الحمد لله، الصلاة والسلام على أشرف الخلق، نبينا وقائدنا محمد بن عبد الله، وآله وصحبه ومن والاه، ثم أما بعد، فحياكم الله إخواني وإياكم، وسدد على طريق الخير خطانا جميعاً.
نكمل مدارسة جزء عم، واليوم إن شاء الله تعالى ستكون معنا سورة النازعات. هذه السورة من السور التي نزلت على النبي ﷺ في مكة بالاتفاق. يقول الله سبحانه وتعالى بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا * وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا * وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا * فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا * فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا﴾ [النازعات: 1-5].
بدأ الله سبحانه وتعالى هذه السورة بهذه الأقسام، فأقسم الله سبحانه وتعالى بالنازعات والناشطات والسابحات والسابقات والمدبرات. الله سبحانه وتعالى يقسم بما شاء من خلقه، ولا يحق لخلقه إلا القسم بالله سبحانه وتعالى، من كان حالفاً فليحلف بالله. يقول كذلك النبي ﷺ: «من حلف بغير الله فقد أشرك». والله سبحانه وتعالى لا يقسم إلا بعظيم أو مبارك، وهنا الله سبحانه وتعالى يقسم بالنازعات، ويقسم بالناشطات والسابحات والسابقات.
ما المراد بهذه الأقسام الأربعة؟ هنا الله سبحانه وتعالى لم يعين الموصوف، إنما ذكر الوصف. ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا﴾؛ النازعات التي تنزع الشيء غرقاً، أي تنزعه بشدة، تغرق في النزع. ذهب جماهير العلماء على أن المراد بالنازعات الملائكة؛ لماذا؟ لصدق هذا الوصف على الملائكة، وكذلك الناشطات، وكذلك السابحات، وكذلك السابقات. أما المدبرات فبالاتفاق أن المراد بهم الملائكة.
هنا الله يقول: ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا﴾ يقسم بالملائكة التي تنزع أرواح الكفار. والملائكة لما تأتي الكافر وتحضر الكافر الوفاة تحضر الملائكة وملك الموت معه أعوان، يقول الله تعالى: ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ﴾ [الأنعام: 61]. فمع ملك الموت أعوان من الملائكة. فلما تحضر الملائكة الكافر إذا حضرته الوفاة تتفرق نفس الكافر في بدنه، كما جاء في مسند الإمام أحمد من حديث البراء: «تتفرق نفس الكافر في بدنه»، فلا يريد هذا الكافر أن يموت.
فتنزع الملائكة هذه النفس نزعاً شديداً كما ينزع السفود المبلل؛ لما نأخذ الكلب ونضعه في الصوف المبلل، كيف هذه الحديدة المعكوفة لما يتم إدخالها في الصوف المبلل كيف يتم استخراج هذه الحديدة؟ يكون مع نزع السفود مع نزع الصوف فيتمزق هذا الصوف ويتقطع، كذلك روح الكافر ونفس الكافر لما تنزعها الملائكة. هنا الله يقسم بهذه الملائكة التي تنزع أرواح الكفار نزعاً شديداً، وهذا فيه تذكير لحال الكفار إذا ماتوا على كفرهم.
وقيل المراد هنا بالنازعات النفوس التي تنزع، أي التي تتفرق في الجسد والبدن، وقيل المراد النجوم التي تنتقل من مكان إلى آخر، فتنزع هذه النجوم وتتحرك. وهذه كذلك دليل على عظمة الكون وعظمة خالق هذا الكون سبحانه وتعالى؛ فالإقسام بهذه الأمور يدل على نفس الخالق سبحانه وتعالى، على نفس المدبر، على نفس الملك سبحانه وتعالى، نفس العظيم سبحانه وتعالى.
يقول الله تعالى: ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا * وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا﴾. الناشطات الملائكة التي تنشط روح المؤمن، فالمؤمن لما تحضره الوفاة يتم إخراج روحه كما يخرج الماء من فيه السقاء. فالأنشوطة المراد بها مثل الحذاء لما يتم ربطه ويكون الربط سهل وميسور، هذا يسمى أنشوطة، فتحل حلاً رفيقاً، هذه الأنشوطة. فكذلك روح المؤمن لما تخرج من جسده تخرج خروجاً سهلاً هيناً.
ولما حضرت عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى الوفاة قال لمن عنده: «اخرجوا»، فلما خرجوا قال: «مرحباً بالوجوه»، ليست بوجوه إنس ولا جن، ففرح لما حضرته الوفاة لأنه نظر إلى مقامه في الجنة. والإنسان إذا وصلت روحه إلى الغرغرة يكشف له الغطاء، فيرى الملائكة ويرى الكائنات التي لا يراها قبل ذلك، فإذا كان من أهل الإيمان بشر بالجنة: ﴿أَخْرِجِي إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكَ وَرَيْحَانٍ وَجَنَّةِ نَعِيمٍ﴾ [الحاقة: 19-21]. الملائكة تقولها لأصحاب اليمين، لعباد الله سبحانه وتعالى المؤمنين، أما إذا كانوا من الكافرين فالملائكة تبشرهم بالعذاب والنكال. إذاً نفس المؤمن تخرج بسهولة ويسر، هنا الله يقسم بالملائكة التي تنشط أرواح المؤمنين، تخرج أرواح المؤمنين بهذه الطريقة بسهولة ويسر.
قال: ﴿وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا﴾؛ أقسم بالملائكة التي تسبح في السماء. يقال: خيل سابح أي خيل سريع، فأقسم الله سبحانه وتعالى بالملائكة التي تسبح في السماء. لماذا تسبح في السماء؟ تنطلق هذه الملائكة في السماء لتنفيذ أوامر الله سبحانه وتعالى. يقول النبي ﷺ: «إن لله ملائكة سياحين يلتمسون مجالس الذكر». فإذا وجد هذا الملك مجلساً يذكر فيه اسم الله سبحانه وتعالى دعا الملائكة وقال: «هلموا إلى حاجتكم، هلموا إلى حاجتكم». فالعبد الذاكر لله سبحانه وتعالى تحضر الملائكة، والعبد الذي يذكر الله سبحانه وتعالى مع أناس آخرين كذلك تحضر هذا المجلس الملائكة، فتتنزل الملائكة على أهل الإيمان، على أهل الذكر، على أهل الخير والصلاح.
فهنا الله يقسم بهذا القسم من الملائكة؛ ﴿وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا﴾ أي الملائكة التي تسبح في السماء لتنفذ أوامر الله سبحانه وتعالى. ثم قال الله: ﴿فَالْسَّابِقَاتِ سَبْقًا﴾، أي الملائكة التي تسبق لتنفيذ أوامر الله سبحانه وتعالى، أو الملائكة التي سبقت البشر بالإيمان، فالله سبحانه وتعالى خلق الإنس بعد خلق الملائكة، فالملائكة سابقون بالإيمان. لذلك الله لما خلق آدم عليه السلام تعجبت الملائكة وسألت الملائكة لماذا خلق هذا المخلوق؟ ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك، قال: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 30]. فالملائكة عباد مسخرة مذللة لعبادة الله سبحانه وتعالى. قال الله في السابقات سبقا الملائكة التي سبقت البشر بالإيمان والعمل الصالح.
ثم قال الله: ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا﴾. هذا بالاتفاق المراد به الملائكة. من هم الملائكة المقصودون هنا؟ الذين يدبرون أمر الكون. فالله سبحانه وتعالى وكل بعض الملائكة بالنبأ، وبعضهم بالرياح، وبعضهم مثل جبريل في إنزال الكتب، وأن يكون هو الرسول إلى الأنبياء والرسل من أهل الأرض، ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ * مُّطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾ [التكوير: 19-21]، أمين جبريل عليه السلام. وكذلك هناك ملك الموت موكل بقبض أرواح البشر.
فالملائكة مدبرة، فالملائكة مدبرة مسخرة لأمور معينة محددة الله سبحانه وتعالى يريد منهم القيام بها. كذلك الملائكة تحفظ بني آدم إلا لما يأتي القدر، يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: 11]. هذه الملائكة مع كل إنسان، لما هذا الإنسان يقع في حادث ولا يحدث له شيء، الملائكة حفظت هذا الإنسان لأن القدر إلى الآن لم يأتي، الأجل لم يأتي. لما قيل لعلي رضي الله عنه وأرضاه قبل النهروان ألا نحرسك؟ فقال: «مما تحرسونني ومعي الملائكة؟ إذا ذهبت الملائكة جاء قدر الله سبحانه وتعالى، فلن يصيبني إلا قدر الله»، وليس معنى هذا أن...
الشخص لا يبذل الأسباب، لكن معنى هذا أن هذه الملائكة تمنع هذا الإنسان، لذلك يوهم الإنسان الذي يظن بأنه يعيش هكذا لوحده في هذا الكون من غير وجود جن، من غير وجود ملائكة، من غير وجود عالم آخر غير هذا العالم الذي نعيش فيه.
فالله سبحانه وتعالى خلق الملائكة، وكل إنسان منا يولد ومعه قرينه من الجن وقرينه من الملائكة؛ أما قرينه من الملائكة فهو الذي يحثه على الخير ويدعوه إلى العمل الصالح، وأما قرينه من الجن والشياطين فهو الذي يحثه على الشر وعلى السوء.
هنا الله يقول: ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا﴾؛ هذا في الأقسام بهذا القسم من هذه المخلوقات العظيمة الشريفة، وهم ملائكة الله سبحانه وتعالى، وملائكة عددهم كبير أكثر من عدد الجن وعدد الإنس. فلكل سماء ملائكة، والملائكة تنزل في يوم القيامة وتحيط بأهل المحشر؛ حيث تحيط بالإنس والجن وكذلك الحيوانات، وسيأتينا إن شاء الله تعالى في سورة التكوير: ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾، فيجمع الجميع والملائكة تحيط بهؤلاء، ثم تنزل ملائكة السماء الثانية فتحيط بملائكة السماء الأولى، ثم السماء الثالثة تحيط بملائكة السماء الأولى والثانية، وهكذا سبع سماوات في كل سماء ملائكة.
وعدد الملائكة كبير، وجاء عن عمرو بن العاص بأن الجن عشر الملائكة، وأن الإنس عشر الجن، فكم الفرق بين الملائكة والإنس؟ وكذلك ما من موضع شبر في السماء إلا وبه ملك راكع أو ساجد، أطت السماء وحق لها أن تئط؛ لماذا؟ ما من موضع شبر إلا وبه ملك ساجد أو راكع، فالملائكة كثر.
هنا الله يقسم بهؤلاء ليدلل على عظمة الخالق سبحانه وتعالى، وهنا الله لم يذكر جواب القسم. هنا الله يقول: ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا * وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا * وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا * فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا * فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا﴾، ثم ينتقل الحديث عن يوم القيامة، فأين جواب القسم؟ عامة العلماء يرون بأن جواب القسم محذوف، وتقديره: لتبعثن؛ أي: والنازعات غرقا لتبعثن، والناشطات نشطا لتبعثن. وقيل بأنه هنا اكتفي بذكر هذا القسم ليدلل على عظمة الخالق سبحانه وتعالى، ومن ذلك وجود يوم القيامة؛ فهذه السورة تتحدث عن هذا اليوم، عن يوم القيامة، فقسم الله سبحانه وتعالى بهذه الأقسام العظيمة التي تدل على كمال ربوبية الله وعظمة الخالق، وكذلك على هذا اليوم العظيم الذي سيأتي بإذن الله ولا بد أن يقع، لكن متى؟ هذا عند الله سبحانه وتعالى.
هنا بدأت هذه السورة بالقسم بالملائكة، وختم السورة بالحديث عن يوم القيامة، وانتقل من هذا المشهد مباشرة إلى الحديث عن النفخة الأولى والثانية، يقول الله: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ * تُتْبِعُهَا الرَّادِفَةُ * قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ * أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ﴾.
﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ﴾ هي النفخة الأولى، ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاءَ اللَّهُ﴾؛ ينفخ إسرافيل في الصور فيموت الجميع إلا من شاء الله. ثم تأتي بعد ذلك النفخة الثانية التي تلي النفخة الأولى، وهي "الرادفة"؛ أي تلي النفخة الأولى، وهي نفخة البعث والنشور، وبين النفختين أربعون كما ذكرنا في الدرس الماضي.
كان النبي ﷺ كما يروى في سنن الترمذي، إذا ذهب ربع الليل ينادي ويقول: «يا أيها الناس، جاءت الراجفة، تتبعها الرادفة، جاء الموت بما فيه»، يذكر الناس بهذا اليوم العظيم.
﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ تُتْبِعُهَا الرَّادِفَةُ﴾، ما هي حال الناس يوم القيامة؟ ﴿قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ﴾، واجفة أي مضطربة، والوجيف هو السير السريع، والسير السريع يحدث الارتباك والاضطراب، فهذه القلوب مضطربة خائفة وجلة من هذا اليوم العظيم. وإذا اضطربت القلوب تحركت العيون، فالعين تكشف ما في قلب الإنسان، لذلك الله قال هنا: ﴿أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ﴾، أي منكسرة ذليلة؛ فإذا برق البصر هنا البصر يتغير، يخشع وينكسر. أبصار الناس خاشعة خائفة ذليلة ينظرون من طرف خفي، يقولون مستنكرين مستبعدين هذا اليوم: ﴿أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ﴾؟ أي هل سنعود بعدما نموت إلى الحافرة؟ إلى أول أمرنا؟ إلى الدنيا؟ إلى الدار الأولى؟ إلى ظهر الأرض؟ ﴿أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ * أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً﴾؟ أي إذا أصبحنا عظامًا نخرة بعدما نموت ونتحلل، هل سنرجع؟ وهو استفهام إنكاري تعجبي من الكفار، قالوا: ﴿تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ﴾؛ أي إذا عدنا فهذه الرجعة رجعة خاسرة.
يقول الله مبينًا سهولة هذا الأمر ويسره على سبحانه وتعالى: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾، أي العودة إلى الأرض، فالحياة بعد الإماتة عبارة عن نفخة واحدة فقط، بمجرد أن يأمر الله سبحانه وتعالى إسرافيل بأن ينفخ في الصور يعود الناس ويرجع الناس إلى الساهرة، أي إلى الأرض، وبعض العلماء يفسرها بالشام لأن أرض المحشر هي الشام. والقصد هنا بالساهرة أي المكان الذي يسهر الناس وكذلك الحيوان عليه، وهي سطح الأرض؛ فهم كانوا في بطنها، ثم بعد ذلك بزجرة واحدة بنفخة واحدة فقط يعود الناس إلى ظهر الأرض ويحشرون في الشام وهي أرض المحشر والمنشر.
ثم انتقل الله سبحانه وتعالى للحديث عن قصة موسى عليه السلام، وهي أكثر القصص ورودًا في القرآن الكريم، وفي كل سورة تذكر فيها هذه القصة يكون القصد منها معنى معين محدد. هنا الله لم يفصل بذكر قصة موسى عليه السلام، إنما ليس المراد التفصيل، إنما المراد فقط ذكر هذه الملامح وهذه المشاهد؛ موسى مبعوث من قبل الله، والنبي ﷺ مبعوث من قبل الله، وفرعون عدو موسى -كأبي جهل وأبي لهب ومن صناديد الكفار أعداء النبي ﷺ- هي طريقة وعظ؛ موسى عليه السلام لفرعون ونصحه، هذا هو المراد من النبي ﷺ أن يقوم به وقد قام به عليه الصلاة والسلام.
كان النبي ﷺ يتعامل مع أصحابه بكل رفق ولين، وكان يقول: «إن الرائد لا يكذب أهله»، وكان يقابل سبهم وشتمهم وطعنهم كله بالرفق واللين والحلم والصفح والعفو مع القدرة على الرد، فهو أشجع الناس ﷺ، لكن هذا كله تنفيذا لأمر الله سبحانه وتعالى.
هنا الله يخاطب نبيه عليه الصلاة والسلام هذا الخطاب التشويقي: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى * إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾؛ رجع من مدين إلى مصر، ومن الذي ناداه؟ الله سبحانه وتعالى، ولم يفصل في هذا المشهد؛ الله جل جلاله نادى موسى عليه السلام، وكما كلم الله موسى عليه السلام، كلم النبي ﷺ لما عرج به في رحلة المعراج.
﴿إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾. هنا أتى باسم الله سبحانه وتعالى "الرب" ليدل على العناية والاهتمام، عناية الله سبحانه وتعالى وتربية الله سبحانه وتعالى لأنبيائه وخواص خلقه. فالله رب العالمين، ولكن ربوبية الله سبحانه وتعالى للأولياء أخص من الربوبية العامة؛ فالربوبية الخاصة بها مزيد عناية واهتمام وصنع. لذلك قال الله تعالى: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِي﴾، وقال: ﴿وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَىٰ﴾، هنا ربوبية خاصة. نسأل الله أن يدخلنا وإياكم في هذه الربوبية، وندعو الله علينا وعليكم أن نكون ممن صنعه الله سبحانه وتعالى واختاره.
فإن الله سبحانه وتعالى يختار في كل جيل أناسًا، يصطفيهم من جميع البشر حتى ينصر بهم دينه العظيم. يقول النبي ﷺ: «لا يزال الله يغرس بهذا الدين غرسا يستعملهم في طاعته». ففي كل جيل يختار أناسًا يصنعهم الله سبحانه وتعالى وتصيبهم رحمة الله سبحانه وتعالى، فنصيب برحمتنا من نشاء.
هنا الله يقول: ﴿إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾، المقدس المعظم المبارك، واسم هذا الوادي على المشهور "طوى". فالمراد هنا بطوى اسم وادي على المشهور من كلام المفسرين، وقيل هنا طوى أي مرتين للتكرار، فهذا الوادي قدس وبورك مرتين.
﴿إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى * اذْهَبْ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ﴾. هنا الله يأمر نبيه موسى عليه السلام، وكليم موسى عليه السلام، أن يذهب إلى فرعون لأنه طغى. كذلك الله سبحانه وتعالى يأمر نبيه عليه الصلاة والسلام بأن يدعو هؤلاء الكفار لما طغوا وتجبروا. فلم يبعث الله سبحانه وتعالى النبي عليه الصلاة والسلام إلا بعدما فسد في الأرض، إن الله اطلع إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب.
كذلك الله سبحانه وتعالى ما يبعث الرسل إلا في أشد اللحظات التاريخية، فلما تضل البشرية وتبتعد عن الله سبحانه وتعالى وعن الحق وعن الدين ابتعادًا كبيرًا، هنا يبعث الله سبحانه وتعالى رسله. فالله سبحانه وتعالى بعث نوحًا عليه السلام بعدما انتشر الكفر في الأرض، عندما كان الناس على التوحيد وعم الكفر وانتشر وعبدوا الأصنام بعث نوحًا عليه السلام. وكذلك بعث إبراهيم عليه السلام لما انتشرت عبادة الكواكب وعبادة الأصنام، ولم يكن على وجه الأرض مؤمن غير إبراهيم عليه السلام وزوجته سارة.
وكذلك هنا الله بعث موسى عليه السلام بعدما ضل فرعون وابتعد الناس ابتعادًا كبيرًا ووصل طغيان فرعون إلى ما وصل إليه. كذلك عيسى عليه السلام لما بعث، بعث بعدما ابتعد بنو إسرائيل الابتعاد الكبير وضلوا وتاهوا. وكذلك النبي ﷺ، بعدما انتشر الكفر ومقت الله سبحانه وتعالى البشر إلا بقايا قليلة من أهل الكتاب، اختار النبي ﷺ وبعثه.
والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿اذْهَبْ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ﴾. طغى: تجبر وتكبر. لماذا؟ لأنه طغى وتكبر على الناس، وليس بمخلوق ضعيف مسكين يهان. الله قال إن الإنسان طغى، فرعون لما رأى فرسانه طغى طغيانًا وأصيب بجنون، هذا المرض الذي يصاب به وفي العودة نصيب.
﴿اذْهَبْ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ﴾، ماذا؟ كيف كان نصيحة له؟ يقول الله: ﴿فَقُلْ هَل لَّكَ إِلَىٰ أَن تَزَكَّىٰ * وَأَهْدِيَكَ إِلَىٰ رَبِّكَ فَتَخْشَىٰ﴾. لم ينصح نصيحة مباشرة لاستفزاز نفسه، وهذا فيه إقامة حجة أو مبادرة في إقامة الحجة على النص. هنا موسى عليه السلام في موطن دعوة وليس في موطن صراع، فلما نكون في موطن دعوة الأصل أن نستخدم اللين، ولكن لما نكون في موطن صراع نستخدم الشدة. إذا كنا في موطن دعوة نقول: "أفرغت يا أبا الوليد"، لكن لما نكون في موطن صراع وشدة نقول: "لقد جئتكم بالذبح". بعثت بالحنيفية السمحة وبعثت بالسيف بين يدي الساعة؛ من الخطأ أن نخلط بين الكلمات والمقامات. في موطن الدعوة نستخدم اللين ولا نستخدم الشدة لأننا نريد أن نهدي الناس، لكن في موطن الصراع والقتال هنا نستخدم الشدة ولا نستخدم اللين.
هنا موسى في موطن دعوة يريد أن يقيم الحجة على فرعون، فكلمه بهذه الصورة وهذه الطريقة: ﴿هَل لَّكَ إِلَىٰ أَن تَزَكَّىٰ﴾؟ لم يقل "أزكيك"، إنما قال "تزكى" أي أنت تزكى، أنت تتطهر. والتزكية المراد بها التطهر والبركة والنماء والزيادة، لذلك سميت الزكاة زكاة لما فيها من تطهير للإنسان؛ ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ ۖ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ﴾. هنا موسى يقول لفرعون: هل لك إلى أن تزكى؟ أي أن تتطهر مما تقوم به وتفعله من هذه الأفعال الرديئة، وعلى رأسها الكفر، وكذلك تسكو نفسك بالإيمان والعمل الصالح.
قال: ﴿وَأَهْدِيَكَ إِلَىٰ رَبِّكَ﴾، أي يكون هادياً بين يديك دليلاً بين يديك إلى ربك، ليس إلي أنا، أنا لا أريد أن أسلب منك ملكك وسلطانك، إنما أريد أن أدلك إلى الله سبحانه وتعالى. أتذكر يا فرعون؟ لما كنت صغيرًا، لما كنت لا تعرف، وأنت إلى الآن لا تعرف، لكن هل تذكر لما ولدت ضعيفًا مسكينًا؟ أتذكر لما حملتك أمك؟ أنت لما تقول: "أنا ربكم الأعلى"، كيف تكون ربكم الأعلى وأنت من أين خلقت؟ هو يريد الآن أن يذكر فرعون بأصله ونشأته، لذلك جاء باسم الله الرب سبحانه وتعالى، قال: ﴿وَأَهْدِيَكَ إِلَىٰ رَبِّكَ﴾.
﴿فَتَخْشَىٰ﴾، إذا عرفت الله سبحانه وتعالى تكسوك الخشية، لذلك الخشية خوف مقرون بعلم، مشبوب بتعظيم. يقول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾، ورأس العلم الخشية. فالذي يريد أن يعرف هل هو يعرف الله سبحانه وتعالى أو لا يعرفه، لا ينظر إلى كثرة المعلومات، بل ينظر إلى خشيته من الله سبحانه وتعالى؛ هل وصلت إلى الخشية؟ هل الخشية عظيمة في قلبك؟ فإذا كانت الخشية عظيمة، أنت الآن عبد وصلت إلى الله سبحانه وتعالى وعندك العلم بالله سبحانه وتعالى، هذا هو المعيار وهذا هو الميزان. قال: ﴿وَأَهْدِيَكَ إِلَىٰ رَبِّكَ﴾، إذا عرفت الله سبحانه وتعالى ستخشاه، هذه المعرفة النافعة. والإنسان مخلوق في هذا الكون حتى يعبد الله سبحانه وتعالى ويخصصه بالعبادة، أن تعرف الله بأسمائه وصفاته، وأن تتعبد الله سبحانه وتعالى بأسمائه وصفاته.
ثم بعد ذلك أقام عليه الحجة والبينة، ﴿وَأُرِيِهِ الْآيَةَ الْكُبْرَىٰ﴾. وصفت الآية بالكبرى أي الآية العظيمة، وهي العصا؛ ﴿أَلْقَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ﴾، حية تسعى بحجم الثعبان وبسرعة الحية. فلما رأى فرعون هذا المشهد العظيم خاف وفر وهرب، ثم بعد ذلك أخذ يجادل ويناظر.
قال: فأراه الآية الكبرى أي العصا. وموسى بعث بتسع آيات إلى فرعون وقومه، وفي كل آية إقامة للحجة على فرعون وقومه.
فقال الله هنا: ﴿فَكَذَّبَ وَعَصَىٰ﴾ [النازعات: 21]. يعني مباشرة حتى ما فكر ولا تأمل، مباشرة كذب بقلبه ولسانه، وعصى. والتكذيب هنا جحود، وهو أن يعلم بأنه نبي ويعلم بأن هذه الآية ليست من جنس ما يفعل السحرة. قال: فكذب بفعله بقوله وقلبه، وكذلك عصى بفعله. قال: ﴿فَكَذَّبَ وَعَصَىٰ * ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَىٰ﴾ [النازعات: 21-22]، أي أعرض يسعى في الفساد.
هذا هو سبب التكذيب؛ لأن فرعون كان طاغية متكبر متجبر، والنفس كانت عبارة عن حاجز سميك بين وصول الآيات والبينات والدلائل، فكانت نفس الطاغية فرعون تمنع هذا الكلام وتمنع هذه الآيات والبينات الظاهرات أن تصل إلى قلب فرعون. لذلك الإنسان لابد أن يتجرد دائما، ولابد أن يزكي نفسه دائما، ولابد أن يهذب نفسه دائما حتى ما تمنع النفس من الوصول إلى الخير.
قال: ﴿فَكَذَّبَ وَعَصَىٰ * ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَىٰ﴾، أدبر أعرض يسعى في الفساد، فحشر جمع الناس فنادى فيهم فقال: «أنا ربكم الأعلى»، تعالى الله عن هذا القول علواً كبيراً. الذي فتن فرعون هو الجمهور، والجمهور فتنة عظيمة. فرعون كان ينظر إلى الناس الذين يستجيبون له وينقادون له، وكانوا قوماً أذلاء، استخف قومه فأطاعوه. إنهم كانوا قوماً فاسقين، ﴿سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الشعراء: 28].
هؤلاء كانوا فاسقين، الأقباط كانوا فاسقين، وبني إسرائيل كانوا قوماً أذلاء، كسرهم فرعون فانكسروا له ولم يكونوا أعزاء، فلذلك امتطاهم فرعون واستخفهم فرعون فانقادوا له. فهؤلاء أي الجمهور هم الذين أطغوا فرعون. وهذا كذلك تحذير في زماننا، نحن في زمان السوشيال ميديا والشهرة والإعلام إلى آخره، الإعلام يفتن الجمهور، الشخص لما يتابعه مليون أو مليونين أو نصف مليون، هذه فتنة عظيمة للإنسان. ليس معناها أن الشخص ما يوصل رسالة للناس بالخير، لكن معناها إياك أن تستمد قوتك، أو تستمد شخصيتك، أو تستمد صفاتك من الجمهور، احذر أن يؤثروا عليك. الإنسان يكون يظن بأنه متبوع، لكن هو في الحقيقة تابع في صورة متبوع، فينظر ماذا يقول الناس وماذا يريد الناس فيقول الذي يريدونه. هؤلاء الناس هم الذين يطيعونه فيجعلونه يصبح طاغية، فيطغى على الناس ويفسد.
فالإنسان لا ينظر إلى هؤلاء، إنما فقط ينظر إلى الله: ما الذي يقوله الله عني؟ هل أنا الآن أذكر عند الله سبحانه وتعالى؟ وهكذا يكون دائماً تواصلنا مع الناس بعد النظر إلى الله سبحانه وتعالى. لذلك قيل: كن مع الخلق بلا نفس، وكن مع الله بلا خلق. تعامل مع الله كما يريد الله ليس كما يريد الناس، لا تجعل الناس يؤثرون عليك مهما كنت في أي مقام، كن في المقام أو المكان الذي يريد الله سبحانه وتعالى منك أن تكون فيه وإن لم يذكرك الناس.
هؤلاء الناس يطيعون الشخص، وكان عمر ينهى أن يمشي الناس خلف العالم أو خلف الداعية، لماذا؟ قال: لأن هذا إن وقع الأقدام خلف الرجل قلما يلبث الحمقى؛ فتنة للمتبوع وذلة للتابع. وعلي بن أبي طالب رضي الله عنه مرة كان يمشي والناس يمشون خلفه، فعلاه بالدرة، فأتفاه بيديه وقال: «ماذا نصنع يا أمير المؤمنين؟»، فقال: «فتنة للتابع وذلة للمتبوع». وكان ابن سيرين إذا مشى ومشى معه أحد نظر وقال: «هل إليك حاجة؟»، فإذا سأله أجابه ثم ينصرف، فلا يحب أن يمشي معه أحد حتى ما يفتن.
هنا الله يقول: ﴿فَحَشَرَ فَنَادَىٰ﴾ [النازعات: 23]، حشر جنده، حشر أهل مصر، حشر قومه، فنادى فيهم فقال: «أنا ربكم الأعلى»، تعالى الله عن هذه الكلمات علواً كبيراً. قيل هنا كانت لهم أرباب يعبدونها من دون الله، هو قال: أنا الرب الأعلى أي الأكبر، والعياذ بالله، وهذه الأرباب كلها خاضعة له. والربوبية هنا ربوبية الحكم، كما أن الألوهية المذكورة في قوله تعالى: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: 38] هي ألوهية السمع والطاعة. ونحن عندنا في الإسلام الطاعة المطلقة فقط لله سبحانه وتعالى، وطاعة الرسول ﷺ هي من طاعة الله: ﴿مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: 80]. أما من سوى الله سبحانه وتعالى والنبي عليه الصلاة والسلام فطاعتهم مقيدة.
يقول الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [النساء: 59]، ثم قال: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ﴾ [النساء: 59]. ولم يقل: وأطيعوا أولي الأمر، لماذا؟ لأن طاعة أولي الأمر مقيدة إنما هي طاعة المعروف، فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق: ﴿وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا﴾ [لقمان: 15]. الطاعة المطلقة فقط لله سبحانه وتعالى، أما من كل من سواه فطاعته مقيدة بطاعة الله سبحانه وتعالى.
قال: ﴿فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَىٰ﴾ [النازعات: 25]. انظروا هنا إلى الفاء التي تدل على التتابع والمسارعة. أي عذبه الله سبحانه وتعالى في الدنيا والآخرة؛ أما في الدنيا فبالغرق، وأما في الآخرة ففي عذاب النار في جهنم: ﴿ادْخُلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: 46]. أشد الناس عذاباً يوم القيامة ثلاثة: المنافقون، ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء: 145]، والشيطان، وكذلك فرعون؛ هؤلاء هم أشد الناس عذاباً يوم القيامة.
وقيل هنا فأخذه الله نكال الآخرة وعقوبة الآخرة والأولى، أي كلمة الأولى والأخيرة، والمراد: «أنا ربكم الأعلى وما علمت لكم إلهاً غيري». وبين الكلمتين 40 سنة، فقال أولاً: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: 38]، ثم بعد 40 سنة قال: «أنا ربكم الأعلى». انظروا إلى الطغيان كيف يصل بالإنسان لما يطلق لنفسه العنان، كيف يصل إلى هذه الكلمة؟ حتى يُروى في بعض كتب التفسير والأدب أن إبليس تعجب من هذه الكلمة لما قالها فرعون، واختبأ له في الحمام، فلما دخل خاف منه فرعون وقال: «كيف دخلت قصري؟»، فقال: «أما تعرفني؟»، قال: «لا»، قال: «كيف تخلقني ولا تعرفني؟»، فكان إبليس نفسه متعجباً من هذه الكلمة، لأن إبليس نفسه قال: ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الأعراف: 14], ولم يقل «أنا ربكم الأعلى».
لكنه طغيان نفسي، والنفس أحياناً يضل الإنسان بنفسه أكثر من إضلال الشيطان له. لذلك بعض الناس يكون فساده في رمضان أكثر من فساده في غير رمضان، وهذا يدل على أن نفس هذا الإنسان شر عليه من الشيطان، فنفس شيطانه الذي كان يحبه ويدعوه إلى الشر أضعف من نفسه الأمارة بالسوء. نسأل الله السلامة والعافية، فالنفس تأمر بالسوء: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي﴾ [يوسف: 53]. والقصد من ذلك أن بعض الناس نفوسها تبلغ بها إلى هذه الدرجة، تكون أعلى وأقوى من الشيطان وأقوى من تأثير الشيطان عليها.
هنا الله يقول: ﴿فَكَذَّبَ وَعَصَىٰ﴾.
فحشر فنادى فقال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾. فأخذه الله نكال الآخرة والأولى. إن في ذلك، أي في هذه العقوبة، لعبرة لمن يخشى.
هذه إشارة إلى الكفار في مكة، إلى أبي جهل، إلى فرعون هذه الأمة، إلى أبي لهب، إلى الأخنس بن شريق، إلى أبي بن خلف، إلى عقبة بن أبي معيط، إلى فلان وفلان من هؤلاء الصناديد الكفار. انظروا كيف فعل الله سبحانه وتعالى بفرعون لما عادى موسى عليه السلام ولما تكبر وطغى وتجبر، فالعاقبة تكون مثل العاقبة. إن في ذلك لعبرة لمن يخشى، وأصحاب الخشية هم الذين يعتبرون وينتفعون بهذه المواعظ.
ثم انتقل الله سبحانه وتعالى للحديث عن دلائل القدرة وعظمة الخالق سبحانه وتعالى التي من خلالها يدلل على قدرته على بعث الناس وإحياء الناس بعد الإماتة. قال الله تعالى: ﴿أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ﴾ [النازعات: 27]. الإجابة لا شك بأنها السماء؛ فخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس، ولكن أكثر الناس لا يعلمون. انظروا إلى هذه السماوات العظيمة: هل أنتم أشد خلقًا أم السماء؟ الذي خلق هذه السماء بهذه الصورة وبهذه الطريقة قادر على أن يحييكم بعد إماتتكم.
﴿بَنَاهَا * رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا﴾ [النازعات: 28-29]. رفع سمكها، والسمك أي السقف، وقيل المسافة التي بين أصل السماء، قاعدة السماء، وسقف السماء؛ فالله رفع هذه السماء فسواها، أي جعلها متساوية الأطراف، لا شقوق فيها ولا فطور.
قال: ﴿أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ ۗ بَنَاهَا * رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا * وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا﴾ [النازعات: 27-28]. أظلم ليلها، ونسب الليل والضحى إلى السماء لكون هاتين الآيتين في السماء.
ثم قال بعد ذلك: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَٰلِكَ دَحَاهَا﴾ [النازعات: 30]. خلق الله الأرض، ثم استوى إلى السماء فسواهن، ثم بعد ذلك دحا الأرض وبسطها. هنا دحاها أي بسطها: ﴿فأَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا * وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا﴾ [النازعات: 31-32]. هنا دحا الأرض أي بسطها، وإخراج المياه منها وتثبيت الجبال بها، إلى آخره.
هنا الله يقول: ﴿رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا * وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا * وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَٰلِكَ دَحَاهَا * أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا * وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا﴾ [النازعات: 29-33]. يذكر الله بهذه الدلائل العظيمة التي يراها الناس كل يوم على قوة الله سبحانه وتعالى، وعلى قدرة القدير سبحانه وتعالى.
قال: ﴿مَتَاعًا لَّكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾ [النازعات: 33]. هي منة وعطية من الله سبحانه وتعالى لهؤلاء البشر؛ أي هنا الله سبحانه وتعالى مهد هذه الأرض وجعلها صالحة للسكنى، وشق الأنهار، وكذلك وضع فيها البحار، وأنزل الأمطار، وأخرج المرعى، وجعل هذه الأرض تنبت بهذه النباتات، وثبت هذه الأرض بالجبال متاعًا حتى يتمتع به الإنسان وكذلك للأنعام، فكذلك يستفيد وينتفع بها الإنسان.
والمتاع مدة معينة مقدرة، مثل متاع المنزل يكون له مدة معينة مقدرة، كذلك الأرض عبارة عن مدة معينة مقدرة، ليست طويلة ولا كثيرة.
ثم انتقل الله سبحانه وتعالى للحديث عن يوم القيامة، قال: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى﴾ [النازعات: 34]. سمى الله سبحانه وتعالى يوم القيامة بالطامة، أي التي تطم كل شيء، أي تعلوه وتظهر عليه، ووصفها كذلك بالكبرى.
﴿يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنسَانُ مَا سَعَى * وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَن يَرَى﴾ [النازعات: 35-36]. لما يأتي يوم القيامة يتذكر الإنسان كل شيء فعله، وحصل ما في الصدور، وجُمع وبان وظهر ما في نفوس الناس. يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا؛ كل شيء فعله الإنسان ونسي في الدنيا سيراه يوم القيامة ويظهر له.
قال: ﴿يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنسَانُ مَا سَعَى﴾، أقام الحجة العقلية على وجود يوم القيامة، ثم بعد ذلك بدأ يخاطب النفس ويخيف النفس ويكسر هذه الحواجز التي تمنع الإنسان من الإيمان بيوم القيامة، حتى تصل هذه الحقائق إلى نفوس البشر، إلى عقول البشر، إلى قلوب البشر.
قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى * يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنسَانُ مَا سَعَى * وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَن يَرَى﴾ [النازعات: 34-36]. هذا تخويف ورؤيا لجهنم، وأن الكل سيراها. قالوا: ﴿وَبُرِّزَتِ﴾، هنا شدد الكلمة ليدل على الظهور وقوة الظهور والبروز. ﴿لِمَن يَرَى﴾ أي لكل صاحب عينين سينظر إلى جهنم يوم القيامة، وستزفر جهنم ويجثو الناس يوم القيامة من هذا الزفير: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَسْعَى﴾.
هنا الله يقول: ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَن يَرَى * فَأَمَّا مَن طَغَى * وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: 36-39]. فأما من طغى، من تجاوز وفعل مثل ما فعل فرعون وطغى وتكبر وعصى وتجبر، وآثر الحياة الدنيا؛ أي قدم الحياة، ووصفها بالدنيا لدناءتها وكذلك لدنو زوالها؛ فمن قدم هذه الحياة الدنيا فالنتيجة أن الجحيم هي المأوى، المأوى أي المرجع والمآب.
ثم قال الله: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: 40-41]. هذا خطاب لأهل الإيمان، وكذلك للكفار إذا خافوا الله ورجعوا إليه. هنا خطاب للصديق، خطاب للفاروق، خطاب للصحابة في مكة. من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى، أي من خاف مقام الله ينظر الله سبحانه وتعالى إليه، فلما يهم هذا الإنسان بالمعصية يتذكر الله سبحانه وتعالى ونظر الله سبحانه وتعالى فيرتدع، ويزجر النفس الأمارة بالسوء ويمنعها من المعصية.
فأما من خاف مقام ربه، أو خاف لقاء الله، والقولان متلازمان. والله يقول: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: 46]، درجة المقربين. هنا الله يقول: وأما من خاف مقام ربه أي وصل إلى درجة الإحسان: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك. هذا الإنسان يخاف الله سبحانه وتعالى ويعلم بأن الله ينظر إليه، ويعلم بأن هذه المعصية إذا فعلها الله سبحانه وتعالى سيجازيه عليها، ويعلم بأنه إن غاب عن البشر فهو لم يغب عن رب البشر سبحانه وتعالى؛ إن الذي خلق الظلام يراني.
الذي خاف مقام الله ونهى النفس الأمارة بالسوء عن الهوى، وردع هذه النفس وزجرها ومنعها من هواها، فالنتيجة الجنة: ﴿فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾.
ثم قال الله سبحانه وتعالى لنبيه عليه الصلاة والسلام: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾ [النازعات: 42]. يسألونك، أي هؤلاء الكفار دائما يسألونك عن الساعة، عن أمر الساعة. شبه الساعة بالسفينة التي سيأتي يوم وترسو فيه وتقف فيه. ﴿أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾ أي متى يأتي يوم القيامة؟ متى تقوم الساعة؟ ﴿فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَاهَا﴾ أي من الذي سيعلمك عن يوم القيامة؟ فليس عندك علم بوقت حلول الساعة. ﴿ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾. من المسؤول عنها بيعلم من الساعة؟ ﴿إِلَىٰ رَبِّكَ مُنتَهَاهَا﴾ أي إلى الله سبحانه وتعالى منتهى علم الساعة، أما البشر فلا يعرفون. وقيل هنا بأن الوقف هنا عند قوله: ﴿فِيمَ أَنتَ﴾.
أي أنت من علاماتها. فالنبي عليه الصلاة والسلام بعث في نسم الساعة، وآخر الأنبياء، «بعثت أنا والساعة كهاتين»، أشار بإصبعيه عليه الصلاة والسلام، السبابة والتي تليها.
﴿فَإِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ * لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾، أي دورك في هذه الأرض الإنذار، ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ﴾. ﴿مَنْ يَخْشَاهَا﴾، أي هنا ضمن الإنذار معنى الانتفاع، الذي ينتفع بهذا الإنذار هو الذي يخشى، أما الذي لا يخشى فهذا لا ينتفع مهما ذُكر، ومهما تليت عليه آيات القرآن الكريم، ومهما أقيمت عليه الحجج والبراهين؛ إذا كان الإنسان غير قابل للاستجابة فلن يستجيب، إذا لم يكن في قلبه خشية فلن يتأثر.
هنا الذي ينتفع بهذه الذكرى هو الذي يخشى، انظروا كم مرة كررت الآن الخشية في هذه السورة. هنا الله يقول: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ * إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ * مَنْ يَخْشَاهَا﴾. كأن هؤلاء الكفار يوم يرونها، أي لما يعاينون الساعة ويبعثون من قبورهم ويتفكرون في حالهم قبل ذلك: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾.
العشي من صلاة الظهر إلى المغرب، والضحى من طلوع الفجر إلى ارتفاع الشمس أو إلى وقت الظهر. فكأن هؤلاء السنوات التي عاشوها على الأرض، 60 سنة، 70 سنة، 80 سنة، أقل أو أكثر، عبارة عن عشية يوم أو بعض يوم فقط؛ ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾.
وفي هذا تزهيد لأهل الإيمان، وبيان لحقيقة الدنيا؛ فلا ينبغي أن ينشغل أهل الإيمان في الدنيا والحرص عليها، وليس معنى هذا أنهم يتركونها، لكن معنى هذا أنهم لا يعملون للدنيا، إنما يعملون ليوم القيامة، فهذه الدنيا لا قيمة لها. هذه الدنيا مثالها يوم القيامة مثال هكذا العشي أو الضحى، يعني يوم أو بعض يوم فقط.
هكذا الإنسان سينظر إلى الدنيا يوم القيامة، لما يموت الإنسان ويبعث ستكون الدنيا بالنسبة له كهذا الوقت، فلماذا إذا كان هذا الوقت يسير لا يعمل هذا الوقت بالطاعة، والاستكثار من الأعمال الصالحة، والتقرب إلى الله سبحانه وتعالى في مدة بقائه فوق الأرض ومدة اختباره؟ هذا بعض ما يتعلق بهذه السورة الجليلة، والله أعلى وأعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
الشيخ أحمد بن خالد الهاجري