دخولتسجيل الدخول

سورة النبأ | تأملات في آيات جزء عم

أحمد بن خالد الهاجريالشيخ أحمد بن خالد الهاجري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله والصلاة والسلام على خير خلق الله، على نبينا وقائدنا محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه ومن تبعه، أما بعد:

فأحييكم إخواني وأبياكم، وسدد الله على طريق الخير جميعاً. نبدأ إن شاء الله تعالى الليلة في تفسير هذه السورة، سورة النبأ، والبدء بهذا الجزء وهو آخر أجزاء القرآن الكريم، الجزء ثلاثون، وسمي هذا الجزء بجزء "عم" لأن أول سورة في هذا الجزء بدأت بـ «عم». سور هذا الجزء أغلبها مكية، إلا سورتين أو أكثر بقليل اختلف العلماء فيها.

أما عامة سور هذا الجزء فهي من السور التي نزلت على النبي ﷺ في مكة. والذي يريد أن ينتفع الانتفاع التام والكامل من هذا الجزء، فلا بد أن يعيش مع النبي ﷺ والصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم في مكة؛ لذلك أنا أنصحكم أن تقرؤوا مرحلة الدعوة المكية في هذه الأيام، وأن تعيشوا معها، وتنظروا كيف كان يعاني النبي ﷺ وأصحابه من هؤلاء الكفار، وما هي القضايا المركزية التي كان الصراع الكبير يدور حولها بين النبي ﷺ وبين الكفار في مكة.

هنا الله سبحانه وتعالى يقول في كتابه العظيم، بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ * الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ * كَلَّا سَيَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ﴾ [النبأ: 1-5]. افتتح الله هذه السورة بهذه الآيات العظيمات المخيفات. الله يقول: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾، عن ماذا يتساءل هؤلاء؟ هل يتساءلون عن النبأ العظيم الذي هم فيه مختلفون؟ أين الإجابة؟ لا توجد إجابة، إنما الإجابة: ﴿كَلَّا سَيَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ﴾.

هنا ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾ هذا استفهام تعجبي تفخيمي تعظيمي، فالله سبحانه وتعالى يعظم هذا التساؤل: عن ماذا يتساءل هؤلاء؟ عن ماذا يقول هؤلاء؟ عن ماذا يختلف هؤلاء؟ هل يتساءلون عن النبأ العظيم؟ النبأ هو الخبر العظيم. فالفرق بين الخبر وبين النبأ أن الخبر لما يكون عظيماً يسمى نبأً؛ فلما يقال بأنه حدث مثلاً زلزال تقول هذا عنه نبأ، لكن لما تقول مثلاً بأن فلاناً خسر مبلغاً يسيراً من المال، هذا خبر ليس نبأً. فالنبأ هو الخبر العظيم، والله يقول في سورة ص: ﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ * أَنتُم عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾ [ص: 67-68].

فالنبأ العظيم هو القرآن الكريم، والنبأ العظيم نبوة النبي ﷺ، والنبأ العظيم يوم القيامة، يوم البعث، يوم النشور. هذه القضايا الثلاث هي المركزية التي كان يدور حولها الصراع في مكة. فالكفار كانوا يستنكرون أن يعبد إله واحد فقط، وهم عندهم ثلاثمئة وستون صنماً حول البيت المعظم، حول الكعبة المكرمة المشرفة. يقولون: اجعل الآلهة إلهاً واحداً، إن هذا لشيء عجاب!

يتعجبون من يوم القيامة، ويتعجبون من كون النبي بشراً؛ ما هذا إلا بشراً! فكانوا يستنكرون أن يكون بشراً نبياً مبعوثاً من قبل الله سبحانه وتعالى، ويتعجبون أنه هناك يوم القيامة، ذلك رجع بعيد. قالوا: يا محمد، أتزعم أن الله سبحانه وتعالى يحيي هذه العظام؟ يأخذ العاص بن وائل، ويفتتها بين يدي النبي ﷺ يقول: أتزعم يا محمد بأن هذه العظام البالية المفتتة سيحييها الله سبحانه وتعالى؟ لما نكون من مثل هذه العظام ونموت ونتحلل، نعود بعد ذلك؟ قال: نعم، يجمعك ويحييك ثم يدخلك النار. وضرب لنا مثلاً ونسي خلقه، قال: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس: 79].

هنا الله يقول: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾ عن النبأ العظيم، عن يوم القيامة، عن هذا القرآن الكريم الذي جاء بنبوة النبي ﷺ، وكذلك بالحديث عن هذا اليوم العظيم الذي هم فيه مختلفون. ومن المختلف؟ قيل الاختلاف كان بين المؤمنين والكفار؛ فهل المؤمنون كانوا يصدقون بالبعث ويؤمنون به ويؤمنون بهذا القرآن ويوحدون الله سبحانه وتعالى بخلاف الكفار؟ وقيل هنا الخلاف فقط بين الكفار؛ فقسم منهم كان يقول بأن القرآن فعل، وقسم كان يقول بأن القرآن كهانة، وقسم كان يقول بأن القرآن سحر، وهكذا تم الطعن بالنبي ﷺ، اختلفوا وتنازعوا في القرآن الكريم.

وكذلك اختلفوا في يوم القيامة، ويكون وجه الاختلاف هنا بيوم القيامة؛ أن منهم من كان ينكر يوم القيامة، ومنهم من كان يشك بيوم القيامة، هل ممكن يوجد يوم القيامة؟ هل سيأتي يوم القيامة؟ في ريب. وقسم يقول: ﴿أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا نَّخِرَةً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾، هكذا يتعجب أن يوجد يوم القيامة ويستبعد وجود يوم القيامة، والقسم الثاني هو الذي كان يشك ويرتاب.

الإجابة: ﴿كَلَّا سَيَعْلَمُونَ﴾، ردع وزجر لكل ما يقولونه، لكل ما يقوله هؤلاء الأثاثة؛ لأن هذه الحجج أو هذه الأقوال التي كانوا يقولونها لا تقوم على حجة ولا على بينة ولا على برهان. ما الذي تستنكرونه من النبي ﷺ؟ أنتم تؤمنون بنبوة إبراهيم عليه السلام، وأنتم من نسل إبراهيم عليه السلام، فقرش ترجع إلى إبراهيم عليه السلام، وأنتم تعلمون بأن إبراهيم نبي مبعوث من قبل الله سبحانه وتعالى، وتؤمنون بأن لهذا البيت إلهاً وتشركون معه آلهة أخرى، لكن تعرفون النبوة، فلماذا تستنكرون أن يكون هذا النبي مبعوثاً من الله سبحانه وتعالى؟

والله أنزل هذا الكتاب العظيم ليدلل على صدق النبي ﷺ. القرآن الكريم أعظم الآيات على الإطلاق، آية النبي ﷺ اختار الله أن تكون هذه الآية خاصة للنبي ﷺ، كتاب مهيمن، كتاب عظيم، أنتم تعجزون أن تأتوا بمثله ولا تستطيعون، وتحداكم القرآن الكريم بأن تأتوا بمثله، وبعشر سور، وبسورة من مثله، ومع ذلك لن تستطيعوا. إذا لماذا تستنكرون؟ لماذا تتعجبون؟ لماذا كل هذا الطعن والخلاف والاختلاف؟

وكذلك أنتم تزعمون بأن هناك أكثر من إله، يعني تؤمنون بالله وبغيره، تشركون مع الله سبحانه وتعالى غيره. من الذي تدعونه لما تقع عليكم الشدائد؟ أليس إلهاً واحداً فقط؟ لما تركبون في الفلك وتخافون من الغرق وتتلاعب بكم الأمواج، من تدعون؟ هل تدعون العزى أم الله سبحانه وتعالى وحده؟ ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾، ولما ينجيهم الله سبحانه وتعالى يشركون به غيره. إذا أي موطن الاستنكار؟ أي موطن التعجب؟

لذلك كان الرد فيه رد وزجر وتخويف، وليس كل كلام يقال إذا ما كان قائماً على حجة وعلى بينة يكون الرد علمياً، بل لا بد أن يكون الرد بهذه الطريقة؛ لأن المشكلة كلها كانت نفسية، ليست المشكلة علمية ولا عقلية. إن المشكلة عند هؤلاء أنهم لا يريدون اتباع النبي ﷺ، فقط لماذا؟ من بني هاشم؟ لماذا ليس من... نحن كنا نتنافس مع بني هاشم كما كان يقول أبو جهل: «والله ما كذب محمد قط»، طيب لماذا ما تتبع النبي ﷺ؟ يقول: كنا وبني هاشم كفارسيرها.

«أطعموا وأطعمنا، سقوا وسقينا، حتى إذا كنا كفرصيرهان قالوا فينا نبي». إذاً الذي حملهم على عدم الإيمان بالنبي ﷺ هو الكبر والحسد: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ﴾. التقليد المذموم؛ هذه هي الحجة النفسية. الحجة النفسية لا تخاطب بالعلم فقط، إنما تخاطب بالردع والزجر والتخويف حتى ترتدع هذه النفس، حتى يخاف الإنسان. ليست شبهة حقيقية، هكذا كان نظام القرآن الكريم ومنهج القرآن في مواجهة الإنسان؛ فيقيم الحجة العقلية، وكذلك معها يكون الخطاب مواجهًا للنفس ومصادمًا لها مباشرة حتى ما يدع الإنسان أي حجة، لا عقلية ولا نفسية.

﴿كَلَّا سَيَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ﴾؛ ردع وزجر. ﴿سَيَعْلَمُونَ﴾ في الدنيا، وسيعلمون كذلك في البرزخ، سيعلمون في البرزخ وكذلك يوم القيامة؛ ﴿سَيَعْلَمُونَ﴾ عاقبة هذا التكذيب. لما تدخلون القبور وترون منكر ونكير ويسألكم: من ربك؟ ما دينك؟ من نبيك؟ الإجابة: لا أدري، لا أدري، لا أدري؛ فيضرب الكافر بمِرزبته. «لا يسمعها كل من في الأرض إلا الثقلان، ولو سمعها الثقلان إلا صعقوا».

ثم قال الله مدللاً على عظمة الخالق سبحانه وتعالى، وعلى كون هذا الكلام نزل من الله سبحانه وتعالى، وعلى كذلك يوم القيامة: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا﴾. الآن الله سبحانه وتعالى يخاطب البشر عما يرونه، ويريد الله سبحانه من الإنسان أن يتفكر وأن يتأمل وأن ينظر: من الذي خلق الأرض بهذه الصورة وهذه الطريقة؟ ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا﴾ هكذا مسهلة ميسرة للسير والمشي عليها والعيش فيها، ﴿وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا﴾؛ الجبال هكذا مثبتة للأرض، كيف أن الأماكن التي لا توجد بها جبال لما تقع بها زلازل كيف تسقط، وكيف أن الجبال هذه تثبت الأرض وتحمي الأرض. قال: ﴿وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا﴾؛ هذه الجبال التي أمامكم من الذي خلقها بهذه الطريقة؟ من الذي وضعها بهذه الصورة؟

وهذا الباب باب التدبر يعظم الإيمان، لذلك الآن الإنسان إذا فتح له في هذا الباب، في التأمل في الكون، في السماء، في الأرض، في الليل، في النهار إلى آخره، يعظم الإيمان في قلبه. وتدبر ساعة خير من قيام ليلة، كما يقول أبو موسى الأشعري رضي الله عنه وأرضاه. وأكثر الله سبحانه وتعالى من ذكر الآيات المباشرة في القرآن الكريم؛ هذه آيات مباشرة الإنسان يتعجب لما يرى هكذا طائرة تطير، هذه الأرض كلها تطير، كلها تتحرك؛ لماذا لا يتعجب الإنسان؟ يتعجب لما يرى هكذا مجمعًا كبيرًا أو سوقًا كبيرًا لا أعمدة له، طيب هذه السماء العظيمة من غير أعمدة، بغير عمد ترونها، لماذا لا يتعجب من شيء يسير وبسيط ولا يتعجب من هذه الأمور العظيمة الهائلة؟

السبب الوحيد هو الألفة، أن الشخص اعتاد فقط، ولكنه لما يتأمل ويتدبر... والشيطان حريص أن الإنسان ما يتأمل ولا يتدبر في الكون، لذلك جاء عن السدي رحمه الله تعالى بأنه قال: الشياطين تحوم حول السماوات تمنع بني آدم من التفكر في ملكوت الله. ما يتفكر، لكن لو تفكر وتأمل ونظر سيعظم الإيمان في قلبه، سيعلم بأن لهذا الكون خالقًا، لهذا الكون ربًا، لهذا الكون مدبرًا سبحانه وتعالى. هنا الله يذكر هذا الإنسان تذكيرًا مباشرًا موافقًا للعقل البسيط وكذلك النفس: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا * وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا * وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا﴾. انظر الفارق في خصائص الذكر وكذلك الفارق في صفات الأنثى، تأمل في هذه الفوارق؛ كيف أن الذكر له طبيعة معينة، خلقة معينة، والأحكام جاءت موافقة لهذا الذكر، وكذلك الأنثى لها طبيعة معينة، صفات معينة، خلقة معينة، والأحكام موافقة لهذه الأنثى. قال: ﴿وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا﴾، وقيل كذلك أزواجًا أي من كل شيء نوعين، ليس فقط في الذكر والأنثى، بل أعم من ذلك؛ هناك جمال وهناك قبح، هناك علو وهناك سفول، هناك قوة وهناك ضعف وهكذا.

﴿وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا﴾. الإنسان يعمل ويكدح في النهار، ولكن بعد ذلك يضطر إلى النوم ولا يستطيع أن يقاوم النوم، فلما يقع عليه النوم وينام خمس ساعات، ست ساعات، ثمان ساعات، بعد ذلك يستيقظ كأنه لم يتعب قبل ذلك. طيب هذا النوم كيف يكون؟ كيف يهجم النوم على الإنسان؟ وهل النوم متعلق فقط بالروح أو فقط بالبدن أو بالبدن والروح؟ بمعنى لو أن إنسانًا عمل شاقًا يحتاج من النوم أكثر من غيره، طيب إذا ما عمل أبدًا، فقط جالس، هل ينام أو ما ينام؟ كذلك يهجم عليه النوم؛ إذاً النوم متعلق بالروح وكذلك متعلق بالبدن. هذا النوم كيف يأتي؟ وكيف الإنسان لما ينام ينفصل عن هذا العالم؟

تأمل في هذا الحادث الذي يقع معك كل يوم، الله سبحانه وتعالى يتابع الإنسان هذه الحوادث حتى يذكر بأنه مخلوق، وأن هناك خالقًا. الإنسان ينسى، الإنسان يمرض، الإنسان يتعب؛ هذه كلها لماذا تقع؟ حتى تعرف بأن هناك خلقًا، وحتى تعرف بأنك إنسان ضعيف مخلوق من أجل غاية واحدة؛ فلا تنسى بأنك إنسان. إذا نسيت بأنك إنسان مخلوق ضعيف هنا ستطغى. سنتناول إن شاء الله تعالى الحديث عن هذا المعنى.

القصد أن هنا الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا﴾. النوم آية من آيات الله العظيمة في الكون، الإنسان ينام وهذا النوم يذكر بيوم القيامة؛ كيف نام وانفصل عن العالم ثم بعد ذلك عاد؟ كيف التقت الروح معه؟ هل لما ينام تخرج الروح منه ثم كيف ترجع إليه؟ وكيف يكون هناك اتصال؟ أمور يعجز الإنسان عنها، إذاً هذا الذي لا تستطيع أن تفسره يدعوك بأن هناك خالقًا عظيمًا لهذه النفس ولهذا الإنسان ولهذا الوجود. وكذلك أن هذا النوم عبارة عن الموت الصغرى، كما أنك عدت بعد النوم إلى الحياة، أي قمت وعادت إليك الحواس، كذلك الإنسان لما يموت ما الذي يمنع أن يرجع وأن يعود؟ قال: ﴿وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا * وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا﴾.

تأمل في الليل والنهار، أيتان عظيمتان؛ ﴿اللَّيْلَ لِبَاسًا﴾ هكذا يغشاكم ويلبس على الناس كما يلبسون الثياب فيغطيكم، ففي الليل ينام الناس ويرتاح الناس، وليس في الليل موطن للعمل أو للتحرك، بخلاف النهار. قال الله: ﴿وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا﴾؛ في النهار يعتاش الناس ويتحرك الناس، أما في الليل فالناس هكذا يسكنون، ويلبسهم هذا الليل ويغشاهم الليل، فكأن الكرة الأرضية تكون في النهار مكشوفة، فلما يأتي الليل هذا الليل يغطي هذه الكرة الأرضية فلا يرى الإنسان الأشياء كما كان يراها في النهار. كيف يأتي الليل والنهار؟ هاتان الآيتان كيف تكونان؟ كيف يطول الليل أحيانًا ويقصر أحيانًا، يطول النهار أحيانًا ويقصر أحيانًا، وتعاقب الليل والنهار، كيف يعمل بالإنسان حتى يكبر هذا الإنسان ويتغير هذا الإنسان، وكيف يكون أحيانًا النهار حارًا وأحيانًا يكون باردًا، وكذلك الليل أحيانًا يكون فيه حرارة وأحيانًا يكون فيه برودة. كل هذه آيات عظيمة يذكر الله فيها الإنسان، وبين هؤلاء الذين ينكرون.

إن الذي خلق هذه الآيات والذي وضع هذه الآيات قادر على أن يعيد الإنسان. قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا * وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا * وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا﴾ [النبأ: 10-12]. انظروا إلى هذه السماوات العظيمات، "سبعًا شدادًا" أي قوية سميكة عظيمة مشدودة.

وكان النبي ﷺ كثير النظر إلى السماء، فالتفكر في السماوات والنظر فيها مما يثمر التعظيم لله سبحانه وتعالى والإجلال له؛ فهذه سماء وفوقها سماء، وسبع سماوات، ثم فوق هذه السماوات السبع العرش والبحر، ثم فوق ذلك الله سبحانه وتعالى مستوٍ على العرش استواء يليق بجلاله سبحانه وتعالى.

فخلق الله سبع سماوات، صم، كل سماء خمسمائة عام، وبين كل سماء والتي تليها كذلك خمسمائة عام. قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا﴾ [النبأ: 13]. السراج الوهاج هو الشمس، و"وهاجًا" أي وقاد، هذه الشمس تنير الأرض وتكون إنارتها عظيمة، أي ضوء يملك قوة الشمس في الإنارة.

الناس اليوم يتعجبون لما يرون إلى بعض الأضواء لما تكون قوية وعظيمة وتنير مسافة شاسعة، وهذه الشمس تنير الأرض كلها. كيف هذا الشيء؟ كيف هذا الأمر يكون؟ هذا بالله سبحانه وتعالى، هو الذي خلق الشمس بهذه الصورة وهذه الطريقة.

قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا﴾. نعم، الشمس لا تنتهي، الشمس عظيمة، ولما تغيب الشمس أو إذا أراد الإنسان أن يعرف بعض نعيم الشمس ينظر إلى من يعيش في القطب الشمالي والجنوبي، لما تغيب عنهم الشمس مدة طويلة كيف تكون حياتهم؟ كيف لو كانت الكرة الأرضية كلها بهذه الطريقة؟ هنا الله سبحانه وتعالى يمن على البشر، وكذلك الله سبحانه وتعالى يذكر البشر، يمن عليهم ويذكرهم بهذه الآيات العظيمات.

هذه لا يمكن أن تكون مخلوقة صدفة أو خلقها الإنسان، إنما هذه مخلوقة من خالق واحد، والخالق لهذه الأمور هو الذي يستحق أن يعبد ولا تصرف العبادة لغيره سبحانه وتعالى. هذا تقرير لتوحيد الربوبية، فلما يستقر توحيد الربوبية في قلب الإنسان يدعوه توحيد الربوبية إلى توحيد الألوهية؛ إفراد الله سبحانه وتعالى وحده بالعبادة.

هنا الله يقول: ﴿وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا﴾، ثم يقول: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا﴾ [النبأ: 14]. أنزلنا؛ فيها تفخيم وتعظيم. والعرب لما تقول: "أنا آمر لك كذا" أو "سنفعل كذا"، فإن "نأمر" و"سنفعل" فيها تفخيم وتعظيم، والله سبحانه وتعالى حق بالتعظيم من البشر.

قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ﴾ أي من السحاب، وسميت السحاب "معصرًا" لأنها تعصر ما فيها فيخرج الماء. ﴿مَاءً ثَجَّاجًا﴾ أي ماء كثير منصبًا، ﴿لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا﴾ [النبأ: 15]. الله يمن على البشر بهذه النعمة، نعمة المطر، نعمة الغيث، كيف أن هذه تحيا بالمطر، تحيا بهذا الغيث، بهذا الماء الذي ينزل من السماء.

تأملوا في هذه الآية العظيمة، آية المطر، كيف تنزل وكيف تجتمع هذه الغيوم ويتكثف السحاب، ثم ينزل هذا المطر وينزل في أماكن معينة محددة وكذلك بقدر. لماذا هذا كله؟ ﴿لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا﴾؛ نعمة من الله، ينزل هذا الماء فيصيب الأرض الجرداء القاحلة فتنبت هذه الأرض وتخرج الحب والنبات، الحب كالقمح والشعير إلى آخره، وكذلك النباتات المختلفة المتنوعة.

ثم قال الله: ﴿وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا﴾ [النبأ: 16]. كما أحيا الله سبحانه وتعالى هذه الأرض بعد موتها، كذلك الله سبحانه وتعالى يحيي الإنسان بعد ما يموت. لما يموت الإنسان ويتحلل يبقى عجب الذنب، آخر عظمة في ظهره، فتمطر السماء فينبت الإنسان كما ينبت البقل كما جاء في الحديث. فكما أن الله سبحانه وتعالى أحيا هذه الأرض الميتة -ونحن الآن قريبين من موسم الربيع أو دخلنا في الربيع- كيف أن هذه الأرض كانت قاحلة ثم أصبحت خضراء، كذلك الله سبحانه وتعالى يحيي الإنسان بعدما يموت.

قال تعالى: ﴿وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا﴾، ثم انتقل لله سبحانه وتعالى؛ "وجنات" جمع جنة، والمراد بها هنا أي الحدائق، والفرق بين الحديقة والجنة أن الحديقة تكون مسورة أما الجنة فلا تكون مسورة. "ألفافًا" أي ملتفة مجتمعة. وهذه المادة "جنات" أي جنة تدل على الخفاء والاستتار، فنقول: جنين، الجنين مخفي، الجن مخفيون. كذلك هنا، تكون هذه الجنات عبارة عن مزارع، جنات ألفاف أي ملتفة كثيرة الفواكه والزهور والورود إلى آخره.

ثم قال الله: ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ﴾. هذا انتقال الآن من هذه الدنيا إلى الحديث عن يوم القيامة، عن الحقيقة التي ينكرها الكفار. "يوم الفصل" سمي يوم القيامة بيوم الفصل، وتكرر هذا الاسم في القرآن الكريم كثيرا، أكثر من 29 اسمًا له في القرآن الكريم، ومجموع ما ورد من أسماء يوم القيامة قريب من 50 اسمًا. وهذا التكرار وهذا الإكثار من الحديث عن يوم القيامة، ذكر يوم القيامة في ربع آيات القرآن الكريم أكثر من 1600 آية.

لماذا؟ لتعظيم هذا اليوم، ولبيان خطورة عدم الإيمان بهذا اليوم أو التقصير في الإيمان؛ ليس فقط عدم الإيمان، إنما خطر أن الإنسان ما يؤمن بهذا اليوم الإيمان القوي الذي يحمل على القيام والعمل لهذا اليوم.

هنا الله يقول: ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا﴾ [النبأ: 17]. قال في البداية الذي هم فيه مختلفون، وهنا يقول إن يوم الفصل، هذا اليوم الذي سيفصل الله سبحانه وتعالى به بين المؤمنين والكافرين، ﴿كَانَ مِيقَاتًا﴾ أي يوم مؤقت له أجل، له موعد سيأتي، ولا يتقدم هذا اليوم ولا يتأخر.

الكافرون في الدنيا وهكذا استزاؤهم بالمؤمنين بأنهم يسألون: متى هذا اليوم؟ السؤال استنكاري، ولماذا لا يأتي اليوم الآن؟ الله يقول هذا اليوم له موعد. وكذلك الكافر في القبر يقول: "ربي لا تقوم الساعة، ربي لا تقوم الساعة"، مع ما هو فيه من بلاء وعذاب، ولكن لما يرى عذابه يوم القيامة وهو في قبره يقول: "ربي لا تقم الساعة".

الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا﴾، له موعد سيأتي في الموعد الذي يريده الله سبحانه وتعالى. ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾ [النبأ: 40]، ﴿فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا﴾ [النبأ: 46]، ﴿إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا﴾ [النبأ: 42]. لا يعرف أحد متى يكون يوم القيامة، لما سأل النبي ﷺ جبريل عن الساعة قال: «من المسؤول عنها بأعلم من سائل؟ ولكن سأحدثك عن أشراطها»، عن علاماتها، لكن نفس يوم القيامة متى يكون؟ هذا عند الله سبحانه وتعالى وحده.

قال تعالى: ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ﴾، وسماه هنا يوم الفصل لكي يفصل بين المتنازعين المختلفين، ﴿كَانَ مِيقَاتًا * يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا﴾ [النبأ: 17-18]. يُنفخ، ينفخ إسرافيل في الصور وهو البوق، النفخة الأولى فيموت فيصعق كل من في السماوات والأرض إلا من شاء الله.

يموت البشر، ومن لم يمت البشر سيموت بهذه النفخة. والساعة لا تقوم إلا على شرار الناس، وكذلك تموت الملائكة إلا من شاء الله سبحانه وتعالى. ثم بعد ذلك يكون بين النفختين أربعون يومًا، أو أربعون شهرًا، أو أربعون سنة؛ الله أعلم، لم يخبرنا النبي ﷺ، فكان يقول: «أبيت، أبيت». وقيل هو موقوف على أبي هريرة أنه كان يقول: «أبيت»، لا ندري كم بينهما، ولا يبقى إلا الملك الواحد القهار سبحانه وتعالى.

لمن الملك اليوم؟ لله الواحد القهار. أين المتكبرون؟ أين المتجبرون؟ فلا يجيب أحد، فيقول الله: ﴿لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾، فلا يجيب أحد، فيقول الله مجيبًا لنفسه: ﴿لِّلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾. هو البقية، كلهم أزواج لكن الله سبحانه وتعالى هو الواحد الأحد، الواحد القهار قهر الجميع سبحانه وتعالى وبقي هو.

قال الله سبحانه وتعالى: ﴿يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا﴾ [النبأ: 18]. لما ينفخ إسرافيل في الصور النفخة الثانية، يخرج الناس من قبورهم، في البداية كأنهم فراش مثوث، ثم يصبحون كأنهم جراد منتشر، في البداية لا يعرفون ماذا يفعلون، وأين يذهبون، واحد يذهب إلى اليمين وآخر إلى اليسار لا يعرفون، ثم بعد ذلك ﴿مُّهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ﴾ أي مستمعين منقادين إلى الداعي، فينقادون إلى مكان المحشر، إلى مكان الحساب والجزاء.

قال تعالى: ﴿يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا * وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ﴾ [النبأ: 18-19]. فكانت أبواب هذه السماوات شدادًا في هذا اليوم ستتفطر وتنشق؛ إذاً السماء انشقت، إذاً السماء انفطرت، تنشق السماء ثم تتفطر قطعًا، ثم تنزل ملائكة السماء الأولى ثم الثانية وهكذا. فتنزل ملائكة السماء، فالله هنا يقول: ﴿وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا﴾، لم تعد هذه السماء قوية، لم تعد هذه السماء شديدة، خلاص يتغير الآن، تغير العالم وتغير الكون.

السماء تبكي على عمل الرجل الصالح لما يموت، وكل إنسان له باب إلى السماء، والأرض تشهد يوم القيامة، والسماوات كذلك تشهد لهذا الرجل الصالح بأعماله الصالحة؛ لما يموت تبكي السماء ويبكي الموطن، لذلك الله يقول: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ﴾، هذه على الكفار، أما الصالحين فتبكي عليهم السماء وتبكي كذلك عليهم الأرض.

يقول تعالى: ﴿وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا * وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا﴾ [النبأ: 19-20]. هذه الجبال التي هي أوتاد، الآن يوم القيامة لن تكون هكذا، إنما هذه الجبال ستنسف وتُدك دكة واحدة، ينسفها ربي نسفًا فيذرها قاعًا صفصفًا، وهي تمر مرة الصعاب، صنع الله، تمر مرة الصعاب، هذه الجبال خلاص تتغير كالعِهْنِ المفتوش؛ تدك ثم تتهشم وتصبح كالصوف الملون المنفوش المنتشر، ثم بعد ذلك تسير هذه الجبال، فالإسلام ينظر إليها ولا وجود لها، وترى الأرض بارزة، لم يعد هناك جبال ولا معلم من هذه المعالم.

﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا﴾. هذا الآن أحوال القيامة التي ستقع، ولكن الأعظم من هذا كله جهنم معدة مرصدة تنتظر وتترصد هؤلاء الكفار. يؤتى بها يوم القيامة ولها سبعة آلاف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها، وتريد جهنم أن تتفلت على أهل المحشر، أن تأكل الكفار، وتدعو الله وتسأل الله بأن يسلطها على هؤلاء الكفار، على المتجبرين والمتكبرين؛ ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ﴾ أي تتقطع من الغيظ من شدة الغيظ.

سميت جهنم الأسودان، وجاء عن ابن عباس رضي الله عنهما بأن على جهنم سبعة أبواب، فعند الباب الأول يُسأل الناس عن الشهادة، فالذي يقول الشهادة كاملة تامة يجتازها، ثم في الصراط الثاني يُسأل عن الصلاة، فإن كان من أهل الصلاة اجتازها، ثم بعد ذلك يُسأل عن الزكاة، ثم يُسأل عن الصوم، ويُسأل عن الحج، ويُسأل عن العمرة، ثم يُسأل عن مظالم الناس وإلا سقط والعياذ بالله وقع فيها، فهي مرسلة معدة، خلقها الله للكافرين؛ ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا﴾.

استأذنت جهنم ربها سبحانه وتعالى بنَفَسَيْن: نَفَس في الشتاء ونَفَس في الصيف، فهو أشد ما تجدون من الحر وأشد ما تجدون من الزمهرير؛ هذا نَفَس جهنم، الحر الشديد والبرد الشديد، هذه زفرة من زفرات جهنم. قال تعالى: ﴿لِّلطَّاغِينَ مَآبًا﴾، للطاغين المتجاوزين الحدود، هؤلاء الكفار المجرمين، هؤلاء الجبابرة الذين ظلموا الناس وقتلوا الناس، قتلوا الأبرياء وظلموا الناس؛ هؤلاء لم يفلتوا من العقوبة الأخروية، هؤلاء سيعذبون في جهنم.

مر أحد الصالحين مرة ورأى أحد العلماء الصالحين معلقًا مشنوقًا، تم شنقه من قبل أحد الظلمة الجبابرة، فقال: «يا ربي حلمك على الظالمين أضر بالمظلومين»، ثم نام، فلما نام رأى في المنام بأن هذا الرجل الصالح المعلق يطير في الجنة، ثم سمع مناديًا ينادي: «حلمي على الظالمين، أورث المظلومين». هذا المقام؛ هؤلاء نعم يظلمون ويطاغون ولكن هذه الأعمال كلها معدة، كلها محسوبة، كلها محصورة.

الله سبحانه وتعالى هؤلاء المبتلين من الصالحين ببلاءات، وهؤلاء الطغاة؛ قال تعالى: ﴿لِّلطَّاغِينَ مَآبًا﴾، هؤلاء الطغاة سيرجعون ويؤوبون إلى جهنم لابثين فيها أحقابًا؛ ﴿لَّابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾، أحقاب متتابعة متتالية لا تنتهي ولا تنقضي. بعض العلماء حد مدة زمنية للحكم وبعضهم لم يحدد، وحتى على الذي حد، المقصود من قوله "أحقاب" ليست متناهية، أي لا تنتهي، إنما هي مستمرة، فيعذبون في هذا العذاب ثم بعد ذلك ينتقلون إلى عذاب آخر وآخر وآخر، إلى متى؟ إلى أبد الآباد، عذاب دائم سرمدي.

﴿لَّابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا * لَّا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا﴾ [النبأ: 23-24]. لا يذوق هؤلاء الكفار بردا ولا شرابا؛ لا يذوقون بردا أي ريحًا باردة تخفف عليهم حر النار، ولا شرابًا باردًا يخفف عليهم البلاء الذي يقع عليهم من الحر. وقيل بردا هنا المراد بالبرد النوم، لكن القول الأول أظهر.

﴿إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا﴾ [النبأ: 24-25]. يذوقون الحميم والغساق؛ الحميم هو الماء الحار، والكافر كما جاء في الحديث إذا أخذ الماء واستسقى وأتي بهذا الماء الحار تسقط -والعياذ بالله- فروة رأسه من شدة هذا، من شدة حرارة هذا الماء، فلما يشرب تتقطع أمعاؤه. فشراب هؤلاء الكفار هو الحميم والغساق؛ فالحميم في المستثنى من البرد، ومن الشراب الغساق. وقيل هنا الغساق والحميم كله مستثنى من الشراب، فنعم هم يشربون لكن يشربون هذا الماء الحار وليس البارد الذي يريدون، فعندما يشربون من هذا الماء الحار يزدادون عذابًا على عذابهم. لماذا يا ربي؟ هذا كله لأنهم كذبوا بالله سبحانه وتعالى، وأن الله لا يغفر أن يشرك به.

ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء. كيف يخلقهم الله ويعطيهم ويب عليهم، ثم بعد ذلك يزعمون بأن هناك إله غير الله سبحانه وتعالى؟ هذا الذنب هو أعظم الذنوب على الإطلاق، هذا الذنب هو الذي لا يغفر.

قال الله تعالى: ﴿إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا﴾ [النبأ: 25]. الغساق هو عصارة أهل النار؛ لما يعذب هؤلاء تخرج العصارة، أي ما يخرج من العينين وكذلك الأنف وكذلك الفم وكذلك العرق وكذلك الفرج، هذه العصارة هي الغساق. هذا الشراب يشربونه كذلك في جهنم، فهم يشربون الحميم وهو الماء الحار، ويشربون كذلك عصارة ونتن أهل النار، هذا هو المستثنى من الشراب والبرد.

﴿إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا * جَزَاءً وِفَاقًا﴾ [النبأ: 25-26]. أي هذا العذاب جزاء لهم وفاق، أي موافق لما كانوا يقومون به؛ كيف كانوا يسبون النبي ﷺ ويطعنون به ويطعنون بالقرآن الكريم، ويقتلون سمية ويقتلون ياسر ويعذبون بلالاً. هذا العقاب، هذا الجزاء، موافق لأعمالهم السيئة التي كانوا يقومون بها ويعملونها في الدنيا، جزاء وفاقاً.

إن هؤلاء الكفار كانوا لا يرجون حساباً، لا يؤمنون بيوم القيامة، وعلى قول الآخر لا يخافون من الحساب؛ إنهم كانوا لا يرجون حساباً، لا يؤمنون بالبعث ولا يخافون من الحساب، ﴿وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا﴾ [الجن: 5]. كذبوا بآياتنا، كذبوا بالقرآن الكريم، هذه الآيات البينات الظاهرات، كذبوا برسولنا الأمين تكذيباً؛ أي لم يكن تكذيبهم يسيراً، إنما تكذيبهم كان معه شدة ومعه معاندة ومعه إصرار ومعه كبر ومعه عنجهية، فاستحقوا أن يكون العذاب من جنس هذا العمل، من جنس ما كانوا يقومون به.

لينفعكم الآن، هذا التكبر، هذا الحسد، هذا الاستنصار بالعشيرة، هذا كله سيذهب ولن يبقى الإنسان إلا عمله؛ لذلك الله يقول: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا﴾ [النبأ: 29]. أحصيناه أي عددناه، جمعناه، حفظناه، فكل هذه الأعمال محصية معدودة مجموعة، وسيراها الإنسان يوم القيامة: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا﴾ [الفرقان: 22].

﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران: 28]. ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: 7-8]. هذه الأعمال كلها محصية ومعدة وسيراها الإنسان، ثم يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿فَذُوقُوا فَلَن نَّزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا﴾ [النبأ: 30]. أيها الكفار، فذوقوا، فلن نزيدكم إلا عذاباً؛ يزدادون حسرة على حسرتهم، وعذاباً على عذابهم، وألماً على الألم. أي هذا العذاب ليس هو العذاب الأخير، إنما هذا بعض العذاب، والذي سيأتيهم أعظم من هذا العذاب.

﴿وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾ [النبأ: 33]. أي أنواع متعددة متنوعة من البلاءات، وأنواع العقوبات التي ستتقع عليهم في جهنم. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يقيننا وإياكم حر جهنم، وأن يعتقنا وإياكم في هذه الساعة من النار، في هذه الليلة الطيبة المباركة.

﴿فَذُوقُوا فَلَن نَّزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا﴾. بعد ما ذكر الله المصير وجزاء الكفار، انتقل الحديث عن جزاء المؤمنين، وفي هذا تثبيت لأهل الإيمان. هذه الآيات لما تنزل على الصحابة جلالة تثبتهم على الدين وعلى الحق وعلى اتباع النبي ﷺ، ولا تتأثرون بما يقوله الكفار.

يقول الله: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا﴾ [النبأ: 31]. المتقون هم الذين اتقوا عقاب الله سبحانه وتعالى بما كانوا يقومون به من الأعمال الصالحة، فكانوا يعملون الطاعة على نور من الله سبحانه وتعالى ويرجون ثواب الله، ويتركون المعصية على نور من الله سبحانه وتعالى ويخافون عقاب الله.

سأل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه أُبي بن كعب عن التقوى، فقال: يا أمير المؤمنين، أما سرت في طريق فيه شوك؟ قال: بلى. قال: فما صنعت؟ قال: شمرت. قال: تلك التقوى. وكان يقول الشاعر: خلي الذنوب صغيرها وكبيرها ... ذاك التقى واصنع كما تشاء فوق أرض الشوك يحذر ما يرى ... لا تحقرن صغيرة إن الجبال من الحصى

﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا﴾، إن التوكيدية، أن لهؤلاء المتقين مفازاً، أي فوزاً؛ ﴿حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا﴾ [النبأ: 32]. أي في الجنة حدائق وأعناب، خص بالعنب لعظم هذه الفاكهة، وليس في الدنيا مما في الآخرة إلا الأسماء فقط، يعني عنب الجنة ليس هو كعنب الدنيا، لكن فقط للتقريب حتى يفهم الإنسان.

﴿حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا * وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا * وَكَأْسًا دِهَاقًا﴾ [النبأ: 32-34]. الكعب هي الفتاة الشابة التي استدارت، وأتراباً أي متقاربات في السن، والمرأة في الجنة تكون أعظم من حور العين. وكأساً دهاقاً أي ملأً متتابعة مترعة يسعد أهل الإيمان فيها. فانظروا إلى ذاك الشراب، أي شراب الكفار: ﴿حَمِيمًا وَغَسَّاقًا﴾، بخلاف شراب أهل الإيمان؛ يشربون في الجنة الماء العذب الزلال، وكذلك اللبن، وكذلك الخمر، وكذلك العسل.

﴿وَكَأْسًا دِهَاقًا﴾ أي ملأً متتابعة مترعة، ﴿لَّا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا كِذَّابًا﴾ [النبأ: 35]. كما كانت حياتهم، لم يكونوا يشغلون باللغو ولم يكونوا يكذبون، وفي الجنة -جنة دار النعيم- لا يسمعون فيها لغواً، أي كلاماً لا ينفع ولا قيمة له، ولا كذَّاباً، أي تكذيباً، ليس فيها سب، ليس فيها شتم، ليس فيها كذب. في الدنيا كانوا لا ينشغلون باللغو ولم يكونوا يكذبون، وكذلك كان الكفار يكذبون، وكانوا يكذبونهم، هذا التكذيب الآن الذي يقع معكم في الدنيا لن يكون في الجنة؛ نعم يكذبونكم ويظلمونكم، لكن في الجنة لن يكون هذا كله.

لماذا يا ربي؟ ﴿جَزَاءً مِّن رَّبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا﴾ [النبأ: 36]. اختار اسم الله الرب، يدل على شمول ربوبية الله سبحانه وتعالى للجميع. ﴿جَزَاءً مِّن رَّبِّكَ﴾ عطاء من الله سبحانه وتعالى، ﴿عَطَاءً حِسَابًا﴾ أي كافياً فيعطى ويعطى حتى يقول حسبي حسبي؛ عطاءً كثيراً عظيماً لأهل الإيمان وأهل التقوى. كانوا في الدنيا يصومون، كانوا في الدنيا يقومون الليل، كانوا في الدنيا يقرؤون القرآن، كانوا في الدنيا يمتثلون أوامر الله سبحانه وتعالى، فهذا هو الجزاء.

والدنيا عبارة عن مدة يسيرة، ما الدنيا في الآخرة إلا كما يضع أحدكم إصبعه في اليم فلينظر بما يرجع. لو كانت الدنيا تساوي عند الله جناح بعوضة ما سقى كافراً منها شربة ماء، هذه الدنيا لا قيمة لها، يسيرة. كم سيعيش الإنسان أعماراً يسيرة ثم بعد ذلك الحياة الحقيقية: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ [الزخرف: 72]. فليكن في هذه الحياة في الطاعة، ولن يبقى للإنسان من عمله إلا الطاعة، ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ ۖ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [القصص: 77]. بعض العلماء يقول هنا: ولا تنس نصيبك من الدنيا أي الذي سيبقى لك يوم القيامة، هذا هو نصيبك من الدنيا. والكافر يقول: يا ليتني قدمت لحياتي؛ ألم تكن حياتي التي مضت؟ لا، إنما التي يستقبلها الإنسان هي الحياة الحقيقية.

﴿جَزَاءً مِّن رَّبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا * رَّبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ [النبأ: 36-37]. سبحانه وتعالى، شمول.

الربوبية للسماوات والأرضين ولكل ما بينهما للعالم أجمع بالعوالم، الحمد لله رب العالمين، رب الجميع لا يخرج أحد ربوبيته، الله سبحانه وتعالى رب السماوات والأرض وما بينهما، الرحمن.

هذا الجزاء وهذا العطاء كلها من الرحمن، الرحمن ذو الرحمة الشاملة الواسعة سبحانه وتعالى. ومن رحمة الله سبحانه وتعالى للبشر أن بعث إليهم هذا النبي الكريم، ومن رحمة الله في البشر أن أنزل إليهم هذا الكتاب العظيم يدلهم على ما يريده منهم سبحانه وتعالى.

قال تعالى: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَنُ ۖ لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا﴾ [النبأ: 37]. لا يمكن لأحد أن يتكلم بذلك اليوم، ولا يملك الخطاب، إنما الذي يملك فقط هو الله سبحانه وتعالى، هو مالك الدنيا والآخرة، ولكن يظهر تمام الملك يوم القيامة: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾. لا أحد يستطيع هناك أن يعترض على الله سبحانه وتعالى في ملكه وفي سلطانه، بل حتى نفس الخطاب لا يستطيعون ولا يملكونه، إنما الذي يملك هو الله سبحانه وتعالى فقط.

﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ﴾، والمشهور هو جبريل عليه السلام، وقيل القرآن، وقيل ملك من الملائكة عظيم الخلقة، وقيل غير ذلك. يوم يقوم الروح والملائكة صفا لا يتكلمون، حتى الملائكة لا تتكلم، ولا يملك أحد أن يتكلم.

ويغضب الله سبحانه وتعالى في ذلك اليوم غضبا شديدا، حتى إن الرسل والأنبياء جميعهم - إلا نبينا عليه الصلاة والسلام - يقولون: «إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري». يوم يقوم الروح والملائكة صفا لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن، وقال صوابا: ﴿إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا﴾ [النبأ: 38].

وكان في الدنيا يقول: «لا إله إلا الله»، هذا هو الذي يشفع، هذا هو الذي يشفع: ﴿إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا﴾. فالشفاعة من شرطها الإذن، ومن شرطها كذلك الرضا: ﴿مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ۖ وَيَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَىٰ﴾ [البقرة: 255]. هنا الله يقول: ﴿إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ بِالشَّفَاعَةِ وَقَالَ صَوَابًا﴾، وكان قد قال صوابا في الدنيا، وكذلك في الآخرة يشفع لمن يستحق أن يشفع له، ولا بد أن يكون من أهل الإيمان ولا يكون من الكفار.

قال: ﴿ذَٰلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ﴾، أي الواقع لا ريب فيه ولا شك فيه ولا اختلاف فيه، ذلك اليوم الحق أي اليوم الواقع لا محالة. ﴿فَمَن شَاءَ اتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِ مَآبًا﴾ [النبأ: 39]. من منكم الآن بعد ما استمع لهذه الآيات يريد أن يرجع إلى الله سبحانه وتعالى قبل أن يأتي ذلك اليوم، قبل أن يموت؟ المجال مفتوح والطريق ميسر للوصول إلى الله سبحانه وتعالى.

﴿ذَٰلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَن شَاءَ اتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِ مَآبًا﴾، يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ هَٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾، ويقول: ﴿وأنَّ عَلَى اللَّهِ قَصْدَ السَّبِيلِ﴾، ﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَىٰ﴾. تريد الوصول إلى الله؟ تريد الوصول إلى ما عند الله سبحانه وتعالى؟ هذا القرآن بين يديك، فمن شاء اتخذ إلى ربه مآبا. الطريق هو القرآن الكريم، امتثل هذا الكتاب فتصل إلى الله، هذا هو الصراط المستقيم: ﴿فَمَن شَاءَ اتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِ مَآبًا﴾.

﴿إِنَّا أَنذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا﴾، كل ما هو آت فهو قريب. ﴿يَوْمَ يَنظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾، إنما هي أعمالكم، ﴿أَحْصَيْنَاهُ لَكُمْ﴾ ثم أوفيكم إياها؛ فمن وجد خيرا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه. ﴿إِنَّا أَنذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا يَوْمَ يَنظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾.

ويقول الكافر: ﴿يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا﴾. يقولها يوم القيامة، ويقال إنه لما يرى الحيوانات كيف يقتص من الحيوانات بعضها من بعض، فتقتص الحيوانات الشاه الجلحاء تعطى قرون فتقتص من الشاه القرناء، ثم يقول الله: "كوني ترابا". يتمنى الكافر أن يكون ترابا، يتمنى الكافر أن يكون حاله مثل حال البهائم والأنعام، لكن هذا لن يكون، هذا هنا يا ليتني تقطع نياط القلب وتتقطع معها حسرات الإنسان ونفس الإنسان، ولكن هذا لا قيمة له.

انتهى وقت العمل ومضى وقت الاختبار، فالآن فقط وقت الجزاء. أما الاختبار فهو الدنيا، فارتحلت الدنيا مدبرة وارتحلت الآخرة مقبلة، ولكل واحدة منهما بنون، فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا، فإن اليوم عمل ولا حساب، وغدا حساب ولا عمل. ﴿وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا﴾.

إذا، هذا بعض ما يتعلق بهذه السورة، والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.