دخولتسجيل الدخول

سورة الأحزاب 02 | تأملات في آيات

أحمد بن خالد الهاجريالشيخ أحمد بن خالد الهاجري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله، والصلاة والسلام على خير خلق الله، على نبينا قائدنا محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، ثم أما بعد.

فحيكم الله إخواني جميعًا وبياكم، وأسدد على طريق الخير خطاكم. نستعين بالله سبحانه وتعالى ونبدأ تفسير سورة الأحزاب، وهذه السورة من السور التي نزلت على النبي ﷺ في المدينة النبوية. وذكرنا لكم في اللقاء الماضي بأن الشخص إذا أراد أن ينتفع وأن يعيش مع القرآن الكريم عيشًا قويًا وعاليًا وليس عاديًا، لابد أن يعيش نفس سياق الآيات.

فنحن الآن نعيش مع النبي ﷺ في المدينة النبوية، ونحن الآن في المرحلة الأولى في المدينة النبوية؛ أي ليست المرحلة التي تمكن منها الإسلام. متى تمكن الإسلام في المدينة واستقر؟ تمكن الإسلام واستقر في المدينة بعد صلح الحديبية، لذلك بعد صلح الحديبية تغيرت الآيات النازلة على المنافقين، أما قبل ذلك فكانت الآيات لها أسلوب معين.

هنا الله سبحانه وتعالى يبدأ هذه السورة العظيمة الجليلة بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الأحزاب: 1]. الله سبحانه وتعالى يأمر النبي الجليل عليه الصلاة والسلام بأن يتقي الله سبحانه وتعالى، أي امتثل مراد الله سبحانه وتعالى واجتنب نواهيه سبحانه وتعالى. وانتبه، أن لا تطيع الكفار أو المنافقين؛ لا تقبل منهم ولا تنزل لهم ولا تستمع لهم، إنما ليكن امتثالك فقط لما يأتيك من السماء إلى أمر الله سبحانه وتعالى.

فالله يأمر النبي الجليل الكريم عليه الصلاة والسلام بأن يتقي الله سبحانه وتعالى، بأن يجعل بينه وبين عذاب الله وقاية، بماذا؟ بامتثال أوامر الله سبحانه وتعالى واجتناب نواهيه سبحانه وتعالى. ثم قال الله: ﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾؛ لا تطع الكفار ولا المنافقين فيما يريدونه.

نحن الآن نعيش مع النبي ﷺ في المدينة، ما هو الأمر الذي ممكن الداعية يفكر بأن يطيع الكفار فيه في هذه اللحظة؟ نحن الآن في المرحلة الأولى من مرحلة التمكين في المدينة، ليست المرحلة الثانية؛ نحن في المرحلة الأولى، الإسلام لم يكن بها قويًا جدًا. وهذه الآيات قد تكون قبل الأحزاب، في لحظة الأحزاب هناك اجتماع، هناك تأثير، هناك تحرك للقلوب، فهنا قد يتخذ الداعية بعض القرارات أو يستجيب لبعض الكفار من أجل مصلحة معينة، أو من أجل... هنا الله يبين للنبي ﷺ ويأمر أمرًا حاسمًا وجازمًا، ويكون مطلع هذه السورة بأن يتقي الله سبحانه وتعالى وأن لا يلتفت إلى غيره مهما ظن الداعية بأن هذا القرار أفضل؛ فالأفضل هو ما جاء به الدين، وليس الذي قد يتنازل الداعية عنه أحيانًا.

ثم قال الله: ﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾، كذلك انتبه من هذا القسم؛ هنا قرب بين الكفار وبين المنافقين. الكافر عداؤه صريح، فهو لا يزعم انتماءه للإسلام، بخلاف المنافق؛ فالمنافق يزعم بأننا معكم مع المؤمنين، ولكنه في الحقيقة مع الكفار، يظهر الإيمان ولكن يبطن الكفر.

هنا الله سبحانه وتعالى يجعل حاجزًا بين النبي عليه الصلاة والسلام وبين الكفار والمنافقين؛ لا يكن هؤلاء بطانتك، ولا تقبل منهم، ولا تفتح لهم المجال، ولا تجعلهم يؤثرون عليك. الذي يقوله المنافقون يدخل من أذن ويخرج من أذن ثانية، فلا تفكر فيه، ولا يتوسع عندك باب الرغبة بهداية المنافقين على حساب تنفيذ أمر الله سبحانه وتعالى وتقوى الله سبحانه وتعالى؛ فهذا الأمر هو تقوى الله.

انظروا كيف الآن كلمة التقوى كلمة معظمة في الدين وكلمة عميقة جدًا في الدين، والتقوى ها هنا أشار النبي ﷺ إلى صدره. إذا خالفت أمر الله سبحانه وتعالى، هنا ما اتقيت الله. طيب، حتى لو تأولت؟ حتى لو تأولت، إذا كان التأول كان الأمر واضحًا به فلا؛ انتبه لا تلتفت إلى هؤلاء ولا تنظر إلى كلامهم، إنما ليكن همك فقط تنفيذ أمر الله سبحانه وتعالى واجتناب نواهيه سبحانه وتعالى، أي اجعل بينك وبين عذاب الله سبحانه وتعالى وقاية. هذه التقوى.

ثم الله عظم نفسه عن النبي ﷺ وعند اتباع النبي ﷺ فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾. لماذا هنا أتى بهذين الاسمين؟ الأسماء التي تختتم بها الآيات هي كاشفة عن المراد من الآية. يعني هنا الله لم يقل: إن الله كان غفورًا رحيمًا؛ لو قال إن الله كان غفورًا رحيمًا، أي في مسألة فلو وقع منك شيء في الماضي فتُب إلى الله واستغفر الله وسيتجاوز الله عنك، لكن هنا ما قال إن الله كان غفورًا رحيمًا، إنما قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾.

أي أن الذي أمرك الله سبحانه وتعالى به هذا الأمر هو مبني على علم الله سبحانه وتعالى، وصادر عن علم ومعرفة دقيقة من الله سبحانه وتعالى، وأتى كذلك باسم الله الحكيم، أي الذي يضع الأمور في مواضيعها. فلا تظن باجتهادك العقلي، وأحيانًا الاجتهاد يكون في نظر الإنسان قويًا جدًا وأن هذا هو الحق، وشوف يا إخوان، ليس من الصواب أن الشخص يبالغ في الاجتهاد؛ يعني لا تتشدد في شيء انطباعي، في شيء وهمي، في اجتهاد ذهني لا تتشدد فيه؛ لأن هذا الاجتهاد قد يكون خطأ.

إذًا ارجع إلى الله سبحانه وتعالى دائمًا، واعلم بأن الذي يأمر الله به هو الحق. ورجوعك إلى الله سبحانه وتعالى الدائم إلى كتابه سبحانه وتعالى وإلى سنة النبي عليه الصلاة والسلام، ودعاؤك وحسن عبادتك يكشف لك أمر الله سبحانه وتعالى، وهذا هو الذي يريد الله سبحانه وتعالى منك.

إذن هنا الله سبحانه وتعالى يعظم نفسه الجليلة العظيمة عند النبي ﷺ، ويعمق المعرفة به. وهنا فائدة جليلة وعظيمة، وهي أن الإنسان في لحظة الموقف لابد أن يستحضر اسم الله المناسب له. ففي هذه اللحظة يعظم أثر هذا الاسم عندك؛ بمعنى وقعت بذنب، وقعت بذنب ورجعت إلى الله وانكسرت، تستحضر أي اسم؟ الرحيم، الغفور، التواب؛ هنا هذه الأسماء تعظم كثيرًا عندك وتعرف سعة رحمة الله سبحانه وتعالى ومغفرة الله سبحانه وتعالى.

وإذا وقع عليك شيء وكان هذا الأمر مخالفًا لتقديرك، قدرت شيئًا ثم وقع أمر معين، فترجع الآن إلى أي اسم؟ أحسنت، إلى اسم الله الحكيم، فتقول الله هو الذي يعرف، إلى اسم الله الخبير، إلى اسم الله سبحانه وتعالى العليم؛ فترجع إلى هذه الأسماء وحكمته البالغة. وهكذا يعظم الإيمان عند الإنسان لما يستحضر دائمًا أسماء الله سبحانه وتعالى الموافقة للموقف، والقرآن الكريم يعلمنا هذا المعنى، والسعيد من نظر إلى أسماء الله.

سبحانه وتعالى في جميع أحكام الإسلام، وكذلك في جميع وقائع القدر. لما يقع الأمر القدري، هذا معه أسماء، وكل ما يقع في كون الله وقدره، وما أنزل الله سبحانه وتعالى من شرعه، المراد منه أن تعرف من هو الله العزيز، من هو الله الحكيم، من هو الله الرحيم، من هو الله الغفور.

فالذي يفتح عليه في هذا الباب ويعيش معه هذا المفتوح عليه حقيقة، وهذه الكلمات أو هذه المعاني، لا يستطيع الإنسان أن يعلمها كثيراً إنما يعايشها حتى يفتح عليه فيها. فلا يرجع الشخص الآن يقول: أريد أن أقرأ مثلاً الكتب المصنفة في أسماء الله سبحانه وتعالى، أقول لك: لن تستفيد كثيراً، إنما اقرأ هذه الأسماء من خلال الأنبياء، واقرأ هذه الأسماء من خلال نفس إطلاقات القرآن الكريم.

نوح عليه السلام كيف اختار اسم الله؟ «أحكم الحاكمين». موسى عليه السلام: «ارحم الراحمين». وهكذا أيوب عليه السلام: ﴿رَبِّ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأنبياء: 83]، كيف يختارون أسماء؟ «لا تذرني فرداً وأنت خير الوارثين». هذه هي من أنبياء الله، وكذلك نفس إطلاقات القرآن الكريم.

يعني نفس الله لما يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: 11]، أي فيما أمرك ونهاك فهو العليم سبحانه وتعالى، هو الحكيم في هذه الأوامر. لا تجعل عقلك يخرج يمنة أو يسرة، ولا نفسك تتحرك، إنما استقم على ما يريده الله سبحانه وتعالى منك، واتق الله في تنفيذ أوامره واجتناب نواهيه، ودع الأمر لله.

فالدعوة مصدرها هو الله سبحانه وتعالى، والحامي لها والمبلغ لها هو الله سبحانه وتعالى، وليس أنت أيها الداعية، أنت مجرد مبلغ، لكن المقر والموصل هو الله سبحانه وتعالى. ﴿وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا﴾ [الحج: 27]، من الذي أذن؟ إبراهيم، لكن من الذي بلغ؟ الله سبحانه وتعالى. ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال: 17]، لكن الله هو الذي أصاب سبحانه وتعالى، أنت بذلت السبب، لكن الإصابة هي بالله سبحانه وتعالى، والرسول يبلغ ولكن الذي يصيب به هو الله سبحانه وتعالى بهذا البلاغ، هذا هو القصد.

ثم قال الله: ﴿وَاتَّبِعْ مَا يُوحَىٰ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ﴾ [الأعراف: 203]، أي اجعل عقلك منصرفاً فقط إلى نفس الوحي الذي نزل عليك، لا تجعل عقلك يلتفت إلى الفكر الفلاني أو إلى المنهج الفلاني أو إلى القول العلاني، لا، إنما اتبع، أي سر خلف هذا المراد وامشِ خلف هذا المراد، ولا تخالف ولا تجتهد من قبل نفسك ولا عقلك.

قال: ﴿وَاتَّبِعْ مَا يُوحَىٰ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ﴾، هنا أوتي باسم الله الرب سبحانه وتعالى الذي يدل على معانٍ كبيرة جداً، يدل على شمول العلم، الرب لا يكون رباً إلا إذا كان عالماً بكل شيء، هو الخالق سبحانه وتعالى، هو العليم سبحانه وتعالى، هو الحكيم سبحانه وتعالى. كذلك يدل هنا اسم الله الرب سبحانه وتعالى على عنايته بك، فالله سبحانه وتعالى الرب سبحانه وتعالى اختارك أنت بالذات من بين جميع أبناء آدم عليه السلام، فكن أنت أولى الناس بامتثال أوامر الله سبحانه وتعالى.

ولا شك أن هذه الكلمات كانت تعمل بالنبي ﷺ العمل العظيم جداً والمؤثر جداً يا أبا أمية. وهذه كذلك اتباع النبي ﷺ بأنهم يتبعون ما نزل عليهم من الله سبحانه وتعالى، فأنتم يا معشر المسلمين مختارين من قبل الله سبحانه وتعالى، والله سبحانه وتعالى لم يجعلكم هكذا هملاً، كل واحد منكم يحدث نظرية أو فكرة أو تكون عنده هكذا فلسفة، إنما الله سبحانه وتعالى أنزل عليكم القرآن الكريم وعلمكم ما يريد منكم، إذاً لماذا تخرجون عن هذا الطريق وتشاهدون خلاف أمر الله سبحانه وتعالى ومراد الله سبحانه وتعالى؟ فالقرآن بين أيديكم، وسنة النبي ﷺ وسيرة أبي أمية ﷺ هي بين أيديكم، كذلك فارجعوا إليها، وأخلصوا مع الله سبحانه وتعالى حتى يهديكم الله سبحانه وتعالى إلى ما يريد منكم.

قال: ﴿وَاتَّبِعْ مَا يُوحَىٰ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ﴾، ثم قال الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [الحج: 59]. هنا الآن الله سبحانه وتعالى يبين للنبي الكريم، كذلك اتباع النبي ﷺ للصحابة الأجلاء رضي الله عنهم وأرضاهم، وكذلك لمن يأتي بعدهم، لأن الله سبحانه وتعالى خبير بكل ما تعملون. الله ينظر إليكم إذا جلستم مع الكفار، أو إذا استمعتم إلى المنافقين، أو إذا خالفتم ما جاء به الدين ولم تتبعوا أمر الله سبحانه وتعالى، فانتبهوا واحذروا، فإن هذا كله مرصود وسيأتي يوم القيامة وترونه.

ثم قال الله سبحانه وتعالى لنبيه: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ [الأحزاب: 3]. قال: «وتوكل على الله»، فوض أمرك إليه هو سبحانه وتعالى، ولا يهولنك ما يقوم به الكفار من تحزب الأحزاب وعمل اليهود وتجميع الكفار في نجد وكذلك كفار قريش، هذا كله لا تلتفت إليه ولا تبالِ به، فهذا كله لا قيمة له أمام قوة قول سبحانه وتعالى: «توكل على الله».

انظروا الآن كيف في هذا الموقف يكون في تحرك فيأتي الأمر بالتوكل هنا، يعظم التوكل؛ أما قبل ذلك يكون الكلام له نوع لكن ليس كبيراً، لكن لما تكون في لحظتها هنا يكون التوكل عظيماً وقوياً وعالياً جداً عند الإنسان. فهنا الله يأمر النبي ﷺ بأن يتوكل على الله وألا يلتفت إلى غيره، بأن يفوض القلب له هو سبحانه وتعالى ويبذل ما يستطيع من أسباب، ثم الله يعظم نفسه مرة أخرى عند النبي الكريم ﷺ قائلاً: ﴿وَكَفَىٰ بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾.

كفى بالله سبحانه وتعالى حامياً، كفى بالله سبحانه وتعالى ناصراً، كفى بالله سبحانه وتعالى وكيلاً، كما قال الله له في سورة المزمل: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا﴾ [المزمل: 9]. تلك الآيات في مكة، وهنا الآن في المدينة، ويتكرر معنا معنى التوكل وهذا كثير في القرآن الكريم لأن هذا هو المقصود. ألا يكفي أن نذكره مرة واحدة؟ لا يكفي، حتى تتشرب النفس هذه المعاني تحتاج النفس إلى تذكر كثير وتكرار، وكذلك إلى موافقة الموقف وإلى مجاهدة من الإنسان حتى يتوكل الإنسان على ربه ويكون من المتوكلين على الله سبحانه وتعالى، والله يحب المتوكلين.

هنا الله يأمر النبي ﷺ بأن يتوكل على الله، قال: ﴿وَكَفَىٰ بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾، كفى بالله سبحانه وتعالى ناصراً وحافظاً ومعيناً وكيلاً سبحانه وتعالى. ثم قال الله: ﴿مَّا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ ۚ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّاتِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ ۚ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ۚ ذَٰلِكُمْ قَوْلُكُم بِأَفْوَاهِكُمْ ۖ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ * ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: 4-5].

بعد ما بدأ الله سبحانه وتعالى وذكر هذه الآيات الثلاث الموجهة والصانعة للنبي ﷺ، الصانعة والمبينة له الطريق والمبينة له طريقة الامتثال، وكذلك المعظمة لله سبحانه وتعالى في نفسه وقلبه، يا أبا أمية.

عليه الصلاة والسلام. الآن يأتي الأمر، انظر كيف بدأت المقدمة بهذه الآيات الثلاث التي تجعل القلب منقادًا والنفس ساكنة ومستسلمة لكل ما سيقوله الله سبحانه وتعالى، فهو العليم الذي سيخاطبك بهذه الأحكام، هو العليم، وهو الحكيم، وهو الخبير.

﴿تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ * أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: 2-3]. هو العليم سبحانه وتعالى، وكذلك هو الحكيم الذي ينزل هذه الأحكام في الوقت المناسب وبالتقدير المناسب، وكذلك هو الخبير؛ خبير بحالكم وما يصلح لكم وما لا يصلح لكم، وخبير بما تفعلونه، هل تنثرون أو تخارضون.

والخبير هو اسم من أسماء الله، ومعناه هو الذي ينظر إلى دقائق الأمور وخوافيها، بخلاف اسم الله البصير؛ فالبصير معناه الذي ينظر إلى الأمور الظاهرة والبينة والجلية، أما اسم الله الخبير فينظر إلى دقائق الأشياء، ينظر إلى قلوبكم هل تحركت أو ما تحركت، هل أخذت مصدرًا آخر غير القرآن الكريم والسنة النبوية أو لا، ينظر الله سبحانه وتعالى كذلك إلى أقوالكم وأفعالكم.

ثم قال الله سبحانه وتعالى في هذه الآيات: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ [الأحزاب: 4]. هذه المقدمة تبين أن الله سبحانه وتعالى يبين أنه لا يوجد رجل عنده قلبان. وكذلك: ﴿وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ [الأحزاب: 4]؛ فالأم هي الأم والزوجة هي الزوجة، فلا يجوز لكم أن تجعلوا زوجاتكم في التحريم كأمهاتكم، كأن تقول: أنت علي كظهر أمي. فكما أن الشخص لا يوجد عنده قلبان، كذلك الزوجة تكون زوجة والأم تكون أمًا، لا تجعلوا الزوجة مكان الأم في التحريم، هذا لا يجوز لكم.

ثم قال الله: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾ [الأحزاب: 4]. لا يمكن أن يولد شخص إلا من أب واحد، فكيف تقولون بأن زيدًا ابن محمد وزيد له أب وليس هو محمد عليه الصلاة والسلام؟ إذًا وجود الأبوين لا يمكن أن يكون، كما أن الشخص لا يمكن أن يكون عنده قلبان.

﴿ذَٰلِكُمْ قَوْلُكُم بِأَفْوَاهِكُمْ﴾ [الأحزاب: 4]. هذا القول الذي تقولونه بأنكم تدعون بأن فلان ابن فلان وتنسبون فلانًا إلى فلان وليس هو بأبيه؛ قال: ذلكم قولكم بأفواهكم، أي هذا القول تقولونه فقط بالأفواه، لا مصدر عندكم من الله سبحانه وتعالى ولم ينزل به وحي يدل على أن هذا الأمر صواب. والله سبحانه وتعالى يقول الحق وهو يهدي السبيل. إذًا أي قول مخالف لأمر الله هو ليس حقًا ومخالف للحق، ولا شك بأنه باطل وليس فيه من هداية شيء.

ثم قال الله: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: 5]. ادعوهم، أي هذا الشخص ابن فلان، قل: يا فلان ابن فلان، زيد بن حارثة لا زيد بن محمد، فانسبوه إلى أبيه وليس إلى النبي صلى الله عليه وسلم. هنا نسخ حكم التبني؛ هل كان قبل ذلك نزل به حكم؟ لا، ولكن هنا نسخ، بمعنى أن هذا الأمر كان مستقرًا عندكم، رفعه الله سبحانه وتعالى وغيره.

﴿فَإِن لَّمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾ [الأحزاب: 5]. لماذا قال: ﴿هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ﴾؟ هو أعدل، هو حق عند الله؛ لأن هذا حق للأب وليس لغير الأب، فهذا الابن خرج من صلب فلان، فكيف تنسب هذا الابن إلى غيره وهذا حق الناس به؟ وحق الناس بالابن وأحق الناس له بعد النبي صلى الله عليه وسلم هو الأب، فهؤلاء هم حق الناس لهذا الابن؛ فلا يجوز أن ينسب هذا الابن إلى غير أبيه.

والله سبحانه وتعالى أقام هذا الكون بالقسط وبالحق وبالعدل وبالإحسان، فالله سبحانه وتعالى يحب الإحسان في كل شيء، ومن الإحسان أن تنسب هذا الابن إلى أبيه، ومن القسط ومن الحق أن تنسب هذا الابن إلى أبيه ولا تأخذ هذا الابن من والده وينسب إلى غير أبيه. وهذا كله في مراعاة كبيرة جدًا لنفس الأب، فالابن قد أحيانًا ينتسب وما يكون عنده تعظيم للشيء الكبير لوالده، لكن الأب يبقى هذا ابنه وهذا حق له في الدنيا، فينسب إليه ولا ينسب إلى غيره، والله سبحانه وتعالى يحب القسط ويحب العدل ويحب كذلك الإحسان.

لذلك قال الله هنا: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾، حتى على هذا المستوى لا يريد الله سبحانه وتعالى أن يجرح الأب بأن يُنظر إلى ابنه وهو يُنسب إلى غير أبيه. وممكن نوسع الدلالة هنا ونقول بأن بعض الناس يقصر في حق والده ويعظم بعض الناس على أبيه، ويشعر والده بهذا الشيء، وهذا لا يحق له أن يفعله مع والده، بل الأب لابد أن يعامل بالاحترام والتقدير، حتى لو مال القلب أحيانًا إلى غير الأب أكثر، فلا يجوز أن يظهر هذا الأمر أمام الأب.

وهذه رسالة إلى المحاضن التربوية؛ أحيانًا يكون المعلم أو المعلمة أعظم عند الطالب، وكذلك الطالب من الوالد، حتى لو كان هذا أمرًا موجودًا، لابد أن تكون حريصًا بأن تجعل الابن الطالب والبنت الطالبة تتعامل مع والدها ووالدتها، ويتعامل هو مع والده ووالدته أفضل تعامل، وأن لا يشعر الأب ولا تشعر الأم بأن هذا الابن أو هذه البنت تعظم فلانًا أو فلانة أكثر منها. هذا حق للآباء، فإذا كان الله سبحانه وتعالى قد نسخ حتى الاسم وأنه لا ينسب أحد إلى غير أبيه، فهذا حق لهم، وفي التعامل يكون هذا بابًا أولى، والنصوص الواردة في التعامل مع الآباء وبر الآباء كثيرة جدًا.

فلذلك الابن لابد أن يشعر والده بهذه المعاني، وما يعظم أحدًا عند والده ولا يفخم أحدًا عند والده إذا كان الأب يحزن، وغالبًا هو يحزن أو يصيبه شيء من غيره، فلا يفعل هذا الأمر معه، أما بينه وبينه، إذا كان يرى ولا شك أنه قد يكون الشخص الآخر إذا كان عالمًا أو مربيًا أفضل، فممكن يكون هذا أمرًا، لكن لا يشعر الأب بهذا الشيء، ولا يجوز من المعلم والمعلمة أن تساعد الابن أو البنت على هذا الأمر.

ثم قال الله سبحانه وتعالى: ﴿فَإِن لَّمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾ [الأحزاب: 5]. إذا ما عرفتم هذا الابن ينتسب إلى من، فهو إخوانكم في الدين وكذلك مواليكم. وقال النبي صلى الله عليه وسلم لزيد بن حارثة قال: «أنت...».

ثم قال الله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ وَلَٰكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: 229]. إذا سبق لسان وقلتم فلان بن فلان ثم رجعتم، فقد أخطأتم وهذا ليس عليكم جناح به، والله سبحانه وتعالى رافع عن هذه الأمة الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه.

وقال الله تعالى لما قال النبي ﷺ أصحاب النبي ﷺ: «ربنا لا تؤخذنا إن نسينا أو أخطأنا»، قال الله: «قد فعلت، قد فعلت». وكذلك إذا اجتهدتم وبذلتم ولم تعرفوا من والد هذا الشخص، وغلب على ظنكم بعد استفراغ الوسع أن والد فلان هو هذا الشخص ونسبتموه إليه، وهو عند الله سبحانه وتعالى ليس هذا والده، فكذلك ليس عليكم شيء.

سبحان الله، قبل فترة يسيرة حدثت عندنا حادثة وقصة غريبة فيها شيء من هذا، بأن مجموعة من الإخوان والأخوات كانوا يعيشون مع بعض في بيت واحد، وهم كبار في السن أعمارهم فوق ستين سنة. وقبل أن يموت الأب -وهذه قصة قبل مدة يسيرة- دعاهم وجمع أبناءه كلهم، وكان عددهم فوق العشرة من الأبناء والبنات، وقال لهم: «أنتم لستم بأبنائي، إنما أبنائي هؤلاء الأربعة، أما البقية فكلكم لستم بأبنائي».

وكانوا على فراش الموت، فصدم الأبناء والبنات الباقين، ليسوا أبناءً، لكن الذين كانوا معه كانت صدمة كبيرة جداً، وأعمارهم في الستين، منهم من هي جدة وكذلك هو جد. الآن قالوا: «هذا ليس والدنا وليست هذه أمنا»، فكانت صدمة كبيرة جداً عندهم، لكن هو قبل أن يموت -من باب أنه قالها حتى لا يرثوا مع أبنائه، وهذا هو السبب- لكنه كان باراً فيهم في السنوات هذه كلها، هو رباهم وإلى آخره، لكن أخطأ في نسبهم إليه؛ خطأ كبير، لكنه فعل معهم هذا الشيء، كفلهم وأخذهم من دون رعاية ولم يخبرهم، فما عرفوا بذلك.

انظروا للشيء العجيب، سبحان الله، قصة غريبة جداً؛ فبقي هؤلاء الأربعة عرفوا بينهم أنهم إخوان والبقية ليسوا بإخوانهم. مات هذا الرجل، وبقيت امرأة قريبة له كبيرة في السن عمرها ثمانون سنة، وتوفيت رحمه الله تعالى قبل ثلاث أسابيع. هذه المرأة قبل أن تموت بيومين زارها مجموعة من النساء وسألوها عن الأبناء الأربعة؛ لأن وقع بينهم خلاف ونزاع كبير على الإرث، واكتشفوا أن واحداً منهم ليس أخاهم، ففي ثلاثة وقفوا ضده واشتكوا عليه وأخرجوه، ووقعت مشكلة كبيرة جداً.

وفي النهاية، هذه المرأة العجوز ماذا قالت؟ قالت: «هؤلاء الأربعة ليسوا إخواناً»، لكنها ما تكلمت طيلة عمرها ولم تُرِد أن تفضح هؤلاء، وماتت قبل ثلاث أسابيع تقريباً، رحمه الله تعالى.

القص من ذلك، انظروا كيف الآن هذا ينسب إلى كذا وينسب إلى كذا. فمثل هذه الآيات، والحمد لله طبعاً هذه نعمة عظيمة أن الشخص يعرف من هو والده ومن هي والدته، هذه من النعم العظيمة التي قد ينسى العبد أن يشكر الله سبحانه وتعالى عليها. لكن مثل هذا، بعض الناس ما يعرف من هو أبيه، ولا يعرف من هي أمه كذلك، وقد أحياناً الابن ما يعرف، فهو لا يدري هل هذه أمه؟ هل ممكن بعد فترة يكشف هذا الشيء؟ نسأل الله السلامة والعافية.

فهنا الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ وَلَٰكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾. وبعض الناس كان يظن بأن عمته هي أمه حتى كبر، وهذه قصص كثيرة وجدت حتى في زماننا هذا، واكتشف بأن والدته ليست هي، إنما والدته في مكان آخر. وبعضهم رحل من بلدته إلى بلدة أخرى يبحث عن والدته، فتزوجها هذا الرجل وأخذ الابن، ثم بعد ذلك أخذ ابناً عنده ومات الأب والأقارب، فأخبروه بأن هذا والدك ولكن ليست هذه والدتك، فيذهب في رحلة بحث عن الوالدة، وهذه قصص كثيرة سمعناها في هذا العصر. وأحياناً هو ما يعرف والده، يعرف والدته ويعيش معها، لكن ما يدري من هو أبوه، وهذا موجود كذلك.

القصد من ذلك أن الله سبحانه وتعالى هنا يقول: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ﴾، يعني بعد ما تبذلون الجهد ولا تصلون إلا إلى هذه النتيجة، فليس عليكم هنا جناح إذا ما كان الأمر عن عمد، أي لم يتعمد شخص الانتساب إلى غير أبيه؛ ﴿وَلَٰكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾. ثم قال الله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾. هنا أتى باسم الغفور والرحيم ليدل على أن الذي سبق الله سبحانه وتعالى يغفر قبل أن تنزل هذه الأحكام ويرحم، وكذلك الذي وقع ثم تاب إلى الله سبحانه وتعالى فالله سبحانه وتعالى يغفر له، وهو أرحم الراحمين.

هذا بعض ما يتعلق بمقطع اليوم، والله أعلى وأعلم، وصلى الله وسلم على نبينا.