دخولتسجيل الدخول

سورة الأحزاب 09 | تأملات في آيات

أحمد بن خالد الهاجريالشيخ أحمد بن خالد الهاجري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله، والصلاة والسلام على خير خلق الله، على نبينا قائدنا محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، ثم أما بعد.

فأحييكم إخواني جميعًا وبياكم، وسدد على طريق الخير خطايا خطاكم. نكمل مدارسة هذه السورة العظيمة، سورة الأحزاب، وكنا قد توقفنا عند قول الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ۗ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا﴾ [الأحزاب: 36].

بعد ما شرع الله سبحانه وتعالى الحكم بالتبني، وبين الله سبحانه وتعالى بأن النبي عليه الصلاة والسلام أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وقام الله سبحانه وتعالى بنظامه وقرر بطلان عادة التبني التي كان العرب قد اعتادوها نظريًا، انتقل الآن الحديث إلى إبطال هذه العادة عمليًا. وهكذا تغير الأعراف الجائرة في المجتمعات؛ فبالبداية هناك تنظير، ثم بعد ذلك لا بد من التطبيق.

هنا الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾. كان العرب في الجاهلية يتبنون الأبناء فينسبون الابن إلى غير أبيه، ويأخذون هذا الحق ويسلبونه من الأب إلى غيره. وكان النبي عليه الصلاة والسلام قد تبنى زيدًا على عادة العرب في ذلك العصر، فأصبح زيد بن محمد، وكان النبي عليه الصلاة والسلام يحبه محبة عظيمة، وبلغت محبته من النبي عليه الصلاة والسلام إلى حد أنه كان يقدم حتى على أقرب الناس إليه نسبًا؛ فكان النبي عليه الصلاه والسلام يجعل زيدًا هو القائد في مؤتة قبل جعفر بن أبي طالب ابن عمه.

وكان حب النبي عليه الصلاة والسلام لزيد كحب ابنه، فامتدت هذه المحبة حتى طالت الابن وهو أسامة بن زيد بن حارثة. ولكن، أن الله سبحانه وتعالى أمر بأن يدعو هؤلاء إلى آبائهم: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: 5]. فلم يعد يُنادى بعد ذلك زيد بزيد بن محمد، إنما أصبح يُنادى زيد بن حارثة، فتم إبطال الحكم نظريًا.

نظريًا عرف الناس بأن هذا الحكم، أي حكم التبني، جائر، ولكن الإشكال أن مثل هذه العادات الجاهلية قد استقرت بالنفوس، واستقرار العادة بالنفس لا يكفي التنظير في إزالتها. وهذا الأمر نراه ظاهرًا بين وجلي؛ فلما يكون الناس قد تشربوا معنى معينًا، يأتي شخص ويقول -على سبيل المثال- بأن الصلاة أعظم من الدراسة، الناس كلهم يقولون هذا الشيء، لكن بالحقيقة هل الصلاة أعظم أو الدراسة؟ عند أكثر الناس الدراسة وليست الصلاة، بدليل أن الابن إذا نام عن الصلاة ما يُفعل معه شيء، لكن لما ينام عن الاختبار وعن المدرسة تقوم الدنيا ولا تقعد. إذن، أيهما أعظم في النفس؟ الدراسة، ولكن بالتنظير الصلاة أعظم، فبالتنظير الصلاة أعظم لكن بالتطبيق الدراسة أعظم.

الآن نريد أن نغير هذا العرف الموجود عند الناس، حقيقة نحتاج إلى جهد عملي وليس فقط تنظير. التنظير المرحلة الأولى. الباطل أو المنكر له صور؛ الصورة الأولى لما يكون هو المعروف، فهنا بالتنظير نغيره فنقول بأن هذا ليس معروفًا، هذا منكر، لكن هو قد استقر بالناس، أي عند الناس أصبح قويًا متمكنًا، إذًا نحتاج إلى قوة بالمعروف حتى نزيل هذا المنكر، حتى نبين للناس بأن هذا المنكر -مثل الاختلاط بالأعراس- حرام، الناس يعرفون بأنه حرام لكن بالتطبيق ما يستطيعون، وهكذا فنحتاج إلى أن يوجد أناس مشهورون، أناس أقوياء يزيلون هذا عمليًا، فلما يزيلونه عمليًا الناس يقتدون بهم.

هنا الآن في هذه المرحلة، أراد الله سبحانه وتعالى أن يبطل حكم التبني عمليًا. أبطلته نظريًا في بداية السورة، والآن أراد الله سبسبحانه وتعالى أن يبطله عمليًا. ما هو الحل؟ أن نبدأ بالنبي عليه الصلاة والسلام، هو الذي سيقوم بإبطال هذا الحكم. النبي عليه السلام عنده غلام مولى اسمه زيد، هذا زيد كان يُنسب إلى النبي عليه الصلاة والسلام، فالمرحلة الأولى لم يعد يُنسب إلى النبي عليه الصلاة والسلام، إنما يُنسب إلى والده حارثة.

المرحلة الثانية، زيد يريد الزواج من ابنة عم النبي عليه الصلاة والسلام، وهي زينب بنت جحش، وكانت امرأة نسيبة بني أسد، أمها من بني هاشم، عمة النبي عليه الصلاة والسلام. فانطلق النبي عليه الصلاة والسلام إليها وأمرها بالزواج من زيد، فكأنها ترفعت؛ لماذا؟ لأنها كانت حسيبة وزيد مولى، فلم تقبل بذلك. فأنزل الله سبحانه وتعالى هذه الآية، والنبي عليه الصلاة والسلام عند زينب: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾. لا اختيار مع أمر الله سبحانه وتعالى وأمر النبي عليه الصلاة والسلام.

وهنا ذكر النصح أو التوجيه كان مع الإيمان، هذا هو المحرك؛ فلما استقر الإيمان في نفوس هذه الصفة أصبح أي أمر يأتي أو نهي مباشرة يستجيبون له بمقتضى هذا الإيمان. فما دام أنت مؤمن وأنت مؤمنة، إذًا لا بد من الاستجابة والانقياد لأمر الله، وإلا كيف يكون هذا إيمانًا؟ لا يمكن أن يكون مؤمنًا يرد أمر الله سبحانه وتعالى وأمر النبي عليه الصلاة والسلام، ولا يؤمن بالمرجعية ولا يستسلم لأمر الله سبحانه وتعالى وأمر الرسول عليه الصلاة والسلام؛ ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: 65]، وقبل ذلك قال النبي: «أولى بالمؤمنين من أنفسهم».

فهنا استجابت مباشرة زينب بنت جحش، وهي امرأة صالحة تقية، فاستجابت لأمر الله سبحانه وتعالى وتزوجت ممن تراه أقل منها بكثير بالحسب والنسب. ثم بعد ذلك جاء زيد إلى النبي عليه الصلاة والسلام وطلب من النبي عليه الصلاة والسلام أن يطلق، وأراد أن يطلق زينب، وكان النبي عليه الصلاة والسلام يأمره بأن يمسكها، وسياتينا -إن شاء الله تعالى- في سياق الآيات القسم من ذلك.

هنا الله سبحانه وتعالى بين بأن المؤمن والمؤمنة لا يمكن أن يكون لهم رأي مع رأي الله سبحانه وتعالى، رأي مع أمر الله سبحانه وتعالى وأمر الرسول عليه الصلاة والسلام؛ ﴿وَمَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾. وهنا الله يقول: "أن يكون لهم الخيرة" أي الاختيار، لا يمكن إذا كان هذا مؤمنًا وأتاه أمر من الله سبحانه وتعالى وعلم بأن الله يقول كذا أو يريد منه كذا، فهنا لا بد أن يستجيب وإلا الإيمان مدخول، ولا هذا الإيمان ليس إيمانًا حقيقيًا. هنا الله يبين بأن أهل الإيمان لا يردون أمر الله سبحانه وتعالى بل يستجيبون. قال هنا: "وما كان"، أي هذا ما يقع من المنافقين نعم، لكن لا يقع من أهل الإيمان. هنا "ما كان" تفيد التحريم والحظر، فأهل الإيمان لا يفعلون هذا الشيء. قال إذا...

﴿قَضَى اللَّهُ رَسُولَهُ أَمْرًا ۚ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا * وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيُخَالِفْ أَمْرَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا﴾ [الأحزاب: 71-72]. أي قد ضل ضلالًا بعيدًا مبينًا وظاهرًا وجليًا؛ لأن شخصًا هنا قد خالف أمر الله سبحانه وتعالى وأمر النبي عليه الصلاة والسلام، وهذا يلزم منه أنه لم يؤمن بالله سبحانه وتعالى ورسوله، ولم يؤمن بأن الله هو الحكيم، وأن الله هو الرحيم، وأن الله سبحانه وتعالى هو العليم وأن الله هو الخبير؛ ففي باطن هذا الرد تكذيب للتوحيد وتكذيب لهذا الاعتقاد.

ثم قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ ۖ فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا ۚ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ [الأحزاب: 37].

أتى زيد إلى النبي عليه الصلاة والسلام عدة مرات، وهو كان قريبًا جدًا من النبي عليه الصلاة والسلام، وقال له: «أنت أخونا ومولانا»، وكان يحبه عليه الصلاة والسلام محبة عظيمة؛ بل جاء في الحديث أنه فضل عليه الصلاة والسلام على أقرب الناس إليه، كما يروى أنه قدم على علي بن أبي طالب. فهو كان قريبًا جدًا والصحابة يعرفون منزلة زيد من النبي عليه الصلاة والسلام، حتى إن عمر بن الخطاب كان يعطي ابن أسامة أكثر من ابن عبد الله بن عمر، وكان يقول بأن والده أحب إلى رسول الله ﷺ من أبيك، فانظر هنا كيف كان يفهم عمر منزلة زيد عند النبي عليه الصلاة والسلام.

وهذا القرب يجعل الشخص يطرح على القريب منه أموره الخاصة، فزيد كان يطرح على النبي عليه الصلاة والسلام، وهو عليه الصلاة والسلام الذي زوجه، وكذلك زوج ابن أسامة لقربهما من النبي عليه الصلاة والسلام. فالقصد أن هنا زيدًا أتى عدة مرات واشتكى من زينب، وأنه قد وصل إلى طريق مسدود فلم يعد يستطيع أن يستمر مع زينب.

فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: «أمسك عليك زوجك واتق الله»، يعني لا تطلقها واتق الله. هنا الله يقول للذي أنعم الله عليه؛ أنعم عليه بالإسلام، وأنعم عليه بالإيمان والهداية بأن يكون قريبًا منك بهذه الدرجة، وهي عطية إلهية ومنقبة كبيرة لزيد بن حارثة رضي الله عنه وأرضاه، وأنعم عليه بالعتق وكذلك المحبة وتقريبه منك حتى أصبح هو أحب النبي عليه الصلاة والسلام.

قال الله: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾، أي تخفي في نفسك الطلاق وزواجك من زينب، فهو سيطلق زينب وأنت تعرف هذا وستتزوج زينب بعد ذلك؛ حتى يتم إبطال هذا الحكم عمليًا وحتى لا يقع في قلوب الناس غضاضة. فالناس قد يعرفون نظريًا بأن هذا لا بأس به، لكن عمليًا لا يستجيبون، والاستجابة نفسية أكثر منها عقلية؛ فالحكم الأول كان عقليًا والآن نفسي.

كيف يعني الإبطال؟ هذا خطاب للعقل نظريًا، وعمليًا هذا خطاب للنفس. وأكثر الناس يتخذون القرارات بناءً على ما استقر في نفوسهم وليس على ما تتقبله عقولهم؛ العقل ينقضي والنفس بعد ذلك. هكذا يتعامل البشر، يستقر في نفسه معنى معين فيتعامل وفق هذا المعنى وليس في العقل. هو في نفسه الدراسة أعظم، وفي عقله الصلاة أعظم، لكن عند التعامل لما ينقص درجة في الاختبار أو لما يسقط، يقيم الدنيا ويبكي ويسفك، هكذا طاقته النفسية كلها في هذا الشيء، لكن في الصلاة: الله غفور رحيم، يلام على الصلاة؟ يقول الله يهديه إن شاء الله. يلام على الاختبار يقيم الدنيا ولا يقعدها؟ لأنه نفسيًا تشرب هذا الشيء، هكذا فالدنيا هي أقوى من الآخرة في القلب.

القصد من هذا أن الله سبحانه وتعالى هنا يريد أن يهدم هذا الحكم وأن يغيره عمليًا ويزيل من النفس حتى لا يكون له أي أثر، وهذا هو الذي كان؛ فاليوم التبني لا وجود له منذ قضى عليه النبي عليه الصلاة والسلام بهذه الحادثة، انتهى وزال من نفس المجتمع، تمت إزالة جذور هذا الحكم أو هذا الفعل فلم يعد له وجود.

كيف تمت إزالته بالتطبيق العملي؟ وهذه نصيحة لأصحاب الوجاهة، أصحاب السلطان، أصحاب القوة، أصحاب التأثير: أنتم أقوى من غيركم على إزالة الأعراف، وأنتم أقوى من غيركم على توجيه المجتمعات. فلما يستجيب الشخص العادي غير المؤثر، الناس ما تنقاد لفعله، لكن لما يكون شخصًا مؤثرًا، ناس تنقاد لفعله ويكون فعالًا مؤثرًا في نفوسها، حتى لو كان في نفسها شيء آخر، هذا فعلاً يلغي المتجذر قبل ذلك ويجذر شيئًا جديدًا.

إذن هنا الله سبحانه وتعالى قال: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾، أي من شأن طلاق زينب وزواجك من زينب، قال: ﴿وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ﴾. المقصود منها أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يفكر بكلام الناس، وهذا أمر مؤثر جدًا. وسبحان الله كيف أن النبي عليه الصلاة والسلام تحمل جميع هذه البلاءات! الإنسان ممكن يتحمل المواقف الصعبة التي بها شجاعة وبها مصادمة، ممكن، بس الاتهام صعب، صعب جدًا هنا؛ ما الذي سيقوله الناس؟ والناس قد تجذر في نفوسهم هذا الشيء، فلما يتجذر في نفوسهم هذا الشيء سيكون هناك سراح مع المنافقين، والمنافقون سيتخذون من هذا الموقف فرصة.

والناس لأنها اعتادت على هذا الشيء قد يستجيبون، فهنا يكون الكلام ثقيلًا على النفس وليس سهلًا؛ فما الذي سيقوله الناس؟ هذا الذي كان النبي عليه الصلاة والسلام لا يريده، والله يريد أن يرقي النبي عليه الصلاة والسلام حتى هذا لا تفكر به، حتى هذا لا يقع بنفسك، بل لا بد أن يكون باطنك مثل ظاهرك. هو كذلك عليه الصلاة والسلام، لكن هنا الأنبياء يراد منهم معنى أعلى وليس مثل ما يقع من البقية. حتى النبي عليه الصلاة والسلام ما كانت تكون له خائنة الأعين، يعني ما كان هكذا يغمز أبدًا، هذه الكلمات ما تكون موجودة عنده ولا هذه الحركات.

يا رسول الله، ألم تشر إلينا بعينك؟ قال: «ما كان نبي أن تكون له خائنة العين»، أبدًا ما يفعلها؛ لماذا؟ لأن باطنه مثل ظاهره. فهنا الله سبحانه وتعالى يعاتب النبي عليه الصلاة والسلام، وهذه المعاتبة في هذا السياق لمنزلة نبيه الكريمة عنده؛ فالله يريد أن يوصله إلى مراتب عالية حتى يكون هو خير ولد آدم، وهو خير ولد آدم عليه الصلاة والسلام. لذلك قالت أمي عائشة: لو كان النبي عليه الصلاة والسلام كاتم شيء من القرآن لكتم هذه...

الآية لكتم هذه، لكن مع ذلك لم يكتم، إنما بلغ كما أمره الله سبحانه وتعالى: ﴿وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ﴾ [الأحزاب: 39]. ثم قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ [الأحزاب: 37]؛ لما قضى زيد حاجته منها وطلقها ولم يعد يستطيع أن يستمر، وكان هذا الأمر مكتوباً ومقدراً.

«زوجناكها» هنا الله سبحانه وتعالى زوج زينب من النبي عليه الصلاة والسلام من غير عقد، من غير شهود، من غير ولي؛ فالله سبحانه وتعالى زوج زينب من النبي عليه الصلاة والسلام جزاء صبرها واستجابتها لأمر الله سبحانه وتعالى. انظروا، هذه الكرامة هي استجابتها، ولم تكن تريد في البداية الزواج، لكن لما كان هذا أمر الله استجابت وانقادت واستسلمت، فأكرمها الله سبحانه وتعالى بأن زوجها من النبي عليه الصلاة والسلام، وجعل إبطال هذه العادة الجاهلية على يديها أو هي سبب فيها، رضي الله عنها وأرضاها.

فتزوجها النبي عليه الصلاة والسلام ودخل عليها، فكانت تتفاخر على أزواج النبي عليه الصلاة والسلام بأن تقول: «زوجكن أهاليكن، وزوجني الله من فوق سبع سماوات». وأصبحت هذه من مناقب زينب بنت جحش رضي الله عنها وأرضاها.

قال تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا﴾ [الأحزاب: 37]. لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطراً؛ أي الحكمة من هذا الزواج هو إبطال هذه العادة حتى ما يكون هناك حرج. فإذا طلق الشخص الذي تبناه الشخص، فهنا لا بأس بأن يتزوج شخص من هذه المرأة، وليست زوجة لابنه، فأبطل العادة نظرياً ثم أبطلها بعد ذلك عملياً، وأصبح يحق للشخص أن يتزوج من هذه المرأة التي طلقها، فهي ليست زوجة لابنه.

قال تعالى: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ [الأحزاب: 37]. أي كان هذا الأمر الذي قدره الله سبحانه وتعالى واقعاً لا محالة ولا بد أن يقع. ثم قال الله سبحانه وتعالى: ﴿مَّا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ ۚ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ ۚ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَّقْدُورًا﴾ [الأحزاب: 38].

«ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله له»؛ أي فيما أحل الله له سبحانه وتعالى، فليس عليه حرج في هذا الفعل، فهذا فرض من الله سبحانه وتعالى وأمر منه سبحانه وتعالى، فليس على النبي إثم في هذا الفعل، إنما هو مستجيب ومنقاد لأمر الله سبحانه وتعالى. «سنة الله في الذين خلوا من قبل»؛ أي هذه سنة الله سبحانه وتعالى في الأنبياء قبل النبي عليه الصلاة والسلام باستجابتهم لأوامر الله سبحانه وتعالى. وهذا فيه رد على أهل النفاق مما كانوا يقولونه.

هنا الله سبحانه وتعالى تكفل بالدفاع عن النبي عليه الصلاه والسلام، قال: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ ۚ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَّقْدُورًا﴾. أي كان أمر الله سبحانه وتعالى مقدراً، وهذا القدر المقدر لا بد أن يقع، يقع في الزمان الذي اختاره الله سبحانه وتعالى، وبالصورة التي اختارها الله سبحانه وتعالى، وبالطريقة التي يقدرها الله سبحانه وتعالى؛ فالذي قدره الله سبحانه وتعالى سيقع وفق تقدير الله سبحانه وتعالى له. فالله أراد أن يبطل هذه العادة فأبطلها بهذه الصورة، بزيد بن حارثة، ويتزوج من ابنة عمه النبي عليه الصلاة والسلام، فيكون النبي عليه الصلاة والسلام هو شاهد على عقد زيد، وهو الذي سعى في تزويج زيد، وهو كذلك الذي تزوج من زينب بعد طلاق زيد لها. يعني هذا الترتيب، هذا التقدير، هذا كان مقدراً ومكتوباً عند الله سبحانه وتعالى، والذي كتبه الله سبحانه وتعالى سيقع كما كتبه: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَّقْدُورًا﴾.

ثم قال الله سبحانه وتعالى: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ ۗ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ حَسِيبًا * مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَٰكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ ۗ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ [الأحزاب: 39-40]. الآن هذا فيه بيان لأهل الإيمان بأن الذي فعله النبي عليه الصلاة والسلام هو أمر الله سبحانه وتعالى، فأياكم واحذروا أن تتأثروا بكلام أهل النفاق، أو أن يقع في نفوسكم شيء مما يقع بسبب الواقع، فانتبهوا؛ فهذا كله من الشيطان، والذي فعله النبي عليه الصلاة والسلام هو أمر من الله سبحانه وتعالى، ليس باختياره، ولو كان الأمر يرجع إليه ربما ما فعله، ربما لم يفعله، لكن هذا أمر من الله سبحانه وتعالى واختبار له عليه الصلاة والسلام حتى يصيب المنازل العالية في الجنة ويصل إلى مرتبة الوسيلة.

وإذا ابتُلي إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن؛ هذا النوع من البلاء أشد من المرض، أشد من السجن، أشد من الحبس، لأن هذا معه كلام وطعن، والرجل الشريف يتأثر بالكلام أكثر من غيره. الرجل الشريف لا يتأثر في البلاء البدني كثيراً، إنما يتأثر بالبلاء المعنوي أكثر بكثير من البدني؛ لماذا؟ لشرفه، فلا يحتمل أن يتكلم الناس فيه أو يطعنوا في عرضه، بخلاف الشخص الوضيع؛ الوضيع ما عنده مشكلة، أهم شيء أنه يحصل المال، أهم شيء أنما يسجن، أهم شيء أنما يبتلى ببعض آلام البدن. أما الشريف فالأمر مختلف، عنده والنبي عليه السلام هو أشرف الناس، فكان لهذا الفعل حرج وسيكون له صدى في المجتمع وسيتكلم الناس، وإن كان الفاعل هو النبي عليه الصلاة والسلام، لأن في المدينة منافقين، والله يقول: ﴿سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾، يعني في بعض ضعفاء الإيمان يسمعون لأهل النفاق.

هنا الله تكفل بالدفاع عن النبي عليه الصلاة والسلام: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ ۗ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾. هنا الله يذكر النبي عليه الصلاة والسلام ويذكر أهل الإيمان بأن هذه صفة المرسلين، بأنهم يبلغون رسالات الله كما أمر الله سبحانه وتعالى، لا دخل لهم في شيء إنما هم فقط يبلغون، والرسول مبلغ عن الله سبحانه وتعالى الذي يريد الله سبحانه وتعالى.

هذه كلها اختبارات للنبي عليه الصلاة والسلام، وكذلك لأهل الإيمان، وكذلك دفاع عن الأنبياء والمرسلين، فهم لا يفعلون الأشياء من قبل أنفسهم: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ ۗ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾. هنا أراد الله أن يبطل عادة التبني، لكن كذلك أراد الله سبحانه وتعالى أن يصفي قلوب أهل الإيمان. فالقصد من جميع ما يقع في قدر الله، والقصد من جميع ما نزل في حكم الله الشرعي والقدري، هو الوصول إلى الله والتعرف على الله وعبادة الله سبحانه وتعالى؛ هذا هو القصد. فكل ما يقع بكون الله، وكل ما نزل من أحكام في شرع الله، القصد منه أن تعرف من هو الله وأن تحسن عبادة الله. هنا الله سبحانه وتعالى قدر مثل هذا حتى يبطل هذه العادة حتى لا تضر في المجتمعات، والله سبحانه وتعالى أعلم. لذلك الله سبحانه وتعالى قال بعد ذلك: ﴿وَكَانَ اللَّهُ...﴾.

﴿بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾. ولكن كذلك القصد الذي قد يكون قبل هذا القصد هو أن يتم امتثال أمر الله سبحانه وتعالى، وأن يعبد الله، وأن يتم الاستسلام للملك؛ فهو الملك سبحانه وتعالى، هو الخبير، هو العليم، هو البصير سبحانه وتعالى. إذن هذا الذي هو وصفه، وهذه أسماؤه، هو الذي يُخشى ولا يُخشى غيره.

فالقصد هنا أن يرتفع إيمان العبد، وأن يخشى العبد ربه؛ ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾. أن يصيب الشخص هذه المراتب، مرتبة خشية الله سبحانه وتعالى، بعيدًا عما تكلم به الناس وما قالوه؛ لأن الالتفات للناس يضعف الخشية ويضعف الإيمان. الله تعالى قال: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ﴾ [الأحزاب: 39]؛ أي لا تلتفت قلوبهم لغير الله، ولا يهتمون بكلام الناس.

لما جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: يا محمد، إن حمدي زين وإن ذمي شين! قال: «ذاك الله، ذاك الله». هذه هي التي يخشونها، ولا يخشون أحدًا إلا الله، ﴿وَكَفَىٰ بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾. كفى بالله سبحانه وتعالى معينًا وناصرًا، وكفى بالله سبحانه وتعالى محاسبًا؛ فالذي يحاسبهم هو الله وليس هؤلاء البشر، فلماذا إذن الالتفات لهؤلاء البشر والنظر إليهم وكلامهم؟ ما الذي سيؤثر في نفس الداعي؟ لا شيء، أو أحكامهم مردودة عليهم، ولا قدرة لهم على تنفيذ هذه الأحكام، هم لا يملكون شيئًا أصلًا، ﴿وَكَفَىٰ بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾.

ثم قال الله تعالى: ﴿مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَٰكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: 40]. ما كان النبي صلى الله عليه وسلم أبا أحد من رجالكم؛ رزق النبي صلى الله عليه وسلم بثلاثة من الأبناء لكن كلهم ماتوا وهم أطفال وصغار، فلم يشبوا ويصلوا إلى سن الرجولة، إنما ماتوا وهم أطفال، فليس للنبي صلى الله عليه وسلم ابن بلغ سن الرجولة.

ولكن وصف النبي صلى الله عليه وسلم هو أنه رسول من قبل سبحانه وتعالى، وهو كذلك خاتم النبيين، آخر الأنبياء، وشريعته هي الشريعة المهيمنة على بقية الشرائع، وهي الشريعة الخاتمة وهي آخر الرسالات. ثم قال الله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ [الأحزاب: 40]. الله سبحانه وتعالى عليم فيما ينزل من الأحكام، وعليم في طريقة تغييره للأعراف الموجودة وصنعه للمجتمع المسلم، وأنتم لا تعلمون؛ هو الذي يعلم سبحانه وتعالى، الذي يصلح الناس، والذي يصلح للناس، وطريقة إزالة هذا العرف الموجود عند الناس وكيف يتم تغييره، ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾.

ثم انتقل بعد ذلك الحديث وتوجيه أهل الإيمان بذكر الله سبحانه وتعالى، فقال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: 41]. أمر الله سبحانه وتعالى عباده المؤمنين بالإكثار من ذكر الله سبحانه وتعالى، وذكر قبل ذلك في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ...﴾ وفي آخرها: ﴿...وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ﴾ [الأحزاب: 35]. وهنا الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الأحزاب: 41-42].

الذكر يرفع من شأن العبد، الذكر يعظم الإيمان في قلبه، الذكر يسهل الاستجابة لأوامر الله سبحانه وتعالى. فإذا أردتم أن تصيبوا المراتب العالية بالإيمان فأكثروا من ذكر الله سبحانه وتعالى؛ لا يمكن للعبد أن يقوى الإيمان عنده لدرجة عالية من غير الذكر، لماذا؟ لأن اللسان يثقل موازين القلب؛ فشخص لما يذكر الله كثيرًا يثقل في قلبه تعظيم الله سبحانه وتعالى وحب الله سبحانه وتعالى والخوف من الله، وهكذا فيثقل الإيمان عنده. أما الذكر إذا لم يكن موجودًا في حياة الإنسان، فلا يستطيع الشخص أن يصيب المراتب العالية ولا يقوى عنده الإيمان كثيرًا.

لذلك الذكر مع الإنسان طيلة اليوم؛ أول ما نستيقظ نقول دعاء الاستيقاظ، ثم إذا أردنا أن نتوضأ نقول: «بسم الله»، ثم بعد الوضوء نقول الذكر، ثم الصلاة كلها ذكر: «الله أكبر»، ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ﴾، ولذكر الله أكبر، ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾، فالصلاة كلها ذكر. وبعد ما ننتهي من الصلاة نقول: «أستغفر الله، أستغفر الله»، وكذلك أذكار الصلاة، ثم دخول المنزل، خروج المنزل، قبل الأكل، بعد الأكل، قبل الطعام، بعد الطعام، قبل اللباس، نزع اللباس، وهكذا كلها ذكر؛ أذكار الصباح، أذكار المساء، حتى إذا أوينا إلى فراشنا في آخر اليوم نذكر الله سبحانه وتعالى في أذكار النوم، ثم ننام على ذكر الله سبحانه وتعالى، فالذكر مع الإنسان طيلة اليوم.

وهنا الله سبحانه وتعالى يأمر بذكر زائد، أي ليس فقط الذكر المقيد، بل كذلك الذكر المطلق: تسبيح، تكبير، تهليل، وعلى الذكر على الإطلاق القرآن الكريم؛ فإن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ حتى تخرجوا من حيز النفاق، فالمنافقون يذكرون الله قليلاً، أما أهل الإيمان فيذكرون الله كثيراً وليس قليلاً. ثم قال: ﴿وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾؛ أي في أول النهار وفي آخر النهار، سبحوه بُكرة وأصيلاً عند الصباح وعند المساء، كما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ * وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ [الروم: 17-18].

الله سبحانه وتعالى يحب العبيد أن يسبحوه قبل طلوع الشمس، وكذلك أن يسبحوه قبل غروب الشمس؛ هذا الوقت وقت تسبيح، لماذا؟ لما فيه من تنزيه وتعظيم؛ تنزيه لسلطان الله سبحانه وتعالى من أن يغيب، وتعظيم لله سبحانه وتعالى عما يفعله الكفار، وكذلك تنزيه فهم جماعة من الكفار يعبدون الشمس والشيطان؛ لما تطلع الشمس يضع قرنه، فهنا نحن نعظم الله سبحانه وتعالى وننزه الله سبحانه وتعالى عما يصنع من يعبد الشمس أو من يعبد كذلك الشيطان.

ثم قال الله سبحانه وتعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ۚ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: 43]. ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ ۚ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا﴾ [الأحزاب: 44]. هو الذي يصلي عليكم، أي الله سبحانه وتعالى يثني عليكم ويذكركم؛ «من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم». فالذي يذكر الله سبحانه وتعالى يذكر الله سبحانه وتعالى: «اذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون».

والذي أنجى يونس عليه السلام من البلاء العظيم الذي وقع عليه هو ذكر الله سبحانه وتعالى؛ ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الصافات: 143-144]، لأنه كان من المسبحين، كان من الذاكرين الله سبحانه وتعالى. فالذي يذكر الله يذكر الله، والله يعرف من يذكره، والملائكة تعرف أصحاب الذكر وتحتف بأصحاب الذكر وتقترب من أصحاب الذكر؛ إن لله ملائكة سياحين يلتمسون مجالس الذكر، فإذا وجدوها قالوا: «هلموا إلى حاجتكم»، فيجتمع الملائكة في هذا المجلس الذي يذكر الله سبحانه وتعالى فيه، وتعرف الملائكة هذا القسم من الناس، ويرتفع هذا الذكر إلى السماء فتعرف كذلك ملائكة السماء، لذلك عندما وقع عليه هذا البلاء...

تكلمت الملائكة وقالوا: يا رب، صوت معروف من عبد معروف من مكان غير معروف، ولطالما رفع له من الأعمال الصالحة الشيء الكبير. فبين الله سبحانه وتعالى لهم بأن هذا يونس عليه السلام، وقام يونس وصلى لله في جوف الحوت وتملق الله سبحانه وتعالى وقال: ﴿لَّا إِلَٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: 87]. كلمات عظيمة نفعته في وقت البلاء، ونفعته ذكره القديم وأعماله الصالحة القديمة.

القصد أن الله سبحانه وتعالى يصلي على من يذكره. والعبد لما يستحضر أن الملك سبحانه وتعالى، العظيم، الخبير، الكبير، الجليل، يذكر هذا العبد الضعيف المسكين الذي لا يساوي شيئًا في هذا الكون، والذي يوجد في فقر الكون في مدة معينة ثم سيموت بعد ذلك وكأنه لم يكن موجودًا وسيذهب ولن يبقى له أثر، يذكره الملك، يذكره العظيم. نعم، يذكره؛ هذا من تمام رحمته سبحانه وتعالى ومحبته لعباده المؤمنين.

﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ﴾، بدأ بنفسه سبحانه وتعالى ثم ثنى بالملائكة، فالله يصلي على هذا القسم من الناس. ومن صلى على النبي صلى الله عليه وسلم صلاة واحدة، صلى الله عليه بها عشر صلوات. والملائكة تصلي كذلك، تدعو وتستغفر لأهل الإيمان، للذاكرين الله سبحانه وتعالى، وتشفع لهم يوم القيامة.

﴿لِّيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ۖ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: 43]. أي أن الله سبحانه وتعالى كان بأهل الإيمان رحيمًا. الله سبحانه وتعالى يحب أهل الإيمان، والله سبحانه وتعالى هدى أهل الإيمان لما هداهم إليه من هذا الكتاب العظيم والاستجابة لهذا الرسول. وأخرجهم الله سبحانه وتعالى بهذا القرآن وكذلك بهذه الأعمال الصالحة التي يقومون بها من الظلمات إلى النور، كما قال الله: ﴿يَهْدِيهِم بِهِ﴾ [محمد: 17].

فهل الإيمان يهدي إلى الطريق الذي يحب الله سبحانه وتعالى؟ وبقدر إيمان العبد يكشف له هذا الطريق، والناس يتفاوتون في هذا الباب تفاوتًا عظيمًا بقدر محبتهم لله سبحانه وتعالى وقوة الإيمان في قلوبهم. ثم قال الله: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾، أي رحيمًا بأهل الإيمان في الدنيا والآخرة. في الدنيا هداهم الله سبحانه وتعالى الحق ومنّ عليهم.

انظروا الآن، هذه الآيات تنزل في المدينة النبوية والعالم كله بأسرى وكافر، إلا أنتم يا من ينزل عليكم هذا القرآن، اغتبطوا بهذا القرآن الكريم وافرحوا به، فالله سبحانه وتعالى اختاركم من هذه الأعداد الكبيرة الموجودة في العالم؛ الفرس في ضلالها، والروم في ضلالها، والهند في ضلالها، والناس كلهم في ضلال مبين، والعرب في جاهليتهم. وأنتم بالذات اختاركم الله سبحانه وتعالى، وأصابتكم رحمة الله سبحانه وتعالى؛ «أصيب برحمتنا من نشاء»، فأصابتكم هذه الرحمة واصطفاكم الله واختاركم، فقابلوا هذا الاختيار بحسن التعبد، قابلوا هذا الاختيار بالاستجابة لأمره سبحانه وتعالى وأمر رسوله عليه الصلاة والسلام.

انظروا كيف سياق هذه الآيات، وكيف يستثير الإيمان في قلوبهم، ثم بعد ذلك يخبرهم بأنه هو العليم سبحانه وتعالى: ﴿وَكَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ [الأحزاب: 40]. ثم يقول: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾، أي الله منّ عليكم يا أهل الإيمان باختياركم لذلك. كل من يكون حاله قريبًا من هذه الحال، يستحضر هذه المنظرة وهذه الأمور، تعظم الإيمان في القلب وتسهل عليه الاستجابة والانقياد لأمر الله سبحانه وتعالى.

قال: ﴿لِّيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ۖ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾. هداكم إلى هذا الخير، وكذلك في الآخرة سيهديكم في الطري إلى الصراط المستقيم، وسيرحمكم سبحانه وتعالى وتدخلون الجنة برحمته. لن يدخل أحدكم الجنة بعمله، قالوا: يا رسول الله، ألسنا كذلك؟ قال: «لا، إلا أن يتغمدني الله برحمته». فالله سبحانه وتعالى رحمكم في الدنيا بأن هداكم لهذا الخير من بين هذه الأعداد العظيمة المهولة الكبيرة، وفي الآخرة ستدخلون الجنة بإذن الله وسيرحمكم الله سبحانه وتعالى. فالناس يتقذفون في جهنم؛ الذي يعبد الصليب، والذي يعبد الخنزير، والذي يعبد الشمس، والذي يعبد القمر، والذي يعبد الطواغيت، كلهم يتساقطون، إلا أنتم تدخلون الجنة، هذه كلها من آثار رحمة الله سبحانه وتعالى.

ثم قال الله: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ ۖ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا﴾ [الأحزاب: 44]. تحيتهم يوم يلقونه سلام؛ الله سبحانه وتعالى يسلم عليهم، والملائكة تسلم عليهم، وخطاب أهل الجنة كذلك السلام: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ﴾ [يس: 58]. ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ﴾ [يونس: 10]، ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس: 10].

﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا﴾، أي الجنة، والكريم أي الثمين الغالي النفيس. فالله أعد لهذا القسم من الناس، أي من استجاب لأمره، الأجر الكريم أي الجنة وما فيها من نعيم مقيم ونعيم عظيم. هذا كله لمن؟ لأهل الإيمان، لأهل الذكر، لأهل الخير والصلاح، لمن يستجيب لأمر الله وينقاد له، لمن أصابتهم رحمة الله سبحانه وتعالى واستشعروا هذه المنحة وهذه العطية الإلهية، فقابلوها بشكر الله سبحانه وتعالى والانقياد له والانكسار بين يديه سبحانه وتعالى.

ثم قال الله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا﴾ [الأحزاب: 45-46]. نعلق بإذن الله على هذا المقطع في الدرس القادم بإذن الله. هذا والله أعلى وأعلم، وصلى الله وسلم على نبينا.