دخولتسجيل الدخول

بودكاست قِـيم | ثغور الحياة: كيف تُحدّد ثغرك؟ | الحلقة الثانية

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، حياكم الله وبياكم، وأهلاً ومرحبا بكم في هذا اللقاء الرمضاني المتجدد من لقاءات بودكاست قيم.

لقاؤنا اليوم هو بعنوان ثغور الحياة. عنوان هذا اللقاء ثغور الحياة، وكلمة ثغر حقيقة تبعث في النفس معنى المسؤولية. عندما تقول ثغر يعني أن هناك شيئاً يحتاج إلى حماية وحراسة. ثغر يعني هناك تضحية وبذل وعطاء وشجاعة وبسالة. وما أكثر ثغور الحياة التي تحتاج إلى من يسدها ويقوم عليها ومن يحرسها. فحدد ثغرك ولا يؤتين الإسلام من قبلك. محدثكم عبد الرحمن الحسن. بودكاست قيم، منصة غراس. حياكم الله وأهلاً وسهلاً بكم.

يتجدد لقاؤنا معكم في هذه الليلة لتصحيح المفاهيم، لإعادة ضبط بوصلة الحياة وإعادة توجيهها. نلتقي بكم في هذا اللقاء مع ضيفنا المتجدد الشيخ إبراهيم رفيق الطويل، المشرف العام على أكاديمية غراس العلم. حياكم الله وأهلاً وسهلاً بكم.

مرحباً بكم يا أبا عبد الرحمن، ومرحباً بكم. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يجري الحق على ألسنتنا، وأن يعيننا على الكلام النافع بإذن الله. مرحباً مرحباً أبو رقية، أكرمكم الله. أبو عبد الرحمن، في اللقاء الماضي ذهبنا إلى ميادين القلوب، بحثنا عن جذوة التوحيد، وهذا اللقاء إن شاء الله سننزل إلى ميدان الحياة. ومع ثغور الحياة، بدايةً، لتكن البداية مع هذا المفهوم: ثغور الحياة. حتى نحسن تصور هذا المفهوم، ومنه إن شاء الله تكون الانطلاقة بعد ذلك. ما معنى مفهوم ثغور الحياة؟ ما معنى أن يكون لي ثغر؟ ما معنى هذا الثغر؟

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، والصلاة والسلام على النبي المصطفى صلاة تترى وعلى آله وصحبه ومن لنهجه اقتفى. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علماً نافعاً يا أرحم الراحمين.

حقيقة هذا السؤال مهم، لأنه دائماً كما يقولون، الحكم على الشيء فرع عن تصوره. والثغر، لو أتينا إلى أصله، الثغر في اللغة هو المكان المخوف الذي يخشى أن يهجم العدو من خلاله عليك. وهو في أصل اللغة هو قطعة من الأرض يخشى أن يهجم العدو منها علينا، على بلاد المسلمين. ولذلك كان مفهوم حراسه الثغور من مفاهيم الجهاد والرباط الدائمة في التاريخ الإسلامي، والنصوص التي تحث عليها كثيرة.

هذا أصل الثغر إذاً. وعليك أن تنتبه له؛ أن الثغر هو مكان مخوف يخشى أن يهجم العدو من خلاله علينا، وهو في الأصل كما قلنا منطقة حسية. لكن حقيقة لو أردنا أن ناخذ الثغر بالمفهوم الإسلامي الشامل، الثغر قد يكون مكاناً حسياً يقف فيه المرابط يحرس وطنه وبلاده من هجوم الأعداء، وقد يكون مكاناً معنوياً أيضاً يخشى أن يهجم العدو من خلاله، كالغزو الفكري. هناك ثغر في المعرفة والتعليم، هناك ثغر أيضاً يخشى أن يهجم العدو من خلاله في باب الإعلام، هناك ثغر يخشى أن يهجم العدو من الأمور الاجتماعية والامور الصحية، وقس عليها.

فالحقيقة الثغر بمعناه الشرعي أوسع من الثغر بمعناه اللغوي؛ لأنه يشمل أموراً حسية وأموراً معنوية. ومن هنا سميناها ثغور الحياة، أن هو ليس الثغر بمعنى محصور ضيق أن تقف في شبر من الأرض ومكان معين تقاتل فيه، وإن كان هذا من أعظم أشكال الرباط في الثغور، لكن هناك ثغور كثيرة في حياة الأمة نحتاج أن نسدها.

ولعل قول النبي صلى الله عليه وسلم: «جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم»، لعله يعطيك تصوراً عن مفهوم الثغور وساعة دائرته. كيف أن النبي صلى الله عليه وسلم يخبر أن هناك ثغراً تدافع به بنفسك، وهناك ثغر تدافع فيه بمالك؟ ولما نقول الدفاع بالمال، من إنشاء المشاريع الاقتصادية والاستثمارات المالية التي تقوم بها المجتمعات المسلمة، في الهندسة والفضاء وأبحاث الفيزياء والكيمياء وما شابه ذلك. وباللسان: وألسنتكم، ثغر التعليم والإعلام وتوجيه بوصلة الناس. فالنبي عليه الصلاه والسلام، بأبي وأمي عليه الصلاة والسلام، وسع قاعدة الثغور ليبين أنها ليست فقط محصورة بثغر ترابط فيه بجسدك، بل هناك ميادين كثيرة تستطيع أن ترابط فيها.

ولعل القرآن، سبحان الله، نبهنا لقضية الانتباه من تسلل العدو على هذه الثغور، لما قال عز وجل: ﴿وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً﴾ [النساء: 102]. صحيحة، هذه الآية كانت تتكلم في سياق غزوة معينة، لكنها تشير إلى قضية عامة: أن العدو مستيقظ، ويود لو أننا نترك ثغور الحياة وأن ننسحب وننشغل بدنيانا حتى يتسلل من خلالها. ود الذين كفروا لو تغفلون، هو ينتظر الغفلة من أهل الاسلام ليميل علينا ميلة واحدة. وبالتالي هذا يقتضي حقيقة من كل مسلم أن يفهم أن هناك ثغراً ينتظره ليقوم به ويؤدي حقه حتى يمنع العدو من الدخول إلى بلاد المسلمين.

العدو أبا رقية، عبر تاريخ الإسلام، فشل في كثير من الحملات الصليبية والغزوات والمعارك على الجسد، لكنهم استطاعوا أن يتسللوا من ثغور أخرى فكرية ومعنوية كنا نحن في غفلة عنها، خاصة هذه الأيام. نعم، إلى يومنا هذا، من سقوط الخلافة العثمانية إلى يومنا هذا، بل حتى قبيل سقوط الخلافة العثمانية كان هناك مشاريع كبيرة. ادرك العدو أن الهجوم على الحضارة الإسلامية من خلال الثغور المعنوية يكون أشد تأثيراً من الدخول من الثغر الحس المادي.

جميل، جميل. يعني ممكن أبو عبد الرحمن نقول مثلاً: كل الجوانب التي تحتاجها الأمة الإسلامية تعتبر ثغور؟

أكيد، ولعلنا نكمل في تفاصيل أشكال الثغور أثناء كلامنا عن اختيار الثغر وأشكاله وطرق تأديته.

جميل. طيب، الآن أنا كمسلم، هل يلزمني أن يكون لي ثغر ألتزمه وأحرسه للدين؟ ولا أنا ممكن أكون مسلماً خلاص، أقوم بعبادات ولا يكون لي دور مثلاً وعطاء وبذل لهذه الأمة؟ هل يلزمني؟ كل مسلم يلزمه أن يكون له ثغر؟

حقيقة أبو رقية، لو أننا استقرأنا هكذا سريعا نصوص الكتاب والسنة، سنجد أن نصوص الكتاب والسنة تؤزنا أزاً وتدفعنا دفعاً، وتؤصل لنا مفهوم الثغر، وأن كل مسلم عليه أن يسد مسداً في بناء هذه الأمة. أولاً، دعنا نبدا بقصة الإنسان، الله عز وجل قال للملائكة: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: 30]. أن تتصور أنك مستخلف في هذه الأرض لتحكم بشرع الله، هذه أول قضية من قضايا الثغور، أو أول تصور من تصورات الثغور، أنني على هذه الأرض مستخلف عن الله سبحانه وتعالى لأقيم شرعه في الأرض. وهذا يقتضي إذاً أنني يجب أن أسد ثغر الاستخلاف بمفهومه الشامل.

ثم بعد ذلك، إذا أتينا إلى نصوص الكتاب والسنة، نجد ربنا سبحانه وتعالى يلزمنا بضرورة العطاء للدين. فكرة العطاء للدين، وأن الإنسان هو ليس فقط إنساناً يفعل عبادات قاصرة متعلقة به دون أن يبذل لدين الله سبحانه وتعالى، بل الإسلام يهتم بالأمور المتعدية التي يخدم بها المسلم مجتمعه وبلاده وفكرة الإسلام وينشرها عبر العالم.

فالله عز وجل يقول مثلاً في سورة الليل: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى * وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى * إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَى * فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى﴾ [الليل: 1-5]. فبدأ بماذا؟ بقضية العطاء للأمة: فاما من أعطى، البذل.

في سورة الصف يقول سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ﴾ [الصف: 14]. لا، صيغة الأمر: كونوا أنصار الله. إذاً نحن مطالبون بأن ننصر دين الله سبحانه وتعالى. وهذا معنى الثغر، أن الله يطلب مني النصرة، ليس لحاجته، لكن لأنني جزء من منظومة الاستخلاف ليرى سبحانه وتعالى هل سأؤدي هذه الوظيفه وهل سأُلبي نداء الله سبحانه وتعالى في سد ثغور نصره الإسلام.

في آية أخرى يقول سبحانه وتعالى: ﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ﴾ [محمد: 38]. إذا توليت عن الثغر، توليت عن البذل والعطاء بالمال والوقت والجهد لأمتك، فالله عز وجل يستبدلك أيضاً.

أجد في آية أخرى يقول سبحانه وتعالى: ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: 84]. إذاً الله يطالب كل شخص منا أن يقاتل وأن يبذل. في آية أخرى يقول سبحانه: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ [الحج: 78]. إذاً يامرنا بالمجاهدة والمرابطة. في آيات أخرى: ﴿اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا﴾ [آل عمران: 200]. وهكذا تجد الآيات كلها تدل على نعم، أن كل إنسان مطلوب منه أن يقدم وأن يسد مسداً وفق طاقته وإمكانياته وبتصوره الصحيح للثغور كما سياتي معنا.

لأنني أعود فأقول: إن كثيراً من الناس عندما يسمع كلمة ثغر، دائماً ما يقفز إلى القيادة والادارة وأن يكون مسؤولا. وهذا لعلنا نشير إليه: أن كلمة الثغر مفهومها الإسلامي كلمة شاملة، لا يوجد إنسان ليس له ثغر، خذها مني، وإنما هو العجز والكسل. لا يوجد إنسان، لو فهمنا مفهوم الثغر بمعناه الشامل، أعلم أن كل إنسان يستطيع أن يسد ثغراً ولو كان ثغراً جزئياً قليلاً، لكن فكرة أنه: أنا لا أحسن شيئاً، أنا لا أستطيع، هذه غير موجودة. الكل يستطيع، لكن إذا تصورنا الثغر بمعناه العام الشامل.

ولذلك قلت لك، نصوص الكتاب والسنة كلها تدفع نحو: ﴿انْفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً﴾ [التوبة: 41]. الكل يجب عليه أن ينفر، الكل يجب عليه أن يبذل، كل على حسب سعته وقدرته ومجاله وتخصصه وقدراته في الحياة، لكن عليك أن تنفر: انفروا خفافاً وثقالاً.

كذلك النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته»، بغض النظر في شركة، في أسرة، في بيت، في مسجد، في أي مكان وضعك الله سبحانه وتعالى، أنت كلكم راع، وهناك مسؤولية تتوجه إليك في أداء حقوق هذه الرعاية.

فإذاً، من حيث هل كل مسلم مطلوب منه أن يبحث عن ثغر وأن يحدد ثغراً يبذل فيه؟ نعم، يعني ما يصح أنه يبقى هكذا الإنسان لا يمشي في الحياة هكذا. تعرف هذا الذي أنت ذكرتني باية سبحانه وتعالى يحذرنا من صحبة هؤلاء الذين لا يهتمون بالبحث عن الثغور، قال سبحانه: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً﴾ [الكهف: 28]. إنسان فارط، نحن بلغتنا العامية نقول لك: إنسان فارط، ما عنده أي هدف في الحياة.

يعاتب الله عز وجل هؤلاء الناس الذين يعيشون من أجل مقاصدهم النفسية ولا يعيشون من أجل أمتهم، فيقول: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ [القيامة: 36]. يعني هل تظن أن الحياة هكذا عبث سدى، لست مطالباً أن تقف وأن تحمل هم هذا الدين وأن تنصر الإسلام والمسلمين بأي شكل من الاشكال؟ حقيقة، هذا هو العجز والكسل الذي كان يحذر منه النبي صلى الله عليه وسلم.

يعني احنا ربما نقول يعني: إنه كل إنسان هو على ثغر، لكن مش الجميع مستيقظ لهذا الثغر حتى يهتم فيه؟ يعني كل إنسان هو على ثغر، لكن في إنسان منتبه أنه على ثغر فيبذل ويقدم، وفي إنسان غافل ولا يعلم أنه على ثغر وبالتالي هو سيهمل ويهتم بهذا الثغر؟ وللجميع هو على ثغر، لا اريد أن أقول إن الجميع على ثغر، وإذا سمحت لي أن أناقش فيها: الجميع يستطيع أن يجد ثغراً.

في إنسان قد يكون على ثغر وهو غير منتبه له، إذا هذا كنت تقصده يعني؟ قد يكون في هناك مساحة يستطيع أن يسدها وهو غير منتبه لها. أي نعم، يعني كل إنسان عنده المساحة، عنده القدرة، الأمة تحتاج الجميع، أكيد. هون النقاط أن الأمة محتاجة للجميع في كل التخصصات. فاذا الكل هو في النهاية هذا اللي قصدته أنه سيكون على ثغر مئة بالمئة، لكن هل ينتبه أنه على ثغر وأن الأمة تحتاجه؟ فاذا انتبه سيققدم وسيبذل، واما إذا كان غافلاً وملتهاً فانه في النهاية سيهمل هذا الثغر وسيضيع، ويؤتى الإسلام من قبل هذا الإنسان.

وصدقني أحياناً أبا رقية، يعني نحن دائماً نقول: الأمة تحتاجك، نعم، لكن أنت أيضاً تحتاجها. جميل، يعني دائماً ما يكون الخطاب في قضية الثغور: الأمة بحاجتك، كن واقفاً مع أمتك. لكن أنت عندما تبذل أنت أيضاً تحتاج البذل، لأن هذا البذل يعطي لحياتك قيمة، ويعطي لوجودك معنى.

أنا استغرب من إنسان يعيش فقط من أجل لذاته وطعامه وشرابه، ولا يفكر أن يعيش من أجل قضية شريفة عظيمة في هذه الدنيا. ما معنى أن تعيش ستين عاماً أو سبعين عاماً، وتمر بك السنوات وأنت فقط تلهث خلف الدنيا صباحاً ليلاً، شركات وأعمال وزواج ومتعة ولذات ومجالس عائلية، ثم ماذا؟ بعد سبعين سنة لم تقدم شيئاً للإسلام؟

إذاً حقيقة هذه الثغور وهذه المشاريع، ليس فقط الأمة تحتاجك فيها، بل أنت تحتاجها لأنها ستعطي لوجودك معنى، وستشعر بطعم الحياة. معنى الحياة: الحياة لها معاني، كثير من الناس لا يفهمها إلا في ملذاتهم، لكن من فهم هذا الدين وفهم طبيعة الإنسان في الوجود: خليفة، هذه أعظم كلمة ربنا سمانا فيها هنا أنك خليفة عن الله في الأرض، مستخلف لتقوم بوظيفه عظيمه. فهذه الثغور في اعتقادي نحن نحتاجها قبل أن تحتاجنا.

جميل، جميل، جميل. إذاً حتى لابد أن يكون لك ثغر وتكتشف هذا الثغر حتى تستطيع أن تقدم لدين الله، وأن تكون لك بصمة وأثر في هذه الأمة.

احنا خلينا هيك شوي يعني نحدد الموضوع أكثر. الآن الثغر يعني أنا معناها أنني ساكون أتوجه نحو جانب معين أكثر من الجوانب الأخرى، أو بعبارة معاصرة ممكن نقول التخصصية؟ نعم، هذا المقصود بالثغر صح؟ هذا اللي فهمناه يعني بالمعنى العام. يعني نحن قلنا الثغر بالمعنى العام مكان تريد أن تسده، لكن بالتأكيد أنت ستتخصص، لن تستطيع أن تسد كل الثغور، هذا هو هذا هو المقصد الآن.

معنى الإنسان، ممكن إنسان يأتي يقول أنا، يعني لا أريد أن أتخصص في جانب معين، أنا هكذا كمسلم وسأكون في يعني في كل شيء، وسأشتت للأمة من جميع النواحي، ولا الأصل أنه يكون الإنسان نوعاً ما متخصصاً في جانب معين أكثر من الجوانب الأخرى، فيبذل في هذا الجانب أكثر من بذله في الجوانب الأخرى؟

هو شوف أبو رقية، الحقيقة يعني طبيعة الواقع والحياة المعاصرة تستوجب أن الإنسان يركز على جانب، وإن كان يجب أن يكون مشاركاً في الجوانب الأخرى في الحياة، وهذا سيأتي معى ربما لما نتكلم عن قضية كيف أختار ثغري؛ أن أنا اختياري لثغر معين لا يعني أنني لن أضرب بسهم في الأماكن الأخرى، لا يعني أنني لن أضرب بسهم في الأماكن الأخرى، لكن يعني أنه في هناك منطقة معينة ربما تتلاءم مع شخصيتي وقدراتي وإمكانياتي سيكون جانب التركيز فيها أكثر، وهذه طبيعة الحياة ليست فقط في الواقع المعاصر، يعني حتى الأئمة الأقدمون، حتى من الأئمة الأقدمين كما قال الذهبي رحمه الله عليه: "وما من عالم إلا وبرز في جوانب وقصر في جوانب أخرى".

طبيعة الإنسان لا يمكن أن يكون شخصاً يمثل كل شيء، نعم، بل أنت بطبيعتك وفطرتك التي خلقك الله عليها تتقن في جوانب معينة فتبرز فيها وتمهر فيها، هي التي تستطيع أن تعطيها زبدة الحياة وجوهرها، والجوانب الأخرى تستطيع أنك تشارك فيها وتضرب فيها بسهم.

أنت قد تكون في العلم، قد تكون في التجارة، قد تكون في الصناعة، قد تكون في الطب، قد تكون في أي مجال من المجالات، لك ميولات وقدرات في هذا الاتجاه لابد وأن تركز عليه، لكن لا تعذب الجوانب الأخرى من فائدتك، بل حتى يعني كما قلنا، قد يرى الشخص: طيب، أنا ما استطعت أتخصص في أي شيء من هذه التخصصات؟ لا، لا، أعود فأقول: الثغر لا يشترط أن يكون شيئاً بارزاً واضحاً يشار إليك فيه بالبنان، بل حتى المرأة -وهنا أذكر حديث المرأة السوداء التي كانت تقم المسجد في حياة النبي عليه الصلاة والسلام- كان هناك امرأة مسنة تأتي إلى المسجد النبوي تنظفه بشكل يومي.

فالنبي صلى الله عليه وسلم افتقدها وعرف أنها مريضة في مرض الموت، فقال: «إذا ماتت فأذنوني بها».

فلما ماتت، ماتت ليلاً ودفنوها ليلاً ولم يعلم النبي عليه الصلاة والسلام، فغضب، قال: «ألم أقل لكم أن تؤذنوني بموتها؟» وذهب وصلى على قبرها.

لماذا خصها النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الصلاة وبهذا الاهتمام؟ لأنه يريد أن يعلم الناس؛ هذه حيلة هذه المرأة، هذه قدرتها، هذه مجالها، وجدت نفسها أنها تستطيع أن تقف على هذا الثغر؛ أن تنظف مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالنبي عليه الصلاة والسلام احترم إمكانياتها وطاقاتها، وأراد أن يخبر حتى هؤلاء الأئمة الأخيار الذين لا يدرى به: والله عند الله عظيم، لأنه هو وجد أن هذا ما أستطيع أن أفعله، فذهب.

ولم تقل هذه المرأة: ماذا يعني لو نظفت المسجد؟ ليس شيئاً بارزاً، ليس شيئاً مهمّاً، أنا لم أشارك في المعارك الكبرى ولم أكن في الصفوف الأولى.

لا، هذه نظرة سلبية جداً لقضية الثغور، يجب أن تسد ثغراً حتى ولو كان في نظر الناس أو حتى في تصورك في نفسك ليس شيئاً عظيماً، لكنه عند الله عظيم لأنك عرفت إمكانيتك واشتغلت وفقها.

نعم، إذاً لابد أن تكون لك بصمة في خدمة الدين، وأن تتخصص في جانب معين حتى تبدع فيه، نعم، وإنما التشتت أحياناً في عدة جوانب قد يعني يضيع الجهد مع تعدد هذه الجوانب.

ربما العلماء يعني القدامى كان كما ذكرتهم صح أنه ما كان هناك شمولية عامة، لكن ربما نسمع عن بعضهم أنه يكون كان هناك أكثر من تخصص، وهذا ممكن يختلف باختلاف الواقع المعاصر الآن، يعني قديماً نوعاً ما كانت اليوم عفواً المعلومة أدق وسعة، هناك أكثر المجال المعرفة أصبح أوسع، فالإحاطة به في جانب معين هذا بحد ذاته ربما يستغرق من الإنسان حياته، فتعدد هذه الجوانب يعني قد يصعب.

قديماً نوعاً ما الموضوع كان أسهل، خاصة في الأمور الحياتية، فقد يكون هناك مثلاً تعدد لهذه الثغور بالنسبة للإنسان.

هو قديماً -أخي- حتى على مستوى المذاهب الفقهية، تجد أن العالم يسد مذهباً من المذاهب، تجده حنفياً نعم، أو عاش حياته شافعياً أو حنبلياً أو مالكياً، إذا كان على مستوى المذاهب الفقهية نادر جداً أن تجد عالماً حاضراً في كل المذاهب؛ لأنه يسخر حياته لمذهب، وبالكاد استطاع أن يحيط به، وهذه فقط مذهب فقهي من المذاهب الأربعة، والعلوم لم تتضخم تضخمها في الواقع المعاصر، ومع ذلك ما كانوا يستطيعون أن يسدوا كل ثغور المعرفة الشرعية، فما بالك مع تضخم المعرفة الشرعية ومع تضخم المعرفة الحياتية مع الواقع المعاصر والثورة الصناعية والتكنولوجيا؟ هذا التضخم الهائل في المعرفة يجعل لزاما على الإنسان أن يحدد البؤرة أو النقطه التي يريد أن يركز عليها.

جميل، طيب شيخ، الآن نعود لكتاب الله سبحانه وتعالى للوحي الذي يعني يصحح لنا المفاهيم حتى ننظر بمنظور الوحي، الآن القرآن تطرق لأمور الثغور وهذه المسألة التخصصية، كيف حدثنا القرآن في هذا الموضوع؟ ولا نقول مثلاً الكلام اللي تفضلت فيه بالبداية كما قلت ابتداءً نعود لهذا.

هو إذا أراد أن نتكلم عن القرآن أخي الكريم، القرآن ركز على قضية البذل، يعني من أعظم المفاهيم التي تستقرئ في كتاب الله سبحانه وتعالى مفهوم البذل، أن الله عز وجل يبين للمؤمن أن وظيفتك في الحياه ليست فقط عبادة قاصرة، عبادة شخصية لا علاقة لها بالمجتمع، بالعكس المؤمن مطلوب منه البذل والانفاق والسعي لنصرة دين الله سبحانه.

ذلك من أعظم أو من أكثر المفاهيم التي ذكرت في القرآن، مفهوم الجهاد، مفهوم الرباط، مفهوم أن تنفر، مفهوم أن تقدم، مفهوم الإنفاق، مفهوم العطاء، كل هذه المفاهيم هي تركز على قضية البذل، والبذل يعني هناك ثغر دائماً عليك أن ترتبط، لما يتكلم القرآن عن الإنفاق، عن الرباط، عن النصرة لدين الله، عن أن تنفر، عن المجاهده، كل هذه المفردات الواردة في كتاب الله عز وجل هي تركز إذاً على أي قضية؟ على قضية البذل.

نعم، لكن دعنا ننتقل إلى سنة النبي عليه الصلاة والسلام، من سيرته صلى الله عليه وسلم، دعنا نقول إن النبي عليه الصلاة والسلام مثل الجانب التطبيقي، يعني القرآن تكلم عن البذل والعطاء وحث عليها، لكن النبي عليه الصلاة والسلام وجه أصحابه وشكل القاعدة والأساس في هذا الموضوع.

جميل، نعم، كيف كان توجيه النبي عليه الصلاة والسلام لأصحابه؟ كيف كان توجيه النبي عليه الصلاة والسلام لأصحابه؟ حقيقة أعتقد أن هذا السؤال مهم وجميل، وهي من اللفتات الطيبة التي يمكن أن يعيش الإنسان في ظلالها في سيرة النبي عليه الصلاة والسلام؛ كيف كان النبي عليه الصلاة والسلام يعلم أصحابه اختيار الثغور؟

خليني يعني أضع هذا السؤال: كيف كان النبي عليه الصلاة والسلام يعلم أصحابه أو يوجه أصحابه في اختيار الثغور؟ حقيقة، بأبي هو وأمي المعلم الأول والقائد الأعلى، كانت له أساليب جميله وراقية ومتنوعة في توجيه صحابته إلى اختيار الثغر.

فمثلاً، أحياناً كان يعطي نصيحة مباشرة للأشخاص، فأبو ذر الغفاري رضي الله عنه أتاه مرة، قال: يا رسول الله، ألا تستعملني؟ يعني أريد أن أصبح أميراً على منطقة من المناطق التي افتتحتها.

فالنبي عليه الصلاة والسلام مباشرة أخبره أن هذا لا يناسبك، قال: «يا أبا ذر، إنك ضعيف، وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة حسرة، وإنها يوم القيامة حسرة وندامة، ثم قال له: لا تأمرن على اثنين ولا تولين مال يتيم».

لاحظ أن النبي عليه الصلاة والسلام رأى أن إمكانيات أبي ذر لا تؤهله لأن يكون في ثغر الإمارة، ليس هنا مجالك، ليس هذا مجالك، لكن ستجد نفسك في مجالات أخرى، في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفي ثغور أخرى قد تكون أكثر سهولة أو تتلاءم مع شخصيتك أكثر، وليس هذا نقصاً وليس هذا عيباً أن الإنسان يعرف نفسه.

ولاحق كيف أن أبا ذر تقبل هذه الفكرة وهذا شيء جميل، أن الصحابه ما كانوا يعترضون: لا لا يا رسول الله، أنا استطيع وأنت ربما لم تكتشفني جيداً، حاشاه صلى الله عليه وسلم، لا، هو تقبل هذه الفكرة وسعى عليها، وفعلاً حققت له النجاح وهو الوصول إلى الله سبحانه وتعالى.

أم صحابي آخر، عبد الله بن زيد بن عبد ربه، وهو الذي رأى الأذان في النوم، جاءه ملك وعلمه الأذان في النوم، فلما استيقظ أتى إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأخبره بالأذان، الآن شيء طبيعي أن يكون عبد الله بن زيد -لانه هو الذي رأى الأذان- متشوفاً لأن هو الذي يؤذن، لكن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «علمها بلال، فانه أندى صوتا منك»، بلال أقدر على إيصال الأذان منك.

هذا ثغر بلال يناسبه، قد لا يناسبك هذا الثغر، ولاحظ كيف الرضا ليبحث عن مكان آخر، فهذه قضية أحياناً التوجيه المباشر.

في طريقة أخرى، أن النبي عليه الصلاة والسلام كان كثير من الصحابه يسالونه عن أفضل الأعمال فيجيب كل شخص إجابة مختلفة عن الآخر، قال شراح الحديث: هذه الإجابات المختلفة بسبب اختلاف أحوال السائلين وقدراتهم وإمكانياتهم.

يأتيه عبد الله بن مسعود: يا رسول الله، أي الأعمال أفضل؟ عبد الله بن مسعود يبحث عن ثغر يريد أن يلزمه، فقال: «الصلاة على أول وقتها»، خلص.

يأتيه صحابي آخر: يا رسول الله، أي العمل أفضل؟ قال: «الجهاد في سبيل الله».

يأتيه صحابي آخر فيسأله: أي العمل أفضل؟ قال: «بر والداك».

لماذا النبي عليه الصلاة والسلام تختلف إجاباته مع أنه السؤال واحد: أي العمل أفضل؟ أي العمل أفضل؟ تختلف الإجابات؛ لأن كل شخص من السائلين له ثغره الذي يناسبه، فأفضل عمل يختص بك أنت أن تحافظ على الصلاة في أول وقتها، أما أنت ربما قدراتك في الجهاد أكثر فأعطاه قضية الجهاد، ذاك الشخص أفضل عمل في حق وثغر أن يلزمه رعاية أسرته وعائلته.

فهذا من التوجيهات الجميله أن أعطي كل شخص في الأفضلية ما يناسب حاله وإمكانياته.

مثلاً من الأساليب الجميلة في توجيه الصحابة للثغور أن يدعو لهذا الصحابي بدعاء يفهم منه هذا الصحابي أن أركز بهذا الثغر، فمثلاً قال لابن عباس: «اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل»، التقطها ابن عباس ففهم أنه هذا ثغرك يا ابن عباس، وبركة دعاء النبي عليه الصلاة والسلام حاضرة.

أي أحياناً، مثلاً مما وجدته حاضراً، أنه كان يعطي ألقاباً لبعض الصحابة، هذا اللقب يفهم منه ثغر هذا الإنسان، فمثلاً كان يقول في غزوة مؤتة: ثم حمل الراية سيف من سيوف الله ففتح الله عليه، من هو؟ خالد بن الوليد، لما قال: سيف من سيوف الله، ماذا فهم الجميع؟ أن هذا ثغر خالد، خالد هو سيف من سيوف الله، ما قالش لخالد: اللهم فقهه في الدين، ليه؟ لأن هذه مش طاقة خالد، خالد ليس شخصية، الله يرضى عنه، شخصية مصنفات وشروحات، ولا لا، خالد شخصية قتال ومعارك.

بينما لما مسك عبد الله بن مسعود، ماذا قال له؟ قال: «إنك غلام معلم»، ما معنى: إنك غلام معلم؟ أي أنت تصلح لأن يحمل الدين ويعلمك، وأن يعلمك الله وأن يفقه في دينه، وفعلاً هذا كان ثغر عبد الله بن مسعود فقييه العراق، لكنه لم يكن بارزاً عبد الله بن مسعود في المعارك والغزوات؛ لأن جسده كان نحيلاً، لم يعرف بقدراته الهائله في القتال، لكنه كان مشاركاً، وهذه قضية: أنك إذا ركزت على ثغر لا يعني أنك تلغي الثغور الأخرى، وكان يشارك في الجهاد والمعارك، بل هو الذي احتز رقبة أبي جهل، لكن في النهاية واحتزها بعد أن أثخن الرجل، هذه قدرة عبد الله بن مسعود، لكن أين كان ثغره؟ في العلم، ولذلك شوف كيف تعليم النبي عليه الصلاة والسلام أحياناً قد لا أعطيك ثغرك مباشرة، لكن ممكن أكلمك، أقول: والله يا أبو رقية، أحييك عالماً للأمة، خلص أنت بتاخذ هذه الفكرة وتلقطها، وهكذا المعلم الناجح قد لا يأمر تلميذه أمراً مباشراً: اختر هذا الثغر، لكن قد يدعو له دعاء: أسال الله أن أراك عالماً، أو أسال الله أن أراك شهيداً في سبيل الله، أو أسال الله أن تكون من الأطباء المبرزين لما أتفرس فيك وأنظر فيك فار إمكانياتك، قد من خلال دعاء أو لقب أوجهه.

لهذا أحياناً، مثلاً من أساليب النبي صلى الله عليه وسلم في توجيه أصحابه للثغور، أن ينص نصاً واضحاً أن هذا الشخص هو بارز في هذا الجانب، فمثلاً يقول: «أفرضكم زيد بن ثابت»؛ أي أعلمكم بالمواريث، «وأقرؤكم لكتاب الله أبي، وأعلمكم بالحلال والحرام معاذ بن جبل، ولكل أمة أمين، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح».

إذاً هي تخصصات وثغور، هذه الفكرة تجعل كل شخص سمع اسمه في تخصص يتمسك به، خلاص ما دام النبي عليه الصلاة والسلام قال لمعاذ: أنت أعلم الأمة بالحلال والحرام، إذاً معاذ سيركز على قضية ماذا؟ الفقه.

لما قال لزيد بن ثابت: أنت أعلم الناس بالفرائض، إذاً زيد بن ثابت سخر حياته لموضوع أو من المشاريع العظمى التي سخر لها حياته موضوع علم المواريث وأبدع فيها، وقص على ذلك الصحابة.

إذاً أنت تلاحظ أن حياة النبي عليه الصلاة والسلام من مشاريعها الكبرى تحديد ثغور الصحابة، وهكذا المعلم الناجح أن يغرس في، ويغرس في الناس الذين يطوفون به، أن يغرس فيهم أولاً حب الثغور ثم التخصصية في الثغور وأن يوجه له رسالة مبطنة كيف تختار.

ثغرك. ولم يكن النبي عليه الصلاة والسلام يطالب الصحابة بنفس المستوى من هذا. أنت ليس الكل مطلوب منه أن يكون قائدا، ليس الكل كان المطلوب منه أن يكون مجاهدا على الخطوط الأولى. يعرف النبي عليه الصلاة والسلام اختلاف الإمكانيات، بل حتى وهنا أشير لقضية ذاك الصحابي الجليل الذي كان من الأعراب وأتى ثائر الرأس يسمع دوي صوته ولا يعرف ماذا يقول.

قال يا محمد، أخبرني ماذا فرض الله علي من الصلاة؟ قال: خمس صلوات كتبهن الله عليك في اليوم والليلة. قال يا محمد، أعلمني ما فرض الله علي من الزكاة؟ فاخبره النبي صلى الله عليه وسلم، قال: هل علي غير؟ قال: لا إلا أن تطوع. قال يا محمد، أخبرني ماذا فرض الله علي من الصيام؟ فقال: صيام رمضان إلا أن تطوع. قال: والذي بعثك بالحق لا أزيد عليها. قال: أفلح إن صدق، أفلح إن صدق.

هذا إنسان ربما قد لا يكون ثغره في وجهة نظر الناس شيء كبير، لكنه وجد أن من الثغور التي يستطيع أن يضبط عليها هو الثبات على دين الله، وأن يكثر سواد المسلمين، أن يكثر سواد المسلمين في تحقيق العبودية في الأرض. ترى هذا ثغر، نعم هذا ثغر. تكثير سواد المسلمين في المساجد، تكثير سواد المسلمين في صيام رمضان هذا أيضا من الثغور، وإن كان الناس يرونه قليلا، لكنه عند الله عظيم. ما أحد يعجز عن مثله ولا يعجز عنه يعني أحد، لما دام أن الله عز وجل وضع رخص وتسهيلات في أداء هذه العبادات.

فاذا أنت تجد حياة النبي عليه الصلاة والسلام وأسلوبه في التعليم يمثل أكبر نموذج لمعلم ناجح يريد أن يفقه من حوله في آلية اغتيال الثغور والتوجيه إليها بكل رقي، بكل جمال. لأنه احنا دائما نعتمد لا النصيحة المباشرة، يلا أنت بدك تصبح كذا. لا، أحيانا أنت قد لا يستقبلها بشكل مباشر، لكن يمكن أن تأتي بطريقة جميلة وألطف، صلى على نبينا محمد.

الان النبي صلى الله عليه وسلم كان يوزع إذا على الثغور، لكن الان البعض قد يعني يحصر مفهوم الثغر في الأمور الكبيرة أو التي تكون قيادية. يعني أنا على ثغر معناها أني سأكون قائد للأمة، على ثغر لابد مثلا أني أكون عالم، أن أكون داعية، أن تكون الاضواء مسلطة علي. يظن أنه فقط الثغور هي التي تكون تحت الاضواء الأمور هذه العالية الكبيرة المميزة تماما، التي استطيع أن أظهر فيها بطولاتي وشجاعتي. هل الثغور تنحصر في هذه الأمور ولا الأمر أوسع من هذا؟

هذا أشرت له، لكن حتى والله ربما يعني أبو رقيه هو يحتاج ربما إلى سؤال منفرد. هذا فعلا يحتاج إلى سؤال منفرد؛ لأن هي أنا أظنها تشكل إحدى الإشكالات عند الشباب الدعوي اليوم في الحالة الدعوية المعاصرة، وهو أن السوشيال ميديا صنعت نوع من الوهم حول قضية الثغور، أن الثغر لا يكون ثغرا حتى تكون أنت صاحب مشروع دعوي إصلاحي، وتحتك طلاب مقبلون عليك، والسوشيال ميديا تحتفي بك، وعندك متابع، عندك متابعون بالآلاف، غير كدة ترى أنت لست على ثغر تماما. هؤلاء هم أصحاب الثغور، أصحاب المشاريع.

حتى يعني سبحان الله يعني افتتن بهذا كثير من الشباب والفتيات، فيخبرني أحد الشباب أنه ذهب ليخطب فتاة، فسألته الفتاة: أنت مشرف على مشروع دعوي؟ فهو بقول لها: لا أنا صراحة بشتغل في مجال الإعلام يعني. ما قال فهو يخبرني يعني شعرت أني ولا شيء في الحياة. شاب ملتزم وحافظ، يشتغل في مراكز تحفيظ وما شابه ذلك، لكنه ليس تحت الأضواء، ليس من أصحاب البطولات، ليس مشهور بالسوشيال ميديا، ومتحدث ويحسن دندنتها، فبقول لي: أنا شعرت أنه في مشكلة، يعني هل أنا فعلا لست على ثغر فقط لأني لست تحت الأضواء، أو لأني لست إداريا أو قياديا؟

وهذا حقيقة ينبهنا لهذه الإشكالية، أن السوشيال ميديا أقنعت كثيرا من الشباب أنك لست على ثغر إلا إذا كنت بطلا، إلا إذا كنت مشهورا، إلا إذا كان الناس تلتف حولك وإلا يا أنت إذا تستعمل في ثغور الآخرين. كلا والله، بل أنت على ثغر، أحذر من هذه المغالطة الإنسان.

يعني فكرة أن تكون إداريا أو قياديا، يعني حتى نكون صادقين أبو رقيه، كم عدد الناس الذين يصلحون للإدارة والقيادة في العالم من البشرية؟ عدد محدودة، ربما يعني لا يتجاوزون الـ4%، يعني هذا إذا كنت متفائل. وأغلب الناس لا يستطيع أن يكون إداريا ولا قياديا، بل لو كان كل الناس من الإداريين والقياديين أفنى بعضنا بعضا. طب من سيكون جنديا، سيكون جنديا؟ يعني الجيوش هذه التي أرقامها بالـ400 ألف والـ500 ألف من أين أتت هذه الجيوش والجنود، كان كلهم قادة؟ لو كان كلهم قادة، لن يكون هناك جيش.

فقط الحياة أو طبيعة الحياة، دعني أقول، تقوم على فكرة أن هناك قائد وهناك جنود، وأن هناك أناس في المقدمة وهناك أناس في الكواليس. ولا يصلح للقيادة إلا العدد المحدود جدا، وأكثر الثغور هي ليست الثغور الإدارية والقيادية، ها ركز في هذا، أكثر الثغور هي الثغور التي تكون خلف الأضواء وليست الثغور التي أمام الأضواء، تكون أشباه.

وإن كان هناك هوى في النفس وشهوة الظهور هي التي تحب التصدر، هي التي تجعل الإنسان يرغب في هذا. لذلك في هناك حديث يعجبني يشير لهذه القضية يقول النبي عليه الصلاة والسلام: «إن الله ليدخل بالسهم الواحد ثلاثة نفر الجنة». نعم، من هم؟ قال: «صانعه الذي صنعه، ونابل» يعني الذي يجهزه للرامي، «والرامي» الذي يرمي به. الناس ما تشاهد إلا رامي، أحسنت، الأضواء هي مسلطة على من؟ على رامي، على الثالث، على الرامي. البطولة ستكون لمن؟ لرامي للرامي. طب النابل الذي جهز النبل وبراه؟ طب الصانع اللي لولاهم بعد الله سبحانه لكان الرامي ما فعل شيء.

صنعت لهؤلاء، هؤلاء يعملون في الإنفاق، يعملون في الظل، لا يعلم بهم إلا الله، لكن الثلاثة دخلوا الجنة، كل منهم على ثغره؛ الصانع على ثغره، والذي يجهز النبل للرامي على ثغره، والرامي اللي هو تحت الأضواء على ثغره أيضا.

هناك حديث آخر جميل في هذا السياق قول النبي عليه الصلاة والسلام: «طوبى لعبد أخذ بعنان فرسه أشعث رأسه مغبرة قدماه إن كان في الحراسة كان في الحراسة، وإن كان في الساقة كان في الساقة». ما معنى إن كان في الحراسة كان في الحراسة؟ قال شراح الحديث: إن وضع في الحراسة رضي أن يكون في الحراسة، وإن وضع في الساقة، أي مؤخرة القوم، رضي بأن يكون في الساقة؛ لأن همه ما هو؟ أن يبذل أن يسد ثغرا، ليس همه أن يكون قائد المعركة أو أن يكون قائد الميمنة أو الميسرة. همي أن أبدل في سبيل الله سبحانه وتعالى، أما كيف الشكل واليتها، هل ساكون تحت الأضواء أم لن يعرفني أحد إلا الله؟ هذا لا يهم الذين يصدقون في البحث عن الثغر.

فإذا علينا أن نعيد فهم قضية الثغور. صدقني أبا رقيه، أعتقد أن هذه من أكبر الإشكالات التي تثبط الشباب والنساء عن اختيار ثغور الحياة، هي قضية أن الثغر يجب أن يكون بطوليا خارقا، وإلا فأنت لست شيئا، لست رقما. هذا خطا كبير.

جيش المسلمين وصل إلى الآلاف، نحن لا نعرفهم جميعا، صحيح، لكن كلهم من السابقين الأولين الذين أثنى الله عليهم. ليس شرطا أن يسجل اسمك في ديوان الأرض، المهم أن يسجل اسمك في ديوان السماء، المهم أن تسجل عند الله ممن قاتل في سبيل الله، ممن جاهد، ممن رابط، ممن أنصار الله، ولكن لا تلتفت ولا يكن جل أهمك وقلقك متابعة الناس والنظر إليك.

الآن مع إخواننا المرابطين في غزة، يعني شيء يذكر، هناك كثير من من كان يعمل تحت الأنفاق، أليس كذلك؟ هؤلاء ربما استشهد كثير منهم تقبلهم الله، ودفع ثمن كثير منهم في حياته ومزقت أشلاؤه. لا نعلمهم، لكن الله يعلمهم، أليس كذلك؟ لا يحتاجون أن نعرفهم، لكنهم قدموا وسدوا ثغرا من ثغور الأمة. يكفي أن الله سبحانه وتعالى يعرف عطاءهم وبذلهم؛ الذين حفروا النفق، الذين عملوا في النفق، الذين سدوا هذا النفق، الذين اشتغلوا فيه وصنعوا فيه. ونحن فقط ربما نرى من هم على فوق الأرض أو أصحاب الخطابات، لكن كثير من هؤلاء يكفي أن الله يعلمهم، أدو الثغر الذي عليهم.

كذلك نحن في هذه البرامج التي تقدم في غراس، بالتأكيد هناك شخص يتكلم ويظهر، لكن هناك الجهد الكبير من الإعلاميين والداريين والداعمين، و... هؤلاء هم حقيقة هم صناع المشروع. أحيانا يكون المتكلم هو الواجهه الأخيرة، لكن قبل أن تاتي هذه الواجهة الأخيرة، لولا الله أولا ثم وجود هذه الكتلة الكبيرة من أصحاب الثغور الإعلامية والاقتصادية والمالية والمفكرين لما حصل المشروع نجاحات الكبيرة. لابد من التكاتف جميع أصحاب الثغور، ولا تنسب فقط لشخص أو شخصين، إنما هذه النجاحات الكبيرة لابد أن هناك أناسا كثر بذلوا، وإن لم يكن الناس يعلمون، فالله سبحانه وتعالى يعلمهم.

أبو عبد الرحمن، هذا المفهوم حقيقة نبهني إلى مسألة: أحيانا لما يكون حصر الثغور فقط في هذه الأمور الكبيرة، هذا يؤدي أحيانا إلى تصدر من ليس أهل لمثل هذه الأمور. فتجد مثلا بخاصة مع انتشار السوشيال ميديا، الجميع يحاول أن يبرز في ميادين لا يصلح لها؛ لأنه يظن أنه أنا لن أكون ناجحا ولن أكون مؤثرا، ولا أن أخدم ديني إلا إذا ظهرت على الإعلام ما يسمى، إلا كنت صانع محتوى. إذا ما كنت صانع محتوى أنا ما أنا مش شيء يعني.

سبحان الله، فعلا هذا يعني ملحظ مهم جدا، أنه الثغور كثيرة، وليس شرطا أن يكون الثغر دائما تحت الأضواء ويكون الجميع يشاهدك. لا، هناك المقصد الأصل أعلى من ذلك. تخيل يعني، تخيل أن الجميع، أعوذ فاقول: تخيل أن الجميع يريد أن يشتغل في صناعة المحتوى، طب من سيكون في الإضاءة؟ سيكون في الإضاءة، من سيخرج الصورة؟ من سيصمم؟ من سيشتغل في الجوانب الأخرى؟

هي الحياة أبا رقيه لا تنبني على فكرة الشخص الواحد الذي يعمل في الجميع. تكون تريد تكون أنت صانع المحتوى والمصور والمبرمج وهذا لا يمكن أن ينتج شيئا حقيقيا، بل كما تفضلت الأشياء التي تكون في قمة الإتقان اعلم أن هناك آلاف من الجنود المجهولين ممن وقفوا في ثغورهم من أجل إخراجها لإنسان ضعيف لوحده لا يستطيع، لا إنسان ضعيف من هنا.

أحيانا ممكن هذا يجرنا إلى مسألة أنه هل الثغر يلزم أنه يكون ثغر شرعي يعني أنه أعلم الناس العلم النافع أو أدعو من الله سبحانه وتعالى ولا ربما تكون هناك أمور دنيوية وأيضا هي ثغور للأمة؟

جميل، يعني أظن ربما لما قرانا السيرة قبل قليل واستقر سيرة الصحابة، مثلا خالد بن الوليد عدنا فقلنا هو كان مقاتل، لكن هذا كله يعني ضمن إطار الأمور الشرعية الجهاد في سبيل الله. حتى مفهوم الجهاد يا أبا رقيه مفهوم واسع، يعني احنا نقول جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم، لما نقول باللسان أنت تقول عن الإعلام والتعليم هذا نوع من أنواع الجهاد، ووضع المناهج وتدريس، أموالكم جاهدوا بأموالكم، أنت المال ما هو؟ إقامة المشاريع للأمة، ما هي تحتاج إلى مهندسين، مبرمجين، عقاريين، آي تي، أصحاب الفلك، أصحاب علوم، كل هذه المشاريع هي التي تولد استثمارات.

وهذه الاستثمارات العلوم الاقتصادية والعلوم كلها هي التي تولد مالا تقوى به الحضارة الإسلامية، هذا نوع من الجهاد. لذلك إذا أنت لاحظت مجال الصحة، مجال التعليم، العلوم الاجتماعية النفسية، كل هذه الأمور هي داخلة في مفهوم الجهاد بالمعنى العظيم العام وليس بالمعنى الخاص الذي يتبادر للذهن أنه يجب أن أكون إما أن أدرس الشريعة أو أقاتل في سبيل الله، ولا غير كده أنا لا يمكن أن أسد ثغرا. بل صدقني أن اليوم الأمة تحتاج إلى آلاف الثغور، غير طبعا العلوم الشرعية وهي أجلها وأشرفها، لكن هناك آلاف الثغور الأخرى نحتاج إلى أن نسدها وإلا لن تقم لنا قائمة في لم الحضارات، إذا لم يكن هناك أطباء مبرزون ومبرمجون متميزون واقتصاديون أصحاب مشاريع وأفكار وأصحاب علوم اجتماعية ونفسية، كيف سننافس الحضارات الغربية وهذا أن تحقيق الكفاية للأمة هذا يحتاج إلى هذه التخصصات.

يعني جانب المال اللي أشرت له جانب جميل، أن هؤلاء سيعملون وسيبذلون لدين الله سبحانه وتعالى بأموالهم، لكن أيضا حتى تخصصاتهم هذه ثغور، أنه حتى تتحقق كفاية الأمة من الناحية الصحية، من الناحية العمارية، من الناحية التقنية، هذه أيضا ثغور الأمة تحتاجها. ولهذا أصلا يعني مثل هذه الميادين وهذه العلوم لهذا الفقهاء ينص أنها هي واجب كفاية على الأمة لابد أن يقوم به من يكفي حتى يعني يسدون حاجة الأمة في هذه في هذه الميادين 100%.

نعم، طب الآن شيخ ننتقل إلى يعني الثمرة المهمة من من الكلام عن هذا المفهوم، وهو أنا كيف سأحدد ثغري الآن؟ الكثير من الناس جميل، هذا الكلام رائع ولابد من خدمه الدين والتخصصية وكذا، لكن أنا كنسان كيف سأبحث عن الثغر الذي أصلح فيه واستطيع أن أقدم لدين الله سبحانه وتعالى فيه، ما هو المجال الذي استطيع أن أبذل في أبذل فيه؟

نعم يعني أنت كأنك تريد أن تقول ما هي الوسائل أو الآليات التي أتبعها من أجل أن أختار الثغر المناسب؟ تكون هكذا يعني على شكل قواعد حتى يصلح إنزالها على جميع الأشخاص الآن. وجيد وضع شكل قواعد أو أفكار مرتبة هذا أفضل من أن تبقى مبعثره، نستعين بالله فنقول حقيقه أول شيء وأهم شيء الصدق مع الله لكل شاب ولكل فتاة يبحث.

عن ثغور الحياة، أولاً: عليك أن تصدق مع الله، وأنت تبحث عن الثغر اصدق مع الله يصدقك الله، كن صادقاً جاداً مهتماً محتفياً فعلاً بمشروع حياتك أن تبحث عن ثغر تسده. لا لا لا يا شيخ، أنا لست هذا، أنا فقط أريد أعيش حياتي طبيعية وكذا، خلص ألا يكفي أن أكون مصلياً محافظاً على نفسي؟ لا لا لا يكفي، ما دمت تستطيع لا يكفي. نعم، تمام، نعم، قلنا نعم أن تكثر سواد المسلمين بالصلاة والعبادات هذا جيد، لكن هذا الحل الأخير، الأخير للعاجزين تماماً.

لكن أظن أن شباب الأمة ونساء الأمة فيهم الكثير من القدرة على العطاء، فلا يكفي أن أبحث أو أبقى فقط بعيداً عن فكرة أنني يجب أن أبحث عن ثغر فالقضية تتطلب الثغور وأن تبذل جهداً واهتماماً وأن تعطي هذا الموضوع حيزاً كبيراً من تفكيرك، لأنك إذا كنت صادقاً سيساعدك الله سبحانه وتعالى. ومن الصدق، أعود فأقول، من الصدق أن تبحث عن المشروع أو الثغر الذي يناسب قدراتك، وليس الثغر الذي يجلب لك الشهرة، جميل، هذا من الصدق، أو تحتاج الأمة؟ نعم، هذا سنأتي إليه، لكن أنا ابتداءً أريد أن أركز على هذه القضية، لأنه أحياناً بعض الشباب يبحث عن ثغر، لكنه يبحث عن الثغر الذي فيه الاضواء أو الموضة الآن ماشي فيه، فلذلك لا يجد الثغرة بصدق ولا ولا يبدع ولا يقدم شيئاً حقيقياً ذا أثر، لأنه هو ليس صادقاً ابتداءً في البحث عن الثغر، هو وضع كلمة الثغر شماعة لتخفي هوايتك من البحث عن، أه يعني شماعة لتخفي هواه، لا، هو يبحث عن شهرة، عن جمهور، عن إضاءات، عن بطولات، أن يسجل اسمه ضمن الزحام يبرز. فهؤلاء في العادة يفشلون ويكون أثرهم ضئيلاً محدوداً في أمتهم وفي أنفسهم وفي انتفاعهم هم بالأماكن التي سدوها. فالقضية الأولى أن تصدق مع الله سبحانه وتعالى.

نأتي الآن الخطوة الثانية، الخطوة الثانية: عليك أن تعرف أن ايجاد الثغر يحتاج إلى تعب، وأنك ستجرب كثيراً، ولعلك تحتاج أن تجرب أكثر من مكان وأكثر من مجال حتى تكتشف نفسك، أنه أنا في أي ثغر؟ يعني بعض الناس يظن أنه خلص يعني سيدخل في العلوم الشرعية، أكيد هذا ثغري، أو يدخل في مجال طبي يقول أكيد هذا ثغري، لا، أنا أكيد في الإعلام، يذهب ويبقى هذه التخصصات مرّات وسنوات ولكن لا يجد نفسه مستمتعاً، فيظن يقول لك: أنا إنسان فاشل. لا، هو أنت لست إنساناً فاشلاً، هو قد يكون هذا المجال الذي ذهبت إليه ابتداءً، من قال لك هو ثغرك؟ أم هل جربت أن تبحث عن ثغور أخرى في الحياة؟

لذلك أعود فأقول: عملية إيجاد الثغر ليست عملية سهلة، بل فيها جانب من التعب، عملية مضنية وتحتاج إلى وقت، وأقول تحتاج إلى تجربة. بل حتى يعني ما دون يعني من أصحاب التخصصات من التخصصات الشرعية، بل حتى داخل الأروقة الشرعية أن يجد الإنسان هل أنا أصولي أو فقيه؟ لا لا، أنا ربما أميل لعلوم التفسير وعلوم القرآن، فلان يميل لعلم الحديث. في كثير من الشباب يقولون لي: يا شيخ، أنا دخلت الشريعة لكن حقيقة لا أعرف أين يريد، أأكون فقيهاً ولا أكون محدثاً ولا أكون مفسراً ولا أكون عقدياً؟ أنا ما أنا عارف. فاقول له: إذاً لابد من تجربة، ادرس كتاباً في العقيدة، وادخل مشواراً في علوم القرآن، وخذ شيئاً من النحو، وخذ شيئاً من الفقه والأصول، ثم بعد ذلك ستجد أن النفس تهفو إلى علم من هذه العلوم أو إلى علمين، التجربة هي التي ستقتودك.

طيب يا شيخ، هذا سيأخذ وقتاً، طيب خلِ يأخذ وقتاً، كنت صادقاً ابذل واتعب، لا خليه يأخذ وقتاً، هو من قال لك إن الثغر يجب أن يحدد خلال خمسة أشهر؟ يعني بعض الناس هو واضع خمسة أشهر، أما أن أجد الثغر خلص أعود إنسان طبيعي. لا يا اخي الكريم، قد تحتاج ربما لعقود حتى تجد ثغرك، ما هي مشكلة لو جلست عشر سنين وأنت تحاول تبحث لك، لكن المهم أن تلاقي، طبعا أه يعني مش بعد عشر سنين، كمان عشر سنين يعني لو جلست عشر سنين تبحث عن ثغرك ثم وجدت الثغر الذي ستبدع فيه لتكمل بقية حياتك. وصدقني الذي يجد الثغر بعد التعب سيكون مبدعاً، لأنه هو فعلاً اختار المكان المناسب بعد البحث الجاد، بخلاف أصحاب بادئ الرأي اللي بيختاروا ثغراً ولم يتعب حتى يكتشفه ويجلس فيه سنوات سنوات، قد يكون فعلياً هو ليس ثغره ويظن أنه ثغره فأخطأ الطريق، لكن بعد سنوات وهو يحاول أن يقدم في هذا المكان واكتشف أنه هذا مش ثغري، لا، هو لن يعيد البحث وسيقف.

سيقف إلى جنب، يعني بقول لك: أنا الله يعطيني العافية، أنا أحبطت، أنا سبت سبع ثمان سنوات أقدم في مجال معين ثم اكتشفت أنه أنا إمكانياتي ليست فيه. وحقيقة، نعم، هذه من مداخل الشيطان طبعا، حتى هذا الشخص أقول له: حاول مرة أخرى، لا أحبطه، لكن هي قضية أنه لا تستعجل، أنا دائما أقول للشباب: لا تستعجل، تروّ، أهدا، واكتشف نفسك بتؤدة.

القاعدة الثالثة: إذاً، قل أولاً: الصدق، ثم لابد من التعب. القاعدة الثالثة: لابد من الاستشارة، دائماً استشر أصحاب الثغور ممن سبقك في هذا الميدان، يعني إذا أردت أن تدخل الطب عليك أن تستشير طبيباً جلس سنوات، ما الفائدة المرجوة وماذا استطيع أن أقدم وما قيمته إلى غير ذلك. إذا أردت أن تدخل في مجال البرمجة تسأل، إذا أردت أن تدخل في مجال الشريعة تسأل، إذا أردت أن تدخل في مجال الاقتصاد تسأل من سبقك في هذا الثغر، كيف استطيع أن أقدم للإسلام من خلال هذا الثغر؟

لأننا عاده للأسف متى نستشير؟ نستشير إذا أردنا أن ندخل في الجامعة، هذا التخصص كم يأتي لي بالمال؟ أه تستشير هنا، يعني ماذا سيدخل إلى جيبك، تستشير وتجد الشخص والده ياخذ بيده إلى شخصين وثلاث وأربعة، وأشير على ابني أيش التخصص؟ والله هذا فيه فرص عمل في بلادنا، إذا لا يوجد فيه فرص عمل لا، هنا ممكن تجد فرصة في أوروبا، فتجد الاهتمام في ماذا؟ ما الذي يدر الدخل؟ هذه مشكلة إذا كان فقط هذا اهتمامك، بل الأصل أيضاً أن تسأل من سبقك: هذا التخصص كيف يمكن أن أقدم للإسلام فيه؟ وهل أنا أستطيع أن أسد ثغراً جيدا في هذا المجال؟

فهذه قضية الاستشارة مهمة حقيقة لمن سبق، هي يعني تعود أيضاً بالمسؤولية على الموجهين والقاده أن يبصروا الناس بمواطن حاجة الأمة، أن الأمة فعلاً في هذه مثلاً هذه الفترة تحتاج إلى كذا وكذا وكذا. خاصة إذا كان إنسان القادة وكذا، إذا كان قائد، شوف، أنا أنصح الإنسان أن يذهب إلى شيخ أو معلم يعرف شخصيته، لأنه إذا كان هو أنت تحتاج إلى شخص يعرف أمرين: شخص يعرف قيمة الثغر، وشخص يعرفك، يعني أحياناً قد يكون الثغر مميزاً لكن أنت لا تصلح له، وقد يكون الثغر بالعكس، هو غير مهم وإن كنت أنت قد تبدع فيه، فالذي يعرف قيمة الثغر ويعرفك من مشايخ أو من معلميك أو حتى ربما الاباء والأجداد هم قادرون بإذن الله على إعطائك النصيحة، إذا كان طبعا أهلاً للنصيحة وأهلاً للفهم في هذه القضايا.

إذاً، هذه القضية التي تليها أو القاعدة الرابعة إذا أردنا أن نقول: عندما تبحث عن ثغر، لا تنظر إلى الآخرين أو لا تقارن ثغرك الذي تريده بالآخرين. يعني بعض الشباب تجده يبحث أو يتصفح السوشيال ميديا، فيشوف شخص مميز في جانب الخطابة وصناعة المحتوى، يقول: أريد أن أصبح مثل فلان، قدم محتوى شرعياً دعوياً ممتازاً، يدخل في هذا السلك بعد يومين ثلاث أربع، يفتح اليوتيوب: أوه، والله ما شاء الله، هذا الشخص متخصص في العقيدة أريد أن أصبح مثله، فيحاول أن يقلد، يحول البوصلة ودفة السفينة إلى جانب آخر، بعد أربع خمس أيام يجد شخص متميز في الفلسفة المعاصرة ويدرس التاريخ الغربي المعاصر بإتقان وإلحاد وموجاته وأسبابه، أوف، أنا أريد أكون مثل فلان قادر على دراسة الفكر الغربي المعاصر وأسبابه وتاريخه، يوجه دفة البوصلة جهة أخرى. فيبقى من شتة إلى شتة، لماذا؟ لانه هو لا يكتشف ذاته حقيقه، بل هو فقط يحاكي الآخرين ويقلد الآخرين وينظر إلى الآخرين ماذا فعلوا فيريد أن يفعل مثلهم، هذا لا يصلح، من أراد أن يحدد ثغراً عليه أن ينظر في نفسه.

طبعاً لا مشكلة أن تنظر وتاخذ خبرات من الآخرين، وهذا قد يكون جزءاً من التجربة أن تنظر كيف يقدم هذا وهذا وهذا، لكن في النهاية أنا لا أريد أن أحاكي أو أقلد الآخرين أو أصبح مثلهم أو أمشي مع الموضة السائدة. يعني جاءت فترة قبل عقود، ربما قبل عفو أربع خمس سنوات، كانت قضية الإلحاد والرد على الملحدين هي الفكرة الغالبة، أجد نصف الشباب المتخصصين في العلم كل بده يصير رد على الملحدين، نعم، طب هل هذا صحيح؟ بتأتي فترة الرد على النسوية والجماعات النسوية، كل الشباب يوجه رد على النسوية، ففي ناس هم يشتغلون مع اللحظة الراهنة، إيش الموضة الموجودة حالياً أنا بدي أكون إمام فيها وفي ثغرها، وهذا خطأ، وأمثال هؤلاء حقيقة لا ينجزون شيئاً لأنهم يتعاملون وفق معطيات الساعة ولا ينظرون بأفق بعيد. فقضية أن لا تقارن ثغرك بثغور الآخرين هذه مهمة.

أيضاً القاعدة التي تليها: قضية أن لا يشترط أو لا يكن همك، خليني أقول: لا يكن همك أن تبحث عن الثغر السهل السريع الإنجاز. بعض الشباب يريد ثماراً سريعاً، فبيفتش: إيش الثغر الذي ممكن أبرز فيه بسرعة ويظهر اسمي في الساحه بسرعة؟ فيحاول أن يبحث فيه بشرط أن يكون أيضاً إيش؟ سهلاً لا يتعب فيه كثيراً، كما قال تعالى: ﴿وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾ [الأنفال: 7]، يعني بده شغلة خفيفة سهلة ويلقطها بسرعة ويصبح مبرزاً والناس تلتفت حوله، خاصة برجع بقول عندما يرى أنها صلحت هذه الطريقه مع بعض من حوله.

تعرف، عالم السوشيال ميديا عالم طفرات، يعني تجد ربما عالماً أو داعية من أربعين سنة يدرس ويعلم بإتقان ولم يُشهر، شخص خرج قبل البارحة أو عرفه الناس قبل البارحة، اثنين بودكاست ضبط لفت الانتباه أوف متابعات بالخمسين مليون، فيصبح هذا الشاب يقول لك: أنا معقول بدي أتعب زي ذاك الشيخ ثلاثين سنة في طلب العلم وأجلس وحدي وأعزل في الغرفة ما أحد يعرفني؟ طيب يا شيخ، أنا اجمع لي كلمتين من كم كتاب وأخرج بودكاست تصبح داعية وذا أثر، أه، لكن عليك أن تعرف أنه فرق هائل بين ذاك الراسخ في العلم اللي ربما نعم الاضواء ليست مسلطة عليه أو الاعلام لم يستضيفه في بودكاست، لكنه راسخ ثابت الجذور، وبين أصحاب القشور اللي خرج من ثقافة أو قراءة بعض الكتب، لكنه طلق اللسان وصاحب كاريزما معينة، وبالتالي تم استضافته وسبحان الله انتشر. هي أحياناً فيها جانب قدري نعم، اياك أن تنظر إلى هذه الفرص السريعة وتعتبرها هي المعيار أني أريد شيئاً سريع الإنجاز، سهل الحصول، سريع الإنجاز.

وأظن أن هذا جزء من جزء الصدق الذي حكيت عنه أول نقطة، يعني هؤلاء الذين يبحثون عن شيء سهل الحصول، سريع الإنجاز، أظن عليه أن يراجع صدقه: هل أنت صادق أنك تريد أن تكون من أنصار الله؟ هل أنت صادق أنك تقاتل في سبيل الله؟ هل أنت صادق أنك تبذل لهذا الدين العظيم ولا يهمك نظرة الناس أو الانشغال بنظرة الناس؟ المهم أن أسد ثغراً حقيقياً، فهذه القضية تتعلق بالصدق بشكل أولي.

أيضاً من الأمور التي ربما اختم فيها: أقصد أنه سبحان الله لهذه التوجيه عادة الشريعة دائماً إلى بذل السبب دون النظر إلى النتيجة، يعني النتيجة أحياناً تكون محفزة صحيح، لكن أحياناً الإنسان فعلاً الصادق ويبذل ويعمل في الثغر وربما يلقى الله سبحانه وتعالى ولا يقطف شيئاً من هذه الثمرة، هو فقط المهم أنه بذل، ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [النساء: 100]. خلاص أنت بذلت، المهم هذا الذي يكون الأصل مقصودك أنك تبذل، ثم الثمره هذه أنت حققت على يدك ربما، ربما تكون أنت جسراً لمن يكمل المشوار بعدك صحيح، وأنت هنا سبحان الله ذكرتني بأبي رقية بكلام عمر الذي ينقل عنه: اللهم إني يعني أعوذ بك من جلد الفاجر وعجز الثقة.

أحياناً لما تنظر في الحياة الغربية المعاصرة وماذا يحصل، تجد مثلاً أن المخابرات الدولية مثلاً أمريكا تغرس جاسوساً لها في روسيا يجلس ثلاثين أربعين سنة يجمع معلومات ويعيش مع الناس وياخذ ما أحد يعرف عنه، لكنه يؤدي مهمة شريفة لبلاده، وكذلك جميع دول العالم تمارس هذه الممارسة، أنهم يغرسون شخصاً، هذا الشخص خلص يضيع بذاك المجتمع، هنا يبدأ يأكل أكلهم ويعيش معهم ويسمع ويعيش، خلص كل حياته هناك، لكنه أتَى لغاية ولمشروع يخدم به بلاده.

فحقيقة تتعجب من جلد هؤلاء، كيف يبذلون اوقاتهم وأعمارهم في أمور هو ليس لا أحد يعرفه، ولا توجد عليه أنارة ولا أضواء ولا بطولات، بل قد يؤسر ويسجن ويقتل إذا اكتشف، لكنه يعتبر نفسه أنه خدم ماذا؟ دينه وأمته. نحن أهل الإسلام وترجون من الله ما لا يرجون، نحن أحق بهذه النفوس، أنه أنت يمكن أن تعيش ثلاثين أربعين سنة تخدم الإسلام والمسلمين وتقدم لهم ما أحد يعرف بك، نعم وتكون فعلاً مهمتك شاقة ومضنية. يعني حتى في التاريخ الاسلامي لما كان مثلاً العثمانيون يبعثون أعْيُناً لهم إلى الصليبيين يقيمون معهم ويعيشون معهم وحتى في.

تسمع كثيرا من هذه القصص لأشخاص كانوا يرسلون ويكونون هناك يقيمون في بلاط ملوك الأعاجم، ووظيفتهم المراقبة والمتابعة، وكيف أنه يمكن أن يلقط في يوم ويعدم، ولكنه قدم لأمة الإسلام نعم ما أحد يعرفه، لا أحد يدري به، لكنه قدم رسالة.

هذه القضية التي نريد أن نؤكدها أن هناك ثغوراً حقيقية صعبة وتحتاج إلى النفوس الأبية، ثغور صعبة وفيها تضحيات وفيها بذل، ولن يعرفك الناس، لكن الله يعرفك. لهذه الثغور جميل، وهذه الثغور قد يكون ثوابها عند الله أعظم بكثير من الثغور التي تكون تحت الأضواء والبطولات، فمن كان يطلب الثواب العظيم يعني يتجاسر على الثغور الأبية والثغور الصعبة ويقول: أنا لها. وهذا يحتاج طبعا إلى جانب كبير من تربية النفس على الصدق والإخلاص لله سبحانه وتعالى جميل جميل.

الآن من الميادين والثغور ميدان الآباء والأمهات في تربية أبنائهم وتوجيههم، هم على ثغر، وأيضاً يحتاج إلى توجيه أبنائهم إلى ثغور مناسبة لهم. نأتي إلى الناحية التربوية: كيف نعين هؤلاء الآباء والأمهات في توجيه أبنائهم إلى الثغور المناسبة لهم؟

حقيقة أنت ربما تشير إلى جرح كبير، وهو جرح في التربية المعاصرة من الآباء والأمهات لأبنائهم، أنني أرى كثيراً من الآباء والأمهات يكبر أبنائهم في هذه الحياة وتكبر دروبهم وأشغالهم ويبدؤون التخصصات الجامعية بل ينتهون منها ويبدؤون في سوق العمل، والأب والأم لم يقل مرة لابنه: أنت يجب أن تبحث يا بني عن ثغر من ثغور الحياة. الأب مضيع لثغر الأب، هو الأب قد يكون هو أصلاً ما عنده ثغر، ولو كان عنده قد يقصر في توجيه أبنائه، قصدي في ثغر ابنه، في تربية أبنائه هو مقصر.

ضدت عليك يعني، الأب من ثغور الآباء والأمهات رعاية الأبناء، وهذا من أعظم الثغور حقيقةً يعني. قد تقول بعض الامهات والنساء -وهذا يعني الطرأت سريع-: طيب أنا ماذا أقدم للأمة؟ هل تعرفين أختاه أن من أعظم الثغور التي أنت عليها اليوم أن تربي أبنائك على الدين، وأن تحميهم من المدخلات المعاصرة والمفسدات والسوشيال ميديا والآفات، وأن تقيمهم على الصلوات، وأن تنبههم على الأخلاق والقيم وأن تغرسها، وأن تتحملي طبعا انتقاد المجتمع لك والكلام السلبي ورميهم لك بالتعقيد وووو، كل هذا من أجل أن تخرجي جيلاً صالحاً. من أعظم أعظم ثغور النساء اليوم ثغر التربية، خاصة مع ضياع بوصله التربية وتشوش مفاهيمها، لأنه هناك كثير من الناس يظن التربية أن أوفر لابني الطعام والشراب وأدرسه في جامعة عريقة، أنا ربيت ابني!

وإذا تخرج من جامعة كبيرة في جامعات الغرب يبدا يعني في المجالس العامة يحتفي: أنا ابني تخرج من جامعة كذا وكذا في أوروبا أو كذا، ثم ننظر في حال ابنه: ابنه لا يصلي، ابنه لا يعرف أصلاً يعني علاقته بالإسلام علاقة شرفية -كما يقولون- ليس له أي انتماء في الهوية وفي المظهر وفي السلوك، بالعكس صدق بدخول هذه الجامعة البيئة من حال كثير من الاباء والامهات فعلاً، كيف نظرتهم للتدين، كيف نظرتهم للإسلام؟ هل أنت يا أيها الأب ويا أيتها الأم، هل أنت تعي الإسلام حقاً؟ وأن الإسلام يريد منك أن تخرج ابناً يسد ثغراً من ثغور الأمة؟

هل هذه إحدى المدخلات أو المبرمجات داخل عقلك ودماغك: أنني عندما أربي ابني يجب أربي وأهئه ليسد ثغراً؟ وعذراً نقول: مش مشكلة، ليس شرطاً أن يكون ثغراً شرعياً بالتحديد، لكن حتى وأنت تربيه على عينيك تريده أن يصبح طبيباً، قل له يا أبتي أو يا بني: أريدك أن تكون طبيباً تخدم المسلمين وتساعد في العلاج من الأمراض المستعصية التي لم يجد لها حتى الغرب علاجاً إلى الآن، أريدك أن تعين الفقراء والمحتاجين، ويكون جزء من عملك لله، غذي فيه هذا المعنى.

عندما ابنك يدرس في العلوم الاجتماعية أو النفسية، كيف أنك تصنع مجتمعات سوية، وأن تكون سواء كنت أستاذاً في الجامعة أو في المدرسة أو في أي مكان، أن تخرج علم النفس وعلم الاجتماع بالمنظور الإسلامي وتصبغ عليه الصبغة الإسلامية الشرعية. عندما يكون مهندساً أو مبرمجاً، كيف تصنع قنوات ومواقع ومحطات لصناعة الإعلام الإسلامي الهادف؟

في أي مكان أنت تستطيع أيها الأب وايتها الأم أن تجعل من ابنك مشروع انسان مرابط على ثغر، وحقيقة عدم توجيه الابناء لهذه القضية هو الذي يخرج لنا الابناء اليوم بهذه الهشاشه وهذا التعب وهذا الارهاق النفسي الايماني، أنه ابن كبر في هذه الحياة فقط يبحث عن المادة، يبحث عن مصالحه الشخصية، يبحث عن تخصص جامعي يدر له دخلاً، يبحث عن كماليات الحياة: السيارة الفارهة والبيت الجميل والمرأة الجميلة والسياحة والسفر، هو لا يريد أن يتعب من أجل أمته.

وإذا أتيت قلت له يا هذا الأب، أنت كيف ربيت ابنك؟ يقول لك: أنا ابني ربيته على الدين، قصارى ما يمكن أن يكون ابنه يفعله وأن ربما يدعو لهذه الأمة وجزاه الله خيراً يعني، أو يصلي ركيعات، لكن هناك كثير من الأمور كان هذا الابن يستطيع أن يفعلها لم يفعلها، لماذا؟ لأن هناك أب وأم قصروا في غرس مفهوم الثغر في حياة أبنائهم. لذلك أي قضية الثغر واهتمام الإنسان بهذه القضية واحتفائه بها هي تكون معه منذ نعومة أضافره، وتنشأ معه منذ الصغر، أم من أب وأم كانوا يغرسون هذه الفكرة في أبنائهم أنكم رجال للأمة.

بعود فأقول ما في داعي تقول لابنك أنت قائد للأمة -يعني أحياناً بعض الشباب بقول لي أنا دائماً بقول لابني أنت ستكون قائد من قادة المسلمين، أنت ستكون صلاح الدين الأيوبي ق... أنا بعطيه تفاؤل، جزاك الله خيراً وهذا جيد- بس أحياناً بنصدم أنه بيكبر، أنه أنو صلاح الدين أيوبي أو أنو قائد، طيب أنا جامعة يلا مكملها تمام، فنصدم أنه والله بيني وبين صلاح الدين أيوبي مسافات، ما بقول لك يا عمي بلا ثغر بلا هم، يعني والد يقول صلاح الدين وأنا قطز والظاهر بيبرس وأخر شيء أنا يعني تخصص الجامعي مش أمشي أموري فيه وشهوات لا، أحياناً نحن نعطي طريقة خاطئة في التربية، الثغر خليني أسميها لا يجب أن تفهم ابنك ما معنى الثغر؟ لا، ليس شرطاً أن تكون قائداً.

وأحياناً سبحان الله برضه إذا أريد أن أعلق على هذه القضية: كثير من الدورات الإدارية والرياضية في العالم الإسلامي اليوم تخطئ هذا الخطأ، كنت أسمع منذ الصغر كثير من من هم يحتفي بالدورات الريادية والقيادية حتى من الإسلاميين بعضهم ممن دائماً يقول لك: مشروعك الحر، مشروعك الخاص، كن قائد نفسك، بيطلع من الجامعة بده يجي يفتح مشروعه الخاص أو الحر في بلاده، بينصدم أنه في مشروع حر يعني وانه أنا في النهاية لا أنا عفواً لست شخصاً إدارياً، أنا انسان بالعكس، ما ينجحني أن أكون موظفاً في شركة، هذه قدراتي.

فأيضاً هذه الخطابات تشكل سبحان الله تشوهاً في عقل الإنسان، أنه دائماً يربى أنه أنت القائد، أنت الإداري، أنت يجب أن تكون على رأس القوم. وهذا ليس بصحيح أبداً، والله ليس شرطاً أن يكون ابني قيادي ولا إداري، والله إذا لمحت فيه هذه الأمور إيه نعم ممكن أنميها، لكن إذا أنا كأب أو الأمهات إذا لم يجد في ابنه شخصية الإدارة والقيادة ترى أنت تقتل اهتمامه بالثغر لما تصير أنه يجب أن يكون قيادياً أو إدارياً، لأنه سيكبر ولن يجد هذا المكان فيقول لك: إذاً ما في ثغر في الحياة لي! فيعود شاباً لا يملك أي طموح.

هذا يعود بنا إلى مفهوم الثغر أنه ليس منحصراً في الأمور القيادية الأمور المميزة الكبيرة، الثغر أوسع. فإذا كان الوالد أصلاً عنده قصور في إدراك هذا التصصور، فأيضاً ابنك سيكون مثله أو سيوجه إلى هناك أمران دعني اقول حتى أرتف الامور: على الأب والأم أن يهتموا بغرس مفهوم الثغر، لكن يغرسه بصورة صحيحة بالبناء وليس بصورة مشوهة تخرج ابناً يكره هذا المفهوم أو لا يعبأ به.

جميل جميل، نعم. الآن أنا وجدت ثغراً، لا شك أنه هناك من يشاركني في هذا الثغر، هناك ثغور عدة، ما هي نقول الأدبيات نعم التي يعني ينبغي للإنسان أنه يهتم بها ويلتزم بها في داخل الثغر مع من يشاركني في هذا الثغر؟

حقيقة هذا سؤال مهم، رضي الله عنك على هذا السؤال، سؤال مهم جداً أنه بعد أن أختار الثغر -انت ربما تقول لي: أنت أعطيتنا قواعد الاختيار- قبل أن أدخل الآن: وجدت ثغري، وجدت نعم، وجدت ثغري، ما هي الأمور التي يجب أن أهتم بها وأنا أسير في هذا الثغر؟

أول قضية: عليك أن تقاتل من أجل البقاء في هذا الثغر ولا تتركه عند بروز العقبات في الطريق. أي ثغر تدخل فيه في الحياة، وأي مجال تريد أن تقدم فيه للأمة، لابد وأن تبرز أمامك عقبات، فاحذر أن تترك ثغرك عند ظهور أول عقبة. قال تعالى: ﴿وَأَعْطَىٰ قَلِيلًا وَأَكْدَىٰ﴾ [النجم: 34]، أكدى يعني وجد كدية صخرة فوقف عندها. هكذا حال كثير من الشباب، أنه يريد أن يعطي في أول سنة سنتين عطاء، تبرز أمامه عقبات فيقرر أن يلتف ويعود من أول، ويقول: أنا لا أريد قضية الثغور؛ لأن طلعت قضية الثغر معناتها في عقبات في ألم في صعوبات. لا، عليك أن تفهم هكذا الدنيا، ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ [البلد: 4]، إذاً لا بد أولاً أن تثبت ولو برزت أمامك العقبات والاشكالات.

ثانياً: أيضاً من الأمور التي يقصر فيها كثير من الشباب عندما يدخلوا في الثغور، خاصة إذا برز في الثغر، أنه يضعف اهتمامه بتطوير نفسه وإمكاناته. حتى لو دخلت في ثغر شرعي أو تربوي أو انساني أو في أي مجال من المجالات ووجدت نفسك أصبحت مبرزاً أو الناس تسألك، إياك أن تقف عند حد معين من المعرفة، دائماً اقرا، تعلم، طور إمكاناتك، انظر في المعرفة الجديدة حتى تصبح مبرزاً أكثر وأكثر، ليس فقط لتعرف بل حتى تخدم الأمة. فليست القضية أنك تصبح مشهوراً أو معروفاً، وبالتالي ظهر تميزك في هذا الثغر خلاص، بالتالي أقف عند هذا الحد، علي أن استمر في تطوير نفسي، هذه قضية أيضاً ثانية مهمة.

أيضاً عليك أن تفهم قضية أخرى، وهو أنني عندما أقول: علي أن أركز في ثغري، أنا الآن وجدت ثغري دخلت فيه، هل معنى هذا أبا رقية أنني خلاص أنا لا أحضور في ثغور الآخرين؟ والله أنا وجدت نفسي في ثغر العلم، هل معناها أنني لا أكون في ثغر كفالة الأيتام أو في ثغر مساعدة المنكوبين أو في ثغر الإعلام أو في ثغر صحي أو تعليمي أستطيع أن أجد نفسي فيه؟ حقيقة صحيح، نحن ركزنا على أهمية التخصص حتى تبدع وأن تبذل وأنك لن تستطيع أن تكون كل شيء، لكن إياك إياك أن تفهم من هذا أنني لا أشارك في الثغور الأخرى بسهم من الأسهم.

لذلك سيدنا أبو بكر الصديق رضي الله عنه كان يطمح أن يدعى من أبواب الجنة الثمانية، لماذا كان يطمح أن يكون له حضور في كل الثغور؟ نعم، قليلون جداً هم الذين يستطيعون البروز في كل الثغور، والأكثر منا من يستطيع أن يبرز في ثغر أو ثغرين بالكثير، لكن هذا لا يعني -وانتبه لهذا- أن تقصر في الثغور الأخرى. مثلاً هناك بعض الناس يركز في ثغر الصلاة ويقصر في ثغر الصدقات، لا مهو إذا حتى لو كنت تصلي هذا لا يعني أنك لا تتصدق، أو يقول: أنا والله شيخ مبدع في الفقه بالتالي أنا معفى من قيام الليل والصدقات ومساعدة الناس وبر الوالدين ليه؟ لأني أنا مهتم بالتعلم الشرعي، هذا خطا حتى داخل العلوم الشرعية متخصص بالفقه فقه يعني ليس الشرط أني ما أقرأ لا في الحديث ولا في التفسير ولا كذا.

أحسنت هذه الده أصعب وأصعب، هذا الذي مثلاً يكون جيد في الفقه، إذا أتيت تسأله عن أساسيات الحديث يقول لك: أنا ما لي علاقة بالحديث، لا يصلح اخي! يجب أن تضرب بسهم في العلوم الأخرى وفي العبادات الأخرى وفي احتياجات الأمة الأخرى ولكن تركز على جانب تجد نفسك فيه أكثر. لذلك عبد الله بن مسعود أعود فأقول كان يجاهد في سبيل الله وكان يتصدق وكان من قوام الليل، لكن ثغره الأبرز هو ماذا؟ هو ثغر العلم وقص على ذلك العلماء والمصلحين عبر التاريخ.

إذاً قضية أنك في ثغر، إياك أن تجعلها شماعة للتقصير في الثغور الأخرى، لكن أنبه في نفس الوقت أنه إياك أن تشتت نفسك مع الثغور الأخرى، يعني هي أيضاً تحتاج إلى ميزان، كون شمولي ومتخصص، آه، يعني هي ميزان أنه أنا لازم أركز في ثغر لكن لا أترك جميع الثغور الأخرى، ولكن لا تجعلك القناعة أني لا أترك جميع الثغور الأخرى أنك تفقد توازنك في ثغرك. أنه بعض الشباب بيقول: آه والله شيخ قال لنا لابد أكون حاضراً في جميع الثغور الأخرى، فبتلاقيه فقد ثغره وأهمل وقصر فيه، لا، هي نوع من الموازنات المحسوبة، وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا إلى كل خير.

جميل، إذا الخلاصه أنه لابد للإنسان لابد للمسلم أن يحدد ثغره حتى يستطيع أنه ينفع أمته، وليس شرطاً أن يكون هذا الثغر تحت الأضواء، يكون شيء بارز وشيء قيادي، نعم، هناك ثغور أخرى خلف الكواليس، وليس شرطاً أن يكون شرعياً قد يكون في أمور دنيا أيضاً ينفع الإنسان من خلالها ينفع أمته، وأيضاً لابد للآباء والأمهات أن يوجهوا أبناءهم لاختيار هذه الثغور حتى يعني يكون هؤلاء الأبناء مصلحين وينفعوا امتهم، وأبناء الثغر الواحد لابد أن يكون هناك تعاون وأن يلتزموا.

بدءاً على قضية أدبيات الثغور، هذه دعني أختم بها كلامي هنا، ما أسميها أنا أدبيات الثغور، جميلة كلمة أدبيات الثغور؛ لأن كثيراً من الناس يقصر في أخلاقيات، سميها كذلك أخلاقيات التعامل مع الثغر. الأخلاقية التي أريد أن أركز عليها، أولاً: قضية أن الله فتح عليك في ثغر، هذا لا يعني وهذه أرجو من الإخوة أن يفهموها جيدا، لا يعني أن تزدري ثغور الآخرين.

أحد العباد كتب إلى مالك بن أنس يريد أن ينصحه نصيحة، أنه يا مالك، أنت أشغلت نفسك بالتعليم، فلماذا لا تشتغل وتضرب لنفسك في قيام الليل والاشتغال بقيام الليل، بدلاً من أن تكثر إعطاء الدروس والمحاضرات؟ فمالك بن أنس أرسل له رسالة خلاصتها: أن الله سبحانه وتعالى قسم الأرزاق بين عباده، ومن الأرزاق التي قسمها الأعمال؛ ففتح لشخص في الجهاد، وفتح لشخص في الصدقة، وفتح لشخص في العلم. ثم قال مالك: وأنا راض بما قسم الله عز وجل لي، ولا أرى ما أنا فيه دون ما أنت فيه؛ يعني أنت فتح الله عليك في قيام الليل وقراءة القرآن وأنا ربنا فتح علي في العلم، ولا أرى أن ثغري أقل من ثغرك.

يعني هو كان مالك استشف من ذلك العابد أنه ازدرى نوعاً ما أو قلل من انشغالات مالك العلمية، فأراد مالك أن يعلمه معلومة إلى اليوم تكتب بماء الذهب: إياك أن تزدري ثغور الآخرين. وأظن أننا في الساحة الإسلامية اليوم كثيراً ما نحتاج إلى نصيحة مالك، خاصة مع الجماعات الإسلامية المختلفة؛ تجد هذه الجماعة ركزت على ثغر في الدعوة، وهذه الجماعة ركزت على ثغر سياسي، وتلك الجماعة ركزت على ثغر علمي.

للأسف الحالة الإسلامية اليوم تنظر فيها تجد أن كل طائفه تزدري ما تشتغل به الطائفة الأخرى؛ فالمتعلم يزدري المشتغل بالدعوة والعمل الإصلاحي، والمشتغل بالعلم يقول هذه المتون والمصنفات والفية، ايش تنفعك؟ والمشتغل بالدعوة يزدري كلا الطائفتين. وحقيقة هذا قصور، بل هذه ثغور، وأنت قد تميل إلى نوع معين منها، لا يعني أن تزدري من انشغل بالنوع الآخر، فكلها ثغور مهمة.

وهذا ينقلنا إلى الفكرة الثانية التي أريد أن أقولها في أدبيات الثغور، أن الثغور تكاملية وليست متعارضة. يعني أن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفاً كأنهم بنيان مرصوص، بمعنى ثغر السياسة الشرعية مع ثغر الاقتصاد الإسلامي مع ثغر الدعوة مع ثغر كتب التراث والعلماء، هذه الثغور يجب أن تتكامل، وأنه إذا أنا اشتغلت في ثغر معين علي أن أتعاون إخواني في الثغور الأخرى ولا أقصر.

أنا قلت في النقطة الأولى: إياك أن تزدري الثغور الأخرى، الآن سانتقل لما هو أعلى، أنه ليس فقط لا تزدريه، بل عليك أن تتعاون معهم فيما يرضي الله سبحانه وتعالى. فنحن أمة متكاملة صفاً كأنهم بنيان مرصوص، هذا هو البنيان المرصوص هو الذي سيضع لبنات الأمة ويجعلها تنهض من جديد، أما إذا كنا نزري ثغور بعضنا بعضاً أو نهون منها أو لا نتكامل ولا نتعاون في تكميلها، الحقيقة سنبقى أمة مشتته ضعيفة، وكل إنسان يرى نفسه أوحد الكون وأن العالم جميعاً عنده، وأنه هو الوحيد الذي يقدم شيئاً نافعاً.

وهذا مرض يغزو قلوب العاملين في العمل الإسلامي أو الدعوي أو طلب العلم، أنه يرى نفسه أنه هو الوحيد الذي يقدم وأن الآخرين لم يقدموا للأمة شيئاً، وهذه حقيقة كارثة. هذا الذي يفكر بهذه الطريقه هذا عقله كارثي، نعم قد تكون الطوائف الأخرى قصرت في تحقيق بعض الأمور أنت تنصحها لكن لا تلغي خيرها.

وهذه قد يقول لك: طب يا شيخ، ما تلك الطائفة أو الجماعة قصرت في تحقيق بعض الشروط أو الأمور التي هي مهمة في مكانها؟ أقول: نعم قد يحصل هذا، شيء طبيعي والأخطاء متصوره ونحن بشر وعندنا معاصي وذنوب، فوظيفتك أن تنصح إخوانك، أن تأمرهم بالمعروف وتهاهم عن المنكر، أن تنبههم، لكن لا أن تزدري جانب الصواب الكبير الذي عندهم تلغيه لأجل تصوره بنقصهم.

وهكذا العظماء دائماً يفكرون، لذلك لو نظرت في تاريخ علمائنا الكبار؛ شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم، ومن الاقدمين أحمد والشافعي، الأئمة دائماً هكذا كانت طريقتهم، أنهم لا يكسرون مجاديف الآخرين، وإذا راوا عندهم خطأ يصوبونه صحيح، ويرون جانب الصواب في أفعالهم. هذه حقيقة نفسية عظيمة تدل على شخص واعي بطبائع النفوس وتنوعاتها واختلاف الثغور وسعتها، وأن الثغور بالآلاف وأن لن يستطيع شخص ولا اثنان ولا مئة ولا ألف أن يشد هذه الثغور.

نحن أمة واحدة يجب أن ننهض معاً، نعم يجب أن ننهض معاً، وهذه الثغور يجب أن يلتئم بعضها مع بعض حتى يكتمل المشهد والصورة الجميلة، لن تصلح الأمة إلا بهذا التكاتف بين أصحاب هذه الثغور.

أبو عبد الرحمن، الكلام حقيقة لا يمل، جزاك الله تعالى خيراً، أسال الله تعالى أن يتقبل منك وأن يجعله في ميزان حسناتك. وأنتم إخواننا الكرام وأخواتنا الكريمات، إلى هنا نكون قد وصلنا إلى نهاية هذا اللقاء الطيب النافع الماتع، وإن شاء الله نلتقي بكم في الأسبوع القادم في مثل هذا الموعد، نستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.