السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، الحمد لله والصلاة والسلام على خير خلق الله، على نبينا وقائدنا محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، ثم أما بعد.
فأحييكم إخواني جميعًا وإياكم، وسدد على طريق الخير خطانا جميعًا. نكمل هذه المدارسة بسور جزء عم، ومعنا اليوم إن شاء الله تعالى سورة عبس. وهذه السورة من السور التي نزلت في مكة بالإجماع، ولها حادثة ولها قصة مذكورة في مطلع هذه السورة.
يقول الله سبحانه وتعالى بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّىٰ * أَن جَاءَهُ الْأَعْمَىٰ * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّىٰ * أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذِّكْرَىٰ * أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَىٰ * فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّىٰ * وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّىٰ * وَأَمَّا مَن جَاءَكَ يَسْعَىٰ * وَهُوَ يَخْشَىٰ * فَأَنتَ عَنْهُ تَلَهَّىٰ * كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ﴾ [عبس: 1-11].
كان النبي ﷺ في مكة حريصًا على تبليغ الرسالة وامتثال أمر الله سبحانه وتعالى: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾. فكان النبي ﷺ يدعو الناس ويغشى الناس في مجالسهم، ولم يكن النبي ﷺ يترك أي موطن من المواطن التي من خلالها يستطيع أن يبلغ الدعوة إلا ويقوم بالبيان والبلاغ عليه الصلاة والسلام.
حتى وصف الله سبحانه وتعالى حال النبي ﷺ بعد ما كان يقع في نفسه، فقال تعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَٰذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ [الكهف: 6]؛ و«باخع» أي قاتل نفسك. فكان النبي ﷺ يبذل كل ما يستطيعه حتى يهتدي الناس، وكانت العقبة الكؤود أمام النبي ﷺ هم كبار أهل مكة؛ أي لو انقاد الكبار العليا لآمن أهل مكة، وإذا آمن أهل مكة انتشر الإسلام في جزيرة العرب.
ففي يوم من الأيام كان النبي ﷺ يدعو كبار أهل مكة، وبدأوا يستمعون للنبي ﷺ على غير العادة، فكانوا لما يتكلم النبي ﷺ يعرضون عنه، وكانوا يلغون بالكلام ويغوون فيه، ويصدون ويعرضون. أما اليوم فكانوا يستمعون، فطمع النبي ﷺ بإسلامهم؛ أُبي بن خلف، أمية بن خلف، العباس بن عبد المطلب، أبو جهل بن هشام، الوليد بن المغيرة، الكبار العليا الصناديد. والنبي ﷺ يعرض الإسلام عليهم ويدعوهم، أتى رجل أعمى، أتى رجل أعمى فجاء يطلب من النبي ﷺ أن يعلمه، ولم يكن يرى إلى النبي ﷺ ولا يعلم بأن النبي ﷺ كان يتحدث مع هؤلاء.
في هذه الحال، النبي ﷺ أعرض عنه، عبس في وجهه وأقبل يتحدث مع هؤلاء الكفار. لماذا؟ كان يريد النبي ﷺ أن يهتدي هؤلاء، فإذا اهتدى هؤلاء انتشر الإسلام. كان قصد النبي ﷺ هو هداية هؤلاء، والحديث مع الرجل الشريف ليس كالحديث مع الرجل العادي، والحديث مع الغني ليس كالحديث مع الفقير، وهذا أمر طبيعي متعلق بالإنسان؛ طريقة التحدث مع الكبار، مع الوزراء، مع الملوك والحكام، ليست كالحديث مع الناس العاديين، وهذا أمر يجد الإنسان من نفسه.
لكن الإسلام يريد أن يضع نظامًا ومنهجًا مختلفًا عن هذا المنهج البشري، فكانت هذه الحادثة هي المدخل الذي تم فيه وضع وتقرير نظام الإسلام الذي استمر عليه المسلمون والكبار من المسلمين في التطبيق إلى زماننا هذا.
هنا الله يقول: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّىٰ * أَن جَاءَهُ الْأَعْمَىٰ﴾. الحادثة الآن في مكة، الصحابة مستضعفون والحكم للكفار، والنبي ﷺ يطمع بأن يهتدي هؤلاء وبدأوا يستجيبون. يأتي رجل، إنسان عادي، ويطلب من النبي ﷺ أن يعلمه، وهذا الإنسان أعمى، يعني فيه عيب، فممكن هؤلاء لما ينظرون إلى الأعمى ينفرون. كيف نكون نحن العليا الكبار مع هؤلاء الأشخاص الضعفاء المساكين؟ لذلك ذكر الله بهذا اللفظ «الأعمى» بهذا الوصف تشريفًا له، أي ليس عيبًا فيه، إنما هذا التشريف له؛ هذا الرجل شرفه الله سبحانه وتعالى بأن ذكره في كتابه العظيم.
الحسبة النفسية والعقلية هنا صعبة جدًا؛ فنحن نريد أن ننشر الإسلام ونريد أن يهتدي الناس، وفي نفس الوقت يأتينا هذا، فممكن أن أؤجله من الحسبة العقلية، ممكن هذا الشخص يتم تأجيله بعد ما أنتهي من هؤلاء، أتحدث معه لاحقًا، لأن هذا حتى لو أسلم -على القول بأنه لم يسلم أو إذا كان قد سبق له الإسلام- فممكن بعد ذلك أن أحدثه، وسيكون أثره قاصرًا على نفسه لأن هذا الإنسان ليس صاحب مكانة عالية في مكة بخلاف هؤلاء الكفار.
لكن مع ذلك يأتي هذا الأمر الإلهي الشديد: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّىٰ﴾. هذا العتاب أشد عتاب في القرآن الكريم للنبي ﷺ. وكذلك ﴿فَأَنتَ عَنْهُ تَلَهَّىٰ﴾؛ هذا اللفظ «تلهى» يعني الانشغال بهؤلاء الكفار عن هذا الرجل الصالح الذي يريد أن يتعلم الدين، عبارة عن تلاهي. ثم ﴿كَلَّا﴾ هكذا بهذه القوة؛ إذاً هذا معيار وهذا ميزان جديد يريد الله سبحانه وتعالى من البشر أن يسيروا عليه.
وهذا أثمر في النبي ﷺ بعد ذلك أنه ساوى في دعوته بين الغني والفقير، والكبير والصغير، والشريف والوضيع، والذكر والأنثى؛ لأن الدعوة الآن مراد منها أشخاص معينون، ودور الرسول هو البلاغ والبيان: ﴿لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ﴾، أي لست بالذي تكرههم على الإيمان؛ لأن الله هو الذي يهدي. النبي ﷺ كان حريصًا أن يهتدي أبو طالب، لكن الله لم يكن يريد أن يهتدي أبو طالب، أما أبو سفيان فآمن، أما أبو طالب فما آمن، كيف هذا؟ هذه حكمة بالغة، هذا يرجع إلى الله، هو الذي يعلم سبحانه وتعالى.
وفي تقديري أن هذا الموطن هو أصعب موطن في السيرة النبوية في التطبيق؛ لأن عندما يريد شخص أن يطبق هذه الآيات أو هذا الميزان في حياته يجد صعوبة، لأن النفس والعقل كذلك يبدأ يتأول بأن المصلحة هنا هي مصلحة الدين، والنبي ﷺ لا مصلحة له، المصلحة فقط للدين، هو التقدير فقط من أجل الإسلام. لكن مع ذلك احتاج النبي ﷺ أن يوجه، فإذا كان النبي ﷺ احتاجت نفسه إلى توجيه في هذا الموطن، فغير النبي ﷺ لا شك أنهم باب أولى.
عمومًا، التعليق على هذا الموطن ربما يكون في مواطن أخرى حتى لا نطيل، ولكن هذا الموطن يحتاج إلى تعليق كبير وليس قصيرًا.
لأن الموازين في مكة كانت مختلفة، موازين العرب كانت عبارة عن موازين صارمة في الجاه والسلطان والمال إلى آخره؛ فشخص لما يكون في هذه الطريقة كيف ستؤثر عليهم؟ لكن مع ذلك يأتي الإسلام بهذه الصورة.
هنا الله يقول: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّىٰ * أَن جَاءَهُ الْأَعْمَىٰ﴾ [عبس: 1-2]. «عبس» أي بوجهه، و«تولى» أي أعرض ببدنه وكذلك بوجهه، «أن جاءه الأعمى» أي لأن جاءه الأعمى، وهو عبد الله بن أم مكتوم، وهذا الرجل أسلم وحسن إسلامه، واستخلف النبي ﷺ في المدينة مرتين، وكان يقاتل في القادسية وهو أعمى يحمل راية سوداء ولابس درع كما يقول أنس بن مالك رضي الله عنه وأرضاه. فلما كان يأتي النبي ﷺ يقول: «مرحباً بمن عاتبني فيه ربي»، ويبسط له رداءه عليه الصلاة والسلام.
﴿عَبَسَ وَتَوَلَّىٰ * أَن جَاءَهُ الْأَعْمَىٰ * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّىٰ﴾ [عبس: 1-3]. أي هذا الأعمى يزكى؛ أي يتطهر وينتفع كما قال بعد ذلك: ﴿أَوْ يَتَذَكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذِّكْرَىٰ﴾ [عبس: 4]. ما يدرك لعل هذا الأعمى موعظتك تؤثر فيه فتزكيه، وكذلك تنميه بالأعمال الصالحة والخيره إلى آخره.
﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَىٰ * فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّىٰ﴾ [عبس: 5-6]. يعني من استغنى عنك بماله وجاهه وسلطانه، فأنت له تصدى؛ لماذا تكون أنت الأدنى؟ لماذا لا تكون الأعلى؟ لماذا تتعامل مع تعامل الشخص الذي يبالغ في تقريبه للدين؟ هذا الشخص إذا ما أرادت إنقاد مصيره جهنم، نعم بلغ وبين ولتمس أفضل الأساليب والأسباب، ولكن لا تغالف الأمر حتى تهدي الناس، لا تقدم أي شيء غير مراد الله سبحانه وتعالى على مراده، وإن كان هذا في التقدير هو مصلح الدين؛ فهذا الدين محمي بالله سبحانه وتعالى. ﴿فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّىٰ﴾ أي أنت له تتعرض وتتصدى له.
﴿وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّىٰ﴾ [عبس: 10]. يعني لو ما آمن هؤلاء، لو ما آمن أبو جهل ولا أمية ولا أبي بن خلف إلى آخره، ما هي مشكلة، لا يؤمنون، وما عليك إلا يتزكى؛ ما عليك إلا يزكى هؤلاء، أي يتطهروا. الواجب عليك البيان، الواجب عليك البلاغ، الواجب عليك إقامة الحجة، ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ [النحل: 35].
﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَن لَّوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ أَجْمَعِينَ﴾ [المائدة: 48]. فالله سبحانه وتعالى لو أراد لهدى جميع الناس، ولكن الله أمرنا بأن نبلغ: ﴿إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ ۖ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ [الرعد: 7]. فدورك أنك تهديهم، ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: 52]؛ هداية ماذا؟ هداية الدلالة والإرشاد، أما هداية التوفيق فهذه خاصة بالله: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص: 56].
فالواجب عليك أن تبين، تبلغ، ترشد، تنصح، تعظ؛ لكن هل هو يهتدي أو لا يهتدي، هذا الأمر ليس لك في دائرة السبب. ابذل كل ما تستطيعه، ولكن في دائرة النتيجة لا تتدخل بها، ولا تحرف الدين وتغيره حتى تهدي الناس، الدين كما هو، تبلغ كما هو من غير أي تبل ومن غير أي تغيير. من أراد أن يهتدي فسيهتدي، ولن يهتدي إلا من كان مكتوباً بالأزل بأنه يهتدي، والذي لا يصلح للهداية يقول الله: ﴿وَمَا أَنتَ بِهَادٍ مَّنْ وَجَدتَّ الْقَلْبَ سَلِيمًا﴾ [القصص: 56]، وبعض الناس مكتوب أنه ما يهتدي لأنه لا يصلح للهداية، فهذا لن يهتدي مهما فعلت.
القصد أن هنا الله يأمر النبي ﷺ بأن يبلغ الرسالة كما يريد الله سبحانه وتعالى، ويقول له سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّىٰ﴾، لو ما اهتدى هؤلاء ما هي المشكلة؟ الله سبحانه وتعالى يعلم من الذي يصلح؛ ابن أم مكتوم صالح للدعوة، أبو جهل غير صالح، هذا إنسان متكبر متجبر طاغٍ ما يصلح. نعم بلغه، أقم الحجة عليه حتى لا يأتي يوم القيامة ويقول ما أحد بلغني، ولكن لا تبالغ معه المبالغة الزائدة التي لا ينبغي على الشخص أن يقوم بها، فالله هو الذي يختار هو الذي يهدي.
والإنسان الواجب عليه أن يبذر هذه البذور، الداعية يبلغ الجميع، ثم الذي يهتدي يهتدي. لا يدري الإنسان من يهتدي؛ نوح عليه السلام ابنه لم يهتدِ وزوجته لم تهتدِ، لوط عليه السلام زوجته لم تهتدِ، إبراهيم عليه السلام ورده لم يهتدِ، هذا أمر ليس لنا، هذا لله سبحانه وتعالى. إنما الواجب على الداعية أن يبين وأن يبلغ، ثم الذي يهتدي يهتدي سواء كان غنياً أو فقيراً، شريفاً أو وضيعاً.
﴿وَأَمَّا مَن جَاءَكَ يَسْعَىٰ﴾ [عبس: 24]. هنا يسعى، إما أن يكون المراد بالسعي أي السرعة في المشي، أو يكون يسعى هنا معنوياً أي يسعى بالخير، يجري به الإيمان، يريد أن يتعلم الدين. ﴿وَهُوَ يَخْشَىٰ﴾ [عبس: 25]، أي متلبس بالخشية، والذي ينتفع بالذكر هو الذي يخشى، ﴿إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ مَّن يَخْشَاهَا﴾ [النازعات: 45]، فالذي ينتفع بالذكرى هو صاحب الخشية، أما الذي لا يخشى فلا ينتفع بالذكرى.
﴿وَأَمَّا مَن جَاءَكَ يَسْعَىٰ وَهُوَ يَخْشَىٰ * فَأَنتَ عَنْهُ تَلَهَّىٰ﴾ [عبس: 25-26]. أي فأنت عنه تتشاغل، وعبر هنا بلفظ «تلهى»، يعني هذا الآن دعوة هؤلاء الكبراء مقابل ترك هذا الشخص الذي يريد الدعوة، عبارة عن تلهيه، عبارة عن ملها، فليس من المصاب أن تنشغل بها، عبارة عن لهو.
﴿كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ﴾ [المدثر: 55]. «كلا» على الرجل الذي يحب ويريد ويقصد نصر الدين، «كلا» ليس الأمر كما فعلت، لا تعد لما فعلت، «كلا» إنها تذكرة. يقول ابن كثير: من هنا أمر النبي ﷺ أن يساوي في دعوته بين الصغير والكبير، والذكر والأنثى، والحر والعبد، والشريف والوضيع. وهذه «كلا» أثمرت كذلك في نفس الصديق، وفي نفس الفاروق، وفي نفس الأخيار، حتى كان الناس في مجلس الحسن البصري وكذلك في مجلس ابن سيرين وفي مجلس سفيان الثوري، الفقراء كأنهم الأغنياء، حتى كان يتمنى الأغنياء أن يكونوا فقراء.
وكان عطاء، وهو عبد أسود، من طلاب ابن عباس من أصحاب ابن عباس رضي الله عنهما، كان الناس يجتمعون عليه وكان يصف الأمراء، حتى كان يقول الخليفة في ذلك الوقت وهو عبد الملك بن مروان أو سليمان بن عبد الملك: «يا أبنائي تعلموا العلم فقد أذلنا هذا العبد». وتتابع العلماء والكبراء من هذه الأمة على عدم الاحتفاء بالملوك والحكام والسلاطين، بل كان واحد منهم؛ كما جاء عن إسماعيل الحلبي أحد الفقهاء في حلب لما دخل إبراهيم باشا المسجد وكان قد مد رجليه ولم يكف رجليه فاستشاط غضباً، فرجع إلى داره إلى مقره إلى سلطانه وأراد أن يهم به، فقال له بعض جلسائه: لا تفعل، إنما أعطه مالاً، ففتنه في المال، فإذا فتن في المال ينقاد لك، فينقاد الناس لك. وناس ينقادون إلى الشيخ والعالم والداعية انقياد روحي أكثر من انقياد السلطان، انقياد المتعلق بالانقياد المادي أو المتعلق بالقوة. ففعل ذلك وبعث الشرطي بمبلغ من المال وقال...
يسلم عليك الأمير ويقول: خذ هذا المال، فتمتع به. فرد عليه بكلمة عظيمة عجيبة، قال: «يا هذا، ارجع إلى سيدك فقل له بأن من يمد رجليه لا يمد يديه».
ولما أراد العز بن عبد السلام أن يخرج من مصر، فطرد الصالح إسماعيل، ثم بعد ذلك ندم وأراد أن يعيده، وقال له بعد جلسة: «إن خرج هذا انقلب الناس عليك». فقال: «إني إذن بأن يرجع بشرط أن يقبل رأسي». فتم الإرسال إليه: إن أردت أن تبقى في مصر ولا تخرج منها فقبل، وفي الشام ولا تخرج منها فقبل، فقبل رأس الصالح إسماعيل. فقال: «والله لو قبل يدي ما قبلت، ليست أنا أقبل رأسه، إنما هو لو يقبل يدي ما قبلت». مخرج ذلك سمي بسلطان العلماء.
ولما قيل للإمام ابن تيمية رحمه الله تعالى: إنك طامع وتريد الملك، غضب وقال: «ما ملكك وملك المغول؟ تتهتر عندي يساوي فرسين!». فالقصد أن العلماء هكذا تتابعوا على التعامل بهذه الطريقة، ولم يكن المال ولا السلطان ولا أصحاب الجاه يفتنونهم.
قال الله تعالى: ﴿قَالُوا مَا عَلَيْكَ إِلَّا أَن تُزَكَّىٰ * وَمَا أَن جَاءَكَ يَسْعَىٰ وَهُوَ يَخْشَىٰ فَأَنتَ عَنْهُ تَلْحَىٰ﴾ [طه: 153-154]. كلا، ليس الأمر كما فعلت، لا تعد لما فعلت. إن هذه السورة، هذه الآيات، هذه الموعظة تذكره، فمن شاء ذكره. إذاً هنا الضمير يعود إلى القرآن الكريم، فمن شاء ذكره في صحف مكرمة.
الصحف المكرمة قيل هي الصحف الموجودة عند الملائكة، وقيل اللوح المحفوظ، وقيل الصحف المكرمة هي صحف الأنبياء، صحف إبراهيم وموسى. فتكون هذه النصيحة وهذه الموعظة وهذا المنهج وهذا الميزان وهذه الطريقة في التعامل مع الجميع موجودة في الصحف المكرمة، أي المعظمة، المرفوعة، المطهرة. مرفوعة أعاليه في السماء، وكذلك مرفوعة القدر، رفيعة القدر، مطهرة عن كل ما لا يليق بها، مطهرة من الشرك، مطهرة من الآثام، ولا يوجد بها إلا كل خير. وكذلك قيل مطهرة أي لا تمسها إلا المطهرة.
مرفوعة مطهرة بأيدي سفرة؛ والسفرة هم الملائكة، وسموا سفرة إما لأنهم هم الكتبة، وجمع سافر ويقال عن الكتاب بانه سفر والجمع أسفار، أي كتب، أو جمع سفير هم كانوا يسفرون بين الله سبحانه وتعالى وبين خلقه. والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «الماهر بالقرآن مع السفر الكرام البررة»، يعني معهم بالأجر أو معهم بنفس الفعل بالكتابة وتلاوة للقرآن الكريم.
قال: ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ * كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس: 15-16]. والسفرة المراد به الذين يسفرون أو الذين يبينون، فالكتاب سمي سفراً لأنه يكشف عما فيه ويبين المعاني، والرسول سمي بالسفير لأنه يبين الذي يريده المرسل. قال: ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ﴾، الكريم من كل شيء هو الثمين. ويقول الله سبحانه وتعالى: ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ * كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾، أي هؤلاء الملائكة كرام على الله سبحانه وتعالى، وجمع بر أي مطيع، فالملائكة عباد مسخرة مطيعة لله سبحانه وتعالى.
ثم انتقى الله سبحانه وتعالى الحديث عن الإنسان: ﴿قُتِلَ الْإِنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ﴾ [عبس: 17]. قتل الإنسان أي لعن الإنسان ما أكفره، أي ما أشد كفره، أو يكون المراد هنا التعجيب والتوبيخ، ما الذي جعلها تكفر؟ ثم أخذ الله سبحانه وتعالى يستدل بقدرته على إعادة الناس بعد أماتتهم، وكذلك يذكر الإنسان بأصله: لماذا تكفر أيها الإنسان وأنت قد خلقت مما علمت؟ من أي شيء خلقه؟ ﴿مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾ [عبس: 19].
من أي شيء خلقه؟ ثم بين: ﴿مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾، أنت إنسان مخلوق من نطفة، هل نسيت بأن هذا أصلك؟ انظر هذه النطفة كيف أصبحت بعد ذلك عظاماً وخرج منها لسان وأسنان وسمع وبصر إلى آخره، لكن اسأل: النطفة ما هي؟ ثم قال الله: ﴿عَسَىٰ أَن يُّبْعَثَ﴾، عجز ابن آدم وقد خلقتك من مثل هذا، حتى إذا سويتك وأعدلتك، مشيئة بين بردين والارض منك وأيد هذا هو أصل الإنسان من ماء مهين.
قال: ﴿مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ﴾، أصل الإنسان من هذه النطفة، ﴿فَقَدَّرَهُ﴾ أي قدره أطواراً: نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم نفخ فيه الروح إلى آخره، ثم ﴿السبيل يسره﴾، يسر له الخروج من بطن أمه، ثم بعد ذلك يسر له طريق الخير وطريق الشر كما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ [الإنسان: 3]. ثم بعد ذلك ﴿أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾، هذه مدة حياة الإنسان، أصله نطفة ثم في النهاية يموت ويقبر.
ثم ﴿ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنشَرَهُ﴾، كما خلق الله سبحانه وتعالى الإنسان هذه النطفة ثم أحياه وأعدله إلى آخره ثم أماته، ثم إذا شاء أنشره أي أخرجه من قبره سبحانه وتعالى، فهذا أصل الخلق وهذه نهاية الخلق، ثم بعد ذلك تكون النشأة الأخرى. ثم ﴿ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنشَأَهُ﴾، أي حقاً لما يقضي ما أمره، أي هذا الإنسان لم يقض ما أمر الله سبحانه وتعالى به هنا، قيل على العموم يعني جميع البشر لم يؤدوا حق الله سبحانه وتعالى كما ينبغي.
لذلك يقول النبي عليه الصلاة والسلام: «لو عذبني الله وابن مريم بما جنت هاتان لعذبنا»، ثم لم يظلمنا شيئاً. ويقول كذلك النبي عليه الصلاة والسلام: «لو أن الله عذب أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم لكانت رحمته خير من أعمالهم»، لماذا؟ لأن لا أحد يقوم بحق الله سبحانه وتعالى التام والكامل. لذلك لا يدخل الجنة أحد إلا برحمة الله سبحانه وتعالى. قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: «ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته». «إنه لن يدخل أحدكم عمله الجنة»، قالوا: ولا أنت؟ قال: «ولا أنا إلا أن يتغمدني الله سبحانه وتعالى برحمته». وقيل هنا خصه بالكافر، فلينظر هنا: ﴿كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ﴾ [عبس: 22]، أي الكافر فلم يؤمن.
ثم قال الله: ﴿فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ إِلَىٰ طَعَامِهِ﴾ [عبس: 24]. ﴿أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا * ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا * فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبًّا * وَعِنَبًا وَقَضْبًا * وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا * وَحَدَائِقَ غُلْبًا * وَفَاكِهَةً وَأَبًّا * مَّتَاعًا لَّكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾ [عبس: 24-32]. هنا الله يذكر هذا الإنسان بهذا الطعام، انظر إلى هذا الطعام كيف الله سبحانه وتعالى يخرج هذا الطعام، وكيف تأكل أنت هذا الطعام، كيف تمضغ الطعام، وكيف يتحلل هذا الطعام في بدنك، وتنوع هذا الطعام، وكيف لا تستطيع أن تعيش من غير أن تأكل.
تفكر في هذا وتأمل، وانظر كيف الله سبحانه وتعالى خلق هذا الطعام وجعل بدنك لا يستطيع ولا يستقيم أن يعيش من غير هذا الطعام، وكذلك انظر إلى نعم الله سبحانه وتعالى عليك، إذ من عليك بهذا الطعام وأعطاك إياه وجهز وصنع لك هذه الأجهزة التي تستطيع أن تنظر هذا الطعام وتمتص بعد ذلك هذا الطعام. ﴿فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ إِلَىٰ طَعَامِهِ﴾، ﴿أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا﴾ أي من السماء، ثم انظر إلى هذه الأرض كيف لما نزل هذا الماء من السماء تشققت الأرض، ﴿ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا﴾، هذه العملية.
عملية نزول المطر ثم دخوله في بذور الأرض، ثم تفاعل هذه البذور مع هذا الماء، ثم إنبات هذه البذور؛ هذا أمر كيف يحدث؟ تأمل وتفكر فيه أيها الإنسان، والذي خلق الأرض بهذه الصورة وكانت قاحلة صفراء ميتة، ثم أحياها بعد ذلك، قادر على أن يحييك أيها الإنسان بعدما تموت.
وكثيرا ما يستدل الله سبحانه وتعالى بالبعث على الإحياء، بإحياء الأرض بعد موتها؛ قال تعالى: ﴿فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ إِلَىٰ طَعَامِهِ * أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا * ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا * فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبًّا * وَعِنَبًا وَقَضْبًا * وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا * وَحَدَائِقَ غُلْبًا * وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ [عبس: 24-32].
والقضب هو القت؛ وكل ما يقطع يسمى قضبا. قال: ﴿وَعِنَبًا وَقَضْبًا وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا وَحَدَائِقَ غُلْبًا﴾، والحدائق هي البساتين المسورة، و«غلبا» أي غريضة الأشجار، واسعة الأشجار. وقال: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾؛ والفاكهة للإنسان، والأب للدواب.
وهنا توقف عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما جاء ذكر «الأب» فقال: ما الأب؟ ثم سكت، وقال: إن هذا له التكلف. والمقصود هنا أن عمر كان يريد في البداية أن يعرف جنس الأب وتفصيله، ثم بعد ذلك قال إن هذا هو التكلف؛ إنما المقصود من هذه الآيات هو بيان نعمة الله سبحانه وتعالى على الإنسان، وكذلك على دواب الإنسان، لذلك الله قال بعد ذلك: ﴿مَتَاعًا لَّكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾، أي تتمتعون به في هذه الحياة، ولذوابكم.
ثم انتقى الله سبحانه وتعالى الحديث عن المشهد الأخير المتعلق بيوم القيامة، والذي سيتكرر كثيرا في هذا الجزء. ونحن الآن نعيش في مكة، والله سبحانه وتعالى ينوع الحديث عن يوم القيامة؛ ففي سورة النبأ، ثم في سورة النازعات: ﴿الطَّامَّةُ الْكُبْرَى * يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَة * تُتْبِعُهَا الرَّادِفَة﴾، ثم في هذه السورة: ﴿الصَّاخَّةُ﴾.
﴿فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ﴾؛ عبر عن هذه النفخة بالصاخة لأنها تصخ الأسماع، تصم الأسماع من قوتها. ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ﴾، ما الذي سيقع في ذلك اليوم؟ ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾.
في هذا اليوم تتشقق السماء، وتسير الجبال، وتبدل الأرض غير الأرض، ويغضب العظيم سبحانه وتعالى، الكل يفر من الكل. ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ﴾؛ قيل يوم يفر المرء من أخيه: أن يفر هابيل من قابيل. ومن أمه وأبيه: أن يفر إبراهيم عليه السلام من أمه وأبيه. ومن صاحبته وبنيه: قلوط عليه السلام يفر من صاحبته، ونوح عليه السلام يفر من صاحبته، وكذلك من ابنه الذي كان يريد أن يهديه في حياته بل شفع له بعد مماته، ولكن الله سبحانه وتعالى قال: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ ۖ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ ۖ لَّا تَسْأَلْنِي ۖ إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [هود: 46].
هنا الكل يفر من الكل، حتى قيل حتى جاء بن عيسى عليه السلام يقول: «أي ربي لا أسألك إلا نفسي»، لا أسألك مريم التي ولدتني، أو الملائكة والأنبياء كلهم يقولون: «نفسي نفسي»، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى فلان، حتى تكون النهاية: اذهبوا إلى محمد ﷺ.
إبراهيم عليه السلام يقول -ويذكر بعض ما وقع به- ثم يقول: «إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولم يغضب بعده مثله»، «نفسي نفسي»، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى نوح، فيذهبون إلى نوح عليه السلام ويقولون: «يا نوح، أنت أول رسل إلى الأرض وقد سماك الله عبدا شكورا، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ ألا ترى إلى ما قد بلغنا؟»، فيقول: «إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله، وإن كانت لي دعوة دعوت بها على قومي».
«نفسي نفسي»، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى إبراهيم، فيأتون إبراهيم عليه السلام ويقولون: «يا إبراهيم، أنت خليل الله، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ ألا ترى إلى ما قد بلغنا؟»، فيقول: «إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله»، ثم يذكر الكذبات الثلاث التي قال: «وإني قد كذبت ثلاث كذبات»، وهذه الكذبات الثلاث كلها كانت لله، وفي رواية مسلم قال: «إنما كنت خليلا من وراء موسى» أي وراء موسى الذي وراء محمد عليهما الصلاة والسلام.
ثم يقول: «نفسي نفسي»، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى موسى، فيأتون موسى عليه السلام ويقولون: «يا موسى، إن الله اصطفاك على الناس برسالاته وبكلامه، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ ألا ترى إلى ما قد بلغنا؟»، فيقول موسى عليه السلام: «إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولم يغضب بعده مثله».
«نفسي نفسي»، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى عيسى -وكان قال قبل ذلك: «وإني قد قتلت نفسا لم يؤمر بقتلها»- «نفسي نفسي»، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى عيسى عليه السلام فيقولون: «يا عيسى»، ويذكر عيسى عليه السلام ولا يذكر ذنبا، ثم يقول كما قال الأنبياء: «إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله».
«اذهبوا إلى محمد»، فيأتون محمد عليه الصلاة والسلام فيقولون: «يا رسول الله، أنت خاتم الأنبياء، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ ألا ترى إلى ما قد بلغنا؟»، فيقول عليه الصلاة والسلام: «فانطلقوا فأتوا تحت العرش فاقعوا ساجدا لربي، ثم يفتح الله علي من محامده وحسن ثنائي عليه شيئا لم يفتحه لأحد من قبلي، ثم يقال: يا محمد ارفع رأسك وقل وقل يسمع وسل تعط، واشفع تشفع»، فيقول عليه الصلاة والسلام: «أمتي أمتي، أمتي يا رب، أمتي».
وقسم ذلك أن هنا الناس والأنبياء على رأسهم يقولون: «نفسي نفسي»، فكيف ببقية الناس وبقية البشر؟ الله يقول: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ﴾، لماذا يفر من أخيه؟ لأن قد تكون بينه وبين أخيه مظلمة فيخاف أن يطلبه، أو يكون أخوه قد كتب عليه بأنه سيدخل النار فيريد أن يشفع له، أو يكون هذا الأخ يطلب حسنة فيفر.
ويفر كذلك من أمه، ونعم، يفر من أمه، وكذلك يفر من أبيه، وكذلك يفر من صاحبته؛ هنا عبر عن الزوجة بالصاحبة لماذا؟ للدلالة أنهما كانا متوافقين في الحياة. قال: ﴿وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ﴾، بدأ بالأخ ثم بالأم والأب، ثم تلت بالصاحبة والأبناء. هنا بدأ بالأخ لأنه الأبعد، ثم بالأم والأب؛ الأبعد من حيث العلاقة، وليس المقصود هنا بعلاقة أنهما ليس أقرب إلى الابن، لكن المقصود أن عادة الإنسان له أسرتان: الأسرة الأولى الأم والأب والإخوة والأخوات، والأسرة الثانية الزوجة والأبناء؛ فعادة يكون أكثر وقتها مع الأسرة الثانية، وقلب الإنسان هذا غالبا يحل على أبنائه أكثر من غيره.
قال: وصاحبته وبنيه، هذا الإنسان يثير من أمه وكذلك من أبيه، وكذلك من زوجته ومن أبنائه. يقول النبي ﷺ: «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، فالأب راع في بيته هو مسؤول عن رعيته».
والله يقول: ﴿وَلَا تَخُونُوا الْأَمَانَاتِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال: 27]. فالأب والأم إذا لم يقوما بتربية الأبناء على الدين وعلى الطاعة، سيتعلق الأبناء والبنات في الآباء والأمهات ويسألون الله سبحانه وتعالى أن يقتصم. فأقرب الناس لك هم سيكونون على ذلك.
قال الله تعالى: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم: 6]. قال: وصاحبته وبنيه، لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه، الكل مشغول بنفسه، الكل لا يفكر إلا بالنجاة.
قالت أمي عائشة، وكذلك جاء في بعض الروايات أمي سودة: النبي ﷺ حشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلاً. فقال النبي ﷺ: «أعظم من أن يهمهم ذلك، لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه».
ثم قال الله في النتيجة النهائية يوم القيامة: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ * ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ [عبس: 38-39]. هذا القسم الأول من الناس، هم المقربون أصحاب اليمين، الوجوه مسفرة بالسعادة والفرح، ضاحكة مستبشرة لما ستلقاه من النعيم العظيم المقيم، جزاء ما كانت تقوم به من أعمال في هذه الدنيا: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ [الحاقة: 24].
ثم قال: ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ * تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ﴾ [عبس: 40-41]. عليها غبرة أي يغشاها غبار، ترهقها قترة أي سواد وظلمة وكآبة وحزن. أولئك، أي هؤلاء الذين تعلوهم الغبرة والقترة، أولئك هم الكفرة الفجرة، أولئك هم الكفرة بقلوبهم، الفجرة بأعمالهم وأقوالهم.
أسأل الله العظيم رب العرش العظيم في هذه الليلة أن يعتقنا وإياكم جميعًا من النار. لله سبحانه وتعالى في رمضان، في كل ليلة من ليالي رمضان، أسأل الله سبحانه وتعالى أن يكون وإياكم من أصحاب القسم الأول، من أصحاب الوجوه المسفرة الضاحكة المستبشرة، وأعيذكم وإياكم جهنم، إنه بذلك والقادر عليه. هذا والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
الشيخ أحمد بن خالد الهاجري