الحمد لله، الصلاة والسلام على خير خلق الله، على نبينا وقائدنا محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، ثم أما بعد، فحيّاكم الله إخواني جميعًا وبيّاكم، وسدّد على طريق الخير خطاي وخطاكم.
نكمل التعليق على سورة الأحزاب، وكنا قد توقفنا عند قول الله تعالى: ﴿لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَن صِدْقِهِمْ ۚ وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الأحزاب: 8-57]. في هذه السورة الجليلة انتقل الحديث إلى الحديث عن غزوة الأحزاب، أو غزوة الخندق، والتي سميت هذه السورة باسمها. والأحزاب هو اسم للكفار الذين تحزبوا، أي تجمعوا وتعاونوا على غزو المدينة.
كانت هذه الغزوة في السنة الرابعة أو الخامسة من هجرة النبي ﷺ. وسبب هذه الغزوة هو أن النبي ﷺ بعدما أجلى يهود بني النضير، انطلق سادة هؤلاء اليهود إلى الكفار، وأخذوا يؤلبون الأحزاب ويجمعون الكفار، ويطمّعونهم بغزو النبي ﷺ في المدينة.
فقام سيد بني النضير حيي بن أخطب، ومعه جماعة، وأخذوا يذهبون ويطوفون على قبائل غطفان في وسط الجزيرة العربية في نجد، وكذلك ذهبوا إلى العدو الدائم والمباشر وهو قريش وألّبوهم على النبي ﷺ. طمّعوا غطفان بالثمار، وطمّعوا قريش بالانتصار؛ فقريش كان بينها وبين النبي ﷺ صراع، ففي بدر انتصر الإسلام على الكفر، وفي أحد كانت النتيجة التي وقعت، ثم بعد ذلك وقعت بعض المناوشات، والآن في السنة الرابعة أو الخامسة من الهجرة أراد هؤلاء اليهود أن يقضوا على دولة النبي ﷺ الناشئة.
وانظروا إلى كثرة الأعداء الذين كان يواجههم النبي ﷺ؛ فكان النبي ﷺ يواجه الكفار خاصة كفار قريش، وكان كذلك يواجه اليهود، وكذلك كان النبي ﷺ مبتلى بالمنافقين داخل المجتمع المسلم، فكانت الأعداء من كل جهة ومن كل صوب. ورأى اليهود أن هذه فرصة أن يؤلبوا الأحزاب وأن يضربوا المسلمين ضربة واحدة قاصمة، فتسقط الدعوة الإسلامية الناشئة.
فذهب هؤلاء، وكان عددهم عشرين يهوديًا، وأخذوا يطوفون جزيرة العرب يؤلبون الناس على النبي ﷺ. وكفار قريش كان المحرك لهم ليس المال، إنما المحرك لهم الثأر، فدخلوا عليهم من هذا الباب. أما غطفان فلم يكن بينهم وبين النبي ﷺ صراع قوي، كانت هناك بعض المناوشات، ولكن طمعوهم بالمال، فخرج بعض قادة غطفان -وغطفان اسم كبير لقبيلة كبيرة- وذهبوا إلى المدينة.
وجاء كفار قريش كذلك، ثم ذهب بعد ذلك حيي بن أخطب ودخل على يهود بني قريظة، ولم يكن قد بقي في المدينة إلا يهود بني قريظة. ففي المدينة كان ثلاثة أصناف من اليهود: يهود بني قينقاع، ويهود بني النضير، ويهود بني قريظة. أما يهود بني قينقاع فأجلاهم النبي ﷺ بعد غزوة بدر بسبب الحادثة الشهيرة التي وقعت بينهم وبين المرأة المسلمة. أما يهود بني النضير فأجلاهم النبي ﷺ كذلك لما شفع لهم ودخل في شفاعته لهم عبد الله بن أبي بن سلول.
وبقي يهود بني قريظة وقد صالحوا النبي ﷺ وعاهدوه، وكان زعيمهم كعب بن أسد القرظي. إذاً المدينة النبوية كان بها ثلاثة أصناف من اليهود، وكان بها الأوس والخزرج. عامة الأوس والخزرج آمنوا، وبقيت قلة قليلة منهم لم يؤمنوا قبل بدر وكانوا كفارًا، ثم بعد بدر دخلوا في الإسلام ظاهراً لا باطناً، فنشأ عندنا الآن النفاق ونجم النفاق وظهر النفاق، فأصبح النفاق عبارة عن ظاهرة موجودة في المجتمع المسلم. قبل ذلك كان النفاق عبارة عن حالات فردية قليلة، لكن الآن أصبح ظاهرة، وبعض هؤلاء المنافقين كانوا من سادة الأوس والخزرج، مثل عبد الله بن أبي بن سلول، بل كان هذا الرجل سيسود على الأوس والخزرج قبل أن يأتي النبي ﷺ ويهاجر إلى المدينة. وكذلك أبو عامر الفاسق الذي كان يلقب بالراهب، هذا كذلك كان من سادة الأوس.
فجاء حيي بن أخطب ودخل على كعب بن أسد ولم يزل به حتى غدر، حتى ناقض عهد النبي ﷺ ونبذ العهد الذي بينه وبين النبي ﷺ. ولما هم الكفار بغزو المدينة استشار النبي ﷺ الصحابة، فأشار عليه سلمان الفارسي بحفر الخندق، ولم يكن هذا الأمر موجودًا قبل ذلك؛ أي طريقة حفر الخندق وهذه الخطط العسكرية لم تكن موجودة في جزيرة العرب، لأن الصراع كان بين العرب عبارة عن صراع قبائل، أي الصراع قليل أعداده، بخلاف الصراع الذي كان بين فارس والروم؛ هذا كان صراع دول كبرى، فكان عندهم هذا التطور في الناحية العسكرية أكثر من العرب.
أشار سلمان بالخندق، فقام النبي ﷺ وحفر الخندق هو والصحابة، والقصة شهيرة لا نريد الآن أن نخوض في ذكر تفصيل ما يتعلق بغزوة الأحزاب لأن هذا أمر يطول، وكنت قد طلبت منكم قراءة هذه القصة من كتب السيرة خاصة سيرة ابن هشام.
المدينة النبوية من هذه الجهة تم حفر الخندق، وجعلوا ظهورهم إلى سلع، والمدينة محمية كذلك بالحرّة؛ هذه الحجارة الصعبة التي لا يمكن للخيول أن تمشي بها، وكذلك محمية من الجهة الرابعة بجبل أحد، فالمدينة النبوية هي محصنة إلا من جهة واحدة، هذه الجهة قام النبي ﷺ بحفر الخندق فيها. ولكن الكفار وصلوا قبل أن يستتم حفر الخندق، فكانت هناك بعض الثغرات في هذا الخندق يلج منها الشديد من الكفار، ووقعت هكذا معارك كثيرة في هذه الغزوة.
اجتمع الكفار، فلما اجتمع الكفار يأتي التصوير القرآني لهذا المشهد؛ أي مشهد الأحزاب، المشهد الصعب، المشهد المزلزل، المشهد المخيف. يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه العظيم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا ۚ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ [الأحزاب: 9].
الآن القرآن يصور هذا المشهد من فوقكم ومن أسفل منكم، الكفار في الأمام والخلف؛ من فوقكم الكفار ومن أسفل منكم كذلك الكفار، فاجتمع علينا الآن الكفار من نجد من غطفان، وكذلك كفار قريش، وكذلك يهود بني قريظة، المدينة الآن محاطة.
بهؤلاء الكفار، وكان عدد المسلمين 3000، أما عدد الكفار فكان يزيد على الـ 10000. قال الله تعالى: ﴿إِذْ جَاءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ﴾ [الأحزاب: 10]. وكذلك النساء والذراري، قام النبي ﷺ بوضعهم في الآطام، أي في الحصون؛ فالآن الشخص يقاتل في مدينته وعقله وفكره معلق بزوجته وبأبنائه، يخاف على عرضه، يخاف على أبنائه، فالموقف كان شديداً جداً.
وبداخل هذا الصف المسلم جماعة من المنافقين، فانظروا الآن إلى تصوير القرآن الكريم لمشهد الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم في هذه الحال الصعبة جداً، قال تعالى: ﴿إِذْ جَاءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾ [الأحزاب: 10-11].
إذن الآن هذا المشهد: الكفار من فوق ومن أسفل، وأهل النفاق يرجفون في المسلمين، وعلى صوت النفاق، وبدأ المنافقون يتكلمون ويرجفون ويخوفون الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم، وكذلك يهود بني قريظة قد نقضوا العهد. والنساء ليس عندهن حامي بعد الله سبحانه وتعالى، وبدأ اليهود يبعثون من ينظر إلى هذه الحصون وهذه الآطام: هل يوجد بها رجال؟
الأمر كان شديداً وثقيلاً؛ انكشف الآن الجيش المسلم، انكشفت الآن المدينة النبوية، انكشف الآن المجتمع المسلم، لم تعد هناك قوة تستطيع أن تجابه كل هؤلاء. هنا في هذه الحال الصعبة التي بلغ الخناق إلى هذه الصورة، والتي صورها القرآن الكريم وبينها، هَمَّ النبي ﷺ بأن يعطي غطفان ثلث ثمار المدينة. كان يعرف النبي ﷺ بأن غطفان لا هم لها إلا المال، بخلاف قريش؛ فقريش أتوا من أجل الثأر، أما غطفان فالمال ممكن يفوت من عضديهم، ممكن يجعلهم يتركون. لأن اليهود طمعوا غطفان بـ ثمار خيبر، فأراد النبي ﷺ أن يعطي غطفان ثلث ثمار المدينة، فيكون مالاً مقابل مال، حتى يتركوا هذا الحصار ويبقى النبي ﷺ مع قريش، العدو التقليدي.
هنا ممكن تكون الكفة للمسلمين، ممكن ينتصر المسلمون، لكن أن يكون العدد بهذه القوة وهذه الضخامة وهذه الإحاطة، فالأمر ثقيل، والنفوس كذلك مضطربة. ونظر النبي ﷺ نظر إلى وجوه أصحابه: كيف بلغت القلوب الحناجر، كيف زاغت الأبصار، وكيف الآن الواحد يخاف على أهله؛ هذا لن يقاتل قتال من لا يخاف على شيء.
هنا هَمَّ النبي ﷺ بأن يعطي غطفان، بل أرسل إليهم ﷺ مباشرة، أرسل إلى عيينة بن حصن الفزاري واتفق معه، وقبل بذلك عيينة بن حصن الفزاري بأن يأخذ ثلث ثمار المدينة وأن يرجع، وكتبوا الكتاب، إلا أنه لم يتم إمضاؤه. فأرسل النبي ﷺ يستأذن ويستشير السعدين: سيد الأوس سعد بن معاذ رضي الله عنه وأرضاه، وسيد الخزرج سعد بن عبادة رضي الله عنه وأرضاه.
فلما ذكر لهم ذلك النبي ﷺ، وهم أهل المدينة وهم أكثر من سيتضرر، قال له سعد بن معاذ: يا رسول الله، أهذا أمر من الله فنسمع ونطيع؟ أم أمر تحبه فنصنعه محبة لك؟ أم أمر تصنعه لنا؟ الآن هذا الصلح الذي سيكون بيننا وبين غطفان، ونعطيهم هذه الأموال التي هي أموالنا بالأصل، هل هذا أمر إلهي فنسمع وأطعنا؟
انظروا إلى فقه الصحابة الآن في طريقة التعامل مع الحوادث رضي الله عنهم وأرضاهم. إذا كان هذا الأمر لك، أي أنت تحب أن تصنع هذا الشيء، فنحن سنصنعه محبة لك؛ لأنك أحب إلينا من أنفسنا، فالنبي ﷺ أولى بالمؤمنين من أنفسهم. أم أمر تصنعه لنا، يعني لنا خيار في عدم فعل هذا الأمر أو قبوله، القبول والرفض؟ فقال النبي ﷺ: «الأمر أصنعه لكم»، يعني هو ليس أمراً إلهياً، وليس كذلك أني أنا أحب هذا الشيء، لكن هو من أجلكم أنتم. أما النبي ﷺ فهو مطمئن بالإيمان، وقلبه معلق بالله سبحانه وتعالى، ولم يتحرك قلبه ﷺ.
فقال هنا السعدان، وخاصة سعد بن معاذ: يا رسول الله، كنا وإياهم أهل جاهلية، نشرك بالله، لم نكن نعرف الله ولم نكن نعبده، ولم يكونوا يطمعون منا بهذا المال إلا قِرى أو ضيفاً، إلا قِرى أو بيعاً، أما ضيافة أو بيع بالمال يدفعون المال ويأخذون هذه التمور، أما وقد أكرمنا الله بالإسلام وبك، فلا والله يا رسول الله، ليس لهم عندنا إلا السيف. فشق سعد بن معاذ الصحيفة، وقال: ليجهدوا علينا، يعني ليفعلوا ما يفعلونه وليبذلوا ما يستطيعونه.
استمر هذا الصراع وهذا الخناق، وكان الكفار يتناوبون على غزو المدينة والدخول من هذه الثغرات الموجودة، وكان النبي ﷺ قد وضع سرايا حتى تحرس هذه الأماكن، واجتاز بعض الكفار مثل عمرو بن ود العامري وقتله علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه، وكذلك وحشي كان مع الكفار وقتل بعض الأنصار، واقتتل فريقان من المسلمين خطأً. انظر كذلك كيف لما تشتد مثل هذه الأمور حتى تقع مثل هذه الأخطاء، وهي تقع في الجهاد، تقع بين المجاهدين أحياناً.
القصة من ذلك أن وقعت أمور وحوادث واستمر هذا الأمر وزاد واضطرب الحال وعظم الكرب وطال الأمد وتكلم النفاق. وانظروا الآن إلى النفوس لما تكون متحركة مضطربة تخاف وتجوع وتشعر بخوف كبير، هنا من الطبيعي جداً أن الإنسان تتقلب عليه نفسه تقلباً كبيراً. هذا الحد الذي يصل إليه الإنسان في التقلب يجعل النفس مثل الحديد لما يوضع تحت النار فيتم تشكيله، كذلك نفس الإنسان لا يمكن أن تصنع من غير شدة، مستحيل.
لا يمكن أن يتربى الإنسان وأن يبذر الشخص البذور التي تستقر بالنفس من غير أن تكون النفس قابلة لهذه البذور، والنفس ما تقبلها إلا مع التحرك، ما تقبلها في حال السكون. يعني جالس هكذا مطمئن ويسمع محاضرات وكلمات ودروس إلى آخره ولا يطبق، ما يتأثر التأثر الذي يشكل هذا الإنسان تشكيلاً إيمانياً حقيقياً. تقول له ماذا أفعل؟ أقول لازم تطبق؛ لازم تقوم إلى صلاة الفجر بالليل وأنت هكذا متعب وتريد النوم، والنوم أحب إليك ما يعدل به، تقوم. هذا القيام هو الذي يصنعك؛ لابد أن تقوم بليلة شاتية باردة وتتوضأ والماء بارد، هذا هو الذي يصنعك. وهكذا، فهنا تربية الإسلام تربية معها تحرك، لذلك انظروا مثلاً في قصة أصحاب السبت كيف أن يوماً تأتيهم فيه الشرعة فيثبتون، ويوماً لا تأتيهم فيه فيلازمون السكون ولا يثبتون.
في يوم السبت الذي منعوا من الصيد، تخرج الحيتان والأسماك وتظهر أمامهم شرعًا ظاهرة بينة، ولكن في غير يوم السبت لا تأتيهم. يجلسون من الأحد إلى الجمعة ما فيه صيد.
ماذا نفعل الآن؟ النفس متحركة، هل تستجيب أو لا؟ هل تحصل إرادة أو ما تحصلها؟ هل تمتثل أمر الله ولا لا؟ هذا اختبار. شخص يكون سائق أجرة، في وقت الأذان ينظر إلى الزبائن: من يريد أن يوصله؟ وإذا لم يكن في وقت الأذان يمكن لساعتين ما يكون عنده زبون. ماذا تفعل الآن؟ هذا هو الاختبار. هل أنت إذا أذن المؤذن تذهب إلى المسجد وتصلي؟ شخص يبيع بالسوق، أذن المؤذن، في وقت الأذان يأتون الناس، هذا يريد أن يشتري كذا وهذا يشتري كذا. هل تتساهل وتصلي في المكان الذي أنت فيه وتترك صلاة الجماعة، أو تغلق المحل وتذهب إلى المسجد وتقدم أمر الله سبحانه وتعالى على عرض الحياة الدنيا الزائل؟
هذا الكلام الذي نقوله الآن، إذا لم يكن الشخص في هذا الموطن يكون سهلاً، لكن لما يكون في الأمر يكون صعبًا. الأمر يكون هنا صعبًا ويحتاج إلى صدق مع الله سبحانه وتعالى. هذا هو الاختبار، إذا نجحت به استقر في قلبك الإيمان، وحصلت من الإيمان في هذا الموقف ما لا تحصل لو تجلس هكذا مئة سنة. تريد أن تحصل هذا النوع من الإيمان ما تحصله.
وهذا هو الذي يكشف لنا سر تميز الصحابة؛ الصحابة سنوات يسيرة كانوا فيها مع النبي ﷺ ووصلوا إلى ما وصلوا إليه من قوة الإيمان، لماذا؟ لأن كانت تربية مستمرة، والتربية ما تستقر إلا مع الشدة مثل هذه المواقف. انظر الآن كيف يصل الصحابة إلى حال: ﴿زَاغَتِ الْأَبْصَارُ ۖ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾ [الأحزاب: 10]. البصر بريد القلب، فإذا برق البصر، وبلغت القلوب الحناجر من شدة الخوف، تكاد القلوب تتحرك من أماكنها وتصل إلى الحناجر؛ هذا يدل على أن الخوف بلغ مبلغه، والخوف كان شديدًا جدًا وليس قليلًا. واجتمع عليهم البرد الشديد والجوع الشديد في غزوة الأحزاب وكذلك الخوف الشديد، هذه كلها محركة للنفس: ﴿وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾ [الأحزاب: 10].
في هذه الحال لما يضغط الإنسان هذا الضغط الشديد تبدأ الظنون تعمل فيه؛ هل سننتصر؟ هل سنقتل؟ هل سيحدث كذا؟ هل حقًا سنفتح فارس والروم؟ هل ما يستقر الظن؟ لكن تبدأ الظنون هكذا تلعب بالإنسان وتتحرك فيه؛ هل معقولة ممكن يحدث هذا الشيء؟ النبي ﷺ يعدنا بالنصر على كسرى وعلى قيصر وعلى فتح اليمن وكذا وكذا، فاستقر الظن السيئ بالمنافقين، فكانوا يقولون إن محمد يعدنا كنوز كسرى وقيصر وأحدنا لا يستطيع أن يقضي حاجته، هذا لا يمكن أن يقوله المؤمن حتى في لحظة الضعف، لماذا؟ لأنه مؤمن.
لكن هل تقع مثل هذه الهواجس؟ نعم ممكن تقع، كما قال الله تعالى: ﴿حَتَّىٰ إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا﴾ [يوسف: 110]. موسى عليه السلام لما اشتد عليه الخناق وجاء فرعون واقترب، وأمام موسى وبني إسرائيل البحر وخلفه فرعون، ماذا نفعل الآن؟ كيف سننجو من فرعون؟ فخاف الناس، فقال موسى: ﴿كَلَّا ۖ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: 62].
بدأت القلوب تضطرب، فالقسم من ذلك أن ﴿وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾، بدأت الظنون تهجم على الإنسان وهذا أمر خارج عن طاقة الإنسان. هنا في لحظات الفتن ما يثبت الإنسان إلا إيمانه القديم مع مجاهدته الحاضرة. هذه الظنون إذا استقرت أصبحت منافقًا، وإذا ما استقرت ما زلت في حيز الإيمان وفي خانة المؤمنين ولست من المنافقين. فالظن إذا استقر خطر جدًا، لكن إذا ما استقر الظن السيئ فهذا الإنسان ما زال يقاوم وعنده إيمان يدفع هذا الظن، يقول: لا يمكن أن يكون هذا الكلام حقًا، هذه كلها من الشيطان وهذه نفس أمارة بالسوء، فهو يقاومها العبد المسلم ويدفع هذه الظنون حتى يستقر على الإيمان.
فهنا القلب يتحرك ويضطرب؛ إما أن يستقر على الإيمان أو -والعياذ بالله- يستقر على النفاق. هذه مشكلة الفتن وخطورة الفتن، وخطورة البلاءات لما تقع، لابد أن تقع البلاءات، لكن ما الذي سيصنع البلاء معك؟ لا تنسى هنا توجيهات القرآن الكريم وكشف القرآن الكريم لما كان يقع في القلوب والنفوس، لما يقع عليك بلاء قريب من هذا البلاء. إذ الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿جَاءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَزَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾ [الأحزاب: 10-11].
هنا القرآن الكريم يكشف ما يقع في هذه القلوب؛ كيف أن البلاء بلغ مداه، بلغ حده، بلغ الدرجة التي لم يعد الشخص يستطيع أن يسيطر على أفكاره، لم يعد الشخص يستطيع أن يسيطر على عقله، لم يعد الشخص يستطيع أن يسيطر على نفسه، فالنفس تتحرك من غير شيء. لذلك هنا لما جاء رجل لحذيفة بن اليمان وقال له: هل رأيتم رسول الله ﷺ؟ فقال: نعم. قال: ماذا صنعتم؟ فذكر له بأننا كنا نجتهد في حماية النبي ﷺ ونصرة النبي ﷺ، فقال له الرجل: لو رأيناه لما جعلناه يمشي على وجه الأرض. انظروا كيف هذا الرجل يقول هذا الكلام، كلام مثالي، لكن رد عليه حذيفة بن اليمان وبين له ما وقع يوم الأحزاب، وذكر له سؤال النبي ﷺ للناس: «ألا رجل يأتيني بخبر القوم وهو معي بالجنة؟» ولم يقم أحد.
لماذا؟ لأن النفس الآن لا يملكها صاحبها، لن يستطيع الإنسان إلا بعون الله سبحانه وتعالى، خلاص القدرة وصلت إلى مداها فلم يعد الشخص يستطيع. الآن ليس الضعف المتعلق بعدم رغبة الإنسان، إنما الضعف المتعلق بتعب الإنسان، هناك فارق كبير بين هذا وبين هذا؛ فهنا جوع شديد وعطش وبرد شديد وظلام شديد وخوف شديد.
«من يأتيني بخبر القوم وهو معي في الجنة؟» لا أحد يجيب، المرة الأولى، الثانية، الثالثة، حتى بعد ذلك قال النبي ﷺ: «قم يا حذيفة»، فقال: «فلم يكن من طاعة الله ورسوله بد إذ سماني»، فقام حذيفة بن اليمان، وأوصاه النبي ﷺ بما أوصاه به فانطلق يمشي كأنه في حمام. المقصد من ذلك انظروا كيف وصل الحال إلى هذه الدرجة؛ فحذيفة هنا يبين لهذا الرجل أنك أنت تقول كلامًا لم تعشه، هكذا فقط تقول كلامًا.
من أجل الكلام فقط، تنظير، مثال. لكن لو كنت في هذا الموقف وذكر له هذا الموقف وصورة هذا المشهد الذي وقع ولم يقم أحد، إذاً هنا بلاء كبير. هذه النفوس لما وصلت لهذه الدرجة، تأتي الآن تعاليم القرآن وتوجيهات القرآن الكريم، وهؤلاء عندهم رصيد سابق ثبت الله سبحانه وتعالى به الإيمان، وارتقوا بعد الأحزاب بسلم الإيمان مراتب عالية، فأخذوا يرتقون رضي الله عنهم وأرضاهم حتى وصلوا إلى ما وصلوا إليه من المراتب العالية الشريفة المنيفة عند الله سبحانه وتعالى.
وكان يوم الأحزاب أشد الأيام التي مرت على النبي ﷺ حتى قالت أم سلمة رضي الله عنها: «شهدت مع رسول الله ﷺ المشاهد، وذكرت المشاهد التي شهدتها، فلم يكن يوم أشد من يوم الأحزاب». حتى كان أهل الإيمان يصرفون الكفار أو اليهود بالتكبير، فيخوفونهم بالتكبير. أما قوة لا توجد، قوة إلا بالله سبحانه وتعالى، لكن قدرة على البذل والصد بالسلاح لم تكن موجودة، إنما كانوا يكبرون.
ثم قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يَقُولُونَ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [الأحزاب: 12]. الآن ينكشف النفاق، والنفاق ما يظهر إلا بالمواقف التي تتحرك فيها النفوس، وكان أهل النفاق يستغلون هذه المواقف. هنا الآن موقف ضعف، والآن النفوس متقلبة مضطربة، فالكلام يؤثر لأن النفس تميل معه، ليس مثل الموقف الذي يكون فيه استقرار نفسي الكلام ما يؤثر ويصد الإنسان ويدفعه، لكن لما يأتي الموقف هنا الكلام يؤثر بالشخص.
فهؤلاء المنافقون كانوا يقولون مثل هذه الكلمات: «ما وعدنا الله ورسوله إلا غروراً»، يقولون بأن محمداً يعدنا بكنوز كسرى وقيصر، وأحدهم لا يستطيع أن يقضي. هذا الكلام لما يسمع الشخص صاحب النفس المضطربة المتحركة، إذا ما جاهد نفسه ممكن يقع. في هذه اللحظات لا ينفعك إلا أمرين اثنين: عملك السابق ومجاهدتك الحاضرة فقط. غير هذا ما تستطيع؛ إذا ما كان عندك رصيد قديم من صلاة، وبر، وصدقة، وذكر، وعبادة، مع المجاهدة الحالية، ستقع في شراك المنافقين. وشخص في موقف واحد ممكن يدخل بالنفاق، نسأل الله السلامة والعافية، فيسقط إيمانه ويتأثر بأهل النفاق فيذهب معهم ويكون من حزبهم، نسأل الله الحماية والحفظ يا رب العالمين.
ذلك الذي لا يأمن، الصحابة كانوا يخافون على أنفسهم النفاق لأنهم كانوا يفهمون هذه المعاني، ويعرفون بأن النفاق ممكن في موقف واحد يقع الشخص به إذا ما جاهد على الإيمان وما كان عنده رصيد قبل ذلك، ويخافون أثر الذنوب والمعاصي، لكن النفاق ما يأمنه المؤمن؛ لأنه ممكن يقع فيه موقف معين فيظهر -والعياذ بالله- النفاق.
هذا القسم الأول من المنافقين: ﴿مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾. القسم الثاني: ﴿وَإِذْ قَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجَعُوا﴾ [الأحزاب: 13]. انظروا الآن كيف ظهر الكفر، كيف أن المدينة أصبحت يثرب، حتى نفس المصطلحات غيروها، فلم يقولوا يا أهل المدينة، إنما يا أهل يثرب، فاستخدموا اللفظ والمصطلح الجاهلي.
﴿وَإِذْ قَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجَعُوا﴾؛ لا مقام لكم، لماذا تجلسون هنا تدافعون عن النبي ﷺ؟ اتركوا النبي ﷺ وارجعوا إلى أهليكم وإلى ذراريكم، ودعونا نعمل صلحاً مع الكفار بأننا لا نريد أن نقاتلكم، وخذوا هؤلاء المهاجرين؛ هذه المجموعة القليلة التي أتت ودخلت المدينة وتسببت بكل هذه المشكلات خذوها، ودعوا المدينة لنا ونحن معكم. الآن يظهر النفاق، ويظهر المؤمن الخالص بالإيمان والمنافق الخالص بالنفاق، ولا يثبت الإيمان هكذا ويخلص إلا مع هذه المواقف، نسأل الله أن نكون وإياكم من المؤمنين الخلص يا رب العالمين.
﴿وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ ۖ إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا﴾ [الأحزاب: 13]. هذا قسم ثالث من المنافقين، هذا قسم يريد النجاة، يخاف من القتل، يخاف من الموت، فقط يريد الفرار، لا يريد أن يقتل أو يموت، يريد أن يعيش.
قال تعالى: ﴿وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ﴾، هؤلاء أتوا النبي ﷺ وكانوا من الأوس بني حارثة، فقالوا: يا رسول الله إن بيوتنا عورة، أي بيوتنا مكشوفة، بيوتنا في أطراف المدينة وقريبة من الكفار، بخلاف بيوت بقية الأنصار، فاستأذنوا النبي ﷺ بأن يرجعوا إلى هذه البيوت.
هنا وقفة، لماذا استأذنوا؟ مع أن المنافقين ما يستأذنون بالأصل، المنافق ما يستأذن أو يستأذن في الأمور التي لا يستأذن بها أهل الإيمان، ولا يستأذن في القرآن. هناك نوعان في هذه الحوادث؛ قسم في استئذان من أهل الإيمان ما يذهب إلا ويستأذن، أما المنافقون فكانوا يتسللون كما أخبر الله سبحانه وتعالى عنهم في سورة النور. لماذا هنا استأذنوا؟ استأذنوا لضعف هؤلاء، بمعنى أن هؤلاء يخافون أن ينتصر الإسلام فتكون هذه معرة في جباههم، فتكون عندهم حجة إذا انتصر الإسلام بأن النبي ﷺ قد أذن لنا.
هذا قسم ثالث من المنافقين، وهذا متعلق بنفس هؤلاء، نفوسهم منافقة ولكن كذلك ضعيفة. والمقصود بالضعف هنا أن هؤلاء يريدون ألا يتكلم فيهم أحد، فليسوا من القسم الجريء الذي يقول: «إن بيوتنا عورة»، أو القسم الجريء الذي يقول: «ما وعد الله ورسوله إلا غروراً»، لا، هؤلاء أتوا ودخلوا من مدخل آخر. الذين قالوا «ما وعد الله ورسوله إلا غروراً» نفوسهم جريئة بالأصل، أما هؤلاء فنفوسهم ضعيفة بالأصل، يريدون حجة ولو لم تكن حجة: «إن بيوتنا عورة»، أي بيوتنا مكشوفة، فأذن لنا يا رسول الله أن نرجع إلى بيوتنا.
قال الله: ﴿وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ﴾، فأذن لهم النبي ﷺ، وانظروا كيف دخلوا الآن من هذا المدخل، فجاء العليم بهم وهو سيدهم، سيد الأوس سعد بن معاذ، فقال: يا رسول الله لا تأذن لهم. فهؤلاء ما وقعنا في موقعة بها شدة إلا قالوا مثل هذه الكلمات، هؤلاء قوم ضعفاء، هؤلاء جبناء، فلم يأذن لهم النبي ﷺ بعد ذلك.
قال تعالى: ﴿يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ ۖ إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا﴾. هؤلاء فقط يريدون النجاة، يريدون أن يعيشوا هكذا في هامش الحياة. ثم ذكر الله سبحانه وتعالى مواقف المنافقين لو دخلت عليهم الفتنة وسئلوا الفتنة ما الذي سيفعلونه بها، نذكر إن شاء الله تعالى.
هذا المقطع الثاني من هذه الغزوة في الدرس القادم بإذن الله. هذا والله أعلى وأعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
الشيخ أحمد بن خالد الهاجري