الحمد لله والصلاة والسلام على خير خلق الله، على نبينا وقائدنا محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، ثم أما بعد: فحياكم الله إخواني جميعًا وبياكم، وسدد على طريق الخير خطاكم.
نستعين بالله سبحانه وتعالى ونبدأ برحلة جديدة مع سورة جديدة، ومعنا اليوم بإذن الله سورة الأحزاب. وقبل أن نتكلم عن هذه السورة ونبدأ ونشرع في تفسيرها بما يسر الله سبحانه وتعالى، بودي أن أتكلم عن أمرين اثنين.
الأمر الأول المتعلق باستحضار نعمة الله سبحانه وتعالى بالعيش مع القرآن الكريم؛ فالعيش مع القرآن الكريم والوصول إليه والاستمرار في هذا المشروع هذه نعمة جليلة ومن أعظم نعم الله سبحانه وتعالى على الإنسان. لذلك العبد الذي يغفل عن شكر الله سبحانه وتعالى واستحضار هذه النعمة يضعف عنده العيش مع القرآن الكريم، من حيث الأيام والوقت، وكذلك من حيث نفس الشعور.
فالإنسان الذي ما يستشعر بأن الله سبحانه وتعالى أعطاه ما لم يعط الكثير من الناس، سواء كانوا من الصالحين أو الطالحين -واصطلاحًا بمعناه العام هنا ما يكون التعظيم عنده كبيرًا ولا الشكر عنده عاليًا- فلذلك هذا الإنسان يمنع ويحرم شيء من العيش مع القرآن الكريم؛ فإما أن يضعف أثر الآيات عليه ولا يكون بالأثر القوي والعالي جدًا، أو يقل عنده الوقت، فقد يعيش أحيانًا وأحيانًا لا يعيش مع القرآن الكريم، فهكذا يسير بحسب شكر الله سبحانه وتعالى وتعظيم الله سبحانه وتعالى واستشعاره لنعم الله سبحانه وتعالى.
وبين النبي ﷺ بأن الذي يعيش مع القرآن الكريم ويتدارس هذا الكتاب العظيم، يعطيه الله سبحانه وتعالى الكثير من الأشياء؛ فمثلاً يقول النبي ﷺ: «ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله، يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده».
هنا رحمة وسكينة وملائكة، وأعظم من هذا كله أن الله سبحانه وتعالى يذكرهم. وهل ستكون السكينة متساوية عند الجميع؟ وكذلك الرحمة متساوية عند الجميع؟ وهل سيستمر هذا الإنسان بهذه المعطيات الكبيرة من الله سبحانه وتعالى؟ هذا بحسب استشعار الإنسان وشكر الله سبحانه وتعالى وتعظيمه. فهذه المشاريع بالعادة يدخل بها أعداد ويخرج بها أعداد، ولا يستمر إلى نهاية المطاف، والمقصود هنا بالنهاية إلى الموت، إلا من يتعامل مع الله هذا التعامل.
لذلك أنا أحب أن أذكر نفسي وإياكم دائمًا بهذا المعنى حتى ما نغفل عنه؛ لأن هذه المعطيات كبيرة، ليست من المعطيات العادية ولا القليلة، وهذه الأعمال من الأعمال التي يبارك الله سبحانه وتعالى بها بركة كبيرة جدًا، وليست من الأعمال العادية التي تكون البركة بها عادية أو قليلة أو يسيرة. فلذلك العبد يستشعر ويدعو الله سبحانه وتعالى ويحاول أن يحضر قلبه دائمًا في مثل هذه الأعمال.
وهكذا يتعامل مع الله تعامل العبد، ويدعو الله سبحانه وتعالى كثيرًا بأن لا يحرم هذه المجالس، وأن لا يحرم العيش مع القرآن الكريم، وأن لا يحرم أثر الآيات، وأن يمن عليه ويعمر قلبه بالإيمان والخير والصلاح، حتى يثمر عند كل حسن وكل جميل، ويرتقي عند الله سبحانه وتعالى بالدرجات العالية في الجنة بإذن الله. هذا المعنى الأول إذا أحببت أن أذكر نفسي وإياكم فيه.
والمعنى الثاني المتعلق بالعيش مع القرآن الكريم، كذلك أريد أن أذكر نفسي وإياكم بأهمية الإيمان؛ فالإيمان يثمر العيش مع القرآن الكريم. القرآن الكريم عبارة عن ماء صافٍ، هذا الماء الصافي إذا ما كان القلب مطيبًا له أو تغير القلب، فهنا ما يستفيد الإنسان كثيرًا، فممكن يحضر لكن ما تكون الفائدة عظيمة، ويكون يأخذ الأجر العام لكن نفس ما يثمر الإيمان أو القرآن في الصحابة ما يكون موجودًا عند الإنسان. لذلك مهم جدًا أن الشخص دائمًا يجدد إيمانه، ودائمًا ينقي قلبه، ودائمًا يعظم الله سبحانه وتعالى حتى يحل هذا القرآن الكريم في هذا المكان الطيب الصافي النقي، فيثمر كل حسن وكل جميل.
وكذلك من الأمور المهمة المتعلقة بالعيش مع القرآن الكريم أن الإنسان يصرف وقتًا، هكذا يحدد وقتًا لقراءة التفسير ويتعامل مع نفسه بالجزم والحزم، وليس التعامل العادي، أو متى ما يأتي يأتي، وإذا كان عندي وقت سأفعل؛ هكذا ما يوفق للعيش مع القرآن الكريم. إنما لما شخص يتعامل مع نفسه بالعزم والجزم والحزم، فخلاص هذه نصف ساعة لا أتركها لا سفرًا ولا حضرًا، لا ليلًا ولا صيفًا ولا شتاءً، لا اختبارات ولا غير اختبارات، إنما هذه النصف ساعة هي للعيش مع القرآن الكريم. وهكذا هذا الإنسان يتعامل مع نفسه بالحزم والجزم، بإذن الله يعان، لأن هذا الإنسان صادق، لكن هذا يليق بشكر الله وهكذا دعاء الله سبحانه وتعالى واستشعار هذه المنه وهذه المعطيات الكبيرة.
الأمر الآخر المتعلق بهذه النقطة، أن العيش مع القرآن الكريم لابد أن تكون معه مصاحبة للسيرة النبوية؛ فالإنسان يستطيع أن يحاول أن يجمع بين القرآن وبين السيرة. فمثلاً الآن معنا سورة الأحزاب، سورة الأحزاب سميت على اسم غزوة الأحزاب، غزوة الخندق، غزوة الخندق في السنة الخامسة من الهجرة، إذا هذه السورة سورة مدنية.
والله سبحانه وتعالى ذكر سورة الأحزاب أو قصة الأحزاب فيها ووجه الله سبحانه وتعالى أهل إيمان، وبين الذي وقع في هذه الغزوة، وكذلك تكلم عن بني قريظة. فهذه السورة تكلمت عن الكفار، وعن المنافقين، وعن كذلك اليهود، والخطاب كله لأهل الإيمان، والتوجيه لأهل الإيمان، لكي ينتفع الانتفاع الكبير جدًا من الآيات التي يعيش مع النبي ﷺ في المدينة.
فاستشعر أن هذه الآيات الآن نزلت على واقع النبي ﷺ في المدينة، المكان المدينة النبوية، والواقع هو بهذه الصورة وهذه الطريقة. فنحن الآن نتكلم عن غزوة الأحزاب في السنة الخامسة، كيف كان حال أهل الإسلام والإيمان، وقبل هذه الغزوة كيف كان الحال، وبعد ذلك ما الذي وقع. يعني هذه المرحلة، هذه الفترة منذ هجرة النبي ﷺ إلى المدينة، أو من بداية غزوة بدر والانتهاء منها إلى ما قبل صلح الحديبية؛ هذه الفترة كيف كان الواقع الإسلامي في المدينة النبوية؟
تقول لي: طيب أنا أريد أن أفعل هذا الشيء، ماذا أصنع؟ أقول لك عندك طريقين، طبعًا هذا لمن أراد أن يتوسع، أما الذي لا يستطيع فيكتفي بقراءة التفسير. لكن الذي يريد أن يصل إلى أن يستشعر المعاني وأن يفهمها فهمًا عاليًا وليس عاديًا، لازم يفعل هذا الشيء، تقول لي ماذا أفعل؟ أقول لك خذ سيرة ابن هشام وانظر إلى هذه المرحلة من غزوة بدر إلى قبل الحديبية. هذه المرحلة اقرأ السيرة قراءة الشخص الذي...
يريد أن يعيش معها وأن يتفهم هذا الواقع، ثم بعد ذلك انظر في حياة الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم. بارز في هذه المرحلة قسم من الصحابة دائما حاضر: أبو بكر الصديق، عمر بن الخطاب، عثمان بن عفان، علي بن أبي طالب، وهكذا جماعة من الصحابة. ادخل إلى سير هؤلاء الصحابة وانظر في هذه المرحلة التاريخية، ستلاحظ بأن هذا الصحابي له مواقف تبرز في سيرته، وهذا الصحابي مواقف تبرز في سيرته، وهكذا.
هذا التثوير الدائم يجعل الإنسان يعيش أكثر من غيره، فيبدأ هذا الإنسان يدرك الدقائق والتفاصيل حتى كأنه مع النبي ﷺ في المدينة النبوية. إذا كان الوصول إلى العيش مع القرآن الكريم، العيش العالي، يحتاج إلى هكذا مجاهدة؛ لذلك لا نهاية للعيش مع القرآن الكريم، فالإنسان يستمر ويستمر حتى يصل إلى أبعد نقطة ممكن يصل إليها.
لكن هذا الأمر ضروري لمن يريد أن يفهم الفهم العالي وليس العادي، فالشخص الذي يأخذ الآية هكذا منزوعة مجزوءة من سياقها التي نزلت فيه ما يكون فهمه مثل فهم الشخص الذي عاش هذه المرحلة وفهم الإسلام إلى أي حد وصل. الإسلام إلى الآن مثلا ما نزلت هذه الآيات المتعلقة بهذه الأحكام، فصورة المجتمع المسلم في المدينة، يوجد به كفار. بعد بدر أصبح الكفار منافقون، قبل بدر كان يوجد به كفار، إذا هناك تغير.
هنا الأحزاب، لما نزلت هذه الآيات هناك تغير من الكفار إلى المنافقين؛ المنافقون كفار ولكن أظهروا الإسلام، إذا هناك تحول في المجتمع المسلم. قبل ذلك كان النبي ﷺ يعيش في مكان يوجد به يهود ويوجد به كفار ويوجد به مسلمون، فإذًا هذا القسم الذي هو الكافر تغير وأصبح ماذا؟ أصبح منافقًا، يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، لكن هو يبطن الكفر؛ يظهر الإسلام ولكن يبطن الكفر. هذا القسم الجديد، سورة الأحزاب الآن تكلمت عن هذا القسم، كذلك هذا القسم توِّي بدأ بعد غزوة بدر، فإن هذا أمر توجه.
فهنا لما تعيش مع حديث القرآن الكريم عن المنافقين في الأحزاب، ستلاحظ بأن الحديث هنا مختلف عن الحديث مع المنافقين في سورة التوبة، فسورة التوبة متأخرة مع غزوة تبوك، إذا الآن الأمر تغير بعد فتح مكة، فالحديث مع المنافقين هناك غير الحديث مع المنافقين هنا. في بعض السور كذلك، لما تأتي في سورة النور وتنظر إلى حديث القرآن الكريم عن المنافقين كذلك.
كذلك لما تأتي مع أهل الإيمان وتنظر، انظر الآن إلى توجيهات القرآن الكريم إلى المؤمنين كيف كان توجيه القرآن الكريم. خذ الآن سورة الأحزاب مع سورة النور وانظر إلى توجيه آيات القرآن الكريم للنساء المؤمنات في سورة النور، وانظر هنا إلى التوجيه لزوجات النبي ﷺ وكذلك لعامة المؤمنات، كيف الآن التوجيه هنا، طبيعة الخطاب هنا كيف كان، وكيف كان الخطاب هناك. ثم بعد ذلك تدخل في كتب التفسير وتنظر ماذا قال العلماء في تفسير آية النور، وماذا قال العلماء في تفسير الآيات هنا في الحجاب في سورة الأحزاب، وكيف العلماء فهموا هذه الآيات.
هذا هو الفهم العميق للإسلام الذي يتعامل مع القرآن الكريم بهذه الطريقة، ويستمر في التعامل والتثوير معها والتفكر والتأمل والنظر. هذا هو الذي يفهم منهج الإسلام ويفهم التفاصيل التي ما يفهمها غيره، فيفهم كيف الخطاب القرآني ينزل، وما هو مراد القرآن الكريم، وكيف القرآن الكريم صنع هنا المجتمع المسلم، كيف القرآن صنع الفرد المسلم، وكيف القرآن صنع الرجل المسلم، وكيف صنع المرأة المسلمة، كيف القرآن الكريم كان يصنع مجتمعه من خلال صناعة الفرد وصناعة الأسرة وصناعة بعد ذلك المجتمع.
هذا الإنسان إذا فهمه يعرف كيف ينزل آيات القرآن الكريم على الواقع الذي يعيش فيه، ويعرف كيف يجتهد، ويعرف كيف يتكلم، ويعرف كيف يقوم بدوره التاريخي الذي يعيش فيه. طبعًا هذا الكلام لمن عنده قدرة على أنه يؤثر تأثيرًا عاليًا ويريد أن يدخل في هذا الباب بهذه الطريقة، أما الذي لا يستطيع فيكفيه أنه إذا عاش مع القرآن الكريم وتأمل آياته وقرأها، لا شك أن هذا خير كبير وعظيم وجليل، والناس في هذا الباب مراتب كبيرة ودرجات عالية.
إذا هذا الأمر كذلك من الأمور المهمة، كذلك انظر الآن في هذه السورة إلى تنوع المواضيع فيها. لما تعيش مع هذه السورة اقرأها قراءتين: اقرأها قراءة آيات، كل آية لوحدها مع الآية التي تليها وهكذا، واقرأها قراءة مواضيع. فكيف أن هذه السورة تكلمت في البداية مثلا عن بعض الأحكام عن التقوى، ثم تكلمت عن الأحكام المتعلقة بمثل: ﴿مَّا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ ۚ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ ۗ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾ [الأحزاب: 4]، وإلى آخر هذه، ثم بعد ذلك انظر إلى النقلة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا﴾ [الأحزاب: 9].
لماذا بدأ بهذا المطلع؟ ثم بعد ذلك بذكر، لماذا الحديث عن غزوة الأحزاب سبقت بهذا المطلع؟ لماذا ثم بعد ذلك تم التعقيب عليها بما ذكره الله سبحانه وتعالى من آيات، وكذلك أحكام متعلقة بالصادقين إلى آخره، وكذلك متعلقة بالنساء المؤمنات، وكذلك تعامل النبي ﷺ مع زوجاته، وكذلك توجيه أزواج النبي ﷺ إلى آخر ما ذكر الله سبحانه وتعالى في هذا المقطع، ثم بعد ذلك حديث الله سبحانه وتعالى عن النبي ﷺ وكذلك تزويج عليه الصلاة والسلام لزينب بنت جحش وهكذا.
هذا الترتيب لهذه المواضيع، لماذا أتى بهذه الصورة وهذه الطريقة؟ هذا الكلام ممكن تقرأه من كتب التفسير، لكن لن تصل إلى تحقيقه إلا إذا عشت معه، لن تفهم الفهم العالي إلا لما تعيش مع الآيات كأنها نزلت عليك، وكأنك الآن تعيش مع النبي ﷺ والصحابة وتسعى جاهدًا لاستنطاق هذه الآيات والنظر إلى هذه المواضيع مرة بعد مرة، هنا الإنسان بإذن الله يفتح عليه ويستوعب ما لا يستوعبه غيره.
طبعًا أقول هذا الكلام حتى نخرج بأكبر كم ممكن من الفهم، وإلا إن إنسانًا ما فعل هذا، إنما فقط قرأ من التفسير مثل ابن كثير مثل ما نفعل الآن، فلا شك بأن هذا به خير كبير وفتح عظيم والإنسان ينتفع ويستفيد إن شاء الله تعالى فائدة عظيمة، ولكن الذي يريد أكثر من هذا، هذا الإنسان لما يتعامل مع القرآن.
بهذه الطريقة، ودائماً يثور آيات القرآن الكريم، وينظر إلى السيرة، ثم ينظر إلى قصص الصحابة، ثم ينظر إلى كلام المفسرين، وهكذا؛ يكون تدبره دائماً. هذا الإنسان هو الذي بإذن الله تفتح له الكنوز، ويعطى ما لا يعطى غيره، فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يعلمنا وإياكم القرآن الكريم، وأن يفتح علينا وعليكم.
دعونا نتكلم عن معنى عام حول سورة الأحزاب، ثم بعد ذلك إن شاء الله تعالى في الدرس القادم نبدأ بتفسير آيات هذه السورة. سورة الأحزاب نزلت -مثل ما ذكرت لكم- على النبي ﷺ في المدينة، وهذا بإجماع العلماء؛ بين هذه السورة من السور المدنية وليست من السور المكية.
هذه السورة تتكلم عن غزوة الأحزاب، ولكن الحديث عن غزوة الأحزاب أقل بكثير من حديثها عن الجماعة المسلمة، أو عن النظام الإسلامي. هذه السورة تكلمت عن حكم التبني، وتكلمت كذلك عن نزول آيات الحجاب، وكذلك وجهت زوجات النبي ﷺ، وبينت طبيعة العلاقة بين النبي ﷺ وبين زوجاته. وكذلك تكلمت عن المنافقين وفضحتهم، وكذلك تكلمت عن اليهود، وكذلك عن الكفار.
كذلك بينت الصدق في هذه السورة؛ فهي ظاهرة في معنى الصدق لله سبحانه وتعالى، فمن يريد أن يكون من الصادقين لا بد أن يفعل كذا وكذا مما هو مذكور في هذه السورة. فسورة الأحزاب تكلمت عن الصدق، وذكرت فيها قصة الصحابة في الخندق؛ فهذا الذي وقع للصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم في الخندق هو الذي يظهر فيه الصدق ويوصل إلى مرتبة الصادقين، لذلك كون الله سبحانه وتعالى تكلم عن الصادقين في هذه السورة وضرب المثال في هذه الغزوة.
وكذلك تكلمت عن الأمانة في هذه السورة، وذكر الله سبحانه وتعالى بقوله: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ۖ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب: 72]. فهنا جمع بين الصدق وبين الأمانة.
وبدأت السورة بذكر التقوى، وكذلك في آخرها ذكر الله سبحانه وتعالى التقوى؛ فهذه السورة تصبح أن نتعامل معها تعاملاً تعميقياً لهذه المعاني الإيمانية الجليلة. فكلمة تقوى، وكلمة صدق، وكلمة أمانة، والنظر في القصص المذكورة فيها؛ قصة الأحزاب، وكذلك بني قريظة، وكذلك التوجيه لأمهات المؤمنين وطريقة امتثالهن، واختيارهن للآخرة وليس الدنيا، هذا هو الصدق.
فهنا خذ كلمة الصدق ثم انظر إلى التطبيقات العملية في هذه السورة، وكذلك امتثال المؤمنات لأوامر الله سبحانه وتعالى، وكذلك امتثال النبي ﷺ قبل ذلك لما أمره الله سبحانه وتعالى فيه؛ هذا كله يكشف لك معنى الصدق المذكور في هذه السورة، وكذلك معنى الأمانة المذكور في خاتمة هذه السورة. فاستنطاق القرآن الكريم والتعامل معه بهذه الطريقة يكشف للشخص هذه المعاني وهذه الحقائق الإيمانية، ويفهم الفارق بين الإيمان وبين النفاق.
وهي من أظهر أوصاف المؤمنين الصدق، ومن أظهر أوصاف المنافقين الكذب؛ سواء كان الكذب بالاعتقادات بالقلب، أو كان الكذب باللسان، أو كان الكذب بالأعمال، فهو يخالف ما يقوله فيقول شيئاً ولكنه لا يطبق. فالصورة هنا تكشف الإيمان والنفاق، وتكشف أوصاف المؤمنين وأوصاف المنافقين. وبهذه الطريقة، يصل تدبرها بإذن الله إلى الحقائق العالية.
أما من يقرأ السورة هكذا فقط وينظر إلى الخطاب العام، يفهم فهماً أفقياً عاماً، لكن لما ينظر إلى الآيات الواردة في هذه السورة ويتفاعل معها، وينظر إلى تطبيقات النبي ﷺ قبل ذلك، ثم أمهات المؤمنين، ثم الصحابة الأجلاء رضي الله عنهم وأرضاهم، وينظر إلى كيف بدأ هذا المجتمع يتشكل تشكلاً إيمانياً كما أراد الله سبحانه وتعالى، وكيف بدأ هذا المجتمع يصنع؛ هنا يكمن الفهم.
واختم هذه الكلمة بأن الذي يفقه هذه السورة سيفهم فهماً كبيراً جداً طريقة توجيه الناس وطريقة تعليم الناس الإيمان، وطريقة صنع من تحت سلطان دعوته الصنع الحقيقي الموافق للمرتبة التي وصل إليها، فلا يحمل شيئاً هو لا يستطيع عليه ولا يقصر معه في شيء هو الآن وصل إليه.
ففي هذه السورة أنزل الله سبحانه وتعالى آية الحجاب، وكذلك في سورة النور. ولماذا؟ ما نزلت هذه الآيات إلا في هذه المرحلة من الدعوة المدنية، مع أن النساء أسلمن في مكة وكذلك في المدينة قبل ذلك. لماذا جاء هذا التدرج؟ ثم بعد ذلك نزلت الآيات في هذه المرحلة من الدعوة الإسلامية وتمت الاستجابة التامة والكاملة من أمهات المؤمنين وكذلك من الصحابيات الجليلات لأوامر الله سبحانه وتعالى.
الذي يفهم هذا المعنى يفهم طريقة تنزيل النصوص، وطريقة التعامل مع الناس، وطريقة مخاطبة من تحت سلطان الدعوة، ولا يحملهم أشياء هم لا يستطيعون عليها. وليس مع هذا أنهم ما بين حكم الله سبحانه وتعالى، لا، ولكن في التطبيق العملي يكون في مراعاة للحال التي وصل إليها الإنسان، فيفهم بنسبة معينة طريقة تنزيل هذه النصوص عليه.
أختم بأن هذه الكلمة موجهة لفريقين من الناس. التوجيه الأول لعامة من معنا في هذا البرنامج؛ فإنا من طبيعتنا في هذا البرنامج أننا لا نتكلم بكلام ثقيل ولا بعبارات ثقيلة حتى تصل المعاني، وهذا هو الصواب في تفسير القرآن الكريم؛ فليس من الصواب أن شخصاً يتعامل هكذا ويذكر أشياء ثقيلة حتى ينفر الناس، فالقرآن نزل على الجميع.
والقسم الآخر، وهو قد يكون أكثر المتابعين في مثل هذه البرامج، هو من اعتاد على برامج أخرى تكون ثقيلة، فهو ينتظر بعض الكلمات التي تكون بها ثقل إلى آخره. فالإنسان يكون بين خطابين: خطاب عام وهذا هو الذي نأمل إليه في هذه المجالس، وبين خطاب آخر يكون به شيء من الخصوص. فالإنسان يبدأ بمراعاة هذه الفئة مع هذه الفئة، ولكن المراعاة الأكثر هي للفئة العامة الأولى.
والفئة الثانية تسعى جاهدة لتطبيق ما ذكر، حتى يفتح الله سبحانه وتعالى عليها، ومع دعاء الله سبحانه وتعالى والإخلاص والصدق معه سبحانه وتعالى، يفتح الإنسان ما لا يفتح على غيره في فهم المعاني. فليس كل المعاني مذكورة في الكتب كما يظن الناس، إنما المذكور في الكتب هي أصول المعاني التي من خلالها يصل الشخص إلى عمق المعنى. وليس مع هذا أن يخالف، ولكن نفس فهم كلام ابن كثير هنا، وقبل كلام السلف الصالح؛ هذا ليس بالأمر السهل ولا بالهين، إنما الفهم.
الفهم العميق وليس الفهم العام، هذا يحتاج إلى ما ذكرته قبل قليل مع حسن التعامل مع الله سبحانه وتعالى، يفتح بإذن الله على العبد ما يفتح على غيره. والله أسأل أن يفتح علينا وعليكم بفهم القرآن الكريم، والعيش معه وتطبيقه، وإيصاله كذلك للناس كما يريد الله سبحانه وتعالى.
أوصيكم وأوصي نفسي بدعوة الناس إلى العيش مع القرآن الكريم، سواء في هذا البرنامج أو بغيره؛ فهذا العمل من أعظم الأعمال التي يتقرب بها العبد إلى الله سبحانه وتعالى. فالعبد لما ينظر الله إليه وهو يقرب الناس إلى أدب الله سبحانه وتعالى؛ كما قال مسعود: «ما من أحد إلا وهو يحب أن يؤتى أدبه»، وإن أدب الله القرآن الكريم.
فكل إنسان يحب الناس يقرأون علمه وتراثه ويفرح لما يعرف من الناس يتذاكرون حوله، إذا كان شاعراً قصائده، وإذا كان كاتباً كتبه، وإذا كان خطيباً يتناقلون خطبه، طبيعي جداً هذا عند كل إنسان. الله سبحانه وتعالى يحب ويفرح لما يقرأ شخص كتابه ولما يعيش معه. فالإنسان لما يدعو غيره ويستشعر بأنه الآن هو يفعل فعلاً الله يحبه سبحانه وتعالى، ما من أحد إلا وهو يحب أن يؤتى أدبه، وإن أدب الله القرآن.
فهو يدعو الناس إلى هذا الكتاب العظيم والعيش معه، يرجى له خير كبير جداً، وهذا الإنسان الله يحفظ له هذا العمل بإذن الله إن صحت فيه نيته وصدق مع الله سبحانه وتعالى، ويستطيع أن يعرض هذا العمل على الله سبحانه وتعالى يوم القيامة فيكون شافعاً عظيماً له بإذن الله.
والقرآن أعظم الشفعاء يوم القيامة؛ فالكل يشفع يوم القيامة من الأنبياء والملائكة وكذلك صالح المؤمنين، وأعظم الشفعاء وسيد الشفعاء يوم القيامة هو القرآن الكريم، والقرآن الكريم يشفع لصاحبه. فلذلك الذي يدعو الناس إلى القرآن وهو يعيش قبل ذلك من القرآن ويدعوهم إليه، هذا حريّ به بإذن الله أن يثبت على هذا الدين حتى يفي الله سبحانه وتعالى، ويفتح الله سبحانه وتعالى عليه ويرقيه ويصله إلى مراتب عالية بإذن الله في الجنة.
نسأل الله سبحانه وتعالى أن نكون وإياكم ممن فتح الله عليه بهذه الأعمال، إنه ولي ذلك القدر عليه. والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
الشيخ أحمد بن خالد الهاجري