الحمد لله والصلاة والسلام على خير خلق الله، على نبينا قائدنا محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، ثم أما بعد:
فحيّاكم الله إخواني وبياكم، وأسدد على طريق الخير خطانا جميعًا. نكمل مدارسة جزء عمه، ومعنا اليوم بإذن الله سورة الانفطار، وهذه كذلك من السور التي نزلت في مكة، وموضوع هذه السورة الحديث عن يوم القيامة، وهي قريبة من سورة التكوير. يقول النبي ﷺ: «من سره أن ينظر إلى القيامة رأي عين فليقرأ: إذا الشمس كورت، وإذا السماء انفطرت، وإذا السماء انشقت».
يقول الله سبحانه وتعالى -أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم-: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ * وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ * وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ * وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ﴾ [الانفطار: 1-4].
﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ﴾؛ انفطرت أي انشقت، وقيل الانفطار يكون بعد الانشقاق، فالانشقاق يكون طويلًا وكبيرًا، ثم بعد ذلك يتفطر هذا المنشق، أي يتقطع إلى قطع صغيرة؛ فالسماء تنشق ثم بعد ذلك تتفطر. قال الله: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ﴾.
﴿وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ﴾؛ أي وإذا الكواكب انتثرت، أي تساقطت وذهب ضوءها وسقطت عن أماكنها. ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ﴾؛ البحار تتفجر، يُفجر بعضها في بعض فتصبح بحرًا واحدًا، ثم بعد ذلك يُضرم في هذا البحر النار، ثم بعد ذلك يجف الماء. هنا الله يقول عن هذا المشهد: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ﴾؛ أي فُجر بعضها في بعض فاختلط الماء العذب بالماء المالح فصارت بحرًا واحدًا.
ثم قال: ﴿وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ﴾؛ بعثرت أي قلبت وبُحثت وبعث من فيها، تُقال بعثرت المتاع أي قلبته. الله يقول هنا: ﴿وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ﴾ أي قلبت فخرج من بداخلها.
﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ﴾؛ علمت نفس ما قدمت، أي في الدنيا، وما أخرت أي بعد وفاتها، أي آثار الأعمال. ما الذي بقي للشخص بعد وفاته من آثار عمله؟ هل خلف ولدًا صالحًا يدعو له؟ هل خلف صدقة جارية؟ هل كانت له أعمال استمرت بعد وفاته؟ كان أصحاب النبي ﷺ يحبون أن يوقفوا قبل الموت الوقف، هل له وقف؟ أو له سيئات جارية بنشر الباطل بين الناس؟ هو مات لكن باطله ما زال مستمرًا وما زال منتشرًا، والناس ما زالت تأخذ هذا الباطل وتتناقل هذا الباطل، سواء كان هذا الباطل عبارة عن أغنية، أو نشر شيء سيء، أو أفلام إلى آخره. هل هو اكتفى بنفسه بالعمل السيء، أو كذلك عمل السيء تعدى إلى غيره واستمر؟
يقول النبي ﷺ: «من سن في الإسلام سنة حسنة له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، ومن سن في الإسلام سنة سيئة عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة». نكتب ما قدموا وآثارهم، أي كذلك آثار الأعمال تأتي يوم القيامة. هنا الله يقول: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ﴾؛ أي علم كل إنسان، كل إنسان ما قدم من أعمال في الدنيا قبل وفاتها وما أخرت أي بعد وفاتها، ترى هذا العمل كله مجموعًا في كتاب وتنظر إلى آثار هذه الأعمال.
لذلك ينبغي على الشخص من الآن أن يوقف، وأعظم وقف وقف العلم. إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له. وكذلك الولد الصالح من أعظم الوقف أن شخصًا ربي ابنه على الصلاح وعلى التقوى، بحيث أن هذا الولد يدعو له حتى يبلغ الشخص المراتب العالية في الجنة، فيقول: "ربي بما هذا؟" فيقال: باستغفار ولدك لك.
﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ وَمَا أَخَّرَتْ﴾، ثم انتقى الله سبحانه وتعالى الحديث عن الإنسان: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ [الانفطار: 6]. عتاب من الله سبحانه وتعالى لهذا الإنسان الذي اغتر فترك الطاعة وركب المعصية، لماذا أُوتي؟ "باسم الرب وباسم الكريم" للمناسبة، قال: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾؛ ربك الذي رباك وأعطاك ومن عليك وسوى أعضاءك، من عليك بكل النعم التي أنت تعيش الآن بها، هذا الرب لماذا قابلت نعمته عليك بالجحود؟
﴿الْكَرِيمِ﴾ الذي أكرمك سبحانه وتعالى، أكرمك بخلقك، أكرمك بأن بعث إليك الأنبياء والرسل، أكرمك بأن أعد الجنة لك إن أنت أطعت الله سبحانه وتعالى، أكرمك بجميع النعم التي تعيش فيها. لماذا قبلت هذه النعم؛ نعمة المال ونعمة الصحة ونعمة كذا وكذا والمعاصي؟ ما السبب؟ لماذا غفلت؟ ما الذي غرك بالله سبحانه وتعالى وقد بعث إليك الرسل وحذرك ونبهك ودلك على الطريق وقام الحجة عليك وأعطاك العقل الذي تستطيع أن تميز به الخير من الشر؟ ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ [الإنسان: 3]، هديناه النجدين، ثم السبيل يسره. لماذا قابلت نعم الكريم سبحانه وتعالى، نعم الرب سبحانه وتعالى، بالجحود؟ لماذا طعت الشيطان؟
﴿يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ﴾ هذه كلمة عتاب عظيمة جدًا، وما من إنسان إلا وسيقال له هذا الكلام. يقول ابن مسعود رضي الله عنه وأرضاه: "ما منكم من أحد إلا سيخلو الله به يوم القيامة فيقول: يا ابن آدم ما غرك بي؟ يا ابن آدم ماذا عملت فيما علمت؟ يا ابن آدم ماذا أجبْت المرسلين؟". فكل إنسان سيسأل: ما غرك بربك الكريم؟
اختلفت عبارات المفسرين في ذكر سبب الغرور والنسيان والغفلة، فمنهم من قال الشيطان، ومنهم من قال عفو الله سبحانه وتعالى فهو اختر بنصوص الرجاء عن نصوص الوعيد، ومنهم من قال ستر الله سبحانه وتعالى عليه ويعصي ويعصي ويعصي ولا يُفتضح، فاعتاد المعصية وتشربت نفسه المعصية، هذا هو الذي غره حتى مات. كان يقول علي للخواج: "إذا خرجوا عليكم قد ضركم من غركم؟" قالوا: "من غرهم يا أمير المؤمنين؟" قال: «الشيطان».
والشيطان له سلاح عظيم فتاك اسمه "سوف"، وله كذلك سلاح عظيم فتاك اسمه "الغفلة". الشيطان يؤثر على الإنسان بالغفلة، يجعله يغفل، "ستتوب ستتوب" وهو يغفل، يغفل حتى إذا أحس بصحوة، الشيطان يستخدم معه التسويف. فالشيطان يستخدم الغفلة، حتى إذا أتته الصحوة الآن وبدأ يفكر: "لماذا أنا هكذا؟ إلى متى سأستمر بهذه الطريقة بعيدًا عن الله؟ بعيدًا عن كتاب الله سبحانه وتعالى؟ بعيدًا عن تحقيق الغاية التي من أجلها خلقت؟" أتاه الشيطان بالتسويف. فالشيطان يدخل على الإنسان من خلال الغفلة أولًا ثم التسويف ثانيًا؛ لا يريد أن يفكر، لا يريد أن يعود، لا يريد أن يتوب، فيجعله يعيش في غفلة دائمًا؛ يفكر بالأمور المتعلقة بالدنيا، يفكر بالبيت، يفكر بالمستقبل، يفكر بالدراسة، يفكر بالوظيفة، والآخرة غير موجودة في دينه لا يلتفت إليها. والموت أقرب إلى أحدكم، والجنة أقرب لأحدكم بشراك، والنار مثل ذلك، الموت يقطع هذا كله.
الإنسان ما يفكر يكبر، ابن آدم ما يكبر معه طول الأمل. حب الدنيا وطول الأمل يزداد عمره ويزداد تعلقه في الدنيا، وطول أمله سيعيش كذا. عمرك الآن كم؟ أصبح الآن إلى الآن يفكر بالدنيا دائماً، يفكر بالدنيا، ولا يعتذر أحد أمام الله فلن يقبل عذره؛ لأن الله سبحانه وتعالى يريد من هذه العبادة التي يستطيع هو أن يقوم بها.
جاء عن السدي رحمه الله تعالى بأنه قال: يؤتى يوم القيامة بثلاثة. يؤتى برجل غني، فيقال: ماذا عملت فيما أعطيتك؟ فيقول: أي ربي شغلني المال، الغني ينشغل بالمال وتحصين المال وجمع المال، المال يعدده ويجمع المال ويفكر دائماً بالمال، منه لا يشبع؛ طالب علم وطالب دنيا.
فيؤتى بسليمان عليه السلام، الملك العظيم الذي سخرت له الجن والشياطين والرياح، فيقال: أنت كنت أعظم انشغالاً أم هذا؟ فيقول: لا يا ربي، بل هذا. فيقال: ولكن هذا لم يشغله المال والملك والسلطان عن عبادتي.
ثم يؤتى برجل مملوك، فيقول: أي ربي شغلني الرق عن عبادتك. فيؤتى بيوسف عليه السلام، فيقال: أنت كنت أعظم انشغالاً أم هذا؟ فيقول: لا يا ربي، بل هذا؛ اجتمع عليه الرق مع الفتنة مع البلاء مع السجن مع الابتعاد عن أهله، اجتمعت عليه بلاءات عظيمة. فيقول: لا يا ربي، بل هذا. فيقال: ولكن هذا لم يشغله الرق عن عبادتي.
ثم يؤتى برجل مريض وقعد بفراش، من مستشفى إلى مستشفى، من طبيب إلى طبيب، فيقال له: ماذا صنعت فيما أعطيتك؟ فيقول: أي ربي شغلني المرض، أنا إنسان مريض والمرض شغلني عن عبادتك. فيؤتى بأيوب عليه السلام، فيقال: أنت كنت أعظم مرضاً أم هذا؟ فيقول: لا يا ربي، بل هذا. فيقال: ولكن هذا لم يشغله المرض عن عبادتي.
فليس أحد عذر أمام الله سبحانه وتعالى يوم القيامة. ﴿مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾، واختار هنا اسم الكريم لموافقته لهذا العتاب الكريم سبحانه، وحق الكريم أن يطاع، حق الكريم أن يشكر، حق الكريم أن يتعامل معه التعامل الحسن.
الآن لو أن الإنسان أحسن إلى إنسان في الدنيا، الكل يقول بأنه لابد أن تعيد الإحسان له، ترد الإحسان له، فكما أحسن إليك تحسن إليه. وأعظم الناس إحساناً ممن يخالطهم الإنسان هم أبويه، فلذلك العقوق مستنكر بالفطرة، مستعظم كيف أن شخص يعق والديه. صاحب النعمة الكبرى، صاحب نعمة الوالدين، الله سبحانه وتعالى لماذا ما يتم التعامل معه التعامل اللائق به سبحانه وتعالى؟ ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾.
الكل يقول بأن الشخص عق والديه، إن هذا العقوق لا يقبل منه ويستحق العقوبة على هذا العقوق، وبقدر جرم هذا الابن في حق والديه تكون العقوبة في حقه. أذكر قصة حدثت قبل 40 سنة بأن رجلاً بعثه والده إلى السفر في الخارج حتى يدرس الطب في إحدى البلدان، وكان هذا الأب عنده شيء من المال، ليس مالاً كثيراً ولكن شيء من المال، وكان في قرية يعيش.
وكان جاراً لثلاثة أبناء، وأبناء هؤلاء الثلاثة لم يكونوا المتميزين في الدراسة، فكان هؤلاء الثلاثة اشتغلوا بالأعمال المهنيه، أما هذا فاعتنى بابنه وأنفق عليه حتى تخرج من الثانوي. فلما تخرج من الثانوي وأراد أن يدرس طب، اجتمع هو مع والدته حتى يبحثوا عن بلد يناسب ابنه، هذا كلام قديم قبل 40 سنة أو أكثر، فوجدوا بأن البلد المناسبة له فرنسا، فبعثوه إلى فرنسا.
فلما بعثوه إلى فرنسا وذهب إليها، أصبح هذا الأب يوفق عليه، في ذاك الوقت لم تكن الجوالات والتلفونات منتشرة عند الناس، فكان التواصل عن طريق البريد، فكان يرسل إليهم وهم يرسلون إليه. ثم بعد ذلك أخذ يطلب من والده الأموال، ووالده يبعث له بالقدر الذي يستطيع، وكان لوالده دكان أو بقالة، سوبر ماركت، وكان في قرية يعيش، إنسان بالنسبة له القرية يعتبر مميزاً أو تاجراً كبيراً جداً.
فأخذ يرسل إلى ابنه الأموال تلو الأموال، حتى أخذ الابن يطلب المال أكثر. فالمفترض أن تنتهي الدراسة في ست أو سبع سنوات، هو تأخر ثم أخذ يطلب المال المضاعف، والأب لا يعرف لماذا الابن تأخر، فأخذ ينفق عليه حتى استمر عشر سنوات لم يره ولم يرجع إليه وهو ينفق عليه. ثم بعد ذلك تبين بأن هذا الابن متزوج من امرأة فرنسية، فأصبح يطلب المال المضاعف.
فالوالد ينفق ينفق ينفق حتى وصل إلى أنه لم يعد عنده مال، فأرسل ابنه وقال: أنا ما أملك. ثم بعد ذلك باع دكانه وأنفق المال وقال: يا بني لم يعد عندي مال، انتهى ما عندي شيء خلاص. والابن يصر ويرسل، والأم تفكر بأن الابن سيرجع ويصبح طبيباً ونفخر به وهو خلاص سينفق علينا بعدما نكبر. فاضطر الأب أن يبيع بيته حتى يسدد لابنه المال الذي يريده ويرسل لابنه المال.
فأرسل الابن، ثم بعد ذلك أخذ الابن يطلب، فقال الوالد: يا بني بعت بيتي. فلم يزل حتى باعت الأم ذهبها، ثم بعد ذلك اضطر أن يبيع كل ما يملك ولم يعد عنده حتى بيت، أصبح يعيش في بيت إيجار، وقال: يا بني هذا آخر ما أرسله، وكان قد بقيت عليه سنة في الدراسة بسبب تأخره، ثم اضطر أن يعمل.
فعمل هذا الابن وجاء بعد ذلك إلى الدولة التي هو يعيش فيها، فلما رجع لم يرجع إلى والده ولا إلى والدته، إنما ذهب إلى العاصمة مباشرة وفتح عيادة. فجاء جاره، أتاه جاره وقال له: ما شاء الله ابنك تخرج وأصبح طبيباً، فقال: أتختبر بي وتضحك علي؟ سترى أن ابني كذا، هو كان يظن بأنه يستهزئ به. قال: لا والله، لكني رأيت اسمه في العاصمة، فقال: اذهب معي إن أردت أن تتأكد.
فذهب معه ورأى فلان فلان، فدخل عليه، فلما دخل عليه إذا هو ابنه. فأراد أن يسلم عليه، فزجره ابنه وزمره وقال: اخرج حتى لا تأتي زوجتي وتراك فتقول هذا أبوك. فبكى الأب، وما أعظم دموع الأب وما أشدها! فبكى الأب ورجع إلى زوجته وأخبرها بالذي جرى.
الآن لو أي واحد أراد أن يقضي على هذا الابن، ما الذي سيتخذه؟ ما هو القرار الذي سيحكم به؟ ما هو الحكم الذي سيحكم على هذا الأب؟ كل واحد سيفكر بطريقة. عقوبة هذا الابن، هذا الابن شكله ارتكب جرماً عظيماً، وهذا الذنب ذنب العقوق يعجل لصاحبه عقوبته في الدنيا. العقوق والبغي يعجل لصاحبهما العقوبة في الدنيا. طيب الذي كفر بالله سبحانه وتعالى، هذا كيف يكون نكرانه؟ كيف سيكون؟ ما هي العقوبة التي يستحقها؟
قال الله تعالى: ﴿وَلَا يُشْرِكُ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾. الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لما شاء.
الآباء والأمهات ينعمون ببعض نعم الله سبحانه وتعالى، وأعظم نعم الله على الإطلاق نعمة الإسلام: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾. ونعمة القرآن: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾.
سبحانه وتعالى هنا يقول: ﴿مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾، ثم يذكر الإنسان بأصل الخلقة: ﴿أَلَمْ يَكُنْ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى * ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى * فَجَعَلَ مِنْهُ الْأَزْوَاجَ الثَّنَى وَالثُّلَاثَ﴾، أي يذكر الإنسان بأصل الخلقة الذي خلقك، لم تكن عدمًا، ﴿أَلَمْ يَكُنْ إِنْسَانًا شَيْئًا مَذْكُورًا﴾. ﴿الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ﴾، أي سوى خلقك فجعلك متناسب الأعضاء، ﴿فَعَدَلَكَ﴾ أي أمالك وصرفك في أي صورة ما شاء، أو فعدلك أي قوم أعضائك.
فالله سبحانه وتعالى هو الذي خلقك، وأنت قبل أن تُخلق لم تكن شيئًا، وأصلك من ماء مهين. لماذا تنسى أصلك؟ كيف أنك كنت من ماء مهين؟ ثم في النهاية ﴿ثُمَّ إِذَا كَبُرْتَ نُخِعْتَهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلَا يَعْقِلُونَ﴾. لكي لا يعلم من بعد علم شيئًا، ترجع طفلًا صغيرًا لا قيمة لك، تُعد من سقط المتاع. لما يكبر بك العمر، في الشباب تكون عندك قوة وطاقة إلى آخره، لكن بعد ذلك ترجع إلى الضعف كما كنت، ولكن الفارق أنك في الصغر يعتني بك الآباء والأمهات، أما في الكبر وفي الشيخوخة فلا يكون لك قيمة.
أنت العمر يجري بك من ضعف إلى ضعف، وبين هذه الحال وتلك الحال لابد أن تعتريك لحظات مرض وضعف وتسقط بها، حتى لا تنسى أنك مخلوق من أجل العبادة، وأنت عبد ضعيف لا تملك في أمرك شيئًا. الذي خلقك هو الذي بين خلقك وقواك وصنع لك هذا الجهاز العجيب، هذا الإنسان المخلوق الخلق العظيم.
انظر الآن إلى سمعك، كيف تسمع الكلام وكيف يخرج منك الكلام؟ كيف يخرج الهواء من فم الإنسان مع تحرك الأسنان واللسان وتخرج هكذا حروف تركب منها كلمات وجمل وعبارات، ثم كيف تسمعها لما تدخل الأذن؟ بعد دخولها إلى الأذن أين تذهب في داخلك؟ تأمل وتفكر في خلق الله سبحانه وتعالى لك: ﴿فَسَوَّاكَ﴾؛ لست كالحيوانات تمشي على أربع أو على ثلاث، إنما سوى خلقك سبحانه وتعالى وعدلك، وكل خلق الله حسن في أي صورة ما شاء ركبك. انظر كيف أن البعض يكون شبيهًا بأخواله، والبعض يكون شبيهًا بفلان، كيف يكون هذا؟ تفكر وتأمل، من الذي يصرف هذه الأمور؟ من الذي يشكل هذه النطفة حتى تكون بهذه الصورة وهذه الطريقة؟ ولو شاء الله سبحانه وتعالى جعلك كصورة الحمار أو كصورة القرد أو صورة أي حيوان، ولكن الله سبحانه وتعالى لم يشأ، إنما شاء أن تكون بصورة حسنة جميلة، وأنت لا تملك لأمرك شيئًا، إنما أنت عبد خلقك الله بهذه الصورة وهذه الطريقة. فلماذا هذه النعم كلها تقابلها بالجحود؟
قال: ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾، ثم قال بعد ذلك: ﴿كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ﴾، هذا ردع وزجر لهذا الإنسان الجاحد، لهذا الإنسان الكفور، أي بيوم القيامة. هذا هو الذي يحملكم على العصيان وعلى الجحود. ثم قال: ﴿إِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ﴾، أي ملائكة تحفظكم إلا من قدر الله، لما يأتيه معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله، فإذا جاء أمر الله ارتفعت الملائكة.
ملائكة يحفظون الإنسان ويكتبون أعمال الإنسان: ﴿إِنَّ عَلَيْكُمْ لِحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ﴾. الملائكة معكم، وكل إنسان معه قريلاً من الملائكة، والملائكة تنزل في الصلاة، والشخص لما يقرأ آية الكرسي أو لما يذكر الله سبحانه وتعالى، أو لما يتقلب في فراشه، الملك يستغفر له ويدعو له. فالملائكة معنا في كل لحظة وفي كل حين، لكن هناك فرق بين ملائكة الرحمة وملائكة العذاب. بعض الناس تقبض روحه كما ذكرنا في سورة النازعات ملائكة الرحمة، والبعض والعياذ بالله تقبض روحه ملائكة العذاب.
﴿إِنَّ عَلَيْكُمْ لِحَافِظِينَ﴾ يحفظون أعمالكم، كرامًا كاتبين. هو الكريم سبحانه وتعالى واختار هذا الخلق وجعلهم كذلك كرامًا، فقابل هؤلاء الكرام بما يليق: ﴿كِرَامًا كَاتِبِينَ﴾، يكتبون الأعمال: فلان فعل كذا، فلان قال كذا. لكن هل يكتبون النيات؟ هل النيات تكتب أو ما تكتب؟ لا يعلم القلوب إلا الله سبحانه وتعالى، لكن يقال بأن الملك يجد رائحة للنية، فإذا كانت النية حسنة وجد رائحة طيبة فيكتبها، وإذا كانت غير حسنة لم يجد رائحة طيبة بل رائحة سيئة فيكتبها.
﴿كِرَامًا كَاتِبِينَ﴾، كرام على الله سبحانه وتعالى، معظمين عند الله سبحانه وتعالى، لهم منزلة وقدر عند الله سبحانه وتعالى. ﴿يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾، كل شيء مرصود وكل شيء مكتوب، فلا تظن أنك إذا خلوت بأن الله لا ينظر إليك، وأن الملائكة ليست معك، بل الملائكة موجودة وتنظر إليك وتكتب ما تفعله، والله سبحانه وتعالى مطلع على كل شيء.
ثم قال الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾. الأبرار جمع بر وبار، والبر هو المطيع، وهنا أكثر من أعمال البر حتى استحقوا أن يسموا بالأبرار. إن الأبرار -والتأكيد في "إن"- أي الطائعين المكثرين من أعمال الخير والصلاح، ﴿لَفِي نَعِيمٍ﴾. النعيم كما يقول ابن القيم في الدنيا، ما يوجد من نعيم في الدنيا فمن لم يدخله لم يدخل نعيم الآخرة، وهو نعيم السعادة.
﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾؛ من شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه، هم في نعيم، حياتهم كلها نعيم. يقول إبراهيم بن أدهم، ولم يكن يملك من الدنيا شيئًا، وكان يأكل الماء ويشرب الماء ويأكل الخبز اليابس، ويقول: «إننا في سعادة لو علم بها الملوك وأبناء الملوك لزالوا دونها بالسيوف». هذه سعادة الإيمان، هذه حلاوة الإيمان. لما سُئل أبو سفيان: هل يرتد أحد منهم لسخطه لدينه بعد أن يدخل فيه؟ فقال: لا، قال: كذلك الإيمان إذا خالط بشاشته القلوب. ولما سُئل بلال عن صبره وعن سبب صبره وكيف تحمل البلاء الذي وقع عليه، قال: «مزجت حلاوة الإيمان بالعذاب فطابت».
يقول النبي ﷺ: «ذاق طعم الإيمان من رضي بالله رباً وبالإسلام ديناً ومحمداً صلى الله عليه وسلم رسولاً»، ويقول: «ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب...».
ألا ما سوما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا الله، وأن يكره أن يعود بالكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار.
قال: حلاوة الإيمان، بشاشة الإمام، طعم الإمام؛ إذاً هذا له طعم وله حلاوة، ويذوقها أصحاب الإيمان. إن الأبرار في نعيم في الدنيا، وكذلك في البرزخ؛ لما يدخلون في قبورهم ويأتي الملكان ويسألان، يسأل الملكان هذا الرجل صالح الميت، ثم بعد ذلك يأتيه رجل حسن الثياب، حسن الوجه، طيب الرائحة، فيقول: من أنت؟ ووجهه الوجه الذي يجيء بالخير، فيقول: أنا عملك الصالح. ثم بعد ذلك لما يبعث يوم القيامة، الناس يخافون، وهذا عبد آمنه الله: ﴿لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: 38]. أولياء الله سبحانه وتعالى، ثم يعيش في النعيم المقيم في الجنة.
قال: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ [الانفطار: 13-14]. الفجار في جحيم؛ في الدنيا يعيشون في ضيق، في نكد، في كدر: ﴿فَمَن يُعْرِضْ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا﴾ [طه: 124]. ضيق، نكد، كدر؛ المرء عن ذكره فإن له معيشة ضنكًا، ونحشره يوم القيامة أعمى.
قال: ﴿وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾؛ جحيم في الدنيا، وكذلك في البرزخ. يأتيه رجل بعد ما يسأل ويضربه رجل سيء، قبيح الوجه، كريه الرائحة، فيقول: من أنت؟ ووجهه الوجه الذي يجيء بالشر، فيقول: أنا عملك الخبيث. وكذلك في الآخرة، يعذب في عرصات القيامة، ثم بعد ذلك يذوق العذاب الأليم في جهنم.
قال: ﴿إِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾. يُروى بأن سليمان بن عبد الملك، الخليفة الأموي، قال لأبي حازم المدني: ألا شعري ما لنا عند الله؟ قال: اعرض عملك على كتاب الله، فإنك تعلم ما لك عند الله. قال: فأين أجد في كتاب الله؟ قال: عند قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾. قال سليمان: فأين رحمه الله؟ قال: ﴿قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الشعراء: 89]. فسيان؛ ينظر هل هو من الأبرار أو من الفجار. حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزينوا أعمالكم قبل أن توزنوا.
ثم قال: ﴿يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ﴾؛ يصلونها، يدخلونها ويذوقون شدة حرها. متى يوم الدين؟ يوم القيامة، يوم الحساب، يوم الجزاء. ثم قال: ﴿وَمَا هُم عَنْهَا بِغَائِبِينَ﴾؛ أي لن يخفف عنهم العذاب، ولن يخرجوا من العذاب، ولن يموتوا في العذاب، إنما سيستمر العذاب بهم جزاء كفرهم وعنادهم.
وتأملوا معي هذه الآيات لما تنزل زل على النبي ﷺ، وكيف يستمع الصحابة إلى هذه الآيات، وأثر هذه الآيات في تعظيم الإيمان وتثبيت الصحابة على البلاء الذي يقع عليهم في مكة، وفي المقابل أثر هذه الكلمات على الكفار الذين يعاندون النبي ﷺ ويصارعونه.
ثم قال تفخيماً وتعظيماً لهذا اليوم العظيم: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ﴾؛ تفخيم وتعظيم وتهويل لهذا اليوم. يوم الدين، وسماه هنا بيوم الدين، وسماه قبل ذلك بيوم الفصل، وسمى كذلك بالطامة الكبرى، وبالصاخة؛ فهذا التعديد وهذا التنويع وهذا التكثير في هذه الأسماء لبيان العظمة.
قال: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ﴾. ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِّنَفْسٍ شَيْئًا ۖ وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِّلَّهِ﴾ [الانفطار: 19]. لا يملك أحد لأحد شيء يوم القيامة؛ كان النبي ﷺ يقول: «يا عباس، لا أغني عنك من الله شيئًا»، «يا صفية، عمه رسول الله، لا أغني عنك من الله شيئًا»، «يا فاطمة بنت محمد، سليني من مالي ما شئتِ، لا يغني عنك من الله شيء». لا أحد يملك لأحد شيء يوم القيامة.
قال: ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِّنَفْسٍ شَيْئًا﴾، ﴿وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِّلَّهِ﴾؛ الأمر لله في كل لحظة وفي كل حين، ولكن هنا خُص الأمر لله سبحانه وتعالى؛ لأن في ذلك اليوم لا يملك أحد أي شيء، إنما يكون الملك فقط خاصاً وخالصاً لله سبحانه وتعالى. حتى الخطاب ما يملكون كما ذكرنا في سورة النبأ، حتى الكلام ما يملكون إلا أن يأذن الله سبحانه وتعالى. هذا ما يتعلق بهذه السورة الجليلة، والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا.
الشيخ أحمد بن خالد الهاجري