الحمد لله، والصلاة والسلام على خير خلق الله، على نبينا وقائدنا محمد بن عبد الله، وآله وصحبه ومن والاه، ثم أما بعد؛ فحياكم الله إخواني جميعًا، وبياكم، وسدد على طريق الخير خطاكم.
نكمل مدارسة سورة الأحزاب، وكنا قد توقفنا عند قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا * وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: 28-29].
بعد ما أصْل الله سبحانه وتعالى ما جرى للمسلمين في حادثة الخندق، وعقب بعد ذلك بما جرى كذلك ليهود بني النضير، بعد ما قضى الله سبحانه وتعالى على الأحزاب وفرقهم، وكذلك أجلى وقضى على اليهود وقتل يهود بني النضير وخلت المدينة لأهل الإيمان، وفتح الله سبحانه وتعالى على أهل الإسلام خيبر، فاغتنى أهل الإسلام وحصل لأهل الإسلام المال الكثير الوفير.
طلب أزواج النبي عليه الصلاة والسلام، وكنا نساء من النساء يتأثرن بما يتأثر به البشر -وهن بشر- طلبن من النبي عليه الصلاة والسلام أن يوسع عليهن في النفقة، فغضب النبي عليه الصلاة والسلام من أجل ذلك، ولم يكن النبي عليه الصلاة والسلام يريد أن يغير طريقة تعامله مع الله سبحانه وتعالى؛ فالنبي عليه الصلاة والسلام خُيّر بين أن يكون ملكًا نبيًا وبين أن يكون عبدًا رسولًا، فاختار أن يكون عبدًا رسولًا.
ولم يكن عليه الصلاة والسلام يريد أن يعيش عيشة الملوك، فكان يقول: «أكل كما يأكل العبد»، وكان عليه الصلاة والسلام يحب هذه الحياة، وكان يقول: «اللهم اجعل رزق آل محمد قوتا»، وكان يسأل الله سبحانه وتعالى الكفاف، فلم يكن النبي عليه الصلاة والسلام يريد أن يغير هذه الحياة التي عاشها عليه الصلاة والسلام والتي تعامل بها مع الله سبحانه وتعالى.
فلما طلب أزواج النبي عليه الصلاة والسلام منه أن يوسع عليهن غضب من أجل ذلك النبي عليه الصلاة والسلام واعتزل نساءه، وأُشيع في المدينة بأن النبي عليه الصلاة والسلام قد طلق نساءه. فدخل عليه واستأذن أبو بكر واستأذن عمر، ولم يأذن النبي عليه الصلاة والسلام حتى بعد ذلك أذن، فدخل عليه أبو بكر ودخل عليه كذلك عمر، وأضحك عمر النبي عليه الصلاة والسلام وبين له ما كانت زوجته تريد منه من التوسعة فذكر ما صنع معها.
ثم بعد ذلك قال النبي عليه الصلاه والسلام له ولأبي بكر: «إن النسوة يردن مني هذا»، فقام أبو بكر حتى يضرب عائشة، وقام عمر حتى يضرب حفصة رضي الله عنهما. وأنزل الله سبحانه وتعالى على نبيه عليه الصلاة والسلام هذه الآيات العظيمات المزلزلات لأزواج النبي عليه الصلاة والسلام.
والآن الله سبحانه وتعالى يريد أن ينزل أحكامًا جديدة، ويجعل هذا البيت، ويصنع هذا البيت سبحانه وتعالى بهذه الآيات، ويكون هذا البيت نبراسًا لجميع بيوت الصالحين؛ فكل من يريد أن يعيش عيشة الصالحين، وكل امرأة تريد أن تحصل الدرجات العالية في الجنة لابد أن تعيش مع هذه الآيات، وأن تتأمل في هذه الآيات، وأن تعمل بهذه الآيات.
نعم، هذه الآيات بالأصل نزلت على أمهات المؤمنين، ولكن كذلك كل من يريد أن يصنع مثل ما صنعت أمهات المؤمنين لابد أن يعيش مع هذه الآيات وأن يمتثل. فالله سبحانه وتعالى لما يقص علينا مثال هذه القصص، قصص الأنبياء وكذلك قصص الصالحين، حتى نقتدي ونأسي بهم وبهم بما نستطيع أن نأسي به؛ فكل امرأة تريد أن تحصل الدرجات العالية لابد أن تفعل ما ذكر الله سبحانه وتعالى في هذه.
لن تصل إلى درجة أمهات المؤمنين لأن أمهات المؤمنين زوج لأن النبي عليه الصلاة والسلام هو زوج أمهات المؤمنين، فأمهات المؤمنين مع النبي عليه الصلاة والسلام في منزلته في الجنة، لكن القصد من ذلك نفس صناعة البيت؛ كيف يكون؟ هنا الله سبحانه وتعالى يعلمنا كيف صنع بيت النبي عليه الصلاة والسلام، وكيف ينبغي أن تكون المرأة المحبة لله سبحانه وتعالى والرسول عليه الصلاة والسلام لما تكون في زوج الرجل المحب لله سبحانه وتعالى ورسوله عليه الصلاة والسلام، وهو النبي عليه الصلاة والسلام هو الرسول، هو القدوة، هو الإيمان بأبي وأمي عليه الصلاة والسلام.
هنا الله سبحانه وتعالى يخاطب نبيًا مباشرة عليه الصلاة والسلام بأن يخاطب زوجاته، فانظروا وتأملوا إلى قوة هذا الخطاب وثقل هذا الخطاب على أمهات المؤمنين؛ كيف وصل إليهن هذا الخطاب من الله مباشرة سبحانه وتعالى؟ قال الله سبحانه وتعالى لنبيه عليه الصلاة والسلام: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا * وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: 28-29].
دعا النبي عليه الصلاة والسلام زوجاته، فنزل عليه الصلاة والسلام من المكان الذي كان فيه بعد اعتزاله نساءه لمدة شهر تسعة وعشرين يومًا، وبدأ بأم عائشة رضي الله عنها وأرضاها، فقال لها عليه الصلاة والسلام: «إني ذاكر لك أمرًا، فلا عليك أن تستعجلي حتى تستأمري أبويك».
لقد طلبوا منه النفقة، فغضب، اعتزل، ثم نزلت هذه الآيات، فنزل عليه الصلاة والسلام بعد هجرته لنسائه لمدة شهر وبدأ بعائشة أحب الناس إليه فقال: «إني ذاكر لك أمرًا، فلا عليك أن تستعجلي حتى تستأمري أبويك»، وقد علم أن أبويها لم يكونا يأمران بفراقه. ثم قال إن الله تعالى قال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا * وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: 28-29].
قالت: فقلت له: «ففي أي هذا أستأمر أبوي؟ فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة». هكذا كان جواب أم عائشة رضي الله عنها وأرضاها، وجاء عند الطبري: بل النبي عليه الصلاة والسلام فرح بذلك.
عليه الصلاة والسلام، هنا كانت الآيات صادمة، لم يكن الأمر فيه تسهيل، إنما خُيّروا: اخترن إما أن تريدوا ما عند الله سبحانه وتعالى أو الحياة الدنيا، لا يوجد خيار ثالث. هكذا ينبغي أن يعيش الداعية في حياته، أن يقبل بالله سبحانه وتعالى ورسوله عليه الصلاة والسلام كما قبل بذلك الأنصار رضي الله عنهم وأرضاهم لما رجعوا من حنين إلى المدينة ومعهم النبي عليه الصلاة والسلام وليس معهم أي شيء من الغنائم، أو يكون مثل بقية القبائل يرجعون إلى بلدانهم ومعهم الأموال الكثيرة والإعطيات العظيمة ولكن ليس معهم النبي عليه الصلاة والسلام.
فالداعية لابد دائمًا أن يذكر نفسه بمثل هذه المعاني، وكذلك المرأة الصالحة لابد أن تذكر نفسها وتصبر نفسها بمثل هذه المعاني؛ فهنا لما تكون الصدمة بهذه الطريقة: إما الحياة الدنيا وزينتها أو الله سبحانه وتعالى ورسوله عليه الصلاة والسلام، لا شك.
بأن الخيار سيكون هو الله سبحانه وتعالى ورسوله ﷺ، فاختارت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وضح هذا الخيار، وكذلك بقية نساء النبي ﷺ كلهن اخترن هذا الخيار، فاختاروا الله سبحانه وتعالى ورسوله ﷺ.
هنا الله يقول: ﴿فَتَعَلَّلْنَ أَمْتَعْكُنَّ وَسَرِّحْنَ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب: 28]، أي أعطيكن حقوقكن وأطلقكن وأسرِحكن سراحًا جميلًا؛ سراحًا لا عتب معه ولا شدة فيه، إنما يكون طلاق من غير أن تكون معه شدة ولا عتب ولا ثقل. لكن نساء النبي ﷺ اخترن الله سبحانه وتعالى ورسوله ﷺ والدار الآخرة.
ثم قال الله تعالى: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ ۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا * وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا﴾ [الأحزاب: 30-31].
المراد بالفاحشة المبينة هنا النجاسة وسوء الخلق، وإذا كان النبي ﷺ قد عانى من ذلك، فالذي يصنع هذا مع الرسول ﷺ سيضاعف له العذاب ضعفين؛ لماذا؟ لمنزلتهن من النبي ﷺ، ولأن الإيذاء كان على سيد البشر ﷺ. فالذي يفعل من كن هذه الأفعال مرة أخرى ويؤذي النبي ﷺ ويعطله عن دعوته وعن الواجب عليه أن يقوم به، وعن وظيفته في هذه الحياة، فإن الداعي يتأثر، والرجل يتأثر في بيته أكثر من تأثره بأعدائه بالخارج.
فلما تكون زوجته غير معينة له، هنا تعيق الزوجة وتكون أكبر عائق له وتمنعه من الاستمرار وتعطله، فكيف إذا كان هذا الداعية هو سيد الأنام ﷺ، سيد البشر بأبي أمه ﷺ؟ فتكون هنا العقوبة ثقيلة وشديدة، لأن التأثير هنا ليس على داعية عادي، إنما على سيد الدعاة ﷺ. قال الله تعالى: ﴿وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾، أي لن يمنع الله سبحانه وتعالى من إنزال هذه العقوبة الشديدة لقربكم من النبي ﷺ.
ثم قال الله تعالى: ﴿وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ﴾ أي من يطيع الله سبحانه وتعالى ورسوله ﷺ وتعمل صالحًا، ﴿نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا﴾. لها الأجر مرتين، وهذه فضيلة وكرامة عظيمة لأزواج النبي ﷺ، فهذه الآية خاصة بأزواج النبي ﷺ، وهذه عطية وكرامة لزوجات النبي ﷺ، فيكون للواحدة منهن الأجر مرتين؛ لقربهن من النبي ﷺ وكذلك لمعانتهن للنبي ﷺ.
قال الله تعالى: ﴿وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا﴾، والرزق الكريم هنا المراد به الجنة. فالله سبحانه وتعالى ميز نساء النبي ﷺ عن بقية النسوة بأنهن مع النبي ﷺ في منزلته، حتى قال بعض العلماء بأنهن في الجنة في مرتبة أعلى من مراتب الأنبياء، وليس معنى هذا أنهن أفضل من الأنبياء، ولكن مرتبتهن في الجنة أعلى مراتب الأنبياء؛ وسبب ذلك أنهن مع النبي ﷺ، والنبي ﷺ هو في أعلى مراتب الجنة.
وهذه كرامة عظيمة لزوجات النبي ﷺ، مثل ما ذكرت أن الله الآن يبني بيت نبيه، ويبين كيف ينبغي أن تكون بيوت الصالحين. فالمرأة الصالحة معينة وليست عائقة، ويكون لها أجر دعوة زوجها أو تشارك زوجها في دعوته لما يقوم هو بالدعوة؛ إذا هي صبرت واحتسبت ولم تطلب كما يطلب غيرها من النساء.
لذلك ينبغي أن تعرف المرأة قبل أن تتزوج أنها لن تعيش كما تعيش بقية النسوة؛ إذا تزوجت من رجل صالح ستعيش حياة أفضل من حياة بقية النسوة من ناحية الإيمان والبركة والخير والصلاح وبر الأبناء بإذن الله، وأخذها حقها من زوجها الحق الشرعي، فلينظمها الرجل الصالح، ولكن لن تعيش الحياة الدنيوية بالأصل كما تعيش بقية النسوة. هذا الأمر لابد أن تستوعبه المرأة؛ إذا أرادت الدرجات العالية فهي إما الله والرسول أو الدار الآخرة أو الدنيا، والدنيا مدبرة والآخرة مقبلة، ولكل واحدة منهما بنون، فإما هذا أو هذا، لابد أن نحدد المسار من البداية ونحدد الهدف: هل الآخرة أو الدنيا؟
ثم قال الله سبحانه وتعالى: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ﴾ [الأحزاب: 32]. أي هنا الفضيلة معلقة بالتقوى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: 13]. فإذا اتقيتن الله سبحانه وتعالى لن تكونوا كبقية النساء لاختيار الله سبحانه وتعالى لكن، وتفضيل الله سبحانه وتعالى لكن بأن جعلكن أزواج النبي ﷺ. والنبي ﷺ الله سبحانه وتعالى يختار له زوجاته، فالله سبحانه وتعالى منّ على نبيه ﷺ وعلى أزواج النبي ﷺ بأن شرفهن بأن يكون زوجهن هو سيد البشر ﷺ، مع كثرة النساء ووفرة النساء في ذلك العصر، لكن الله سبحانه وتعالى اختار هذه المجموعة من النساء، هؤلاء النسوة فقط، حتى يكونوا زوجات أشرف مخلوق خلقها الله سبحانه وتعالى، هنيئًا لهن والله بهذا الفضل العظيم.
﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ﴾؛ إذاً هنا ليس فقط الأجر معلق بكون يكن أزواجًا للنبي ﷺ، لابد من التقوى. ليس بين الله سبحانه وتعالى وبين خلقه نسب، ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾، فبالتقوى يشرف الإنسان ويتعظم، منزلة الإنسان عند الله سبحانه وتعالى.
ثم الله سبحانه وتعالى بين لهن كيف ينبغي أن يكون الخطاب مع الرجال الأجانب، وهذا ليس خاصًا بهن بل هن قدوة في هذا، وبقية النسوة يقتدين بأزواج النبي ﷺ. قال الله تعالى: ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَّعْرُوفًا﴾ [الأحزاب: 32]. بدأ بالتقوى سبحانه وتعالى: القنوت، العمل الصالح، التقوى، ثم بعد ذلك ذكر ما يثمر الإيمان والتقوى والعمل الصالح، وما يثمر من أعمال واستجابة لأمر الله سبحانه وتعالى.
هنا الله يقول: ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ﴾؛ قبل أن تحصل المرأة التقوى والإيمان من الصعب أن تستجيب لمثل هذه الآيات، لماذا؟ لأن الإيمان ليس محركًا للاستجابة، فلذلك لابد من تقرير الإيمان وتعظيم الله سبحانه وتعالى ورسوله ﷺ والدار الآخرة، وذكر الجنة والنار حتى يعظم هذا الإيمان، ثم بعد ذلك تأتي الاستجابة.
فالله سبحانه وتعالى بعد ذلك أمر نساء النبي ﷺ بعدم الخضوع بالقول: ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ﴾، أي لا تتكلمن بكلام فيه ترقيق، فلا تتكلم المرأة وترقق كلامها وترخم كلامها، إنما تتكلم بكلام ليس فيه ترخيم وليس فيه تغنج وليس فيه تكسر. لما تخاطب الرجال لا تخاطبهم خطاب المرأة التي تمون على الرجل أو تكون قريبة منه، إنما تخاطب بصرامة حتى ما يطمع الذي في قلبه مرض، أي في قلبه فساد أو...
في قلبه نفاق، والله سبحانه وتعالى جعل في المرأة ميولًا للرجل، وجعل في الرجل كذلك ميولًا للمرأة؛ فلما تخضع المرأة بالقول وترقق الكلام هنا تؤثر في الرجل، فهنا الله سبحانه حسم وبين طريقة التعامل.
فالله ذكر لباس المرأة وذكر سياتنا، وكذلك وقار المرأة في بيتها وعدم خلطتها للرجال. ولما تضطر المرأة لمخالطة الرجال في الحاجات الأساسية مثلا في الحياة، فهنا لابد أن يكون الكلام بهذه الطريقة، وقلنا ﴿وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ أي قولًا حسنًا معروفًا بالخير، وليس بكلام يكون به شبهة أو كلام لا يليق أن تقوله المرأة.
وقد تتوسع كذلك بعض النساء بالكلام حتى لو كان كلامًا مباحًا، أو بعض العبارات قد تقولها المرأة هكذا بقوة، لكن نفس العبارة لا تليق أن تقولها المرأة للرجل. فالقص من ذلك هنا الله سبحانه وتعالى يبين في أزواج النبي عليه الصلاة والسلام طريقة الخطاب: ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ [الأحزاب: 32].
أي لا تخاطب المرأة الرجال الأجانب كما تخاطب زوجها، فالخطاب الذي يكون به الترقيق إلى آخره هذا يكون مع الزوج، أما الرجال الأجانب فلا يكون الخطاب مثل خطاب الزوج. ولا تتوسع المرأة في الخطاب مع الأجانب، ولا تخاطب بالأصل المرأة رجال الأجانب إلا عند الحاجة أو الضرورة؛ إذا اضطرت نعم، أما إذا لم تضطر فليس من الصواب أن تخاطبهم، إنما يخاطب الزوج أو يخاطب الابن أو المحرم.
ثم قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ [الأحزاب: 33]. قال: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ أي لا تخرجن من البيوت، فلا تخرج منها إلا لحاجة، فلا تكون المرأة هكذا خراجة ولاجة، كما يقول عمر بن الخطاب: «ليست بسلفع خراجة ولاجة».
إنما الأصل المرأة تكون في البيت، وهذا هو الأصل، والرجل هو الذي يشقى، هو الذي يعمل، هو الذي يكدح. ونحن في زمان قلبت فيه الفطرة، فأصبحت المرأة تزاحم الرجل في كل شيء حتى في العمل خارج المنزل، وهذا ليس هو الأصل؛ الأصل أن تكون المرأة في بيتها، والمرأة مكفية في الإسلام قبل الزواج من أبيها وبعد الزواج من زوجها.
أما أن تعمل المرأة بهذه الصورة فهذا منافٍ للفطرة، ليس فقط للدين بل هو مخالف للفطرة التي يقوم عليها الدين. وهذا الأمر للأسف أتانا من الغرب وليس من المسلمين، إنما بدأ بعد الثورة الصناعية في الغرب، وأرادت الطبقة البرجوازية أن تعمل النساء حتى تدفع الضرائب كما يفعل الرجال، فانتشر هذا الأمر عندهم، وبعدما انتشر عندهم انتقل إلينا وفرضوه علينا بالقوة.
أصبحت المرأة في صراع كبير بين قناعتها وحاجتها؛ فالمرأة تحتاج أن تبني أسرة، أن يكون عندها زوج ومعها وأبناء، وفي نفس الوقت هي مقتنعة بأنها لابد أن تعمل ولا بد أن تزاحم الرجال، فأصبح صراع القناعة والحاجة متعبًا في الشعوب لما يقع، لأنه لا يمكن أن تجمع بين القناعة وبين الحاجة؛ وأقصد بالحاجة هنا حاجة الزوج إلى البيت، والمرأة هذا هو الأصل أن تكون في البيت.
وأنا لا أدري حقيقة كيف تستطيع المرأة أن تجمع بين العمل خارج البيت ست أو سبع ساعات، وبين أن تقوم بواجباتها الأسرية مع زوجها ومع أبنائها، خاصة إذا كثر عدد الأبناء هنا الأمر يكون صعبًا وشاقًا. ولا تستطيع المرأة أن تجمع بين هذا وهذا لأن عاطفة المرأة توزع، والمرأة خلقت بعاطفة جياشة قوية حتى تحمي البيت وتجمع البيت وتستقبل الرجل.
أنا أتكلم عن البيت الطبيعي، وليس البيت الذي يكون الرجل فيه لا يقوم بواجبه، إنما نتكلم عن الأمر الطبيعي، فتستطيع هنا أن تحتوي الزوج وتحتوي الأبناء، والله أعطاها هذه القوة وهذه القدرة. فالأصل أن تبقى المرأة في البيت، والله لما أثنى على الحور العين قال: ﴿قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾، وقال: ﴿حُورٌ مَّقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ﴾. حتى في الجنة، ليس فقط في الدنيا بل حتى في الجنة.
الله سبحانه وتعالى يأمر نساء النبي عليه الصلاة والسلام بقوله: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾، ولما حج أزواج النبي عليه الصلاة والسلام معه، قال لهن عليه الصلاة والسلام: «ثم ظهور الحصر»، ففهم من ذلك عامة أزواج النبي عليه الصلاة والسلام بأنهن لن يخرجن بعد ذلك. فلم يكن عامة أزواج النبي عليه الصلاة والسلام يخرجن من البيوت بعد الحج الذي حجوه مع النبي عليه صلى الله عليه وسلم، حتى للحج والعمرة؛ نعم بعضهم مثل عائشة وحفصة كن يخرجن إلى الحج والعمرة، ولكن عامة نساء النبي عليه الصلاة والسلام لم يكن يخرجن، فلم يخرجن إلا لقبورهن رضي الله عنهم، وهذا كله امتثال لأمر الله سبحانه وتعالى واستجابة عالية له.
قال الله: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾. تبرج الجاهلية الأولى كانت المرأة تمشي بتغنج وتبختر بين الرجال، فالمراد هنا بتبرج الجاهلية -على قول المجاهد- أنها تمشي بين الرجال فكانت تخالط الرجال، هذا هو تبرج الجاهلية الأولى. وكذلك المرأة كانت تمشي بتكسر وتغنج، ولما تخاطب الرجال تخاطبهم بنوع ترقيق، وكذلك كانت المرأة لما تلبس اللباس ما تشده، فكانت تلقي بالخمار على رأسها فيظهر العنق، وكذلك الأذن والأقراط والقلادة تظهر منها، هذا هو تبرج الجاهلية الأولى.
ونحن اليوم في زمان تبرج أقوى من تبرج الجاهلية الأولى بكثير؛ فاليوم المرأة في كثير من البلدان خاصة البلدان الغربية، وكذلك من تشبه بنساء الغرب، لا تكاد المرأة تلبس لباسًا ساترًا، ليس فقط الحجاب الشرعي بل أكثر من ذلك. والله هنا يأمر نساء النبي عليه الصلاة والسلام بالوقار والقرار في البيت، وكذلك بعدم تبرج الجاهلية، وسياتينا بإذن الله اللباس الذي أمر الله سبحانه وتعالى به نساء النبي عليه الصلاة والسلام وعامة نساء المؤمنات.
الله ينهى عن تبرج الجاهلية، والتبرج معناه التزين وإظهار المحاسن والفاتن، فإظهار المحاسن والفاتن هذا يسمى تبرجًا، أو بمعنى آخر عدم لبس اللباس الشرعي، هذا تبرج. والتبرج دركات، ليس درجة واحدة إنما هو دركات كثيرة، لكن تبرج الجاهلية الأولى كان بهذه الطريقة؛ قيل بأن هنا الأولى مثل قول الله تعالى: ﴿وَإِنَّ هَٰذِهِ صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُونِي وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: 153]، وأن هناك عادًا أولى ولن تكون ثانية، وقيل بل هناك جاهلية ثانية وهي الجاهلية التي تكون في آخر الزمان، والمرأة اليوم في الغرب عادت إلى الجاهلية؛ فكانت المرأة في الجاهلية سلعة وأصبحت...
المرأة كذلك في الغرب سلعة، فأي شيء يريدون أن يبيعوه يجعلون المرأة معه، فأصبح هكذا تزهيدًا في المرأة وابتذالًا لها بصورة مقززة. وللأسف هذا الأمر انتقل إلى بلدان المسلمين قبل قريب من 100 سنة وبدأ التأثر، لكن ليس مثل الغرب؛ الحمد لله لوجود الإسلام، لكن هناك تأثرًا وتشبهاً كبيراً وليس قليلاً.
وبرض جماعة من علماء الاجتماع في الغرب يحذرون النساء، بل يحذرون القادة والساسة من الاستمرار في التعامل مع المرأة بهذه الطريقة، وإخراج المرأة من بيتها بهذه الصورة والسماح للمرأة بخلطة الرجال، حتى كان يقول أحد ساسة الغرب المشهورين -ولا أحب أن أسميه- بأن النساء المسلمات هن اللاتي يسرن على الطريق الصحيح، وكان يعاتب ويعنف النساء الغربيات في بلده ويقول: «لتكن كنت مثل هؤلاء»، وأشار إلى صورة للنساء المسلمات. وكانت إحدى عالمات الاجتماع تقول لي: «نسائنا مثل نساء المسلمات»، هذا في الستينيات من القرن الماضي، قبل أن ينتشر هذا الأمر في بلدان المسلمين الانتشار الكبير كما هو موجود للأسف اليوم.
وهذا بدأ تدريجياً، وليس المقصود هنا فقط "ليت نسائنا مثل نساء المسلمات"، بل المقصود في بقاء المرأة في بيتها وعنايتها بأسرتها، والغرب يهتف إلى ضرب الأسرة. والآن في بعض البلدان الإسلامية الكبيرة، وليست غير المؤثرة بل المؤثرة، يُدرس في البرلمان عندهم أن الزواج لمدة ستة أشهر يكون اختباراً، والقصد منه ضرب الأسرة. فبعد ذلك يغضب الأب على ابنته ولا يقبل بها أن ترجع عنده بعد ما تتزوج، طبعاً مع عدم اشتراط الولي والالتفاف بفتاوى شرعية حتى تُعزز هذا الأمر، والنتيجة النهائية أن المرأة تخرج من بيتها ولا يكون عندها زوج ويتم تفتيت الأسرة، وهم يسيرون في هذا الطريق حتى لا يتم حماية الأسرة، فالأسرة الآن تعاني من معركة كبيرة من خلال ضرب المرأة، لكن إن شاء الله بإذن الله النساء المسلمات لن يكن عبئاً للغرب.
ثم قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: 33]. بعد ما نهى الله سبحانه وتعالى نساء النبي عليه الصلاة والسلام، الآن أمر نساء النبي عليه الصلاة والسلام بإقامة الصلاة، قال: ﴿وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ﴾ ولم يقل «وصَلِّين»، إنما قال ﴿وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ﴾ أي أقمنا الصلاة، أي صلي صلاة بها خشوع. ويأمر الله سبحانه وتعالى بالإتيان بأركان الصلاة وواجباتها وسننها، وهكذا كانت نساء النبي عليه الصلاة والسلام كثيرات الصلاة.
حتى إن النبي عليه الصلاة والسلام لما طلق حفصة، نزل جبريل عليه السلام وأمر الله جبريل بأن ينزل، ليس من أجل إنزال القرآن الكريم، إنما هو أمر إلهي مباشر للنبي عليه الصلاة والسلام بأن يراجع حفصة؛ لماذا؟ لأنها صوّامة قوّامة وهي زوجتك في الجنة. بشرى عظيمة لأم حفصة رضي الله عنها وأرضاها، فهنا الله أمر نساء النبي عليه السلام بإقامة الصلاة، وكنا هكذا نكثر من الصلاة، وذكرت هذا في التعليق في سلسلة أمهات المؤمنين، هذا المعنى كان بارزاً في سير أمهات المؤمنين رضي الله عنهن.
قال تعالى: ﴿وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ﴾، والزكاة قرينة الصلاة، والزكاة حق المال، فالزكاة قرينة الصلاة وهي تلي الصلاة مباشرة في المنزلة والفضيلة، فأعظم أركان الإسلام إطلاق التوحيد شهادة «لا إله إلا الله»، ثم الصلاة، ثم الزكاة بالاتفاق، ثم وقع الخلاف بين الصوم والحج أيهما أعظم. ثم قال: ﴿وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾، وهذا تأكيد للاستجابة، وأن هذا الزوج ليس كبقية الأزواج، فلا تتعاملوا مع هذا الزوج كما يتعامل مع بقية الأزواج، أحياناً هذا زوج مختلف، هذا سيد البشر، هذا ليس فقط زوجاً له حق أنه زوج، بل هو سيد الأنبياء عليه الصلاة والسلام وله حق السمع والطاعة، والسمع والطاعة المطلقة لا تكون إلا لله سبحانه وتعالى ولرسوله عليه الصلاة والسلام. لذلك انتبهن من أن يقع في نفوسكن شيء فتفعلن كما تفعل بقية الأزواج، أو تقولن عبارات تقال لبقية الأزواج، لا، هذه العبارات ما تقال لهذا الزوج، هذا الزوج مستثنى عليه الصلاة والسلام.
قال تعالى: ﴿وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾، ثم قال: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ﴾، أي بهذه الأحكام وهذه الأوامر والنواهي، ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾، يريد الله أن يذهب عنكم الرجس؛ الشرك والمعاصي والأذى والشيطان والشك، ويطهركم تطهيراً من كل ما لا يليق ببيت النبوة، أن يجعل الله هذا البيت مباركاً، تبارك هذا البيت طاهراً من كل ما لا يليق.
ثم قال الله: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَىٰ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾. ﴿وَاذْكُرْنَ﴾ أي واعلمن، هنا الله يمنّ على أزواج نبيه عليه الصلاة والسلام بأن القرآن ينزل في بيوتكن، وأن سنة النبي عليه الصلاة والسلام فكل ما يقوله عليه الصلاة والسلام هذه سنة تتلى في بيوتكن، ﴿وَاذْكُرْنَ﴾ هذه النعمة واشكرن الله سبحانه وتعالى عليها، فليست هذه النعمة لأحد من النساء إلا لكم فقط. ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَىٰ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾، الله يمن ويمنهن بهذه النعمة العظيمة، وكذلك الله سبحانه وتعالى يأمر أزواج النبي عليه الصلاة والسلام بأن يقرأن القرآن وكذلك الحكمة، أي سنة النبي عليه الصلاة والسلام، فتكون المجالس معقودة بذكر كلام الله سبحانه وتعالى وكلام النبي عليه الصلاة والسلام وتطبيق هذا الكلام، فالنساء -ويقصد أزواج النبي عليه الصلاة والسلام- حتى يتعلمن منهن سنة النبي عليه الصلاة والسلام، فلتكن المجالس التي تجتمعن فيها في الحديث عن الله سبحانه وتعالى وعن كتابه وآياته، وكذلك عن أقوال النبي عليه الصلاة والسلام وسنته وسيرته، وهكذا كان أزواج النبي عليه الصلاة والسلام.
ثم قال الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾، أي لطيفاً سبحانه وتعالى باختياركن للنبي عليه الصلاة والسلام، فالله سبحانه وتعالى خبير بمن يصلح منكن أن يكون زوجاً لهذا النبي الكريم. الموجود في جزيرة العرب عدد كبير جداً من النساء، لماذا بالذات صفية؟ وكيف تأتي صفية ويتزوجها النبي عليه الصلاة والسلام؟ أمر عجيب، هي بنت يهودي واليهود أعداء النبي عليه الصلاة والسلام، فكيف تصبح صفية بنت حيي بن أخطب مسلمة وتصبح أماً للمؤمنين؟ وكيف يكون الحارث بن أبي ضرار يريد أن يغزو النبي عليه الصلاة والسلام فلا يحصل هذا الأمر ويفر، ويتزوج النبي عليه الصلاة والسلام من ابنته ويسلم هو وقومه؟ كيف تأتي جويرية بهذه الطريقة؟ هذا اختيار إلهي وعطاء رباني عظيم، والله سبحانه وتعالى يعلم من يصلح لعباده الصالحين خاصة لأنبيائه.
سبحانه وتعالى اختار هذه النسوة حتى يكن أزواج النبي ﷺ؛ إن الله كان لطيفًا سبحانه وتعالى، الله كان يدبر الأمر للنبي ﷺ، فما فعل يهود بني النضير، هذا كله كان تدبيرًا إلهيًا حتى يتم إجلاء يهود بني النضير وحتى تتزوج صفية من النبي ﷺ. الله يعلم بأن هذه المرأة تصلح أن تكون زوجة النبي ﷺ، فالله اختار أزواج النبي ﷺ، قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾ [اللقمان: 34]؛ أي خبيرًا بمن يصلح أن تكون زوجة له عليه الصلاة والسلام، والله خبير بأحوال أزواج النبي ﷺ وهن الطاهرات القانتات العابدات الصالحات.
ثم بعد ذلك قال الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ...﴾. أتت أم سلمة رضي الله عنها، زوج النبي ﷺ، وقالت له: «يا رسول الله، ما لنا لا نذكر في القرآن كما يذكر الرجال؟». وكذلك قالت أم عمارة نسيبة بنت كعب الأنصارية رضي الله عنها، وكذلك أم سلمة وبقية نساء النبي ﷺ والصالحات من الصحابيات. القصد من ذلك أن أم سلمة وكذلك أم عمارة ذكرنا ذلك للنبي ﷺ وسألنه: لماذا لا نذكر كما يذكر الرجال؟
فأنزل الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: 35].
هذه الآية كاشفة لحال الإنسان؛ فالإنسان إذا أراد أن يعرف هل هو على خير وعلى استقامة لينظر إلى هذه الآية. الله يقول إن المسلمين والمسلمات هم الإسلام، أي الاستسلام لأمر الله سبحانه وتعالى والانقياد له والتسليم بمرجعية القرآن والسنة، فليست له مرجعية إلا كلام الله سبحانه وتعالى وكلام الرسول ﷺ. والنبي ﷺ يقول: «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت». فمن حقق هذا فهو مسلم.
ثم بعد ذلك المرتبة التي تليها الإيمان، والإيمان أعلى من الإسلام. قال: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾، فالإيمان أعلى؛ لأن الإيمان معه عمل باطني يكون معه تصديق، معه إيمان بالله وملائكته واليوم الآخر وبالقدر وبكتبه سبحانه وتعالى وبرسله وبالقدر خيره وشره، والإيمان يكون معه تصديق. قال تعالى في الأعراب لما جاءوا وقالوا آمنا: ﴿قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَٰكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [البقرة: 8]، أي لم تصلوا إلى مرتبة الإيمان. فعندنا مرتبة الإسلام، ثم تليها الإيمان، ثم الإحسان.
فالإسلام ثم الإيمان ثم الإحسان؛ فالإيمان أعلى من الإسلام. والإيمان والإسلام إذا اجتمعا افترقا، وإذا افترقا اجتمعا؛ فلما يطلق اسم الإيمان يشمل الإسلام، ولما يطلق الإسلام يشمل الإيمان، لكن لما يذكر إيمان مع الإسلام يكون الإسلام موجهًا إلى الأعمال الظاهرة، والإيمان إلى الأعمال الباطنة. فالمؤمن الذي يكون عنده إيمان قوي في قلبه، تصديق وخشية وخوف وتعظيم، يكون عاليًا وليس عاديًا، هذا أعلى من مرتبة المسلم. فمرتبة المؤمن أعلى من المسلم، لذلك قال النبي ﷺ: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن»؛ ليس معناه أنه كافر، لكن ارتفع منه الإيمان وبقي عنده الإسلام.
قال: ﴿وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾، ثم قال: ﴿وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ﴾، والقنوت هو الطاعة. يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [آل عمران: 43]، ويقول الله: ﴿قُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾. فالإسلام والإيمان يثمران الطاعة. في الشخص ينظر إلى طاعته وإلى أعماله باليوم، هل هو على استقامة وعلى استجابة أو مجرد ادعاء؟ نعم هو مسلم الآن وعنده مرجعية الكتاب والسنة، ولكن بالتطبيق؛ هل مرجعيته فيها الكتاب والسنة أو لا يوجد تطبيق فقط الدعاء؟ فهذا القنوت يكشف المدعي من المطبق.
ثم قال الله: ﴿وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ﴾، والصدق يكون باللسان ويكون كذلك بالجوارح ويكون كذلك بالقلب. ويقول النبي ﷺ: «إن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وإن الرجل ليصدق حتى يكتب عند الله صديقًا». ويقول كذلك عليه الصلاة والسلام: «آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب». والمؤمن لا يكذب، ويروى عنه عليه الصلاة والسلام أنه لما سئل عن الكذب قال: «لا»، أي المؤمن لا يقع بالكذب. فالكذب ليس من أخلاق المؤمنين، بل هو من أخلاق المنافقين. ويكون الله قد أثنى على الصادقين والصادقات.
ثم قال: ﴿وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ﴾، أي طبيعة هذا الإنسان، خلق هذا الإنسان الذكر والمرأة صابرًا؛ هذا الإنسان صابر لما تقع عليه المصيبة يصبر ويحتسب، يصبر على تنفيذ أمر الله، ويصبر كذلك على أقدار الله، وكذلك يصبر عن معصية الله فلا يتساهم في المعاصي، إنما يصبر على تنفيذ أمر إلهي. والله أمر نبيه ﷺ بالصبر، وأمر عباده المؤمنين بالصبر، وذكر الصبر كذلك عن أنبيائه الكرام، فوصف هؤلاء أنهم كذلك صابرون على تنفيذ أمر الله سبحانه وتعالى.
ثم قال: ﴿وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ﴾، والخشوع هو جمع القلب على المعنى نفسه الذي يعيش الإنسان معه، فيكون معه خشوع، يكون معه سكون وطمأنينة، يكون معه إخبات وتواضع وانكسار؛ هذا هو الخشوع. والخشوع ليس بالجوارح إنما الخشوع في القلب، ثم يثمر بعد ذلك الجوارح، لكن الخشوع أصله محله في القلب. فهذا الإنسان لما تُتلى عليه آيات القرآن الكريم يتأثر ويخشى، لما يسمع المواعظ يتأثر ويخشع، فقلبه يحضر. والإنسان ما يحضر قلبه إلا إذا كان مملوءًا بالإيمان.
قال: ﴿وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ﴾، والخشوع يُرفع في آخر الزمان حتى لا يكاد الرجل يرى رجلًا خاشعًا في الصلاة، فيصلي أعدادًا كبيرة لكن ما يخشع منهم أحد، أو يخشى العدد القليل. ولب الصلاة وروح الصلاة الخشوع. وإن شاء إذا أراد أن يخشع بالصلاة لابد أن يدعو الله كثيرًا بأن يخشع، لابد أن يدعو الله وأن يثبت الله بأنه يحب الصلاة وأنه يريد أن تكون الصلاة قرة عين له كما كانت للنبي ﷺ.
هذا هو الذي يخشع بالصلاة، وهي عبادة عظيمة، والله ما يعطي هذه الكرامات لمن لا يتعامل معها التعامل اللائق بها. فشخص ينظر الله إليه بأن عنده الشهادة أو عنده الاختبار أو عنده الوظيفة أو عنده رضا فلان من الناس، أعظم من الخشوع بالصلاة؟ مستحيل أن يُعطى الخشوع لأن هذا ما تعامل مع الله تعاملًا لائقًا به، لكن الشخص الذي يحب الله حقيقة ويدعو الله ويتملق الله وهكذا ينكسر بين يدي الله، هذا هو الذي يعطيه الله الخشوع؛ فالخشوع عطية إلهية لمن يثبت الله سبحانه وتعالى المحبة.
ثم قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ﴾. يقول النبي ﷺ: «الصدقة برهان»، أي برهان على الإيمان، تدل على إيمان الإنسان. فالذي يتصدق هذا إنفاق للمال ليس سهلًا على النفس، فهذا الذي ينفق المال، هذا الإنفاق يدل على أنه مؤمن.
ويدل على أنه مؤمن بأن الله سبحانه وتعالى سيحفظ له هذه الصدقة وسيبقى له أجرها بإذن الله. وكان النبي ﷺ يحب الكتف، فلما أهدي له ﷺ تصدق بالكتف، فقال ﷺ لأم عائشة: «ما بقي؟» فقالت: بقي كتفها. فرد النبي ﷺ وبين لها المعيار الصحيح فقال: «بل بقيت كلها»، وذهب كتفها؛ لأن الكتف سنأكله، لكن هذا الذي تصدقنا به هذا باقٍ عند الله سبحانه وتعالى.
يقول الله تعالى: ﴿وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: 7-8]. وكانت أم عائشة تتصدق بالعنب وتقول: كم فيها من مثقال ذرة؟ كم فيها من مثقال ذرة؟ وكان يقول ﷺ: «اتقوا النار ولو بشق تمرة».
الله يثني على المتصدقين، وكذلك يقول ﷺ: «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله»، من ضمنهم: رجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه. ولما سئل النبي ﷺ عن أفضل الصدقة قال: «أن تصدق وأنت صحيح شحيح، تخشى الفقر وتأمل الغنى»، هذه أعظم الصدقة.
ثم قال بعد ذلك: «والصائمين والصائمات»، والصوم منه ما هو فرض كصوم رمضان، ومنه ما هو مستحب، والصوم أجره عظيم عند الله سبحانه وتعالى. من صام يوما في سبيل الله باعد الله وجهه عن النار سبعين خريفًا. فالصوم عبادة عظيمة، وفيها كسر لشهوة الإنسان وإعانة على القيام بالطاعات، وكذلك على اجتناب المعاصي.
والله سبحانه وتعالى جعل أجر الصائم له سبحانه وتعالى، قال: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾، وفي الحديث: «كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به»، والصيام جنة.
ثم قال الله تعالى: ﴿وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ﴾، أي المحارم والآثام، فلا يقع هذا الرجل وهذه المرأة بالزنا ولا بالمحرمات. ثم قال الله: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ﴾، ختم هذا بالذكر، لكن الذكر الكثير وليس القليل؛ فالذكر الكثير علامة إيمان.
ويقول النبي ﷺ: «سبق المفردون»، فقالوا: ومن المفردون يا رسول الله؟ فقال ﷺ: «الذاكرون الله كثيرًا والذاكرات». فالعبد يكثر من ذكر الله سبحانه وتعالى. ويقول ﷺ: «مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه كمثل الحي والميت». ويقول ﷺ فيما يرويه عن ربي عز وجل: «أنا مع عبدي ما ذكرني وتحركت بي شفتاه».
أتى رجل النبي ﷺ وقال: يا رسول الله، إن شرائع الإسلام قد كثرت علي، فدلني على عمل أتشبث به أدخل به الجنة، فدله النبي ﷺ على الذكر، وأن لسانه لا يزال رطبًا من ذكر الله، يعني ما يجف اللسان من الذكر، إنما أذكر الله كثيرًا وليس قليلًا. وبالأصل أجر الذاكر أعظم من أجر المنفق والمتصدق؛ فالذكر معه تعظيم لله وكذلك محبة لله سبحانه وتعالى، فالذي يذكر الله كثيرًا يفوز بهذه الأجور العظيمة ويعظم عنده الإيمان.
وبين اللسان والقلب رابط وثيق، فاللسان لما يذكر شيئًا يذكر هذا الأمر بالقلب، سواء كان بالخير أو بالشر؛ فإذا كان بالخير يثقل في القلب بالحب، وإذا كان بالشر يزيد ويعظم في القلب بالبغض. عظم الله من شأن الذكر.
ثم قال الله أعد الله لهم، أي من يتصف بهذه الصفات ويقوم بهذه الأفعال، مغفرة؛ أي هذه الأفعال تكثر الذنوب والمعاصي، ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾، وقال: «وأجرًا عظيمًا»، والأجر العظيم هو الجنة.
نقف عند هذا ونكمل إن شاء الله تعالى في الدرس القادم، هذا والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
الشيخ أحمد بن خالد الهاجري