دخولتسجيل الدخول

سورة التكوير | تأملات في آيات جزء عم

أحمد بن خالد الهاجريالشيخ أحمد بن خالد الهاجري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله، والصلاة والسلام على أشرف خلق الله، على نبينا قائدنا محمد بن عبد الله، وآله وصحبه ومن والاه. ثم أما بعد، حياكم الله إخواني جميعًا، وبياكم، واستبى على الطريق الخير خطانا جميعًا. نكمل هذه المدارسة لجزء عم، واليوم معنا بإذن الله سورة التكوير.

هذه السورة من السور التي نزلت في مكة، وهي تتحدث عن القيامة وأهوال القيامة وعلامات الساعة وما سيقع كذلك في يوم القيامة. وكذلك تتحدث عن سند القرآن الكريم، كعادة السور المكية؛ الكلام فيها عن القيامة وقضية البعث والنشور، وكذلك عن القرآن الكريم وسند هذا القرآن الكريم، وكذلك الثناء على النبي ﷺ. فهذه الأمور هي التي تتكلم عنها عادة السورة المكية، وهذا التكرار وهذا التنويع كله من أجل تقرير هذه المعاني.

والقرآن يخاطب الإنسان الذي خلقه الله سبحانه وتعالى. هذا الإنسان لما تنوع عليه الكلام وتغير طريق الكلام وتتعدد الأساليب، تبدأ هذه المعاني تستقر شيئًا فشيئًا فيه حتى تثمر فيه اليقين الكبير والتعظيم الكبير. فالإسلام والقرآن يخاطب نفس الإنسان، ونفس الإنسان هي بهذه الصورة؛ فالنفس تتأثر تدريجيًا بخلاف العقل، العقل يتأثر مرة واحدة، لكن النفس حتى تصل إلى اليقين والتعظيم إلى آخره تحتاج إلى تكرار، وكذلك إلى تنويع. لذلك هذا أسلوب قرآني مهم جدًا أن يستوعبه الدعاة في إيصال رسالتهم للناس.

هنا الله سبحانه وتعالى يقول بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ * وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ * وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ * وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ * وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ * وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ * وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ [التكوير: 1-7].

يقول النبي ﷺ كما جاء عند الترمذي من حديث عبد الله بن عمر أنه قال: «من أحب أن ينظر إلى يوم القيامة رأي عين فليقرأ: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾». هنا انظر الآن إلى براعة الاستهلال والابتداء في هذه المعاني وطريقة ذكرها في القرآن الكريم مباشرة، يقول: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾؛ يلفت الانتباه إلى هذه الشمس العظيمة التي يرونها كل يوم، هذه الشمس تكور، لن تبقى بهذه الصورة وهذه الطريقة. والمراد هنا بالتكوير أنها ستُلف، ثم بعد ذلك سيذهب نور الشمس، السراج الوهاج، لن يستمر، إنما هو مقدر بقدر وجود الحياة، قدر وجود الاختبار، ثم بعد ذلك سيتم تكوير هذه الشمس. يقول النبي ﷺ: «الشمس والقمر يكوران يوم القيامة». ثم اختلف في المكان التي تلقى فيه الشمس والقمر، فقيل النار، وقيل البحر، وقيل غير ذلك. القصد من ذلك أن الشمس تكور أي تلف، فيذهب نور الشمس وضياء الشمس فتظلم الشمس.

﴿وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ﴾؛ هذه النجوم العلوية السماوية ستنكدر، ستتساقط ويتغير نورها. والانكدار هو الانصباب والكدرة والتغير، فالنجوم ستتساقط وكذلك يتغير شأن هذه النجوم، ونور هذه النجوم سيذهب، فالنجوم هذه لها وقت معين محدد. والنبي ﷺ يقول: «النجوم أمن للسماء، فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد». أي ما دامت النجوم موجودة فالسماء محمية، لكن إذا ذهبت النجوم السماء ستكشط، السماء ستنشق، السماء ستتفطر. ثم قال: «وأنا أمن لأصحابي، فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعد، وأصحابي أمن لأمتي، فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما توعد».

فالنبي ﷺ كان هو الحامل للأمة من الفتن، حامل الصحابة، ثم لما مات أطلت الفتن، لكن الصحابة حموا الأمة. ثم بعد ذلك، في مقتل آخر الخلفاء الراشدين وذهاب الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم، بدأت الفتن تنتشر وتعم في الأمة، وصدقت فيها الأحاديث الواردة في القتال الذي يقع والفتن التي ستنتشر في الأمة وتعم، ولا يكاد يسلم منها إلا من سلم الله سبحانه وتعالى. القصد من ذلك أن النجوم أمن للسماء، فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد، وهنا ﴿وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ﴾ أي النجوم ستتساقط وتتغير.

﴿وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ﴾؛ هذه الجبال التي كانت أوتادًا سيتغير هذا المشهد، ستُدك وتُنسف وتُسير، تصبح كالعنم المفوش. هذه الجبال القوية لن تبقى قوية، خلاص سينتهي وقت الجبال المقدر لها، الجبال الموجودة حتى تحمي الأرض حتى تحفظ الأرض، فذهاب النجوم معناه انشقاق السماء وتغير السماء، وذهاب الجبال معناه كذلك تغير الأرض واضطراب الأرض وزلزلة الأرض.

ثم انتقى الله سبحانه وتعالى الحديث عن معنى يلفت الانتباه عند العرب؛ هذه الأمور الثلاثة الأولى متعلقة بالأمور العامة التي تلفت انتباه الجميع، لكن الآن انتقل إلى حديث عن أغلى الأموال عند العرب، قال: ﴿وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ﴾. العشار جمع عشراء، والعشراء هي الناقة التي بلغت في الحمل الشهر العاشر. هذه الناقة لما تصل إلى هذا الوقت صاحبها ينام عندها ويهتم بها اهتمامًا كثيرًا، ومن يخالط أهل الإبل يعرف قيمة هذه الناقة العشراء، حتى بعضهم كان يمشي مع هذه الناقة، فأهل الإبل ينتقلون من مكان إلى آخر، فهو يخاف أن يحمل هذه الناقة في سيارة فينتقل معها مشيًا على قدمه، وقد يتفرغ ويترك بيته وينسى أبناءه، بل ممكن ينسى نفسه وينام عند هذه الناقة. فالناقة هذه معظمة عند العرب، وهذا مثال لكل ما يعظم النص؛ فهؤلاء أغلى وأعظم ما كانوا يعظمون من الأموال، هذه ناقة العشراء لما تصل إلى هذا السن، فكذلك الناس يوم القيامة يذهلون، يوم تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد. سبحانه وتعالى قال: ﴿وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ﴾.

ثم قال: ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾؛ الوحوش هي الحيوانات، وتنقسم إلى قسمين: حيوانات أُنسية وحيوانات وحشية. الحيوانات الوحشية هي التي لا تأنس مع البشر، وهذه تُقسم إلى أقسام، منها الأسود والسباع عمومًا، وكذلك منها ما يأكل النباتات مثل الحمار الوحشي مثلا. هنا الوحوش تُحشر، أي تُجمع. فهذه الوحوش تُجمع، إما قبل يوم القيامة فتجتمع هذه الوحوش، أو بعد يوم القيامة وسأتي الحديث عن هذا. قال تعالى: ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾، والله يقول: ﴿وَالطَّيْرُ مَحْشُورَةٌ﴾ أي مجموعة، وسمي يوم القيامة بيوم الحشر لأن الجميع يجتمع فيه ويُحشر فيه، وأرض الشام هي أرض المحشر والمنشر، أرض المحشر يجتمع الناس فيها والقيامة تقوم والناس يجتمعون في الشام.

وقال أبي: "اختلطت" أي الوحوش في آخر الزمان تختلط بالإنس، فهذه الوحوش البعيدة التي لا تخالط الإنس ولا تأنس بهم تختلط معهم، وجاء في ذلك أحاديث كثيرة أن السباع تخالط الإنس وتجنو منهم. قال: ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾، ثم قال: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾؛ هذه البحار تُسجر، أي تتفجر، فتصبح بحرًا واحدًا، تختلط المحيطات والبحار والأنهار بعضها في بعض فتصبح بحرًا واحدًا.

ثم بعد ذلك يضرم فيها النار فتحترق. وجاء في الحديث أن تحت مائكم هذا نار، وتحت النار ماء حتى عدد سبعة أنهار وسبعة أبحر. القصد أن هذه البحار تتفجر، كما في سورة الانفطار: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ﴾، وفي سورة الطور: ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾، وقيل: المملوء، وقيل كذلك المظرم بالنار. فهذه البحار تتفجر وتجتمع، ثم يضرم فيها النار ثم تجف فيذهب ماؤها بسبب هذه النيران.

يقول أبي بن كعب رضي الله عنه، وكذلك ابن عباس رضي الله عنهما، بأن هذه ستكون في الدنيا، أي قبل يوم القيامة؛ من علامات الساعة: الشمس تتساقط، والنجوم تتساقط ويتغير نورها، والجبال تسير، والعشار تعطل، والوحوش تحشر وتختلط وتجمع، والبحار كذلك تسجر. هذه ستكون قبل يوم القيامة، وقيل: هذه في يوم القيامة.

ثم قال: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾، أي اقترنت. هنا اختلف العلماء؛ قيل: إن ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ أي التحمت ودخلت النفس في البدن، فلما ينفخ إسرافيل في الصور تدخل الأرواح في الأبدان، فالأبدان تنمو، ثم تمطر السماء فتتجمع الأبدان، ثم بعد ذلك تدخل الروح في البدن فتزوج وتقترب في البدن، وهذا قول قليل.

وقيل، وهو الأشهر والأقوى: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ أي يجتمع أصحاب كل دين وكل مذهب مع بعضهم، ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً﴾؛ أصحاب الميمنة، وما أصحاب الميمنة؟ وأصحاب المشأمة، ما أصحاب المشأمة؟ ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُولَٰئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾. فالصالح يكون مع الصالح، والطالح يكون مع الطالح. وفي يوم القيامة كل جماعة تتبع نبيها أو تتبع الوثن الذي كانت تعبده، فيتبع أصحاب الصليب صليبهم، وأصحاب الأوثان أوثانهم. وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها، ثم بعد ذلك يضرب السور بين المؤمنين والمنافقين، ويؤتى أهل الإيمان النور فيساقط المنافقون في جهنم والعياذ بالله.

فهنا ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا﴾؛ الله سبحانه وتعالى يقول: أي اجتمع أصحاب كل قسم مع بعضه، فالسابقون مع بعض، والمقربون مع بعض، وأصحاب اليمين مع بعض وهم الأبرار كذلك، والفسق والفجار مع بعض. فإذا أردت أن تعرف من قرينك يوم القيامة، فانظر إلى قرينك في الدنيا؛ من هم أقرب الناس لك، ومن هم الذين تخالطهم، هؤلاء أنفسهم سيكونون قرنائك يوم القيامة.

ثم قال: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ﴾؛ الموؤودة هي البنت التي كانت تُقتل، كانت العرب تئد البنات، والوأد هو دفن البنت وهي حية، فكانت العرب تأنس من الإناث وتفرح بالذكور، ووجهه مسود وهو كف يتوارى من القوم من سوء ما بُشر به، يسعى على هون أن يدسه بالتراب؛ هذا الدس في التراب. فالعرب كانت تعرف، وكانت المرأة في الجاهلية تحفر الحفرة، فإذا ولدت تلد في هذه الحفرة، فإن كانت بنتاً ردمت هذه الحفرة والعياذ بالله.

وكانت تخاف أن تلد بنتاً، وهذا الأمر كان منتشراً في الجاهلية، وسبب انتشار هذا الأمر أن الرجل إذا سبيت بنته ثم ذهبت مع من سبوها، فالعرب أصبحت تفعل ذلك، وهذا الرجل كان من شرفاء بني تميم فبدأ بالوأد فانتشر، والعرب كانت تقلد عظمائها وكبراءها. وقصد من ذلك أن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ﴾، لماذا تسأل الموؤودة ولا ذنب لها؟ هنا السؤال للتبكيت والتوبيخ لوالدها القاتل؛ ﴿بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾.

وهذا كله تصحيح للمفاهيم الجاهلية التي كانت موجودة عندهم، فالمرأة لم يكن لها قيمة عند العرب، ولا كذلك عند الهند ولا في الصين ولا في بقية البلدان؛ فكانت في الهند تُقتل المرأة مع زوجها، إذا مات الزوج تُحرق معه، والعجيب أنها ليس عندها مشكلة، فهي اعتادت عليها. كذلك في ثقافة الفرس والرومان، والكتب مؤلفة في هذا كثير، فالمرأة لم يكن لها قيمة قبل الإسلام عند هذه الأمم، فكانت تباع وتشترى ولم يكن لها أي قيمة ولا أي منزلة.

حتى جاء الإسلام وعز المرأة، وجعل مقام الأم أعظم من الأب، وهذا أمر عجيب؛ العرب كانت تعظم آباءها، بل من أسباب عدم انقياد الكفار إلى النبي ﷺ أنهم يقولون: "إن وجدنا آباءنا على هذا"، فجاء الإسلام ورفع المرأة إلى درجة أن جعل مقام الأم أعظم من مقام الأب، ولها ثلاثة أرباع البر. ومن عجيب ما يقال في وسائل الإعلام أن الإسلام ظلم المرأة، ونحن بين جاهليتين: جاهلية الجاهلية التي نزل القرآن في إبطالها في ذلك العصر، والجاهلية التي نعيشها في هذا العصر في ظل سيادة الثقافة الغربية التي دمرت المرأة وسلعت المرأة كما يقول عبد الوهاب المسيري؛ فجعلت المرأة عبارة عن سلعة تباع وتشترى تحت مسميات كذا وكذا، فأصبحت المرأة في صراع بين القناعة وبين الحاجة.

إذاً هنا الله يقول: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾. ثم قال: ﴿وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ﴾. يوم القيامة الناس يجمعون في ذلك المشهد العظيم المخيف الذي ليس فيه معلم لأحد، أرض بيضاء نقية لا معلم فيها لأحد، ﴿وَلَمْ يُحْصَ عَنْهُمْ أَحَدٌ﴾. الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ ۖ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾. هو الناس يجتمعون ويحشر الإنس والجن وكذلك الحيوانات، ثم تنزل ملائكة السماء تباعاً فيُحشر الإنس والجن بين هؤلاء الملائكة، ثم ينزل الله سبحانه وتعالى نزولاً يليق بجلاله سبحانه وتعالى، ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَن يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ﴾.

﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَىٰ مِنكُمْ خَافِيَةٌ﴾؛ فالناس يجتمعون، ثم بعد ذلك تتطاير الصحف، فقسم من الناس يأخذ الصحيفة باليمين -نسأل الله أن نكون وإياكم منه- وقسم يأخذ الصحيفة باليسار، وقسم يلف يساره خلف ظهره فيأخذ كتابه من وراء ظهره، يظن هذا بأنه إذا لف يده فإنه لن يأخذ الصحيفة بيده اليسرى إن كان من أهل الكفر والنفاق. فالقسم من ذلك أن الناس ينقسمون إلى قسمين كبيرين: قسم سيأخذ كتابه بيمينه، وقسم سيأخذ كتابه بيساره. هنا تتطاير الصحف والناس تنظر لهذه الصحف وهي تتطاير، هل ستستلم اليد اليمنى الصحيفة أو اليد اليسرى؟

أما من أخذ الكتاب بيمينه فيقول: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾، إني ظننت -أي أيقنت والظن يقين في القرآن الكريم- ﴿إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ﴾، فهو في عيشة راضية، في جنة عالية قطوفها دانية: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْرَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾. وأما من أوتي كتابه بشماله فيقول: ﴿يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ * يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ * مَا أَغْنَىٰ عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾.

يقول الله: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ﴾؛ لماذا؟ ﴿إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ * وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾. فالقصد أن الناس ينقسمون إلى قسمين: قسم سيأخذ كتابه بيمينه وهذا سيفرح فرحاً عظيماً، وحق له أن يفرح، هذا هو الذي اجتاز.

الاختبار هذا هو الذي فاز، وهؤلاء على مراتب ودرجات؛ وقسم يأخذ كتابه بيساره، ثم بعد ذلك هؤلاء الذين أخذوا الكتاب باليمين يجتازون الصراط ويفوزون. فلما يجتازون الصراط ويخلفون وراءهم جهنم، أيقنوا الآن بدخول الجنة.

ثم بعد ذلك تكون القنطرة، محاسبة أخرى لكن المحاسبة الأخرى في الدرجات فقط؛ يعني ممكن الشخص يكون في درجة رقم مائة مثلاً، لكن يأتي بعد ذلك هو ظلم وأخطأ في حق الناس واغتابهم، فيتم أخذ الحسنات منه فينزل إلى تسعين مثلاً إلى ثمانين. هذا الحساب الثاني الذي يكون بعد اجتياز النار، يعني هذا ينجو، هذا لا يعذب ولكن تنزل درجته في الجنة، وهذا يكون في مائة فيكون في مائة وعشرة أو مائة وعشرين. فكن سعيداً من لم تكن عند أحد من الناس مظلمة له يوم القيامة؛ فهو يضمن لما يجتاز هذه القنطرة أنه ما أقل شيئاً، ولا اغتاب، ولا نم، ولا طعن في أحد، ولا سلب حق أحد من المسلمين، ولا شتم إلى آخره. هذا الإنسان إذا شتم هنا يأخذ حسنات من هؤلاء الذين كتب لهم دخول الجنة فيرتقي.

إذن الله يقول: ﴿وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ * وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ﴾، هذه السماء تُكشط أي تُزال، ﴿وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ﴾؛ سُعرت أي أوقدت، فالنار توقد وتسعر وهي الآن قد أوقدت وقد أعدت. قال: ﴿وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ﴾؛ فالجنة أُزلفت أي اقتربت ودنت مشتاقة لأصحابها، لأهلها الذين كانوا يتعبدون الله سبحانه وتعالى في الدنيا. نسأل الله أن نكون وإياكم من أهل الجنة، وأن يعتقنا وإياكم من النار يا رب العالمين في هذه الليلة المباركة.

ثم قال بعد القسم المكرر: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا أَحْضَرَتْ﴾؛ تعرف كل نفس ما قامت به في هذه الدنيا. يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضره، وما عملت من سوء. كل ما عمل الإنسان فوق الأرض سيراه يوم القيامة ويقرأ كتابه: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾. العجيب أن هذا الكتاب هو الذي خط الإنسان بيده، وهو الكتاب الذي تعجب منه لما يراه، لكن سيعرف كل إنسان ما في الصدور؛ كل شيء سيجمع ويظهر وتراه أمامك ماثلاً أمامك.

ثم انتقل الله سبحانه وتعالى للقسم والمقسم عليه، وبه هو القرآن الكريم، قال: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ * الْجَوَارِ الْكُنَّسِ * وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ * وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ * إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾. ذكرنا بأن القسم لا يكون إلا بعظيم، أو بمبارك، أو بآية عظيمة تدل على قدرة القادر سبحانه وتعالى، أو بشيء مبارك. هنا الله يقسم بماذا؟ بالنجوم، والنجوم عظيمة وتدل على الصانع على الخالق سبحانه وتعالى.

قال: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ﴾؛ أقسم الله هنا بالنجوم في حال طلوعها وظهورها وغوبتها. الخنس هي التي تختفي، سمي بالخناس لأنه كان يختفي، فالخنس هو الاختفاء. ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ﴾ أي أقسم قسماً مؤكداً بالخنس، وبين الخنس بأنها ﴿الْجَوَارِ الْكُنَّسِ﴾؛ الجواري التي تسير وتتحرك، والخنس النجوم التي تخنس في النهار وتظهر في الليل، فهي لم تخنس إلا بعد ما كانت ظاهرة وطالعة. هنا قَسَم بالنجوم في حال ظهورها وفي حال اختفائها، وكذلك في حال حركتها. والكنس هي بروج النجوم، فهنا الله أقسم بهذه الآية، هذه العلامة العظيمة على خلق الخالق سبحانه وتعالى.

ثم قال: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾، كذلك آية عظيمة متعلقة بالسماء والليل. ﴿عَسْعَسَ﴾ أي أدبر أو أقبل، والليل إذا يغشى؛ فهو يقسم بالليل في حال إدباره، ولما يدبر الليل مباشرة يدخل الصباح. ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ﴾، تمل في هاتين الآيتين الكونية العظيمتين: كيف هذا الليل يغشى، ثم بعد ذلك يستقر، ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ أي غطى. فالله أقسم بالليل في حال إقباله ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾، وكذلك في حال سكونه ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾، وكذلك في حال إدباره ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾، ثم بعد ذلك ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ﴾.

ثم قال في جواب القسم، قال إنه أي هذا القرآن الكريم منجٍ، لقول رسول كريم وهو جبريل عليه السلام: ﴿قَوِيٍّ عِندَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ * مُّطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ * وَمَا صَاحِبُكُم بِمَجْنُونٍ * وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ﴾. هنا عبر عن جبريل بأنه كريم، أي له مقام عظيم وحسن المنظر، ليس هو كالشياطين وما تنزلت به الشياطين وما ينبغي لهم وما يستطيعون، كأنها رؤوس الشياطين. فالشيطان لم نره، لكن صورة الشيطان في ذهن الإنسان صورة الشخص القبيح، أما هنا جبريل كريم، هو ملك من الملائكة، بل هو أعظم الملائكة على الإطلاق.

﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾؛ هنا وصف بأنه رسول، أي لم يأتِ بهذا الكلام من قبله، إنما هو سمع الكلام من الله سبحانه وتعالى ثم نقل هذا الكلام إلى النبي عليه الصلاة والسلام، هذا هو سند القرآن الكريم: محمد عليه الصلاة والسلام، عن جبريل، عن الله سبحانه وتعالى. ﴿ذِي قُوَّةٍ﴾؛ جبريل صاحب قوة، عظيم القوة كما قال الله: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾. ﴿عِندَ ذِي الْعَرْشِ﴾ أي عند الله سبحانه وتعالى، صاحب العرش. ﴿مَكِينٍ﴾ أي صاحب مكانة، صاحب مقام، صاحب رفعة. ﴿مُّطَاعٍ﴾ أي هناك في السماء تطيع الملائكة وتستمع له، وإذا الله سبحانه وتعالى أراد يتكلم بالأمر من الأمور أخذت السماوات رجفة أو رعدة فيصعق الجميع، وأول من يسمع الكلام هو جبريل، ثم بعد ذلك جبريل يبين للملائكة ما قاله الله سبحانه وتعالى.

وإذا أحب الله عبداً نادى جبريل: «يا جبريل إني أحب فلاناً فأحبه»، فيحب جبريل، ثم ينادي جبريل بأهل السماء: «إن الله أحب فلاناً فأحبوه»، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض. ولما عرج بالنبي عليه الصلاة والسلام إلى السماء كان معه جبريل، فكان إذا أتى عند كل سماء يطرق الباب، فيقال: من؟ فيقول جبريل، فيقال: من معك؟ فيقول: محمد عليه الصلاة والسلام، فيقال: وقد بُعث إليه؟ فيقول: نعم، فيقولون: مرحباً ولنعم المجيء جاء. فينتقل جبريل ويرتقي معه النبي عليه الصلاة والسلام ويصعد في هذه السماوات حتى يرتقي النبي عليه الصلاة والسلام ويصعد إلى مقام أعلى من مقام جبريل، هذا الملك العظيم القوي الذي يدل على قوة القوي سبحانه وتعالى. ولما اقترب ودنا من الله سبحانه وتعالى أصبح كما يقول النبي عليه الصلاة والسلام كالحنظل البالي من الخوف من الخشية. ﴿ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ مُّطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾، وهو كذلك أمين.

﴿وَمَا صَاحِبُكُم بِمَجْنُونٍ﴾. ثم انتقل الآن الحديث عن الرسول البشري عليه الصلاة والسلام، وما صاحبكم؛ عبر عنه بالصاحب الذي صاحبتموه وتعرفونه، كيف الآن تتهمونه بالجنون والسحر والكهانة والشعر وأنتم تعرفون صحبتموه؟ هو عاش بينكم قبل أن يُبعث في النبوة والرسالة أربعين سنة.

﴿وَلَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِّن قَبْلِهِ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾. كيف تتهمونه الآن بالجنون والسحر والكهانة؟ أمر عجيب! قال: ﴿وَمَا صَاحِبُكُم بِمَجْنُونٍ﴾، ثم قال: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ﴾. رأى النبي عليه الصلاة والسلام جبريل بالأفق المبين، أي النقطة التي تلتقي فيها السماء بالأرض في نظر الناظر.

فطلب النبي عليه الصلاة والسلام من جبريل أن يراه، فقال: «إنك لم تطيق أن تراه»، فلما رآه النبي عليه الصلاة والسلام مرتين في صورته التي خلق الله سبحانه وتعالى عليها؛ مرة في أول ما نزل الوحي في غار حراء، لما نزل عليه الصلاة والسلام قال: «فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض»، قال: ﴿فَجَاءَتْهُ الرُّعْبُ﴾، فأنزل الله ﴿الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ﴾. والمرة الثانية في المعراج، كذلك النبي عليه الصلاة والسلام قال: «رأيت جبريل له ستمائة جناح سد الأفق بجناح واحد».

قال: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ﴾، ثم قال: ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾، بالضاد أي ببخيل، والغيب المراد به هنا القرآن والوحي، فيبلغ ولا يكتم شيئًا، إنما كل ما أمر بتبليغه بلغه، حتى لما عوتب بـ ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّىٰ﴾ بلغ هذه الآية وفي مكة وفي ظل تسلط الكفار أنزل الله ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّىٰ﴾ فبلغ النبي عليه الصلاة والسلام هذه الآية كما أمر، ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ بالضاد أي بمتهم، حاشاه عليه الصلاة والسلام.

قال: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَّجِيمٍ﴾. فأين تذهبون؟ أين تذهب عقولكم لما تطلعون بالقرآن بهذه الطريقة؟ تجعلون القرآن عظيمًا؛ قسم يقول سحر، قسم يقول كهانة، قسم يقول شعر، قسم يقول أساطير الأولين كتبها، فيتم عليه بكره وأصيلا. وكذلك أين تذهبون في الطعن في هذا النبي الكريم عليه الصلاة والسلام؟ أكمل الناس عقلًا وأجمع الناس لصفات الكمال البشري عليه الصلاة والسلام. قال: ﴿فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ﴾، أين تذهب عقولكم؟

ثم قال: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ﴾، أي للجميع؛ للانس والجن، لجميع العالمين، لمن شاء منكم أن يستقيم، لمن أراد منكم أن يستقيم على الطريق الذي رسمه الله سبحانه وتعالى والموصل إليه. قال: ﴿هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾. هذا هو الطريق المستقيم، هذا النور لمن شاء منكم أن يستقيم، أن يسير على هذا الطريق المستقيم الذي يوصل إلى المراد الإلهي ويوصل إلى الله سبحانه وتعالى.

ومن استقام على هذا الصراط في الدنيا استقام على الصراط يوم القيامة، وبقدر استقامة الإنسان على الصراط تكون سرعته ونوره يوم القيامة. جاء في الحديث: «تجري بهم أعمالهم». فالإنسان على الصراط أقسام: المؤمن عليها كالبرق، وكالريح، وكأجاويد الخيل والركاب، فمنهم ناجٍ، ومنهم ناجٍ مخدوش، ومنهم مكدوس في نار جهنم. فالناس أقسام والسرعة في تفاوت، وكذلك النور؛ منهم من يكون نوره كالجبل، ومنهم من يكون نوره يسيرًا بمقدار ما يضيء إبهامه له، فالناس تتفاوت أنوارهم وكذلك سرعتهم على الصراط بقدر ما استقاموا عليه في هذه الحياة.

قال: ﴿لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ﴾، ثم قال: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾. أثبت لهم المشيئة، وكذلك بين أن مشيئة البشر لا تخرج عن مشيئة الله سبحانه وتعالى، هذا من تمام ملكه سبحانه وتعالى وعظمته وسلطانه. فإذا أراد الشخص أن يستقيم ليدعو الله سبحانه وتعالى وليسأل الله أن يعينه، وكثير من الناس قد يستعينون بالله في أمور عامة، لكن ما يستعينون بالله في العبادة، لذلك لما يكلون إلى أنفسهم ما يقومون بالعبادة التي هم يريدونها أو هم يظنون بأنهم يستطيعون أن يفعلوها.

فلذلك لا بد أن يتوكل الشخص على الله سبحانه وتعالى في كل أموره، خاصة في الأمور المتعلقة بالعبادة. فأسأل الله أن يعين على القيام وعلى الصيام، وأن يوفقه لتعلم القرآن، وأن يفتح قلبه وأن يشرح صدره لهذا النور ولهذا الماء الصافي، وأن يكون له أوفر الحظ والنصيب من تعلم آي القرآن الكريم، وكذلك التأثر بهذا الكتاب العظيم. إذاً هذا بعد ما يتعلق بهذه السورة، والله أعلى وأعلم، وصلى الله وسلم على نبينا.