الحمد لله، والصلاة والسلام على خير خلق الله، على نبينا وقائدنا محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، ثم أما بعد.
فأحييكم إخواني جميعًا وبياكم، وسدد الله على طريق الخير خطاي وخطاكم. نكمل التعليق على سورة الأحزاب، وكنا قد توقفنا عند قول الله تعالى: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ [الأحزاب: 25].
بعد ما بعث الله سبحانه وتعالى الريح وفرق الأحزاب وانقلبوا إلى ديارهم وبلدانهم، رجع النبي ﷺ مع أصحابه إلى بيوتهم، فأخذ النبي ﷺ يغتسل وألقى سلاحه عليه الصلاة والسلام، وكذلك أصحابه رضي الله عنهم وأرضاهم. فأتاه جبريل وقال له: «يا محمد، أوضعتم السلاح؟»، فقال النبي ﷺ: «نعم»، فقال: «أما نحن فلم نضع السلاح، إن الله يأمرك أن تذهب إلى بني قريظة وأن تسير إليهم، وإني سابقك إلى بني قريظة، فزل بهم».
فانطلق جبريل عليه السلام إلى بني قريظة، وألقى الله سبحانه وتعالى في قلوب بني قريظة الرعب والخوف من النبي ﷺ، وهذه من آيات النبي ﷺ؛ صرّ بأن الرعب مسيره شهر. ولاتباع النبي ﷺ شيء من هذه الكرامة أو شيء من هذه الآية، فالنبي ﷺ له آيات عديدة، من ضمنها أن الله سبحانه وتعالى نصره بالرعب مسيرة شهر. ومن يسير على نهج النبي ﷺ من المجاهدين والحكام والصادقين يكون له نصيب من هذه الكرامات العظيمة.
فالله يقول في كتابه العظيم: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ * وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح: 1-4]. فبقدر اتباع الشخص للنبي ﷺ يكون له نصيب من هذه الإعطيات والكرامات الربانية الإلهية، وهذا كثير؛ نسمعه ونراه ونقرأه في كتب التاريخ بأن أهل الإيمان والإسلام لا ينتصرون بقوتهم ولا بعددهم، إنما ينتصرون بنصر من الله سبحانه وتعالى لهم.
وهذا النصر له صور وله أسباب، من ضمن هذه الأسباب أن الله سبحانه وتعالى يلقي في قلوب الكفار الرعب، وهذه فائدة جليلة وعظيمة. وهي أن المؤمن الواجب عليه أن يبذل الذي يستطيعه، ولا يحسب الحسبة الدنيوية المحضة؛ فهذا لا وجود له في الدين، إنما النصر من الله سبحانه وتعالى.
هنا ترون بأن الله سبحانه وتعالى ينسب كل شيء له، فهو سبحانه وتعالى الذي بعث الريح، وهو سبحانه وتعالى الذي كفى المؤمنين القتال، وهو سبحانه وتعالى الذي نصر المؤمنين، وهو سبحانه وتعالى الذي أنزل الكفار، هو سبحانه وتعالى الذي قذف في قلوبهم الرعب. الأمر كله يرجع له سبحانه وتعالى، فالحسبة الدنيوية المحضة هذه لا وجود لها في الإسلام، إنما تُحسب هذه الحسبة فقط من باب بذل السبب الذي يستطيع الشخص أن يبذله حتى نعرف ما هو الحد الذي نستطيع أن نقوم به فلا نقصر به. فإذا بذلنا واجتهدنا وصدقنا مع الله سبحانه وتعالى، هنا لا شك أن قدر الله سبحانه وتعالى سيتدخل. تقول: كيف لا نملك قوة؟ ما قال لك إنك ستنتصر عليهم بالقوة، هذا لا وجود له، لكن لا بد من بذل السبب؛ الله يقول: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ﴾ [الأنفال: 60]. وهذا له تفصيل، لكن القصد من ذلك أن النصر بالله سبحانه وتعالى، فالمشركون يملكون ما لا نملك، ولكن نحن نملك قوة الله سبحانه وتعالى. هم يملكون الأسلحة والعدد، ولكن نحن نملك معونة الله سبحانه وتعالى، وهذا هو الذي يرشد إليه القرآن الكريم لأهل الإيمان.
القصد من ذلك أن هنا جبريل عليه السلام نزل وأمر النبي ﷺ بأمر الله بأن يسير إلى بني قريظة، فخرج النبي ﷺ ولبس لاماته، ودعا الناس وأمر داعيه بأن يأمر الناس بأن يسيروا إلى بني قريظة وأن يصلوا العصر إلا في بني قريظة. وكانت قريظة تبعد عن المدينة عدة أميال، ويهود بني قريظة هم آخر أنواع وأقسام اليهود الموجودين في المدينة؛ أجل، النبي ﷺ أخرج يهود بني قينقاع وكذلك يهود بني النضير، بقي الآن يهود بني قريظة.
ولم يكن يهود بني قريظة يريدون القتال مع الكفار، لكن دخل عليهم حبيب بن أخطب النضري، وهو رئيس وسيد بني النضير، ولم يزل يحدث سيدهم ويطمع كعب بن أسد حتى قبل، فنقضوا عهد رسول الله ﷺ. ولما بلغ الخبر النبي ﷺ أرسل سعد بن معاذ، وكذلك سعد بن عبادة، وكذلك عبد الله بن رواحة، حتى يتأكدوا هل هذا الخبر صحيح أو غير صحيح. فإن كان الخبر صحيحًا قال: «فألحنوا لي لحنًا أعرفه حتى لا يخاف الناس أكثر من الخوف الذي هم فيه»، وإن لم يكن الخبر صحيحًا فاجهروا بذلك بين الناس.
فلما جاء من بعثهم النبي ﷺ قالوا: «يا رسول الله، عضل وقاره»، أي فعلوا كما فعلت هاتين القبيلتين معك من إنكار العهد. فهنا النبي ﷺ أشاع بين الناس أو بشر الناس وقال: «الله أكبر»، وطمأن الناس عليه الصلاة والسلام لما أتاه هذا الخبر. انظروا إلى ثباته عليه الصلاة والسلام؛ لذلك قال الله: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: 21].
القصد من ذلك أن يهود بني قريظة نقضوا العهد، ولما ذهب إليهم الصحابة الذين بعثهم النبي ﷺ قالوا: «لا عهد بيننا وبينكم ولا عقد»، ونالوا من النبي ﷺ وطعنوا به عليه الصلاة والسلام. فرجع بعد ذلك هؤلاء إلى النبي ﷺ، وكفى الله سبحانه وتعالى المؤمنين القتال وتفرق الناس.
فلما تفرقوا رجع النبي ﷺ إلى بيته، ونزل جبريل كما قلنا، وخرج النبي ﷺ وبعث علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه وأعطاه الراية، واستخلف عبد الله بن أم مكتوم على المدينة، وقال: «لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة». فبعض الصحابة صلى في الطريق وقالوا: «إنما أراد الرسول ﷺ الاستعجال»، وبعضهم لم يصلِّ إلا في بني قريظة وقد خرج وقت العصر، ولم يعب أحدهم على الآخر. وكان يقول ابن القيم رحمه الله تعالى في إعلام الموقعين بأن هؤلاء سلف أصحاب الرأي، وهؤلاء سلف أهل الظاهر، أو كما قال رحمه الله تعالى.
القصد من هذا أن النبي ﷺ لما وصل إلى بني قريظة حاصرهم عليه الصلاة والسلام، ودام الحصار خمسًا وعشرين ليلة، حتى بعد ذلك قرر كعب بن أسد أن يفعل فعلًا.
شنيع، وهو أن يباغت النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في يوم السبت. فطلب كعب بن أسد من قومه أو اقترح عليهم ثلاث اقتراحات، وقال: «ما رأيكم أن نتابع هذا الرجل؟ فوالله قد تبين بأنه نبي»، فقالوا: «لا نترك التوراة أبداً».
ثم قال لهم: «ما رأيكم أن نقتل النساء والأطفال حتى نقاتله من غير أن يكون هناك سبايا؟»، فأبوا ذلك وأخبروا بأن نفوسهم لا تطيب لفعل هذا الشيء. ثم قال لهم: «ما رأيكم أن ننزل ونقاتل يوم السبت؟»، وهذا يوم لا تقاتل فيه اليهود ولا تعمل اليهود، فأبوا ذلك وقالوا: «إن هذا أمر لم يفعله أحد قبلنا من اليهود».
ثم قال: «إنه لا سبت لكم»، فحاصرهم النبي صلى الله عليه وسلم. فلما حاصرهم وأشد الحصار، وعلموا بأن النتيجة الحتمية هي القتل وعدم القدرة على مجابهة النبي صلى الله عليه وسلم، طلبوا من النبي صلى الله عليه وسلم أن يرسل إليهم رجلاً من الصحابة كنيته أبو لبابة.
فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم أبا لبابة، وكان من الأوس، وكانت قريظة هم حلفاء الأوس. فاليهود كانوا ينقسمون إلى قسمين: قسم مع الخزرج وقسم مع الأوس؛ بنو قينقاع والنظير كانوا مع الخزرج، وبنو قريظة كانوا مع الأوس. فإذا تقاتل الأوس مع الخزرج هؤلاء يدعمون الأوس، وهؤلاء يدعمون الخزرج.
أجلى النبي صلى الله عليه وسلم يهود بني قينقاع وكذلك بني النظير، وتدخل عبد الله بن أبي بن سلول وكانوا هم سادة الخزرج، ولم يزل بالنبي صلى الله عليه وسلم حتى وهبهم النبي صلى الله عليه وسلم له. الآن لما جاءت هذه المعركة ولم يبق إلا هؤلاء، والقسم المقابل الخزرج هم الأوس، وكانوا أي الأوس والخزرج يتساولان تساول البعيرين في نصرة الإسلام؛ فكان إذا فعل الأوس شيء فعل الخزرج شيئاً مثله، وإذا فعلت الخزرج شيئاً فعلت الأوس، هكذا كان بينهم منافسة، وكان هذا مما أعده الله سبحانه وتعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم.
القصد من هذا أن هنا طلب يهود بني قريظة من النبي صلى الله عليه وسلم أن يبعث إليهم هذا الرجل، فبعث النبي صلى الله عليه وسلم أبا لبابة. فلما دخل عليهم أبو لبابة ونظر إلى حالهم وبكى النساء ورأى الأطفال والصبيان فتأثر. فلما تأثر قالوا له: «ماذا تقول؟ ما الذي سيصفعه النبي صلى الله عليه وسلم بنا؟»، فأشار إلى حلقه، أي الذبح ستكون نتيجته هي القتل.
ثم ندم على ذلك ندماً شديداً وقال: «فوالله ما زالت قدماي من مكانهما حتى عرفت أني قد خنت الله ورسوله صلى الله عليه وسلم». وأنزل الله فيه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال: 27].
ثم رجع بعد ذلك رضي الله عنه وأرضاه إلى المسجد وربط نفسه بعمود المسجد ولم يأتِ النبي صلى الله عليه وسلم، فاستبطأه النبي صلى الله عليه وسلم وسأل عنه فأخبروه بالذي وقع منه، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه لو أتاه لاستغفر له. ثم بعد ذلك أنزل الله سبحانه وتعالى: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [التوبة: 102]. وتاب الله سبحانه وتعالى عليه.
لما علمت يهود قريظة بأن النبي صلى الله عليه وسلم سيكون هذا حكمه، قالوا: «لماذا لا نطلب من حليفنا ممن سينافس الخزرج بهذه المنقبة من سعد بن معاذ سيد الأوس رضي الله عنه وأرضاه؟». وكان سعد قد أصيب بسهم في كاحله وأخذ الدم ينزف منه، وكواه النبي صلى الله عليه وسلم حتى يرقى الدم، ووضع له قبة في المسجد خيمة في المسجد وكان يُجس بها، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يعوده من قريب.
فأرسلوا إلى سعد بن معاذ. فهنا النبي صلى الله عليه وسلم رأى بأن الأنصار -أي الأوس من الأنصار- يريدون حكم سعد؛ لماذا؟ حتى يكون هذا مقابلاً للخزرج، كما أن الخزرج كان لهم نصيب في التأثير في بعض القرارات، فهم كذلك الأوس أرادوا هذا الشيء. فلما رأى ذلك النبي صلى الله عليه وسلم أرسل إلى سعد بن معاذ، انظر الآن إلى رحمة النبي صلى الله عليه وسلم وإلى حكمة النبي صلى الله عليه وسلم، نبي أمي عليه الصلاة والسلام، هذا هو القائد، هذا فوق آدم.
فأرسل إلى سعد بن معاذ فأتي به محمولاً، فلما اقترب بالنبي صلى الله عليه وسلم قال عليه الصلاة والسلام: «قوموا إلى سيدكم، قوموا إلى سيدكم». فقاموا رضي الله عنهم وأرضاهم، وحملوا سعد بن معاذ وأدنوه من النبي صلى الله عليه وسلم. وقالت الأوس لسعد: «يا سعد، أحسن إلى مواليك»، يعني افعل كما فعل الأوس.
فلما جلس سعد بن معاذ رضي الله عنه وأرضاه، قال: «أيرضى من ها هنا بحكمي؟»، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «نعم». قال: «أيرضى من في هذه الخيمة بحكمي؟»، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «نعم». ثم قال رضي الله عنه وأرضاه وأشار إلى الطرف الذي فيه النبي صلى الله عليه وسلم، ولم ينظر إلى النبي صلى الله عليه وسلم إجلالاً وإعظاماً وإكراماً له بأبي أمي عليه الصلاة والسلام، وقال: «أيرضى من ها هنا بحكمي؟»، فقال عليه الصلاة والسلام: «نعم».
فقال: «إني أحكم بأن تقتل المقاتلة، وأن تُسبى النساء والذرية»، فقال عليه الصلاة والسلام: «لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبع أفرقة»، وفي رواية: «من فوق سبع سماوات». ونفذ النبي صلى الله عليه وسلم هذا الحكم.
وهنا سعد بن معاذ أصاب حكم الله سبحانه وتعالى فيهم، وشتان بين هذا الرجل، أي بين سعد بن معاذ رضي الله عنه وأرضاه، وبين ذاك الرجل المنافق، كبير المنافقين. هذا الرجل لا تأخذه في الله سبحانه وتعالى لومة لائم، وقد قال قبل أن يحكم بهذا الحكم: «إن لسعد بن معاذ لا تأخذه في الله لومة لائم»، ولم يلتفت إلى أحد، إنما حكم بمقتضى الإيمان.
وأنفذ الله سبحانه وتعالى والنبي صلى الله عليه وسلم حكم سعد بن معاذ رضي الله عنه وأرضاه، وقُتل 700 إلى 800 من بني قريظة، وسبيت النساء وكذلك الذرية، وأورث الله سبحانه وتعالى أهل الإيمان هذه البلاد. وتم تنقية المدينة النبوية من اليهود إلى قيام الساعة بإذن الله، وهم الآن يطالبون بالعودة إلى المدينة، ولكن الله سبحانه وتعالى لن يمكن هؤلاء من أن يعودوا إلى مدينة النبي صلى الله عليه وسلم بعدما أصبحت المدينة خالصة للإسلام، والله سبحانه وتعالى أورث أهل المدينة وأورث النبي صلى الله عليه وسلم.
عليه الصلاة والسلام والصحابة، هذه البلاد وهذه الديار فأصبحت خالصة لأهل الإيمان والإسلام. ثم بعد ذلك دعا سعد بن معاذ رضي الله عنه وأرضاه، بأن إن كانت الحرب بيننا وبين قريش قد انقضت فأفجرها، أي الجرح الذي أصابه، وإن لم تكن قد انقضت فأبقني حتى أقاتله. وقال: «لا تميتني حتى أرى مصارع بني قريظة»، أو كما قال.
فانفجر هذا الدم حتى خرج من الخيمة التي هو فيها ومات رضي الله عنه وأرضاه. وأتى جبريل النبي صلى الله عليه وسلم وأخبره الخبر، وبين له بأن السماوات قد فتحت لموت رجل عظيم من هذا الذي مات. فخرج النبي صلى الله عليه وسلم مسرعًا حتى نظر فإذا هو سعد بن معاذ. وقال النبي صلى الله عليه وسلم كما صح عنه في الصحيح عليه الصلاة والسلام: «اهتز عرش الرحمن لسعد بن معاذ».
عرش الرحمن اهتز شوقًا واستقبالًا لروح سعد بن معاذ الصحابي الجليل رضي الله عنه وأرضاه. لعل هذا الرجل هو أكثر الأنصار نصرة للإسلام، ولهذا رجل ميزة كبيرة جدًا وعظيمة في حماية الدولة المسلمة ونشر الإسلام. فهو مع صاحب سعد بن عبادة رضي الله عنهما، هم الذين فتحوا المدينة النبوية للنبي صلى الله عليه وسلم وسمحوا له عليه الصلاة والسلام، بل اختارهم الله قبل ذلك بأن يكونوا هم من يحمل لواء الإسلام رضي الله عنهم وأرضاهم.
ثم بعد ذلك مات سعد بن معاذ وتم القضاء على يهود بني قريظة. أنزل الله سبحانه وتعالى في هذه الحوادث، أي حادثة بني قريظة، قول الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾ [الأحزاب: 26]. أي عاونوهم ونصروهم من أهل الكتاب، أي من يهود بني قريظة، من صياصيهم أي من حصونهم، وقذف الله سبحانه وتعالى في قلوبهم الرعب.
ثم قال الله ممتنًا على أصحابه: ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَؤُوهَا ۚ وَكَانَ اللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ [الأحزاب: 27]. وأورثكم أرضهم، أي هذه البلاد وهذه الديار، من الله سبحانه وتعالى على النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وأعطاهم هذه البلاد والديار، وكذلك هذه الأموال أصبحت لأهل الإسلام.
﴿وَأَرْضًا لَمْ تَطَؤُوهَا﴾ قيل خيبر، قيل خيبر، أي هذه بشارة زائدة؛ كما أنكم انتصرتم على اليهود في المدينة كذلك يهود خيبر ستنتصرون عليهم وسيتم إجلاء اليهود من جزيرة العرب، ولن يبقى في جزيرة العرب ديانان كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم، فلن يبقى فيها إلا دين واحد فقط، ألا وهو دين الإسلام؛ لذلك قال عليه الصلاة والسلام في آخر حياته: «أخرجوا المشركين من جزيرة العرب، لا يجتمع في جزيرة العرب ديناان».
ثم قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَأَرْضًا لَمْ تَطَؤُوهَا﴾، قيل خيبر، وقيل مكة، وقيل فارس والروم، وابن جرير يقول كل هذا داخل في هذه الآية. فالله سبحانه وتعالى سيمُن عليكم جزاء هذا الثبات العظيم الذي ثبتّم فيه، هذا الموقف الجليل، هذا الموقف الصعب المزلزل للقلوب؛ جزاء هذا الثبات والصدق مع الله سبحانه وتعالى وقولكم هذا: «ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله»، ﴿وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 22].
جزاء هذا الإيمان وهذا التسليم سيعطيكم الله سبحانه وتعالى خيبر، وسيعطيكم مكة، وسيعطيكم فارس والروم واليمن كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم وهو يحفر الخندق. لذلك ينبغي على المسلم أن يعرف أن البلاءات التي تقع عليه والتي تشتد هي مقدمة ضرورية لازمة للفتوحات الكبيرة، لا يمكن أن تتمكن حتى تُبتلى، سواء على المستوى الخاص أو على المستوى العام.
سواء على المستوى الخاص، أي الشخص نفسه، لا يمكن أن يصل إلى مقام عالٍ في الدين إلا بعد بلاءات ثقيلة وشديدة؛ لذلك لما يأتي البلاء هذا في باطنه عطايا كبيرة، وبقدر صدقك مع الله فيه ستكون العطية التي ستأخذها بعده. كيف صدقك؟ كيف مسارعتك؟ كيف مبادرتك؟ كيف تعاملك معه؟ هذا هو الذي يحدد الكمية التي ستأخذها من الكرامة والفتح.
وكذلك على المستوى العام، فصدق أهل غزة مع الله سبحانه وتعالى وثباتهم وصبرهم هذا سيكون له شأن كبير بإذن الله، بشرط أن يقولوا كما قال الصحابة، وأن يثبتوا كما ثبت الصحابة. كذلك صدق أهل سوريا لما كانوا في إدلب وثبتوا على الحصار واشتد الخناق عليهم من جميع الأطراف، حتى نفس الذي كان نوعًا ما ينصرهم من أجل السياسة انقلب عليهم وبدأ هكذا يريد أن يقترب من النظام البائد.
الصدق هنا والثبات والدعوات التي كانت موجودة من الكثير من الناس، هذه ما ذهبت ذبابة منثورة، لكن هذا ما يأتي، هذا النصر الكبير والفتح ما يكون إلا بعد هذا البلاء. وهذا الذي سيقع مع اليهود بإذن الله، فالصدق الآن الذي سيقع من المسلمين خاصة أهل السنة والجماعة وثباتهم وصبرهم ودعاؤهم وبذلهم سيكون بإذن الله بعد فتح بيت المقدس كما فتحت الآن سوريا، وبعد ما أيقن عامة الناس بأن سوريا نسيت وأنها لن تفتح، سيفتح القدس بإذن الله وسيكون لعل قريب.
لكن قبل، لابد من بلاء، وقبل لابد من تمحيص، وقبل لابد من إظهار أهل الإيمان وأهل النفاق؛ لابد أن يظهر هذا القسم المؤمن الذي يقول: «هذا ما وعدنا الله ورسوله»، والقسم المنافق كذلك. لابد أن يظهر هذا وهذا، ولابد بعد ما يظهر هذا وهذا ويخلص أهل الإيمان ويصفى الصف وينقى، هنا بعد ذلك الله سبحانه وتعالى يقيض له الإيمان هذه الأمور القدرية.
فالحرب الآن تقع بين اليهود وأمريكا معهم في صفهم ضد الرافضة، هذه كلها أمور قدرية؛ هذه كلها أمور قدرية لأجل أهل السنة والجماعة، فهم شُغلوا فيما بينهم، والنتيجة إذا أحسن أهل السنة والجماعة العمل ستكون لهم بإذن الله؛ فالله سبحانه وتعالى شغل هؤلاء الأعداء فيما بينهم كما يكون هذا الأمر عادة، كما يصنع الله سبحانه وتعالى كثيرًا لأهل الإيمان.
فهذه هي الأمور القدرية. ما المراد بالأمر القدري هنا؟ إسلام بن نعيم بن مسعود وتفرقة بين يهود بني قريظة وبين الكفار من عطفان وقريش؛ هذا أمر قدري، كذلك صورته بالواقع تكون بهذه الطريقة. فالأمور القدرية هذه صورتها بالواقع، لكن الإشكال أن الشخص لما يقرأ القرآن ثم ينظر إلى الواقع، ينظر إليه نظرة سياسية محضة من غير أن يأخذ نفس هذه الهدايات الإيمانية القرآنية.
هل هذه الأمور القدرية ستكون لنا أو علينا؟ على حسب عملنا هو الذي يحدد؛ هل ستكون لنا؟ إذا كان عملنا موافقًا لمراد الله سبحانه وتعالى وصدقنا مع الله سيكون كذلك، لا ندري، فالله يضعف الأعداء ثم بعد...
ذلك يمكن أهل السنة والجماعة هم يبذلون الذي يستطيعونه، فالله سبحانه وتعالى يقدر هذه المقادير حتى تكون النتيجة بإذن الله في النهاية لأهل السنة والجماعة. وقد يكون هذا أمر توجه إلى العراق حتى ما يتوجه إلى بيت المقدس مباشرة، هذه أمور قدرية ما نستطيع أن نعرفها، قد يكون في أهل السنة والجماعة في العراق من هو صادق محب لله، فتنتهي وتكون النتيجة هكذا تحرير أهل السنة هناك بعد هذا البلاء الكبير الذي وقع.
والبلاءات ما تقع في الأصل إلا بسبب ذنوب كبيرة وقعت من نفس الشعوب، فهذه بلاءات تمحص الشعوب حتى ترجع بعد ذلك الشعوب إلى الله سبحانه وتعالى، فتصدق معه، فالله سبحانه وتعالى ينزل نصره عليهم ويفتح عليهم.
ومن ذلك هنا الله سبحانه وتعالى عقب هذه التعقيبات العظيمة التي فيها بيان للتوحيد، وبيان لتدخل قدر الله سبحانه وتعالى، وبيان بأن الأمر كله أمر الله سبحانه وتعالى، والنصر كله من عند الله سبحانه وتعالى، وكذلك في تعظيم لله سبحانه وتعالى وإقرار للإيمان وتقويته في النفوس.
ثم بعد ذلك انتقل الحديث إلى مشهد آخر وإلى صورة أخرى نتكلم عنها إن شاء الله تعالى. هذا والله أعلى وأعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
الشيخ أحمد بن خالد الهاجري