السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا وحبيبنا وقدوتنا محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد.
حياكم الله وأسعد الله مساءكم في هذا اللقاء الشيق الماتع النافع بإذن الله تعالى، هذا اللقاء الذي يعد جزءاً من برنامجنا السنوي الرمضاني وتزودوا في موسمه الخامس. نسأل الله تعالى أن يتقبل منا ومنكم الطاعات، وكل عام وأنتم بخير.
كما عهدتمونا في أكاديمية غراس، نحن دائماً نسعى إلى أن تكون لنا بصمة في كل ميدان؛ طبعاً في كل ميدان نافع، ليس في كل ميدان، إنما في كل ميدان نافع. ومع انتشار لقاءات البودكاست أحببنا أن يكون لنا في هذا الباب سهم ونصيب؛ باعتبار هذه اللقاءات هي وسيلة نافعة وممتعة ومؤثرة، لها أثرها الواضح، وبالتجربة أثبتت هذا الأثر في الميدان الدعوي. وهكذا المسلم دائماً يحاول أن يستغل الحياة وما فيها ويوظفها ويكرسها في خدمة دين الله سبحانه وتعالى.
طبعاً نحن لن نلتزم بروتوكولات البودكاست تماماً؛ فعادة هي تكون لقاءات مسجلة، أما لقاؤنا فسيكون لقاءً مباشراً، فأي خلل تقني أو مشاكل لابد أن تتحملوها، وأولها ما حدث قبل قليل، هذا التأخير كان بسبب عطل فني، حتى الإخوة جزاهم الله تعالى خيراً استطاعوا أن يتجاوزوا هذه المشكلة، لكن القادم إن شاء الله يكون هناك تنويع، نسأل الله تعالى التيسير.
إخواني، نحن في رمضان؛ رمضان شهر التغيير، فأحببنا أن نسلط الضوء على بعض المفاهيم، وعلى بعض القيم التي تحتاج إلى إعادة نظر في أسلوب طرحها، وهناك بعض القيم قد تحتاج إلى إعادة إحياء وإعادة إثراء وتركيز على أهميتها بين الناس وفي الواقع. المسلم، ستكون البداية مع القضية الكبرى، القضية الأعظم في هذا الوجود، مع التوحيد الذي هو حق الله على العبيد.
لكن سيكون طرحنا مختلفاً نوعاً ما؛ سنكون بعيدين عن الجدالات العقدية والفرق والأقوال والمقالات ونحو ذلك، سنحاول أن نأتي إلى التوحيد من جانب آخر، سننزل إلى ميدان القلوب لنبحث عن هذا التوحيد، نبحث عنه فنذكر المؤمنين. معكم عبد الرحمن الحسن، بودكاست قيم، منصة غراس. حياكم الله وأهلاً بكم.
طبعاً معنا في هذا اللقاء الضيف المتجدد الدائم، الشيخ إبراهيم، أو مثل ما يريد الشيخ أن أناديه في هذا اللقاء، الشيخ أبو عبد الرحمن. الشيخ أبو عبد الرحمن الطويل المشرف العام على أكاديمية غراس، نسأل الله تعالى أن ينفع به وألا نعدم الفائدة من كلامه في يوم من الأيام. حياك الله شيخ إبراهيم.
حيَّاكم الله وبياكم وسدد على طريق الحق خطاي وخطاكم. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعل هذا اللقاء لقاءً نافعاً لنا ابتداءً، ولاخواننا، لأحبتنا، ممن يبحثون عن العلم النافع. طبعاً أنا طلبت أن تناديني بأبي عبد الرحمن حتى بدون إضافة شيخ؛ حتى تكون بلدي الطبع.
الله يرضى عنك، عادةً أحياناً تكون غلابة.
الله يكرمك، شيخ، أسأل الله أن ينفع وأن يجعله لقاءً نافعاً قيماً. بسم الله يا رب.
الله يكرمك، شيخ، ويجزيك الخير، شيخ أبو عبد الرحمن ولا أبو عبد الرحمن لحالها؟ نعم.
هذا أول ظهور لك في البودكاست، في عالم البودكاست، أستطيع أن أقول أول ظهور حقيقي رسمي؟ يعني قبل كان في فضفضة، لكن هذاك نتجاوز قليلاً. نعم، هذا أول ظهور نقول حقيقي علمي لأبي عبد الرحمن في عالم البودكاست. اختار أبو عبد الرحمن أن يكون اللقاء الأول في موضوع يعني كثر الكلام عنه، والعلماء يعني ما قصروا في محاضرات ودورات ودروس وكتب، يعني أكثر الكلام في هذا المجال، وعاده يعني في هذا الواقع المعاصر الناس اهتماماتهم منصبه في الأمور الحياتية يعني أكثر، فهذا أول لقاء شيخ لو كان يعني حاولنا نسلط الضوء على بعض الأمور التي تجذب الاهتمام وتجذب الجمهور أكثر، لماذا أبو عبد الرحمن اختار أن يكون بداية البودكاست بموضوع التوحيد؟
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، والصلاة والسلام على النبي المصطفى، صلاةً تترى، وعلى آله وصحبه ومن لنهجه اختفى. حقيقةً أود أن أشكرك على اختيار هذا السؤال.
الله يكرمك.
وأن هذا السؤال جيد أن يفتتاح به مثل هذا اللقاء حتى يعرف الناس أظن قيمة الموضوع. نعم، حقيقةً هناك عدة نقاط هي التي دفعتني أن أختار هذا العنوان يكون بداية الظهور.
القضية الأولى: أن الإنسان في العادة يحب أن يتكلم فيما يحبه وفيما ينتمي إليه وفيما يشعر بلذه في نفسه وهو يتحدث عنه ويدخل في أجواءه. وحقيقةً، مع اعتراف الإنسان بنقصه أو تقصيره عن تحقيق كمالات مفهوم التوحيد، لكن حقيقةً هذه الكلمة، كلمة التوحيد، كلمة أطرب لها جداً، وتحدث في نفس الكثير من المشاعر والأحاسيس، فأكون وانا متحدث عنها نهم مشتاق لأن أحدث الناس عن هذا المفهوم العظيم، عن قيمته، وعن طريقة غرسه في النفوس، وعن حديث القرآن عنه، وعن حديث النبي عليه الصلاه والسلام عنه، وكيف نغرسه وكيف نجدده في نفوسنا.
حقيقةً، الإنسان إذا تكلم عن شيء يحبه يبدأ، فما بالك عن مفهوم عظيم في حياتنا؟ فهذه القضية الأولى التي... فائدة أيضاً منه يعني هي فعلاً الإنسان أولاً يتكلم فيما يحب وأنا أحب هذا المفهوم وأحب أن أوسعه إلى الناس.
القضية الثانية التي تدفعني حقيقةً أن أبتدئ الحديث بهذا الموضوع، هو أن قيمة أي حوار أبا رقية، وأي نقاش، إنما تكون بحسب الموضوع الذي يناقش. هناك الكثير في عالم البودكاست من الحوارات والنقاشات إذا نظرت إليها لا تفتحها أصلاً لأنك تعرف أن قيمة النقاش لا قيمة له. نعم، قيمة أي نقاش من طبيعة الموضوع المطروح، وفي اعتقادي وفي اعتقاد الجميع، لا يوجد موضوع أعظم ولا أهم ولا أخطر في حياة الإنسان من مفهوم التوحيد.
هذا المفهوم الذي أصلاً نحن خلقنا من أجله، ونحن مطالبون في حياتنا أن نعيش من أجله ونسأل الله سبحانه وتعالى أن نميتنا عليه. أخطر مفهوم في حياتك هو مفهوم التوحيد، لأن الخطأ فيه لا يغتفر، الخطأ فيه لا يغتفر! يعني لو كنا نتكلم في موضوع هندسي، الخطأ يعني دنيا، كنا نتكلم في أمور دنيا، مشروع زواج، الأخطاء تجبر، لكن هذا المفهوم بالتحديد إذا أخطأت فيه خطأ فادحاً، الخطأ لا يغفر، إذا لقيت الله سبحانه وتعالى وأنت فاشل في تحقيق هذا المفهوم ولم تحققه كما يريد الله سبحانه وتعالى، فخطورة الموضوع وقيمته العالية أظن تستحق منا أن نبدأ به أي حوار في هذا البودكاست.
القضية الثالثة أيضاً الأخيرة التي دفعتني أن أتحدث عن هذا الموضوع، هو أن كثيراً من الناس يظن أن هذا المفهوم حاضر في حياته تلقائياً؛ يعني هو يقول: بمجرد أنني ولدت في بيت مسلم، وعندي أب مسلم، وأم مسلمة، ونحن نصلي التراويح ونصوم رمضان، والأجواء الرمضانية والمساجد تؤذن، ما دمت أعيش في مجتمع مسلم وفي بيت مسلم، إذاً التوحيد تحقق بشكل تلقائي. نعم، كلنا موحدون، كلنا موحدون في هذا المسجد، كلنا حققنا هذا التوحيد، وهذا حقيقةً أظن سوء فهم لطبيعة هذا الموضوع، فإن كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الإيمان يبلى كما يبلى الثوب»، فكذلك التوحيد.
التوحيد، كما ينبه ابن القيم رحمه الله تعالى عليه، يقول: هو بذرة، هذه البذرة إذا لم تتعاهدها بالسقي لن تنبت شجرة تؤتي ثمارها كل حين بإذن ربها. يعلق ابن القيم على قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾ [إبراهيم: 24-25]. يقول: كيف ستؤتي هذه الشجرة، شجرة التوحيد، أكلها إلا إذا عاهدتها بالسقي والمتابعة وتجديد هذه المعاني، وإلا ستبقى هذه الشجرة ذابلة تالفة ستهلك، وأنت تظن أنك في قمة تحقيقك لهذا المقام تكون قد أضعتَه؟ ولذلك، وهذه فكرة أود أن أنبه عليها حقيقةً، وهو أننا في الخطاب الدعوي أو في الخطاب الإصلاحي أو في أي ظهور حقيقةً لمخاطبة الناس، كثيراً ما يذهب إلى موضوع الساحة، الموضوع الذي يحب الناس أن يتحدث فيه، وأنا في اعتقادي يجب أن نتحدث فيما يجب أن يسمعه الناس وليس فيما يحبه الناس.
كما قلت، ترى الأحوال المعاصرة والازمات والخروج والبروز والحروب والمعارك والاشكالات وبعض المواضيع مفيد وله قيمة حقيقة، لكن أحياناً مع سعي الإنسان أن يقدم بودكاست في موضوع العصر أو موضوع الساعة حتى يجذب جمهورا يشتاق إلى السماع فيدخل، قد تضيع الكثير من المفاهيم العظيمة ويذبل الحديث عنها لأننا نرى الناس لا تحب أن تدخلها ولا تحب أن تسمعها، أو هي مواضيع قديمة خلينا نقول، يعني قد يراها مواضيع تحصيل حاصل أو تكلم عنها كثيراً. حقيقةً هنا يجب على الداعية وطالب العلم الذي يخاطب الناس أن يجدد صدقه مع الله عز وجل، وأن يفهم حدث الناس بما يحتاجونه وليس بما يطلبونه، خاصة أن الدنيا يعني في هذه الأيام طغت المادية على الناس وعلى حياتهم بشكل كبير، بحيث إن الناس فعلاً ما عادوا يميزوا ما الذي ينفعهم صحيح، ما هو الذي يحتاجونه في حياتهم وفي أيضاً حتى في أخراهم.
فالداعي هو الذي سيوجه، دعني أقول أبا رقية، الحياة المادية وصخب الحياة وتعب الحياة وضجيجها يجعل الإنسان ينسى بعض المفاهيم الأساسية، وأيضاً الخطابات الدعوية المختلفة وعالم السوشيال ميديا عالم متعب، يعني يومياً تتكلم عن آلاف المقاطع التي تنزل، وحتى في الأوساط الدينية وفي البيئات آلاف المقاطع التي تنزل وتسلط الاضواء على أشياء كثيرة، بين الزحام تضيع المفاهيم الأساسية. فهذا حقيقةً يدفعني أن أتكلم عن هذا الموضوع.
يعني أبو عبد الرحمن، أنت أفهم من كلامك أنه أنت تجد هناك قصوراً كبيراً وضعفاً في استشعار التوحيد في حقيقة في حياة الناس، هناك يعني الناس يمكن يقول: خلص نحن، كما قلنا مثلاً، نحن مسلمون، نحن موحدون، ويظن أنه هذا خلاص يكفيه، وإن شاء الله هذا ينجيه عند الله سبحانه وتعالى، لكنه لن يكون المؤمن الذي يريده الله سبحانه وتعالى.
طيب، الناس الآن يعني ما راح تفهم كيف، طيب بدها تميز أنه أنا عندي قصور في هذا المفهوم؟ كيف بدي أميز أنه أنا فعلاً في عندي ضعف، أنا بالنسبة لي لا أعبد صنماً، وأصلي لله سبحانه وتعالى، وإذا دعوت لا أدعو إلا الله سبحانه وتعالى، هذا القصور كيف أميز أنه يوجد موجود عندي قصور في هذا المفهوم؟
جميل، شوف أبا رقية، عندما تتعرى نفسك أمامك في مواطن البلاء وفي لحظات الأزمات، عندما تفقد حبيباً أو عندما تدلهم بك الخطوب أو عندما يحصل مرض، في لحظات الشدة تتعرى النفس فتكتشف مدى الوهن الذي تعانيه في تحقيق هذا المفهوم. كلنا في الرخاء نقول إننا موحدون، لكن العبرة هي ساعة الشدة.
وهذا نموذج القرآن الكريم تحدث عنه وهو يتكلم عن المشركين، قال سبحانه وتعالى كيف أن المشرك في لحظات الشدة والافتقار وعندما ينفض قلبه عن المخلوقين ولا يجد من يفزع له، يحتاج أن يفزع إلى الله عز وجل يحقق هذا المفهوم، يقول سبحانه وتعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بريح طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ﴾ [يونس: 22]. هذه القضية: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ﴾ عندما يشعر الإنسان أنه أحيط به ويشعر أن المخلوقين لا يستطيعون الآن أن يقدموا له أي خدمة وانه لا ملجأ إلا إلى الله سبحانه وتعالى، حتى كفار قريش ظنوا أنه محيط بهم، دعوا الله مخلصين له الدين، حققوا التوحيد في ساعة الشدة.
وهذا ما يحصل معنا في كثير من مراحل البلاء، لذلك القرآن تحدث عن هذا الموضوع أيضاً في آية عظيمة في سورة الزمر: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ﴾ [الزمر: 8]. أقبل على الله وانكسر لأنه يعرف أن هذا المرض ليس بيد أحد أن ينزعه إلا الله سبحانه، دعا ربه منيباً إليه، ﴿ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِّنْهُ﴾ بمجرد أن يتعافى ويعود إلى حالة الرخاء ينسى توحيده، ﴿نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِن قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَادًا﴾ [الزمر: 8]. عاد لوضع الند لله من الدنيا، الشهوات والملذات، تناسى هذه القضايا. فالحقائق كثير منا إنما ينكشف له ضعفه في تحقيق مقامات التوحيد عندما تتعرى نفسه في لحظات البلاء الشديد، وهذا يجعل الإنسان ينتبه.
لذلك النبي عليه الصلاه والسلام لما نصح ابن عباس النصيحة العظيمه، ماذا قال له؟ «تعرف على الله في الرخاء يعرفك في الشدة». يعني لا تكن عبد السوء. حقيقةً هناك كثير من الناس علاقته مع الله علاقة منفعة، أو يستعمل التوحيد كعلاقة منفعة، يعني لما أكون محتاجك يا الله سأوحد، لكن لما تكون الحياة مستقرة، الراتب ماشي، الحياة الأسرية الأطفال بخير، الوظيفة، لما تكون أمور الحياة مرتبة: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أ رَّآهُ اسْتَغْنَىٰ﴾ [العلق: 6-7]. شاف الأمور جيده، تطغى نفسه فينسى اعظم شيء خلق من أجله، لأنه ملك الأسباب المادية، أحسن، ظن إذا ملك الأسباب المادية بأنه ملك الدنيا وملك كل شيء. ولذلك خير العباد الموحد حقيقةً، هو الذي يعبد الله في الرخاء كما يعبده في الشدة، وأما الذي يبني علاقته مع الله علاقة مصلحية منفعة، هذا عبد السوء الذي ذمه الله سبحانه وتعالى، فختم الآية فقال له: ﴿قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ [الزمر: 8]. أسأل الله العافيه، أسأل الله العافيه، هذه هي القضية، لذلك دائماً نحن ما
نتذكر التوحيد في ساعات معينة، وننساه في كثير من ساعات الرخاء، وهنا يظهر لك نقصك وعجزك. تعرف على الله في الرخاء يعرفك في الشدة. إذا وجدت هذا، نقول: عدم التوازن بين الرخاء والشدة، فاعلم أنه هناك مشكلة أكيد، إذا كنت عبداً لله في الشدة وعبد سوء في الرخاء، فاعلم أن هناك مشكلة في التوحيد.
مشكلة طبعا، أنا لا أريد أن أكون مثاليًا أن أقول كلنا فعلاً لما تمر به الأزمات مستوى التوحيد يزداد، يعني حتى نكون طرحنا واقعي، مستوى التوحيد كلما نفضت يدك على المخلوقين أو شعرت بعجز المخلوقين عن مساعدتك في ساعات الأزمات شيء طبيعي. ولذلك كما كان كثير من السلف يقول: إن الله سبحانه وتعالى ليجر العباد إلى توحيده بالبلاء. يعني الله يجرك إلى تحقيق مقام التوحيد من خلال البلاء عندما ترى أنه لا قوة للناس على مساعدتك، هذا يزيد التوحيد.
لكن العبرة أنك لا تنسى الله تمامًا في الرخاء، يعني حقق وابذل واجتهد أن يكون لك نصيب وحظ من هذا المقام في ساعة الرخاء، لعل الله سبحانه وتعالى أن يطلع عليك في ساعة الشدة.
يعني شيخ، أنت كأنك، يعني أفهم من كلامك أيضًا هناك توسيع لمعنى التوحيد؛ أنه أحياناً الطرح العلمي الموجود في البيئات العلمية، يعني عندما تنظر في موضوع الردود والجدال العقدي والاستدلالات العقلية وكذا أحياناً، هل هذا الطرح ربما هل هو السبب فيما وصل إليه الناس من غياب مفهوم هذه القيمة؟ هل أنت مع هذا الطرح؟ يعني أحياناً، يعني هذا الطرح -طبعاً لا نقلل من شأنه، هذا الطرح أكيد مهم وهو باب ضمن البيئات العلمية وضمن من طلاب العلم- لكن هل هذا الطرح عموماً الذي يعني موجود حالياً في البيئات العلمية، هل يصلح للعوام، ولا العوام يعني يحتاجون ما هو، يحتاجون غير ذلك؟
جميل، الحقيقة سؤال مهم ويضع يده على جرح، يعني أقول جرح نازف في حياة الأمة، هي قضية كيف تطرح أو كيف يطرح التوحيد اليوم؟ وكيف يعلم التوحيد اليوم للناس خاصة في عالم السوشيال ميديا عموماً؟
الآن سأبدأ من نقطة مهمة أبا رقية، وهي أن التوحيد ممارسه وليس تنظير، يعني نحن أحياناً يغلب علينا التنظير ولكن نفشل في مقام الممارسه، نفشل في مقام الممارسه. علينا أولاً أن نتيقن أن التوحيد الذي تكلم عنه محمد صلى الله عليه وسلم ومارسه الصحابه الكرام ومارسه السلف، كان الكلام، حيز الكلام فيه محدود، وحيز الممارسه فيه كبير، بعكس حالنا اليوم، حيز الكلام كثير جداً جداً في الكتب، في المصنفات، في اللقاءات، ولكننا نضعف، دعني أقول في مقام العمل وممارسه التوحيد في القلوب والسعي في مسارات الحياة.
وهذا يا أبا رقية يجعلني أقول: إن الكلام عن التوحيد يجب أن ينقسم إلى قسمين الآن: في الأروقة العلمية مع المتخصصين وفي الأماكن التي تطرح فيه أقوال الفرق الإسلامية المختلفة، نحتاج بالتاكيد من يبقى يدافع عن عقيدة السلف في التوحيد ويبين بالأدلة والبراهين، لكن هذه ما مساحتها؟ هنا النقاش، ما مساحة هذا الحوار المغرق في العقليات، المغرق في الجدليات، المغرق في الكلامي؟ وأين يطرح يعني؟ كم مساحته؟ وأين يطرح اليوم في عالم السوشيال ميديا؟
لأسف أصبح يطرح أمام عامة الناس وأمام الجميع، وتطرح الخلافات والإشكاليات بين الإسلاميين والفرق وكذا والرد، وهذا كما قلت مهم، لكن مهم في أروقته ولمن يستطيع أن يستوعبه وبصوره لا تنقل التوحيد من حيز الممارسه إلى حيز الجمود. يعني، يعني سامحني على هذه العباره، البعض شوه مفهوم التوحيد لكثرة ما جادل فيه، البعض شوه مفهوم التوحيد في أعين العامه لكثرة ما جادل فيه.
لذلك كثير من العامه لما تاتي تتكلم عن مفهوم التوحيد وآثاره وثماره في حياتك، وكيف يسرع الطمأنينة والهدوء والسكينة، وكيف يصلح كل منظومه الحياة لديك، يصبح يشكك في هذا المفهوم؛ لأنه يرى أن التوحيد هو عبارة عن سجالات عقدية وخلافات على السوشيال ميديا وأنواع وأنا كعامي مطالب أن أنزل مباشرة جميع أحكام الكفر والإيمان وأن بدي اشتغل على هاي القضايا. طب أنا أنقل العوام إلى مربعات بعيدة عن المربعات الأساسية الأولى التي يجب ولا يحسنون فيها أو في أكثرها، دعني أقول في أكثرها هي ليست مجالهم، وإنما هي من مجالات العلماء وأهل العلم، متى يتصدرون بعد ذلك؟
كثير من هؤلاء العوام أو المبتدئين في طلب العلم لما خلاص يأخذ مسألة مسألتين في التوحيد يظن نفسه أنه خلاص أحكم الباب فيدخل ويبدأ، وما شاء الله هذه منصة مفتوحة للجميع، أن العامي سيصبح ينظر أن التوحيد هو عبارة عن مسألة فيها جدال وسجال وخلافات، هذه قيمتها ليس أكثر. يعني هي قضية معقدة تحتاج إلى أن ننظر إلى الأدلة العقلية بكل عمق، مع أن القرآن، كما سياتي معنا بعد تقدير، والسنة طرحتها بطريقة فطرية جميلة هادئة.
يعني لو نظرنا في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وحياة الصحابة الكرام، تشعر أنه في هناك اختلاف بيننا وبينهم في فهم التوحيد، كان لا تقاسيم ولا يوجد هذا التعقيد في الطرح. هذا التعقيد في الطرح، أو التشويه للطرح، أو إشغال الناس ببعض التفاصيل التي هي من شأن الخاصة وليست من شأن العامة -وهذا يجب أن يصرح به أنها من شأن الخاصة وليس من شأن العامة- أرهقت هذا المفهوم، وحملت هذا المفهوم ما لا يحتمل، وأدخلت الناس في أتون نزاعات ونقاشات، فبالتالي ما عادوا يشعرون بجماله؛ لأنه هو خلاص متصور إذا بدي أحكي عن التوحيد معناه في مشكلة، بنحكي عن التوحيد في استجرار لخلافات بين الإسلاميين، بدي أحكي عن التوحيد إذا لابد أسقط أحكام على الآخرين.
طيب أين التوحيد في قلبك؟ أين شعورك بالطمانينة والسكينة وأنت تمارسه في لحظات الحياة؟ كيف أثر التوحيد في لم شتات قلبك؟ هذه المعاني للتوحيد العظيمة هي التي نجدها في القرآن والسنة وهي التي يجب أن يركز عليها عندما نخاطب عامة الناس، فلهذا تجدهم إما أنه يصد بالكلية خلاص يقول لك هذا الباب ما لي فيه، أو أنه يقتحم باب ليس مجاله، آه للأسف الله المستعان.
طيب أبو عبد الرحمن، ماشي، أنت الآن ترى أن الطرح الموجود حالياً هو خاص بفئة أو فئة طلاب العلم فقط في ميدان معين أو في ساحة معينة، طب هؤلاء العوام الآن كيف نخاطبهم بالتوحيد؟ كيف نطرح لهم هذه القضية المهمة التي سيسألون عنها أمام الله سبحانه وتعالى؟ ما هو التوحيد في طرح الشيخ إبراهيم أو أبي عبد الرحمن؟
نعم، أي شوف، إذا دعنا نبدا القصة من بدايتها، دعني أقول ما هو التوحيد؟ أو كيف على الأقل يمكن أن أعبر عن مفهوم التوحيد لعامه الناس؟ أعبر عنه أحياناً فأقول: التوحيد أن ينظر الله سبحانه وتعالى في قلبك فلا يجد إلا إياه، لا إله إلا الله. أن ينظر الله عز وجل في قلبك فلا يجد إلا إياه معبوداً ومقصوداً. أن ينظر الله سبحانه وتعالى في قلبك فلا يجد إلا إياه مرجواً ومخوفاً. أن يستولي تعظيم الله عز وجل على قلبك فتجد أن اعظم شيء في هذا القلب يهابه ويخضع له هو الله سبحانه وتعالى. أن يستولي الرجاء والثقة بالله سبحانه وتعالى على قلبك فلا ترجو رجاء حقيقياً كاملاً تاماً إلا هو. أن يستولي الخوف من الله سبحانه وتعالى على قلبك فلا تخشى خشية عظيمة تفزع منها إلا منه سبحانه وتعالى.
عندما تستولي هذه المفاهيم على القلب فيكون الله هو أعلى محبوب، ويكون أعلى مرجو، وأعلى مخوف، وأعلى معظم؛ عندئذ نتكلم عن التوحيد، هذا هو، أصبحت البوصلة واحدة. باختصار، أو ربما يعني أرتب الأفكار هنا أكثر: أن تصبح علاقتك مع الله هي التي تنظم كل شبكات العلاقة الأخرى في حياتك، وهي التي تنظم كل العلاقات الأخرى والقرارات والتصرفات، هي التي تقرر كيف ستحكم على الآخرين وعلى المواقف والمشاهد. أن تكون علاقتك مع الله هي العلاقة رقم واحد، فينظر الله في قلبك فيرى أنه هو الذي استولى على قلبك، فأنت دائماً تفكر به، تفكر ما الذي يرضيه، هي التي تحكم الأمور الأخرى، كل الأمور الأخرى هي العلاقة الأساسية.
نعم، الحقيقة حتى أكون منصفاً، قد فعلاً الإنسان يشعر بنقص ويحب أن يكمل هذا المقام، لكنني على الأقل أقول ما أؤمن به، ما دامت علاقتك مع الله هي تأخذ المرتبة رقم أربعة أو خمسة، أنت لم تحقق التوحيد الحق. التوحيد أن تكون أساس العلاقات هي علاقتك مع الله، ولذلك النبي عليه الصلاة والسلام ماذا قال؟ قال: «من أحب لله وأبغض لله وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الإيمان».
لاحظ، إذا استكمل الإيمان يستكمل التوحيد، لاحظ إذا كل قراراتك التنفيذية والمصيرية والحياتية هي كلها منبثقة عن البذرة الأولى والعلاقة الأولى. هذه هي الطريقة الأولى التي أحب أن أعبر بها عن التوحيد.
هناك طريقة أخرى أيضاً أحب أن أعبر بها عن التوحيد وألمسها في نفسي كثيراً، وهي أقول: التوحيد أن يكون قلبك قد تقطع في شعاب الحياة في همومها وغمومها وأشكالاتها، وأنت تلهث وراءها في باب الرزق وفي باب العمل وفي باب الزواج وفي باب الأبناء، يكون هذا القلب تقطع في شعاب كثيرة مما يجعل الإنسان مشتت، مهموم، مغموم، ضاقت به الدنيا، التوحيد هو أن تلم شعث القلب، كأن هذه القطع التي بعثرت في شعاب الحياة، كأنك تجمعها من شعاب الحياة لتلتئم مرة أخرى إلى وجهة واحدة وإلى قبلة واحدة وباتجاه واحد.
بحيث تصبح من داخل أعماقك موقن تماماً أن هذه الجهة الوحيدة التي سأتجلى إليها هي قادرة أن تكفيني كل هموم الحياة وكل شعاب الحياة الأخرى، عندئذ قل عن نفسك إنك موحد. جميل أن تلم قلبك وأن تجمعه على قبلة واحدة ما دام قلبك متفرقاً.
لذلك النبي عليه الصلاة والسلام، وأنا سطرت الحديث، كيف كان إذا كان مهموماً يقول: أرحنا بها يا بلal. النبي عليه الصلاة والسلام إذا أهمه خطب أو أحاط به ألم أو كرب كان دائماً يعرف أن هذه الكروب والهموم تشتت الإنسان، تشتت عقله، دماغه، تزرع فيه قلق وخوف ورعب من الحياة وخوف من المستقبل، كان عليه الصلاة والسلام يجمع قلبه بالصلاة أنه بالنسبة له هي شعار التوحيد. هذه حقيقة أيضاً يجب أن نحبب التوحيد إلى الناس من خلال هذه القيم، إذاً أن ينظر الله في قلبك فلا يجد إلا هو قد استولى حباً وتعظيماً وإجلالاً وخوفاً، وأن تلم شعثه إلى قبلة واحدة ووجهة واحدة تحط رحالك عندها تانس بها وهي تكفيك كل شيء في الحياة.
هذا ليس تنظير، نعود فنقول أحياناً قد يظن البعض أن هذا الكلام أو يحب أن يكتبه في مقولة أو يحب أن ينظره كتنظيم، هو من الواقع، هذا هذا، ولو كان الإنسان مقصرا، لكن عندما أقرأ في سير النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة والسلف والأئمة ومن اتمثل في هذا أو حقق كمالات عالية، يدرك الإنسان أن سر الطمانينة التي كانت في حياتهم هم أنهم استطاعوا أن يلموا قلوبهم. هذا سر الطمانينة، أحياناً قد تجد إنسان مبتلى بنفس المرض، هذا إنسان وهذا إنسان، هذا على سرير المرض وهذا على سرير المرض، لكن هذا مطمئن هادئ يذكر الله سبحانه وتعالى، وذاك فزع خائف قلق، طب ما الفرق؟ هذا نفس المرض، يعني كلاهما معين نفس المرض وهذا على نفس السرير ونفس الأطباء.
اختلف القلب، اختلف القلب، اختلفت المشاعر، اختلفت الأحاسيس، وقد يكون هذا الذي فزع ولهث قد يكون ينظر في التوحيد في مقامات معينة، لكن لم يرتقي إلى أن يصبح التوحيد ممارسة قلبية. وهذه لو خرجنا من هذه الحلقة يا أبا رقية بهذا المفهوم، التوحيد أيها الكرام ممارسة قلبية شعور باطني وليس مساحة تنظير.
معني ممكن أبو عبد الرحمن تجد أحياناً ممكن طالب علم، نعم، يعني يكون لباب التوحيد حيث الأمور العلمية، ويعني من ينظر يقول هذا من أهل السنة ما شاء الله، هذا من أهل التوحيد وكذا، لكنه في الحقيقة لا يكون موحداً كما يريد الله سبحانه وتعالى. القول يختلف عن العمل، صح؟ هو في باب التوحيد من حيث التنظير هو ضابط لهذا الباب ويعلم عقيدة أهل السنة ويدافع عنها ويرد على البدع، لكن قلبه قد خلا من الله سبحانه وتعالى فانشغل بالأموال وبالدنيا وبهذه الأمور، وإذا أصبح هناك تعارض بين ما يريده الله سبحانه وتعالى وما يريده غير الله سبحانه وتعالى، فإذا به يقدم أمور الدنيا.
صحيح، هنا تذكرت يا أبا رقية بكلام للغزالي في إحياء علوم الدين وهو يتكلم عن التوحيد عند المتكلمين وعند العوام، فيقول: كثير من المتكلمين -وهو كان أحد أبرز رجالاتهم، يعني هو يرصد الخطأ- قال: نحن انشغلنا بالكلام والجدل فأصبح عوام المسلمين ثباتهم في مقامات الحياة في التوحيد أعلى من ثبات نظار المتكلمين.
شوف يقول، يعني تخيل نظار المتكلمين الذين أفنوا حياتهم في كتابة الكتب المتعلقة بالردود والنقاشات في التوحيد والخلاف الدائر بينهم، يقول: عوام المسلمين أصحاب التوحيد الفطري الذي يطبق التوحيد ويمارسه يقول: أعلى ثباتاً في هذا المقام من نظار المتكلمين.
إذاً أعود فأقول: التوحيد ليست مجرد كلمة، التوحيد ممارسة حقيقية ولعلنا بعد قليل نتكلم كيف يصبح ممارسة إن شاء الله. ممكن، يعني ممكن الإنسان لا يكون ضابطاً للتعريفات ولا للحدود والأقسام لكنه من أعظم الموحدين لله سبحانه وتعالى.
صحيح، أنا دائماً يسحرني ذاك الإنسان الصادق، ربما العجوز الذي يخرج الساعة الثالثة ليلاً ويمشي في الظلمات ليذهب إلى المسجد فيصلي قبل الأذان الأول فيركع ركعتين بتمامه ويكون في قمة السعادة والإقبال على الله عز وجل، ويجلس يذكر الله حتى يؤذن الفجر وبعد ذلك يصليها حاضراً ويسبح ويجلس للشروق، بينما قد يكون طالب علم يتكلم كثيراً عن التوحيد وينام عنه.
الفجر ويستيقظ يعني بعد ذهب وقتها ويظن أنه من كبار الموحدين، بل يمكن حتى يعطيك مقاطع وتنظيرات وأحكام على الناس. يعني أحيانا العبارات، حتى أنا لا أطالب أن يكون الناسك نفس المستوى، لكن أعتقد أن هناك إعادة نظر، يجب أن نعيد النظر حتى فينا كطلبة علم كيف نفهم التوحيد؟ هل نمارسه كما يمارسه ذاك العجوز الصادق المرابط على ثغر المسجد وقيام الليل والمشي في الأسحر، أم هو يغلب علينا مساحة الكلام أكثر وأكثر؟
أسأل الله أن يرحم ضاف أبو عبد الرحمن هنا. في هذا، في التعريف اللي ذكرته، قال: أن ينظر الله إلى قلبك فلا يجد إلا هو. هذا يذكرني بحديث النبي صلى الله عليه وسلم لما قال: «تعس عبد الدرهم، تعس عبد الدينار، تعس عبد الخميصة، تعس عبد الخميصة». إذا أحيانا يعني احنا بالتنظير، أو نقول مثلا الناحية العلمية التي تطرح في هذه البيئات تفهم أنه التوحيد يقابل —طبعا هو يقابل الشرك أكيد لا شك— لكن هناك في مفهوم أعظم، أنه قد يقع الإنسان بالشرك، هو لا يكون من أهل النفاق، لا يخرج من الملة، لكن قد يقع في شرك؛ ممكن يكون شرك أصغر، وشرك متعلق بهواه: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ﴾. لما الإنسان يتعلق بالدنيا، يتعلق بالدينار والدرهم وتصبح هذه مسيطرة على حياته، لما يتعلق بأبنائه بزوجته بحيث أنه يقدمهم حتى على أحكام الله سبحانه وتعالى، تجد مثلا يمارس أحيانا الربا ويقع في بعض المحرمات، يقول لك في النهاية: والله يا شيخ أبنائي بدي أدرسهم، بدي كذا. هسا احنا هذا ما أخرجناه من دائرة التوحيد، لكن في النهاية هناك خلل في التوحيد؛ لأن هذا أصبح عبد ويعبد غير الله سبحانه وتعالى تماما من خلال تعلق قلبه.
إما دائما يقولون: التوحيد مقام أنت دائما تسعى لإكماله. فلا يظنن ظان أنه أكمل مقام التوحيد وانتهى. كثير منا من خدش مقام التوحيد بتعلق، لا ترضي الله سبحانه، كثير منا تعلقات جانبية كما تفضلت هي لا تخرجك من دائرة الإسلام، لكنها تخدش هذا المقام وتجعله ضعيفا، فأنت يوميا تحتاج أن تبحث في كمالات التوحيد في قلبك.
جميل جميل، طيب شيخ يعني دعنا من هذه التعريفات ونحوها، الآن نذهب إلى النبع الصافي، نعم إلى كتاب الله سبحانه وتعالى، ونحن في رمضان لا بد أن يكون هناك ارتباط وثيق مع هذا الكتاب العظيم. الآن نذهب إلى كتاب الله سبحانه وتعالى، لا نريد قاله المتكلمون ولا غيرهم، كيف طرح القرآن موضوع التوحيد؟ كيف علم الناس وعلم الصحابة هذه القضية العظمى؟
الحقيقة هذا ربما أعظم سؤال سألته في هذا المجلس، والكلام عن كيف تكلم القرآن عن التوحيد كلام ذو شجون، كلام عظيم وجميل، ويجعلنا نبحر في آفاق القرآن، هنا تستشعر التوحيد حيّا، هنا تشعر بالتوحيد. لذلك دائما سبحانه نقول: طرح القرآن للتوحيد يختلف تماما عن أي طرح آخر، جميل. وطريقة القرآن في بناء التوحيد في النفوس تختلف عن كل الطروح الأخرى التي قدمت.
قرآن عظيم، وهنا يجب أن نبين على قضية أنه القرآن هو كلام الله، والله عز وجل هو صاحب العلاقة في التوحيد، يعني هو الموحد، فاذا هو الذي سيشرح يعني أو سيبين التوحيد بأكمل الصور. لذلك القرآن، القرآن اعظم قضية، كما يقول أبو العباس ابن تيمية رحمه الله عليه: أعظم قضية بينها القرآن هي التوحيد، أعظم قضية تكلم عنها من حيث اسبابها وموجباتها وطرقها والقرآن أساس كلامه عن التوحيد. ولذلك حتى لما يققال أن سورة الإخلاص هي ثلث القرآن، يقول أن القرآن ثلثه إما عن التوحيد، والثلث الثاني في القصص، والثلث الثالث في الأوامر والنواهي، والقصص والأوامر والنواهي تعود إلى التوحيد، فأصبح القرآن كله في الكلام عن التوحيد وموجباته وقصص وأمثلة عليه. فحديث القرآن عن التوحيد حديث عظيم، ولا أعتقد أنني في هذا البودكاست السريع استطيع أن أجمع شتات هذا الموضوع، لكن دعني أتكلم في رؤوس أقلام في كيف عرض القرآن مفهوم التوحيد.
أولا، الاسلوب الأول والابرز والأهم، أن القرآن تكلم عن الإله الموحد، صاحب العلاقة في هذا الموضوع؛ لأنك أنت عبد وهو إله. إله بالتالي كان للقرآن نصيب كبير في تعريفك بهذا الإله الذي توحده، لأنه إذا عرفته وتعرفت على أسمائه وصفاته وأفعاله ستحس لا بد يطغى حبه على قلبك، إذا تدبرت القرآن وفهمت الأسماء والصفات والأفعال حقيقة سيغلب حبه على قلبك إذا كنت صادقا. لذلك كثيرا ما يتكلم القرآن عن الإله، حتى يضع فيك النقطة الأولى، وهي: من هو الذي ستوحده؟ هل تعرف من هو بالله عليك؟ هل تعرف عظمته؟ هل تعرف جلاله؟ هل تعرف أسماءه؟ هل تعرف صفاته؟
فيأتي قوله سبحانه وتعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ * هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ * هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ﴾ [الحشر: 22-24]. كل اسم ينزل على قلبك كالجبل. تجد أعظم آية في القرآن هي حديث عن الله: ﴿اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَلَا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهْوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة: 255]. كل هذه الآيات هي تتكلم لك عن الإله سبحانه، الإله الخالق الفاعل الموجد بصفاته الذاتية والففعلية، عن الإله بجماله وجلاله وكماله، فتشعر أن هناك القرآن يغطي هذا الجانب بشكل عالي ورفيع.
وأنت تتكلم في أحكام حتى الأسرة يبرز: وهو العليم الحكيم، وهو السميع البصير. وأنت تتكلم عن أحكام الحج والعمرة تبرز أسماء الله في كل موطن، وفي كل مكان، وفي كل مشهد، لا بد أن تجد أسماء الله وصفات الله حاضرة. هذه الجزئيه الأولى التي غطت مساحة كبيرة من الطرح القرآني، وهو أن يحببك في هذا الإله، وأن يعرفك به معرفة تامة، ليست معرفة جامدة بل معرفة حية، فتأتي قصة قرآنية ختامها اسم من اسماء الله، نعم، تأتي مشهد أو مثل يتكلم عن صفة من صفات الله، يأتي فعل يتكلم عن الله، فأنت ترى هذه الأسماء والصفات حية.
ثم لا بد أبو عبد الرحمن أيضا يفهم هذه المعاني، يعني أحيانا خاصة مع غياب اللغة العربية هذه الأيام، يعني قد إنسان يقرأ هذه الآية أو هذه الأسماء لله سبحانه وتعالى، لكنه لا يستشعر معانيها؛ لأنه لا يعرفها، هو لا يع... هو شوف، هناك مشكلة عامة، ربما لا أُريد أن أطرح في هذا الموضوع قضية إشكالية التدبر وضعف الإنسان عن الاهتمام في هذا الموضوع، يعني هذه أمور نتكلم عنها لاحقا، لكن هي مشكلة مركبة، لماذا الناس لا تقبل على التدبر والعيش مع القرآن، وأصبحت مسافة بينهم وبين القرآن؟
لكن حتى أُكمل تصوري كيف تكلم القرآن عن التوحيد إذا كانت الجزئية الأولى أن يعرفك بهذا الإله الذي توحده، ثم بعد ذلك حرص القرآن على أن يبني العلاقة بينك وبينه. انظر إلى هذه اللفتات: يقول سبحانه: ﴿فَفِرُّوه إِلَى اللَّهِ﴾ [الذاريات: 50]، يقول سبحانه: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود: 123]، في آية أخرى: ﴿وَظَنُّوا أَن لَّا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ﴾ [التوبة: 118]، ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: 5]، ﴿وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ﴾ [غافر: 44]. كل هذه الضمائر والأسماء هي في الحقيقه تبني جسرا كبيرا بينك وبين هذا الإله، يعني أنت دائما يطرق سمعك في القرآن الضمائر التي تعود إلى الله: فاعبده، توكل عليه، وتوكل على الحي الذي لا يموت، فر إليه. هذا كثيرا ما يتكرر؛ لأنه يريد أن يبني علاقة، وأن يفهمك يا أيها الإنسان أن علاقتك يجب أن تكون ابتداء معه هو، فيعيد الضمير دائما إليه. وهذا تلاحظه في كثير حتى في القصص وفي ثناياها، كيف الأنبياء كانت علاقتهم مع الله، كيف الصالحون كانت علاقتهم مع الله. لا يمكن للإنسان أن يستمر في هذه الدنيا بقلب سوي وبطمأنينة إذا لم يبني هذه العلاقة بينه وبين الله، فالقران يوجهك: أبني هذه العلاقات، إياك أن تخسر الرهان في هذا الموضوع.
بعد أن يبني هذه العلاقات، يأتي القرآن ليوهن الأنداد التي يزاحم بها الناس رب العالمين: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَاداً﴾ [البقرة: 22]. الند هو الذي النظير المزاحم، كما يقولون: أن تجعل لله نظراء، تجعلهم يزاحمون الله على قلبك، وينافسونك على قلبك، فتتعلق بهم كما تتعلق بالله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: 165]، أليس كذلك؟ فالدنيا ند، شهواتك ند، هواك ند. بعض الناس لما يسمع كلمة الأنداد أول ما يخطر في ذهنه أبو رغي الأصنام أصنام أحجار لا لا ترى، ربما نحن حتى كمتدينين نعاني من أنداد قد يصغر وقد يكبر بحسب تعلقنا بها. كل ما زاحم على قلبك فهو ند لله، فدائما ربنا يقول: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَاداً﴾ [البقرة: 22].
ومن جميل القرآن أنه دائما يوهن من هؤلاء الأنداد ويريك كم هم ضعفاء، من خلال أسلوب راقي، أسلوب الأمثال، مثلا يقول سبحانه وتعالى في بيان هؤلاء الأنداد وكم هم ضعفاء فاياك أن تبني علاقة معهم، قال: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ﴾ [العنكبوت: 41]. شوف كيف القرآن يريك أن ذاك المتشبث بعلاقات بعيدة عن الله وبأنداد أخرى كيف هو كبيت العنكبوت؛ وهن، ضعف، سريع الزوال.
أيضا في مثال آخر، يقول سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ هي الأنداد ﴿لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ﴾ [الحج: 73]. شوف الختام المهيب: ﴿ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ [الحج: 73]، ضعف، وهن، مسكين، محروم ذاك الإنسان الذي يستند ويتكئ ويلتجئ إلى الأنداد الأرضية ولا يفزع إلى الله سبحانه وتعالى. فهذا أيضا جزء من حديث القرآن مهم، أن القرآن ركز على بيان أن أي علاقة ليست الولاية فيها لله فهي علاقة سريعة الزوال، سريعة الفشل، لن تخدمك في لحظات الشدائد.
ثم بعد ذلك يتكلم القرآن أيضا عن ثمار التوحيد في ثنايا كلامه، يتكلم كيف التوحيد يزرع الأمن في حياة الإنسان. احنا دائما يعني بعض الناس لما يتكلم عن التوحيد يتكلم عن ثمرته في الأخرى، لا لا، حقيقة التوحيد يا إخوة ثمار عظيمة في الدنيا. الله سبحانه وتعالى يقول في بيان أحد ثمار التوحيد: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ﴾ [الأنعام: 82]. سأل الصحابة النبي صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية، فقال: ألا يظلم نفسه؟ قال، فقال صلى الله عليه وسلم: الظلم هو الشرك. يعني في هذه الآية ظلمك لنفسك، أنت متى بتكون ظالم لنفسك؟ مش تقول أنا والله ظلمت نفسي، متى بتكون ظالم لنفسك؟ لما لا تحقق التوحيد أو عندما تقصر في تحقيقه، أنت ظلمت نفسك لأن من اكتمل توحيده حقق الأمن التام. نتكلم الأمن النفسي والطمأنينة الحياتية وراحة البال وانكماش الغموم والهموم والجأة واتخاذ القرارات الحياتية بكل تؤدة ووضوح ورؤية الحق، هذا هو الأمن على المستوى الدنيوي، فما بالك طبعا بالأمن على المستوى الأخروي أيضا.
مثلا من الأمثلة القرآنية العجيبة والتي دائما أكررها: كيف تكلم القرآن عن فعلا طمأنينة الموحد وشتات المشرك؟ يقول سبحانه وتعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَجُلاً فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ﴾ [الزمر: 29]. معنى هذا المثل باختصار: تخيل أن هناك عبد له أكثر من سيد، فهو في يوم يجب أن يطيع هذا السيد، في اليوم الثاني يلهث من أجل أن يطيع السيد الثاني، في اليوم الثالث يلهث من أجل سيد ثالث ورابع وخامس، هذا العبد مشتت لأن قلبه ليس عند قبلة واحدة، ليس مع سيد واحد، شركاء متشاكسون. شوف التعبير القرآني الراقي، يعني حتى أيضا جمالية القرآن في عرض التوحيد اختيار المفردات، تشعر أن المفردة تبقى ترن هكذا في سمعك وفي قلبك: شركاء متشاكسون. هذا نموذج الإنسان الذي متعلق برب العمل وبسلطان وبالمال وبالبصرة... مقطع قلبه متقطع، مش مستريح؛ ليه؟ لأنه هناك نداء الهوى يناديه من جهة ونداء الله يناديه من جهة، الدنيا تناديه من هنا والشهوات تناديه من هنا، فالله سبحانه وتعالى في حياته هو أحد المنادين وليس المنادي الوحيد: شركاء متشاكسون.
وأما الموحد: ﴿وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ﴾ [الزمر: 29]، يعني رجل يتعامل مع سيد واحد، قبلته واحدة، ما عنده شركاء متشاكسون، هذا كيف راحته؟ أبقيه؟ كيف طمأنينته؟ كيف سعادته؟ ما في نداءات متعددة تدخل وتزاحم، هو نداء واحد أنا مستجيب له وأعمله، هذا بيكون مستريح، بفوض له كل شيء.
حتى في مستوى حياتنا، حتى في مستوى حياتنا العملية، لما يكون عندك في الشركة أكثر من مدير وهذا بعطيك أمر وهذا بعطيك أمر، ترضي مين؟ وتشعر أنك مش قادر ترضي الجميع، وهذا بناديك وهذا بناديك، فتشعر أنك مرهق آخر اليوم تلهث. بخلاف الموحد؛ الموحد ما هو ما عنده هذه التضاربات وهذه المزاحمات، فهو في قمة سعادته وطمأنينته. فالقران تكلم أيضا عن ثمار التوحيد: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ﴾ [إبراهيم: 24]. في آية أخرى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ﴾ [النحل: 112]. يعني شوف، عندما فقدت التوحيد كيف خسرت في الدنيا ليس فقط في الآخرة.
ويتكلم عن ثمار التوحيد في سعة البركة والرزق: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: 96]، لكن كذبوا، وبعد ذلك يعرض لك هذه القضية على
إنها قضية مهولة عند الله ومركزية، وأن الله سبحانه وتعالى يمكن أن يسامح عن أي شيء، لكن لا يمكن أن يسامحك إذا أخطأت في أصل التوحيد؛ أن الله لا يغفر أن يشرك به. يعني الله عز وجل يقول: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: 53]. يتكلم في آيات رحمة تظهر رحمته وسعة كرمه وإخراجه أهل الكبائر من النار، ولكن يخبرك عن قضية لا يساوم عليها: إذا مت مشركا فانك انتهيت، لا يمكن أن أسامحك. هذا يجعل قضية التوحيد عند الله هي المركزية، هي رقم واحد.
وكيف سبحانه وتعالى يبين شناعة قول المشركين لما يتكلم عن النصارى واليهود وكل من ادعى لله ولدا: ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا * تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَن دَعَوْا لِلَّه وَلَدًا﴾ [مريم: 89-91]. يعني جعل ادعاء شريك أو ولد أو خر مقام التوحيد شيء تتمزق منه السماوات، وتتفتت منه الأرض، وتخر منه الجبال. أنت مستوعب شو بتحكي أنت؟ تهدم أعظم مفهوم في الوجود.
فالقران بين أن هذا هو المفهوم العظيم الأساسي: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: 36]. فأنت في كل سورة من سور القرآن وفي كل صفحة من الصفحات لابد وأن تمر على التوحيد بجانب من هذه الجوانب؛ إما باسم من أسمائه ووصف من صفاته، وإما بذكر مثل من الأمثال التي توهن الأنداد وتحذرك من اتخاذهم، وإما ببيان كيف يجب أن تبني علاقة التوحيد مع الله سبحانه وتعالى، وإما بتعظيم شأنه ونجاح أصحابه: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: 5]، وفشل المخالفين. فأنت في القرآن من أوله إلى آخره تحقق هذا التوحيد بمقاماته المختلفة؛ هذه جمالية القرآن، هذه روعه القرآن.
حتى الله سبحانه وتعالى لما قال: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: 22]. حتى على مستوى الكون؛ أم لهم ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ﴾ يعني معبودات من غير الله سبحانه وتعالى؟ هذا كما ذكر شيخ الإسلام أن هذا أعم مما يعني يستدل به المتكلمون على الدلالة على الربوبية. ربما هذا يمكن خلل أصلاً في مفهوم الألوهية عنده؛ هو يقول إنه يصح الاستدلال بهذه الآية على الربوبية، لكن هو يقول مقصودها الأساسي الأعظم هو الدلالة على توحيد الألوهية، وأنه لو كان هناك أكثر من مقصود في الكون لفسد نظام الكون، وكان هذا الكون لا يصلحه إلا التوحيد. يعني الله خلق قلبك يا أيها الإنسان باسلوب وبطريقه لا يصلح إلا بالتوحيد، كما أن نظام هذا الكون لا يصلح إلا بالتوحيد. ما أعظم هذا المفهوم.
الآن شيخ سريعا بس حتى لا يضيق علينا الوقت، ننتقل إلى الجانب الآخر من الوحي، القرآن في مقابلة سنة النبي صلى الله عليه وسلم، هذا أيضا نبع صاف. كيف علم النبي صلى الله عليه وسلم وكيف ربى الصحابه على التوحيد؟ هل كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر الخطب والمحاضرات والدروس؟ ولا كيف النبي صلى الله عليه وسلم ربى الصحابه على التوحيد بحيث إنه بعدها لما انطلقوا في هذه الحياة كانوا فعلا موحدين توحيد عملي في هذه الحياة؟
حقيقه أيضا هذا سؤال كبير قريب من السؤال السابق. حقيقه الكتب التي ترصد كيف كان اسلوب محمد صلى الله عليه وسلم في غرس التوحيد في اصحابه تجد كلمات عامه هنا وهناك، لكن اعتقد أن هذا موضوع، خاصة مع إشكالات الطرح المعاصر، أظن أننا نحتاج أن نعود فندرس مدرسة محمد صلى الله عليه وسلم كيف علم الصحابه، كيف طرح هذه القضية. أكيد أكبر قضية علمها التوحيد؛ وهو أعظم معلم، لا أظن أن أحداً يزعم أنه يعلم التوحيد للأمة أكثر من محمد صلى الله عليه وسلم أو أفضل.
إذاً لابد وأن ننظر في أساليب التعليم، في مدرسة محمد صلى الله عليه وسلم. والكلام يطول، لكن لو اردت أن اضع رؤوس اقلام: أولا النبي عليه الصلاه والسلام كان يركز على أن التوحيد أعوذ فأقول ممارسه وليس تنظيرا، فكان يمثل القدوة العملية لأصحابه في الثبات على التوحيد وفي الرسوخ فيه. تخيل أن النبي عليه الصلاة والسلام في مكة ياتي اليه المشركون يساومونه مراراً وتكراراً على التمييع في هذا المفهوم وعلى المساومة عليه؛ نعبد ربك يوماً وتعبد ربنا يوماً، فيقول صلى الله عليه وسلم: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ * وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون: 1-6]. مفاصله.
قصص كثيرة، كان يأتي المشركون إلى أبي طالب ويقولون له: كف ابن أخيك عنا، أو ساومه على ألا يذم آلهتنا فقط. لاحظ المستوى الذي وصلوا إليه؛ أنه فقط ساوموه على ألا يذم آلهتهم، رفض صلى الله عليه وسلم. لاحظ الصحابه الكرام وهم يرون المعلم الأول صلوات ربي وسلامه عليه وهو يثبت في مقام التوحيد مع أنهم قلة قليلة في مكة، كانوا لا يتجاوزون أربعين أو المئة على احسن الاحوال، والأمور مدلهمة والخطوب صعبة، ومع ذلك لا أساوم عليه.
بالتأكيد، إذا كان يعتمد القدوة العملية، والطلاب أكثر ما يرسخ القيم فيهم والمفاهيم هي ثبات المعلم على الفكرة. فالنبي عليه الصلاة والسلام كان يعتمد على أن يكون هو موحداً بممارسه عمليه في حياته لا يساوم. لاحظ في صلح الحديبيه في أمور دنيوية ساوم لمصلحة الإسلام، في غزوة الخندق كانوا يرونه وهو يساوم على ثلثي ثمار المدينة دنيا، لكن التوحيد لا يمكن أن يساوم على هذا المفهوم. هذا أعطى أكبر درس للصحابه أنه هذا الخط الأحمر الذي لا يمكن أن يتنازل عنه، وهذا بحد ذاته درس؛ أحياناً شخص بشكله وأسلوبه يعطيك آلاف الدروس أفضل من مجرد التنظير العام.
لكن عند مواقف معينة يسقط. أيضاً من أساليب صلى الله عليه وسلم: استغلال الفرص مع الصحابة، خاصة لما يكونوا أفراداً. معاذ بن جبل يقول: كنت رديف النبي صلى الله عليه وسلم على حمار، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «يا معاذ». قلت: لبيك يا رسول الله. قال: «هل تدري ما حق الله على العباد؟». قلت: الله ورسوله أعلم. قال: «أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً». شوف كيف استغلال موقف؛ موقف بسيط تكون معك في سيارة، تختزل هذه القيمه.
ابن عباس: كنت خلف النبي صلى الله عليه وسلم يوماً، شاب صغير، ومع ذلك النبي عليه الصلاة والسلام حريص على أن يغرس فيه هذه القيمة؛ ما نسيها طوال حياته: «يا غلام، إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، ولو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف». وفي رواية أخرى: «تعرف على الله في الرخاء يعرفك في الشدة».
كثيرة هي المعاني التي غرسها النبي صلى الله عليه وسلم في أصحابه رضوان الله تعالى عليهم. ولاحظ استغلال اللحظات أيضاً؛ النبي عليه الصلاة والسلام عندما كان يرسل الرسل إلى الاقوام والى المدن والامصار، أول شيء تعلمه لهم التوحيد. فمثلا ارسل معاذا إلى اليمن فقال: «إنك تأتي قوماً أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله». وفي رواية أخرى: «فليكن أول ما تدعوهم إليه توحيد الله». شوف في بعض الروايات: توحيد الله؛ هذا يدل على أن هذه القيمة هي العليا.
لما يسمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله»، لما كان يقترب من المدن والامصار فاذا سمع أذاناً تركهم، عرف أنهم موحدون، وإذا لم يجد أي مظهر من مظاهر الإيمان والتوحيد بعد أن يكون علم أن الحجة قامت عليهم غزاهم وغار عليهم. هذه الممارسات في الجهاد وفي السلم وفي الحرب وفي البيت وفي المسجد، عندما يرون أن هذا هو حال النبي عليه الصلاة والسلام، هذا يغرس قيماً، يغرس مفهوماً.
وأيضاً هذه من أعظم الأمور: كانوا يرون النبي صلى الله عليه وسلم كيف يحمي جناب التوحيد من أقل شيء يمكن أن يخدش به. النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الطيرة والتشاؤم بالأشياء حفاظاً على جناب التوحيد، أن الفاعل الحقيقي هو الله. كان ينهى عن تعليق الوتر وينهى عن تعليق التمائم حفاظاً على جناب التوحيد. كان إذا رأى صحابياً قال: ما شاء الله وشئت، يغضب صلى الله عليه وسلم ويقول: «قل ما شاء الله ثم شئت»، مع أنه أنا أجزم أن ذلك الصحابي هو ما خطر في باله الشرك أصلاً، لكن حماية صلى الله عليه وسلم لجناب التوحيد حتى في أقل الكلمات وفي أهون الأمور، هي تجعل كأنما -من باب تقريب الصورة- عندما تجد المعلم يدقق عليك في شيء معين في كل تفاصيله، تعرف أن هذا التدقيق الشديد دلالة على أن هذا موضوع خطير، هذا موضوع خطير.
هين في أمور الدنيا، هين في أمور الزواجات والبيوع وما شابه ذلك، وضع قواعد عامة. لكن في هذا الموضوع أي كلمة يعبث فيها، أي كلمة يمكن أن يتوهم أن فيها خطأ، يحمر وجهه ويغضب. هناك رجل فقط قال: ومن يعصهما فقد غوى. قال: «من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصهما فقد غوى». الآن أي واحد فينا ممكن يسمع هذه الجملة ما يشعر فيها مشكلة، النبي صلى الله عليه وسلم قال: «بئس الخطيب أنت». كان يريد منه أن يقول: ومن يعصي الله ورسوله فقد غوى. قال: «أجعلتني لله ندًّا أو شريكا؟» يعني لا تجمعني مع الله، فأنا عبد يوحى إلي، والله هو الإله، الله له مقام وأنا لي مقام.
حرصه صلى الله عليه وسلم على تتميم هذا المقام وسد الذرائع الموصلة إلى خرمه عمق هذا المفهوم في قلوب الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، جلهم في تمام الإدراك أن هذا المفهوم هو الذي يجب أن يحمى ويقاتل من أجله، وأن خلافات الدنيا والامور السياسية والزوجية يعني لها ضوابط شرعية بالتأكيد لكن في مجال للمناوره فيها، أما ذاك لا مناورة. هذا أكبر درس كان في حياة الصحابة وهو درس لنا أيضاً، لكن نحتاج أن نقرا السنة، أن نقرا الأحاديث النبوية، وأن ننظر في سيرة النبي عليه الصلاة والسلام حتى ترسخ هذه المفاهيم والقيم فيها.
جميل. طيب أبو عبد الرحمن، الآن من يسمعك يقول لك: طب أنا حياتي السابقة قبل ما أسمع أبو عبد الرحمن وهو يتكلم عن بهذا العرض وبهذا الطرح، يعني أنا كنت موحد وأنا كنت أعبد الله سبحانه وتعالى، طب هذه المشاعر التي ذكرها الشيخ، هذه المشاعر طب ما أهميتها في حياتي؟ طب أنا الآن سانجو عند الله سبحانه وتعالى مادام أني حققت أصل التوحيد تماماً. طب هذه المشاعر وهذا الجانب العملي ما أهميته في حياتي؟ ما الثمرة التي ستعود عليي إذا فعلاً استشعرت هذه المشاعر وأثرها في حياتي؟
يعني أنت ربما تكلمت أو تسأل عن شيء أنا قد أكون تطرقت له قبل قليل في موضوع القرآن، وهي قضية ثمار التوحيد، هذا هو عنوان؛ يعني أنت تسأل ما هي ثمار التوحيد؟ أنا ماذا سأحقق إذا حققت هذه المشاعر؟ يعني باختصار ربما أقول: ما الذي يجعل الإنسان يتعب من أجل تحصيل هذه المشاعر؟ نعم، ما الذي يجعل الإنسان يتعب ويكد من أجل تحصيل هذه المشاعر ولا يكتفي بالحد الأدنى الموجود فيه، زي ما تفضلت أنه مسلم؟ حقيقة التوحيد يتابع ويجدد في كل لحظة كما ذكرت صحيح.
حقيقة التوحيد له ثمار عظيمة، والكلام عن ثماره أيضا تطرق اليه القران والسنة بتفصيل كبير، لكن دعني أقول كلمات مختصرة: التوحيد يعيد ترتيب افكارك وأولويات الحياة، هذه أول جزئيه باختصار سيصنع منك شخص آخر في الفكر، في ترتيب الافكار، أولويات العمل، الزواج، الدراسة الجامعية، اختياراتك، تصرفاتك، قراراتك المصيرية، كلها ستكون مرتبة على أولويات رتبها لك توحيدك لله سبحانه وتعالى.
التوحيد سيعيد ترتيب مشاعرك وقلبك ويخلصك من كثير من الغموم والهموم والأحزان، لأنه سيهون الدنيا في نفسك. نحن أصلاً لماذا نغتم من أقل الأشياء؟ لأن الدنيا كبيرة في نفوسنا. لما توحد الله سبحانه وتشتاق إليه وتكون علاقتك معه فقط، سترى الدنيا حقيرة، فانية، صغيرا. هذا بحد ذاته سيخفف عبئاً كبيراً عن قلبك، ستشعر ما في شيء يستحق أن أحزن على فواته إذا وجدت الله سبحانه.
لذلك كانوا دائما يقولون في علم السلوك: من وجد الله ماذا فقد؟ ومن فقد الله ماذا وجد؟ يعني أنت لو وجدت الدنيا ولكنك لم تشعر بتوحيد الله أنت خسران، ولو فقدت الدنيا لكنك كسبت معاني التوحيد أنت كسبان. وهذا يعيده ترتيب حياة النبي عليه الصلاة والسلام: الزهد في الحياة مع أنه خير أن يملك مفاتيح الأرض وأن يجعله الله أغنى أغنياء الأرض، لكنه صلى الله عليه وسلم كان يرى أن كل هذه الدنيا ببهرجها... عيني في الصلاة؛ أنه قرة العين، السكينة.
الطمأنينة إنما أجدها في الصلاة، في علاقتي مع الله؛ فلماذا أزاحم هذه العلاقة بالدنيا؟ هو كان يرى أن الدنيا عبء يريد أن يتخلص منها صلى الله عليه وسلم، لماذا استكثر من دنيا ستشغلني؟ أنا أريد شيئاً آخر.
فلذلك، التوحيد سيخفف على قلبك كثيراً من غموم الهموم، التشتت، الأحزان، تبعثر القلب في شعاب الحياة؛ لأنك تشعر أن لك قبلة واحدة. التوحيد أيضاً يجعلك شخصاً آخر في أهدافك، في طموحاتك، في الأمور التي تريد أن تعيش من أجلها. كثير من الشباب اليوم لما تسأله: شو هدفك في الحياة؟ هدفه يصل إلى موقع معين في شركة، وهدفها تصل إلى دنيا معينة أو زواج من فتاة معينة، أو يصبح مليارديراً أو صاحب ثروات، بغض النظر الهدف مباح أو غير مباح، لكن قليل من تجد -حقيقةً وليس ادعاءً- من يعيش من أجل غاية شريفة مرتبطة بالتوحيد.
يعني التوحيد هو الذي بعثها ونفضها وشقها، قليل من يفكر بهذا. التوحيد إذا اكتمل، سيعيد ترتيب طموحك وأفكارك والأهداف التي تعيش من أجلها. التوحيد أيضاً من ثماره الجميلة أنه سيجعلك تكون هادئاً في حكمك على الآخرين، وفي حكمك على التصرفات التي تراها في حياتك، المشاهد الحياتية سواء في أقاربك، في أسرتك، في التلفاز، في المواقف السياسية والاجتماعية. التوحيد سيُعطيك عيناً أخرى وقلباً آخر وعقلاً آخر تنظر فيه في الأمور، فرق كبير وهائل يا أبا رقية، بين من ينظر في الحياة ويحكم على الآخرين من منظور دنيوي بحت، وبين من ينظر للأآخرين والقرارات وتصرفات الآخرين ومشاهد الحياة السياسية والاجتماعية بعين التوحيد، وبعين المتصرف سبحانه وتعالى؛ ينظر إلى الله هو الفاعل، تختلف الرؤية تماماً.
فلما تقول لي التوحيد، أنت تتكلم عن شخص آخر، وأعود فأقول: الله سبحانه وتعالى خلق هذا القلب بطريقة لا يصلحه إلا مادة التوحيد. هذا أكبر مشروع في حياتك، وهي نصيحة لي قبل إخواني؛ أكبر مشروع في حياتك يستحق أن تبذل له الجهد والتعب وتفنى من أجله، وما راح تخسر، صدقني ما راح تخسر. يعني بعض الناس بقول: أوف يا شيخ، أنا خايف أتعب، أتعب وما يصير شي، يعني لا لا، هو الرهان الوحيد الذي لن تخسر فيه، أنك إذا تعبت من أجل تحقيق التوحيد، لابد وأن تتحسن حياتك، ولو تحسن محدود، لكن ستتحسن، قطعا ستتحسن. القلب سيعود سيعود لفطرته، لهذا يعني بعضهم يقول: لو كلف الإنسان بالشقى لكلف بما لا يستطيع، أو بما يشق عليه جداً، لو كلف بالشقى.
لأن هذا القلب كما قلت فُطر على توحيد الله سبحانه وتعالى، فإذا أراد أن يشرك، فهذا سيكون أمراً منافياً للفطرة، منافياً على الفطرة، وقلب هو ليس فقط القلب، بل نظام الكون. نعود: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: 22]، فباختصار كل كافر هو فاسد، لماذا؟ لأنه خارج عن نظام الكون. كافر هو فاسد لأنه خارج عن نظام الكون، لذلك كان الله سبحانه دائماً يركز في القرآن أيضاً: ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: 44]، ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن في السَّمَاوَاتِ وَمَن في الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ﴾ [الحج: 18].
لماذا قال: ﴿وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ﴾؟ لأنه في ناس ما بدها تسجد، هذه خرجت عن نظام الكون وسُلم الحياة. فلذلك من سيخرج عن النظام، لابد وأن يشعر بالنشاز، لابد أن يشعر بالقلق لأني أنا خرجت عن الحيز، لن تشعر بالهدوء إلا إذا رجعت إلى منظومة الكون، إلى نفس الحيز الذي يسير فيه، هذا سيطمئن قلبك، حين سيطمئن قلبك سبحان الله.
طيب، الآن ننتقل إلى الأمور العملية. طيب أنا الآن سمعت هذا الكلام، أريد أن استثير هذه المشاعر، استثير مشاعر التوحيد في قلبي حتى أطبقها فعلاً في الواقع العملي، كيف استثير هذا القلب؟ كيف تتعامل معه؟
جميل، أنت هنا الآن تنقلني يا أبا رقية إلى حيز التي يعني الفائدة ستكون في هذا السؤال لمن يتابعنا، صدقت. والجانب العملي حقيقة، ولا أعود فأقول إنه أعظم مشروع تعيش من أجله هو غرس التوحيد في نفسك وفي من حولك، يعني لو أنك طلبت العلم وشاركت في دورات تدبر القرآن وقرأت الأحاديث، كل هذا تعبته مش لأن تصبح دكتور شريعة أو أريد أن أتكلم، لا لا، أنا أريد أتعب في تدبر القرآن وفي التطلع على السنة وفي النظر في الكتب والمصنفات وفي الجلوس مع أهل العلم حتى أقوي هذه المادة في قلبي؛ حقيقةً أنت لم تخسر شيئاً، وإياك تظن أنه ضاع وقت، أو كان بإمكاني أختصر.
هو الشيء الوحيد الذي لا يمكن أن تختصر فيه، يعني ممكن تختصر في قراءة كتاب، ممكن تختصر في مشاريع حياة، خلاص تختصر وتمشي الأمور. هذا المفهوم بالعكس، الإسهاب فيه هو يعود على القلب بالسعاده والاكتمال، الإسهاب فيه حقيقة. سؤال مهم: كيف نغرس التوحيد في أنفسنا وفي أبنائنا؟ أولاً، لابد أن نعود فنستقي التوحيد من مادته الأصيلة، من الوحي، جميل. هذه القضية الأولى، بدك فعلاً تعمق التوحيد وتجذره في قلبك.
نعم، الآن جزاهم الله خيراً علمائنا وأئمتنا، جزاهم الله خيراً الذين كتبوا في هذا المفهوم، وكلهم على الراس والعين ويستفاد منهم، ميدان ميدان أكيد، لكن هذا المفهوم بالتحديد عليك ابتداءً أن تبني مادته من الوحي؛ لأنه لن تجد أسلوباً وطريقةً ونمطاً أفضل وأعلى وأجمل من الوحي. يا اخي هذا من الله، يعني الله هو الذي يعطيك الدرس، هل تريد تتعلم درس التوحيد من الله أو من مخلوق مثلي ضعيف؟ من الله هو الذي خلق، هو الذي سبحانه يعلم كيف يحببك في هذا المفهوم وكيف وكيف يبنيه فيك، فخذ هذا المفهوم من الوحي.
طيب يا شيخ، هذا كلام جميل وتنظير، بس كيف احنا بدنا ناخذه من الله؟ وهنا بيجي مدى اهتمامك بتدبر القرآن. وأحنا في رمضان دائماً اجعل هناك سورة في رمضان تتدبرها، يعني لا يكون همك فقط أول المصحف وآخره وأنت تلف الصفحات، اجعل لك هدفاً أن تأخذ سورة تنمي معاني التوحيد في قلبك من خلالها. يعني ممكن، حتى لما تتدبر سورة البقرة كون من التدبر في رمضان أو آل عمران أو أي سورة مع أهل العلم، حاول أحياناً أن تجعل لك مشروعاً مثلاً خاصاً، أنا هذه السورة أُريد أن أتدبر فيها معنى التوحيد، أو أصنع ختمات، ختمات فقط هدفها تسليط الضوء على مقامات التوحيد في القرآن فقط، هذا هدفي من الختمة، وانظر حجم الفائدة الكبيرة التي ستبنى.
شوف، القرآن فيه سر ربما لا أستطيع أن أقول لك ما هو، لكنني مؤمن أن هناك سر في ألفاظه وفي معانيه، أن من يعيش معها الله يمنحه الحقيقة، جميل. يعني كلام البشر، أرجع بقول: كلام علمائنا على الراس والعين، لكن هذا كلام الله معجز، اسمه معجز، ﴿لَوْ أَنزَلْنَا هَٰذَا الْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا﴾ [الحشر: 21]. إذاً هذه الحروف والكلمات ليست وهجاً، نور وهدى، نور وهدى، جميل، نور وهدى، فلا بد أن تحدث في قلبك أثراً لا يحدث كلام أي شخص، حتى من علمائنا الكبار الذين تكلموا في هذا الباب. فهذه قضية الأولى والنصيحة الأولى لنفسي ولإخواني: اجعل مادة التوحيد من الوحي أولاً، من القرآن ومشاريع القرآن، وعش مع القرآن، وادخل مع القرآن، ولا تقف على القشور، لا تبقَ فقط تتلو ولها ثوابها العظيم جزاها الله خيراً، لكن هناك ما هو أهم، أفلا يتدبرون؟ إلى موضوع هنا التدبر، أهمية التدبر.
كذلك أحاديث النبي عليه الصلاة والسلام، صحيح البخاري ومسلم، وهنا تاتي فضيلة مجالس السماع وسنن أبي داود؛ أن ترى التوحيد حياً في المجتمع المدني وفي حياة الصحابة، ثم بعد ذلك أنظر في كلام الصحابة الكرام وفي كلام الأمثل فالأمثل من العلماء، مع حضورك أيضاً أنك أنت تأخذ المعاني من القرآن ثم ترى التطبيق العملي في حياة النبي صلى الله عليه وسلم.
أحسنت، هكذا كأنك تأخذ كلام من القرآن جميل وتبحر فيه، ثم ترى أنه هذا الكلام هل هو يعني أحسنت كيف؟ لأن البعض قد يظن أنه كلام القرآن أيضاً قد قد يسوس له الشيطان أنه كلام القرآن حالم، أو أن كلام القرآن لا يمكن تطبيقه. لا، استغفر الله، إذا جاءك هذا الخاطر، القرآن كل معاني التوحيد طبقت في حياة محمد صلى الله عليه وسلم وفي حياة الصحابة، وفي حق: «خيركم قرني ثم الذين يلونهم». هذا معنى رجوعنا للسلف لنتعلم التوحيد على موائدهم قبل أن يقع الاختلاف في هذه الأمة.
أيضاً أبا رقية، حقيقة من أنفع الأمور التي وجدتها تغرس التوحيد في النفس الأذكار، لو أننا قرأنا عامة الأذكار التي علمنا إياها النبي صلى الله عليه وسلم، سنجد أن مادتها الأساسية هي التوحيد. صحيح: «اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت»، شوف، «لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك علي، وأبوء بذنبي فاغفر لي»، هذا كله توحيد. «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير»، ولاحظ أن النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «من قالها عشر مرات كان كذا وكذا، من قالها مئة مرة»، البعض بيقول: يعني ما السر في هذه الأرقام؟ يعني لماذا نقول الدعاء عشر مرات متوالية؟ اليس هذا مضيعة وقت؟ خلاص، يا شيخ أنا قلت مرة واحدة واكتفينا.
لا، استشعر معنا الدروس، شوف أبا رقية، الدروس لا تتعلم إلا بالتكرار، هذا من مدرسه محمد صلى الله عليه وسلم أخذناه، الشيء الذي تكرره على قلبك مراراً يرسخ. بدك تقول لي: كيف أرسخ التوحيد أذكار الصباح والمساء؟ كيف هي في حياتك؟ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، كم مرة تقولها في اليوم؟ لا إله إلا الله بس كدعاء كم مرة تقوله؟ صدقني، كلما اعتدت هذه الأذكار وأصبحت هجّيرك صباحاً مساءً، في السيارة، في الحالة، في الشغل، في العمل: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ومع تدبر، يعني أنفع أنواع الذكر هو الذي يحضر فيه القلب مع اللسان. لا إله إلا الله، صدقني يا أبا رقية، أحياناً الإنسان -من تجربتي الشخصية- يكون مهموماً مغموماً وتكالبت الدنيا عليه، بتيجي «لا إله إلا الله» لما تطلع من قلب مهموم مغموم، هكذا تشعر بأريحية بالنفس سبحان الله.
من الأدعية الجميله في عند النوم، لما تقول: «اللهم أسلمت نفسي إليك، ووجهت ظهري إليك، ووجهت وجهي إليك، وأسلمت ظهري إليك»، توحيد، تشعر يعني بكامل الراحة، طمأنينة، هناك سند، هناك ركن شديد مكين، فأرجع بقول هذه أشياء ونحن على ضعفنا وتقصيرنا تشعر بها ومضات هكذا، التوحيد كيف يعطيك أريحية وطمانينة، وأن الدنيا تهون وكذا، فما بالك من يعيش التوحيد عملياً في كل لحظات حياته كما كان يعيشه محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه، يعلم عندئذٍ ما معنى: «وجعلت قرة عيني في الصلاة». فالأذكار باب واسع عظيم من أبواب الولوج إلى تحقيق مقامات التوحيد.
أيضاً حتى لا أطيل، هنا من الأمور التي تعين على غرس التوحيد هي عبادات الخلوات، جميل. عبادات الخلوات؛ احنا دائماً بنحب أن أو كثير منا -ما بقول كثير منا- قد يكون استعراضياً في عباداته أحياناً، لا يعرف أن يمارس العبادة إلا في ضوضاء، وللأسف السوشيال ميديا أفسدت كثيراً، أصبح الإنسان حتى وهو عند الكعبة يريد أن يتصور وهو يدعو، يا اخي هذا الدعاء بينك وبين الله، يلا صورني صورني وأنا بدعو وكذا. وضح التوحيد، التوحيد ضع في معانيه، لا التوحيد لا يكون أنك تصور نفسك والحج وكذا وأدعي لنا، بعدين يكرر أو يلا بدنا ندعو دعاء يعني ماشي، أحياناً بعض الأدعية الجماعية لطيفة جميلة تعليمه، لكن لابد أن يكون لك خلوات مع الله.
عبادات الخلوات هي أعظم ما يغرس التوحيد في النفس؛ لأنك تمارس العبادة وأنت لا ترى إلا الله، لا إله إلا فقط تمارس قيام الليل وحدك، أو تمارس أذكار ما أحد يراك، مجال ما فيش أصلاً من تتوجه. يعني شوف، هو الشيطان أحياناً قد يدخل عليك من باب أنه أنا احسن من غيري، إنا أنا بدعو أكيد غيري بتعيش، يعني سبحان الله، الشيطان يعرف مداخل النفس، لكن عموماً عموماً أنت عليك أن تثابر في الخلوات على أن يكون لك أوراد مع الله، لأن هذا ما يثبت القلب وهذا ما وجه إليه النبي الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم في سورة المزمل: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا * نِصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا﴾ [المزمل: 2-3]، ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾ [المزمل: 6]، فهذا مهم جداً أن تفهمه.
عبادات الخلوات قد تكون صدقات الخلوات، الدعاء في الخلوات، لاحظ أن من أكثر مقامات العبودية لتحقيق التوحيد اللي ركز عليها القرآن الدعاء، وإذا سالك خص في رمضان بعد آيات رمضان مباشرة: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي﴾ [البقرة: 186]، ثم قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾، ما مطلع الآية ذكرني فيها؟ وقال ربكم: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: 60]، ثم ذكر قصص الداعين، قصة مثل زكريا: ﴿كهيعص * ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا * إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا﴾ [مريم: 1-3] في خلوة، تمام! فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب في خلواته. فلاحظ، هبات التوحيد إنما تساق في مقامات الخلوات، وركز هنا، وهذا على عبودية الدعاء، عبودية الدعاء، وهذه أيضاً طريقة من طرائق إرساء التوحيد أو ترسيخ التوحيد في القلب. الدعاء بالتحديد كعبادة؛ لأن الدعاء هو قمة ذل الإنسان، فالذي يعتاد دعاء مع الله سبحانه وتعالى، نعم شعورك بافتقار واحتياج الله سبحانه وتعالى يعني يقدر فيك هذه العباده، ويرى فيك ذلك الذل، فيرفعك ويكرمك.
ولذلك أعوُد فأقول كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية: إن الله عز وجل يقود عباده إلى التوحيد من خلال دعاء الحاجة؛ يعني يوقعك في حاجة فتفزع إلى الدعاء، فيجعل تحتاج للدعاء حتى تحقق مقاماً من مقامات التوحيد، فتتذكر أوه طب أنا لماذا فقط أدو عند الحاجة؟ طب لماذا ما كنت أدو دعاء المفتقر المبتهل من ذنوبي وخطاياي، ودعاء السائل في مقامات أخرى؟
فهذا أيضاً مما يعين حقيقة على غرس هذه القيمة، لكن الموضوع يحتاج إلى المداومة، يعني بعض الناس يظن خلص اليوم يا شيخ رح نعمل الكلام اللي قلته بكرة إن شاء الله! لا، ما أنت هي مش يعني هو مش عبارة عن يوم يومين ثلاث، إذا ما صبت الأدعية خلص يا شيخ أنا لا، معناته الأدعية التي قلتها هذه لا تنفع لغرس قيام التوحيد.
أنا لم آت بأدعية من نفسي، أنا آتي بما قاله الأئمة والعلماء في غرس هذه القيم، لكن القضية تراكمية كما تفضلت وبنائية، وبشرط أن لا تخرم الدرس، وأحياناً أنت ممكن تبني في جهة بس عم تهدم من جهة أخرى، هذا السؤال الآن بدنا يجي إنه إحنا ذكرنا الأسباب التي تزرع هذه المشاعر، مشاعر التوحيد، طب ما الأسباب التي تجعل هذه المشاعر تغيب وتفقدها في حياتك؟
كلام جميل، كما قلت الآن، أشيَاء تخرم هذه المشاعر، لا تأتي بشيء يخرق، ما هي الأمور التي تخرم هذه المشاعر وهذا التوحيد العملي؟ حقيقة سؤال لطيف ومهم، وفي اعتقادي أن كثرة مباشرتنا للأسباب المادية والتعامل معها، مع الابتعاد عن الأسباب الشرعية، هي التي تضعف وتخرم مقامات التوحيد.
يعني لما تكون أنت من صباحك إلى ليلك لا يوجد عندك عبادات، خلوات، منهمك في العمل وفي الدين، لا يوجد عندك قرآن، لا يوجد عندك تدبر للقرآن، لا يوجد عندك شيء حقيقي في مقامات التوحيد مع الله، دعاء، وأنت في نفس الوقت غارق في الحياة المادية، تلهث من الساعة السابعة صباحاً إلى السادسة ليلا، ثم بعد السادسة ليلاً السوشيال ميديا إلى العاشرة فتنام بدون ذكر، طب كيف سيأتي التوحيد؟
بالتأكيد كما أعوُد فأقول كما قال ابن القيم: التوحيد شجرة إن تعاهدتها بالسقي والعناية نمت، ولكن إن تركتها وأهملتها ستذبل وتنهار، فمباشرتنا للحياة المادية، الإغراق في الطعام والشراب، الإغراق في مشاهدة التلفزيون والسوشيال ميديا، الإغراق في الجلسات الحياتية، إحنا حقيقة حياتنا المعاصرة مليئة بالضجيج، مليئة بالضوضاء، مليئة بالانزعاج، فتجعل الإنسان ضعيف هش أمام مقامات التوحيد.
لذلك دائماً يقولون: «عرض نفسك لنفحات الله». مش هي «عرض نفسك لنفحات الله»؟ يجب على من يبحث عن التوحيد أن يتعرض لأسباب؛ إلى القرآن، إلى السنة، إلى الأذكار، ويديمها ويديمها، فإذا غاب عنها أحسنت، فقد هذه المشاعر. غاب هو ليس فقط سيغيب عن المكان، المشكلة أنه الإنسان هو لا يغيب، لا بد سيملأ المكان بشيء آخر.
يعني دائماً مقامات الإحسان: «أن تعبد الله كأنك تراه». إذا غبت عن مشاهدة الله سياتي هناك الحياة المادية تملا هذا الوعاء، لأنه كما جاء في الحديث أن الإنسان خلق أجوف، وأن إبليس لما مر على آدم، إبليس لما مر على آدم وجده أجوف فقال: لامر ما خلق هذا. إبليس رصد نقطة الضعف في الإنسان، نقطة الضعف أنه أنت عبارة عن وعاء أجوف يحتاج أن يملأ، يملأ بأي شيء؟ إذا يجب أن يملأ بالشكل الصحيح، فإذا الشيطان هي هذه الفكرة، الشيطان سيزاحم على ملء هذا الجوف.
نعم، تمام، جاء الحديث المشهور أنه لما خلق آدم قبل أن ينفخ فيه الروح مر إبليس على جسد آدم وهو صلصال كالفخار، فرآه أجوف، فعرف نقطة ضعف هذا الإنسان أنه أجوف، ولذلك من معاني الله الصمد ليس له جوف؛ لأنه استغناء، فالإنسان لأنه أجوف هذا الجوف سيحتاج إلى ماذا؟ أن يمتلئ، فالشيطان من البداية رصد هذه النقطة، فهو يزاحم على الملء، ويزاحم أنه أنا اللي بدي أملأ هذا ولن أجعل الوحي يملاه.
فأنت يا أيها الإنسان لا تظن أنك إذا تغافلت عن أسباب زيادة التوحيد أن القلب سيبقى كما هو، لا، سيطمع الشيطان في ملئه بالمواد المفسدة للتوحيد، بالمواد المفسدة للتوحيد.
وللاحظ ذاك الرجل الذي ضرب الله عز وجل لنا مثله: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [الحشر: 16]. ورد في القصص والآثار أن هذا عابد من عباد بني إسرائيل كان في قمة العلاقة مع الله والتوحيد، لكن في لحظات الغفلات استطاع الشيطان أن يزخرف له بعض الشهوات فزنى بامرأة ثم قتلها، فلما بعد أن قتلها عرف أولياؤه أنها قتلت فأتوا إلى الشيخ فصلبوه. لسه الشيخ ما كفر! في اللحظات الأخيرة الشيطان قال للشيخ: اكفر وأنا أنقذك. فكفر، لاحظ أن الإنسان هذا كان في قمة التوحيد في صومعة ويمارس عبودية مع الله، لما سمح للشيطان أن يدخل إلى قلبه افرغ الوعاء فملا الشيطان. لم يتدارك نفسه الرجل، يعني لو تدارك نفسه لغفر الله له، لكن لم يتدارك نفسه، أعطى الشيطان الملم مع الشيطان حتى افسد عليه توحيده لا اله إلا الله.
طب أبو عبد الرحمن الآن إحنا ذكرنا أسباب تزرع، وفي المقابل ترك هذه التعرض لهذه النفحات نعم هذه سبب في غياب هذا، إذاً معنى هذا أن التوحيد يزيد وينقص؟ بالتأكيد، يعني مش على حاله واحدة، إما أن أكون موحد أو غير موحد؟ لا، ممكن يكون في درجات، لا، هو أصلاً عقيدة أهل السنة والجماعة عموماً أن الإيمان يزيد وينقص، والتوحيد هو أس الإيمان، فالتوحيد بالتأكيد هو يزيد، أعود فأقول: إذا تعرضت لأسبابه، وإذا أحكمت التعامل مع أسباب، يعني من كان للقران أشد تدبراً سيزيد توحيده، من كان للذكر أكثر حضوراً سيزيد توحيده، ومن ضعف تدبره للقرآن سيقل توحيده، من ضعف ذكره سيضعف توحيده إلى أن ينزل ينزل ينزل إلى أن يصل إلى القاع.
فالتوحيد بالتأكيد لأنه هو يقوم على فكرة الأسباب، التوحيد هو شيء يوم جعله الله يقوم على فكرة الأسباب، إذا تعاطيت أسبابه سيزيد، وإذا قصرت في أسبابه سينقص، وإذا عدمت أسبابه سيذوب، يعني هي هكذا الفكرة، فشيء طبيعي وكلنا ذاك الرجل ترى أبا رقية، كلنا ذاك الرجل اللي فعلاً يعني في رمضان بتشعر معاني التوحيد تزيد القلوب، تدبر القرآن والاذكار والتراويح وقيام الليل.
نحن في تصاعد، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لكل عمل شرة، ولكل شرة فترة»، يعني شيء طبيعي أنك بعد رمضان ربما بعض معاني التوحيد الكبيرة ما عدت تستشعرها بنفس الطعم في رمضان، وهذا ليس سيئاً إذا كانت فترتك إلى سنة، قال صلى الله عليه وسلم: «من كانت فترته إلى سنة فعدوه، ومن كانت إلى غير ذلك فقد هلك».
فبالتأكيد مشاعر التوحيد لما يتعرض لها باسبابها تزيد، تأتي تصل من حياة عالية في الصعود ثم أحياناً مع شغل الحياة ومع ضمائرنا أحياناً، لا نريد أن نكون مثاليين لدرجة أن الإنسان بمجرد أن يشعر بشيء من الضعف يقول: أنا فاشل، أنا لا، واضح أنني انتكست، لا! ما هو بدك تفهم أن الحياة صعود ونزول، وأن شيئاً طبيعياً أحياناً مع الانهماك في الحياة أنه يضعف تذكرك لبعض معاني التوحيد فيقل، لكن الشيء غير الطبيعي أن لا تتدارك هذا النزول، هذا الغير مقبول.
أن تتدارك هذا النزول، رح تنزل، عليك أن تتعرض لنفحات الله، عندك عشرة ذي الحجة، عندك عرفة، عندك مواسم الخيرات، عندك البرامج العلمية، حاول دائماً أن تتعرض لها؛ لأن هذا سيجعل أنها تزيد، ثم تبقى في يعني يعني مجاهده على هذه المقامات إلى أن تلقى الله سبحانه وتعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ [إبراهيم: 27]، ما هو القول الثابت؟ قالوا: شهادة التوحيد. ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: 27]، كيف يثبتك الله على ذلك؟ إذا جاهدت، وإذا راعيت تلك الشجره واعتنيت بها بالسقي.
جميل جميل، يعني أبو عبد الرحمن الآن نفهم الخلاصه من هذا كله أن التوحيد يعني هو الحيز العملي هو الأهم فيما يتعلق في هذه القضية، وليس مجرد فقط التنظيم وما يكون أحياناً بين النقاشات العقدية، إنما الناحية العلمية هي الأهمية، عفواً أي نعم الناحية العملية هي الأهم، استشعار هذه مشاعر التوحيد وإنزالها على الواقع هذا هو المهم.
يعني ممكن نجد أحياناً بعض يعني هيك خطر في بالي، ممكن إنسان يكون متشدد نوعاً ما، شديد، والذي يخالف يكفر أو كذا، يعني هل هذا معناه أن هذا التوحيد عنده أعلى؟ قلنا التوحيد يزيد وينقص، يعني هذا توحيده أعلى ولا مو شرط؟
هذا سؤال حساس، يعني وقد يحتاجه الشباب اليوم مع موجه السوشيال ميديا، أن بعض الشباب يظن أن الشخص الذي تجد عنده غلو، سمحه سميه غلو حتى يكون باسمه، عنده غلو وتنتف في مع هذه المقامات أو تسرع، خليني أقول تسرع في إسقاط أحكام الكفر والإيمان، قد يظن عامة الناس أن أكيد هذا التوحيد عنده أعلى وعنده غيرة على التوحيد أعلى، لذلك هو يعني يشدد في هذه المقامات ويستعجل في إطلاق الأحكام.
وهذا مفهوم غير صحيح، فإن الخوارج الذين ذمهم النبي صلى الله عليه وسلم كانوا هم أشد الناس غلواً، ومع ذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «يمرقون من الدين كما يمرق السهم»، قال: «تحقرون صلاتكم مع صلاتهم، وتحقرون صيامكم مع صيامهم، يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم»، ما في فهم وتدبر.
هي الفكرة التي يجب أن تفهمها، أن الموحد حقاً هو الذي يعطي كل مقام من أو كل اسم من أسماء الله حقه من التدبر، هناك أسماء عديدة لله وصفات عديدة لله وأفعال عديدة لله، من فهم هذه الأسماء فأعطى اسم الرحيم حقه من التدبر كما يعطي صفات الغضب والشدة إذا أعطاها كلها حقها من التدبر والفهم والإسقاط سيتوازن.
فقمة الموحد أو الموحد في أعلى قممه هو الرحيم بالناس، وهو الذي لا تش عنده التنطع والدفاع والتسرع، فتجد في قمة توازناته النفسية، وهنا يعني يعجبني دائماً استحضار نموذج أبي العباس بن تيمية الحفيد رحمه الله عليه وهو في قمة مجادلاته العقدية لمن شوهوا التوحيد، في قمة رحمته بالمخالفين وإعذاره وفتح المساحة معهم والرافة بهم، هذا يعطيك أن تحقيق مقام التوحيد لا يعني الغلو، تحقيق مقام التوحيد لا يعني أن تستعجل.
يعني أنت لن تكمل في مقام التوحيد لمجرد أنك حكمت على الآخر أنه فلان بعجله فلان كافر، فلان مبتدع، لا لا لا تظن أن التعجل والتسرع في إطلاق هذه الأحكام هو يعني أنك حامي حمى التوحيد وأنك محقق لذروته، وأن من لم يستعجل مثلك في إطلاق هذه الأحكام هو إنسان موحد لكنه قاصر أو لا يمتلك من الغيرة على التوحيد ما عندك، هذه من المفاهيم التي شوّهت، لأقول لك للاسف السوشيال ميديا شوّهت التوحيد؛ لأنه ما عاد الناس يفهمون هذه الأمور؛ لأنهم يرون الصراعات التي تدور.
صدقني الموحد حقاً من أعطى كل اسم من أسماء الله، وكل صفة من صفات الله، وكل فعل من الأفعال، وأعطى القرآن وهو كلام الله حقه من التدبر، عندئذ سينزل الأحكام بالموازين الصحيحة، بدون إفراط ولا تفريط، بدون تشديد ولا تمييع، هذا هو الموحد حقاً.
لكن لما يغيب القرآن، لما يغيب أو يضعف التدبر، أو يستعجل على أهل العلم، أو يتسلق عليهم، أو الإنسان يكون هدف التصدر أو الحديث، نرجع نقول الحديث فيما تهواه النفوس أو يرغبه العامة، سيكون هناك تشويه لهذا المفهوم، سيكون تشويه لهذا المفهوم، ومشكلة أن العامة -وهذه مشكلة أبا رقية- أن العامة قد لا يحسنون رؤية المشهد كما هو، لا، لأنه غلو الأشخاص لا يعني اكتمال في هذه المقامات، بل يعني كما كان في الخوارج نقص حاد من جهات أخرى، في تشوه في مفهوم التوحيد في نفسه، في تشوه في نفسه، وإن كان هو لا يظهر بهذا المظهر، والسوشيال ميديا تصنع كل شيء.
الله يكرمك أبو عبد الرحمن، أجدت وأفدت بكافة، كل كلمة إن شاء الله تكون في ميزان حسناتك وميزان حسناتنا جميعاً. جزاك الله خيراً على هذه الأمسية الطيبة، ونسأل الله عز وجل أن يجعلنا ممن نعمل بما نقول، يعني هذا أهم شيء، يعني هذا الكلام أيضاً هو من حيز التنظير، علينا أن نعمل؛ لأننا يعني سيكون هذا الكلام حجة علينا إذا لم نستطع أن ننزل على أرض الواقع. نسأل الله تعالى الاعانة، نسأل الله تعالى الاعانة والقبول.
إخواننا أخواتنا يعني إلى هنا نكون قد وصلنا إلى نهاية هذا اللقاء يعني النافع، نسأل الله تعالى أن يجزي الشيخ خير الجزاء، ونستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه، إن شاء الله نلقاكم في الأسبوع القادم بإذن الله تعالى في لقاء جديد، تقبل الله منا ومنكم الطاعات، وكل عام وأنتم بخير، وصلى الله على نبينا محمد والحمد لله رب العالمين.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل