دخولتسجيل الدخول

سورة الأحزاب 05 | تأملات في آيات

أحمد بن خالد الهاجريالشيخ أحمد بن خالد الهاجري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله، الصلاة والسلام على خير خلق الله، على نبينا وقائدنا محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، ثم أما بعد، فحيّاكم الله إخواني جميعًا وإياكم، وسدّد على طريق الخير خطانا جميعًا.

نكمل مدارسة سورة الأحزاب، وكنا قد توقفنا عند قول الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا ۖ وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ ۖ إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا﴾ [الأحزاب: 13].

ذكرنا لكم في اللقاء الماضي بأن الله سبحانه وتعالى ذكر فعل المنافقين في هذه السورة، وكيف كانوا يثبطون من همم المسلمين، ويسعون جاهدين لكسر شوكة المسلمين. والنفاق عادةً ما يظهر لما يظهر الكفر؛ والمقصود من هذه الكلمة أن الكفر لما يقوى يظهر النفاق، ولما يضعف الكفر يزعم المنافقون بأنهم من أهل الإيمان.

فالإيمان يقوى مع ضعف الكفر في سياق، ويظهر مع الكفر في سياق. أما ظهوره مع الكفر فذلك لما يقوى الكفار ويسيطرون، وهنا أهل النفاق يظهرون الكلمات الكفرية ويسعون جاهدين لكسر شوكة المسلمين. وأما قوة النفاق في حال ضعف الكفار، فسبب ذلك بأن المنافق لا يستطيع أن يظهر كفره، فيكتم الكفر ويظهر الإيمان، فيشتد نفاقه في قلبه. وهذه علاقة الكفر مع النفاق، فيظهر النفاق في سياق قوة الكفار، وكذلك يقوى في سياق ضعف الكفار.

إذن هنا الله سبحانه وتعالى يبين ويكشف لنا الآن طبيعة الصف الإسلامي؛ فبالخارج كفار واليهود، وبالأسفل وداخل الصف المسلم جماعات من المنافقين. فقسم يقولون: ﴿مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [الأحزاب: 12]، وقسم يقول: ﴿يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا﴾، وقسم يستأذن النبي ﷺ ويقول: ﴿إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ ۖ إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا﴾.

هذه الآيات كما ذكرنا نزلت في جماعة من الأوس يقال لهم بني حارثة، وكان النبي ﷺ قد أذن لهم في البداية، ثم لما جاء سعد بن معاذ وقال للنبي ﷺ: «إن هؤلاء ما كانوا معنا في وقعة بها شدة إلا قالوا مثل هذا، فلا تأذن لهم يا رسول الله»، فلم يأذن لهم النبي ﷺ.

ثم انظروا الآن إلى تبكيت القرآن الكريم لهذا القسم الذي يتعامل مع الله سبحانه وتعالى تعامل المتذبذب، قال تعالى: ﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِم مِّنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا ۚ وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِن قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ ۚ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا﴾ [الأحزاب: 14].

إذن هنا الله سبحانه يبين ويقول بأن هؤلاء المنافقين لو دخلت عليهم أي الفتنة من أقطارها، لو دخل هؤلاء الكفار وطلبوا منهم الكفر وسألوهم أن يكفروا بالله سبحانه وتعالى لآتوها مباشرة؛ لآتوا الفتنة. وفي القراءة الأخرى "لآتوها" أي لأعطوها من قلوبهم، ليدخلوا الفتنة وهم راغبين -والعياذ بالله- بالدخول بها.

ثم قال الله: ﴿وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا﴾ [الأحزاب: 14]. بها، إما أن يعود الضمير إلى المدينة، أي إذا كفروا بالله سيهلكهم الله سبحانه وتعالى ولن يبقيهم في المدينة إلا مدة يسيرة، أو يعود الضمير هنا إلى نفس الفتنة، أي لن يتأخروا، ولن يكون التردد عندهم كبيرًا، إنما مباشرة سيستجيبون لهؤلاء الكفار ولن يتلبثوا؛ هكذا هل يأتون فتنة ما يأتونها إلا يسيرة؟ ويسيرًا إما أن يكون المراد بها مدة يسيرة، أو كثيراً ما تطلق مثل هذه الإطلاقات ويكون المراد بها العدم.

إذاً هنا ﴿وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا﴾ أي بالفتنة؛ إذاً هنا الله يبين بأن هؤلاء بمجرد أن تقع عليهم فتنة سيكفرون، وهذا النفاق سيذهب ويظهر الكفر. هل هذا القسم من المنافقين كانوا منافقين ظاهراً وباطناً، أي بلغ بهم النفاق إلى أن يكون اعتقادياً، أو كان النفاق من قبيل النفاق العملي ثم لما جاء هذا الموقف أسقط الإيمان الذي يظهر؟

والله أعلم أنهم من قسم ثاني وليسوا من القسم الأول بمعنى النفاق حقيقة مركبة؛ فقد يكون الشخص به مادة إيمان ومادة نفاق كما جاء في أثر حذيفة بأن القلوب أربعة: منها قلب خالص بالنفاق، والقلب المريض، والقلب الخرب، ومنها قلب عامر بالإيمان، وهناك قلب له مادتان: مادة من الإيمان ومادة من النفاق، هذا القلب عنده إيمان لكن كذلك معه نفاق.

هنا هؤلاء الذين هم بنو حارثة، الله يقول: ﴿وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِن قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ﴾؛ فالمنافقون ما يعاهدون الله بعدم تولي الأدبار، إنما هؤلاء يدل على أنهم كانت عندهم مادة إيمان.

وهذا الموقف ذكر ابن جرير بأنه كان يوم بدر أو بعد بدر، وقيل في يوم أحد. بعد بدر في غزوة بدر كما تعلمون لم تكن مقصودة، إنما النبي ﷺ استنصر الناس وقال: «من كان ظهره راحلاً فليلحق بنا»، وكان القصد قافلة أبي سفيان وليس القتال مع الكفار. فالكثير ما خرج مع النبي ﷺ إنما خرج العدد عدد معين يستطيع أن ينتصر على قافلة أبي سفيان وأن يأخذ القافلة، ففي قسم ما نشط للخروج لأن العدد كافٍ.

هؤلاء الذين خرجوا فرت القافلة، وجاءت المعركة وانتصروا على الكفار، فنزلت فيهم الآيات العظيمات وحازوا الفضل الكبير حتى أصبح هؤلاء لمبادرتهم من أهل بدر. يعني بدر ما كانت مقصودة بالأصل، هم لم يخرجوا من أجل القتال إنما خرجوا من أجل كذا، لكن لأنهم استحقوا أن يكرمهم الله سبحانه وتعالى بهذا الشرف العظيم.

هذا القسم من الناس عاهد الله سبحانه وتعالى، جماعة عاهدوا الله منهم أنس بن النضر ومنهم هؤلاء. فأنس بن النضر لما فاته يوم بدر تأثر وقال: «لئن الله أشهدني قتال المشركين ليرين الله ما أصنع». وسيأتينا بإذن الله قوله تعالى في هذه السورة: ﴿مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: 23]، هذا قسم.

وقسم ثاني: ﴿وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِن قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ﴾، هذا قسم تشجع وتحمس لما رأى هذا المشهد، وعاهد الله بأنه لن يولي الأدبار، وأنه إذا جاءت وقعة يستطيع أن يثبت فيها الإيمان سيثبت فيها الإيمان.

هذا القول الأول، الثاني أن هذا كان يوم أحد. وفي يوم أحد ذكر الله سبحانه وتعالى في سورة آل عمران: ﴿إِذْ هَمَّت طَّائِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾ [آل عمران: 122]. خرج النبي ﷺ معه ألف من المقاتلين، وانسحب عبد الله بن أبي بن سلول بثُلث الجيش، هذا الانسحاب من المنافقين الخُلص أثر بطائفتين؛ طائفة من الأوس وطائفة من الخزرج، بنو الحارث أو بنو حارثة وبنو سليمة، فهَمَّت الطائفتان بترك المعركة، فأنزل الله سبحانه وتعالى قوله: ﴿إِذْ هَمَّت...﴾.

«طائفتان منكم أن تفشلا والله وليهما». تحركت القلوب، لكن الله سبحانه وتعالى تدخل وثبت هذه القلوب فلم ينسحبوا من المعركة. هنا هذا الكشف القرآني أثر في هذا القسم من الناس، فعاهدوا الله أنهم ما يترددون مرة أخرى، ولا يهمون بالانسحاب وترك القتال مع النبي ﷺ. إذًا يدل أن هذا الفريق من الناس عنده إيمان، ولكن كذلك عنده نفاق.

المشكلة لما تأتي الحادثة، لما يأتي الموقف، هنا قد يغلب النفاق. هنا الله سبحانه وتعالى عاتبهم عتابًا شديدًا. في يوم أحد الله سبحانه وتعالى ثبتكم، وهذا التثبيت الإلهي لا بد أن تقدروا، هذا عطاء من الله، الله هو الذي من عليكم في هذا الموقف، عطية وكرامة منه سبحانه وتعالى بأنكم ما تفرون. كيف تقابلون هذه الكرامة بالفرار الآن؟ أليس الواجب عليكم أن يكون هذا الموقف يعطيكم قوة وثباتًا بحيث أنكم ما تفرون في هذه المعركة؟

هنا الله سبحانه وتعالى لم يتعامل معهم كما تعامل يوم أحد، هذا يا إخوان شوفوا، هذا التعامل يكون مرة واحدة. ثم إذا ما أحسنت التعامل مع الرب سبحانه وتعالى واستنصرت بالله وهكذا حملت نفسك على الثبات وصبرت وصابرت واستعنت بالله، فالصبر من الله سبحانه وتعالى، لكن الإنسان يصبر نفسه. إذا ما تعاملت هذا التعامل واستحضرت نعمة الله هنا ينزل عليك العتاب الإلهي الشديد، فالأولى كانت كرامة.

إذا ما قدر العبد هذا الاصطفاء لابد أن يذهب منه كما وقع لـلعالم المفتون؛ الله أكرمه وأعطاه وعلمه سبحانه وتعالى حتى عرف اسم الله الأعظم، ثم يطلب الدنيا ولا يستعين بالله سبحانه وتعالى ويكتفي بما أعطاه الله سبحانه وتعالى، وهكذا هذا أمر خطير جدًا. فالله يكرمك في موطن ليس معنى هذا أنك ستكرم في جميع المواطن. هذا الموطن كرامة حتى تستمر حتى ما تسقط، لكن إذا تعمدت السقوط ستسحب منك الولاية الإلهية والحماية الإلهية.

يكون الله يعاقب هؤلاء ويعاتبهم عتابًا مخيفًا شديدًا، يقول: ﴿وَلَوْ دَخَلُوا عَلَيْكُم مِّنْ أَقْطَارِهَا وَاسْتَأْذَنُوكَ الْفِتْنَةَ﴾ [الأحزاب: 13]، أي مشتت تقلب القلوب. هؤلاء لو دخل عليهم الأحزاب وسألوهم الفتنة، الكفر، لآتوها، ﴿أَوْ لَآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا﴾ [الأحزاب: 14]. ولقد كان هذا الأمر العجيب الغريب من هؤلاء، عاهدوا الله من قبل يوم بدر أو يوم أحد، الذي وقع معهم في يوم أحد، ولقد كانوا عاهدوا الله، وما أثقل عهد الله سبحانه وتعالى: ﴿مِن قَبْلِ أَن يُوَلُّوا الْأَدْبَارَ﴾ [محمد: 33]. يقول الله: ﴿وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا﴾ [الأحزاب: 15].

هذه الكلمات التي تطلقها أو «أعهد الله أن أفعل كذا لن أفعل هذا الأمر مرة أخرى»، هذه الكلمة ستسأل عنها يوم القيامة، ﴿وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا﴾. ليست كلمات يقولها شخص هكذا بسهولة من غير أن يستحضر عظم هذه الكلمات، إنما العبد يستعين بالله سبحانه وتعالى ويصبر ويتصبر، والله سبحانه وتعالى يعينه إذا تعامل معه بهذه الطريقة؛ لأن هذه الكلمات لابد أن يكون معها اختبارات. إذا ما قلت الكلمة ممكن ما تختبر اختبارًا عاليًا، لكن إذا قلتها لابد أن تختبر؛ لابد أن اختبار يكشف صدق هذه الكلمات أو كذبها.

ثم قال الله: ﴿قُل لَّن يَنفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِن فَرَرْتُم مِّنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لَّا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: 77]. الآن الله يقيم هذه الحقيقة البينة الواضحة على هؤلاء: ﴿قُل لَّن يَنفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِن فَرَرْتُم مِّنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ﴾. أنتم الآن تريدون الفرار، تخافون من الموت؟ من القتل؟ ثم بعد ذلك ما الذي سيكون؟ سيكون كذلك الموت. كم ستعيش؟ قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم، لا بد أن يلقاكم الموت في أي طريق من الطرق التي تفرون ستلقون الموت موجودًا بها، ولا بد أن تأتي اللحظة، وهذا الأمر مقدر ومنتهٍ.

لحظة الموت ومكان الموت، هذا كله وطريقة الموت، هذا كله مكتوب ومنتهٍ. فلماذا إذًا تتعامل مع المكتوب على أنه غير مكتوب؟ هذا كله يخرج من الإيمان ويدل على عدم التعلق الكبير بالله وعدم الإيمان القوي، هذا كله النفاق. هذه المواقف كاشفة لضعف الإيمان، لذلك العبد يريد أن يعرف إيمانه قوي ولا ليس بالكلام، إنما بنفس التطبيق، بنفس الاستحضار. لما يقع عليك الموقف، هذا مكتوب، كل السنوات التي سنعيشها أو الأيام، هذا أمر مقدر، هذا كله مكتوب ومنتهٍ، إنما عليك بذل السبب. إذًا هنا لماذا تفرون؟ لماذا هذا الفرار وهذا الخوف؟ تفرون من قدر الله؟ ستقعون بقدر الله، ولن يكون إلا قدر الله سبحانه وتعالى. ﴿قُل لَّن يَنفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِن فَرَرْتُم مِّنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لَّا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾.

ثم قال الله: ﴿قُلْ مَن ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُم مِّنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً ۚ وَلَا يَجِدُونَ لَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ [النساء: 78]. من الذي يستطيع أن يحميكم من الله سبحانه وتعالى؟ لماذا تعظمون البشر أكثر من تعظيم الله سبحانه وتعالى؟ لماذا تخافون من البشر أكثر من خوفكم من الله سبحانه وتعالى؟ لماذا تعطون البشر أكبر من قيمتهم؟ لماذا يا معشر البشر لا تتعاملون مع البشر على أنهم بشر ضعفاء مثلكم لا يملكون من أمرهم شيء؟ إنما الأمر أمر الله، والكون كون الله، والقدرة قدرة الله سبحانه وتعالى.

﴿قُلْ مَن ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُم مِّنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً ۚ وَلَا يَجِدُونَ لَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾. لن تجدوا من دون الله حاميًا ولا نصيرًا، الذي يريده الله سبحانه وتعالى هو الذي سيقع، ولن يقع مراد أحد إلا بإذن الله سبحانه وتعالى. هذا كله تجريد للتوحيد، هذا كله بيان للتوحيد وأهمية التوحيد وأهمية الإيمان بالله سبحانه وتعالى، الإيمان العملي الحقيقي وليس النظري، الإيمان التطبيقي.

ثم قال الله سبحانه وتعالى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ الْمُعَوِّقِينَ مِنكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [آل عمران: 181]. قد يعلم الله، أي أن الله سبحانه يعلم هذا القسم من الناس الذي سماه الله هنا بالمعوقين، هؤلاء قسم من المنافقين يثبطون المؤمنين، ويمنعونهم من الجهاد في سبيل الله، ويخوفونهم، فسماهم الله هنا بالمعوقين؛ لأنهم يفعلون فعل من يعيق الشخص عن بلوغ الغاية، شخص يسلك في الطريق ويريد أن يصل إلى الله سبحانه وتعالى، هؤلاء وظيفتهم يمنعون الناس من الوصول إلى الله سبحانه وتعالى، وهذا أمر خطير.

وهذه الآية إذا أردنا أن نعمم معناها فهي تشمل كل من يقطع سالك الطريق عن سلوكه للطريق، كل من يقطع الشخص الذي يريد أن يصل إلى الله سبحانه وتعالى من وصوله إلى الله سبحانه وتعالى. ﴿قَدْ يَعْلَمُ الْمُعَوِّقِينَ مِنكُمْ﴾، هنا قال: منكم، وفي آية أخرى يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُم لَمِنكُمْ وَمَا هُم مِّنكُمْ﴾ [التوبة: 60]؛ هل هم منا أو ليسوا منا؟

«هل هم منا أو ليسوا منا؟» هذا إطلاق سياقي. ولا بد أن نفقه إطلاقات القرآن الكريم حتى نفهم المراد؛ فهناك إطلاق حقيقي وهناك إطلاق سياقي. الإطلاق السياقي أن يكون بال나ساق فيكون له معنى معين، والإطلاق الحقيقي يكون إطلاقاً حقيقياً هكذا.

مثلاً لما نأتي ونقول إن فلان من الجهمية، كما هي هذه الطائفة المعروفة، يأتي شخص آخر يوافق الجهمية -وهي فرقة من الفرق الضالة- بمسألة معينة لكن ليست أصولها أصول الجهمية، إنما وقعت موافقة عنده، فيأتي عالم مثل الإمام أحمد يقول: فلان من العلماء جهمي. هنا "جهمي" ليس إطلاقاً حقيقياً إنما إطلاق سياقي، أي باعتبار المشابهة.

مثال آخر: قلتم ﴿وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ كَمَا قَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ لِمُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَٰهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ [الأعراف: 138]. لما قال بعض الصحابة الذين كانوا حديثي عهد بالكفر -كما في حديث أبي واقد الليثي-: "اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط". قال: قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿اجْعَل لَّنَا إِلَٰهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾. كذلك مثلاً لما قال بعض الصحابة لبعض: إنك منافق جهمي من المنافقين، وليس منافقاً، لكنه إطلاق سياقي وليس إطلاقاً حقيقياً.

فالإطلاق قد تطلق على شخص في سياق بأنه كذا، وفي سياق آخر تثني عليه، لكن هذا إطلاق سياقي ليس إطلاقاً حقيقياً. مثلاً عالم أو شخص صالح، لكن يوافق المخالفين بمسألة معينة، ففي سياق الرد ممكن يطلق عليه هذا الإطلاق، لكن في سياق آخر في الثناء يثنى عليه. وفي الترجمة، ولذلك العلماء يفرقون بين الجرح والتعديل وبين الترجمة؛ فكتب التراجم يذكر فيها أشياء ليس في كتب الجرح والتعديل، أو طريقة الإطلاق تختلف، لأن هنا لم يكن المقصود التوثيق والتضعيف، أما في الجرح والتعديل فيكون هناك أمر زائد وهو توثيق الإنسان وضبطه وعدالته.

القصد من ذلك أن الله سبحانه وتعالى هنا يقول: ﴿قَدْ يَعْلَمُ الْمُعَوِّقِينَ مِنكُمْ﴾ أي باعتبار الظاهر؛ فباعتبار الظاهر أن هؤلاء من المسلمين محسوبين على المسلمين. وفي الآية الأخرى: ﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ وَمَا هُم مِّنكُمْ﴾ [التوبة: 56]، هذا باعتبار الباطن؛ هؤلاء يحلفون بأنهم منكم أي من أهل الإيمان، وليسوا من أهل الإيمان إنما هم من الكفار، فهذا باعتبار الباطن، أما هنا فباعتبار الظاهر. أما باعتبار الحقيقة فالمنافقين ليسوا من المسلمين، إنما هم كفار، وهذا النفاق الاعتقادي طبعاً وليس النفاق العملي؛ لأن النفاق قسمين: نفاق أكبر وهو نفس الكفر الأكبر والشرك الأكبر، أما النفاق الأصغر فليس بكفر أكبر.

إذاً الله سيقول: ﴿قَدْ يَعْلَمُ الْمُعَوِّقِينَ مِنكُمْ﴾، والقائلين لإخوانهم -ومن إخوانهم هنا؟ الذين يستمعون إليهم، والله ذكر بأن بعض المؤمنين يستمعون للمنافقين، وهذا أمر خطير، يقول الله: ﴿وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾ [التوبة: 61]، هنا لإخوانهم أي الذين يستمعون إلى كلامهم من قبائلهم وعشائرهم وأقاربهم، يقولون إليهم: هلموا إلينا ولا يأتون البأس إلا قليلاً، والبأس هي القتال؛ هلموا إلينا اتركوا القتال مع النبي ﷺ وفروا وانجوا بحياتكم. قال الله: ﴿وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [التوبة: 46].

﴿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ﴾ أي ليس في قلوبهم محبة ولا مودة لكم، ولا يميلون إليكم لا على مستوى المال ولا على مستوى العواطف، وليسوا حريصين عليكم إنما هم حريصون على مصالحهم فلا يبالون بدينكم. وإذا أردت أن تعرف شخصاً هو حريص عليك أو لا، انظر إلى تعامله معك دينياً وليس فقط دنيوياً، فقد يكون حريصاً على دنياك كما هو حال المنافقين هنا، لكن ليس حريصاً على آخرتك؛ فممكن ينصحك نصحاً حديثاً في العمل وفي الدراسة وفي الوظيفة، ولكن في الصلاة لا ينصحك ولا يحدثك عنها، وهذا خطر كبير، هذه خيانة الأمانة ولا شك أن هذا ليس من فعل المؤمنين.

قال: ﴿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ﴾، وليس معنى هذا عدم الحرص على الأمور الدنيوية إذا كان بها مصلحة، فالنبي ﷺ قال: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه»، ولكن أولى ما يدخل في هذا هو الأمور الدينية، ثم بعد ذلك تأتي الأمور الدنيوية حسب مصلحة الشخص وحاجته إليها.

إذن الله يقول: ﴿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَىٰ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ ۖ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُم بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ ۚ أُولَٰئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ ۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [التوبة: 61-62]. ﴿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ﴾ لا يميلون إليكم ولا يحبونكم ولا يحرصون على نجاتكم النجاة الحقيقية، وليس في قلوبهم مودة لكم، أي هؤلاء ليسوا منكم على وجه الحقيقة إنما منكم فقط بالظاهر، لكن بالحقيقة هؤلاء ليسوا منكم وقلبهم ليس على قلبك.

﴿فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ﴾ أي الآن القتل قد نُقتل سنموت، ﴿رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَىٰ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾، يحبون الحياة وهذا فعل المنافقين وفعل اليهود، حريصون على الحياة، لا يريدون الموت، يريدون فقط أن يعمروا وأن يعيشوا. قال: ﴿فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ﴾ ذهب الخوف الآن ونحن في أمن وأمان، ﴿سَلَقُوكُم بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ﴾، أي نحن الذين فعلنا، نحن الذين قاتلنا، نحن الذين ثبتنا.

انظر الآن الذي وقع في سوريا، كيف الذي قاتل والذي جاهد سنوات طويلة وعديدة كثير منهم صامت لا يتكلم ولا يذكر مواقفه ولا يذكر حوادثه، وأناس لم يفعلوا شيئاً، إنما بعضهم كان أصلاً موالياً لهذا المجرم بشار ونظامه وبعد ذلك يقول: نحن الذين فعلنا! بكل تبجح. هذه آيات القرآن الكريم، إذا أردت أن تنتفع بآيات القرآن طورها بهذه الطريقة؛ فالقرآن الكريم لم ينزل في سياق تاريخي معين ثم خلاص أصبح كتاب تاريخي، إنما هذا الكتاب صالح لكل زمان ومكان، وهذا الكتاب كاشف للإنسان وكاشف للوقائع وكاشف للأصناف.

فهذا القسم من الناس موجود، إذا جاءت المعارك تجده أول واحد يهرب ولا يتكلم ويسكت ويخاف ويصاب بالرعب الشديد، وقد يعطي هؤلاء الكفار المعلومات ويفعل، ثم إذا قدر الله بأن ينتصر أهل الإيمان لصبرهم وتضحياتهم العظيمة التي بذلوها، يقوم هو ويقول: نحن الذين فعلنا، نحن الذين قاتلنا، لو ما فعلنا نحن ما أنتم فعلتم كذا وكذا، بكل بجاحة. هذا القسم موجود في كل زمان وفي كل مكان. إذاً الله يقول: ﴿تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَىٰ عَلَيْهِ الْمَوْتُ ۖ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُم بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ﴾، ويريدون الغنائم، يريدون أن يكونوا أصحاب مناصب، يريدون أن...

يشاركوا بتحصيل هذه الثمرة، هذه ليست لكم أنتم لوحدكم. نحن الذين فعلنا، فيريدون لما يأتي القتال والصراع أن يفروا، ولما تأتي الغنائم هكذا يتكلمون ويظهرون ما ليس لهم، ويزعمون بأنهم فعلوا وفعلوا، وأشحوا على الخير، أشحوا على الغنائم؛ يريدون أخذ هذه الأموال وأخذ هذه الغنائم بعد ذهاب الخوف، لكن إذا جاء الخوف هذا كله يترك ويرجعون إلى ما كانوا عليه.

لذلك لا يتعلق الشخص بهذا القسم من الناس ولا يبالي به مبالاة كبيرة، والذي لا يختبر لا يتم الاتكاء عليه ولا توكيله ولا الاعتماد عليه. الإسلام دين فريد، لا يوكل النبي ﷺ شخصًا ولو كان مميزًا إلا بعد ما يختبره وينظر إلى صدق إيمانه. خالد بن الوليد الذي لم تلد النساء مثله في القيادة العسكرية بعد النبي ﷺ، ما استعمله النبي ﷺ حتى أثبت صدقه، وكذلك عمرو بن العاص، فاختبرهم النبي ﷺ ثم استعملهم عليه الصلاة والسلام.

قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُم بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ * أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ﴾ [الأحزاب: 59-50]. انظر إلى الآن النص واللفظ القرآني، لماذا هذا كله؟ لماذا هؤلاء لما يأتي القتال يفرون وينزوون ويخافون هذا الخوف الكبير الذي ما يقع من الرجال بهذه الصورة التي صورها القرآن الكريم؟ يقع الخوف لكن ليس بهذه الطريقة، يقع الخوف من الإنسان لكن ليس بالطريقة التي يخشى عليه من الموت.

فإذا ذهب الخوف ينقلبون انقلابًا تامًا وكاملًا. لماذا هذا كله؟ لأن هؤلاء لا يؤمنون بالله سبحانه وتعالى. أولئك يا هذا القسم من الناس لم يؤمنوا فأحبط الله أعمالهم، ﴿وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [الأحزاب: 50]. أولئك لم يؤمنوا، لو كان الإيمان حقيقيًا عندهم وكان الإيمان قويًا فيهم لما كانت حالهم بهذه الطريقة، بل حتى لما يقع منهم الخوف، بعد ما يذهب الخوف ينحرجون.

مستحيل المؤمن يتعامل مع إخوانه المؤمنين هذا التعامل، أشحة على الخير، لا يحرس ولا توجد مودة عنده؛ لأن النبي ﷺ قال: «المؤمن أخو المؤمن»، وقال عليه الصلاة والسلام: «لا تؤمنوا حتى تحابوا»، وكذلك قال النبي ﷺ: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا»، فعبر عن اجتماع المؤمنين ومحبة المؤمنين بالبنيان.

وقال الله تعالى: ﴿لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة: 22]، ولو بدأ بالأقارب. هذا ليس فعل المؤمنين، هذا فعل المنافقين، وهذه الأفعال تكشف الفارق بين المؤمن وبين المنافق. قد يضعف إيمان المؤمن حتى يفعل بعض أفعال المنافقين، فيكون به شبه بالمنافقين، لكن المؤمن التام والكامل ما يقع بهذا النوع من الأفعال.

ثم قال الله تعالى: ﴿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [الأحزاب: 50]. ثم قال الله تعالى: ﴿يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا ۖ وَإِن يَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُم بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنبَائِكُمْ ۖ وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الأحزاب: 66-67]. فضح متتالي لهذا القسم، هذا القسم غير مصدق أن الأحزاب ذهبوا، لا، سيرجعون.

لما فر الأحزاب، أو لما بعث الله الريح وانصرف الكفار، وقال النبي ﷺ: «الآن نغزوهم ولا يغزونا»، هؤلاء لا يوجد عندهم إيمان حتى يصدقوا كلام النبي ﷺ، إنما يظنون بأن الأحزاب سيرجعون وسيعودون ولم تنتهِ المعركة، فما زالت القلوب معلقة بمن لا يملك من أمر فضلاً عن غيره شيء.

أقصد: ﴿يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا﴾، ثم قال الله: ﴿وَإِن يَأْتِ الْأَحْزَابُ﴾، أي إذا رد أو عاد الأحزاب، ﴿يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُم بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ﴾، يعني يتمنون أنهم لا يعرفون المدينة ولم يسكنوا في المدينة، إنما يعيشون مثل الأعراب في البادية. ﴿يَسْأَلُونَ عَنْ أَنبَائِكُمْ﴾ يعني فعلهم فعل فقط السائل، ما الذي وقع لفلان وفلان؟ ما الذي وقع للأوس؟ ما الذي وقع للخزرج؟ وهكذا، دورهم يكون فقط السؤال.

نسأل الله السلامة والعافية. قال تعالى: ﴿وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ﴾ أي لو كانوا معكم في الخندق ﴿مَا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا﴾، سبب هذا كله ضعف الإيمان في هذا القسم من الناس. ثم انطلق والآن توجه الحديث إلى قسم آخر ممن كان مع النبي ﷺ في الخندق، وهذا القسم الشريف والعالي والمنيف من أصحاب النبي ﷺ نتكلم عنه إن شاء الله تعالى في الدرس القادم، هذا والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.