الحمد لله، والصلاة والسلام على خير خلق الله، على نبينا وقائدنا محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. ثم أما بعد، فحيّاكم الله إخواني جميعًا وإيّاكم، وسدّد على طريق الخير خطاي وخطاكم. نكمل مدارسة سورة الأنبياء، كنا قد توقفنا عند قول الله تعالى: ﴿إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: 92]. و﴿وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ﴾ [الأنبياء: 93].
الله سبحانه وتعالى بعث رسلًا بالتوحيد، فما من رسول بعث إلا وهو يدعو أمته إلى التوحيد، ثم بعد ذلك اختلف أتباع الأنبياء فيما بينهم، وتقطعوا أمرهم بينهم. كما قال الله هنا: ﴿وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ﴾، ثم بيّن الله سبحانه وتعالى بأن الجميع سيعود إلى الله سبحانه وتعالى ويرجع إليه، ﴿كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ﴾، ثم قال الله: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ﴾ [الأنبياء: 94]. بعث الله رسلًا، بعث الله الأنبياء حتى يبينوا للناس الطريق الذي يوصل إلى رب الناس سبحانه وتعالى. فالله سبحانه وتعالى خلق الإنسان من أجل غاية واحدة، وهي العبادة، وأنزل هذه الكتب، وكذلك بعث الرسل حتى يعلموا الناس، حتى يدلوا الناس على الصراط المستقيم، و﴿وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا﴾ [الأنعام: 153]. جميع الرسل كانوا يدعون إلى شهادة لا إله إلا الله، وإلى عبادة الله سبحانه وتعالى وحده.
ولكن أتباع الرسل بعدما ذهب الرسل، طال عليهم الأمد، وعمل كذلك بهم الشيطان، ودخل عليهم الشيطان، واختلفوا من بعد ما جاءهم العلم ومن بعد ما جاءتهم البينات، لماذا؟ بغيًا بينهم. النفس تغيرت، النفس تأثرت، لم يعد الإيمان هو الإيمان، إنما ضعف هذا الإيمان وحضرت النفس. والنفس مع الإيمان يتصارعان، حتى يغلب الإيمان النفس، فتنتقل النفس من أن تكون أمّارة بالسوء إلى أن تكون نفس لوّامة، ثم بعد ذلك يغلبها الإيمان حتى يصلها إلى النفس المطمئنة. ولكن لما يطول الأمد يقل هذا الصنف من الناس، أي صنف أصحاب النفوس المطمئنة الذين بلغ بهم الإيمان إلى مرتبة عالية، يقل هؤلاء. فلما يضعف هؤلاء ويقل هؤلاء، يبقى أصحاب النفوس الأمارة بالسوء. هؤلاء لما يتلقون العلم يختلفون به، لماذا؟ بسبب وجود النفس الأمارة بالسوء. القسم من ذلك أن الله هنا قال: ﴿وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ﴾. اختلفوا وتنازعوا وتشاجروا فيما بينهم وبغى بعضهم على بعض، وكفر بعضهم بعضًا وقاتل بعضهم بعضًا.
ثم بيّن الله سبحانه وتعالى بأن الجميع سيعود إليه. ثم قال الله: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ﴾، ولا يكون العمل صالحًا إلا إذا كان موافقًا لسنة النبي عليه الصلاة والسلام، وكذلك أن يكون هذا العمل معه إخلاص. هنا الله بين: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ﴾. ما الذي يميز العمل الصالح من الطالح؟ أمران اثنان: الأول الإخلاص والثاني الموافقة. يقول النبي عليه الصلاة والسلام: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد». ويقول: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد». من عمل عملًا، أي عمل، أي عمل ليس عليه أمرنا، أي ليس على هدي وسنة النبي عليه الصلاة والسلام، فهذا العمل مردود عليه. فلا يكفي فقط الإخلاص، بل لابد من وجود كذلك المتابعة، أي لابد أن يعرف الإنسان بأن هذا جاء به الدين وجاء به النبي عليه الصلاة والسلام وأمر به عليه الصلاة والسلام أو فعل النبي عليه الصلاة والسلام.
فمن يعمل من الصالحات وهو مؤمن، وهو مؤمن. لو عمل شخص من الأعمال الصالحة التي جاء بها النبي عليه الصلاة والسلام لكنه ليس بمؤمن، ما يقبل منه هذا العمل. يعني الإنسان يعمل أعمال بر الوالدين مثلًا لكنه كافر، ليس بمؤمن، ما يقبل منه ولا ينتفع بهذا العمل في الآخرة. نعم ممكن يجزى عليه في الدنيا، ولكن لا يستفيد من هذا العمل في الآخرة. لما جاءت عائشة رضي الله عنها وأرضاها وذكرت للنبي عليه الصلاة والسلام أعمال عبد الله بن جدعان، وكان ينفق أعماله في الصدقة وفي هكذا إكرام الضيوف إلى آخره، فقال: «يا عائشة، إنه لم يقل يومًا ربي اغفر لي خطيئتي يوم الدين». ما كان من أهل الإيمان، هذه الأعمال كلها ما تنفع هذا الإنسان. والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم».
هنا الله قال: وهو مؤمن، وهو مؤمن، فلا كفران لسعيه، فلا كفران لسعيه. يعني هذا العمل الذي عمل لا يجحد، ويبقى له أثره، والله سبحانه وتعالى يحصي هذا العمل ويكتب له هذا العمل ويجزيه على هذا العمل الجزاء العظيم يوم القيامة. ﴿وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ﴾. كل عمل يعمله الإنسان مخلص فيه لله سبحانه وتعالى وموافق فيه هدي النبي عليه الصلاة والسلام، هذا العمل مكتوب وسيجزى عليه في الآخرة بإذن الله. ولا إيمان بلا عمل. هنا الله يقول: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾. مؤمن ولا يعمل، هذا ليس بإيمان صحيح. فالذي يكون في قلبه إيمان وحب وتعظيم لله سبحانه وتعالى ومحبة للإسلام، لابد أن يثمر هذا الإيمان العمل، لابد أن يثمر هذا الإيمان العمل الصالح. لذلك يقول العلماء بأن عمل الجوارح هو معلق على عمل القلب. عمل القلب الحب والرجاء والخوف إلى آخره، هذه الأعمال القلبية تثمر أعمال الجوارح، تثمر أعمال الجوارح.
فهكذا الصدقة والصلاة والصيام وبر الوالدين إلى آخره، هي قائمة على ما هو موجود في قلب الإنسان. بقدر قوة الأعمال القلبية، بقدر قوة الإيمان في قلب المؤمن، يكون في الظاهر ويثقل هذا الإيمان العمل. فقد يعمل اثنان نفس العمل، ولكن هذا يكون عمله عظيم وثقيل في الميزان، أما هذا الآخر فيكون كذلك له أجر، والفرق بينهما في النية الباطنة وليس في العمل الظاهر. هذا عمل موافق، هذا تصدق بدينار وهذا تصدق بدينار، هذا صلى كذا وهذا صلى كذا، هذا فعل هذا العمل الصالح وهذا فعل هذا العمل الصالح، لكن الفرق بينهما كبير جداً في الميزان، لماذا؟ لوجود النية، لوجود النية. هنا الله يقول: وهو مؤمن فلا كفران لسعيه وإنا له كاتبون.
ثم قال الله: ﴿وَحَرَامٌ عَلَىٰ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ [الأنبياء: 95]، أي القرية التي أهلكها الله سبحانه وتعالى لن تعود إلى الدنيا قبل يوم القيامة. خلاص انتهت مدة الاختبار، مضت وانقضت مع خروج الروح من بدن الإنسان. فما دام الروح خرجت من الجسد انتهت هذه المدة. هذه نحن الآن نعيش فوق الأرض مدة زمنية معينة، الله أعلم كم تكون هذه المدة، سنة، سنتين، عشر سنوات، عشرين سنة. هذه المدة هي مدة الاختبار، والله يريد منا أعمال معينة محددة في هذه المدة الزمنية التي نكون فيها فوق الأرض. إذا ذهبت هذه المدة ومضت وانقضت لن يعود الإنسان إلى الدنيا. هنا الله يقول: ﴿وَحَرَامٌ عَلَىٰ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾، إذا أهلك الله القرية وذهبت هذه القرية لن تعود إلى الدنيا قبل يوم القيامة. خلاص مضى هذا الزمن وذهب.
ثم قال الله: ﴿حَتَّىٰ إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ﴾ [الأنبياء: 96]، حتى هنا إما أن يكون المراد بها ما سيذكر من الكلام بعدها أو يكون المراد الغاية حتى الغائية، فيكون ما قبلها مرتبط بما بعدها. ﴿حَتَّىٰ إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ﴾. يأجوج ومأجوج من نسل آدم، بل هم من نسل يافث بن نوح عليه السلام، أي على نوح عليه السلام. وهذه أمة من الأمم كبيرة وكثيرة العدد، وجاءت الأحاديث الكثيرة في ذكر يأجوج ومأجوج، وأن يأجوج ومأجوج سيخرجون في آخر الزمان. والله أعلم أين هم الآن، الله أعلم أين هم الآن. ولكن في سورة الكهف ذكر الله سبحانه وتعالى قصة ذي القرنين، وكيف أن ذا القرنين بنى السد الذي منع يأجوج ومأجوج من الانسياح في الأرض.
فيأجوج ومأجوج سيأتي يوم يخرجون فيه. متى هذا اليوم؟ أخبر النبي عليه الصلاة والسلام بأن ظهور يأجوج ومأجوج سيكون في زمن عيسى عليه السلام. في علامات آخر الزمان سيخرج المسيح الدجال، ثم بعد ذلك يقضي عيسى عليه السلام على المسيح الدجال. فيبقى المسيح الدجال أربعين يومًا، يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كأسبوع، وسائر أيامه كأيامكم. ولا يترك موضع من الأرض إلا ويطأه، إلا مكة والمدينة. إذا أراد دخول مكة والمدينة تمنعه الملائكة، حتى يظهر عيسى عليه السلام، وينزل عيسى عليه السلام، وتبدأ الملحمة الكبرى، ويبدأ الصراع، فينتصر أهل الإيمان والإسلام بقيادة عيسى عليه السلام على اليهود بقيادة المسيح الدجال. ويقتل عيسى عليه السلام المسيح الدجال عند باب لد في فلسطين.
وبعد ما يقضي عليه ينتشر الخير، ويكسر عيسى عليه السلام الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، فينتشر ويعم الخير، وهذه بعض بركة عيسى عليه السلام. فعيسى مبارك، عيسى عليه السلام مبارك، وبركة عيسى عظيمة جداً. فينتشر الخير في الأرض، ولا يبقى للكفر ولا يبقى إلا أهل الخير والصلاح، ثم بعد ذلك يظهر يأجوج ومأجوج. ويأمر الله سبحانه وتعالى عيسى عليه السلام بمن معه بالذهاب إلى الطور، حرز عبادي إلى الطور. لماذا؟ لأن الله أخرج عبادًا لا يدان لأحد في قتالهم، لا يقوى أحد عليهم. فينتتقل عيسى عليه السلام ومعه أهل الإيمان والإسلام إلى الجبال، ويأتي يأجوج ومأجوج ويبدأون يشربون المياه ويعيثون في الأرض الفساد، حتى يظنوا بأنهم قد انتصروا على جميع أهل الأرض. ثم يأخذون بالسهام ويرمونها إلى السماء، فيفتنهم الله سبحانه وتعالى بأن تنزل هذه السهام وفيها دماء، فيقولون قضينا على أهل الأرض ولم يبق إلا أهل السماء.
ثم بعد ذلك الله سبحانه وتعالى يبعث النغف، وهو دواب صغيرة، وهي دواب صغيرة تقضي على يأجوج ومأجوج. فيدعو عيسى عليه السلام والناس ربهم سبحانه وتعالى حتى يقضى عليهم. فانظروا إلى هؤلاء الذين لا يستطيع أحد على قتالهم، كيف أن الله سبحانه وتعالى يقضي عليهم لا بجبریل عليه السلام، بل ببعث الله سبحانه وتعالى ملائكة عظام، إنما بالدود بحشرات صغيرة تقضي عليهم. فيهلك هؤلاء، ثم يدعو عيسى عليه السلام بأن ترفع جيف هؤلاء، وبعد ذلك يموت عيسى عليه السلام، ثم يرجع بعد ذلك الكفر في الأرض.
القصد من ذلك أن يأجوج ومأجوج هنا سيخرجون، يأجوج ومأجوج سيخرجون. متى؟ في آخر الزمان. طيب أين هم الآن؟ الله أعلم، علمهم عند الله سبحانه وتعالى. طيب الآن في شخص يقول بأن الأقمار الصناعية قد اكتشفت كل بقعة في الأرض. أقول لك ليس بصواب، ليس بصواب أنها اكتشفت كل بقعة في الأرض. الله سبحانه وتعالى أخبرنا بأن يأجوج ومأجوج سيخرجون، وأخبرنا كذلك النبي عليه الصلاة والسلام بأنهم موجودون. لكن أين هم؟ هذا الأمر لا نستطيع أن نعرفه، أين هم؟ هذا الأمر لا نستطيع أن نعرفه. فالمسيح الدجال الآن موجود، هو موجود في قرية أو في جزيرة من الجزر، ورآه تميم الداري. طيب، أين هذه القرية؟ ما ندري، أين يأجوج ومأجوج؟ كذلك لا نعرف ولا ندري.
والإنسان لا يعرف كل شيء، والإنسان واهم، الإنسان يظن بأنه يعرف الأشياء، يعرف كل شيء، لكنه لا يعرف كل شيء. وكم ولم يزل العلماء يكتشفون الأحجار، ويكتشفون خيرات الأرض إلى اليوم، وإلى اليوم يكتشفون علاقة الحيوانات بما يقع بالظواهر الكونية. وإلى اليوم هناك كثير من أعمق البحار لم تكتشف ولم يصلوا إليها. حتى لما جاء شخص وسأل ابن عباس رضي الله عنهما عن الهدهد، كيف الهدهد يرى الماء والصبي الصغير يستطيع أن يصطاده؟ فبين له ابن عباس: إذا جاء القدر لم ينفع الإنسان العقل. فالله سبحانه وتعالى أخبرنا بأن يأجوج ومأجوج موجودان، وكذلك النبي عليه الصلاة والسلام، لكن أينهم؟ لا ندري، أين مكانهم؟ الله أعلم. متى سيخرجون؟ في الموعد المحدد الذي أخبر الله سبحانه وتعالى به. وهذا كذلك من باب الاختبار والفتنة، هل يصدق الإنسان في مثل هذه المعاني أو لا يصدق بها؟ والناس ما يفتنون بهذا إلا لما يضخموا العلم.
والقسم بذلك أن يأجوج ومأجوج هم قطعًا موجودون، والله سبحانه وتعالى لما أخبرنا بأنهم موجودون فهم موجودون، لكن أينهم؟ لا ندري. ممكن هؤلاء يكون مغطى عليهم المكان الذي هم فيه، لذلك هم يحاولون الخروج، حتى إذا بقي شيء يسير يقولون: نعود غدًا، ولا يقولون: إن شاء الله، فيردم عليهم هذا المكان أو هذه الحفرة التي حفروها، فيرجعون ويعملون من جديد، حتى إذا وصلوا إلى هذا الجبل لا يقولون: إن شاء الله ونعود غدًا، ثم يردم عليهم، حتى يأتي الوعد الذي قدر الله سبحانه وتعالى فيقولون: إن شاء الله، فلا يردم هذا فيخرجون. وتعلمون أن تيه بني إسرائيل، يعني الأربعين سنة هذه مدة طويلة جداً، كيف تاهوا فيها؟ الله سبحانه قضى هذا الشيء، يريدون الخروج ما يستطيعون الخروج، يريدون الخروج ما يستطيعون الخروج، والله سبحانه وتعالى قادر على أن يعمي الإنسان عن الشيء الذي يريده الله سبحانه وتعالى أن لا يرى، أن الإنسان لا ينظر إليه.
لذلك كم ترون أحيانا شخص يضع هكذا القلم على أذنه، أو يضع النظارة على عينيه، ثم هذا الإنسان يبحث عن النظارة وهي على عينيه، وهي على عينيه، ويسأل الناس عن هذه النظارة: أين هي؟ هذا على مستوى الإنسان العادي وأمر ظاهر وبين وجلي والكل ينظر إليه. لكن إذا أراد الله سبحانه وتعالى الإنسان ما يبصر شيئًا، ما يبصره، يسلب منه البصر وكذلك السمع، فهو لا يسمع ولا يبصر والأمر واضح وبين وجلي، كذلك في هذا.
يأجوج ومأجوج، فالله سبحانه وتعالى إذا أراد من البشرية ما تطلع على مكان يأجوج ومأجوج لم يطلعوا عليها، ولن يستطيعوا الوصول إليها، وهم موجودون في هذه الأرض. لكن أين هم؟ الله أعلم. ما تستطيع البشرية أن تكتشف شيئاً لم يرد الله سبحانه وتعالى لها أن تكتشفه، وهذا من تمام الإيمان وقوة تمام الصدق في تصديق النبي عليه الصلاة والسلام وما جاء به الدين.
لكن شخص لم يمر عنده هذا الباب، باب اليقين والاستسلام لله، والعيش مع اسم الله سبحانه وتعالى العليم والخبير والحكيم والقدير، هنا تتضخم عنده الأبواب الأخرى على حساب نفس حقائق الدين، فيصاب بفتنة. من ارتد في مكة لما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أنه أذهب إلى بيت المقدس ثم رجع، بعض المسلمين ارتدوا، والصديق قال: إن كان قالها فقد صدق. انظر كيف هؤلاء ارتدوا، وكيف الصديق قال: إن كان قالها فقد صدق. هذا هو الفارق، الفارق هنا التسليم.
لذلك هنا في القرآن كثيراً ما يذكر الله سبحانه وتعالى تمام علمه؛ إنه يعلم الجهر من القول ويعلم ما تكتمون. وأنا كنت قديماً أقول لماذا الآيات هكذا تتكرر كثيراً في العلم، وفي وسط الحديث عن الرد على الكفار يأتي الحديث عن اسم الله الخبير، الحديث عن اسم الله العليم، الحديث عن اسم الله البصير؟ لأن هذه المعاني إذا ما قررت يقع الإنسان في شكوى الريب، لكن لما يصل به الإيمان إلى هذه الدرجة ما يقع في هذه الشكوك ولا يتأثر بالشبهات، لأن القرآن قطعي وكل ما سوى القرآن هو ليس قطعي إنما هو ظني، وكل ما سوى القرآن من العلم -طبعاً ما يتوهم منه المعارضة- هو ليس بقطعي قطعاً، وليس بقطعي قطعاً بل هو قطعاً باطل. وما سوى ذلك كثير منه ظني، كثير منه ظني.
والقسم من ذلك هنا الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿حَتَّىٰ إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُم مِّن كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ﴾ [الأنبياء: 96] أي من كل مرتفع ينسلون أي ينزلون بسرعة وهم بأعداد كبيرة جداً. لذلك لما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام بأن الله سبحانه وتعالى ينادي يوم القيامة يقول: يا آدم. فيقول: لبيك وسعديك والخير في يديك. فيقول: أخرج بعث النار. قال: يا ربي وما بعث النار؟ قال: من كل ألف من ذريتك 999. فشق ذلك على أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام مشقة كبيرة، أي من كل ألف من ذرية آدم عليه السلام من أبناء آدم 999 يدخلون النار وواحد فقط يدخل الجنة. فلما شق عليهم ذلك بين لهم النبي عليه الصلاة والسلام بأنهم قلة في الناس، وأنكم كالبقعة على ظهر ثور، كالبقعة البيضاء على ظهر الثور الأسود، أو البقعة السوداء على ظهر ثور أحمر. وقال لهم كذلك في خارج الصحيح -هذا الحديث في الصحيح ولكن خارج الصحيح- قال: إنكم مع يأجوج ومأجوج ما كنتم في شيء إلا كثرته. قيل: من يا رسول الله؟ قال: يأجوج ومأجوج. فيأجوج ومأجوج هم عددهم كبير جداً وكثير جداً وهم كفار ليسوا من أهل الإيمان.
قال الله سبحانه وتعالى بعد ذلك: ﴿وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾ [الأنبياء: 97] دنا يوم القيامة، فإذا هي شاخصة أبصار الذين كفروا يا ويلنا قد كنا في غفلة من هذا بل كنا ظالمين. انظروا الآن إلى القرآن كيف ينقل القارئ من العيش مع الصراع مع الكفار هكذا الظاهر، إلى الحديث القطعي اليقيني عن وجود يوم القيامة، وأن هذا اليوم سياتي لا محالة وأنه قريب هذا اليوم، والذي سيكون في هذا اليوم هو هذا المشهد المخيف المرعب. فإذا هي شاخصة أبصار الذين كفروا تشخص الأبصار، والبصر ما يشخص إلا عند الذهول إلا عند الخوف الشديد، فالكفار يكون حالهم يوم القيامة بهذه الطريقة.
فإذا هي شاخصة أبصار الذين كفروا، ماذا يقول الكفار لما ينظرون إلى جهنم قد جيء بها في المشهد؟ يقول الكفار: يا ويلنا قد كنا في غفلة من هذا بل كنا ظالمين. يا ويلنا كلمة تحسر وتوجع وتفجع، قد كنا في غفلة من هذا بل كنا ظالمين، قد كنا في غفلة أي في الدنيا لم نتصور بأنه سيأتي يوم القيامة، وشغلنا في الدنيا. والغفلة من أقوى أسلحة الشيطان على الإنسان، الشيطان له سلاحان فتاكان: سوف والغفلة؛ سوف سأفعل تسويف تأجيل، والغفلة الشخص يعيش حياته اليومية لا يفكر بيوم القيامة، باليوم يعيش حياته العادية عنده عمل عنده كذا عنده كذا، طيب الصلاة الذكر قراءة القرآن العمل الإسلام دعوة إلى الله هذه الحقيقة يعني هذا الاختبار أنت بهذا ليس بالأول.
قد كنا في غفلة من هذا بل كنا ظالمين، بل كنا ظالمين هذه الحقيقة؛ أننا ظلمنا أنفسنا لما لم نتبع النبي عليه الصلاة والسلام، ظلمنا أنفسنا لما لم نعمل لهذا اليوم العظيم. ثم قال الله: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ [الأنبياء: 98] إن التوكيدية أيها الكفار، وما تعبدون من دون الله حَصَب جهنم أنتم لها واردون، إنكم يا معشر الكفار والذي تعبدون من دون الله؛ اللات والعزى ومناة وهبل، هذه الآلهة كلها التي عبدتموها من دون الله حصب جهنم، وقود جهنم، نار، وقود جهنم، حطب جهنم.
الله يقول: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وُقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [البقرة: 24] وقودها الناس والحجارة، عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون. إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون أي داخلون هذه النار، لو كان هؤلاء أي هذه الأوثان والأصنام التي تعبدونها من دون الله لو كان هؤلاء آلهة ما وردوها وكل فيها خالدون، لهم فيها زفير. هؤلاء الكفار في جهنم لهم زفير من شدة الألم، من شدة العذاب، وهم فيها لا يسمعون. لما يقوى الألم والعذاب تتعطل حواس الإنسان، فلا ينتفع الإنسان بحواسه إذا قوي الألم وانشغل ذهن الإنسان كله في هذا الألم، تتعطل حواس هذا الإنسان فلا يستفيد منها ولا تعمل هذه الحواس كما كانت تعمل بالوضع الطبيعي، فهؤلاء من شدة الألم الذي سيصيبهم في جهنم ستتعطل هذه الحواس ولن يسمعوا في جهنم.
لهم فيها زفير وهم فيها لا يسمعون، ثم قال الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ [الأنبياء: 101] أي الذين سبقت لهم منا الحسنى، أي الذين عبدوا وهم لم يرضوا بهذه العبادة. لما ناقش النبي عليه السلام كفار قريش وقامت الحجة عليهم، قام رجل يقال له النضر بن الحارث فألجمه النبي عليه الصلاة والسلام وأفهمه، ولم يستطع الكفار أن يفعلوا شيئاً، حتى جاء بعد ذلك ابن الزبعرى عبد الله بن الزبعرى، قال: لو رأيت محمداً لقلت له: ماذا تقول في عيسى والملائكة وعزير؟ فنحن نعبد الملائكة، والنصارى تعبد عيسى، واليهود تعبد عزير.
فبين الله سبحانه وتعالى هنا بأن هؤلاء الذين عبدوا من دون الله سبحانه وتعالى وهم لم يرضوا بهذه العبادة هؤلاء لا يدخلون في هذه الآية، إنما هنا الذي يدخل فيها الآلهة التي أنتم صنعتموها، أو الذي رضي بأن يعبد من دون الله سبحانه وتعالى. قال الله هنا: إن الذين سبقت لهم منا الحسنى، أي السعادة والرحمة والجنة، أولئك عنها مبعدون لا يسمعون حسيسها. لا يسمعون حسيس جهنم، والنار لها هنا الله يقول: لا يسمعون حسيسها. هؤلاء ليس فقط لن يدخلوها، بل كذلك لن يسمعوا حسيس جهنم، لا يسمعون حسيسها وهم فيما اشتدت أنفسهم خالدون.
لا يحزنهم الفزع الأكبر أي يوم القيامة لما ينفخ في الصور، ويقوم الناس من قبورهم، ويذهل كل إنسان عن أقاربه، بل حتى المرضعة تذهل عن رضيعها، واليوم هذا يجعل الولدان شيباً. الولدان الصغار يشيبون من شدة هول هذا اليوم، ﴿يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا﴾ [المزمل: 17]، السماء منفطر به، كان وعده مفعولاً. هنا الله يقول: لا يحزنهم الفزع الأكبر وتتلقاهم الملائكة هذا يومكم الذي كنتم توعدون.
ثم قال الله: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾ [الأنبياء: 104] أي كطي الصحيفة للمكتوب فيها، هذه السماء تطوى، فيطويها الله سبحانه وتعالى كما تطوى الصحيفة، والصحيفة كما تطوي المكتوب الذي بداخلها، كذلك السماء تطوى وتبدل هذه السماوات وتبدل هذه الأراضين، ويؤتى بأرض جديدة لم يعصَ الله سبحانه وتعالى بها كقرصة نقي، أرض بيضاء. كطي السجل للكتب كما بدأنا أول خلق نعيده، كما بدأ الله سبحانه هذا الإنسان، الله سبحانه وتعالى سيعيده، فالذي خلق هذا الإنسان من عدم سيعيده بعدما يموت. ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: 104].
ثم قال الله: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِي الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء: 105]. بعض الآيات تفسيرها يضعفها، يعني هنا الله لما يقول وعداً علينا إنا كنا فاعلين، ماذا سيتعلق عليها؟ يعني هذه الآية لا يوجد شيء تقرب فيه، هي هكذا قوية وهي كذلك ظاهرة؛ وعداً علينا، يعني هذه الآية مثل هذه الآيات يعيش الإنسان معها من غير لا يبالغ في تقريبها وتفسيرها، مثل هذه الآيات يعيش الإنسان معها من غير أن يبالغ في تفسيرها ولا تقريبها، وعداً علينا إنا كنا فاعلين.
ثم قال الله: ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر، كتبنا في الزبور قيل الزبور كتاب داوود عليه السلام، وقيل الزبور أي الكتب بالبينات والزبر، والزبر أي الكتب هنا، كتبنا في الزبور أي الكتب التي أنزلها الله سبحانه وتعالى على أنبيائه، مثل التوراة وكذلك الإنجيل وكذلك القرآن والزبور نفسه كتاب داوود عليه السلام وصحف إبراهيم. قال: ولقد كتبنا في الزبور، وقيل بأن مجموع الكتب التي أنزلها الله سبحانه وتعالى 104 كتب، كما جاء عن الحسن البصري رحمه الله تعالى. ثم قال الله: ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر، الذكر أي اللوح المحفوظ. وإذا كان المراد بالزبور هنا كتاب داوود عليه السلام يقول بعض العلماء بأن الذكر هنا التوراة، لماذا؟ لأن موسى عليه السلام هو سيد أنبياء بني إسرائيل وكتاب التوراة هي أعظم الكتب التي أنزلها الله سبحانه وتعالى على بني إسرائيل، وهو يلي القرآن الكريم هذا كتاب التوراة يلي القرآن الكريم.
قال الله هنا: ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون، أي أرض؟ قيل أرض الجنة، فأهل الجنة لما يدخلون الجنة يرثون الجنة، وكذلك يرثون أماكن الكفار، فالله سبحانه وتعالى خلق الإنسان ومع كل إنسان له مقعدان؛ مقعد في الجنة ومقعد في النار، أهل النار يرثون مقاعد أهل الجنة، وأهل الجنة يرثون مقاعد أهل النار.
هذا القول الأول، أما القول الثاني: ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون، أي أرض الله سبحانه وتعالى أرض الدنيا. وجاءت النصوص الكثيرة في هذا: إن الأرض لله يرثها من يشاء من عباده. فالله سبحانه وتعالى يورث أهل الإيمان وهذه تكون سنة، أي إذا كانت على المعنى هذا الآخر المعنى الثاني، فهذه تكون سنة من سنن الله سبحانه وتعالى في الوجود؛ إذا امتثل أهل الإيمان وأقام أهل الإيمان بالواجب عليهم، أورثهم الله سبحانه وتعالى الأرض، أي أرض الكفار، فأصبحت هذه الأرض لأهل الإيمان.
وهذا الأمر وقع مع النبي عليه الصلاة والسلام، فهنا أهل الإيمان لما امتثلوا أمر الله سبحانه وتعالى -أي النبي عليه الصلاة والسلام مع أصحابه- مكن الله سبحانه دينهم وأورثهم هذه الأرض، وأخذوا مكة وأخذوا جزيرة العرب. ثم بعد ذلك لما جاء أتباع الصحابة رضي الله عنهم، فتحت لهم البلاد وانتشر الدين حتى بلغ الأندلس وبلغ كذلك الصين، بلغ الأندلس غرباً والصين شرقاً.
ولكن لما ضعف أهل الإيمان، ولم يقم أهل الإيمان بالواجب عليهم وانتشرت فيهم وفشت الذنوب والمعاصي، هنا تووقف هذا الفتح، ولم يستمر هذا الفتح إلا يسيراً، إلا لما يعود أهل الإيمان يفتح لهم، لكن إذا لم يعودوا -هو صراع صراع إيمان وكفر هنا، صراع إيمان وكفر- فإذا انتشرت وفشت الذنوب والمعاصي في أهل الإيمان حرموا هذه الأرض، حرموا هذا.
لكن عمر بن الخطاب كان يرسل إلى أمرائه إلى ولاته، ويبين لهم خطر الذنوب والمعاصي، ويقول: نحن ننتصر عليهم بالإيمان، فإذا استوينا نحن وهم بالذنوب والمعاصي كان لهم فضل العدد والعدة، فهم أكثر منا عدداً وأقوى منا عدة، فينتصرون علينا. ولا يعطيها أهل الإيمان الكفار شيئاً مثل ما يعطونه هم بالذنوب والمعاصي، يعني لما يذنب أهل الإيمان وتنتشر وتفشو فيهم الذنوب والمعاصي، هذه هدية من أهل الإسلام لأهل الكفر، فيعينون الكفار على أنفسهم، يعينون الكفار على أنفسهم.
هذا الله سبحانه يبين هذه المعاني، لذلك أهل الإيمان انتصروا بهذا، كيف يستطيع كيف تستطيع قلة قليلة من العرب بعد ما يأتيهم هذا الدين أن تنتصر على فارس والروم؟ يعني هل تظنون بأن الإسلام أعطاهم أسلحة فتاكة؟ أي أسلحة مادية؟ الصحابة لما كانوا يقاتلون الفرس، الفرس معهم فيلة ومعهم هكذا جنود أعداد كبيرة مهولة جداً، والصصحابة عددهم يسيرة وقليلة. وكذلك لما كانوا يقاتلون الرومان، فارق كبير جداً بالعدد والعدة، هل النبي عليه الصلاة والسلام غير لهم السيوف؟ غير لهم الخيول؟ ما غير لا سيوف ولا خيول ولم يأتيهم بأسلحة مادية، إنما أتاهم بهذا الدين، أتاهم بهذا الدين. نفس هؤلاء الذين بعث فيهم النبي عليه الصلاة والسلام ما كانوا يستطيعون أبرهة، أبرهة كسر قبائل العرب حتى وصل إلى مكة.
ولولا أن الله سبحانه وتعالى حمى بيته وأرسل الطير الأبابيل لهدم الكعبة. ولكن الله سبحانه وتعالى أرسل الطير الأبابيل. نفس هؤلاء نفس هؤلاء لما أسلموا وانقادوا قاتلوا بنفس الأسلحة. السيوف والخيول ما تغيرت، بل حتى الملابس لم يكونوا هم يصنعونها، إنما كانوا يأخذونها ويشترونها من الرومان وكذلك من الفرس والسيوف كانوا يأتون بها من الهند حتى كان يسمى السيف المهند نسبة إلى الهند. ومع ذلك انتصروا بماذا؟ بهذا الدين.
نحن قوم أعزنا الله بالإسلام. مهما طلبنا العزة في غيره أذلنا الله. ليس معنى هذا الكلام أن الشخص ما يبذل السبب، لكن معنى هذا أن لا يجعل بذل السبب مقدماً على الإيمان. هذا هو المقصود، لكن ليس معنى هذا أنه ما يبذل السبب، لابد أن يبذل السبب. والله يقول في كتابه العظيم: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ﴾ [الأنفال: 60]. فلابد من إعداد العدة وبذل ما نستطيع. ولكن إذا بذلنا الذي نستطيع ننتصر، وإذا لم نبذل الذي نستطيع ما ننتصر. لكن من ينظر في سيرة النبي عليه الصلاة والسلام نجد بأن عدم الانتصارات سببها الرئيسي ليس عدم بذل السبب، إنما سببها الرئيسي الذنوب والمعاصي.
ألم يقل الله سبحانه وتعالى في سورة آل عمران مبيناً سبب النتيجة الصادمة لأهل الإسلام: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَٰذَا﴾ [آل عمران: 165]؟ صدم الصحابة: كيف ما انتصر على الكفار، وكيف يقتل منا هذا العدد الكبير، وكيف كذلك يصاب النبي عليه الصلاة والسلام حتى يكاد يقتل؟ قلتم: أنَّى هذا؟ كيف حدث هذا؟ قال الله: ﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران: 165]. فالقصد من ذلك أن المشكلة التي تقع عندنا كثيراً وليس قليلاً أن نضخم باب بذل السبب على نفس الإيمان. فإذا ما استحضَرنا هذا لن نتقدم كثيراً ولن نتغير كثيراً.
ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها من؟ يا ربي عبادي الصالحون. الأرض يرثها أهل الصلاح، أما إذا لم يكونوا صالحين لا يرثون الأرض، وسيبقى وستبقى القوة للكفار حتى متى؟ حتى ترجعوا إلى دينكم، والنصوص في هذا متضافرة. ثم قال الله: ﴿إِنَّ فِي هَٰذَا﴾ [الأنبياء: 106] أي في هذا القرآن أو في هذه السورة ﴿لَبَلَاغًا لِّقَوْمٍ عَابِدِينَ﴾ [الأنبياء: 106]. لبلاغاً أي كفاية لقوم عابدين، البلغة.
كان يقول النبي عليه الصلاة والسلام لأصحابه: «ليكن زاد أحدكم من الدنيا كزاد الراكب». بلغة الراكب، الراكب كم يحمل معه من الطعام؟ يحمل معه الطعام الذي يكفيه للوصول. هنا الله يبين بأن ما نزل في هذا الكتاب العظيم كافي لمن يريد العبادة، الذي يريد أن يصل إلى الله حقيقةً يكتفي بما جاء في القرآن الكريم ولا يطلب المزيد، ولا يطلب المزيد.
فالقصد هنا الله سبحانه وتعالى بين ووضح السنن وبين الطريق الموصل إليه ورد على أعداء الدين، فمن امتثل هذه المعاني وكان هو مستعداً يعني هو يريد أن يعبد الله كما كان حال زيد بن عمرو بن نفيل، كان يريد أن يعبد الله كما كان حال الصديق لما أتى والده وأخذه إلى الأصنام قال: إن جعت فأطعمني، إني عريان فاكسني، ولم تجب الأصنام فما ردت ولم يلتفت إليها ولم يعبدها. لما جاء النبي عليه السلام بما جاء به من الوحي مباشرة استجاب، لماذا؟ لأنه يريد العبادة. هكذا الإنسان، الإنسان يوطن نفسه، الفطرة مغروس فيها أن هذا الكون له خالق، أن هذا الكون له مدبر.
لكن الإنسان لا يستطيع بالفطرة أن يصل إلى تحقيق العبادة. بالفطرة ما يستطيع أن يعرف أن صلاة الظهر أربع ركعات، صلاة المغرب هكذا ثلاث ركعات، يحتاج إلى من يعلمه. جاء الآن هذا العلم، جاء الآن هذا الكتاب، هل تستجيب أو ما تستجيب؟ إذا كان شخص موطِّناً نفسه ويريد أن يعبد الله سبحانه وتعالى، في هذا الكتاب كفاية، ﴿إِنَّ فِي هَٰذَا لَبَلَاغًا﴾ كفاية لمن يا ربي؟ ﴿لِّقَوْمٍ عَابِدِينَ﴾ [الأنبياء: 106]. وضرب الله لك أمثلة العابدين في هذه السورة ابتداءً من إبراهيم عليه السلام حتى ختم ذكر العابدين بعيسى عليه السلام مع أمه.
هؤلاء هم صفوة الخلق، وفي هذه السورة في هذا الكتاب كفاية لمن يريد أن يعبد الله سبحانه وتعالى، ﴿إِنَّ فِي هَٰذَا لَبَلَاغًا لِّقَوْمٍ عَابِدِينَ﴾ [الأنبياء: 106]. ثم قال الله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107]. ما بعث الله سبحانه وتعالى هذا النبي الكريم بأبي وأمي عليه الصلاة والسلام إلا رحمة للعالمين لجميع الناس. رسالة النبي عليه الصلاة والسلام عامة، وهذه من خصائص النبي عليه الصلاة والسلام، فالأنبياء كان النبي يبعث إلى قوم خاصة، أما النبي عليه الصلاة والسلام بعث للناس كافة رحمة للعالمين.
واضح، رحمة لأهل الإيمان بأنهم يدخلون الجنة، لكن ما رحمته للكفار؟ يقول العلماء بأن رحمته للكفار في عدم حلول العقوبات عليهم، المسخ والقذف كما حلت بالأمم السالفة، وكذلك بعضهم يقول أن رحمته كذلك في المنافقين بأنهم ما يقتلوا، وأنهم ينتفعون بالشهادة الظاهرة في الدنيا، ولكن في الآخرة مآلهم إلى جهنم.
وكذلك من المعاني التي ممكن تدخل هنا أن النبي عليه الصلاة والسلام بهذه الشريعة التي جاء بها أثرت في العالم كله، أثرت في العالم كله. فالنبي عليه الصلاة والسلام بهذا الدين غير نظرة الناس إلى المرأة. يعني الآن النظرة إلى المرأة قبل الإسلام كيف كانت في جميع الأمم، العرب، في الفرس، في الرومان، إلى آخره. بعد ما جاء الدين كيف أصبحت؟ الأم، الأم قبل الإسلام كيف كانت؟ وبعد الإسلام كيف أصبحت؟ هذا مثال، وعلى هذا المثال فليقس.
فالنبي عليه الصلاة والسلام بهذا الدين الذي جاء به والذي بعث الله سبحانه وتعالى به غير وجه العالم، غير وجه حتى على الكفار. فتغير، فأصبح ما جاء به النبي عليه الصلاة والسلام من أحكام وشرائع رحمة للعالمين، رحمة للعالمين. قال الله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107]. ثم قال الله: ﴿قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [الأنبياء: 108].
بعد ما بين الله سبحانه وتعالى هذه المعاني وانتقلت المشاهد من مشهد الكفار يوم القيامة إلى مشهد أهل الإيمان، إلى هذه الحوادث التي ستقع يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب، إلى الحديث عن السنة التي كتبها الله سبحانه وتعالى في كتابه في اللوح المحفوظ، كذلك في الكتب التي أنزلها على أنبيائه، وميزة هذا الكتاب العظيم مع رحمة النبي الكريم بأبي وأمي عليه الصلاة والسلام قال: قل إنما يوحى إلي. قل لهؤلاء أجمعين: إنما يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد. هذا هو مقصد إنزال الكتب. مقصد إنزال الكتب وبعث جميع الرسل الدعوة إلى توحيد الله سبحانه وتعالى وحده.
﴿قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [الأنبياء: 108] مستسلمون منقادون لما جاء به الدين؟ فإن تولوا، طيب ما انقادوا ما استسلموا تولوا وأعرضوا. ﴿فَقُلْ آذَنتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ [الأنبياء: 109] أعلمتكم كلكم أجمعين يا معشر الكفار. فقل آذنتكم على سواء أني بريء منكم، وأن ديني غير دينكم، لكم دينكم ولي دين. وهكذا تقوم تصورات الإسلام. الله سبحانه وتعالى يحب المفاصلة بالتوحيد، الله سبحانه وتعالى يحب المفاصلة بالتصورات.
أما التعامل هكذا باسم الآخر، ما تقول كافر تستحي تقول كافر أو تقول هذا رأيي ورأي الآخر، كلمة الآخر الله ما يحبها، الله يحب كلمة الكافر. قل يا أيها الكافرون لما جاء الكفار إلى النبي عليه الصلاة والسلام وقالوا له نعبد آلهتك إلهك سنة وتعبد آلهتنا سنة، أنزل الله مباشرة قل يا أيها الكافرون. قل يا أيها الكافرون يعني تنفير، مستحيل هذا أمر لا يمكن أن يكون. فنفس هذا المصطلح مقصود في الدين، نفس هذا المصطلح مقصود لأن لابد من وجود المفاصلة بالتصورات وعدم التساؤل في مثل هذه الإطلاقات.
ونحن اليوم في زمان ما زال فيه مزاج إنساني أكثر منه ديني، فلذلك المفاصلة بالتصورات والمفاصلة حتى على مستوى الألفاظ والمصطلحات ربما الكثير من الناس ينفر منها، بل قد ينفر منها بعض المتدينين، وقد يستعملها بعض المتدينين بطريقة خاطئة. لكن استعمال هؤلاء بطريقة خاطئة ليس معناه أن نفس المصطلح يتم إسقاطه، لأن أي مصطلح يتم إسقاطه مع إسقاط المصطلح الذي به مفاصلة لابد أن تسري معاني مخالفة للدين، لابد، لابد. لماذا؟ لأن هذا المعنى الله سبحانه وتعالى يريد منا أن نفصله، والمعنى قال به هو اللفظ، اللفظ.
اللفظ قال بالمعنى، المعنى مثال الماء واللفظ هو الكأس. اللفظ إذا كان قوي يحمل معنى، أما إذا ما كان قوي يكون هذا القالب به تسريب. فلما تأتي وتقول عن الكافر الآخر هنا أضعفت من روح المفاصلة، أضعفت من الولاء والبراء، هنا يكون فيه إضعاف. الله لا يحب هذا، الله سبحانه وتعالى ملأ هذا الكتاب بذكر اسم الكفار، واسم الطاغوت، واسم الجاهلية. لماذا؟ لأن هذه المصطلحات مقصودة. والتصورات الإسلامية حتى تحفظ لابد أن يتم استعمال هذه القوالب. نعم بعض الناس يستعملها خطأ أحياناً في طريق خاطئ، هذا يرد عليه ويبين خطأه، ولكن لا نجعل المصطلح غير صحيح، ولا ينفر الإنسان من هذه المصطلحات التي جاء بها الدين.
لذلك الله هنا الله يقول: ﴿قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ * فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ وَإِنْ أَدري﴾ [الأنبياء: 108-109] لعله وإن أدري قريب أم بعيد ما توعدون. وما أدري الذي تريدون أنتم وتسألون عن يوم القيامة متى يكون؟ لا أدري، أنا رسول مبعوث من قبل الله سبحانه وتعالى حتى أعلمكم الذي يريد الله سبحانه وتعالى مني أن أبلغه، الذي أمرني الله سبحانه وتعالى به، أما متى يوم القيامة؟ هذه الأسئلة التي تسألونها أنا ما أعرفها، وليس مطلوب مني أن أعرف هذه أجوبة هذه الأسئلة، أنا المطلوب مني أن أبلغ كذا وكذا وكذا، أما الزيادة على ذلك ليس مطلوب مني. أنا نفسي ما أدري متى يوم القيامة، وإن أدري أي ما أدري أقريب أم بعيد ما توعدون.
إنه سبحانه وتعالى هو الآن تقرير هذه المعاني، لأن هذه المعاني لما تقرر مثل ما ذكرت يقوى إيمان الإنسان ولا يتأثر بما تأثر به ضعيف الإيمان. وكثيراً ما يتأثر كثير العلم ضعيف الإيمان بما لا يتأثر به قليل العلم قوي الإيمان. كثيراً ما يتأثر ضعيف الإيمان كثير العلم بشبهات ولا يتأثر قوي الإيمان قليل العلم، لأن الإيمان له قوة هائلة في صد الشبهات. وليس معنى هذا أن العلم غير مهم، مهم جداً، ولكن القصد الآن فقط ضبط هذه المعاني. قال الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ﴾ [الأنبياء: 110].
ثم قال: ﴿وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَّكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ [الأنبياء: 111]. لا أدري لعل تأخير يوم القيامة عدم إخباركم بموعد هذا اليوم فتنة لكم، اختبار لكم، ومتاع إلى حين حتى تستكثروا من الذنوب والمعاصي، حتى تكون عقوبتكم يوم القيامة أشد وأكبر وأعظم. فهنا عدم الإجابة على هذا السؤال متى يوم القيامة وتأخير يوم القيامة هذا كله لعل المقصود منه أنكم تفتنون، أنكم تختبرون ومتاع إلى حين.
ثم قال الله: ﴿قَالَ رَبِّ احْكُم بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمَٰنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ﴾ [الأنبياء: 112]. قال ربي احكم بالحق أي بنصر أهل الإيمان والقضاء على أهل الكفر والطغيان. قال ربي احكم بالحق، وربنا الرحمن سبحانه وتعالى. اسم الله الرحمن يؤتى به في سياق بيان الرحمة الواسعة والكبيرة، وكذلك في سياق التهديد أن سعة رحمة الرحمن ما تسع الكفر ولا تسع مثل هذه الأفعال. وربنا الرحمن سبحانه وتعالى صاحب الرحمة الكبيرة، اسم الرحمن على وزن فعلان وهذا الوزن يفيد السعة، يفيد السعة والامتلاء.
ربنا الرحمن المستعان سبحانه وتعالى على ما تصفون، على ما تصفون من الكذب والسب والشتم والتسفيه ما تقولون. الرحمن سبحانه وتعالى المستعان على ما تصفون. ﴿قَالَ رَبِّ احْكُم بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمَٰنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ﴾ [الأنبياء: 112]. إذاً هذا ما يتعلق بهذه السورة الجليلة، والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
الشيخ أحمد بن خالد الهاجري