دخولتسجيل الدخول

سورة الأحزاب 03 | تأملات في آيات

أحمد بن خالد الهاجريالشيخ أحمد بن خالد الهاجري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله، الصلاة والسلام على خير خلق الله، على نبينا وقائدنا محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، ثم أما بعد، فحياكم الله إخواني جميعًا وبياكم، وسدد على طريق الخير خطايا وخطاكم.

نكمل مدارسة سورة الأحزاب، وكنا قد توقفنا عند قول الله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ ۖ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: 6]. هنا الله سبحانه وتعالى يبين للمؤمنين بأن نبيهم الكريم عليه الصلاة والسلام أولى بالمؤمنين من أنفسهم. فالنبي صلى الله عليه وسلم رحيم بالمؤمنين، حريص على المؤمنين، ومن كان هذا حاله عليه الصلاة والسلام، فحكمه فيهم أعظم من حكمهم على أنفسهم.

فالنبي صلى الله عليه وسلم هو أحب الناس إلى الله سبحانه وتعالى، وكذلك أقدر الناس على تبليغ الرسالة والدعوة، وكذلك هو أرحم الخلق بالخلق عليه الصلاة والسلام. لذلك ينبغي على أهل الإيمان أن يحبوا النبي صلى الله عليه وسلم محبة أعظم من محبتهم لأنفسهم، ولآبائهم وأولادهم. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين». وكذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما».

وكذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم لعمر بن الخطاب لما قال له: «يا رسول الله، لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي»، فقال: «لا يا عمر، حتى أكون أحب إليك من نفسك»، فقال: «فإنه والله الآن أنت أحب إلي من نفسي»، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «الآن يا عمر، الآن يا عمر».

وأشد الناس محبة للنبي صلى الله عليه وسلم هم المذكورون بقوله صلى الله عليه وسلم: «تجدون أشد أمتي لي حبا أناسا يأتون بعدي يود أحدهم لو رآني بأهله وماله». فهؤلاء هم أشد الناس محبة للنبي صلى الله عليه وسلم، أي من يتمنى أن ينظر إلى النبي صلى الله عليه وسلم ولو كان الثمن أن يخرج من أهله وماله؛ فنظرة واحدة إلى النبي صلى الله عليه وسلم تساوي هذا كله عند هذا القسم، وليس الكل يصل إلى هذه المرتبة من الزاعمين ذلك، فالكثير يزعم هذه المحبة.

والذي يدلل على محبة الشخص للنبي صلى الله عليه وسلم هو نفس تطبيقه لأمر الله سبحانه وتعالى، يقول الله: ﴿مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: 80]، ويقول الله: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: 31]. فالذي في اتباعه نقص، سواء كان في القلب أو في اللسان أو في التطبيق العملي في الجوارح، فهذا يدل على عدم المحبة العالية للنبي صلى الله عليه وسلم.

والصحابة هم أشد الناس حبا للنبي صلى الله عليه وسلم لأنهم أشد الناس وأكثر الناس وأسرع الناس امتثالا لأوامره صلى الله عليه وسلم. إذا هنا الله يقول: النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم؛ أولى بالمحبة من الآباء والأبناء وكذلك من النفس. وكذلك الأولوية هنا أولوية الحكم، فحكمه فيهم لابد أن يكون ساريا فيهم، يقول الله: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: 65].

فالذي لا يقبل بحكم النبي صلى الله عليه وسلم، أو الذي يأخذ منهج غير منهج النبي صلى الله عليه وسلم، أو الذي يقصر في معرفة منهج النبي صلى الله عليه وسلم، فهذا لم يحقق هذه الآية على الوجه التام والكامل؛ فالذي لا يقبل بالحكم هذا خارج من هذه الآية، والذي قصر يقع عنده النقص بقدر تقصيره في معرفته وتقديمه لأوامر النبي صلى الله عليه وسلم.

القصد هنا بأن النبي صلى الله عليه وسلم هو أولى بالمؤمنين من أنفسهم، سواء كانت الأولوية متعلقة بالمحبة، أو كانت الأولوية متعلقة بالتسليم والانقياد، أو كانت الأولوية متعلقة كذلك بما جاء به الحديث: «أيما رجل مات وله مال فلورثته، ومن مات وعليه دين فعلي»، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قال: «اقرأوا إن شئتم». النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم.

ويأتي الآن السؤال: كيف شخص يحب النبي صلى الله عليه وسلم محبة لا تساويها محبة؟ أقول لك لن تصل إلى هذه المرتبة إلا بأمور: الأول بكثرة ذكر النبي صلى الله عليه وسلم، بكثرة ذكر النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذكر الله سبحانه وتعالى؛ فهناك ارتباط وثيق بين القلب واللسان، فكثرة الذكر للمحبوب تزيد من تعظيمه في القلب، لذلك جاءت هذه العبودية العظيمة عبودية الذكر لله سبحانه وتعالى، فلابد أن يكون العيش مع النبي صلى الله عليه وسلم وأحاديثه عليه الصلاة والسلام كثيرة.

الأمر الثاني التفكر، لذلك جاءت عبودية التفكر في ملكوت الله سبحانه وتعالى وخلق الله سبحانه وتعالى لأن هذا يزيد التعظيم، وكذلك التفكر والتأمل في صفات النبي صلى الله عليه وسلم وفي سيرته عليه الصلاة والسلام وتقليبها والنظر فيها، هذا كله يورث التعظيم والمحبة.

الأمر الثالث التطبيق؛ فإذا عرفت بأن النبي صلى الله عليه وسلم يحب هذا الشيء فاسعَ جاهداً لامتثاله. الأمر الرابع التبليغ: «بلغوا عني ولو آية»، فطبق أنت الذي تستطيع تطبيقه، وبلغ الناس دين النبي صلى الله عليه وسلم، بهذه الطريقة مع المجاهدة مع الدعاء يكون النبي صلى الله عليه وسلم حقيقة في قلب المؤمن أولى به من نفسه، ويسلم له وينقاد له ويستسلم لأمره.

ثم قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: 6]. وأزواجه أمهاتهم، أي أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أمهات للمؤمنين، بماذا؟ بالتحريم، والتوقير، والتعظيم، وتعامَل زوجات النبي صلى الله عليه وسلم معاملة الأم بالتعظيم والتحريم والتوقير، وليس بالخلوة بهن؛ الله يقول: ﴿إِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الأحزاب: 53].

حكم أزواج النبي صلى الله عليه وسلم حكم الأمهات، فمنزلة الأم عظيمة جداً في الدين، بل الله سبحانه وتعالى لم يعظم من شأن مخلوق بعد أنبيائه بقدر تعظيم الأم، والأم لها ثلاثة أرباع البر. فالقسم من ذلك أن هنا أزواج النبي صلى الله عليه وسلم لهن هذا التعظيم، وكذلك بالتحريم؛ فلا يجوز أن يتزوج أحد زوجات النبي صلى الله عليه وسلم بعد وفاته عليه الصلاة والسلام.

ثم قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: 6]. هذه الآية نسخت ما كان في أول الهجرة لما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم مع أصحابه من المهاجرين إلى المدينة لم يكن عندهم مال.

فكان النبي صلى الله عليه وسلم يؤاخي بين المهاجرين والأنصار، وكان الأنصار ينفقون على المهاجرين، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ﴾ [الحشر: 9]. فالأنصار قاموا بإيواء المهاجرين حتى كانوا يقترعون لقلة المهاجرين وكثرة الراغبين من الأنصار بإيواء المهاجرين، فكان الأنصار يتنافسون ويقترعون من الذي يؤوي هذا الرجل من المهاجرين.

هذا هو الصدق والإخلاص والمحبة العظيمة في نصر الدين؛ فكان الأنصار رضي الله عنهم وأرضاهم يفتحون قلوبهم قبل بيوتهم وأرضهم للمهاجرين. وكان في هذه المرحلة إذا مات المهاجر يرثه الأنصاري، وإذا مات الأنصاري يرثه المهاجر، ولم يكن عند المهاجرين مال كثير، فكان المهاجرون يرثون الأنصار إذا ماتوا، وهذا كله فيه توطيد وتقوية عظيمة للعلاقة بين المهاجرين والأنصار، وبين نفس الثغرات للجماعة المؤمنة التي ستنصر الدين.

وهذه هي قوة الإيمان والإسلام، وهنا في البداية كانت هذه الأحكام بهذه الشدة وهذه القوة لأن المرحلة تتطلب ذلك؛ فالعرب عندهم تعظيم كبير للنسب وتعظيم كبير لأبناء القبيلة إلى آخره، فهنا جاءت هذه النصوص أو هذه الأحكام بأن يرث المهاجر الأنصاري لتقوية هذه العلاقة الإيمانية، حتى يكون هذا الرجل أخوه كما قال مصعب بن عمير: «إن هذا أخي دونك»، وهكذا حتى يكون الولاء لله سبحانه وتعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين.

ولآيات في هذا كثيرة جدا، ومن أولى ما ينبغي علينا نشره بين الناس اليوم قضية الولاء والبراء وما يتعلق به، سواء كان ليس فقط في الأحكام بل كذلك في طريقة إيصال الناس إلى هذه المرتبة، أن يكون حقيقة المسلم أخو المسلم والمؤمن أخو المؤمن، وتكون هذه الأخوة هي الأخوة الحقيقية الباقية، وهي الأخوة التي تنفع يوم القيامة.

القسم من ذلك أن الله سبحانه وتعالى هنا يقول: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾، الآن نسخ هذا الحكم فأصبح ورجع الحكم إلى الأرحام، فالابن يرث أباه إذا مات، وكذلك الزوجة ترث زوجها وهكذا على الأحكام المفصلة في كتاب الله سبحانه وتعالى وفي سنة النبي صلى الله عليه وسلم في المواريث.

إذاً هذه كانت مرحلة معينة للمهاجرين والأنصار وكانت خاصة بهم حتى تقوى هذه الأخوة الإيمانية، وكان الظرف التاريخي يتطلب مثل هذا الحكم حتى تكون الأخوة الإيمانية قوية ومتينة في قلوب المهاجرين والأنصار، أي النفر الذين ستقوم عليهم رسالة الإسلام، ثم بعد ذلك لما يستقر الإسلام ويقوى في نفوس الناس وتكون الأخوة الإيمانية قد قويت، ترجع أحكام المواريث إلى النسب وإلى الأرحام، وهذا له تفصيل لعله يكون في مواطن أخرى.

القسم من ذلك أن الله سبحانه وتعالى هنا قال: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ أي في حكم الله سبحانه وتعالى، ثم قال: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ﴾، ﴿إِلَّا أَن تَفْعَلُوا إِلَىٰ أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا﴾ أي إلا أن توصوا مثلاً بوصية، فإذا كان الأنصاري يريد أن يوصي لأخيه من المهاجرين بوصية فلا بأس بذلك، يحسن إليه بالمال، وحددت الشريعة هذا في الثلث، والثلث كثير كما قال النبي صلى الله عليه وسلم، وقال ابن عباس: «لو رد الناس إلى ربع لكان أفضل»، لقول النبي عليه السلام: «الثلث والثلث كثير».

ثم قال الله سبحانه وتعالى: ﴿كَانَ ذَٰلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾ أي كانت هذه الأحكام مسطورة مكتوبة في اللوح المحفوظ، فالله سبحانه وتعالى حكم بأن يرث المهاجر الأنصاري والأنصاري المهاجر، وكذلك حكم الله سبحانه وتعالى بنسخ هذا الحكم، فهذه الأحكام كلها كانت مسطورة ومكتوبة في اللوح المحفوظ الذي عند الله سبحانه وتعالى.

ثم قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا﴾. هنا الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ﴾، ميثاقهم بماذا؟ بتبليغ الرسالة، ميثاقهم بتصديق بعضهم لبعض، وبتبشير بعضهم لبعض.

قال: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ﴾ من جميع الأنبياء، ثم خص الله سبحانه وتعالى من هؤلاء الأنبياء أعلى الأنبياء رتبة عند الله وأشد الأنبياء عزماً وأقواهم بتبليغ الرسالة، قال: ﴿وَمِنكَ وَمِن نُوحٍ﴾، بدأ بالنبي صلى الله عليه وسلم مع كونه آخر هؤلاء الخمسة لأنه أعظم هؤلاء وخير هؤلاء وأفضل هؤلاء، ثم بعد ذلك ذكر الله سبحانه وتعالى ترتيب هؤلاء الأنبياء الترتيب الزمني، قال: ﴿وَمِنكَ وَمِن نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾؛ نوح أول هؤلاء الخمسة، ثم بعد ذلك إبراهيم عليه وعلى نوح السلام، ثم موسى عليه السلام، ثم عيسى عليه السلام.

ثم قال الله: ﴿وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا﴾ أي ميثاقاً شديداً قوياً في تبليغ الرسالة، فالله سبحانه وتعالى أخذ الميثاق من جميع الأنبياء وشدد الله سبحانه وتعالى على أنبيائه بتبليغ الرسالة: ﴿يَا يَحْيَىٰ خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾. فالله أخذ على أهل الإيمان تبليغ الرسالة، وخص الأنبياء من هؤلاء وأولو العزم من الرسل -على قول منهم خمسة ومنهم من يزيد في ذلك- وسموا في أولي العزم لقوة عزمهم ولشدة عزمهم، فالله سبحانه وتعالى قال عن آدم عليه السلام: ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾، وهؤلاء الخمسة كان عزمهم شديداً وثقيلاً وقوياً في تبليغ الرسالة.

والقسم من ذلك أن هؤلاء الخمسة هم أعظم أنبياء الله سبحانه وتعالى وأعظم ذرية آدم عليه السلام على الإطلاق، وخير هؤلاء بالاتفاق والإجماع هو النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يليه إبراهيم عليه السلام، فالله سبحانه وتعالى لم يصف في عباده خليلاً إلا محمداً وإبراهيم عليهما السلام: «إن الله اتخذني خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً».

وخير هؤلاء هو النبي صلى الله عليه وسلم، ثم إبراهيم عليه السلام، ثم موسى عليه السلام على المشهور، ثم عيسى ونوح عليهما السلام، منهم من يتوقف، ومنهم من يفضل عيسى عليه السلام، ومنهم من يتوقف في عيسى ونوح عليهما السلام. ثم قال الله: ﴿وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا﴾ أي في تبليغ الرسالة وإقامة الحجة على الناس وعدم التهاون في ذلك.

ويدل على تفضيل بعض الأنبياء على بعض ما قاله عيسى عليه السلام ليحيى عليه السلام؛ فالله أمر يحيى بأن يأخذ الكتاب بقوة، ولما أمره الله سبحانه وتعالى بأن يبلغ بني إسرائيل بخمس كلمات، وأنه كاد أن يبطئ بها، أتاه عيسى عليه السلام وقال له: إن الله أمرك أن تبلغ بني إسرائيل بخمس كلمات، فإما أن تأمرهم أو آمرهم، فقال: إني أخاف إن سبقتني أن يخسف بي أو أعذب.

فقام يحيى عليه السلام وأخذ الكتاب بقوة، وبلغ بني إسرائيل وجمعهم وبلغهم بأن الله سبحانه وتعالى أمرهم بخمس كلمات أن يعمل بهن، وأن يأمر بني إسرائيل بالعمل بهن. فجمع بني إسرائيل وبلغهم هذه الكلمات الخمس.

ثم قال الله تعالى: ﴿لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ ۘ وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الأحزاب: 24]. أخذ الله من النبيين هذا الميثاق حتى يسأل الأنبياء عن تطبيقهم لهذا الميثاق؛ فالله أخذ منهم الميثاق لتبينه للناس.

ثم بعد ذلك الله سبحانه وتعالى سيسأل الصادقين. من هم الصادقون؟ هم الأنبياء، وهم أتباع الأنبياء. سيسألهم الله سبحانه وتعالى عن تبليغ الرسالة. لماذا هذا السؤال؟ هذا السؤال لأمور، حتى يظهر صدق الصادقين، وحتى يكون فيه تبكيت للكافرين، وحتى يخاف الصادق.

فالصدق ليس كلمة تقال، وليست عبارات هكذا ينمقها الإنسان، إنما هي أفعال؛ صدق القول بالفعال. إني لست أرضى بقول قيل وقال، الصدق يكون بالقلب، ويكون باللسان، ويكون بالجوارح. الصدق يكون بالأصل بالقلب، ثم بعد ذلك يثمر هذا الصدق في القلب صدق اللسان حتى يكتب عند الله صديقًا؛ «إن رجلًا ليصدق حتى يكتب عند الله صديقًا».

وكذلك يكون الصدق بالفعل: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنْتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: 23]. هنا الله سيسأل الصادقين عن صدقهم: هل بلغتم الرسالة؟ هل أديتم الأمانة؟ وهذه كقوله تعالى: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف: 6]. حتى المرسلون يسألون، نعم يسألون.

وهذه الآية وتلك الآية من أخوف الآيات في كتاب الله سبحانه وتعالى للدعاة إلى الله سبحانه وتعالى. ﴿لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ﴾؛ ليسأل الصادقين الذين زعموا بأنهم صادقون: هل صدقتم في تبليغ الرسالة أم كذبتم فيها؟ هل بلغتم كما أمر الله وفق مراد الله سبحانه وتعالى؟ أم كان التبليغ وفق مرادكم؟ النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فهل أخذتم الرسالة كما أمر الله أو كما أردتم؟ فهل استقمتم على أمر الله كما أراد الله، أو استقمتم كما أردتم أنتم؟

هذه الآية تحتاج إلى مراجعة كثيرة في حياة الإنسان؛ فالإنسان يحتاج أن يراجع مواقفه وينظر إليها وينزلها على هذه الآية. هل حقًا صدقنا مع الله سبحانه وتعالى فيما كنا نقوله ونزعمه؟ هل طبقنا مراد الله كما أراد الله سبحانه وتعالى؟ هل تجردنا من حظوظ أنفسنا؟ هل امتثلنا أوامر الله سبحانه وتعالى؟ هل تبنا إلى الله سبحانه وتعالى من تقصيرنا؟ هذا كله صدق، هذا كله يدل على صدق.

قال: ﴿لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ﴾، إذا كان الصادق سيسأل عن صدقه، فكيف بالكاذب؟ أعطاك الله كذا وكذا من النعم، وعلمك الله كذا وكذا، وفتح الله لك ما لم يفتح على غيرك، ماذا فعلت فيما علمت؟ هل طبقت؟ هل امتثلت؟ التطبيق هو الصدق، وعدم التطبيق هو الكذب. الكذب ليس باللسان فقط، كذلك بالجوارح؛ لم تطبق فقد كذبت، وطبقت ما تعرفه فقد صدقت.

قال: ﴿لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ ۙ وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا﴾. أي المكذب بالصادقين، أعد الله سبحانه وتعالى لهم عذابًا أليمًا شديدًا. وكذلك في هذه الآية تبكيت للمكذبين.

الله سبحانه وتعالى يسأل هؤلاء، وسيصدق أنبياء الله سبحانه وتعالى أمة النبي ﷺ. فلما يؤتى بالأنبياء يوم القيامة ويسألهم الله سبحانه وتعالى أمام الناس: «هل بلغت؟»، فيقول النبي: «بلى قد بلغت»، فيقول الله: «من يشهد لك؟»، فيقول: «أمة محمد ﷺ». فنأتي ونشهد لنوح عليه السلام، ونشهد لبقية الأنبياء كلهم.

وقبل أن يموت النبي ﷺ بأشهر استنطق الناس، استنطق الناس حتى يكون هذا الموقف شاهدًا له عليه الصلاة والسلام يوم القيامة: «ألا هل بلغت؟»، قالوا: «اللهم نعم»، قال: «اللهم اشهد»، «ألا هل بلغت؟»، فقالوا: «نعم»، فقال: «اللهم اشهد». وكان يرفع سبابته إلى السماء ثم ينكثها عليهم، أي يشير بإصبعه السبابة إلى السماء ثم يوجهها إلى الناس: «اللهم هل بلغت؟»، فيقولون: «نعم»، فيقول: «اللهم اشهد»، «ألا هل بلغت؟»، فيقولون: «نعم»، فيقول: «اللهم اشهد».

وكذلك بقية الصادقين، فكان الواحد منهم يحرص أن يستنطق الناس وأن يبلغ مراد الله سبحانه وتعالى، حتى إذا جاء يوم القيامة تكون عنده إجابة على صدقه. فالصدق ليس مثل ما ذكرت زعمًا، والإنسان يحرص أن تكون عنده هكذا مواقف يصدق فيها صدقًا عاليًا، مثل الثلاثة الذين صدقوا مع الله سبحانه وتعالى وذكر قصتهم النبي ﷺ. هذا الصدق العالي يحمي الإنسان بإذن الله، ويستطيع أن يأتي بموقف من هذه المواقف يشفع له عند الله سبحانه وتعالى.

القصد من ذلك أن الإنسان سيسأل، وانظر في حياتك هل عندك موقف فيه صدق أو لا يوجد؟ فالله لما قال عن الصحابة: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنْتَظِرُ﴾، فمنهم من قضى نحبه، ومنهم من ينتظر موقفًا يثبت فيه الصدق. فهل في حياتك الآن الـ 20 والـ 30 سنة الماضية هل في موقف تستطيع أن تقول إنك صدقت فيه ما أردت فيه إلا الله سبحانه وتعالى؟ وجودت هذا الموقف حتى أصبح خالصًا لله سبحانه وتعالى من حيث القصد والنية، وكذلك كاملًا من حيث العمل؟ هذا هو الصدق مع الإخلاص؛ فلا تريد من هذا الموقف، من هذا الفعل، من هذه الصدقة، من هذا العمل شيءًا من الناس، هذا إخلاص. ونفس الموقف، نفس العمل الذي قمت به، جودت العمل وأتقنت العمل وأصلحت العمل وأحسنت فيه، فتكون صدقت فيه. والصدق ما يكون إلا مع المنازعة.

فالقصد أن هذه الآية تحتاج إلى عيش كبير معها. وسيأتي بعد ذلك الله سبحانه وتعالى سيقص علينا في هذه السورة قصص الصادقين. فالله سبحانه ذكر: ﴿لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ﴾، ثم بعد ذلك سننظر في غزوة الأحزاب إلى أفعال أصحاب النبي ﷺ وصدق الأصحاب رضي الله عنهم وأرضاهم. سننظر كذلك في هذه السورة صدق أمهات المؤمنين رضي الله عنهن، وكذلك صدق النساء المؤمنات في امتثال أمر الله سبحانه وتعالى فيما يأمر به مما سيأتي في هذه السورة. فالله سبحانه وتعالى هنا يفتتح هذا الموقف الثقيل الشديد الذي به منازعة قوية جدًا للنفس يوم الأحزاب، ببيان أن هؤلاء سيسألون عن صدقهم.

إذاً هذا بعض ما يتعلق بهذه الآيات، وإن شاء الله تعالى في الدرس القادم سنبدأ بسرد غزوة الأحزاب والعيش مع هذه الغزوة والنظر إلى توجيهات القرآن الكريم؛ لذلك أطلب منكم حفظكم الله بأن تقرأوا هذه الغزوة من سيرة ابن هشام، وعيشوا معها، وحاولوا أن تدخلوا في تفاصيلها حتى ننظر إلى طبيعة هذه الآيات كيف نزلت على هذا القسم من الناس، وكيف كان أثر هذه الآيات وكيف القرآن.

القرآن الكريم الآن يكشف لنا ويبين لنا بعض ما كان يجري في الغزوة، وكيف كانت توجيهات القرآن الكريم لهؤلاء الأصحاب رضي الله عنهم وأرضاهم. بهذه الطريقة ننتفع من قراءة السيرة النبوية، وكذلك من قراءة التفسير، ونصل إلى أعلى نقطة نستطيع أن نصل إليها في فهم هذه المعاني الجليلة العظيمة.

إذًا، هذا بعض ما يتعلق في هذا المجلس، والله أعلى وأعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.