طبعاً هذه بالنسبة للبعض صدمة، أنه هو ماذا؟ متوقع أن يكون أول مصدر تشريعي القرآن! يقول لك يا أخي القرآن أعلى المصادر، كيف تقول لي انظر في الإجماع؟ أظن المسألة أشرنا لها سابقاً، والبعض ممن لم يدرس أصول الفقه يهوّل على الأصوليين في كلماتهم، يظن أنهم قصدوا باطلاً.
يقول لك: سمعت أحد الشباب الذين درسوا عندنا قواعد الأصول قديماً يقول ذهبت إلى شيخي في مناطق عمان، قلت له: يا شيخ، هل تعرف أن الأصوليين يقولون لابد أن يقدم الإجماع على القرآن من حيث ترتيب الأدلة؟ فشنّع عليه قال: اتق الله، ما تقول أنت؟ القرآن أعلى شيء في حياة المؤمن، كيف تقول يقدم الإجماع على القرآن؟ فهذا كلام طبعاً يدل على عدم وجود المعرفة العلمية بماذا يقصد الأصوليون بهذا الكلام. وبغض النظر الآن، سنناقش هذه المسألة وسنجد أن ابن تيمية اعترض عليها، لكن أنا أبين لك وجهة نظر الأصوليين حتى لا تشنع عليهم؛ أنهم لم يقصدوا باطلاً بهذا الكلام.
هم يقولون: نصوص الكتاب والسنة هل يمكن أن يتعرض لها نسخ؟ نعم. هل يمكن أن تحتمل التأويل؟ نعم. قال: أما الإجماع فلا يقبل النسخ ولا التأويل. فقط نحن من هذه الناحية قلنا إن المنطق والعقل أن تبدأ بمصدر تشريعي لا يقبل النسخ ولا التأويل. أما الكتاب والسنة فيحتمل تقييد المطلقات، وتخصيص العموم، ووجود النسخ، وأشياء كثيرة في القرآن كما قال الصحابة، فلذلك أنا أبدأ بالشيء الذي لا يحتمل إلا وجهاً واحداً، ويكون قاطعاً بيناً، فلذلك قالوا تبدأ يا أيها المجتهد بالإجماع يقدم على غيره.
ثم بعد ذلك قال: "ثم الكتاب ويساويه متواتر السنة". ثم الكتاب والسنة المتواترة في نفس المستوى من حيث النظر، لأنه القرآن متواتر الثبوت، والسنة المتواترة متواترة الثبوت. ثم قال: "ثم خبر الواحد"، ثم بعد ذلك ينظر في أخبار الآحاد. ثم قال: "ثم القياس". ثم القياس وسائر الأدلة العقلية الأخرى، المصلحة المرسلة وغيرها. طبعاً حقيقة عند الحنابلة، خبر الواحد بعده يتبعه عندنا قول الصحابي؛ لأنه بالنسبة لنا مصدر تشريعي. لكن الكلام هنا فيه عمومية لم يذكره، وإلا في الحقيقة أن قول الصحابي عندنا مقدم على القياس، هكذا قلنا في مذهبنا أن قول الصحابي مقدم، فينبغي أن يقول: وبعد خبر الآحاد ثم قول الصحابي، ثم ينظر في الأقيسة وسائر الأدلة العقلية. فيبدأ بالقياس، ثم الاستصلاح أو الاستحسان وما شابه ذلك من التفاصيل، وآخر الأدلة التي ينظر فيها هو الاستصحاب، فهو آخر الأدلة؛ يعني بعدما أجول في كل مصادر التشريع ما وجدت الحكم، أعود إلى الاستصحاب، فأبقى على استصحاب البراءة الأصلية أو غيره من أنواع الاستصحابات الموجودة.
لكن شيخ الإسلام ابن تيمية اعترض على فكرة تقديم الإجماع، فماذا يقول؟ أنا فقط سأنقد نصه؛ لأنه مفيد أن تعرف أنه هناك نقاشات في بعض المسائل. ماذا يقول ابن تيمية في مجموع الفتاوى: "ولكن طائفة من المتأخرين يقولون يبدأ المجتهد بأن ينظر أولاً في الإجماع، فإن وجده لم يلتفت إلى غيره، وإن وجد نصاً خالفه...". الآن هو إذا أنت قلت أول شيء انظر في الإجماع، معناه إذا وجدت حاجتي في الإجماع خلاص آخذ الحكم وأنطلق. طيب شيخ، أنت نظرت في الإجماع وأخذت الحكم، بس فيه نص خالف الإجماع في الكتاب أو السنة، هنا ماذا سيقول لك الأصوليون؟ خلاص هذا منسوخ. إذا وجدت حاجتي في الإجماع وأن المسألة إجماعية، فقيل لي هناك نص في الكتاب أو السنة يخالف الإجماع، ماذا ستقول؟ عند الأصوليين الإجماع ناسخ للكتاب والسنة.
طبعاً الإجماع نحن عرفنا في كتاب الإجماع أنه لا بد له أصلاً من مستند، وهذا المستند ما بيكون قياس، بيكون إما نص من الكتاب أو السنة، لكنه ممكن يكون ما وصلنا هذا المستند. فهنا ابن تيمية بده يناقش؛ يقول: "وإن وجد نصاً خالف الإجماع أعتقد أن النص منسوخ بنص لم يبلغه كان هو مستند الإجماع". سيقول لك الأصوليون: هذا النص الذي بين يديك منسوخ بنص آخر لم يبلغك كان هو مستند الإجماع. وقال بعضهم: بل مباشرة نقول الإجماع نسخه. وأظن الخلاف شكلي، المهم ماذا يقول ابن تيمية؟ "والصواب طريقة السلف؛ وذلك لأن الإجماع إذا خالفه نص فلا بد أن يكون مع هذا الإجماع نص معروف". ابن تيمية يقول: مستحيل يكون النص الذي هو مستند الإجماع مش معروف. ليه؟ شوف الكلام كيف يحلل ابن تيمية: قال لابد أن يكون مع الإجماع نص معروف، يبين أن ذلك النص الآخر منسوخ، قال: "فأما أن يكون النص المحكم الناسخ أضاعته الأمة وما حفظته لنا، والنص المنسوخ هو المحفوظ، قال: هذا مش منطق".
فهمتم هو ماذا يحلل المشهد؟ فقلت لي هذا الإجماع نسخ ذلك النص، ونلاقي الأمة حفظت النص المنسوخ وضيعت النص الناسخ! يقول ابن تيمية: هذا مش معقول، لا يوجد، قال: بل هو نسبة الأمة إلى حفظ ما نهيت عن اتباعه وإضاعة ما أمرت باتباعه؛ يعني كانك تقول إن الأمة حفظت النص المنسوخ الذي لازم تتركه، وضيعت حفظ ونقل ورواية النص الناسخ الذي لازم تنتبه عليه وفقط حفظت الإجماع، فيقول من حيث التحليل هذا لا يتصور في العادة. قال وهي معصومة، الأمة معصومة عن ذلك. ومعرفة الإجماع أصلاً قد تتعذر.
لأنه نحن مر معنا لما تقول لي أول انظر في الإجماع، هو سؤال: أي إجماع لازم انظر فيه قبل الكتاب والسنة؟ هم يقصدون الإجماع القطعي المنقول بالتواتر، وهذا كم نسبته من الإجماعات؟ معلوم الدين بالضرورة. لما تقول إجماع قطعي منقول تواتراً، هذا كم نسبة الذي يجب أن أنظر فيه قبل الكتاب والسنة؟ ربما لا يأتوا أربعة، خمسة، ستة، سبعة من المعلومات المسمية بالدين بالضرورة. وطبعاً هذه في العادة أصلاً هي الإجماعات القطعية المنقولة بالتواتر أصلاً نصوصها موجودة، أنت مش محتاج أن تنظر في الإجماع أصلاً؛ فيها نصوص كثرة، فلذلك البعض يقول كلام الأصوليين هنا كلام تنظيري بس مش عملي، لأن أغلب الإجماعات هي إجماعات سكوتية ظنية، والإجماع السكوتي الظني أصلاً بعض المذاهب لا تعترف به، وأنا اللي بعترف به أعتقد أنه ظني، فلا أقدمه على قطعي الكتاب والسنة، ما بصير أقدمه على قطعي الكتاب والسنة.
فلذلك تستطيع أنك تعلق تعليقاً سريعاً أن هذا الترتيب أقرب إلى أن يكون ترتيباً نظرياً، بس من الواقع العملي لا يفعل ذلك في الواقع العملي؛ أي إذا كان إجماعاً قطعياً منقولاً بالتواتر فهذا في العادة نصوص الكتاب والسنة متوافرة فيه، وإذا كان إجماعاً سكوتياً ظنياً فهذا لا يقدم على نصوص الكتاب والسنة قطعية الثبوت. يعني أنا عندي نصوص كتاب وسنة قطعية الثبوت، أعتمد على إجماع سكوتي ظني واصل إلي بخبر الآحاد؟ لا، صار زي خبر الآحاد.
نعم، أصلاً هل يوجد إجماع سكوتي حتى لو سكوتي، ويوجد نص يخالفه؟ الآن أيضاً هذا من حيث الواقع، الآن شوف ممكن البعض كان يدعي إجماعات سكوتية في الزمن، بعض الفقهاء قد يدعي إجماعات سكوتية ولا يبلغه النص الذي يخالفه، خاصة مدارس أهل الرأي في العراق يكثر عندهم أنه لا يبلغهم نصوص ويظنون وجود إجماع سكوتي في المسائل، ممكن، لكن في النهاية الإجماع السكوتي يبقى ظنياً، فلا يقدم ظنياً من حيث الثبوت والدلالة في العادة، فبالتالي لا يقاوم نصوص الكتاب والسنة، وإنما ينظر فيه بعد نصوص الكتاب والأخبار المتواترة. إذا كنت تؤمن بحجية الإجماع السكوتي الظني، فأنا في اعتقادي أنه لا يخرج عن خبر الآحاد من حيث الرتبة؛ لا يخرج عن خبر الآحاد. مش هو قال لك بعد الكتاب والسنة المتواترة تنظر في خبر الواحد؟ في اعتقادي كحنبلي، الإجماع السكوتي الظني هو في مرتبة أخبار الآحاد الظنية، في مرتبة أخبار الآحاد الظنية لا يتجاوزها، والله أعلم. فهذا فقط نظر في هذا المقام.
ثم قال: "والتصرف في عموم وخصوص ونحوه ما سبق". هذا سبق معنا في باب العموم والخصوص كيف نتعامل مع العام والخاص إذا ورد نص عام ونص خاص؛ فنخصص الكتاب وعموم الكتاب والسنة بالنصوص الخاصة، ومر معنا إذا كان عاماً من وجه خاص من وجه، والنص الآخر عام من وجه خاص من وجه، كيف نقوم بفعل هذه الأمور؟ هذا كله ورد معنا سابقاً فتراجعونه إن شاء الله.
ثم قال: "ورجحان الدليل لقوة الظن المستفاد منه". الآن أراد أن يعطي قاعدة عامة. الرجحان هو تقوية أحد الدليلين على الآخر. طبعاً علينا نفرق؛ الترجيح هو فعل المجتهد، وأما الرجحان فهو وصف الدليل. الترجيح هو فعلي أنا كمجتهد، وأما الرجحان فهو وصف للدليل، أن هذا فيه رجحان على غيره. فأعطاك قاعدة عامة فيها وهي ماذا؟ ما معنى رجحان الدليل على غيره؟ أنه قوة الظن المستفادة منه أعلى من الظن المستفاد من دليل آخر، هذه هي فكرة الرجحان. قال: "ورجحان الدليل إنما يكون لقوة الظن المستفادة منه مقارنة بدليل آخر مقابلة".
قال: "وأنكر الباقلاني ترجيح الأدلة كالبينات، وهو ضعيف". الآن ينسب إلى الباقلاني رحمه الله عليه -وهو أحد كبار الأشاعرة المتقدمين- أنه رفض قضية الترجيح بين الأدلة. وحقيقة لما تنظر في الغزالي والبرهان الجويني وغيرهم يقولون الباقلاني لم يقل هذا، لم يتبناه مذهباً، وإنما نسبه إلى أبي الحسين أو أبي عبد الله البصري. قال: "وكان أبو عبد الله البصري هكذا يقول"، الباقلاني يقول بماذا؟ بأنه لا يجوز الترجيح بين الأدلة في الفقه، كما لا يجوز الترجيح بين البينات في القضاء. الآن أنا في باب القضاء، أنت جبت بينتك والطرف الآخر جاب بينته، أنت جبت لي أربع شهود، الطرف الثاني جاب شاهدين، هل أقول الأربع شهود تقدم على الشاهدين؟ لا، ما دام أنت جبت النصاب وهم الشاهدين وأنت جبت أكثر من النصاب، ما بقول والله فلان جاب أكثر من النصاب، خلص قدموا لي بينته على بينة فلان. في القضاء، القاضي لا يرجح بالبينات؛ ما دام أنت أتيت ببينة وهو أتى ببينة ما بنصير ننظر مين الذي معه عدد أكثر، خلاص أنت جبت اثنين، وأنت جبت أكثر من اثنين، بقول لا يهمني، خلص قامت بينته وهذا قامت بينته، ويصبح القاضي يبحث في مناطات أخرى، أو خلاص يمشي القضاء الإجرائي القضائي بالوضع الطبيعي. فيقولون: كما أنه في القضاء لا يرجح بين البينات، كذلك في الأدلة الشرعية. هذا رأي البصري. طبعاً وهذا خطأ، بس هو لا يرجح بين الأدلة المتعارضة، هذا كلام فاسد؛ يعني هو قاس الأدلة الشرعية على البينات، وهذا كلام فاسد، ومخالف لما كان عليه الصحابة، وإجماع الأمة.
يرجعون، طبعاً الطوفي رحمه الله عليه في شرحه يقول: ولعل الباقلاني قال هذا الرأي سابقاً ثم أنكره في آخر عمره، فلا يليق بعلم الباقلاني أن يقول بمثل هذا. يعني هو الطوفي يقول لك لا أنا أعتقد أنه هذا قول للباقلاني لكنه تراجع عنه، قال: فإن علم الباقلاني أعلى من أن يقول بمثل هذا القياس الركيك. فإن باب البينات في القضاء باب تعبدي؛ يعني نحن لماذا لا نرجح في باب القضاء بين البينات؟ لأن الشريعة تعبدت القضاة أنه أنت ما لك أنه هذا جاب أربعة ولا جاب هذا خمسة، لك أنه هذا جاب بينة وهذا جاب بينة، بغض النظر كم العدد عند هذا وكم العدد عند هذا، المهم أن يقيم بينته، تمام. فلا يرجح بين البينات ويقول والله بينتك مرجحة على بينة، هذا ما دام كل أقام بينته؛ ففي القضاء تعبد فيه القضاة بطريقة معينة. بخلاف النصوص الشرعية؛ فإنما نظر في هدي النبي صلى الله عليه وسلم، ثم في فعل الصحابة، وفي فعل التابعين، فإن الأمة مجمعة على هذا الترجيح وعلى هذا التقديم والنظر الفقهي. طيب، إذاً، نعم تفضل.
وحكي عن الباقلاني، لذلك كما قلت هو أنكر، يعني الطوفي يقول هذا قول قيل لعله قال به في شرحه، يقول لعله قال به مسبقاً ثم تراجع، لكن كما قال وأنا أجل حقيقة الباقلاني رحمه الله عليه، أجله أن يقول بمثل هذا الرأي، يعني أصلاً كل كتبه وكل ترجيحاته في النهاية لا يمكن أن يكون الباقلاني يقول مثل هذا، والله أعلم. وأنكر الباقلاني ترجيح الأدلة كالبينات، إيش يعني كالبينات؟ يعني قاسها على البينات في القضاء قال وهو ضعيف.
ثم قال: ومورد الترجيح الأدلة الظنية، كألفاظ النصوص والمعاني المعقولة كالأقيسة ونحوه. نعم، الآن هذه مسألة تسمى مسألة الترجيح، أين يكون الترجيح؟ الترجيح لا يكون بين القطعيات، وإنما يكون بين الظنيات، تمام. فالقطعيات لا ترجيح بينها عند أصحابنا الحنابلة وعند جماهير أهل العلم، لأن الترجيح يا إخوان لما يقول لك هذا قطعي، إيش يعني قطعي؟ يعني 100%، لما يعارضه شيء قطعي يعني يعارضه 100%. فكيف أنت بدك ترجح بين مئة واحد جاب 100% وواحد جاب 100%، كيف بدك ترجح بينهم؟ تمام. فيقول الحنابلة لا يوجد ترجيح بين القطعيات، أن الكل حصل على العلامة الكاملة؛ هيك معنى أنه قطعي. لأن الترجيح يقتضي، نحن شو قلنا الترجيح؟ أن الظن المستفاد منه أعلى من الظن المستفاد من الآخر، إذا نحن بنتكلم عن زيادة ظنون. فإذا كان هذا محصل العلامة الكاملة وهذا محصل العلامة الكاملة كيف بدي أرجح بينهم؟ فلا ترجيح بين القطعيات.
فإذا توهمت أن هناك قطعيات متعارضة، فإما المشكلة منك، أو أنه نكتشف بعدين أنه القطعي الثاني ناسخ للأول، يعني إما هو في قطعي ثاني ناسخ للأول هذا الاحتمال، أو أنه المشكلة منك، أنه أنت مش قادر تفهم أو تتصور، فاتركهما؛ هيك يقول: اتركهما ياتي غيرك يفهمهم، أما ما ترجح. لأنه أنت تعتقد أن هذا قطعي وهذا قطعي، الآن ممكن يكون خطأ منك أنك تظن أنه هذا قطعي وهذا قطعي من حيث الثبوت، آه ممكن، ونكتشف بعدين أنه في واحد قطعي وواحد ظني، وإذا عارض قطعي مع ظني يقدم القطعي، هذه بدنا نتفق عليها. إذا تعارض قطعي مع ظني يقدم القطعي، إذا تعارض قطعي مع قطعي فلا ترجيح، وإنما إما يكون الثاني ناسخاً للأول، أو تتوقف، خلص أنت مش قادر. وأما إذا تعارض ظني مع ظني فهنا مساحات الترجيح.
بقي علينا أن نقول فكرة هنا، وهو أنه هنا أنت لما تتكلم عن القطع والظن، هناك مرتبتان: القطعية من حيث الثبوت، والقطعية من حيث الدلالة. فأنت بدك تركز عليه، فانا لما أقول تعارض قطعي مع قطعي، الآن ممكن يكون قطعي الثبوت والدلالة مع قطعي الثبوت والدلالة، هذا اللي حكيناه اتركه إذا ما عرفت. أما إذا كان هذا قطعي الثبوت وهذا قطعي الثبوت، بس هذا دلالته كالنص ظنية، أنا أظن أنه يقصد به هذا، وذاك دلالته قطعية، لا هنا هذا راح يقدم، لأنه هذا قطعي الثبوت ظني الدلالة، وذاك قطعي الثبوت قطعي الدلالة. فهنا صار فيه ظنية من جهة، فهذا أيضاً بدنا ننتبه له، أن القطعية المراد بها من جهة الثبوت والدلالة معاً. فإذا كان أحد قطعي الثبوت، قطعي الثبوت يعني سنة متواترة مع سنة متواترة، لكن هذا دلالته ظنية ظاهر، وذلك دلالته قطعية نص، مش النص أعلى من الظاهر؟ أيهما سيقدم؟ ذاك، لأنه قطعي من حيث الدلالة وهذا ظني من حيث الدلالة. هذا مفهوم إخواني؟ إذاً هذه الأمور لازم ترتبها أمامك. نعم، لذلك قال: ومورد الترجيح الأدلة الظنية، اكتب الأدلة الظنية من حيث الثبوت أولاً، من حيث الدلالة؛ أن هناك الظنية من جهتين.
ثم ذكر أمثلة، قال: كألفاظ النصوص، الآن ألفاظ النصوص، نصوص الكتاب والسنة وحتى أقوال الصحابة، أغلبها ظواهر، أغلبها ظنيات، ويقل النص فيها الذي هو القطعيات، مثل العموم المطلق، كلياتها عبارة عن ماذا؟ ظنيات. فيقول: كألفاظ النصوص. وكذلك المعاني المعقولة كالأقيسة. يعني لما نقول الترجيح بين الأدلة الظنية، الأدلة الظنية قد تكون نصوصاً نقلية، وقد تكون أدلة ظنية أيضاً عقليات، قياس، استحسان، فإذا تعارض قياس مع قياس أو استصلاح مع استصلاح فهنا أيضاً نرجح باعتبار الأقوى. تعارضت مصلحة مع مصلحة؛ ترجيحات. فالترجيح ليس فقط في الأدلة النقلية، بل في الأدلة العقلية. لذلك قال: فهذا قد يكون في ألفاظ النصوص وقد يكون في المعاني العقلية كالقياس وما شابه ذلك.
تفضل، قياس علة تعارض مع قياس دلالة؟ أحسنت، نفس الشيء، قياس العلة يقدم على قياس الدلالة، وهذا سيأتي، هو سيشير إلى ذلك. طيب حتى نمشي، شيخ بس سامحني، قال: ولا مدخل له في المذاهب ولا في القطعيات.
الآن لا مدخل له في القطعيات، فهمنا الآن كيف نفهمها هذه، صحيح، وأن الحنابلة يقولون لا يوجد ترجيح في القطعيات، بس فهمنا معناها: قطعية ثبوت، قطعية دلالة، أما إذا أحدهم في جهة معينة منه ظنية، سواء من حيث الثبوت أو من حيث الدلالة، لا يمكن هنا الترجيح. طيب، لكن قضية لا مدخل له في المذاهب، هي فيها نقاش، هل يجوز أن نقول ومذهب المالكية مقدم على كل المذاهب، ومذهب الحنابلة مقدم على كل المذاهب؟ بدك ترجح مذهب كامل على مذهب آخر؛ حقيقة إخواني نعم يجوز كامل، هذا تقول بشكل عام مذهب السادة الحنابلة مقدم على كل المذاهب، هذه كثير كان يفعلها العلماء قديماً، تجد من تبنى مذهباً يكتب قاعدة في تفضيل مذهب أحمد، والمالكية ابن عبد البر وغيره صنفوا، والقاضي عياض صنف كتاباً في ماذا في تفضيل مذهب المالكية على غير المذاهب، وابن الجوزي صنف، فهذه قضية يعني سلكها العلماء. وحقيقة أنت الأصل لما تتبنى مذهباً معيناً فأنت تعتقد ماذا؟ الأصل أنه مرجح على غيره من المذاهب. فإذا كان يقصد لا مدخل له في المذاهب أنه لا يجوز ترجيح مذهب في الجملة على مذهب آخر، فأنا لا أوافق على هذا، العلماء سلكوا هذه الطريقة والكبار منهم من المحققين. أما إذا كان يقصد الترجيح المطلق، أنه مذهب الحنابلة في كل المسائل مرجح على مذهب الشافعية في كل المسائل، ولا أظنه قصد هذا، نعم نقول خطأ. أما ترجيح مذهب في الجملة على مذهب آخر من حيث مصادر تشريعه ومنهجه العلمي والفكري، فهذا سلكه العلماء منذ القدم، فلا يوافق على قوله لا مدخل للترجيح بين المذاهب.
أكمل، قال: وألفاظ النصوص المتعارضة يجمع بينهما إن أمكن، وإلا فالنسخ.
الآن سيبدأ، اكتب الآن القسم الأول من هذا الباب: الترجيح في المنقولات. ثم القسم الثاني سيختم به الكتاب: الترجيح في المعقولات الأقيسة. الآن النص إخوان، إذا تعارضت نصوص، هذه ما بدنا نطول فيها، أول شيء محاولة الجمع إن أمكن، وإن لم يمكن فالنسخ، صح؟ فإن لم يمكن فالترجيح، وقلنا وإن لم يمكن الترجيح قلنا في الباب السابق، فالوقوف. كمل، نبدأ الآن بالمرجحات.
الآن شو فائدة؟ الآن بده يعطينا المرجحات، المرجحات الآن اكتب ثلاثة أقسام: أن يرجح بين نصين من جهة السند، أن يرجح بين نصين من جهة المتن، يرجح بين نصين من قرائن خارجية. هذه عموماً أدوات الترجيح في النصوص، أن يرجح باعتبار السند، أو الترجيح يكون باعتبار أشياء في المتن، أو باعتبار أمور خارجية. نبدأ النوع الأول، لذلك قال: والمرجح اللفظي. المرجح اللفظي يعني المرجح في النقل، المرجحات في الأدلة النقلية إما من جهة السند أو المتن أو قرينة خارجية، فنبدأ بالأول وهو الترجيح باعتبار السند. هنا سأرد، يعني لن أذكر أمثلة كثيرة، الأمثلة كثيرة وعودوا إلى الطوفي، ستجدون أمثلة؛ أما كل قضية يجب لها مثال سيطول بنا الكلام.
اقرأ، قال: فالأول يقدم المتواتر على الآحاد، هذا واضح أكيد، حديث آحاد تعارض مع حديث متواتر، أيهما يقدم؟ المتواتر من جهة السند.
ثانياً، قال: والأكثر رواةً على الأقل، ومنعه الحنفية كالشهادة وقد سبق تضعيفه. نفس الفكرة، الآن حديثين آحاد، لكن حديث الآحاد الأول رواه خمسة من الصحابة، حديث الآحاد الثاني رواه واحد من الصحابة، أيهما يقدم؟ من رواه خمسة، يقدم من جهة ماذا؟ كثرة الرواة. الحنفية منعوا هذا وقالوا هذا مثله مثل الشهادة، الشهادة قلنا في الشهادة أمام القضاء هل يجوز ترجيح شهادة أربعة في القضايا المالية على شهادة اثنين؟ قلنا أمام القضاء لا يجوز. فإحنا قلنا أن باب القضاء إخواني باب تعبدي، هكذا ليس كباب الأدلة، فالقياس غير صحيح، لذلك قال وقد سبق تضعيفه، وين سبق تضعيفه؟ لما قال وانكر الباقلاني قبل خمس جمل. صح، هي نفسها يقول لك هي نفس الفكرة السابقة، لا يقاس باب تعارض الأدلة على باب تعارض الشهادات.
قال: ومسند على مرسل إلا مرسل الصحابي. حديث مسند سند متصل، ما معنى مسند؟ سند متصل، يقابل حديث مرسل، وهنا يظهر أنه قصد الإرسال بالمعنى الحديثي وليس بالمعنى الأصولي، أي انقطاع في السند؛ هنا قصد بالمعنى المحدثين، المرسل الذي يقول فيه التابعي: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم دون أن يذكر الواسطة. فهنا يقول الحديث المسند يقدم عند التعارض على الحديث المرسل، واستثنى مرسل الصحابي. الشيخ الودعان يقول هذا الاستثناء هو تبع فيه الطوفي وبعض الحنابلة، لكن الذي يظهر أن الحنابلة يقولون لا المسند يقدم حتى على مرسل الصحابي.
المرسل ما هو؟ هو قول لك مرسل الصحابي لماذا استثناه؟ ابن نصر الله والطوفي وكذا باعتبار أنه مرسل الصحابي في حكم المسند. لكن بقول لك في النهاية في النهاية في شك 1% أنه ابن عباس أخذه عن تابعي آخر، قول لك يبقى عندي هذا الشك، فهذا الشك نحن بنحترمه وبنقول إن المسند الذي أخذ علامة 100%، زي اللي ماخذ علامة 99.5؟ لا، يعني صح هذول الاثنين ناجحين بشكل عالي، بس أبو الـ99.5 مش زي اللي جاب 100%. ويقول الودعان الذي يظهر أن هذا هو الأقرب من مذهب الحنابلة ترى كمعتمد، أنه المسند يقدم حتى على مرسل الصحابي، وليس كما قال ابن نصر الله، المهم ثم قال.
ومرفوع على موقوف، هذه واضحة، المرفوع ما هو يا شيخ أسامة؟ شو الفرق بين المرفوع والموقوف؟ يلا لا دي لازم تعرفها، ما ينفعش نوصل لـ "بلغة الوصول" مش عارفين الفرق بين المرفوع والموقوف. المرفوع هو ما أسند إلى النبي صلى الله عليه وسلم، أحسنت، والموقوف هو ما أسند إلى الصحابي. المرفوع قول النبي عليه الصلاة والسلام والموقوف قول الصحابة، تمام. لا أقبل هذا في المستويات القادمة، المرفوع يقدم على الموقوف، حديث قاله صلى الله عليه وسلم مع حديث هو قول صحابي، بدون نقاش يقدم قول النبي عليه الصلاة والسلام.
ثالثاً، قال: ومتصل على منقطع. هنا لاحظ ليش قلت أن المرسل هناك من المعنى الحديثي؟ أن هنا عبر بالمنقطع، فالمقابلة بين المرسل والمنقطع هي مقابلة المحدثين، وأما عند الأصوليين فكل منقطع مرسل. المهم الحديث المتصل الإسناد يقدم على الحديث الذي فيه انقطاع في أي مكان في السند، وهذا واضح، نعم.
قال: ومتفق عليه في ذلك على ما اختلف فيه، حديث متفق عليه في ذلك على ما اختلف فيه، يعني حديث متفق أنه ماذا؟ متصل، وحديث مختلف، البعض قال لا متصل، والبعض قال منقطع، أيهما يقدم؟ اللي متيقنين أنه متصل، يقدم على اللي شاكين، في رأي بكون متصل وفي رأي بكون منقطع، نفس الشيء في السابق، حديث متفق أنه مرفوع وحديث مشكوك، البعض قال هذا مرفوع والبعض قال لا يصح مرفوعاً بالموقوف، هذا كثير بصير؛ فما اتفق أنه مرفوع يقدم على ما هو مشكوك فيه هل هو مرفوع أو موقوف، وقس على ذلك، نعم.
قال: ورواية متقن على أتقن وضابط على أضبط وعالم على أعلم وورع على أورع وتقي على أتقى على ضدهم، يعني رواية المتقن تقدم على رواية غير المتقن، صح هذا نظر في الصفات؛ الرواة قبل قليل كل اللي سبق أما نظر في عدد النقلة.
أو نظر في الانقطاع أو عدم الانقطاع، أو في الصفة هل هي مرفوعة أو موقوفة. الآن صار الترجيح باعتبار صفات الناقلين، فيقول: وهذه كلها أمور.
متى يكون الحديث صحيحًا؟ إخواني، الحديث الصحيح هو ما اتصل سنده بنقل العدل تام الضبط، هذا إذا كان صحيحًا من دون علة ولا شذوذ، من غير علة قادحة ولا شذوذ. فلذلك أنت عندك هي الأمور التي يدور عليها الترجيح من حيث الإسناد الصحيح.
سننظر الآن في صفات الناقلين من حيث الضبط، فالمتقن يقدم إذا تعارض مع غير متقن. ومن الذي يقدم؟ الأمر سهل وواضح؛ المتقن يقدم على غير المتقن، الأتقن يقدم. إذا كان هناك حديثان، أحدهما أتقن والآخر متقن، فالأتقن يقدم؛ مثل "أقرأ العارف"، فالصلاة يقدم فيها القارئ على غيره، مثل أحكام الصلاة في تقديم الإمامة، فالضابط والأضبط على نفس الطريقة التي فكرنا فيها.
قال: «وصاحب القضية وملابسها على غيره». حديثان متعارضان، أحدهما راويه من الصحابة هو صاحب القضية، والثاني هو ناقلها. مثل حديث تزوج ميمونة وهو محرم، وتزوج النبي ﷺ ميمونة وهو حلال؛ ابن عباس قال: «تزوج النبي ﷺ ميمونة وهو محرم»، وهذا خلاف ما هو معروف أن المحرم لا يتزوج، وميمونة نفسها التي تزوجت قالت: «تزوجني وهو حلال». فمن الذي تقدم؟ صاحب القصة يكون أضبط للقصة من الناقل لها.
قال: «ورواية منتظمة على مضطربة». الآن يدخل في شيء له علاقة بالمتن وإن كان قد ذكره في السند. الرواية التي فيها اضطراب تقدم على الرواية المنتظمة؛ المنتظمة هي التي رواها الكل بنفس الطريقة، لا زيادة فيها ولا نقصان. فأحيانًا في بعض المتون يحصل اضطراب، واحد يرويها هكذا، وواحد يرويها هكذا، وواحد يزيد لفظًا، وواحد يحذف؛ وفي متون أخرى كل من رواها رواها بطريقة واحدة لم يقع اضطراب في المتن، فيقول لك الحديث المنتظم الذي لم يقع اضطراب في متنه يقدم على الحديث الذي وقع اضطراب في متنه.
قال: «ومتأخرة على متقدمة». رواية متأخر الإسلام ومتقدم الإسلام. المتأخرة تقدم على المتقدمة؛ لماذا؟ لأنه يغلب على الظن أنها ناسخة.
قال: «سواء». هذا الذي اختاره ابن نصر الله تبعًا للطوفي، أنه لا يقدم هذا من باب الاستطراد حتى ينبهك أنه وإن كنت قد قلت إن الرواية المتأخرة تقدم على المتقدمة لظهورها أنها أقرب لأن تكون ناسخة، لكن إذا لم تعرف الرواية المتقدمة من المتأخرة، لكن عرفت أن هذا الحديث الذي يعارض هذا الحديث راويه متأخر الإسلام وراوي الآخر متقدم الإسلام، يقول ابن نصر: هذا لا أثر له عندي في الترجيح.
يقول: عندنا حديثان متعارضان، واحد رواه جرير البجلي، وواحد رواه أبو بكر الصديق. جرير البجلي أسلم في السنة العاشرة من الهجرة، وأبو بكر الصديق هو أول من أسلم بعد خديجة رضي الله عنها. فهل نقول حديث أبي بكر يقدم على حديث جرير لأنه تقدم إسلامه، أو العكس؟ يقول ابن نصر الله تبعًا للطوفي: هذه ليست من أدوات الترجيح، ليس لها علاقة أن هذا متأخر الإسلام وهذا متقدم الإسلام.
لكن حقيقة المذهب عندنا، أو الذي يظهر، وهو الذي قدمه ابن مفلح والمرداوي وابن النجار، هو أن ترجح رواية متقدم الإسلام؛ بمعنى أن ترجح هذه الرواية لأنه متأصل في الإسلام أكثر، فاحتمالية تحرزه تكون أعلى لأنه متجذر في الإسلام، وأكثر فهمًا لمقاصد النبي ﷺ في الكلام. فأبو بكر الذي عاش مع النبي ﷺ في البعثة كلها، عاش معه السنوات الأخيرة، يكون أعلم بمقاصد الإسلام وطبيعة روايات النبي ﷺ ومقاصد كلامه، فيقولون: ذاك يطمئنون له أكثر من جهة، وكلاهما صحابة على الرأس والعين، لكن دراية أبي بكر بالرواية ستكون أعلى من دراية مثلاً جرير البجلي الذي أسلم متأخرًا.
ترى هناك قول آخر معاكس تمامًا، يقول: المتاخر الإسلام يقدم؛ لماذا؟ لأن المتاخر الإسلام لم يشهد هذه الواقعة إلا متأخرة، لذلك رواها، وهذا يؤكد أنها هي الأقرب لأن تكون ثابتة، والأولى في احتمال تكون منسوخة.
يذكرون عليها مثال الصحابي المتأخر الذي أثبت رفع اليد في غير المواطن، الذي أثبتها ابن عمر؛ فلا يأخذون بحديث أبي حميد الساعدي. أبو حميد الساعدي أثبت رفع اليدين في غير المواطن، كأن يكون الرفع بين الركعتين، ولذلك الحنابلة لا يرفعون بين الركعتين باعتبار أن ذاك ليس من متقدمي الصحابة الذين عاشوا مع النبي ﷺ وراوا صلاته ولم يصف أحد منهم هذه الرفعة.
لاحظ أنه في هذا بسبب اختلاف في الفتاوى الفقهية؛ ابن نصر الله يقول لك: لا، أنا شايف أن هذا ما له علاقة، والحنابلة في المعتمد يرون أن المتقدم أولى أن يقدم كلامه على المتأخر، وهناك رأي ثالث موجود أن المتأخر يقدم على المتقدم، فهذه آراء. لكن عليك أن تعرف باختصار أن معتمد الأصحاب فيما يظهر هو أن المتقدم يقدم على المتأخر.
وكما قال: «وفي تقديم رواية الخلفاء الأربعة على غيرها روايتان». والصحيح أنها تقدم؛ يعني حديث رواه أبو بكر أو عمر أو عثمان أو علي يقدم على حديث رواه غيره من الصحابة إذا تعارض. لماذا؟ لأن النبي ﷺ قال: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين». هو يعطي هؤلاء الخلفاء الراشدين مزية، والبعض يقول هذا من حيث الفضل وليس من حيث العلم، لكن كما أقول لك أحيانًا الترجيح يكون بأدنى ملابس، فمن حيث كون أبي بكر وعمر وعثمان وعلي أعلى من غيرهم، والنبي ﷺ زكاهم، وهذه التزكية تشمل حتى التزكية العلمية، فيقدم على غيرهم.
هي في المذهب فيها رواية، تسأل الشيخ، خذ الرواية الثانية. هناك رواية، لا أنا أقول لك هي ورود التزكية لهؤلاء الأربعة، يعني يستأنس بها على تقدمهم على غيرهم، مع أنها رواية وليست فقهًا.
أنا فاهم عليك، هي ليست فهمًا أو استنتاجًا أو فقهًا، بل هي مجرد خبر ينقل، ويتصور فيه الخطأ؛ حتى عمر رضي الله عنه قد ينسى حديث التيمم وعمار ذكره به. طبعًا هنا سنقدم مرجحًا آخر وهو أن المثبت مقدم، لذلك أصلاً ستتعارض في كثير من زواياها الأمور. ترى لعلمك أنك لا تظن أن هذا المرجح هو الوحيد الذي ستعتمد عليه، لا، بل ستلاقي مرجحات كلها تطوف معك، هكذا تريد أن تنتقي منها. لكن كونه رأى الحديث أبو بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم جميعًا، هذا يعطيهم ميزة أعلى من غيرهم في معتمد المذهب والله أعلم.
ثم قال: «فإن قدمت...»؛ فإذا قدمت رواية أكابر الصحابة. هنا البعض أخطأ بنصر الله وبطنفه في هذا البناء، البعض يقول الآن من المرجحات أن الحديث الذي رواه أكابر الصحابة ليس كحديث رواه الصحابة الصغار الذين ما عاشوا مع النبي ﷺ إلا وهم عمرهم عشر سنوات، أو قد يكون ليس صحابيًا صغير السن، لكنه لم يدرك النبي ﷺ وعاش معه إلا سنة أو سنتين. فحديث رواه عبد الرحمن بن عوف وطلحة والزبير وغيرهم من كبار الصحابة، قالوا لا يكون كحديث رواه من في حاله تعارض كحديث رواه صحابة.
طبعًا أنا لا أحب كلمة «أسا» غير الصحابة، وإن كان البعض يعبر بها، لكن البعض يشعر أن كلمة «أسا» تجعل الصحابة كلهم كبارًا، وهي كلمة أشعر أنها ليست مؤدبة أو غير لائقة جدًا في مقامات الصحابة؛ لأن الصحابة كلهم كبار رضوان الله عليهم، حتى عبد الله بن عباس وغيرهم ممن عاشوا مع النبي ﷺ في فترة الصغر.
المهم، كنت أتكلم أن عظماء الصحابة أو كبار الصحابة يقدمون على الصحابة الذين لم يعيشوا مع النبي ﷺ فترة طويلة، أو أدركوه في آخر حياته وأسلموا في آخرها. لكن هل بناء هذه المسألة على قبول رواية أو على تقديم الخلفاء الراشدين هو البناء الذي بنته المسألة؟ الصحيح أنه هذه مسألة وهذه مسألة؛ لأنه يقول: «فإن قدمت رواية الخلفاء الأربعة على غيرها»، فإذا قدمت رواية أكابر الصحابة على غيرهم، نقول لا، نحن تقديم الخلفاء الراشدين على غيرهم هو للنص، وسنة الخلفاء الراشدين أعطتهم ميزة، لكن تقديم أكابر الصحابة على غيرهم من الصحابة الذين لم يعيشوا مع النبي ﷺ فترة طويلة، هذا مأخوذ بآخذ آخر يتعلق بمدى الفهم، ومدى الاستيعاب، ومدى النظر، ومدى التضلع؛ فما أخذ المسألتين ليس واحدًا والله أعلم.
كمل. قال: «والثاني...»؛ والثاني بعد أن انتهينا من الترجيح باعتبار السند، ننتقل إلى الترجيح باعتبار المتن. فقال: «مبناه دلالة العبارة». الثاني الذي هو الترجيح باعتبار المتن، خلاصة العامة أنك ترجح باعتبار دلالة النص من حيث النص: الظاهر، المجمل، المبين، وهكذا.
قال: «فترجح أدلها»؛ «أدلها» هذه كلمة أضبطها، ليست واضحة كثيرًا عندكم، فترجح أنت ماذا؟ «الأدل»، أي النص الأوضح دلالة يقدم على غيره. كيف أقول لك «الأدل»؟ أي الأول.
قال: «فالنص على الظاهر، والظاهر مراتب باعتبار لفظه أو قرينته». وهذا معنى مر معنا في كنمية إذا تذكر عندما قال لك إن الظاهر في حد ذاته ليس شيئًا واحدًا، ففي ظاهر ٨٠٪، وفي ظاهر ٧٠٪، وفي ظاهر ٦٠٪، فهذه كلها ظواهر ولكن بعضها أظهر من بعض باعتبار طبيعة اللفظ أو باعتبار ما يشهد للفظ من القرائن.
قال: «فيقدم أقواها»؛ فأقواها بحسب قوة الدلالة وضعفها، «والمختلف لفظًا فقط يقدم على المتحد». وهذه قريبة من قضية الرواية المنتظمة على المضطربة؛ هذه بالضبط قريبة مما ذكرناه عندما رجحنا في السند: الرواية المنتظمة على المضطربة.
هنا قالوا إنه هناك وقع تعارض في كلامه؛ لأنه قال هناك تقدم الرواية المنتظمة على المضطربة، وهنا قال الرواية المختلفة لفظًا فقط تقدم على المتحد، ترى لها وجهة نظر. ما هي؟ قال: «لشهرته». يعني ماذا يعني لشهرته؟ بقول لك هذا حديث رواه مجموعة من الصحابة، كل واحد رواه بلفظ، ووجود ألفاظ متعددة له هذا يعطيك مؤشرًا على أنه مشهور بالدليل، وأن هذه الواقعة شهدها أكثر من صحابي، بالدليل أن كل واحد رواها بطريقته، طبعًا بطريقة غير متعارضة بينهم، ولكن هو رواها بلفظ: «أمر النبي ﷺ»، وجاء الآخر قال: «قال النبي ﷺ»، وجاء آخر قال: «قال رسول الله ﷺ»، الآخر بدل بـ «نبي»، فكلهم روايتهم مختلفة ولكنها ليست متعارضة.
مجموعة من الصحابة رووا الحديث بطريقة فيها تنوع واختلاف، لا يعارضهم رواية صحابي آخر، بل تخالف تمامًا في الحكم. فبقول لك الرواية التي حصل فيها هذا التنوع في طريقة أدائها يدل على أن هذا الحديث مشهور سمعه العديد من الصحابة، لذلك حتى تنوعوا في طريقة التعبير عنه، أما تلك فهي رواية واحد.
هنا قد تقول إن هذا الكلام يعارض الكلام السابق في باب الترجيح في السند؛ ففي باب الترجيح في السند قال: الرواية المنتظمة تقدم على الرواية المضطربة، فبقول لك هنا قدمت العكس، قدمت المختلف الذي فيه اختلاف على الرواية المتحدة. حقيقة يمكن أن نجمع بينهما، فنقول: هناك قصد الاضطراب المخل، وهنا قصد الاضطراب غير المخل. حتى إذا لم تكونوا قد درستوا مصطلح الحديث عند المحدثين، هناك الاضطراب الذي لا يتعارض مع الصحة، مثل حديث الإسراء والمعراج، يقول: وقع اضطراب في ألفاظه عند البخاري، لكن هذا لا يتعارض مع الصحة، أي اضطراب ليس مخلًا بصحة الحديث.
فهناك في الأعلى يقول: «والرواية المنتظمة تقدم على المضطربة كما يقدم المتصل على المنقطع»، لأن الانقطاع سبب من أسباب الضعف، وكذلك الاضطراب سبب من أسباب الضعف، لكن لما يقول لك إن المختلف لفظًا يقدم على المتحد، هنا لا يتكلم عن الاختلاف الذي يؤدي إلى اضطراب مخل، وإنما اضطراب لا يتعارض.
شيخ أنا ضيعت... أيوه منيح، الحمد لله. طيب، فإذاً قوله: «والمختلف لفظًا يقدم على المتحد»، اكتب هنا: ليس اضطرابًا مخلًا، وإنما تنوع في العبارة، ما يسميه...
المحدثون: الاضطراب الذي لا يعارض الصحة متنوع، فهذا يقدم على المتحد؛ لأنه يدل على الشهرة. قال: وعُرِضَ بأنه نوع اضطراب، نقول لا، أشغال. حتى لو عُورِض أنه نوع اضطراب، نقول هنا نفسه ماذا يقول لك؟ وعُرِضَ أن هذا الكلام ليس صحيحًا عند الحنابلة لأنه نوع اضطراب، أقول والله أعلم إن مقصد الحنابلة الاضطراب غير المخل هنا، بخلاف الآية.
ثم قال: وذو الزيادة على غيره. الحديث في زيادة الثقة على حديث ما فيه زيادة، نحن أظنها مرت معنا في هذا الكتاب أو في الكتاب المصير، قضية أن زيادة الثقة تقدم بشروطها، وهذه مسألة حديثية تتعلق بصلة الحديث؛ زيادات الثقات. حديث روي ورواه آخر، لكن هذا فيه زيادة لم يذكرها ذلك، هل نقدم مثبت هذه الزيادة على من لم يذكرها؟ نعم، الأصل إذا كان صاحب الزيادة ثقة يقدم روايته على من لم يذكر الزيادة.
يعني شخصين وصفوا صلاة النبي ﷺ في مشهد واحد، بس الصحابي هذا زاد في وصف الصلاة أشياء لم يذكرها الصحابي الآخر، هو لم ينفها ولكن لم يذكرها، فنقول صاحب الزيادة إذا كان ثقة يقدم. نعم، أذكرها هنا في باب السنة، بحثناها مع بعضنا في باب السنة أن زيادات الثقات تقبل، ولا نقول بل الآخر لم يذكرها، نقول حتى لو لم يذكرها ما دام الذي زاد ثقة كأنه حديث مستقل فنقبلها.
قال: والمثبت على النافي إلا إذا استند إلى علم بالعدم لا إلى عدم العلم. الآن النافي إخواني، وهذه أظن بحثناها سابقًا لما تكلمنا: هل النافي مطالب بالدليل؟ تذكروا ما هي المسألة التي قلنا فيها؟ قلنا النافي مطالب بالدليل على إطلاقه، إذا كان في المعقولات. إذا كان النافي يقول إنه يعلم العدم فهذا يطالب بالدليل، أما إذا كان النافي هو فقط ينفي ما في علمه.
الآن تعرفون دائمًا، هي بحكيها، في فرق بين العلم بالعدم وبين عدم العلم، عكس بعض. العلم بالعدم كأن تقول مثلاً: «لم يكن النبي ﷺ قائمًا»، يعني تنفي أن النبي ﷺ كان قائمًا، أنت هنا تعلم بالعدم، فتقول: أعلم بالعدم، فيقال لك: يا أيها النافي عليك الدليل. لكن إذا كان هو يقول: لا أعلم أن النبي ﷺ كان قائمًا، هنا هو ماذا يقول؟ عدم العلم، هذا لا يطالب بالدليل، إلا إذا قلنا يطالب بالدليل بمقتضى الاستصحاب، فإذا أردنا أن نحمل على هذا أنه عنده الاستصحاب، فيطالبك أنت بالدليل يا من تثبت.
فهنا ماذا قال؟ قال متى يقدم المثبت للشيء على النافي له؟ عائشة تقول: «من حدثكم أن النبي ﷺ قام قائمًا فلا تصدقوه، أو فقد كذب». يعني أخطأ، ما قام إلا جالسًا، وهذا يثبت لنا أن النبي ﷺ لم يقم قائمًا عند سبات قوم، فالأصل أن المثبت يقدم على النافي إلا في حالة واحدة، ما هي؟ إلا إذا كان النافي استند إلى علم بالعدم، بقول: لا، أنا أنفي، أنا أعلم أنه لم يقم قائمًا، أنه لم يفعل كذا، فهنا يقولون لا يقدم؛ لأن النافي عنده دليل كما أن المثبت عنده دليل.
وهذا في اعتقاده جيد وقل من يذكره، ترى في كتب الأصول هذا القيد؛ يقول لك المثبت يقدم على النافي، يقول لك المثبت متى يقدم على النافي؟ إذا كان النافي فقط يقول: أنا لا أعلم، عندئذ نقول: ومن علم ومن حفظ حجة على من لم يحفظ، لكن إذا كان النافي لا يقول أنا لا أعلم، بل يقول أنا أعلم بالعدم وأقيم دليلي على هذا العدم، فإذا سعى لهما تعارض وتكافأ فلا يقدم المثبت على النافي في هذه الحالة. فهمتم إخواني؟ هذا فرق دقيق؛ لذلك المثبت يقدم على النافي إلا إذا استند إلى علم بالعدم لا إلى عدم العلم، وهي الحالة الأولى، فعندئذ إذا كان كلاهما مستندًا فيستويان.
ثم قال: ومشتمل على حظر ووعيد يقدم على ما ليس فيه حظر ولا وعيد. يعني باختصار، النص الحاضر يقدم على النص المبيح. هناك نصان متعارضان، أحدهما يحظر الشيء والآخر يبيحه، فيقدم الحظر على الإباحة من باب أن تقديم المفاسد ودرء المفاسد مقدم على جلب المصالح، هكذا يقولون. فإذا تعارض نصان أحدهما حظر والآخر مبيح، فيقدم الحنابلة ويرجح الحنابلة الحظر لأنه فيه درء للمفاسد.
كذلك قال: ونص مشتمل على وعيد على نص لا يشتمل على وعيد. هذا قد يكون يحمل على نص مشتمل على وعيد ونص يدل على الإباحة، فالذي يشتمل على وعيد يقدم على الإباحة. أو إذا كان الكلام على هل هذه المعصية نفسها صغيرة أم كبيرة؛ فنص يفهم من ظاهره أنها صغيرة والآخر فيه وعيد فيفهم منه أنها كبيرة، أيهما نقدم للناس؟ نقول إن هذه المعصية صغيرة أم كبيرة؟ نص يدل على أنها صغيرة يقابله نص آخر يدل على أنها كبيرة، نحن متفقون على أنها معصية حرام، ولكن أين الخلاف؟ الخلاف هو هل هي صغيرة أم كبيرة كتصنيف، وهذا له دلائل وله فوائد فقهية. فقالوا: النص الذي يدل على أنها كبيرة يقدم على النص الذي يدل على أنها صغيرة، لأن هذا فيه رد أكثر للناس وإبعاد أكثر للناس عن المعاصي والذنوب.
طيب، وناقل عن حكم الأصل على غير الناقل في الأصح. يعني الحديث الذي ينقلك عن حكم الأصل إذا تعارض مع حديث لا ينقلك عن حكم الأصل، فالناقل يقدم؛ لأن الناقل يؤسس لشيء جديد وغير الناقل فقط مؤكد، والمؤسس يقدم على المؤكد. مثال ذلك، ورد حديث أن النبي ﷺ أجاز أكل لحوم الحمر، وهناك حديث يعارضه أن النبي ﷺ نهى عن أكل لحوم الحمر الأهلية، أيهما الذي يقدم؟ نهيه عن أكل لحوم الحمر الأهلية؛ لماذا؟ قالوا لأن الذي يقول بالإباحة إنه يباح...
تحريم أكل الحمر الأهلية هذا مؤكد للأصل؛ لأنه الأصل جواز الأكل حتى يثبت خلافه، فالإباحة العقلية هي الأصل. فهذا الذي يبيح أكل الحمر الأهلية هو مؤكد للأصل، أما الذي يحرم أكل لحوم الحمر الأهلية فهو ناقل عن الأصل يؤسس لحكم جديد، فالذي يؤسس لحكم جديد على خلاف الأصل يقدم على النص الذي يؤكد الأصل.
الأصل أصل الإباحة العقلية، وإن كان هذا المثال يمكن ضربه مثالًا على تعارض المثبت والمبيح. أحسنت، هذا المثال هو تعارض مثبت ومبيح، وتعارض ناقل عن الأصل مع مثبت على الأصل؛ لذلك قلت المرجحات تتزاحم. أنت لا تظن أن الحديث ستُرجح بناءً على مرجح واحد، بل ستجمع المرجحات؛ ستجد في السند أكثر من مرجح، وفي المتن ستجد أكثر من مرجح.
ثم قال: «إلى إسقاط وموجب حرية»، في الأصح تعارض نصين، أحدهما يثبت حداً في مسألة والآخر يسقط الحد فيها. الآن هنا يقول الطوفي في اختياره إنه لا ترجيح بين هذين. هناك أشياء يذكرها حتى يبين لك أن هذا ليس من المرجحات، لكن الحقيقة المذهب أنه من المرجحات.
ما الذي يرجح؟ درء الشبهات؛ أن الحدود تُدرأ بالشبهات. وكون هناك نص يثبت الحد ونص يسقطه، فإن النص المسقط للحد يقدم على النص الذي يثبت وجود حد؛ لأن الحدود تُدرأ بالشبهات، وما دام في نص يسقط الحد فهذا يعمل شبهة فأقدمه. كذلك النص الذي يدل على الحرية يقدم على النص الذي يدل على العتقية، وهذا المعتمد في المذهب، وإن كان ابن نصر الله يرى أنه ليس من طرق الترجيح.
لماذا؟ لأن الإسلام متشوف للحرية. وهذا مثل له بحديثين متعارضين، وهو أن مجموعة من اعتق شركاء له في عبد، فإذا أعتق الشركاء نصيبهم في العبد، فإن النصيب المتبقي ماذا يفعل؟ هناك روايتان كخلاصة: الرواية الأولى تقول إذا أعتق الشركاء نصيبهم، وكان مع الذي أعتق مال، فلازم يكمل العتق كاملاً ويكون الولاء بكوشته هو، وإذا لم يكن معه مال ضاعت على العبد، فيكون مثلاً ثلثه حراً وثلثيه عبداً، وهذا يسمونه العبد المبعض.
الرواية الثانية تقول إذا أعتق أنا نصيبي في العبد وأنا ليس معي مال أكمل العبد، فلا يظل عبداً؛ بل نقول له استسع، أي نجعل العبد يتكسب ويجيب مالاً ليشتري كامل حريته، وهذه تسمى مسألة الاستسع، وقد وقع فيها خلاف بين الفقهاء. فمن مرجحات الحديث الذي يثبت الاستسع أنه يعطي حرية، بخلاف الحديث الذي ظاهره يدل على أنه ضاعت على العبد ويبقى ثلثاه عبداً، فهذا لا يعطيه مساحة للحرية. فالحديث الذي يعطي مساحة للحرية أكثر، والعبد يقدم باعتبار أن الشريعة متشوفة للعتق. والذي يظهر أن الحنابلة في مسألة المسقط للحد والحرية يقدمونها ويعتبرونها من المرجحات.
ونختم بقوله ﷺ: «قوله صلى الله عليه وسلم مقدم على فعله»، إذا تعارضت سنة قولية مع سنة فعلية فالقول يقدم؛ لأنهم قالوا إنه أبعد عن الاحتمالات من الفعل. الفعل ممكن يكون فعله ﷺ تخصيصاً به، أو ممكن فعله ليظهر عدم الكراهة، فهناك احتمالات كثيرة في فعله ترد أكثر من الاحتمالات الواردة على قوله، فبالتالي قوله ﷺ إذا تعارض مع فعله يقدم، والله أعلم.
نكتفي بهذا القدر، وصلِّ اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. الدرس القادم إن شاء الله سيكون درساً فقهياً مع درس أصول فقه إن شاء الله.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل