حياكم الله وأهلاً بكم في هذا اللقاء الثالث والأخير من لقاءاتنا الرمضانية في بودكاست قيم، لقاؤنا هو بعنوان الصبغة النبوية؛ كيف ربى النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه؟ حقيقة التربية هي قضية مهمة وحساسة في الساحة الإسلامية، فالتربية يعني الإصلاح، صلاح التربية يعني بناء جيل، وبناء الجيل معناها صلاح الأمة وبناؤها، ولو نظرنا في الأجيال فلن نجد أفضل ولا أصلح من الجيل الذي تربى على يد النبي صلى الله عليه وسلم، فكيف ربى محمد صلى الله عليه وسلم أصحابه؟ معكم عبد الرحمن الحسن بودكاست قيم من منصة غيرار.
حياكم الله وأهلاً وسهلاً بكم، نرحب جميعاً بضيفنا ومشرفنا المشرف العام على أكاديمية فراس العلم فضيلة الشيخ الدكتور إبراهيم رفيق الطويل حفظه الله تعالى، حياكم الله.
حياكم الله وأهلاً بكم يا أبا عبد الرحمن.
حياكم الله، مرحباً بك أبو رقية، ومرحباً بجميع المتابعين، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجري الخير على ألسنتنا يا رب.
آمين، آمين.
أكرمكم الله مرحباً أبو عبد الرحمن، مصطلح الصبغة النبوية من الواضح أن نريد به التربية النبوية، لكن اختيار هذا المصطلح العميق الصبغة النبوية، وأن نسم ونصف التربية النبوية بالصبغة، نحن عادة ربما الإنسان يتبادر في ذهنه لما نتكلم عن التربية النبوية أنها مجرد نماذج من الأحاديث، من تربية النبي صلى الله عليه وسلم ومواقفه مع أصحابه نستخلص منها العظة والعبرة، لكن نسم هذه التربية بالصبغة النبوية نعم، ما دلالات هذا المصطلح وهذا الوصف؟
طيب بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، والصلاة والسلام على النبي المصطفى، صلاة تترا على آله وصحبه ومنهج اختفى، حياكم الله أيها الأكارم في لقاء طيب آخر من هذه البودكاستات النافعة التي تتحفنا بها أبا رقية دوماً، أن شاء الله أن يكون هذا اللقاء جميلاً نافعاً مثرياً لهذه القضية.
حقيقة مصطلح الصبغة النبوية أنا أشاركك أنه مصطلح عميق ويدل على أن تربية محمد صلى الله عليه وسلم لأصحابه ليست مجرد تجربة من التجارب البشرية ومحاولات وسعي لغرس قيم، ويمكن أن نعدل أو ينظر إليها كما ينظر إلى أي تجربة بشرية أخرى في التربية، الحقيقة مصطلح الصبغة النبوية على الأقل فيما أشعر به هو يدل على أن تربية محمد صلى الله عليه وسلم لأصحابه تمثل منهجا خاصا يختلف عن جميع المناهج الأرضية في التربية وغرس القيم والافكار في الأجيال.
نعم، وهذه قضية أظن هي القضية الأساسية والمنطلق في مجلسنا اليوم أن نتذكر أن الله سبحانه وتعالى جعل أحد الوظائف الأساسية للنبي صلى الله عليه وسلم هو التربية، ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ﴾ [الجمعة: 2] والتزكية هي التربية التطهير، تصويب الأخطاء، معالجة النفوس.
إذا كانت أحد المقاصد الإلهية من إرسال الرسل هو القيام بالتربية، إذاً هناك منهج إلهي في التربية طبقه محمد صلى الله عليه وسلم على ذاك الجيل، هذا المنهج له خصائصه وكلياته وثوابته ووسائله وأدواته ومعالمه وسماته، له صبغته الخاصة، نمطه الخاص، أسلوبه الخاص الذي لا يوجد في التجارب البشرية الأرضية، ولذلك حتى الله سبحانه وتعالى في القرآن لما تكلم عن منهج القرآن قال: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ ۖ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً﴾ [البقرة: 138].
إذاً التربية النبوية هي شيء يغير الأفكار، يغير النفوس، يغير السلوكيات، يغير القيم، يغير كل شيء بثوابت وقواعد ووسائل وأدوات وخصائص وميزات لا تجدها في مناهج الأرض اليوم.
الدراسات التربوية أبا رقية كثيرة، والناس المنكبة على جانب التربية والتحليل وتقديم النظريات والانكباب على الدراسات الغربية وكيف وصل الغرب إلى نظريات متقدمة في هذا المجال تجد انكباباً كبيراً وهائلاً على النماذج الغربية في التربية، وقصوراً وضعفاً في النظر والبحث في حياة النبي صلى الله عليه وسلم ومعالم حياته التربوية وخصائصها وميزاتها.
هذا القصور يجعلنا لا نريد أن نعيد، فنعلي قيمة هذا الموضوع مرة أخرى في حياة الناس، وأن يتذكر الناس أن النبي صلى الله عليه وسلم هو لا يقدم اقتراحات تربوية مثلها مثل أي اقتراح تربوي ينتجه فيلسوف أرضي أو مفكر إنساني أو دكتور اجتماعي، محمد صلى الله عليه وسلم عندما يربي أنت تتكلم عن ماذا؟ عن وحي إلهي حتى في هذه القضايا والجهات، لذلك أعتقد أن هذا المصطلح يضفي قيمة أعلى في نفس الإنسان لمنهج محمد صلى الله عليه وسلم في التربية.
جميل، يعني الآن كما ذكرت يعني هذا علم التربية كغير من العلوم من العلوم تطورت كثيراً عبر السنوات ويعني قدمت فيه الأبحاث ووضعت فيه القواعد والنظريات، الآن نترك كل هذه النظريات ونعود إلى ما قبل 1400 سنة حتى نستكشف مدرسة تربوية كانت في عصر النبي صلى الله عليه وسلم، لماذا نذهب إلى مدرسة محمد صلى الله عليه وسلم ونترك كل هذه المدرسة؟
جميل، أي حقيقة محمد عليه الصلاة والسلام بأبي هو وأمي هو أعظم مربي في التاريخ، وأعظم معلم في التاريخ، وهذا يعود إلى عدة نقاط تجعلنا نحتفي ونهتم ويجب أن نحتفي ونهتم بهذا المنهج التربوي الذي قدمه النبي صلى الله عليه وسلم.
القضية الأولى التي نحتفي بها هذا المنهج ما ذكرناه قبل قليل، أن التربية في مدرسه محمد صلى الله عليه وسلم هي بعبارة مختصره التربية من خلال الوحي، اليوم في الجامعات المعاصرة لما يتكلمون عن التربية يقومون باجراء أبحاث واستبيانات وكذا حتى يقيموا تجاربهم التربوية وينظروا هل هذه تجربه ناجحة أو غير ناجحة، باختصار جهد بشري يقبل الإصابة والخطأ وكثيراً ما يفشل، وقد ينجح أحياناً وقد لا ينجح، أنت عندما تتكلم عن تربية محمد صلى الله عليه وسلم أنت تتكلم عن شيء لا يقبل الخطأ، وحي، أنت تتكلم عن عصمة تامة في المنهج التربوي، تخيل أننا نمتلك عصمة تامة في المنهج التربوي، لا نحتاج حتى لأن نجربه ولا أن ناخذ استطلاعات رأي حوله، أنت تتكلم عن تربية من الله سبحانه وتعالى رسخها محمد عليه الصلاة والسلام بنماذج، هذه أول قضية أنك تتكلم عن العصمة في هذا الأسلوب والمنهج التربوي وعدم وجود أي أخطاء.
ثانياً النبي صلى الله عليه وسلم من ينظر في صفاته اكتمل فيه من الصفات البشرية ما لا يكتمل فيه مخلوق على وجه الأرض، أليس كذلك؟ جميع أساتذة الفلاسفة وجميع الحريصين على قيم التربية وجميع الدارسين والباحثين و و كل هؤلاء الذين يبحثون في هذا المجال هم يقدمون نظريات مع استصحاب النقص في صفات البشر، أما محمد عليه الصلاة والسلام فأعطاه الله عز وجل من الكمالات البشرية ما لم يعط أي بشر آخر، فهو في قمة الرحمة، وفي قمة الذكاء، وفي قمة البلاغة والفصاحة، وفي قمة التحليل للمشاهد، وفي قمة الغيرة على دين الله سبحانه، وفي قمة التوازن وفي قمة الواقعية، فإنك إذا أردت أن تنظر في بشر اكتملت فيه الصفات والخصال على وجهها البشري محمد صلى الله عليه وسلم، بالتالي هذا ماذا ينتج منه أبا رقية؟ أن أي تصرفات تربوية وممارسات تربوية قام بها النبي صلى الله عليه وسلم هي خارجه من ذاك البشر العظيم الذي اكتملت فيه من الصفات ما لم يكتمل في غيره، مما يجعل ثقتي بهذه التربية أكبر.
البشر مع تأييد إلهي أحسنت، إذا نحن نتكلم عن وجود وحي إلهي مع كمالات بشرية.
والقضية الثالثة والأخيرة هو نجاح النموذج، جميل هذه قضية مهمة جداً، دائماً أنا ما بسميها تجربة، أنا بسميها نجاح النموذج، لماذا لو أسميها نجاح التجربة أن النبي عليه الصلاة والسلام هو لم يكن يجرب، هي وحي زي ما اتفقنا، اليوم إذا أنت شفت تجربة ناجحة تكون أنت مهتم ومحتفي أن تعرف شو أسباب نجاحها وتحاكيها، ليه بتقول يا شيخ نجحت هذه التجربة؟ إذا إذا مشيت على نفس الخطوات سأنجح.
طيب النبي عليه الصلاة والسلام خلال 23 سنة تخيل، خلال 23 سنة صنع جيلاً كان في قمة الشرك إلى قمة الإسلام، جيل كان مهتم قبل الإسلام برعي الغنم ومشتغل بالخصومات والنزاع والصيد ويعيشون في بقعة صغيرة محدودة إلى جيل استطاع أن يسقط اعظم إمبراطوريتين على وجه الأرض الروم والفرس، و غير معالم العالم إلى يومنا هذا وإنما نحن اليوم بركات ذلك الجيل.
لما تنظر إلى هذا الاعداد الباهر ولاحظ 23 سنة، يعني اليوم نحن منذ سقوط الخلافة العثمانية عام 1925 رسمياً إلى يومنا هذا قرن أليس كذلك، لم نستطع إلى الان أن نشكل نموذج جيل متكامل جيد الصحابه الكرام، مع أنه 100 سنة وهناك محاولات مشكورة من مربين وأستاذة وأفاضل، محمد عليه الصلاة والسلام نموذج ناجح استطاع أن يغير معالم العالم ومعالم أصحابه وأن ينقل الدعوة من مكة إلى الأرض والبشرية جمعاء خلال مده محدودة.
هذه هذا النموذج الناجح يجعلني شديد الاعتناء به حتى أسباب اسرار النجاح وأسباب النجاح، أكيد هناك ممارسات تربوية فعلها النبي عليه الصلاة والسلام كانت هي سبب في نجاح هذا النموذج، يعني حتى بالمعايير الدنيوية فهو نموذج ناجح ويجب أن يقتدى به وتقر وتدرس أسباب نجاحه.
جميل، جميل، طيب الآن ماشي، ادركنا الآن أهمية هذا النموذج وهذه المدرسة التربوية العظيمة، مدرسة النبي صلى الله عليه وسلم، لكن يعني البعض يظن أنه يعني جانب النبوة وهذه والسيرة أنها مقتصرة على جوانب دون جوانب، هي فقط ترتب الأمور العبادية الجانب العبادة بالنسبة للإنسان، لكن ما هي حقيقة المجالات التي تغطيها هذه المدرسة التربوية العظيمة؟ مجالات الحياة كثيرة، ما هي المجالات التي يمكن أن نستفيد منها من مدرسه النبي صلى الله عليه وسلم؟
حقيقة سؤال عظيم وجميل أبا رقية، أحسنت أكرمك الله، لأنه كثير من الناس يظن أن لما نتكلم عن تربية محمد صلى الله عليه وسلم لأصحابه يذهب إلى التربية الإيمانية البحتة، يعني كيف رباهم على الصلاة، على الزكاة، على الصيام، على الذكر، على الشعائر، وهذا بالتأكيد جانب من التربية، لكنه ليس فقط هو هذا الجانب.
النبي صلى الله عليه وسلم تكلم في الجوانب الإيمانية العبادية، تكلم في الجوانب الأخلاقية السلوكيه، النبي عليه الصلاة والسلام جاء ليتمم مكارم الأخلاق، بل لو نظرت في السيرة تجد أن كثيراً من المسلمين الذين أسلموا ابتداءً سبب إسلامهم رؤيتهم النبي صلى الله عليه وسلم محتفيا بزراعة القيم الأخلاقية والتربية الأخلاقية، مثلاً أبو ذر عندما أرسل أخاه يتجسس أو يتحسس له أخبار النبي عليه الصلاة والسلام قبل أن يسلم فعاد أخوه إليه فسأله أبو ذر: ماذا وجدته يأمر؟ قال: كان يأمر بصله الرحم.
فأبو ذر انتبه أن هذا الرجل يأمر بالأخلاق والقيم ويربي على الأخلاق والقيم، جعفر بن أبي طالب لما تكلم مع النجاشي وسأله النجاشي عن هذا الدين الجديد، ماذا بماذا ابتدا جعفر بن أبي طالب خطبته مع النجاشي؟ ويأمرنا بصله الأرحام وإيذاء الحقوق، هو أراد أن يعلي أن محمد عليه الصلاة والسلام هو لم ياتي فقط ليزرع فينا قيم عبادية بالمعنى الخاص بالعبادة بل أتى ليزرع فينا أخلاق وقيم وسلوكيات.
النبي عليه الصلاة والسلام كثيراً ما كان يركز على قيمة الأخلاق: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق»، ثم إذا أراد أن أنزل إلى التفصيلات الأخلاقية التي ربى النبي صلى الله عليه وسلم عليها أصحابه في الرحمه، في الغضب، في التؤدة، في احترام الآخرين، أشياء كثيرة ستجد أن هذا بحر لا أظنها تكتفي أو تكفي لتغطية هذا الجوانب.
مثلاً النبي عليه الصلاة والسلام أيضاً تكلم في الجوانب النفسية، قدم تربية نفسية، يعني الإخوة الذين يهتمون بعلم النفس، إذا أردت أن تدرس منهج النبي صلى الله عليه وسلم في التربية النفسية ستجد باباً عظيماً من أبواب التربية، كيف أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يعلي من قيمة القوة النفسية فيقول: «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير»، كيف أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يقدم حتى تصور بعض العلاجات النفسية؟ مثلاً كان يامر بالتلبينة أو ينصح بالتلبينة ويقول: أنها تذهب الحزن.
كيف أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يهتم بالراحه النفسية ويحث على أن الإنسان يرتاح في الحياة ولا يحمل هذه النفس فوق طاقتها، فلذلك كان يامر مثلاً أصحابه بالتجمل وباخذ قسط من الراحة، كيف أن النبي عليه الصلاة والسلام يهتم في قضايا حتى عفواً العلاقات الجنسية التي يحتاجها الإنسان وهذا جانب من النفس البشرية، كيف كان يحث على الزواج وينهى عن الانقطاع ومثنى وثلاث ورباع، ويحث على كثير من المعالجات المتعلقة بهذا الميدان.
إذاً النبي عليه الصلاة والسلام له توجيهات نفسية عالية جداً، يعني حتى في جانب الترويح هنا خطر في بالي قضية أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل والحبشة يلعبون في المسجد، فبعض الصحابه أراد أن يشدد أو ينكر، فالنبي عليه الصلاة والسلام دعهم لتعلم يهود أن في ديننا فسحة، لهي مجال قدرة الإنسان أن يروح عن نفسه من ضغوطات الحياة، وقص على ذلك نماذج كثيرة في موضوع النفس.
أيضاً النبي صلى الله عليه وسلم ربى التربية الجسمية، حتى التربية الجسدية تكلم النبي عليه الصلاة والسلام عن الاعتدال في الطعام والشراب، عن العادات الصحيحة في الطعام والشراب، تكلم حتى عن الأدوية وتكلم مثلاً السعوط وبعض الأدوية وفائدتها للجسد والجسم ويحث على التمر وسبع تمرات في الصباح وما شابه ذلك، تكلم عن مش فقط حث على العلاج بل تكلم عن تفاصيل العلاج وينصح أصحابه بعض العلاجات.
مثلاً من التربية الجسدية اهتمام النبي صلى الله عليه وسلم أيضاً بقضية الجمال، كان يتكلم لأصحابه عن ترجيل الرأس وعن الاغتسال وعن العطر والزينه والجمال للرجل والمرأة، وعندك من الأحاديث النبوية في ذلك الشيء الكبير، إذاً التربية الجسدية حاضرة في منهج محمد عليه الصلاة والسلام.
ناتي.
إلى التربية العقليّة، كيف أن النبي عليه الصلاة والسلام ينمي وسائل التفكير ويذم التقليد؛ كانوا يعلمونهم عدم التقليد، وكان يطرح أمامهم مسائل ويطلب منهم الاجتهاد فيها: «لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة». واختلاف الصحابه كيف يفهمون النص ولم يعنف أحداً منهم، حتى يفتح مجال التفكير أمامهم.
كذلك مثلاً كانوا يعلمون كيف يقطع الوسواس العقدي والفكري؟ أنه لا تفكر في ذات الله، ولا تفكر في ذات الصفات، وإنما فكر في خلق الله. لا تفكروا في ذات الله، وإنما فكروا في آيات الله وفي خلق الله. فتلاحظ أن النبي عليه الصلاة والسلام يوجه التفكير البشري لما هو نافع، ويصرفه عن الوساوس والخطرات الرديئة.
طيب، لو أتينا للجانب الاجتماعي؛ النبي صلى الله عليه وسلم أستاذ علم الاجتماع في هذا المجال، يتكلم عن العلاقات الاجتماعية: صلة الأرحام، بر الوالدين، ومراتب الحقوق في العلاقات الاجتماعية، ومراتب النفقات، ومن الأولى في الأولى في تقديم هذه العلاقة، وضرورة التآخي والتواد وترتيب الصف الداخلي.
تأتي إلى الجانب السياسي، هناك تربية سياسية في صناعة القادة والمصلحين، وضرورة وجود ولاة أمر، وكيف يجب أن يكون ولي الأمر علاقته مع الرعية، وعلاقة الرعية معه، إلى غير ذلك من القواعد. فأنت لو أبحرت في كل باب من أبواب الحياة، ستجد أن منهج محمد صلى الله عليه وسلم في التربية حاضر؛ باب العبادي، باب النفسي، باب الجسدي، باب السياسي، الاجتماعي، كل الأبواب الصحيحة حاضرة.
فلذلك من القصور ومن الظلم أن تنظر إلى حياة محمد صلى الله عليه وسلم فقط أنها جاءت لإصلاح عبادي في علاقة الإنسان مع الله. وأظن أن هذه إحدى بوابات العلمانية المعاصرة؛ نعم صحيح، أحد بوابات العلمانية المعاصرة شعارك أن محمد صلى الله عليه وسلم عبادة إنما فقط في علاقتك مع الله، أما في الأمور الاجتماعية والنفسية والسلوكيات إنما نحتاج إلى الأنظمة الأرضية، فهنا انسلخنا من مدرسة محمد صلى الله عليه وسلم وضعفنا بالتالي في منتجاتنا التربوية.
إذا أردت أن تتربى كما تربى الصحابه، فعليك أن تأخذ منهج محمد صلى الله عليه وسلم في التربية كاملاً، لا تأخذ فقط جانبه العبادي، بدك تأخذ جانبه الصحي والنفسي والسياسي والاجتماعي، حتى تقول لي: أريد أن أتربى على ما تربى عليه الصلاة والسلام.
جميل، جميل، يعني النبي صلى الله عليه وسلم قدم يعني مدرسه شاملة في كل الجوانب، قدم رؤية متكاملة صلى الله عليه وسلم. نعم، وهذا هو الإسلام العظيم.
نعم صحيح، طيب الآن يعني دعنا ندخل شوي في هذه المدرسة، ندخل إلى هذه المدرسة وننظر إلى معالمها، أكيد النبي صلى الله عليه وسلم لما كان يربي أصحابه كان يهتم بمعالم معينة نعم تربيته تدور حولها وحول إرسائها في حياة الصحابه، طبعا المعالم كثيرة يعني ولن نستطيع أن نحصيها يعني في هذا اللقاء، لكن يعني أبرز هذه المعالم الموجودة في منهج النبي صلى الله عليه وسلم في تربيته لأصحابه.
تمام أحسنت، بالتأكيد هناك العديد من المعالم في منهج النبي صلى الله عليه وسلم التربوي، يعني لاحظ أن أنت تسأل عن معالم المنهج التربوي، هذا سؤال مهم أنه يعطي القواعد الكلية العامة حتى تفهم هذا المنهج، حتى نفهم، يعني أنت تقول لي أن منهج محمد صلى الله عليه وسلم هي صبغة خاصة تختلف عن المناهج الأرضية، إذاً دعنا نبحث في ظلال هذه الصبغة وفي ميزاتها وخصائصها.
أولاً، أول معلم وأظنه هو الأكثر أهمية أن يُبتدأ به، قضية أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحرص على وحدة المرجعية وعدم تشتيت أصحابه في مصادر التلقي، يعني كان يربيهم على أن المرجعية واحدة، الوحي الإالهي هي المادة الوحيدة التي منها تربي وتزكي وتصلح نفسك، وبالتالي أصبح الفرد داخل المجتمع المدني هو لا يشعر بشتات المصادر، يعني لا يحتاج أن يضر أو أن يستجر مناهج تربوية أخرى من ثقافات أخرى حتى يكتمل بناءه التربوي.
لا، هو يشعر بالاستغناء بالضبط، يشعر بالاكتفاء، أن مادة الوحي الإلهي هي الكافيه في بناء نفسه تربوياً من جميع الجهات، فأنا لست محتاجاً أن أنظر في ثقافة اليونان، أو في ثقافة الروم، أو في ثقافة الفرس، أو الهند، أو غيره من الثقافات السائرة في ذلك الوقت حتى أبني نفسي تربوياً، لا، أنا عندي المادة كاملة.
وهذه قضية اكتمال المادة التربوية في الإسلام هذا أمر عظيم يجب أن يفهمه الجيل، أن الإسلام ليس ناقصاً في هذا الباب، عادة نحن قد نلجا إلى الأمم الأخرى لأخذ الأمور الطبية، الفيزيائية، الكيميائية، هذه علوم بشرية ما عندنا مشكلة أن نستفيد من الآخرين، لكن أصول التربية وقواعدها لا، نحن لنا صبغتنا الخاصة، الصبغة المحمدية على صاحبها أفضل الصلاة وأتم التسليم، فيجب أن نحتفي بها ولا نستجر صيغ أخرى.
وهذا ماذا يفعل أباريقيه؟ إنكفاؤك حول الصبغة النبوية واهتمامك بها يجعل التركيز واحد، فأنت لا تتشتت، فأحتاج أن أقرأ كثيراً كما يهمك البعض، أحتاج أني أقرأ في عقول المربين المعاصرين والمدرسة الغربية، وحتى داخل المدرسة الغربية أنماط المدارس الغربية والشرقية والهندية والشمالية والجنوبية، فأنت تتشتت في كيفية كيف أوازن؟ مين الصحيح؟ مين الخطأ؟ فيستهلك الوقت في البحث عن مناهج التربية والتنقل بينها بدلاً من أن أركز على مادة الوحي الإلهي وأتعمق فيها.
هنا أنت لما يكون عندك مرجع واحد، هنا المادة التربوية تاخذ وقتها في النضوج في داخلك، يعني أنت خلاص ما عندك شتات، أنا عندي مادة أخذتها وبدات أتربى عليها، فأنا أشعر أنني أتععمق فيها هذه المدى تنضج وتكبر رويدا رويداً.
لذلك النبي عليه الصلاة والسلام رأى مرة في يد عمر بن الخطاب صحيفة من التوراه، نوع من الفضول المعرفي يسميه كان عن سيدنا عمر بن الخطاب، فالنبي صلى الله عليه وسلم غضب وقال: «أَمُتَهَوِّكُونَ فِيهَا يَا ابْنَ الْخَطَّابِ؟»، هل عندك حيرة؟ هل أنت تحتاج أن تستجر من الكتب الأخرى حتى تتعلم؟ والله لقد أتيتكم بها بيضاء نقية، المادة التي أعطيك إياها مادة لا تحتاج أن تنظر في ثقافة الآخرين حتى تستجر منهم زيادة أو تبحث عن كماليات فيها، المادة عندك كاملة استغني بها واشتغل حتى تنضج.
أنا أعتقد أن كثير من الأخطاء المعاصرة في التربية أننا نعبئ الأجيال والشباب أنك تحتاج أن تقرا كثيراً كثيراً كثيراً وفي مدارس كثيرة حتى تفهم التربية، كلا، أنت تحتاج أن تركز على منهج محمد صلى الله عليه وسلم وتعمق الأفكار التربوية وتجعلها تنمو بدلاً من أن يضيع جزء كبير من وقت في التجربة والتنقل واستجرار مناهج أخرى.
جميل، هذا هو المعلم الأول، قضية وحدة المرجعية.
المعلم الثاني البارز في تربية النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه أنه كان يربيهم على التوازن الحياتي، النبي عليه الصلاة والسلام كان يعلم الصحابة أن الحياة مبنية على مجموعة من العلاقات، أسماها علاقتك مع الله، لكن هناك أيضاً علاقات أخرى: علاقتك مع نفسك، علاقتك مع الأرحام، علاقتك مع الناس والمجتمع، وبالتالي دائماً تربية محمد صلى الله عليه وسلم لأصحابه ضرورة التوازن في إدارة كل هذه العلاقات.
ولذلك لما عبد الله بن عمرو بن العاص قرر أن يصوم النهار ولا يفطر ويقوم الليل ولا يفتر، النبي عليه الصلاة والسلام انكر عليه ذلك وراجعه، وقال له: «إن لربك عليك حقاً، ولنفسك أو جسدك في رواية عليك حقاً، ولزوجك عليك حقاً»، وفي رواية: «ولزورك عليك حقاً»، يعني الضيوف لهم حق نعم نعم.
لاحظ كيف يربيهم على التوازن، ما بصير أنت تقتصر علاقتك فقط علاقة مع الله سبحانه وتعالى بل عليك أن تتوازن في جميع العلاقات، هذا هو الدين بشموليته.
ولما جاء صحابة فسألوا عن عبادة النبي عليه الصلاة والسلام فكانهم تقالوها، النبي عليه الصلاة والسلام مباشرة خطب، خرج على المنبر وقال: «مَا بَالُ رِجَالٍ يَقُولُونَ كَذَا وَكَذَا؟ قَالَ بَعْضُهُمْ: لَا أَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا آكُلُ اللَّحْمَ. هَذِهِ لَيْسَتْ سُنَّتِي؛ أَمَّا أَنَا فَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ وَأَصُومُ وَأُفْطِرُ وَآكُلُ اللَّحْمَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي»، يعني منهج محمد صلى الله عليه وسلم في التربية يقوم على التوازن.
أو سلمان الفارسي لما رأى زوجة أبي الدرداء متبذلة في ثياب مهنة، قال لها: مالك يا أم الدرداء؟ قالت: أخوك أبو الدرداء ليس له حاجة في الدنيا. فسلمان لأنه أخذ من مدرسة محمد صلى الله عليه وسلم ضرورة التوازن، علم أبا الدرداء، قال: تعال يا أبا الدرداء، تعال افطر وقم ونام، وأعط زوجتك حقاً. أبو الدرداء ربما كان غافل عن ه الجزئية، ضرورة التوازن في العلاقات، فذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأخبره بما قال له سلمان، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: «صدق سلمان».
لاحظ أن سلمان استطاع أن يلاحظ هذا المعلم التربوي في تربية النبي عليه الصلاة والسلام، أن النبي عليه الصلاة والسلام لا يريد منا أن نطغى في جانب معين على الجوانب الأخرى بحيث نقصر فيها، بل لابد من وجود توازن في كل العلاقات والمسؤوليات في الحياة.
أيضاً من معالم تربية النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه قضية الواقعية، أنه كان يعلمهم أن ينظروا إلى الأمور بواقعية وعدم مثالية، واقعية أن الإنسان ضعيف، أن الإنسان يخطئ، أن الإنسان فيه نقص، أن الإنسان يقصر، كان يعلمهم أن ينظروا في أنفسهم بهذه الجوانب وفي الآخرين من حولهم.
انت لما تتقبل فكرة أنك تخطئ وأنك فيك نقص، وأن هذا الخطأ والنقص سيسبب تصرفات وسلوكيات غير رشيدة، هذا يجعلك ماذا تفعل؟ يجعلك ترحم نفسك، ترحم نفسك عندما تخطئ، وترحم الآخرين عندما يخطئون، لأنه أنا تربيت على الواقعية وأنني لا أطالب نفسي ولا الناس من حولي بمثالية في التصرفات والأفعال، إذاً سارحمهم، سأتحمل الأذى الذي يصدر منهم، سأفتح باب العذر.
وهذه قضية مهمة أباريقية، قضية فتح باب العذر للاخرين، وأن أفهم أن هذه التصرفات الخاطئة قد يكون لها أعذار، أنها ناتجة عن الضعف الإنساني وواقعية أن الإنسان بشر يصيب ويخطئ، حتى هذه الواقعية ستجعلني أقرأ تصرفات الآخرين وممارساتهم ضمن السلوك البشري الموصوم بالضعف والنقص.
فهذه الواقعية جعلت الصحابه يفهمون كثيراً مما يجري حولهم من أنفسهم ومن إخوانهم ومن زوجاتهم، بل حتى من عدوهم، فخلق جيلاً قوياً متيناً، لذلك لما جاء حتى أخذ مثال على الواقعية، لما جاء سيدنا حنظلة بن الربيع وقال: يا رسول الله، نفق حنظلة. النبي عليه الصلاة والسلام استغرب، لماذا نافقت يا حنظلة؟ ما هو البعد الذي يجعلك تظن أنك منافق؟ قال: نكون عندك يا رسول الله تحدثنا عن الجنة والنار فكأننا نراها، فإذا عدنا إلى بيوتنا وعافسنا أزواجنا وذرياتنا نسينا. فالنبي صلى الله عليه وسلم خلاصة ما قاله: «ساعة وساعة»، لا تطالب نفسك يا حنظلة بمثالية عالية، هي أعلى من قدرة الإنسان.
شيء طبيعي أنه في ساعات معينة تكون في قمة الانجذاب للدين خلال موعظة، خلال درس، خلال لقاء علمي أو ما شابه ذلك، وفي ساعات أخرى سَيَحْدُثُ شيء من الغفلة، هي مهمة لواقعية حياة الإنسان، إذاً أنت لم تنافق لا، هي ساعة وساعة، شوف الواقعية وأن يتقبلها الإنسان حتى تسير حياته على توازن.
إذاً هذه قضية ثالثة وأنا أظنها مهمة جداً أن يفهم الناس أن محمد صلى الله عليه وسلم في تربيته كان يركز على فكرة الواقعية.
أيضاً من الأمور المهمة أو المعالم البارزة في تربيته صلى الله عليه وسلم، كان يربي أصحابه على اكتساب المهارات، كان يربي أصحابه على اكتساب المهارات، مثلاً يرى شخص يصلح لتعلم اللغات، يذهب مثلاً بزيد بن ثابت يتعلم للغة العبرية، شخص يريد أن ينمي فيه مهارة القضاء مثل علي بن أبي طالب يوجه للقضاء في اليمن، شخص يريد أن ينمي فيه مهارة الدعوة وفقه الدعوة معاذ بن جبل، أبو موسى الأشعري، شخص يريد أن يربي فيه القيادة أسامه بن زيد سبعة عشر سنة يقود جيش وتحته أبو بكر وعمر.
هذه القضية تنمية المهارات للصحابة اللي يسمى اليوم صناعة الصف الأول والثاني في أي جماعة، مش لازم يكون في صف أول أو ثاني تحتك، لأن القائد يذهب ولا بد أن يأتي جيل جديد يحمل الراية، طب هذا الجيل يحتاج أن يتربى على المهارات السياسية والادارية والتعليمية والدعوية، إذاً النبي صلى الله عليه وسلم كان يحرص على هذا الجانب أيضاً في تربية أصحابه، تنمية المهارات.
أيضاً من أهم الأمور التي تجدها واضحة في منهج النبي صلى الله عليه وسلم التربوي، دائماً كانوا يربيهم على التعلق بالدار الآخرة والتقلل من شأن الدنيا، فكان مثلاً الصحابة رأوه عليه مرة قُباء، مثل لباس عليه وفيه أزرار ديباج يعني شيء فخم، حاجة جميلة، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: «تعجبون من هذا؟ والله لمناديل سعد بن معاذ في الجنة خير من هذا»، هذه دنيا ودائماً كان يربيهم على التقلل: «إني أخشى عليكم أن تفتتحوا الدنيا وتتنافسوا عليها».
كانوا يربيهم على أن يقتصر الإنسان على الكفاف وعلى ما يحتاجه، هذه التربية صنعت صنعها في قلوبهم وعقولهم، وهي التي جعلتهم يتحركون لفتح الآفاق، أن هو مش متعلق بالدنيا، هو مستعد أن يضحي من أجل هذا الدين ويبذل روحه، لأن عقله وفكره ونفسه صبغت بصبغة الدار الآخرة، وأن الدنيا إنما هي كعابر سبيل: «كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل»، وهذه كلمات تفعل في القلوب فعلها لما كان الصحابه يسمعونها من النبي صلى الله عليه وسلم.
كذلك ما حالي وحال الدنيا إلا كرجل استظل في ظل شجرة ثم غادر. كل هذه ماذا تعطي في القيم التربوية للصحابة؟ الدنيا هينة، الدنيا بسيطة، وهذا ربما ناتي في قضية آليات التربية لم يكن.
مجرد تنظير من النبي عليه الصلاة والسلام بل كان ممارسة عملية منه، رأوا كيف أنه صلى الله عليه وسلم زهد في الدنيا وطرحها من يديه، مع أنها عرضت عليه من الملائكة ولكنه تخفف منها. يعني هذه القضايا ربما أقول هي أبرز معالم تربية النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه، طبعا والمعالم كثيرة حقيقة برقية لا يمكن استيعابها في هذه الجلسة، لكن يعني هي ومضات دعنا نقول لعلها تلفت انتباه من يرغب في البحث أكثر وأكثر عن معالم هذه الصبغة المحمدية على صاحبها أفضل الصلاة وأتم التسليم.
الله يكرمك، الآن يعني نحن شيخ دعنا هيك نتعمق قليلا، نحن لن نغطي يعني موضوع التربية كله، لكن يعني ناخذ بعض يعني المسائل أو بعض الأمور. يعني كما ذكرت في مسألة التوازن؛ الإنسان لا بد أن يوازن بين علاقته مع الله سبحانه وتعالى وعلاقته مع الناس. جميل، من هنا علاقة المجتمع الإسلامي ببعضه، علاقة الصحابه ببعضهم البعض، النبي صلى الله عليه وسلم لا شك أنه وضع لهم كقواعد وأسس تحكم هذه العلاقة بين الصحابه وبين هذا المجتمع الإسلامي، فما أبرز هذه القواعد والأسس؟ إذا تتحك يعني تريد أن تسأل عن معالم التربية في باب العلاقات الاجتماعية، ناخذ بعض المسائل يعني لن نستطيع أن نغطي كل شيء حقيقه.
وهذا سؤال مهم؛ لأنه بطبيعة الإنسان يعيش مع مجتمع، الإنسان لا يعيش وحده، بالتالي من أهم أهم قضايا التربية أن تربي الإنسان كيف يتعامل مع المجتمع؟ كيف يتعامل مع الناس؟ النبي عليه الصلاة والسلام عظيم جدا جدا في هذا يا أبا رقية. النبي عليه الصلاة والسلام كان يربي أصحابه على الشعور بالآخرين، يربي أصحابه على ماذا؟ أن تشعر بالناس من حولك بآلامهم واتعابهم وأحزانهم، فلذلك مثلا كان يقول عليه الصلاة والسلام لأصحابه: «ليس مؤمنا من بات شبعان وجاره جائع». تمام، كذلك كان يقول: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه». فإعلاء قيمة أن تشعر بأخيك المسلم بفرحه، بتعبه، بحاجته، بفقره، أن تعينه، من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، من ستر مسلما ستره الله، وغير ذلك من النصوص التي تحث على عكس التربية المادية اليوم اللي تقوم على أنه كل انسان يهمه نفسه مصلحتها والشح الذي فيها. لا، ليش؟ لذلك قلت لك صبغة محمد صلى الله عليه وسلم تختلف عن المناهج الأرضية؛ محمد عليه الصلاة والسلام يركز على البذل على الشعور بالناس، وليس فقط التقوق حول النفس والاهتمام بمصالحك الشخصية.
كذلك إذا القضية الأولى هي أن تشعر بالآخرين، قضية أخرى هو أنه عليك أن تراعي مشاعر الآخرين، يعني أن تشعر بالآخرين هذا شيء، شيء آخر هو أن تشعر بمشاعر الآخرين. ما معنى تشعر بمشاعر الآخرين؟ مثلا لما يقول النبي عليه الصلاة والسلام: «لا يتناجى اثنان دون الثالث من أجل أن ذلك يحزنه»، فقط يعني مراعاة أنه هذا التناجي يحزن ذاك الشخص، اتركه. «لا يخطب أحدكم على خطبة أخيه، لا يبيع أحدكم على بيع أخيه، لا يسوم أحدكم على سوم أخيه، لا تحاسدوا ولا تناجشوا ولا تباغضوا». إذا هو صلى الله عليه وسلم يريد منك أولا أن تشعر بالآخرين، ثم أن تراعي مشاعر الآخرين. شوف قيمة الإسلام العظيم، والله الإسلام جميل لو أننا اخذناه بكليه، ليته يركز على قضايا المشاعر أيضا، كيف أن الإسلام يعظم أي قيمة دماء المسلمين وضرورة الانتقام لها؟ هل تعرف يا أبا رقية في سيرة النبي عليه الصلاة والسلام من أكثر ما جذبني وأنا أقرأ في السيرة مراراً وتكراراً، كيف أن النبي عليه الصلاة والسلام لم يجعل دم مسلم يذهب هدراً؟ كان إذا قتل أحد رسله أو أحد مبعوثيه أو قتل صحابي غدراً، لابد وأن يجهز من ينتقم له. شوف هذه التربية ماذا تحصد في قلوب الصحابة؟ كانوا يربيهم على أن دم المسلم غالي عند الله، عليكم أن يعني يكون غضب لدماء بعضكم البعض.
انظروا الآن للأسف دماء إخواننا في غزة كيف تذهب الله المستعان، وأكثر الناس لا تبالي، لا أقول كل الناس، فيها خير بعضها، لكن أكثر الناس هو غير مهتم، يمارس نفس ممارساته الحياتية، وكان دماء الأطفال والنساء في غزة ليست دماءنا وليست أنفسنا وأرواحنا. دائما الإسلام يعبر أن هذا دمك أنت، دم أخوك هو دمك، نعم، فعليك انك تنتقم له وتثار لدماء المسلمين مثلاً، وهذه ربما يعني أختم بها في هذا الجانب، أي تربية النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه على إدراك طبائع النفوس، وهذا ملحظ جميل حقيقة. يعني هذه وحدها بدها محاضرة، كيف أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يربي أصحابه على فهم طبائع النفوس والعادات الاجتماعية السائدة؟
حتى نفهم أكثر، ناخذ نماذج، مثلاً النبي عليه الصلاة والسلام كان يخبر الرجال عن طبائع نفوس النساء، قال: «استوصوا بالنساء خيراً؛ فإن المرأة خُلقت من ضِلع»، وفي بعض الروااة المحدثين يقول: ضِلع ضِلع أو ضِلع، وابن حجر يقول: كلاهما جائز. المهم، فإذا ذهبت تقيمه كسرته. شوف كيف يعلمهم، عليك أن تدرك طبيعة المرأة، أن هذه المرأة فيها الضعف الأنثوي الذي هو سر جمالها، لكنه سر بلائها، وسر جمالها وسر بلائها، بدك تعرف كيف تتعامل مع هذه الطبيعة. مثل المرأة تحب الغناء، تحب الرقص، فلذلك كان النبي عليه الصلاة والسلام في يوم عيد وعنده جاريتان تغنيان، وأبو بكر الصديق جاء ينهان تغنيان في بيت النبي صلى الله عليه وسلم، فالنبي عليه الصلاة والسلام قال: «دعهما يا أبا بكر، فإن هذا عيدنا أهل الإسلام». لاحظ كيف النبي عليه الصلاة والسلام يربي أبا بكر والصصحابة أنه هؤلاء إناث، يعني لا تتصور منهم الاشتغال بمثل هذه الأمور التي تلائم طبائعهم.
مثلاً عائشة لما تزوجها كانت صغيرة السن فكانت ما زالت تلعب بالدمى، وكان لها صبيحبات يدخلن يلعبن معها بالدمى، إذا دخل النبي عليه الصلاة والسلام يهرب، صحي يعني صديقاتها يهربن من المنزل، فالنبي صلى الله عليه وسلم يأتي يسربهن إليها، يعني ادخلوا ا لعبوا معها. لاحظ، هل قال أنا هذه زوجة نبي كيف زوجة نبي تلعب باللعب؟ لا، كان يراعي أن عائشة ما زالت صغيرة في السن وتحب هذا البعد من اللهو واللعب. كذلك لما كان الحبشة يلعبون في المسجد وهم شباب صغار، كذلك نأتي لبعد آخر، مثلاً كيف كان يتعامل مع وجوه العشائر والقبائل وكان يقول: «أنزلوا الناس منازلهم»، لاحظ الفهم والوعي، أنزلوا الناس منازلهم، وكان يقول: «أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم»، يعني إذا رجل صاحب منصب أو سيادة أخطأ، غض الطرف؛ لأنه هذا ليس حاله كحال الرعية. إذا كان يعلم أصحابه هذا البعد، حد معين طبعا هو اكيد حد معين، لكن أقصده كيف كان يفهمهم ويربيهم على أنكم أبناء مجتمع، فيجب تفهموا طبائع النساء، طبائع الصغار، طبائع الكبار، طبائع وجوه العشائر والسيادات والقيادات، كل إنسان له طبيعته، عليك أن تحسن التعامل مع هذه الطبيعة حتى لا يؤدي عدم فهمك لها ودراستها بشكل جيد إلى خلافات ونزاعات. فهذه حقيقة من المعالم العظيمة في يعني معالم تربية النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه في العلاقات الاجتماعية.
جميل جميل، أنا هيك يعني صار هناك تصور عن هذه المدرسة التربوية النبوية المعالم والقواعد حتى في التعامل. طيب الآن حتى نبدا نسلك هذا الطريق الموصل لتحقيق هذه المعالم، ما هي الأساليب النبوية الأدوات التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يعني يستعملها ويتحينها يتحين ممكن الفرص أو غيرها، مثل هذه الأساليب في تحقيق هذه المعالم وتربية وبناء هذا الجيل الذي هو جيل الصحابة؟
جميل، يعني أنت تسال عن الآليات، تكلمنا عن الموضوع، ما هي الأدوات والآليات فعلا اللي كان النبي عليه الصلاة والسلام يستعملها لترسيخ هذه المعالم؟ وهذا باب لا ينتهي، يعني الحديث في حديث شيق أحبه حقيقة، أنا أحب هذا الحديث، بل صدقنا أبا رقية، من الجميل أن الإنسان لما مثلا ينظر في كتب السنة، لما تنظر في سنن النسائي كما كان قبل فترة، أو سنن أبي داوود، أو البخاري، أو مسلم، جميل أن تنظر في هذه الأمور. يعني الأدوات ووسائل التربية عند النبي صلى الله عليه وسلم من خلال صحيح البخاري يا أخي هذا يصلح رسالة ماجستير ودكتوراه يعني للإخوة الذين يشتغلون وسائل التربية من خلال سنن النسائي، من خلال سنن أبي داوود، تستطيع والله تخرج بكمية هائلة من الوسائل والأدوات التربوية التي استعملها النبي عليه الصلاة والسلام.
لكن سريعا ربما دعنا نتكلم عن يعني رؤوس المسائل هنا. نعم، من أبرز الوسائل والادوات وأنا اعتبرها محط الرحال هو أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعلم من خلال الميدان، أنا بسميها التربية في الميدان. يعني أحيانا كثير مننا في الواقع المعاصر هو يبقى يحضر محاضرات في التربية ويسمع دروس والمحاضره بعد المحاضرة ودورة بعد الدورة، لكنه لا يحتك بميدان العمل الإسلامي والدعوة الإسلامية حقيقة، فتبقى نظريات التربية ومعالم التربية أمور ذهنية ولكنها ليست واقعية، وما دامت ليست واقع أنت تحتك به حقيقة لن تغرس في النفوس غرسا تاما.
إذا اردنا أن ناخذ كيف ربى محمد صلى الله عليه وسلم أصحابه، ستجد أنه رباهم في الميدان، رباهم في غزوة بدر وأحد والخندق؛ حيث كانوا يمارسون الواقع الإسلامي عمليا، يخطئون ويعلمون. سورة الأنفال صححت كثير من الأمور التربوية عند الصحابة بعد غزوة بدر لما اختلفوا في توزيع الغنيمة: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنفَالِ قُلِ الأَنفَالُ لِلّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [الأنفال: 1] قبل ما تفكر بأي شيء، اصلح نفسك. لاحظ أخطأوا فتعلموا، تاتي غزوة أحد خطا من الرماه وأمور خاطئة في أثناء ال يعني بعد أن نزل الرماه، هناك معالجات خاطئة حصلت من بعض الصحابة، تاتي سورة آل عمران لتعالج كثير من هذه الأخطاء التربوية ومحمد صلى الله عليه وسلم ركز عليها، تاتي غزوة الخندق، لاحظ كله في الميدان عم يحصل، أنا عم بقاتل، عم بجاهد، عم بمارس الدعوة، عم أفكر في الإسلام، عم وعم بخطئ وبتعلم وبتيجيني نصائح تربوية؛ لا هذا خطا اعمل كذا، هذا خطا اعمل كذا.
فرق بين من يتعلم التربية عمليا وبين من يتعلمها نظريا. يعني حتى أقرب لك الصورة أكثر، تخيل أنك بدك تعلم إنسان السباحة؛ تدخله على دورة في تعليم السباحة، تعطيه درس ودرسين وثلاث، وترسم له المسبح وكذا، وأنك عليك أن تلقي نفسك بهذه الطريقه و.. و.. و.. ذاك طب وعمره ما نزل على المسبح، أول ما ينزل بغرق، أول ما صار بغرق! ليه؟ لأنه هو أنت أعطيته دورات بس أنت ما احتك في الواقع. ارميه في المسبح وخليه شوي يخطئ ويصبح يضرب بقدميه ويديه، أو يشرب له مي شوي ويوقع، ويجي واحد ينقذه مرتين ثلاث أربع، يصبح يتعلم السباحة. هكذا هي التربية في مدرسة محمد صلى الله عليه وسلم؛ اشتغل واعمل، مش مشكلة نحن قلنا النبي صلى الله عليه وسلم كان واقعي يتصور منهم الخطا، هو لم يفترض مثالية في أصحابه أنهم لم يخطئوا، عادي جدا أنك تخطئ في ممارسة، لكن أعلمك فلا تقع مرة أخرى، ولذلك سيرة النبي عليه الصلاة والسلام وكل الأخطاء هي أخطاء من الميدان وتربى الصحابة.
فهذه قضية مهمة جدا جدا نحن حقيقة حقيقة نفتقدها اليوم، نحن نتكلم كثر في التربية، لكن أكثرنا -لا أقول كل- أكثرنا ما نزل لا يحتك بالحياة دعوية، فتبقى مجرد نظريات وعندما ينزل يخفق؛ ليه؟ لأنه لم يجد مربيا يعلمه في الميدان، ما كان التصور كامل، ولما أصبح يخطئ لا يوجد مربي يتابعه في أخطائه ويقول: ها، شايف أنت أخطأت هنا لا تعد هذا، ألم أقل لك هذا ليس هكذا يحل، يحل بالطريقة الأخرى فلذلك نخفق في العمل وإن كنا قد نكون مبدعين في التنظير.
أيضا من آليات ووسائل النبي صلى الله عليه وسلم في التربية؛ أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يستغل المواقف التي تحصل ربما بشكل مفاجئ لترسيخ قيمة تربوية. بتعرف قصة المرأة التي راها النبي صلى الله عليه وسلم من الكفار تلهث من أجل أن تجد جنينها أو وليدها ضمن القتلى، فأول ما وجدت وليدها أو طفلها من في الجيش أو في بعد نهاية المعركة التقطته وألقمته ثديها؟ فالنبي صلى الله عليه وسلم استغل هذا الموقف: «أترون هذه ملقية ولدها في النار؟ لله أرحم بعباده من هذه بولدها». مرة أخرى النبي صلى الله عليه وسلم كان يسير مع أصحابه فوجد جيفة على الأرض، شوف كيف استغلال المواقف لغرس قيمة تربوية: «أترون هذه الجيفة أو كما قال عليه الصلاة والسلام للدنيا أهون على الله من هوان هذه الجيفة على أهله عليها». إذا قضية استغلال المواقف لغرس القيم التربوية هذه من أكثر ما يرسخ الفكرة التربوية في نفس الإنسان.
التربية من خلال المثال من خلال الصورة، أيضا النبي صلى الله عليه وسلم كان يستعمل التربية من خلال القدوة، وأنا أعتقد أيضا هذا من أعلم من أعظم معالم تربية محمد صلى الله عليه وسلم أو أدوات النبي صلى الله عليه وسلم التربوية؛ أنه لم تكن تربيته تربية تنظيرية، بل كان يشارك الصحابة في آلامهم وآمالهم وجوعهم وجراحهم وفقددهم وزواجهم، كما اسميها أنا السوية بين القول والفعل. كثير من المربين هو يعطي دروس في التربية، لكنه لا يحتك مع تلاميذه، فالتلميذ يعاني ويعاني ويعاني، والشيخ في منطقة سليمة آمنة، بالتالي مع الوقت يفقد التلميذ ثقته بالشيخ؛ أنه بقول لك أنا الذي أتألم والشيخ ما شاء الله طعامه وشرابه وحياته وآماله كلها محفوظة محروسة ويلقي علي الدروس من وراء الجدار. لكن لما تكون أنت لا، أنت تعطي الدرس وتشارك معهم، فهو عندما
كان يتكلم عن الصبر، هو أعظم الصابرين صلى الله عليه وسلم. عندما كان يتكلم عن تحمل الجوع، هو أكثر من تحمل الجوع. لما كان يتكلم عن تحمل الفقر، هو أكثر من تحمله. عندما كان يتكلم عن الشجاعة والجهاد، كان صلى الله عليه وسلم يجرح في المعارك وتكسر أسنانه ويدخل المغفر في وجنتيه.
إذا، هذا جعل القضايا التربوية بالنسبة للصحابة تتعمق وتتجذر؛ لأن من يأمرهم بها هو أول من يطبقها. لذلك، كان من أكثر الآيات القرآنية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: 2]. قضية الانفصال بين التنظير التربوي والواقع هذه مشكلة، أنك تقول شيء في التربية لكن أنت كمربي لا تمارسه، هذه يضعف من ترسيخ التربية في قلوب اتباعك وأنصارك.
أيضا من الأدوات والوسائل التربوية التي كان النبي عليه الصلاة والسلام يستعملها، التربية من خلال التحفيز، يعني كان يهتم بالتحفيز. اليوم هذا علم يعني، حتى في الأمور التربوية كيف تحفز الطلاب، أو كيف الأم تحفز أبناءها، أو كيف معلم القرآن يحفز؟ النبي عليه الصلاة والسلام كان يستعمل التحفيز بالأدوات والكلمات والوسائل المتاحة. مثلا لما يقول: «لكل نبي حواري، وحواري الزبير»، أي الحواري هو النصير، هذا يعمل له تحفيز أنه يبقى مناصرا للنبي عليه الصلاة والسلام.
بعد ما طلحة بن عبيد الله أبلى بلاء عظيما في غزوة أحد قال: «هذا يوم لطلحة»، «أوجب طلحة»، لاحظ كيف يعلي من قيمة التضحيات. تمام، أحيانا كان قبل العمل يقول: «من يفعل كذا وله الجنة؟»، «من يحفر بئر؟»، «من يشتري بئر رومة وله الجنة؟». فاحيانا كان يعطي ألقاب للصصحابه، كلمات تحفيزية، تشجيعية، ثناء على أعمال معينة. هذا التحفيز يجعل هذه القيمة التربوية التي تضمنها هذا العمل ترسخ في ذهن الصحابة. يعني إذا تكلمت أيضا عن ماذا؟ عن موضوع التحفيز إذا هي وسائل يعني كثيرة حقيقة لو اردت يعني أن تلفت إليها النظر وتبحث فيها في حياة النبي عليه الصلاة والسلام.
نعم، سبحان الله، هي التربية تقوم أحيانا على بناء الشخصية وأيضا معالجة أخطاء، والوسائل التي ذكرتها يعني هي شاملة لكلا الجانبين. هنا طبعا يعني سامحك، ذكرت قضية أيضا من الوسائل التربوية قضية أنه كان يعلمهم قراءة الواقع جيدا، جميل. هذه أيضا يعني في البعد السياسي يعني كان يعلمهم أن يقرأوا الواقع جيدا قبل أن يختاروا الخيار. مثلا لما كان يققال له: لماذا مثلا لا تقتل المنافقين؟ كان يعلمهم، قال: «لا يقال إن محمدا صلى الله عليه وسلم يقتل أصحابه». كان يعلمهم أن الحياة أنت لست وحدك فيها كمسلم وكتمعمسلم، هناك دول وأمم وهناك إعلام ومجتمعات عالمية تحيط بك، هناك علاقات سياسية اقتصادية لابد أن تقرا الواقع. هل الواقع الآن يقتضي أن أفعال هذا الفعل؟ هل الواقع واقع صلح أم واقع حرب، واقع أمان أم واقع دخول في مواجهات حتى داخل المجتمع؟ هل اسكت الآن عن هذا الخطأ أم أعالجه؟ هل أتقدم أو أتاخر؟ كان يعلمهم عليه الصلاة والسلام أهمية قراءة الواقع، حتى بعدها يكون اختيارك عن وعي وليس فقط العجلة والحماس والاندفاع. هذا أيضا يعني من وسائل التربية، أو حتى يمكن تضاف ضمن المعالم إذا ممكن.
نعم، الله يجزيك الخير. الآن أعوذ لسؤال، قلت إنه التربية أحيانا يعني هناك معالجة أخطاء في بناء شخصية وفي معالجة أخطاء، هما الأمران متداخلان. معالجة الأخطاء هي من القضايا التي يعني كثيرا ما يهتم بها التربويون: أنه كيف أعالج الأخطاء؟ خاصة من كان في مكان مسؤولية، الابن مع أبيه، الشيخ مع طلابه، المعلم مع تلاميذه، حتى أحيانا حتى الصاحب مع صاحبه. كيف الإنسان يستطيع أنه يعالج هذه الأخطاء تمام؟ يعني النبي صلى الله عليه وسلم هذا ناخذه أيضا من مدرسته صلى الله عليه وسلم، ونركز على هذا الموضوع. نحن ربما تطرقنا لبعض الأمثلة في أحد وغيرها، لكن لأهمية هذا الموضوع نحتاج أن نركز أكثر: كيف كان صلى الله عليه وسلم يعالج المشكلات التي يواجهها الصحابة؟
جميل، يعني أنت لو اردت أن تقول هي حياة النبي عليه الصلاة والسلام من بدايتها إلى نهايتها في التربية هي معالجة الأخطاء. نعم، بدءا من الخطأ الكبير وهو الشرك إلى الأخطاء الجزئية، فتستطيع تقول هي الحياة التربوية أصالة هي تقوم على، إذا بدنا نسميها، تخلية وتحلية. جانب كبير منها هو معالجة لأخطاء، وجانب آخر غرس قيم ومعان أخرى مكانها. معالجة الأخطاء إذا هي شطر التربية، وبالتالي أنا اتفق معك أن هذا يجب أن يفرد مش فقط بكلام هنا في بودكاست، بل يجب أن يفرد بالأبحاث: المنهج التربوي لمحمد صلى الله عليه وسلم في معالجة الأخطاء، أو الصبغة النبوية في معالجة الأخطاء.
هنا ضمن الوقت المتاح ربما أتكلم عن معالم عامة. القضية الأولى هي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان متصورا وقوع الخطا من الصحابة ابتداء، وهذه ربما جزء من المعالم العامة التي تكلمنا عنها قبل قليل، هي الواقعية. نعم، إذا هو لم يكن في مخيلته وفي تصوره أنه يتعامل مع أناس مثاليين، لا، هو قال لهم ابتداء: «كل بني آدم خطاء»، وهو يقرر هذا ويتصف به، ويستصحبه وهو يربيهم، وهو يخوض بهم البحر الخضم، وهو يبني بهم المجتمع المسلم. هو يراعي أن هؤلاء بشر ليسوا معصومين، بالتالي بدي أتصور منهم الخطأ. وهذا مهم من الابب مع أبنائه، أنه أحيانا الأب يريد أن يفرض حالة مثالية في أبنائه، فإذا أخطأ أحدهم خطأ يقيم الدنيا ولا يقعدها، وتظن أن عندك شخصيات مثالية. الرجل مع زوجته، المعلم مع طلابه، هذا يجب أن، الوالي مع رعيته، الخطا متصور. إذا لا بد أن تنطلق من هذه الانطلاقة: سيخطئ تلاميذك، وسيخطئ اتباعك.
هذا يجعلنا ننتقل بعد ذلك إلى البعد الثاني، وهو أن النبي عليه الصلاة والسلام في معالجة الأخطاء كان يختلف أسلوبه ما بين التحديد أحيانا والتغليض في معالجة الخطأ، وما بين التخفيف. وهذا يعود في وجهة نظري إلى بعدين: أولا، حجم الخطا، في أين وقع؟ هل وقع الخطأ في العقيدة في كليات الدين أم خطا في فروع؟ خطأ كان في فروع الدين أم خطا دنيوي بحت؟ أن وقع أن الطعام تأخر عن وقته، أو أنك أرسلت ابنك لمهمه وتأخر عن أدائها، فمكان الخطا هذا يؤثر في حجم معالجته، هل هي شديدة أو خفيفه؟ ثانيا، نوعية المخطئ. من المخطئ؟ هل هو صغير أو كبير، جاهل أو متعلم؟
لذلك لو اردنا ناخذ أمثلة: النبي عليه الصلاة والسلام لما معاوية بن الحكم السلمي تكلم في الصلاة، الصحابه عنفوه وضربوه على أفخاذهم، فهو غضب وخاف. فلما قضى النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة دعاه، فقال: «يا معاويه، إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير وقرآة القرآن». فمعاوية وصف هذا المعلم بأبي هو وأمي قال: ما وجدت أرحم منه، لا كهرني ولا ضربني ولا شتمني، وإنما قال كذا وكذا وانتهى الموضوع. ليه؟ لأن النبي عليه الصلاة والسلام يستصحب أن هذا الرجل كان أعرابيا جاهلا أو مسلما جديدا.
في المقابل، مثلا، لما في رجل آخر رآه النبي صلى الله عليه وسلم ياكل بشماله، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: «كل بيمينك»، فقال: لا أستطيع أن آكل بيميني، وكان غير صادق، وإنما قال كبرا واستكبارا. فقال له صلى الله عليه وسلم: «لا استطعت»، قالوا: فشلت يمينه فلم ترفع إليه أبدا. شلت يمينه! لماذا هنا كانت المعالجة قاسية؟ لأن هذا الرجل كان يعاند الشرع، بخلاف معاويه بن الحكم خطاه كان نتيجة جهله.
مثلا الأعرابي، الأعرابي الذي بال في طائفة المسجد الصحابه قاموا بدهم ينشلوه، زجروه. فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تزرموه، دعوه يبول». هذا أعرابي جاهل لا يعرف أن هذه المساجد لا يصلح فيها كذا. كيف عالج الموقف بكل بساطة؟ خلص، أتوا بذَنوب من ماء فأريقوه عليه، وانتهى المشهد. يعني عالج الخطأ بما يقتضيه المقام.
إذا معالجاته للأخطاء شدتها وخفتها كانت تنتج عن أو يراعى فيها حجم الخطا. لما يكون الخطا في العقيدة مثلا يشدد. وهنا استحضر مثال أسامة بن زيد لما أتى ليشفع في المخزومية التي سرقت. مباشرة، إذا رايت النبي صلى الله عليه وسلم حصل خطأ فخطب، اعرف أن المشكله عويصة، لاحظ هي دائما كثير يحصل خطا فيخرج يخطب، معناه الخطأ كبير ويحتاج لمعالجة عامة وشديدة. «أتشفيع في حد من حدود الله يا أسامة؟» ثم قام فخطب الناس، فقال: «إنما من كان قبلهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف اقاموا عليه الحد». وكثيرا ما كان يخطب: «ما بال رجال يقولون كذا وكذا»، لأن كان خطأ يمس العقيدة ويمس ثوابت وكليات.
لكن لما يكون خطأ جزئي، مثلا عائشة قالت كلمة غير لائقة في صفية، تمام؟ فالنبي صلى الله عليه وسلم يوجهها، يقول: «لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجت»، لأنها خطا جزئي، تمام. فهذه قضية مهمة جدا أن يلاحظ الخطا في أي مجال من المجالات.
عن أنس بن مالك، خدم النبي صلى الله عليه وسلم عشر سنوات، قال: فلم يقل لي لشيء لم أفعله: لمَ لم تفعلْه؟ مع أنه كان يصير أخطاء، لماذا؟ لأنها دنيا، يعني أخطاء أنس بن مالك يرسله برسالة يتاخر عليه، يلعب شوي مع أصحابه ثم يعود. فكان بالنسبة للدنيا يهون الموضوع، والمعالجات تكون أكثر من قرصة أذنه وفركة وبيمشي والحياة طيبة. لكن لما يمس الدين، لما تمس الثوابت، يغضب صلى الله عليه وسلم وتكون المعالجة شديدة.
أيضا من معالم معالجة الأخطاء وهذه قضية مهمة، يا أبو رقيه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قبل ما كان يبادر في معالجة الخطا، كان يستفسر عن سببه. لذلك من المقولات المشهورة في السنة أنه يقول للصحابي: «ما حملك على هذا؟»، هذه كثير ما قرأناها في السنة، ما حملك على هذا؟ أنا لا يجوز لي أن أسرع في معالجة الخطا قبل أن أعرف الدافع الذي دفع الشخص الأمامي للخطا.
مثلا حاطب بن أبي بلتعة، نقر جميعا أنه أخطأ خطأ كبيرا في غزوة فتح مكة لما أرسل رسالة لكفار قريش يخبرهم بمَسير النبي صلى الله عليه وسلم باتجاههم مع أنه عليه الصلاة والسلام طلب الكتمان تماما. لما وصلت الرسالة إلى يد النبي صلى الله عليه وسلم وعرفت موضوعها، دعا حاطبا، هل مباشرة عاقب وبدا بالتأنيب؟ لا، أراد أولا أن يعرف ما الدافع الذي دفع حاطبا للوقوع في هذا الخطأ. قال: «ما حملك على هذا؟»، لأنه أحيانا معرفة الدافع يساعدك على معرفة حجم التجديد أو التخفيف في معالجة الخطأ، أنه قد يعطيك مبرر، قد يعطيك شيئا منطقيا، أما تعذره أو تفهم السبب الذي من أجله قام هذا الأمر، وبالتالي سأختار الحجم الصحيح للعقوبة أو الطريقة الصحيحة في معالجة الخطا.
في المقابل، مثلا، الرجل الذي ظاهرا من امراته ثم وقع عليها، بتعرفوا لا يجوز الإنسان إذا قال لامرأته أنت حرام علي أن يذهب، يعني يعاشرها، حتى يكون قد دفع الكفارة. فهذا الرجل ظاهرا من امراته وقبل أن يدفع الكفارة معاشرها، ثم أتى إلى النبي صلى الله عليه وسلم مستخطئا نفسه. لاحظ، مباشرة النبي صلى الله عليه وسلم عاقبه وكهرّه؟ لا، قال: «ما حملك على هذا؟»، نفس السؤال لاحظ! «لماذا وقعت بها قبل أن تكفر؟»، قال: رايت خلخالها في ضوء القمر، يعني رجل واضح أنه رومنسي يعني، قال: رايت خلخالها في ضوء القمر فحاشرتها وقعت ونسيت أكفر. قال: «استغفر ولا تعد»، يعني كفر، استغفر من خطيئتك وكفر، ولا تعد إلى مرة أخرى إلى معاشرتها حتى تدفع الكفارة.
إذا هذا مهم جدا، فلسفة الأعذار اليوم. كثير في الساحة الإسلامية ما يصبح هناك دائما الهجوم على المخطئ وتكسير مجاديفه والتعجيل في الكلام عليه، مع أنه قد يكون معذورا عند الله. بل سمعت عذره، قد تكتشف أنه أنت المخطئ مش هو، خاصة في الدعوة الإسلامية وفي قرارات السياسة الشرعية وفي غيرها، لا ينبغي أن تعالج خطأ حتى تعرف الدافع الذي جعل ذاك الرجل يفعل هذا الخطأ.
أيضا، وعليّ أختم بهذا في موضوع معالجة الأخطاء، أحيانا كان يسكت عن معالجة بعض الأخطاء. لو سالتني: هل سكت النبي صلى الله عليه وسلم أحيانا عن معالجة بعض الأخطاء؟ اقول: نعم، إذا كانت معالجة الخطأ تترتب عليها مفسدة أعلى. مثلا نرجع بنقول بالنسبة للمنافقين، لما قال له الصحابه: يا رسول الله أنهيهم، قال: «لا، يقال إن محمدا صلى الله عليه وسلم يقتل أصحابه». المنافقون كل وجودهم خطأ في المدينة وعاملين مشاكل، لكن أنا لا استطيع أن أعالج الخطأ علاجا حاسما؛ لأن هذا سيحقق سيسبب مفسدة أعلى من الناحية الدعاية الإعلامية اللي بيسموها البروباغندا اليوم، التي سيستعملها كفار جزيرة العرب لتشويه منهج محمد صلى الله عليه وسلم، فاستطيع يسعني أن اسكت الآن.
مثلا لما فتح النبي صلى الله عليه وسلم مكة قال لعائشة: «لولا أن قومك حديث عهد بجاهلية لهدمت الكعبة وأعدت بنائها على قواعد إبراهيم». يعني الكعبة كانت مبنية بصورة خاطئة وليست تماما تماما على قواعد إبراهيم. طيب، لماذا لم يعالج النبي عليه الصلاة والسلام الخطأ ويعيد بناء الكعبة على قواعد إبراهيم تماما؟ خشي أن يسبب هذا ماذا؟ فتنة، يسبب إشكالية. قال: حديث عهد، ساتهم، جدد الإيمان يعني طازة لسه يعني كما يقولون لم يرسخ.
ومثلا لما جاء أعرابي فشد النبي صلى الله عليه وسلم من هنا حتى أثر ذلك على رقبة النبي صلى الله عليه وسلم، وفي رواية حتى علق رداؤه بغصن شجرة، وقال: يا محمد، أعطني من مالك، فإنك لا تعطني من...
مالك ولا مال أبيك، أو أعطني من مال الصدقة، أو شيء من هذه العبارة؛ فأنت لا تعطي من مالك ولا مال أبيك. فالنبي صلى الله عليه وسلم حاول ابتداءً أن يعالج هذا الموقف، فقال: لن أعطيك حتى أقتص منك. ويريد أن يعلم الأعرابي أنه أنت أخطأت، يعني ليست هكذا تطلب الأمور، ليس بهذه الطريقة، ومش هذا الأسلوب أنك تشد النبي الأعظم عليه الصلاة والسلام؛ هذا ليس مقام الأدب ولا الأخلاق أبداً. فقال: لا أعطيك حتى أقتص منك.
فقال: والله لا تفعل! الآن هنا من الصحابة موجودون أرادوا أن يبطشوا بالرجل؛ فالنبي عليه الصلاة والسلام قال: كفوا عنه، أعطوه سؤله، وبمعنى خليه يمشي يروح. يعني أنا لن أستطيع أن أُعالج الخطأ بأكثر من هذا. لماذا سكت عن معالجة الخطأ؟ لأنه رأى أنه لا جدوى. هذا خلص رجل أعرابي مسكين عصبي وغضوب وأخلاقه صعبة، حاولت أفهمه ما فهم، مش راضي يفهم هذا الموضوع؛ بالتالي الحل البسيط أن اسكت عن هذا الخطأ. لاحظ، لماذا هذا التغافل؟ أنه لا يمس العقيدة، ولا يمس كليات الإسلام، وكان في حقه عليه الصلاة والسلام، فهو يعفو عن حقه بأبي هو وأمي، صلوات ربي وسلامه عليه، بالمؤمنين رؤوف رحيم. نعم.
اللهم إلا السكوت عن معالجة بعض الأخطاء إذا رأيت أنه سترتب عليها مفاسد كبرى، هذا حقيقة من أعظم كليات المنهج النبوي صلى الله عليه وسلم في التربية، ليس فقط عفواً، نحن بنتكلم هون عن أمور جزئية. اليوم في الساحه الدعوية، في الدول والسياسات، وأي جماعة إسلامية في أي مكان، تمسك طائفة أو مجتمع، هناك أخطاء قد تضطر أن تسكت عنها؛ لأنه معالجتها الآنية قد تسبب مفاسد أكبر وأشكالات أكبر، أنا لست الآن في صدد معالجتها. فالحقيقة فهم منهج النبي صلى الله عليه وسلم في معالجة الأخطاء هذا درس كامل، وشيء تحاول أن تأخذ معالمه وتدرسه بالتفصيل من الأحاديث النبوية؛ حتى تخرج برؤية متكاملة.
المشكلة ما هي؟ أن الكل يدعي أنه فهم معالجة النبي صلى الله عليه وسلم للأخطاء. اليوم كثير من الدعاة والذين يقولون على السوشيال ميديا ويتكلمون، القليل يقول يدعي أنه هو الذي فهم، لكن ليس كل من ادعى شيئاً أصاب. لا، قد تكون أنت أخذت صورة جزئية، أو لم يكتمل المشهد لديك. فهم منهج النبي صلى الله عليه وسلم للأخطاء يحتاج إلى طول نظر ودربة ومارس كما ذكرت؛ يحتاج طول نظر. وسبحان الله هو الموضوع كبير، يعني لا تكفي حلقة واحدة، إنما هذا تحتاج سلاسل ولقاءات؛ حتى نوعاً ما الإنسان يحيط بأهم هذه الأمور.
الآن، بما أننا لن نستطيع أن نحيط به، دعنا نعطي المتابعين كمفاتيح، ونبصرهم بالطريق التي من خلالها يستطيعون أن يقرؤوا هذا المنهج التربوي في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم. يعني نحن لن نستطيع الآن نعطيهم المفاتيح وهم إن شاء الله يبحثون. لكن قبل هذا، في نقطة مهمة، وهي أنه لو نظرنا في الساحة الموجودة الآن، ستجد هناك اختلاف واضطراب في تحديد منهج النبي صلى الله عليه وسلم التربوي، كيفية تعامله في المشاكل في حل المشاكل وغيرها. يعني تجد أحياناً البعض ياتي يقول لك: مثلاً منهج النبي صلى الله عليه وسلم دائماً يقوم على الرحمة. نعم، وياتي في الرحمة واللين هذا منهج النبي صلى الله عليه وسلم، ويعمم. بعدين ياتيك آخر يقول لك: لا، النبي صلى الله عليه وسلم كان شديداً، ولا بد القوة والثبات. تاتي أيضاً تنظر يقول لك: منهج النبي صلى الله عليه وسلم يقوم على إتاحة الحريات وإعطاء الحريات للناس. وفي المقابل البعض بالعكس، يحاول أنه يدعي أن دين محمد صلى الله عليه وسلم يقوم على كبت الحريات والتضييق وكذا.
الآن هذه رؤى كلها مختلفة، ولا شك أنها كلها خاطئة، لكن كلهم في النهاية يدعي أنه استقى ذلك من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، المصدر الكل يدعي أنه نفس المصدر. طب الآن أنا أريد أن أبحث عن منهج النبي صلى الله عليه وسلم التربوي، طب أنا أخشى أن أقع فيما وقعوا فيه، فما هي أسباب هذا الخطا وهذا الانحراف في فهم المنهج النبوي من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم؟ ما أسباب هذا الخطا حتى لا نقع فيه؟ دعنا نقول: هناك قراءات خاطئة لمنهج النبي صلى الله عليه وسلم في التربية. ما أسباب هذه الأخطاء حتى لا نقع فيها؟
أسباب كثيرة، وحتى لا يمر الوقت سأمر عليها سريعاً. أول قضية حقيقة أجدها عند كثير من الباحثين المعاصرين في القضايا التربوية عند النبي عليه الصلاة والسلام ما أسميها أنه ياتي بمقررات مسبقة، يريد أن يعلي من قيمة معينة على حساب قيمة أخرى. هذا شخص مفتون بمفهوم الحريات زي ما تفضلت، هو لأنه مفتون بقضية الحريات والفضاء الحر، أتى بقاعدة مسبقة أو بمقرر سابق، فهو يذهب إلى سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، ينتقي المشاهد التي تخدم الفكرة التي عنده، ويغفل المشاهد الأخرى اللي بيكون فيها النبي صلى الله عليه وسلم ضيق المجال.
فقضية الانتقائية، إذاً وجود مقررات مسبقة في ذهنك، أنت تريد أن تخضع منهج النبي صلى الله عليه وسلم لها؛ فأنت شخص تؤمن بعموم الحريات، أو تؤمن مثلاً حتى قضايا أخرى، مثلاً جواز الاختلاط بين الجنسين بين الرجال والنساء؛ فتكون عندك أنت أشياء مسبقة، فتذهب إلى سيرة النبي صلى الله عليه وسلم تنتقي منها المشاهد التي تخدم فكرتك. قضية الانتقاء، الانتقائية وعدم ذكر كل المشاهد بصورة متكاملة.
أيضاً ماذا يفعل هذا الشخص من ممارسات؟ أنه نفس المشهد، أنا أقرأه وأنت تقراه، أنت تفهمه بطريقه تخدم فكرتك وأنا أفهه بطريقه أخرى تخدم فكرتي؛ فكل شخص يقدم قراءه للمشهد وللواقعه بما يتلائم مع هواه ولذته. يعني زي صلح الحديبية؛ أجد اليوم 30 40 قراءة له، كل جماعة إسلامية وكل طائفة وكل هذا تقدم قراءة تربوية لصلح الحديبية، ليس متجردين، بل بناءً على هواهم السياسي أو ثقافتهم أو أفكارهم أو مقرراتهم المسبقة.
أحياناً ياتي إلى تعميم الأفعال. عندنا قاعدة في أصول الفقه تقول: «الأفعال لا عموم لها». ايش يعني؟ لما يفعل النبي صلى الله عليه وسلم فعل مع شخص معين، امرأة، شاب، رجل، رجل يهودي، مسلم، هذا فعل هذا مش قول، بالتالي أنا لا يجوز لي أن أعتبر هذا الفعل عام على كل التصرفات وحاكم على كل التصرفات الأخرى. لا، هذه جزئية وفعل في واقعه معينة، كل ما يشابه هذه الواقعه بتفاصيلها وقرائنها يأخذ حكم هذا الفعل، ولا يجوز.
النبي صلى الله عليه وسلم رحم كافراً أسيراً لديه؛ حتى أطيك يعني في مرحلة النبي صلى الله عليه وسلم كان عنده أسير كافر فعفى عنه. بيجي شخص صاحب هوا ايش يقول؟ ومنهج النبي صلى الله عليه وسلم في التعامل مع العفو عن جميع الأسرى، وهذا ما ولاحظ كيف أنه فعل ذلك! فهو يعطيك قصة واقعة عين، فعلاً النبي عليه الصلاة والسلام عفا فيها عن أسير، لكن هذا فعل في مشهد.
لكن في بني قريظة 700 أسير أعدمهم النبي عليه الصلاة والسلام إعداماً في الميدان. طيب لماذا لا نقرا المشهد الآخر؟ إذاً عليك أن تفهم أنه لا يجوز أن تاتي إلى فعل معين فتعطيه عمومية، بل عليك أن تقرا ظروفه وأحواله، فتوضفه فيما هو في أحواله وظروفه، ولا تجعل قاعدة عامة أنه دائماً صلى الله عليه وسلم، سواء في الإفراط أو التفريط؛ فلا يجوز أن تقول إن النبي صلى الله عليه وسلم كان دائماً يرحم الأسرى، ولا يجوز أن تقول إنه دائماً كان يعدم الأسرى، ولا يجوز أن تقول إنه صلى الله عليه وسلم كان دائماً يشدد، كما لا يجوز أن تقول إنه دائماً كان يلين.
حتى أعطيك برضه قضية كيف يحصل الانتقاء في السيرة: الذين يدعون إلى الاختلاط ويبيحونه، ماذا بماذا يستشهدون؟ يقول لك: لاحظوا كيف أن عائشة والصحابيات كانوا مع الصحابه في غزوة بدر متشاركين. والوارد أن عائشة أو فاطمة كانت تضع الماء في فم الصحابة أثناء الغزوة. فهو يستشهد بهذا على ماذا؟ على تعميم جواز الاختلاط في جميع الأحوال. أنت تقيس حالة استثنائية، حالة معركة دماء، رؤوس مستطيرة وأشلاء على الأرض وهناك قلة في الصحابة، فأحتاجوا وجود النساء للتمريض وللتزويد بالمياه، تقارنها بالاختلاط الدائم المستمر في الأعمال من الصباح إلى المساء؛ حيث تاتي المرأة متعطرة ومتجمله وتضحك في وجه زميلها ويضحك، فانت تعرف انه في هناك هى في قراءة السيرة وفي انتقاء المشاهد التربوية.
هذه، إذاً، أعتبر أن من أوائل الأخطاء: عدم التجرد، والاتيان بخلفية مسبقة، وبالتالي يتم التعامل مع أحداث التربوية للنبي صلى الله عليه وسلم بانتقاء أحداث معينة تخدم فكرته، أو تشويه قراءه حالة معينة فيقراها بطريقة تتلائم معه، أو يعمم فعل ويوسع دائرته.
من أكبر الأخطاء أيضاً -وهذا انتبه له أبا رقيه في موضوع قراءه منهج النبي صلى الله عليه وسلم التربوي- عدم التفريق بين الثابت والمتغير في تربية النبي صلى الله عليه وسلم، أو بين ما أسميه الوسائل والمقاصد. الآن في هناك في منهج النبي صلى الله عليه وسلم التربوي ثوابت قاطعة هذه لا تقبل المساومة، وهناك وسائل كان يذكرها النبي صلى الله عليه وسلم ويشير إليها، لكن كان يشير إليها باعتبارها وسيلة هي تقبل التغير بحسب طبيعة الظرف والزمان.
طيب أعطيك مثالاً أنه حقيقة من أكبر الاشكاليات اليوم في قراءه منهج محمد صلى الله عليه وسلم في تربيه أصحابه، عدم القدرة على التفريق بين ما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم على أنه ثوابت وما ذكره على أنه وسائل؛ بعض الناس يريد أن يجعل كل الثوابت من قبيل الوسائل، وبعض العكس يريد أن يجعل كل الوسائل ثوابت.
خذ هذا المثال التربوي الصغير، نحن نعرف أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «علموا أبناءكم الصلاة لسبع واضربوهم لعشر». الآن ما هو الثابت وما هو الوسيله هنا يا أبا رقيه؟ الثابت هو أنه على الصلاة الثابت هو ضرورة تربية الأطفال الصغار على الصلاة جميل والتجديد عليهم في موضوع الصلاة إذا وصلوا إلى سن العاشرة صح، يعني هذا هو الثابت أنه ابني إذا وصل إلى سن العاشرة بدي أشدد على قضية الصلاة والصيام في حياته.
طب الضرب، هل هو ثابت ولا وسيلة؟ وسيلة، ووسيلة مش ثابت، بالتالي إذا وصل لسن العاشرة وما صلى بعض الناس بقول لك: لازم أضرب. ليش لازم تضرب؟ لأنه النبي صلى الله عليه وسلم قال: اضربوهم. هسا النبي عليه الصلاة والسلام ذكر الضرب باعتبار إحدى الوسائل النافعة، وهذا ما كان يفهمه الفقهاء، وهذا الفرق بين الفقيه وبين الجامد على ظواهر النصوص.
النبي عليه الصلاة والسلام، يعني كما يقول العز بن عبد السلام أحد الفقهاء الكبار، يقول: وإنما يذهب إلى الضرب إذا غلب على الظن أنه نافع في حث الصبي على الصلاة، وأما إذا كان غير نافع فلا يضرب. طب كيف لفقيههم كالعز بن عبد السلام يقول: إذا كان الضرب يؤدي مفعولاً عكسياً لا يضرب؟ أن العز ماذا فهم؟ أن ذكر الضرب هنا هو وسيلة وليس مقصوداً لذاته، فلما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم ليعطيك مساحة هذا التصرف، وليس أنه لازم تفعله. وقص على ذلك جميع القضايا التربوية الأخرى.
إذاً، لا بد أن نفرق بين مساحة الثوابت ومساحة المتغيرات؛ الفصل بين مثلاً الجنسين هذا ثابت، آليات الفصل هذه ربما طبيعة الزمان والمكان تساعد على الحكم عليه والظروف. يعني أنا أقصده وقص على هذا الأفكار الأخرى التي تختلط فيها الأوراق تماماً؛ مثلاً ترسيخ الشريعة في قلوب الناس ثابت، لكن الوسيلة التي من خلالها سأوصل الشريعة للمجتمعات هذه الظروف تحكمك فيها، الظروف السياسية والاجتماعية. هذه قضية خطيرة جداً، قضية عدم التفريق بين الثابت والمتغير في القضايا التربوية.
أيضاً من أكبر القراءات الخاطئة لمنهج النبي صلى الله عليه وسلم في التربية هو أننا نجد في مجتمعاتنا المعاصرة كثير من الناس مفتونين بالمناهج التربوية الغربية، فيحاولون إخضاع تصرفات النبي صلى الله عليه وسلم التربوية لتلك المناهج ولتلك القواعد، وهو متشرب للمنهج التربوي الغربي، وبالتالي يقرا منهج النبي صلى الله عليه وسلم وأساليبه بعين ذاك المنهج الوضعي الأرضي، ولا يعطي منهج النبي صلى الله عليه وسلم في التربية صبغة خاصة.
إياك إياك أن تخضع صبغة محمد صلى الله عليه وسلم في التربية للمناهج الوضعية الأرضية. منهج محمد صلى الله عليه وسلم في التربية مختلف تماماً، قد يحصل تقاطعات ما عندي مشكله في بعض الوسائل وبعض الأدوات، قد يحصل تقاطعات أقر ذلك، لكن عليك أن تفهم أن المناهج هي التي تخضع لمنهج محمد صلى الله عليه وسلم، وليس منهج محمد صلى الله عليه وسلم يخدمها أو يخضع لها. هذا خطير جداً، لهذا تكون انتقائية، ولهذا يكون انتقاء، ولهذا يكون تشويه. لماذا يتشوه اليوم منهج محمد صلى الله عليه وسلم في التربية؟ لأنهم يريدون إخضاعه للمناهج الأرضية الوضعية التي اشتقوها من المدارس الأوروبية والفرنسية والألمانية وغيرها وما تقدمه تلك الأبحاث لنا. صبْغتُنا الخاصة، لذلك قلنا هي الصبغة المحمدية على صاحبها أفضل الصلاة.
الآن ننتقل إلى الجانب الآخر هنا السؤال: نحن الآن في أمور نحاول أن نتجنبها حتى لا يكون هناك انحراف في قراءه المنهج التربوي للنبي صلى الله عليه وسلم. طب الآن كيف نقرا منهج النبي صلى الله عليه وسلم؟
توصلنا إلى هذه الصبغة النبوية. جميل، هناك مجموعة من القواعد والأدوات المعرفية التي يجب أن تكون حاضرة وأنت تحاول استكشاف هذا العالم، عالم تربية محمد صلى الله عليه وسلم لأصحابه.
أول شيء وأهم شيء ما ذكرناه قبل قليل: التجرد؛ يعني أن تأتي إلى السيرة وإلى كتب السنة متجردة من أي أفكار أو مقررات سابقة. أنا أبني فكري التربوي من خلال ما أجده أمامي وليس من مقررات مسبقة، وهذه حقيقة، الحقيقة ليس فقط معيار لقراءة منهج النبي عليه الصلاه والسلام، بل هذا معيار بحثي الكل يقر به، يعني حتى في المناهج الغربية يقول لك الباحث يجب أن يكون متجردا، ما بصير تكون أنت عندك مقررات مسبقة وتريد أن تجر السنة أو السيرة إليها.
وخذ مني يا أبا رقية، أكثر المتكلمين اليوم ممن يعانون من انحراف في القضايا التربويه ويستشهدون بسيرة النبي عليه الصلاه والسلام، هذه مشكلتهم أن هو آتي من بيئة غربية أو من مجتمع مدني مادي معين فيخضع السيرة لمفاهيمه هو ومش يخضع عقله لتلك المفاهيم النبوية.
إذا أولا التجرد. ثانيا، إذا أردت أن تقرا مشهدا من مشاهد السيرة عليك أن تأخذه مع السابق واللاحق ومع كل القرائن المحتفة به، يعني ما بصير تقول مثلا، يعني حتى أقرر لك الصورة بعض الناس يقرا ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ ۚ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ [الفتح: 29] ويقول: رحماء بينهم، بينفع تقول رحماء بينهم وتنسى أشدَّاء على الكفار؟ ما بصير تاخذ جزء القصة وجزء المشهد، لا، أشدَّاء على الكفار رحماء بينهما اثنتين.
لما تجي تقرا صلح الحديبية ما بصير تقرا صلح الحديبية وتتناسى أنه قبل هذا الصلح بسويعات كانت بيعة الشجرة على الموت، صح؟ يعني أنت خلال ساعات كان في عندي بيعة تحت الشجرة على الموت والتضحية، وبعدها بساعات كان صلح. فبعض الناس حتى يؤصل فكرة السلام العام والانساني بينسى قضية بيعة الشجرة اللي كانت قبل ساعات وبيقول لك فقط صلح الحديبية! آه بس بدك تنتبه كلاهما كان في نفس الظرف. اقرا المشهد كاملا من أوله إلى آخره بكل قرائنه وسياقاته.
ثالثا، من القضايا المهمة جدا أولا أن تتاكد من سند القصة، يعني بعد أن تقرا المشهد، أو لعل هذه حتى خطوة سابقة، عليك أن تتاكد من سند القصة حتى لا تذكر منهجا للنبي صلى الله عليه وسلم أو أداء أو وسيلة تربوية تنسبها إلى الإسلام ويكون الحديث موضوعا أو ضعيفا جدا، فهذه قضية السند ومعيارية ثبوته هذا مهم جدا.
بعد ذلك عليك أن ترد، أو عفوا قبل، أرد المتشابه إلى المحكم، هذه كنت أريد أن أقولها لكن فكرة لما تقرا مشاهد السيرة اقرا أكثر -ما بدي أقول لك كل- أكثر ما كتبه شراح الحديث والسير من علمائنا في فهم المشهد، يعني لا تحاول أن تعطي فهما لهذا المشهد لم يسبقك إليه أحد. طبعا هنا عليك أن تفرق يا أخي بين شغلتين، بين أنه أقدم فائدة جديدة بعد الاتفاق على فهم المشهد، تقديم الفوائد هذا باب واسع، وقد يفتح الله على المتأخر باستنباط فكرة لم تكن موجودة عند المتقدم، استنباط الفوائد من المشهد ما في مشكلة، فكر واستعمل عقلك حتى لو لم يسبق إليها الأوائل.
لكن فهم نفس المشهد أنه ما هو طبيعة المشهد ابتداء قبل استنباط الفوائد، ما هو طبيعة المشهد؟ هذا ما بصير أنت تخرج بفهم مخالف لكل فهم شراح الحديث والعلماء عبر القرون المفضلة، يعني أنت لن تكون أجود عقلا من التابعين وتابع التابعين وعلماء الأمة الأخيار في فهم طبيعة المشهد ابتداء. وهذا لماذا أركز عليه؟ أنه أجد كثيرا من الكتابات المعاصرة هو يقرا المشهد بطريقة صادمة، يعني ما أحد فهم القصة والواقع، حتى الصحابة لم يفهموا القصة كما أنت تقول، حتى التابعون وهم الملتصقون بالصحابة لم يفهموا القصة كما تقول أنت، من أين أتيت بهذا الفهم للمشهد؟ من هواه! يعني هذا هو الواقع.
فإذا لابد أن يكون لك مستند في الفهم الابتدائي للمشهد، بعد ذلك تاتي قضية أنه بعض المواقف الجزئية القليلة جدا قد تشتبه في أذهاننا، لماذا تصرف النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الطريقة؟ من القواعد التي يرسخها دائما علمائنا أن المتشابهات ترد إلى المحكمات، يعني إذا في قصة أنت مش فاهم لماذا تصرف النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الطريقة عليك أن تردها إلى المحكم من أفعاله، ستستطيع على الأقل تقول هذه بالتأكيد ترد إلى المحكمات فتفهمها ضمن سياقها، أو على الأقل تتوقف فيها.
ربما هذا ساذكر مثالا لا يتعلق بالنبي صلى الله عليه وسلم لكن يتعلق بالصحابه، ربما ذكرت لك سابقا قضية سالم مولى أبي حذيفة، وهذه مرت معنا في سنن النسائي كيف أن سيدتنا عائشة كانت تكشف شعرها عنده وهو كان مولى لأحد أقاربها أو أحد خدامها. الآن شراح الحديث لم يستوعبوا حقيقة بالدقة ما طبيعة علاقة سالم بعائشة رضي الله عنها حتى أن عائشه تختار أن تكشف شعرها أمامه؟ هنا يأتي مثلا الرافضة أصبحوا يتكئون على هذا الحديث في الطعن في عائشه الله يرضى عنها، انظروا إلى عائشة الطاهرة المطهرة كيف تكشف شعرها أمام الرجل، هذه عائشة التي تقولون عنها! انظروا.
لكن أنت طب أنت الآن كمسلم على طريقة جادة وصحيحة كيف تفكر بهذا المشهد؟ قد لا امتلك معرفة دقيقة دقيقة ما هي العلاقة التي تجعل عائشة تكشف شعرها أمام سالم، لكن أنا ما استطيع أن أفهمله هو شيء محكم، أن في عندي محكم أن الصحابيات وامهات المؤمنين في قمه النقاء والتقى والعفاف، أنه لا يمكن أن تمارس هذه الممارسة إلا في هناك شيء أنا فقط لم أفهمه، فكوني أنا لم أفهمه لا يعني أنه أصبح أثير الشبهات والاشكالات حول القصة. طبعا هي قصة سالم البعض ضعفها، لكن برضه كثير من المحدثين حسن القصة وقال لا، لها أصل صحيح ولكن هناك نوع من المحرمية أو العلاقة أو فتوى كانت تراها عائشة، فتوى تراها عائشة في قضية هؤلاء قد لا توجد عند غيرها وهذا فيه خلاف وقع بين الصحابيات والصحابه منذ زمن.
لكن أنا عندي محكم، محكم دلت عليه الشواهد والقرائن، عائشة طهرها الله من فوق سبع سماوات من أنتم حتى تتكلموا فيها! لكنها عائشة الفقيهة، عائشة العالمة، عائشة في قمة الفقه من الصحابيات، فبالتأكيد هذا التصرف له مخرج، وقد أكون أنا لم أتصور هذا المخرج، ليس ضروريا أن تتصور هذا المخرج وإنما تبحث قدر استطاعتك، في النهاية أنها زوجة النبي صلى الله عليه وسلم وأنها عفيفة.
وأختم، يعني حتى لا أطيل هنا، أختم بأنه من إذا أردت أن تاخذ معالم التربية عند النبي صلى الله عليه وسلم وأساليبه التربوية أنصح نفسي وإخواني الباحثين وأخواتي الباحثات: أنت لن تستطيع من خلال قراءة واحدة للسيرة أن تعرف كل منهج النبي صلى الله عليه وسلم في التربية. بنصحكم أنك تاخذ أداة من أدوات التربية أو معلم من معالم التربية وتقرا السيرة كاملا وأنت تفتش عن هذا المعلم، ثم تعيد قراءة السيرة مرة أخرى وتفتش عن معلم ثاني وثالث ورابع وخامس.
يعني البعض بيسالني: لماذا لابد أن أقرا السيرة كثيرا مرارا وتكرارا، خلص بقراها مرة واحدة عرفت القصص انتهت؟ هذا معناها أنت لم تستوعب، أنت لم تستوعب لماذا العلماء صنفوا عشرات الكتب ولماذا كل سنة لابد وأن تمر على سيرة النبي عليه الصلاه والسلام؟ لأنك في الحقيقه يجب أن تاخذ كل مرة ملحظ معين وتركز عليه.
مرة أخذ أي منهج النبي صلى الله عليه وسلم في التربية من خلال التحفيز، أقرا كتاب كامل مثل البخاري أو مسلم أو كتاب كامل في السيرة فقط أتتبع هذه الجزئية من حياة النبي صلى الله عليه وسلم: التربية بالتحفيز مثلا. أخذ التربية من خلال التجربة والواقع والميدان، أخذ سيرة النبي صلى الله عليه وسلم أقراها لأنظر كيف ربى أصحابه من خلال الميدان. تربية النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه على التوازن، أقرا السيرة فقط وأنا أبحث عن هذا المعلم. تربية النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه على تقبل الضعف، وسبحان الله ذكرت أن هنا لما في دوراتهم السابقة قراءة سنن النسائي إحدى طالبات العلم معنا كانت تقول: أنا دخلت في سنن النسائي وكان هدفي أنظر في قضية تربوية كيف علم النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه تقبل الضعف وكيف كانوا وكيف كان يتقبل ضعفهم؟ وحقيقة بعد نهاية الكتاب خرجت بفوائد عظيمة وجميلة جدا لأن هي دخلت وهي تركز على جانب معين.
اللي يقرا السيرة أو كتب السنة ومنهج النبي صلى الله عليه وسلم وهو يريد أن يأخذ كل التربية مرة واحدة لن يستطيع وستضيع كثير من الأمور أمامك. ولذلك نحن في الحقيقة في واقعنا نحتاج إلى المئات من الباحثين وكل باحث ياخذ معلم معين ويعطينا أبحاث لنخرج بمدرسة متكاملة أو موسوعة كاملة اسمها الصبغة النبوية: منهج محمد صلى الله عليه وسلم في تربية أصحابه، منهجه في معالجة الأخطاء، منهجه في التوازن، منهجه في الواقعية، منهجه في العملية، منهجه في الرحمة، متى يغضب؟ كل هذا حقيقة نحتاج فيه إلى مؤسسات بحثية ولا أقول وليس إلى مجرد أفراد أو اجتهادات بشرية.
أسال الله أن يوفقني وإياكم لكل خير. الله يكرمك أبو عبد الرحمن، يعني أنا أشكرا حقيقة على إتاحة الفرصة لهذه اللقاءات الثلاث، ما شاء الله ثلاث لقاءات خلال، إن شاء الله تكون بعد رمضان استمرارية لبودكاست قيم، يعني إن شاء الله بترتيب، يعني يكون له ترتيب آخر. الله يجزيك الخير وما شاء الله أجدت وأفدت في كل هذه المواضيع، إن شاء الله تعالى إن شاء الله إنه ينفع بما قدمت ويجعل في ميزان حسناتك. الله يرزقنا الإخلاص في القول والعمل وأن يجعلنا نعمل بما نقول؛ لأن كما قلت ميدان العمل هو الميدان الحقيقي. إن شاء الله يتقبل يا رب.
الله يكرمكم وأنتم أيها الكرام وأيتها الكريمات، يعني هنا نصل إلى المحطة الأخيرة من هذه اللقاءات، وقفنا فيها على ثلاث قضايا من أهم القضايا التي تهم كل مسلم وكل مسلمة في حياتها وفي حياة أيضا المسلم. نشكركم لطيب المتابعة، ونستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه، وصلى الله على نبينا محمد والحمد لله رب العالمين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل