دخولتسجيل الدخول

سورة الأحزاب 06 | تأملات في آيات

أحمد بن خالد الهاجريالشيخ أحمد بن خالد الهاجري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله، الصلاة والسلام على خير خلق الله، على نبينا وقائدنا محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. ثم أما بعد، فحيّاكم الله يا إخواني جميعًا وبيّاكم، وسدّد على طريق الخير خطاكم.

نكمل مدارسة سورة الأحزاب، وكنا قد توقفنا عند قول الله تعالى: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: 21]. بعد ما ذكر الله سبحانه وتعالى المنافقين، وبيّن مواقف أهل النفاق وكيف أن الإيمان تزلزل عند المنافقين؛ لما وقعت عليهم هذه الحوادث المزلزلة، الصعبة، الثقيلة، الشديدة، انتقل بعد ذلك الحديث عن موقف النبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك إرشاد وتعليم أهل الإيمان الواجب عليهم فعله.

ومثل ما ذكرنا في بداية الحديث عن غزوة الأحزاب، بأن التربية الإيمانية تكون مع الشدة النفسية؛ فلما النفس تضعف وتخاف وتتحرك، تأتي التربية الإيمانية، لماذا؟ لأن النفس الآن تكون صالحة للغرس، صالحة للتشكل. أما قبل ذلك، فالكلام نظري من غير وجود التطبيق العملي ما يتأثر الإنسان. لذلك يتعجب كثيرًا أصحاب المحاضن التربوية كيف أن الطالب يربّى في المحضن سنوات عديدة، ثم بعد ذلك بمجرد أن يخرج من المحضن أو أن يتلقى أي فتنة من الفتن يسقط، وكأن جميع هذه التربية لم تؤثر فيه.

نعم، لأن التربية لم تكن تربية إسلامية، التربية لم تكن تربية مع الموقف، لم تكن تربية مع الشدة، إنما كانت التربية تربية رخاء، وتربية الرخاء ما تنفع كثيرًا. تقول لي كيف إذاً ما نربّي بالرخاء؟ أقول لك لا، لا بد أن تجمع بين تعظيم الله سبحانه وتعالى وإجلاله وبيان الدين في الرخاء، وكذلك التوجيه في وقت الشدة. فلما يأتيك الطالب ويقع عليه بلاء معين لا بد أن تحسن توجيهه، ولا بد أنك الآن تربيه، الآن هذا الوقت هو الوقت الذي تنفع فيه التربية، والوقت الذي تؤثر فيه التربية ويؤثر فيه الكلام.

هنا الله سبحانه وتعالى يبين لأهل الإيمان قائلاً لهم: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ يا معشر المسلمين، يا معشر المؤمنين. ما الذي فعله النبي صلى الله عليه وسلم في الأحزاب؟ انظروا كيف الناس خافت، وكيف وتظنون بالله الظنونا؟ هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالاً شديداً، بلاء عظيم. النبي صلى الله عليه وسلم في هذا البلاء كان يخرج أتباعه من الواقع.

فكان النبي صلى الله عليه وسلم لما كان الصحابة يحفرون وعرضت لهم صخرة لا تعمل فيها المعاول، نزل النبي صلى الله عليه وسلم وقال: «بسم الله، والله أكبر»، وضرب الصخرة فانكسر الثلث، وقال: «الله أكبر، أعطيت مفاتيح الشام». ثم قال: «بسم الله، والله أكبر»، ثم ضرب، قال: «الله أكبر، أعطيت مفاتيح فارس»، ضربة ثانية، ثم ضرب الضربة الثالثة وقال: «الله أكبر، أعطيت مفاتيح اليمن».

الآن الصحابة محصورون في ثلاثة كيلو من المدينة النبوية، والنبي صلى الله عليه وسلم يبشرهم بفتح فارس والروم واليمن. لذلك ينبغي على الشخص أن يقتدي بالنبي صلى الله عليه وسلم في هذه المواقف ولا يحصره الواقع، لا يسمح له الواقع بأن يحصره، إنما يكون عنده يقين بالله سبحانه وتعالى، ويتشبه بالنبي صلى الله عليه وسلم في هذه المواقف؛ فكما أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يبشر أصحابه رضي الله عنهم وأرضاهم بأننا سننتصر وأننا منصورون بإذن الله، وهذا بلاء مقدر معين محدد له مدة زمنية محددة معينة ثم سيذهب ويزول وسنفتح هذه البلاد كلها، ووقع الذي قاله النبي صلى الله عليه وسلم.

هنا الله يأمر أتباع النبي صلى الله عليه وسلم بأن يقتدوا بالنبي صلى الله عليه وسلم بالثبات واليقين والصبر وحسن الظن بالله سبحانه وتعالى، وألا يستسلموا للضغط الذي وقع عليهم. قال الله: ﴿لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ أي لمن كان يرجو ما عند الله سبحانه وتعالى ويحب الله ويخاف من الله ويؤمل بما عند الله، وكذلك يؤمن بيوم القيامة ويرجو الفوز بالجنة المعدة لعباد الله سبحانه وتعالى المؤمنين، ثم قال: ﴿وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾.

وذكر الله كثيراً هذا وصف أهل الإيمان بخلاف المنافقين. بعد ما ذكر الله سبحانه وتعالى مواقف المنافقين على اختلافها وعلى اختلاف نوع النفاق وقدر النفاق، هنا قال: ﴿وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾، والمنافقون لا يذكرون الله كثيراً؛ ولو كان الشخص يذكر الله كثيراً لنفي منه النفاق ولم يستطع النفاق أن يتمكن منه. إذاً هنا الذكر الكثير وليس القليل لله سبحانه وتعالى علامة إيمان.

قال الله: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ﴾ أعد الله لهم مغفرة وأجراً عظيماً. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه كمثل الحي والميت». وكذلك ذكر بأن المنافق لا يذكر الله إلا قليلاً. أما الذي يذكر الله كثيراً فهذا ليس من أهل النفاق، بل هذا علامة إيمان عظيمة. إذاً الذكر الكثير؛ استغفار، كلمة التوحيد، التهليل، التكبير، التحميد، التسبيح، هذا الذكر الدائم ينفي عن الشخص وصف النفاق.

ولما تأتي المواقف المزلزلة هذا الشخص تكون معه ملائكة، لماذا؟ لأنه يذكر الله كثيراً، والله سبحانه وتعالى معه؛ «أنا مع عبدي إذا هو ذكرني». وتحركت به شفتاه، هنا هذه الظنون المتقلبة، النفسية الطبيعية التي تقع عند الإنسان لما يضغط ما تستقر على النفاق، إنما تستقر على الإيمان؛ لأنه من أهل الذكر الكثير وليس الذكر القليل، وهو مع هذا الذكر يجاهد نفسه على الاقتداء والالتزام بأمر الله سبحانه وتعالى، وكذلك هو عنده إيمان عظيم ويرجو ما عند الله سبحانه وتعالى ويؤمن باليوم الآخر.

ثم قال الله سبحانه وتعالى الآن مبيناً حال أهل الإيمان الذي استقرت عليه النفس: ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَٰذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ۚ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 22]. هنا أهل الإيمان لما رأوا الأحزاب وكيف تحزبت وكيف اجتمع الأحزاب وكيف ضاق الخناق، قالوا: هذا الذي وعدنا الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.

كما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم ۖ مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّىٰ يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ اللَّهِ﴾ [البقرة: 214]. الرسول والذين آمنوا معه، ليس فقط الرسول، إنما معه أهل الإيمان. فهذا هو الذي وعد الله سبحانه وتعالى، هذا هو الذي أخبر الله سبحانه وتعالى عنه بأن الشخص لن يؤمن من غير أن يختبر: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾. مستحيل، لا يمكن. إذاً لما وقع البلاء هنا أيقن هذا القسم من الناس. تقول: طيب، إذاً كيف نجمع بين هذه الآية وبين قول الله...

سبحانه وتعالى، وتظنون بالله الظنونا، هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالاً شديداً. وقبل ذلك قال: ﴿إِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾ [الأحزاب: 10]. أقول لك: هذا أمر طبيعي، أن يحدث معه هذا الشيء، هذا أمر نفسي طبيعي، وهذا ما لا يحاسب الإنسان عليه.

فموسى عليه السلام أكثر نبي ذكر على لسانه الخوف؛ ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً﴾ [طه: 67]. هذه الخيفة هنا معذور فيها موسى عليه السلام؛ فالإسلام لا يريد منك أن تخرج من بشريتك أو تتجرد من إنسانيتك، فهذا لا يمكن أن يكون. ولكن على ماذا يستقر الأمر؟ وهل هذا الخوف الطبيعي تقاومه أو تستسلم له؟

هنا موسى لما أوجس في نفسه خيفة، قال الله له: ﴿لَا تَخَفْ ۖ إِنَّكَ أَنتَ الْأَعْلَىٰ * وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا ۖ إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ ۖ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَىٰ﴾ [طه: 68-69]. وموسى قبل هذا كان يقول لهم: «ويلكم لا تفتروا على الله كذباً فيسحتكم بعذاب، وقد خاب من افترى».

ثم هم لما ألقوا، عرض له هذا الخوف الطبيعي الفطري. هذا الخوف طبيعي يقع في الإنسان، لا بأس ولا حرج منه، إنما الحرج أن الشخص يستسلم لهذا الخوف، وينقاد لداعي الخوف والضغط الذي يقع عليه. إنما يجب عليه أن يستنصر بالله، وأن يستعين بالله سبحانه وتعالى، وأن يقوي نفسه وعزمه، ويذكر نفسه بما قاله الله سبحانه وتعالى. هذا الإنسان سيعان إذا كان من أهل الذكر الكثير ومن أهل العبادة، في هذا الموقف سيعان وتكون حاله مثل حال أهل الإيمان، فتستقر نفسه على أمر الله سبحانه وتعالى.

ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا: ﴿هَٰذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ۚ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 22]. إيماناً تصديقاً بما قاله الله سبحانه وتعالى وما قاله النبي ﷺ، وتسليماً لأمر الله سبحانه وتعالى، فلم يروغوا يميناً ولا يساراً، ولم يتأولوا أو يخالفوا أمر النبي ﷺ، إنما استسلموا وانقادوا لأمر الله سبحانه وتعالى.

فالقصد من هذا أن هذه المواقف لابد أن تقع، قد تقع عليك على مستوى خاص، قد يقع عليك بلاء خاص وقلبك يتحرك، وهذا أمر طبيعي، لكن على ماذا سيستقر؟ هل سيستقر على التسليم؟ على الإيمان بأن هذا أمر مقدر ومقضي من الله سبحانه وتعالى، وأن الله الآن يحب منك أن تصبر، وأن تعلم بأن ما أصابك لم يكن ليخطئك وما أخطأك لم يكن ليصيبك. تخسر مالاً معيناً، تقول كيف خسرته؟ أمر مقدر مكتوب، رفعت الأقلام وجفت الصحف.

هنا في المواقف يثبت الإيمان بالقضاء والقدر، وليس بالدروس العلمية العامة والنظرية. فممكن تقول بأن الإيمان بالقضاء والقدر له أربع مراتب: العلم، والكتابة، والمشيئة، والخلق؛ هذا كإيمان نظري كشرح، لكن لما يقع عليك البلاء كيف سيكون الحال؟ هل ستلزم نفسك بالثبات وتستعين بالله سبحانه وتعالى؟ هل ستقاوم؟

بعض الناس يظن بأنه لا، نفسه لن تتحرك، لا، طبيعي التحرك، لكن التحرك على حسب إيمان الإنسان؛ بعض الناس يتحرك بشيء ضعيف لأن إيمانه ضعيف، وبعض الناس يتحرك بشيء قوي لأن إيمانه قوي. وهكذا هنا النبي ﷺ ما تحرك قلبه، لكن الصحابة تحركوا. النبي ﷺ بلغ درجة عالية جداً، كذلك موسى عليه السلام؛ فبينما كان موسى عليه السلام يرتقي في مدارج الإيمان، كمرتقى النبي ﷺ، ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَىٰ﴾ [الضحى: 7]؛ فهدى الله سبحانه وتعالى لما لم يكن يعلم، ثم قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَيَهْدِيكَ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا﴾ [الضحى: 7]، بعد سنوات كثيرة هنا ارتقاء في الإيمان.

فموسى عليه السلام هنا ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً﴾، أما هنا: ﴿كَلَّا ۖ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: 62]. هذا الأمر يفهمه من يفهم النصوص القرآنية، فالقصد من البلاء أن يحرك الإنسان بحسب إيمانه. بعض الناس يكون عنده إيمان عالي جداً، فالبلاء اليسير ما يتأثر فيه، إذا خسر شيئاً من المال مثلاً، قلبه مطمئن لأن البلاء ليس قوياً وهو إيمانه قوي. لكن لما يكون البلاء ثقيلاً، مثل موت الأبناء كما وقع لأيوب عليه السلام، هنا يتأثر الإنسان طبيعياً ويتحرك القلب، لكن يثبت على ماذا بعد ذلك؟

هنا البلاء كان ثقيلاً، لم يكن بلاءً عادياً، الله عبر عنه بإزاحة الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا، هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالاً شديداً. بلاء ثقيل جداً، فظهر المنافقون بشتى أنواعهم وأصنافهم، وبقي أهل الإيمان. وهنا الله يأمر أهل الإيمان بأن ينظروا إلى النبي ﷺ وأن يقتدوا به في أقواله وأفعاله عليه الصلاة والسلام.

ويكشف لنا الشد العظيم الموجود هنا أثر حديث حذيفة بن اليمان؛ لما طلب النبي ﷺ من الصحابة أن يأتوه بخبر القوم، قال: «من يأتيني بخبر القوم؟»، ويشترط له الرسول ﷺ الرجعة، يعني سيرجع سالماً لن يموت أو يقتل، وهو رفيقي بالجنة، لم يقم أحد. والنبي ﷺ هو أرحم البشر بالبشر، ويعرف الحال الذي وصلوا إليه من شدة وصعوبة البلاء الكبير، وكرر ذلك ثلاث مرات، لكن لم يقم أحد حتى أمر حذيفة بن اليمان رضي الله عنه وأرضاه.

فالقصد من هذا أن النفس طبيعياً تتحرك، لكن تستقر على ماذا؟ هل يزداد عندك الإيمان بعد ذلك ويقوى، وتتمكن منك النصوص وتسلم لأمر الله سبحانه وتعالى وتستقر على الإيمان؟ هنا تفوز ويكون حالك مثل حال الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم. هنا الله يثني على أصحاب النبي ﷺ، قال: ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَٰذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ۚ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 22]. وما زادهم هذا البلاء وهذه الشدة وهذا الخناق الكبير على المدينة النبوية إلا إيماناً، تصديقاً جازماً بوعد الله سبحانه وتعالى، وإيماناً بالقضاء والقدر، وتسليماً لأمر الله سبحانه وتعالى وكذلك لأمر النبي ﷺ وانقياداً لأمره سبحانه وتعالى.

ثم قال الله سبحانه وتعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنْتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: 23]. ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾؛ أي هذا القسم من الناس عاهد الله سبحانه وتعالى على النصرة للدين، وعلى الثبات على الحق، وأنه سيقوم لله سبحانه وتعالى بالذي يريده منه. ﴿فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ﴾؛ أي منهم من أوفى.

بعهده ونذره، فاستشهد ومات في سبيل الله. وهذه الآية نزلت في أنس بن النضر وأصحابه كما يقول أنس بن مالك، وأنس بن النضر هو خال أنس بن مالك رضي الله عنه وأرضاه، وقد تخلف عن غزوة بدر، لم يشهد غزوة بدر، فلما شهد النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة غزوة بدر ولم يشهدها هو حزن حزناً شديداً على فوات الغزوة، ولم يكن يعلم بأنه سيكون قتال، فحزن ثم قال بعد ذلك: «لئن الله أشهدني قتال المشركين ليرين الله ما أصنع»، وهاب أن يقول غيرها.

فلما جاء يوم أحد وأشيع بأن النبي صلى الله عليه وسلم قد قتل، وألقى بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بسلاحهم، وقسم رجع إلى المدينة، تقدم أنس بن النضر واخترق صفوف الكفار، فلقي سعد بن معاذ، فقال له: «إلى أين يا أنس؟ مات رسول الله صلى الله عليه وسلم»، فقال: «أخر عني يا سعد، والله إني لأجد ريح الجنة دون أحد»، ثم قال: «وماذا تصنعون بالحياة بعده؟ قوموا فموتوا على ما مات عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم»، ثم قال: «اللهم إني أبرأ إليك مما يصنع هؤلاء»، أي الكفار، «وأعتذر إليك مما يصنع هؤلاء»، أي أهل الإيمان، ثم تقدم وقاتل حتى قتل، ولم تعرفه إلا أخته ببنانة رضي الله عنه وأرضاه، فأصيب بضع وثمانين ما بين ضربة وطعنة ورمية؛ ضربة بسيف، وطعنة برمح، ورمية بسهم، رضي الله عنه وأرضاه، فصدق الله سبحانه وتعالى.

فأنزل الله فيه وفي أمثاله ممن صدق مع الله سبحانه وتعالى هذه الآية: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنْتَظِرُ﴾ [الأحزاب: 23]. فمنهم من قضى نحبه، أوفى بنذره، وصدق مع الله سبحانه وتعالى، وحقق الذي يريده الله سبحانه وتعالى، ومنهم من ينتظر يأتيه موقف يثبت فيه لله سبحانه وتعالى صدقه. الصدق لا يمكن يا شباب أن يثبت من غير المواقف، ليس بالكلام، لابد من وجود موقف، لابد أن تصدق في موقف صعب، ثقيل، شديد، تصدق الله سبحانه وتعالى فيه، فتفوز عند الله سبحانه وتعالى.

لذلك لا تفرطوا بهذه اللحظات، لحظات الصدق التي تطرأ، أو الموقف الذي تستطيع من خلاله أن تثبت الصدق لله سبحانه وتعالى، ترتقي به عند الله سبحانه وتعالى مراتب ودرجات لا ترتقيها بالعبادة اليومية العادية، إنما بالمواقف: ﴿وَابْتَلَى اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ [البقرة: 124]. الصديق بالمواقف وهكذا، المواقف تجعلك ترتقي، لكن عبادتك اليومية تحصل من خلالها القوة التي تستطيع أن تثبت بها صدقك بالموقف. هذه هي الموازنة؛ فحسّن تعبدك لله اليومي: «اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك»، يوم مع يوم، بعد شهر يأتيك موقف، هذا الموقف بهذه العبادة تستطيع أنك تفوز فيه، فترتقي عند الله سبحانه وتعالى وتفوز.

لكن إذا ما كان عندك مواقف ولم تفز بالمواقف، ما ترتقي ارتقاءً عالياً، بل قد يقع النفاق -والعياذ بالله- على حسب الموقف، وعلى حسب التخلف، وعلى حسب الحال. فالقصد هنا أن هؤلاء قسم من الناس أثبت الله سبحانه وتعالى صدقهم لما أتاهم الموقف، والناس ثلاثة لا رابع لهم: منهم من يعمل إسلاماً ويصدق في عمله، أو يتقن عمله ويسعى جاهداً ويستفرغ وسعه، وينتظر اللحظة التي من خلالها يثبت صدقه العالي، فتأتي اللحظة فيثبت صدقه. مثال ذلك في باب التقرير فقط، شخص يطلب العلم ويدعو إلى الله، فيأتي موقف الله يريد منه أن يقول الحق فيقول الحق وينتهي دوره في التعليم، مثل ما وقع للإمام أحمد، هذا موقف صدق. بعد ذلك ما علم الناس ماذا يقولون؟ لو ما فعلت كذا لكان أفضل لك بأنك تعلم الناس حتى يستفيد الناس، هؤلاء ينظرون إلى الأمر من خلال حسبة عقلية بشرية وليست حسبة إيمانية دينية.

قسم ثاني، يعمل ويجتهد ويستفرغ الوسع في طلب العلم والقراءة والتحصيل، لما يأتي الموقف ما يفعل الذي يريد الله سبحانه وتعالى، لماذا؟ يتأول، هذا ليس بصادق، قد يكون معذوراً وقد لا يكون معذوراً على حسب الموقف وعلى حسب الثقة، لكن هو ما أثبت الصدق الآن، هو الآن ما أثبت الصدق الذي يريده الله سبحانه وتعالى منه. وقسم ثالث يبدل ويغير الدين والعياذ بالله، وكما فعل هؤلاء المنافقون: «هلموا إلينا يا أهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا، إن بيوتنا عورة وما هي بعورة». هذا القسم الذي ينصرف، والذي ينزوي، والذي يبتعد، والذي يتخلف، ويحمل الناس ويعوق الطريق، قد يعلم الله المعوقين منكم أو يقول عليهم. ويريدون منهم أن يتخلفوا ولا يستمروا في هذا الطريق، وهذا قد يقع به بعض من يظن في نفسه الصلاح من غير أن يشعر، هذا أمر خطير جداً، لذلك لابد أن يلتزم الشخص بأمر الله سبحانه وتعالى، ويفعل الذي يريده الله سبحانه وتعالى منه فقط، فيسلم لله سبحانه وتعالى، ويرضى بقضائه وقدره، ويقابل هذا بأمر الله سبحانه وتعالى بتنفيذ أمر الله سبحانه وتعالى الشرعي.

إذاً هنا الله يقول: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنْتَظِرُ ۗ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا * وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِن قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ ۚ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا﴾ [الأحزاب: 23-25]. وفي مثل هذا النوع من البلاءات دعونا أن نتوسع قليلاً، حتى الصالح يكون على مراتب ودرجات، انظروا مثلاً في قصة طالوت كيف أن طالوت اختبر الناس، فسقطت مجموعة، ثم مجموعة، ثم بعد ذلك لما بقيت المجموعة الأخيرة وعددهم قليل جداً، ثلاثمائة وبضعة عشر، ورأوا إلى الكفار، رأوا إلى جالوت وجنده، قسم منهم قال: «لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده»، انظروا كيف هذه كلمة «لا طاقة لنا اليوم»، لماذا قالوها؟ لأن البلاء أصبح ثقيلاً وشديداً، بدأ يشتد، يعني الآن الإيمان ما وصل إلى هذه الدرجة.

القسم الأول مباشرة سقط، كيف يكون؟ طالوت هو الملك، وهو ليس من فرع الملوك، ليس من فرع لاوي ولا يهوذا الأنبياء. وقسم ثانٍ: «ومن لم يطعمه فإنه مني إلا من اغترف غرفة بيده»، الشهوة غلبت وإيمانهم ضعيف، مباشرة سقطوا، هذا قسم ثاني. قسم ثالث الآن جاء البلاء الثقيل، الآن وصلنا إلى المعركة والعدد كبير جداً، عدد الخصوم، انقسم نفس الصفوة إلى قسمين: قسم قال: «لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده»، وقسم قال: ﴿قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُو اللَّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: 249]. انظروا هذا قسم ثاني. البلاءات هكذا تبين مراتب الناس، فقسم يكون كذا، وقسم يكون كذا، قسم يترك البلاء، قسم يترك بعد مرحلتين، قسم بعد أربع مراحل، هكذا العمل الإسلامي ترون هذا الشيء، يبدأ من تبدأ المجموعة مائة مائتين ثم...

بعد اختبار معين يسقط خمسون، يبقى خمسون، ثم اختبار ثان يسقط عشرون، يبقى ثلاثون، وفي النهاية يبقى أفراد. هؤلاء هم الذين يظنون أنهم ملاقوا الله. كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة؛ هؤلاء ما يزحزحهم البلاء، ولا هذا ما وعدنا الله ورسوله. يتأثرون، ولكن يستقر بعد ذلك القلب على الإيمان، ولا تقوى الفتنة على إسقاطهم، ولا يقوى الشيطان على فتنتهم.

لماذا؟ لأنهم أصحاب ذكر، أصحاب عبادة، أصحاب صلاح، أصحاب عمل سر، أصحاب تقوى، أصحاب تعظيم لله سبحانه وتعالى، فالله يحميهم من شر الفتن. إذاً هنا الله قال: ﴿وَمِنْهُم مَّن يَنظُرُ﴾ وما بدلوا تبديلاً. هذه الأقسام الثلاثة ترونها في مثل ما ذكرت في الأعمال الدعوية والإسلامية؛ لذلك السعيد من يلتزم بأمر الله ويستقيم على مراد الله، ولا يفتن لما يفتن الناس. ولا بد أن يفتن الأكثر وليس الأقل، فالأكثر يصاب بالفتنة على حسب نوع الفتنة وقوتها، لكن ما يبقى إلا الأفراد. هؤلاء الأفراد لابد أن يستوعبوا بأن هذه عطية إلهية، إذا ما استوعبتها ستقع معهم.

قالوا: ﴿وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾. ثم قال الله: لماذا يا ربي هذا كله؟ لماذا هذه البلاءات؟ هذه الشدة؟ هذا الصراع؟ لماذا هذا التحرك النفسي؟ ليجزي الله الصادقين بصدقهم، حتى يظهر الإيمان ويظهر النفاق، وليبتلي الله ما في صدوركم وليمحص ما في قلوبكم، ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾. ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب.

لابد، الله سبحانه وتعالى ما يترك الواقع كما هو، لابد أن تقع الفتن المزلزلة المزعزعة؛ فتن عقلية، فتن علمية، فتن عملية، فتن كثيرة جداً. من الذي يثبت إيمانه وصدقه واستقامته وتجرده من هواه ومحبته لله سبحانه وتعالى؟ هذا رقم واحد، رقم اثنين، رقم ثلاثة؛ هكذا مراتبهم. ومنهم من يسقط -والعياذ بالله- والسقوط كذلك مراتب ودركات.

هذا كله لماذا؟ هذا البلاء ليجزي الله الصادقين بصدقهم، ليثيب الله سبحانه وتعالى أهل الصدق، وتظهر مواقف الإيمان. يظهر هذا الرجل الذي يقول هذه الكلمات الإيمانية العظيمة، كما قال سعد بن معاذ: «يا رسول الله، والله لا نقول لك كما قال قوم موسى لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون، بل نقول لك: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون».

وقسم آخر يضعف، وهذا هو المقصود من البلاء. لذلك لما يقع البلاء في أي مكان بالعالم، في غزة ولا في غير غزة، هذه البلاءات المقصود منها أن يظهر هذا الرجل الذي يجاهد في سبيل الله والذي يقتل في سبيل الله ويقدم نفسه رخيصة، وتظهر الأم الصابرة المحتسبة التي تقدم أبناءها في سبيل الله وتقول: لا يعزيني أحد، بل هنئوني، هنئوني. يظهر هذا القسم، وكذلك يظهر القسم المقابل؛ المنافقين، هذا الذي يبيع دينه بثمن بخس، يبيع دينه بعرض من الدنيا. يظهر هذا القسم من الناس، ولو دخلت عليهم الفتنة لأتوها. فالبلاءات تظهر القسمين.

البلاءات تظهر القسمين، لن يكون الكل من القسم الأول؛ هذا في زمان النبي صلى الله عليه وسلم وفي منتصف الدعوة المدنية، ومع ذلك انظروا كم عدد المنافقين وأقسام المنافقين الموجودين. فطبيعي في زماننا يكون هذا الشيء ويظهر مثل هؤلاء. هذا أمر طبيعي، إذا تصورنا مع القرآن وعشنا معه نفهم مثل هذه المعاني، ونسأل الله سبحانه وتعالى بأن نكون من القسم الصادق، من القسم الذي يثبت عند البلاء، والذي يفعل الذي يريد الله سبحانه وتعالى منه.

قال تعالى: ﴿لِّيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِن شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾. أي هنا الله سبحانه وتعالى سيحاسب الصادقين ويجزيهم على صدقهم بالجنة والدرجات العالية فيها، ويعذب المنافقين إن شاء، أو يتوب عليهم؛ إن تاب أهل النفاق تاب الله سبحانه وتعالى عليهم. ورحمة الله سبحانه وتعالى هنا تسبق غضبه، لذلك قال الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾، ولم يقل هنا: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾، لماذا؟ ليبين بأن باب التوبة مفتوح، وأن المنافقين الذين قالوا ما قالوا، لو رجعوا إلى الله لتاب الله سبحانه وتعالى عليهم ولشملتهم رحمة الله سبحانه وتعالى. انظروا مع فضح المنافقين، ومع الشدة عليهم، ومع شنيع أفعالهم وأقوالهم التي كادت تودي بالدعوة الإسلامية وبالجماعة المؤمنة في المدينة النبوية، هنا الله يفتح هذا الباب، أي باب التوبة عظيم الاتساع، لكن لمن؟ لمن عاد إلى الله، ولمن صدق في عودته إلى الله سبحانه وتعالى وتاب إلى الله سبحانه وتعالى توبة صادقة.

ثم قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا ۚ وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ ۚ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾. ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ﴾؛ رجعت غطفان إلى نجد من غير ثمار ومن غير خير، أي من غير مال ومن غير انتصار. ورجع كفار قريش إلى مكة كذلك من غير غنائم ومن غير الانتصار على النبي صلى الله عليه وسلم، فرجعوا مغتاظين حانقين من هذه النتيجة.

كيف حدث هذا الأمر؟ ولماذا الله هنا نسب الأمر لنفسه؟ لأنه كل ما يجري في كونه هو راجع له سبحانه وتعالى. وهنا أهل الإيمان ما انتصروا بأعمالهم، إنما انتصروا بالريح، فالأمر يرجع إلى قدر الله سبحانه وتعالى. بعث الله سبحانه الريح على الأحزاب ففرقت الشمل، وقالت باتت القدور وأزالت الخيام، فلم يستطيعوا أن يحتملوا هذه الريح فانصرفوا. أمرهم أبو سفيان بأن ينصرفوا فانصرفوا ورجعوا. لذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «نصرت بالصبا»، أي بريح الصبا، «وأهلكت عاد بالدبور».

هنا الله بعث عليهم الريح. الأحزاب كيف تفتت هذا الجمع كله؟ بأمرين اثنين كلهم قدريين؛ الأول ريح الأحزاب، والثاني إسلام نعيم بن مسعود. نعيم بن مسعود من غطفان، هو أشجعي من غطفان، جاء النبي صلى الله عليه وسلم وقال: «يا رسول الله، إني أسلمت»، قال: «إنما أنت رجل واحد فخذل عنا ما استطعت»، فاذهب إلى غطفان، وقال لهم: أي رجل أنا لكم؟ فقالوا وأثنوا عليه، فقال: إن قريشًا قد زعمت كذا وكذا، أو إن اليهود زعموا كذا وكذا. وذهب إلى قريش وذهب كذلك إلى اليهود وقال لهم مثل ذلك، وفرق بينهم، فشكت قريش وشكت غطفان وشك اليهود، فأصبح بينهم ريب وشك. بمجرد أن جاءت الريح تفرقت الشمل وتفرقت الجموع؛ فالقصد من ذلك أن نعيم بن مسعود أثر، وكذلك بعث الله سبحانه وتعالى الريح. فالله أرسل هذه الريح، ولم تكن ريح بقوة ريح عاد، إنما كانت ريح القصد منها إزالة الأعداء.

وهذا هو الفارق بين الذي كان يقع في زمان النبي ﷺ، وما كان يقع في زمان الأنبياء قبل موسى عليه السلام؛ قبل موسى عليه السلام، والأنبياء الذين قبل ذلك، كانت تنزل عليهم العقوبات العامة التي تهلكهم، فيكون الهلاك مباشرة من الله سبحانه وتعالى: ريح قوية، تزلزل الأرض، صيحة، وهكذا.

أما هنا في زمان النبي ﷺ، وكذلك زمان موسى عليه السلام بعد ذلك، فيكون الأمر ببذل سبب، به جهاد، به قتال، وهكذا؛ ويكون هذا أشفى لصدور المؤمنين، والنصر ما يأتي إلا ببذل الأسباب، ببذل جميع الأسباب، لازم نبذل كل شيء، ثم تنقطع الأسباب، ما نتعلق إلا بالله فقط.

انظروا كيف الثورة السورية امتدت كم سنة؟ سنوات عديدة، 14 عامًا، حتى انقطع الأمل، خلاص، والناس وصلوا إلى حد أن سوريا لن ترجع، لن تعود، وكل من كان ينصر سوريا انقلب عليها حتى أقرب الناس لها. هنا يأتي نصر الله، لما يكون التعلق فقط به، ليس بحبل من الناس، إنما بالله سبحانه وتعالى مع بذل الأسباب، مع بذل الأسباب.

هنا لما بذل الصحابة، وعلم الله سبحانه وتعالى صدق الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم، وبذلهم واجتهادهم، هنا الله سبحانه وتعالى أنزل هذه الريح وبعثها، وكذلك أسلم نعيم بن مسعود، وتفرق شمل الأحزاب، ولم يحدث قتال إلا قتال يسير. لذلك قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ [الأحزاب: 25].

انظروا، كل هذا شدة وبلاء، ومع ذلك لم يقع قتال إلا مبارزة يسيرة مع بعض الكفار، أما قتال جيش مقابل جيش فهذا كله ما وقع، فسلم الصحابة، ولم يصابوا بجراحات إلى آخره. ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾، يعني هذا كل البلاء في النهاية ما يجيء شيء، لأن القصد من هذا البلاء هو كشف الإيمان والنفاق فقط، هذا هو القصد.

﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾، المرجع إلى الله سبحانه، هو الذي كفى سبحانه وتعالى. لذلك كان يقول النبي ﷺ: «لا إله إلا الله وحده، نصر عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده». سبحانه وتعالى، ولما تفرق الأحزاب قال النبي ﷺ: «الآن نغزوهم ولا يغزونا». فلم يغزو كفار قريش بعد ذلك المدينة النبوية.

قال تعالى: ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ ۚ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ [الأحزاب: 25]. سبحانه وتعالى، ﴿وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾، إن الله سبحانه وتعالى قوي لا يغالب، عزيز سبحانه وتعالى لا يمكن لأحد أن يفعل شيئًا لا يريده سبحانه وتعالى، ولا يستطيع أحد أن يخرج عن سلطان الله سبحانه وتعالى، عن قوة الله سبحانه وتعالى، عن قدرة الله سبحانه وتعالى.

وهذا في تقرير لهذه الأسماء العظيمة في نفوس الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم، ولما يعيش شخص مثل هذه المواقف ثم يقرأ مثل هذه الآيات تتمكن هذه المعاني تمكنًا قويًا منه. وهنا الله سبحانه وتعالى يبين للصحابة من هو، ويبين لهم بأنه هو القوي سبحانه وتعالى، هو العزيز، أما هؤلاء الكفار كلهم لا يملكون شيئًا، إنما القوة لله سبحانه وتعالى، إنما القوة قوة الله، والعزة عزة الله سبحانه وتعالى.

ثم كذلك جاء الحديث عن يهود بني قريظة، نتكلم عنه إن شاء الله تعالى في الدرس القادم، هذا والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.