الحمد لله والصلاة والسلام على خير خلق الله، وعلى نبينا وقائدنا محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، ثم أما بعد؛ فحياكم الله إخواني جميعًا وبياكم، وسدد على طريق الخير خطاي وخطاكم.
نكمل مدارسة سورة الأحزاب، وكنا قد توقفنا عند قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا * وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا﴾ [الأحزاب: 45-47].
بعد ما ذكر الله سبحانه وتعالى الآيات المتعلقة بزواج النبي عليه الصلاة والسلام من زينب بنت جحش رضي الله عنها وأرضاها، وما أكرم الله سبحانه وتعالى زينب بعد استجابتها للنبي عليه الصلاة والسلام ولأمره، وأمر الله قبل ذلك بأن يتزوجها النبي عليه الصلاة والسلام، عقب الله سبحانه وتعالى بعد ذلك ببيان هذا الحكم، أي حكم التبني، ونسخ هذا الحكم العملي من خلال نفس فعل النبي عليه الصلاة والسلام، ورد على من قال بأن محمدًا تزوج من مطلقة ابنه، قال الله: ﴿مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَٰكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ ۗ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ [الأحزاب: 40]. ثم أمر الله سبحانه وتعالى أهل الإيمان بذكر الله سبحانه وتعالى.
هذه الآيات فيها تطمين للنبي عليه الصلاة والسلام، وكذلك بها بيان وصف النبي عليه الصلاة والسلام وشأن النبي عليه الصلاة والسلام؛ فالنبي عليه الصلاة والسلام تم إرساله من أجل أن يبلغ رسالة الله سبحانه وتعالى، وأن يبشر من يستجيب لهذه الدعوة وهم أهل الإيمان، وينذر من يخالف أمر الله سبحانه وتعالى. وجاءت هذه الآيات بعد ما قال أهل النفاق ما قالوا، وفي هذه الآيات تعظيم لشأن النبي عليه الصلاة والسلام، وكذلك تبشير لأهل الإيمان باستجابتهم لكل ما يقوله النبي عليه الصلاة والسلام ولكل ما يفعله، وإن كان هذا قد يخالف بعض ما هو مستقر عندهم.
فالنبي عليه الصلاة والسلام قد أرسل شاهدًا لله سبحانه وتعالى بالتوحيد، وكذلك شاهدًا على من يستجيب لله سبحانه وتعالى؛ سيسأل النبي عليه الصلاة والسلام عما فعله الناس، أو سيكون هو شاهدًا عليهم عليه الصلاة والسلام. الله سبحانه وتعالى بعث هذا النبي الكريم حتى يشهد على أهل الإيمان، وكذلك مبشرًا لهؤلاء ونذيرًا لأهل النفاق والكفر مما هم فيه.
ثم قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾، أي بأمره؛ وظيفة النبي عليه الصلاة والسلام دعوة إلى الله سبحانه وتعالى، فكل ما يفعل النبي عليه الصلاة والسلام ليس من قبل نفسه، فزواج النبي عليه الصلاة والسلام من زينب ونسخ هذا الحكم، وكذلك تطليق زيد من زينب، هذا كله بقدر الله سبحانه وتعالى وبأمر الله سبحانه وتعالى، فاستجابة النبي عليه الصلاة والسلام لله سبحانه وتعالى عالية.
وهذا الذي فعله كله عن أمر الله سبحانه وتعالى ليس عن أمر النبي عليه الصلاة والسلام ولا عن إرادته، ولو كان الأمر إليه لما فعل النبي عليه الصلاة والسلام حتى ما يقول أهل النفاق ما قالوا. وهذا مثل ما ذكرنا في اللقاء الماضي؛ ثقيل على أصحاب النفوس الشريفة، ولكن الله سبحانه وتعالى يريد أن يقرر حكمًا عامًا معينًا، والله سبحانه وتعالى أعلم بما يصلح للناس، لذلك هنا الله سبحانه وتعالى أنزل مثل هذه الآيات العظيمات تسلية للنبي عليه الصلاة والسلام وبيانًا لدور هذا النبي الكريم.
فكل ما يفعله عليه الصلاة والسلام هذا أمر من الله سبحانه وتعالى، وهذا كله تربية لأهل الإيمان حتى يصلوا إلى التجرد لأمر الله سبحانه وتعالى، وهذه هي التزكية الإيمانية. كثير من الناس لما يسمع دروس التزكية يظن بأن التزكية الإيمانية عبارة عن كلمات تقال، هي ليست بهذه الطريقة، وواهم من ظن بأنه بلغ درجة عالية بالتزكية الإيمانية؛ لأن التزكية الإيمانية أو إيمان الإنسان يظهر في هذه المواقف، وليس كما يقول ابن عقيل الحنبلي في الحج "لبيك اللهم لبيك"، ولا في الدعوة إلى الصلاة؛ أي الأمور العامة التي استقرت في نفوس الناس، فهنا لا يظهر الإيمان.
متى يظهر الإيمان؟ يظهر الإيمان لما يبتلى الإنسان، لما يصدم الإنسان؛ هل يستجيب أو ما يستجيب؟ هل الإنسان أصبح موافقًا لمراد الله سبحانه وتعالى أو ما زال الإنسان عنده هوى خاص به؟ القصد من ذلك هنا أن الله سبحانه وتعالى يقرر هذه المعاني، والمعاني المتجذرة في نفوس الناس تحتاج إلى صدمة قوية، لذلك إذا ما قام المؤثر من الناس ما تزول هذه الأعراف، وهذا المؤثر لما يقوم بما يقوم به يختلف الناس عليه اختلافًا كبيرًا؛ لأنه صدم عرفًا قويًا عند الناس.
من الذي الآن أزال هذا العرف المستقر؟ هو النبي عليه الصلاة والسلام. الآن هل تستجيبون؟ الذي يستجيب سيتزكى، هذه هي التزكية. فالتزكية ليست نظرية فقط، إنما هي نظرية عملية. التزكية الإيمانية تكون من خلال تقرير هذه المعاني: تقرير حب الله سبحانه وتعالى، وتعظيم الله سبحانه وتعالى في القلب وإجلال الله والجنة والنار وهكذا، وتعظيم النبي عليه الصلاة والسلام في النفوس؛ هذا الأمر النظري، ثم يأتي بعد ذلك التطبيق العملي: الله يقول كذا تفعل أو ما تفعل، تستجيب أو ما تستجيب، أو أنك تتأول.
التأول هذا دليل على أن التزكية ليست قوية، إنما الإنسان يفعل الذي يريده فيحرف مراد الله سبحانه وتعالى؛ لأنه لم يصل إلى الاستجابة ولم يقاوم الشعور. ولا بد أن يبتلى الإنسان كثيرًا، هذه الابتلاءات التي تمر على الإنسان في الاستجابة وتكون ظاهرة وبينة، إذا فعلت الآن بدأت تزكي نفسك، هذه التزكية، وبعد هذا الاختبار سيكون إيمانك أعلى من إيمانك قبله.
أما التزكية النظرية فهذه ليست هي تزكية النبي عليه الصلاة والسلام لأصحابه، والقرآن يعلمنا كيف كان يربي أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، كيف كان يوجه أهل الإيمان. فمع وجود ووقوع مثل هذا الحكم المؤثر في النفوس، ولا شك أن النفوس تأثرت، هنا الله سبحانه وتعالى يبين ويعقب على هذا بأن الله يأمر أهل الإيمان بالذكر الكثير حتى يقوى الإيمان في قلوبهم.
وكذلك الله سبحانه وتعالى يبين بأن هذه وظيفة النبي عليه الصلاة والسلام، وكل ما يفعل هذا الرجل الذي ترونه أمامكم ليس من قبل نفسه، إنما هذا النبي مستجيب منقاد لأمر الله سبحانه وتعالى، «يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك»، وهنا الله يقول: ﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ﴾، فالذي يقوم به هذا النبي الكريم هو كله محض أمر الله سبحانه وتعالى، ووظيفته هو التبليغ والبيان والدعوة إلى الله نظرية وعملية، فهو يفعل الذي يريد الله سبحانه وتعالى.
وتعالى منه، ثم بعد ذلك وصف بهذا الوصف العظيم والجليل والعالي، قال: ﴿وَسِرَاجًا مُّنِيرًا﴾. أي هذا النبي مثاله مثال السراج، مثال الشمس الوهاجة، هو مضيء إضاءة قوية وعالية.
فأمر هذا النبي ما يخفى، والوحي الذي بعث فيه هذا النبي كذلك لا يخفى على أصحاب العقول السليمة والفطر النقية. فالنبي عليه الصلاة والسلام ما جاء إلا بما فيه خير، وهو بنفسه عليه الصلاة والسلام بلغ الذروة بالكمال البشري، فالله سبحانه وتعالى كمل له صفاته، والله سبحانه وتعالى بعث بأعظم كتبه وبعث بأعظم شرعه، وهذا الأمر لا يخفى إلا أن النفوس المريضة ما تنظر إلى السراج المنير، والسبب ليس في السراج، إنما السبب في عمى هذه النفوس وعمى هذه القلوب.
أما النفس والقلب لما يكون صافيًا والقلب لما يكون معه بصيرة، سيبصر حال النبي عليه الصلاة والسلام. لذلك النبي عليه الصلاة والسلام -كما يقول شيخ الإسلام في بيان من يدعي النبوة-: «لا يدعي النبوة إلا أحد رجلين: إما أصدق الصادقين، أو أكذب الكاذبين». وقطعًا هذا النبي الكريم ليس من القسم الثاني، إنما هو من أصدق الصادقين عليه الصلاة والسلام، وكان يلقب قبل ذلك بالصادق الأمين.
فالنبي عليه الصلاة والسلام كل ما فيه يدل على أنه مبعوث من قبل الله سبحانه وتعالى، فأوصافه وأفعاله وأخلاقه، وكذلك شرعه وأقواله وما يقوم به كله يدل على أن هذا المخلوق مختلف عن بقية البشر، هذا الإنسان مبعوث من قبل الله سبحانه وتعالى؛ لذلك الله قال: ﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا﴾. وصف بأنه سراج منير لمن يقتدي به، لمن يسير على هديه ومنهاجه، ومن لا يخالفه، أما الذي يخالفه فلن ينتفع بما بعث الله سبحانه وتعالى به.
لذلك الله سبحانه وتعالى يخبر بأن هذا القرآن الكريم وهذا النبي الأمين عليه الصلاة والسلام يؤثر وينفع ويزيد هدى أصحاب الهدى: ﴿زِدْنَاهُمْ هُدًى﴾. وإذا نزلت الآيات على النبي عليه الصلاة والسلام تزيد قسمًا من الناس إيمانًا مع إيمانهم، أما القسم الآخر فزادتهم رجسًا إلى رجسهم. القسم الآخر هو الذين تزيدهم الآيات والكلمات العظيمات هدى وتقوى وصلاحًا، أما القسم الثاني -نسأل الله السلامة والعافية- هم أهل النفاق تزيدهم ضلالًا؛ لماذا؟ لأن هؤلاء أنفسهم هم ضالون، والماء عبارة عن ماء صافٍ، وهؤلاء وضعوا أو غرسوا وبذوا في قلوبهم بذرة النفاق، فهذا الماء يزيد الذي تبذره؛ فإذا بذرت الخير والصلاح نمت شجرة الخير والصلاح في القلب، وإذا بذر الشخص -والعياذ بالله- النفاق والرياء والعجب، وهذه الأمراض -نسأل الله السلامة والعافية- قد يزيد هذا كذلك ضلالًا.
لذلك الذي يطلب العلم ينقسم إلى قسمين: قسم منهم يرتقي في عال الجنان ويكون من الصديقين، وليس بينه وبين الأنبياء إلا درجة النبوة، من طلب العلم هذا لله، يعني قبل ذلك هو طيب قلبه بالإخلاص. أما القسم الثاني -نسأل الله السلامة والعافية- هو الذي يطلب العلم حتى يعدو على الناس، حتى يتكبر، حتى يصرف وجوه الناس إليه، هو نفسه مريض، والعلم عبارة عن ماء صافٍ، هذا الماء الصافي زاد ما في قلبه، الماء ماء، لكن ما الذي بذرته؟
لذلك علمنا النبي عليه الصلاة والسلام كيف نتلقى الدين، وكيف علم النبي عليه الصلاة والسلام كذلك الصحابة الأجلاء رضي الله عنهم وأرضاهم، ليس كما يفعل كثير من الناس. كان عبد الله بن مسعود يقول: «كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم نتعلم العشر آيات ولا نتجاوزها حتى نتعلم ما فيها من العلم والعمل، فأخذنا العلم والعمل والإيمان جميعًا». وكذلك كما يقول جند بن عبد الله: «كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن فتيان حساورة، فتعلمنا الإيمان قبل أن نتعلم القرآن، ثم تعلمنا القرآن فزدنا به إيمانًا».
هنا لما يتعلم الإيمان ثم يقرأ مثل هذه الآيات، هنا تنمو شجرة الإيمان في القلب ويعظم عند الشخص، وهذه هي التزكية الإيمانية. هذه التزكية لا طريق إليها إلا من خلال النبي عليه الصلاة والسلام؛ هو الذي بعث في الأميين رسولًا منهم ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ﴾. هذه يزكيهم، كيف كانت؟ انظر إلى سيرة النبي عليه الصلاة والسلام وفي مثل هذه الآيات تعرف معنى التزكية الإيمانية.
فالنبي عليه الصلاة والسلام يقرر تعظيم الله سبحانه وتعالى في القلوب، وبين لهم، وينقل الصحابة دائمًا إلى التعلق بالآخرة وليس بالدنيا، وإلى تحقير الدنيا في النفوس، ولا يترك مشهدًا من المشاهد ولا موقفًا من المواقف إلا ويربط أهل الإيمان بالله سبحانه وتعالى، وكذلك بيوم القيامة وبالجنة، ويحذرهم عليه الصلاة والسلام من النار، وهكذا. ثم تأتي بعد ذلك التطبيقات العملية، مثل هذا الموقف -وهذا كثير في السيرة النبوية- يأتي التطبيق العملي؛ الآن الإيمان موجود في القلب، ثم تأتي مثل هذه الآيات فيستجيب أهل الإيمان، ولا يلتفتون إلى ما يقع بالنفوس، ولا يلتفتون إلى خطاب أهل النفاق، فيتزكون فيرتقون في سلم الإيمان.
لذلك الذي يظن بأن التربية الإيمانية عبارة عن دروس وكلمات مجردة من غير تطبيق عملي، فهذا وهم كبير، فلما يأتي التطبيق العملي يظهر الإيمان وتصدق التزكية، أما قبل ذلك فالتزكية نظرية ليست حقيقية؛ يعني ممكن الشخص يقرأ ويعرف ويتعلم إلى آخره، لكن ما طبق إلى الآن، ما طبق، جاء الموقف، هل حرص أن ينظر إلى الله وأن يستجيب له؟
والله يعلمنا كيف أن الآن هذا الموقف كان ثقيلًا، وهل النفاق سيتكلمون؟ بل تكلموا وقالوا، لكن بعد ذلك الله ينزل هذه الآيات التي فيها تطمين لأهل الإيمان وتسكين لنفوسهم، وكذلك بيان لدور هذا النبي الكريم عليه الصلاة والسلام، ووصف هذا النبي بأبي أمته عليه الصلاة والسلام ﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ﴾، وهذه وظيفة النبي عليه الصلاة والسلام، فانتبهوا، هذا كله زواج من زينب ونسخ لهذا الحكم، دعوة إلى الله سبحانه وتعالى، وكل حياة هذا النبي دعوة إلى الله سبحانه وتعالى بأمره ﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا﴾.
ثم قال: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُم مِّنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا﴾؛ أي استجابتكم لأمر الله وتقديمكم ما قاله الله سبحانه وتعالى على ما قد يقع في النفوس، فتغالبون النفوس وتصارعونها حتى تستجيبوا لأمر الله سبحانه وتعالى، ولا تنقادون إلى ما تريد النفس أو ما كانت عليه الأعراف التي كانت موجودة، هذا كله له أجر عند الله عظيم.
ثم بعد ذلك يوجه الله نبيه الكريم عليه الصلاة والسلام، وبين له بأن أهل الكفر والنفاق لن يدعوك، وأن هذه المعركة مع هذا القسم من الناس -أي الكفار والمنافقين- هي معركة مستمرة لن تنتهي، وكل موقف يأتي ويظهر فيه.
هكذا يحرص أهل النفاق، أو يجد أهل النفاق طريقًا للكلام؛ لابد أن يقع. لذلك لما وقع خلاف بين غلام للمهاجرين وغلام للأنصار، هذا خلاف وقع هنا ظهر أهل النفاق، وقال عبد الله بن أُبيّ لما رجعت أم عائشة رضي الله عنها وأرضاها مع صفوان، هنا قال أهل النفاق ما قالوا.
ما يدعون أي موقف فيه مدخل أو يستطيعون الدخول من خلاله في التشكيك والطعن وإثارة الشبهات إلا ويفعلوه؛ ما هو واجب الإيمان. انتبهوا واحذروا أن تنقادوا لأهل النفاق، هذه اختبارات يقدرها الله وستمر، هذه اختبارات ولا بد أن تستمر ما دام هناك أهل خير وصلاح.
وقد يقع الكثير، والله يقع، وسبب ذلك عدم العيش مع القرآن الكريم ومعرفة أوامر الله سبحانه وتعالى، فيستجيبون لما يرونه مثلا في الإعلام. وقد يكون الموقف فيه شبهة، لكن هو نعرف منه الصلاح، والموقف به شبهة، فهم يدخلون في هذا الباب باب الشبهة ويجعلون الشبهة يقينًا، وهي ليست يقينًا. قال الله سبحانه وتعالى: ﴿إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ أَن تُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: 6].
هنا الله يبين لنبيه عليه الصلاة والسلام بأن هذا القسم أعرض عنه ولا تبالِ به، وهذا القسم لا ينتهي، بل هو مستمر معك في هذا الطريق. فما دمت تدعو إلى الله، لابد أن تصارع أولياء الشيطان. قال تعالى: ﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ [الأحزاب: 48]. ذكر الله سبحانه وتعالى هذا المعنى في أول السورة، ثم هنا كرر بعد ذلك الله سبحانه وتعالى هذا المعنى، فهذا التعقيب بعد التبين.
بداية السورة كانت فيها تقرير الأصل الذي ينبغي أن يستقر في نفس النبي عليه الصلاة والسلام أولًا، ثم أهل المنافقين بعد ذلك؛ أي أن الأصل في بداية السورة أن الله سبحانه وتعالى يبين لنبيه الكريم بأن المعركة طبيعي أن تكون مستمرة مع هذا القسم من الناس، ولا تلتفت إليهم، ولا يغلبك الواقع أو يضغط الواقع على النفس حتى يؤثر في الاستجابة لأهل النفاق، أو أنك تترك شيئًا من الحق حتى ما يقولوا كذا وكذا، أو تستجيب لهم حتى تكف شرهم؛ لا، لا تلتفت إليهم، اجعل أقوالهم وجودها وعدمها واحدًا كأنهم لم يقولوا شيئًا.
عقب الله بعد ذلك للحاجة لهذا التعقيب؛ فالإنسان لما يكون في موطن البلاء يحتاج أن يُذكر بالمعنى البين والظاهر، لأن النفس هنا في وقت البلاء غير في وقت الرخاء. وقت الرخاء المعنى النظري سهل، لكن في وقت البلاء نحتاج أن نقرر هذا المعنى في النفس، فنحتاج أن نتذكر هذه المعاني ونذكر أنفسنا بها حتى لا يغلبنا الواقع وضغط الموقف. لذلك الله هنا كرر هذا المعنى لأن هناك ضغطًا كبيرًا، ومثلما ذكرت، الضغط على النفس الشريفة خاصة في مثل هذه المعاني ثقيل جدًا.
والآن نعيش مع هذا الموقف ونعيش مع نفس النبي عليه الصلاة والسلام ونعيش مع توجيه القرآن الكريم للنبي عليه الصلاة والسلام: ﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ﴾؛ يعني لا تبالِ بالذي يقولونه، هذا كله كلام عبارة عن هواء، كل ما يقولون لا قيمة له لأنك منصور من قبل الله سبحانه وتعالى، وهؤلاء لا يملكون شيئًا أحيانًا.
أحيانًا الداعي إلى الله سبحانه وتعالى لما يكثر عليه كلام الكفار والمنافقين يتأثر، وهذا التأثر يحمله على أن يسكت عن بعض الأشياء، أو يحمله على أن يستمع لهؤلاء، أو يحمله على أن يعطيهم أكبر مما يستحقون. الله يبين للنبي عليه الصلاة والسلام بأن هذا أمر طبيعي يقع، وهذا توجيه للنبي عليه الصلاة والسلام وكذلك لكل من يأتي بعده ممن يدعو إلى الله، ممن يقوم بوظيفة الأنبياء ويسير على نهج الأنبياء.
لذلك أقول كلمة توضع على الهامش في هذا السياق: الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى التي لا يوجد معها صراع، يعني تدعو إلى الله ولا أحد يهمك ولا يطعن بك ولا يتكلم ولا يحذر منك، ترى هذه ليست دعوة نبوية، يعني أنت الآن في دعوتك نقص. هذا لا يتعمد الشخص، لكن إذا لم تقع مشكلة، وإذا كان عندك محضن تربوي أو تدعو الله ومعك هؤلاء الطلبة الذين لا يأتونك ويقولون لك إن حدث معي كذا أو وقع لي كذا، هذه ليست دعوة كاملة، هذه دعوة بها نقص قطعا.
وهنا التربية لابد أن تكون، الله يريد أن يعلمنا سبحانه وتعالى هنا: ﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ﴾؛ إذًا لابد من وجود قسم من الكفار ووجود منافقين، والمنافق يأتيك ويقول لك كذا وكذا، وهذا يحدث كثيرًا؛ فلا تستجب له ولا تلتفت إليه، واعلم أن هذا اختبار من الله سبحانه وتعالى.
ولا تفرح بثناء عليك، فبعض الناس كثيرًا ما يسمع عن شخص فيفرح لما يثني عليه أهل النفاق. لماذا تفرح؟ والله لما يقول لي شخص هكذا في دولة تحارب الإسلام مثلاً ثم يقول بأن نفس هؤلاء راضون عني، هذا مشكلة. أنا لا أقول لك افعل شيئًا لا تستطيعه، لكن إذا هم رضوا عنك ترى هذه مشكلة، فلا تسعد بهذا الرضا ولا تلتفت إليهم.
الله سبحانه وتعالى يعلمنا بأن هؤلاء لا يملكون شيئًا. شوف يا شباب، كون الله وحكم الله سبحانه وتعالى فقط هو النافذ، أما كل من سوى الله سبحانه وتعالى لا يستطيع أن يفعل شيئًا. وهذه الدعوة منصورة بالله، ليس بقوة الداعية وليس بذكائه ولا بتخطيطه ولا بمشروعه، لذلك لا تتعلق كثيرًا بهذه الأسباب؛ ابذلها فقط ولكن توكل على الله ولا تلتفت.
تقول كيف؟ يقول لك هذا الكلام كله إذا أراد الله سبحانه وتعالى ألا يكون له أثر فلن يكون له أثر. سيكون هذا الكلام ثم ستمضي بدعوتك وتستمر، وهذا الكلام كأنه نباح الكلاب، القافلة تسير، وهذا النباح إذا توقفت له خسرت، وإذا حاولت أن ترضي هؤلاء الكلاب كذلك خسرت. إذاً ما الحل؟ تعرض. طيب هم يتكلمون، خلي لهم تكلموا. يتاثر بعض الناس، لماذا يتأثر بدعوة الكفار والمنافقين إلا من عنده مشكلات أصلاً؟ هذا سبب حتى يخرج من الدعوة، وهو سبب مقدر من الله سبحانه وتعالى. الواجب عليك أن تبذل وتبين: ﴿فَانْصَحُوا لَهُمْ﴾، لا تجعل المنافقين طريقًا، لكن إذا بذلت كل شيء لا.
لا تتجاوز هذا الحد وترضِ أهل النفاق، بل استمر بدعوتك. خذ مع التاجر والتثوير أكثر من هذا حتى ننتفع بآيات القرآن الكريم. لازم ندخل بالموقف، يا شباب لازم ندخل بالموقف. ماذا كان الموقف الآن مع النبي ﷺ في المدينة؟ وكيف النبي ﷺ والقرآن يحكي نفس حال النبي ﷺ، كيف أنه كان متأثراً؟ وتخشى الناس؟ والله حق تخشاه، لا يخاف من الناس ﷺ، لكن ماذا سيقول هؤلاء؟
حتى أهل الإيمان ممكن يتأثرون؛ كيف تزوجت الآن من هذا الثقيل؟ الله يبين لنا أن هذا نعم الثقيل، والله سبحانه وتعالى يريده، والله سبحانه وتعالى يختبر ويُزكي أهل الإيمان بهذه الطريقة. وين؟ الموافقين لن يتأثر بدعوة المنافقين إلا من هو مثلهم. هذا سبب يقدره الله سبحانه وتعالى حتى يفتن من لا يستحق الاستمرار بهذا الطريق، وما أكثر هذه الأسباب وما أكثر هذه الفتن التي تصيب الناس الداعية.
لا تدخل، ولازم يعرف الداعية بأن هذه الفتن مكتوبة ومقدرة ولا بد أن تقع؛ لذلك اصدق مع الله سبحانه وتعالى واستمر في صدقك مع الله، والتحم بالقرآن الكريم إن أردت النجاة، أما غير ذلك فلا طريق للنجاح. الفتنة مكتوبة على البشر، والسعيد من نجا من هذه الفتن وارتقى وصاب الدرجات العالية الموجودة في باطن هذه البلاءات.
هنا الله يقول بأن هذه فتنة، والفتنة هنا بالاستجابة لهم، الفتنة هنا بالتوقف، الفتنة هنا بإعطاء كلامهم أكبر من قيمته. ليست لهم حاجة، لكن يعطونه أكبر من قيمته، ودع عذاهم، يعني كأنهم ما قالوا شيئاً، لا تلتفت ولا تكترث. ثم قال الله: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ [الأحزاب: 3].
تقرير الإيمان وهذا الذي يحب الله سبحانه وتعالى؛ توكل على الله، يحب أن يكون قلبك دائماً متعلقاً بالله، ما يحب سبحانه وتعالى أن يكون قلبك ملتفتاً إلى قول فلان أو علان، ليقولوا ما يقولونه؛ هؤلاء لا يستطيعون فعل شيء، هؤلاء في النهاية بشر لا يخرجون عن دائرة البشر، يعني عبيد ضعفاء. دع عذاهم وتوكل على الله، وكفى بالله وكيلاً.
هذه التربية بالموقف، هنا يكون التوكل قوياً؛ قبل ذلك يكون التوكل نظرياً، لكن لما يقع عليك البلاء، لما يقدر عليك شيء من هذا، هنا الله يريد منك أن تتوكل عليه. هذا التوكل تصبير للنفس وتوجيه للقلب سبحانه وتعالى، إثبات أنك لا تريد إلا الله سبحانه وتعالى، وأن قلبك هذا لا تريد أن يلتفت. هنا الله يعينك ويرزقك التوكل ويمن عليك بهذه المرتبة العالية المنيفة في تحقيق العبودية له سبحانه وتعالى والإيمان: ﴿وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الرعد: 30]. لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون. هذا هو تحقيق التوحيد لله سبحانه وتعالى.
ثم قال الله سبحانه وتعالى بعد ذلك: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا ۖ فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب: 49]. الآن انتقل السياق للحديث لأهل الإيمان وكذلك بناءً على المجتمع المسلم، وذكر الأحكام المتعلقة بالزواج والطلاق.
الله سبحانه وتعالى هنا يذكر هذا الحكم من الأحكام؛ فالله ذكر في سورة البقرة مجموعة من الأحكام، وكذلك في سورة الطلاق، وكذلك هنا في سورة الأحزاب. فالله سبحانه وتعالى يقول لأهل الإيمان: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾، أي إذا عقدتم. هنا النكاح المراد به العقد؛ لأن الله قال بعد ذلك: ﴿ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ﴾، فالنكاح يطلق على الجماع وكذلك يطلق على العقد، والمراد هنا العقد.
قال: إذا نكحتم مؤمنات ثم طلقتموهن، عقد على هذه المرأة، بعد ما عقد على هذه المرأة طلقها قبل أن يدخل عليها. ما هي الأحكام المترتبة على هذا الطلاق؟ أولاً: ﴿فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾، أي أن هذه المرأة لا عدة لها، ممكن تتزوج ثاني يوم، نفس اليوم، لأن هذه المرأة لم يتم الدخول بها، فلا تعتد إذا عقد عليها وكتب عليها الكتاب ثم بعد ذلك طلقها قبل أن يدخل بها. ليس على هذه المرأة عدة، إنما تحرم عليه، ثم بعد ذلك تتزوج لو بعد طلاقه بدقيقة؛ لأنه لم يدخل بها. والعدة الأصل أن تكون من أجل استبراء الرحم، وهذه لم يتم الدخول بها، قال: ﴿مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ﴾.
﴿فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾. إذا كان قد سمى المهر فيعطيها نصف المهر، أما إذا لم يسمِّ المهر فيعطيها الذي يستطيعه، على الموسع قدره وعلى المقتر قدره، ﴿مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ﴾. فإذا سمى لها المهر يعطيها نصف المهر، أما إذا لم يسمِّ فيعطيها الذي يتيسر، جزاءً لما وقع في قلبها من كسر. فهذه المرأة نعم لم يتم الدخول بها، ولكن ستصبح عند الناس مطلقة، والناس يقولون بأنها طلقت، وقد يتم الحديث عنها والطعن في سمعتها. فهنا الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿فَمَتِّعُوهُنَّ﴾ أي أعطوهن من المال والمتاع ما يجبر هذا الكسر، فطلاق المرأة كسرها.
وكذلك قال: ﴿وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾، أي لا تتكلموا فيهن ولا تطعنوا بهن ولا تؤذوهن، فطلقوهن طلاق من غير أذية، من غير ضرر، من غير طعن، من غير كلام، من غير إسماع. خلاص طلقوهن وأعطوهن جزءاً من المال على حسب قدرة الشخص، فإذا كان غنياً يعطيها أكثر، وإذا كان فقيراً يعطيها الذي يستطيعه. وهكذا قال: ﴿وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ أي سراحاً من غير أذية فيه ومن غير ضرر ومن غير أذية.
وهذا كله في هذه الأحكام الشريفة والعظيمة لحفظ المجتمع المسلم، فيحفظ الفرد وتحفظ الأسرة، وكذلك بعد ذلك يحفظ المجتمعات. متى تفسد المجتمعات؟ تفسد لما يكثر الكلام والطعن وحظوظ النفس والقيل والقال، وهذا كثير للأسف في المجتمعات. إلى المطلقة، ومن يكون معها يتهمون الزوج اتهامات عظيمة، والزوج ومن في صفه يتهمون المرأة وأهلها اتهامات كبيرة وكثيرة، وكثير من هذه الاتهامات ليست بصواب، إنما هي كذب وفجور.
هذا كذلك امتحان للإيمان، فمثل هذه المواقف التي يضغط فيها الإنسان يظهر صدق معدنه وصدق إيمانه ومحبته؛ إذا كان صالحاً لا يقل إلا خيراً، وكذلك المرأة لما تكون صالحة تكون بهذه الطريقة. ثم انتقل بعد ذلك الحديث عن النبي ﷺ وما شرع الله سبحانه وتعالى، النبي ﷺ نتكلم عنه إن شاء الله تعالى في الدرس القادم، هذا والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
الشيخ أحمد بن خالد الهاجري