الحمد لله، الصلاة والسلام على خير خلق الله، على نبينا وقائدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن والاه، ثم أما بعد؛ فحيّاكم الله إخواني جميعًا وبياكم، وسدد على طريق الخير خطاي وخطاكم. نكمل مدارسة سورة الأنبياء، وكنا قد توقفنا عند قصة نبي الله أيوب عليه السلام.
بعد ما قص الله سبحانه وتعالى علينا قصة نبي الله داوود، وكذلك سليمان عليهما السلام، وذكر الله سبحانه وتعالى بلاء السراء، بلاء النعماء، وكيف أن داوود وسليمان عليهما السلام حققا العبودية لله سبحانه وتعالى في هذا البلاء، انتقل الآن الحديث إلى قصة نبي الله أيوب. والله سبحانه وتعالى وصف أيوب عليه السلام بمثل ما وصف نبي الله سليمان عليه السلام: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾، أثنى الله عليه وقال: نعم العبد. وكذلك أثنى على سليمان عليه السلام بنفس الثناء.
كالذي يشكر الله سبحانه وتعالى على النعمة ويستحضر أن هذه منن وعطايا وكرامات من الله سبحانه وتعالى، كالذي يصبر على البلاء الذي يقع عليه ويستحضر بأن هذا البلاء من الله سبحانه وتعالى فيصبر على هذا البلاء. فالصبر على بلاء الضراء يساوي الشكر على بلاء السراء؛ فالله سبحانه وتعالى يبتلي عباده بنعمة الضراء ونعمة السراء. والقسم من ذلك أن الله سبحانه وتعالى هنا قال: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾.
الله سبحانه وتعالى يذكر لنا قصة هذا النبي الكريم أيوب عليه السلام، والذي أصبح هذا النبي هو ذكرى للعابدين بصبره وثباته على عظم البلاء الذي نزل عليه. أيوب عليه السلام من الأنبياء الذين ابتلوا ببلاء عظيم، وهذا البلاء كما يقول عامة العلماء كان ببدن أيوب عليه السلام، وكذلك بأهل أيوب عليه السلام، وكذلك بمال أيوب عليه السلام.
وعادة الإنسان يبتلى بأحد هذه البلاءات، بالنسبة ربما تكون كبيرة أما باقي البلاءات ما تكون مثل هذه القوة. لكن أن يكون البلاء بالمال، يكون البلاء بالأهل، ويكون البلاء بالبدن هذه الثلاث مجتمعة، وهذه الثلاث تكون كلها في الذروة. فجميع الأبناء يموتون، يقال بأن أيوب عليه السلام كان عنده سبعة من الذكور وسبعة من الإناث. وكذلك يبتلى بماله، كان صاحب مال ثم يذهب هذا المال كله.
ثم بعد ذلك يبتلى ببدنه، والله أعلم كم كان بلاء أيوب عليه السلام في بدنه؛ لأنه قال أيوب عليه السلام: ﴿رَبِّ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ﴾. نكر العذاب ونكر كذلك النصب، فالتنكير هذا للتعظيم، للتفخيم، للتكبير. فكم كان بلاء أيوب عليه السلام؟ الله أعلم. كم قوة هذا البلاء الذي وقع عليه؟ الله أعلم. لكن هو لا شك بأنه كان بلاء عظيمًا، ولم يكن البلاء فقط بالبدن، بل كان قبل ذلك بالمال وكذلك بالأهل.
ويروى بأن الشيطان استأذن ربه سبحانه وتعالى بأن يبتلي أيوب فأذن له، فقتل جميع أبنائه فكان شاكرًا لله سبحانه وتعالى. ثم استأذن ربه الشيطان بأن يبتلي أيوب فابتلاه بماله فأذهب ماله كله، ولم يزل أيوب عليه السلام شاكرًا لله سبحانه وتعالى حتى استأذن ربه بأن يبتلي بدنه فقال لك بدن إلا القلب واللسان، إلا قلب أيوب ولسان أيوب.
أي أن جميع بدن أيوب تعرض إلى بلاء، ولكن القلب كان ذاكرًا واللسان كان شاكرًا. فاللسان يشكر الله سبحانه وتعالى يذكر الله سبحانه، كذلك القلب مع شدة هذا البلاء وعظم هذا البلاء لم يزل أيوب عليه السلام صابرًا: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ﴾. أيوب عليه السلام بلاء عظيم ومع ذلك صبر وصابر واستعان بالله سبحانه وتعالى، حتى إن زوجته كانت تقول له: يا أيوب، لماذا ما تدعو الله سبحانه وتعالى بأن يكشف هذا البلاء؟ فيقول: إني أستحي من ربي. فقالت: كم سنة عافاني ربي؟ فقالت: سبعون سنة. فقال: ألا يحق لي أن أصبر سبعين سنة كذلك في البلاء؟
حتى وصل البلاء إلى مداه واختلف العلماء، وكل هذا مروي عن بني إسرائيل ولا ندري يعني ما هو المحقق، لكن قصدي بذلك أنه وصل إلى حال خشي أيوب عليه السلام على إيمانه. تقولي كيف يعني؟ أقول لك الداعي إلى الله الععبد المؤمن الصالح إذا وقع عليه البلاء لا بد أن يصبر ويتصبر ويدعو الله سبحانه وتعالى: ﴿اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا﴾. إذا كان هذا بلاء سيصل بالإنسان، قد يصل بالإنسان إلى مداه والبلاء ينزل على الإنسان بقدر إيمانه: يبتلى المرء على قدر دينه فإن كان في دينه صلابة زيد له في بلائه.
إذا سقط هو قبل أن يحقق العبودية وهو عنده القدرة لكن هو ما قاوم يكون هو المقصر. لكن إذا بذل واجتهد وصبر وصابر وبذل كل ما يستطيع وما زال البلاء موجودًا، أقول لك إن هذا البلاء للرفعة، هذا البلاء لتكفير الذنوب، وستعان بإذن الله إذا كنت صادقًا وصالحًا. لماذا؟ لأن البلاء على قدر الإيمان، البلاء على قدر الدين ما يكون أكثر منه.
يعني أنا ما آتي عند شخص دينه ليس قوي وينزل عليه بلاء، هذا البلاء قد يكون عقوبة فيسقط الإنسان. لماذا؟ لأنه هو عنده ذنوب ومعاصي كثيرة، فالله سبحانه وتعالى عاقب بهذا البلاء. هذا قسم من الناس، وهذا البلاء قد يكون ثقيل وقد يكون شديد لكن هي عقوبة، هذا بلاء عقوبة. شخص آخر عنده دين قوي عنده دين عظيم، فينزل عليه البلاء فيعينه الله سبحانه وتعالى ويصبر ويتصبر، هذا بلاء تكفير ذنوب أو رفع درجات.
بالأصل إن العبد إذا سبقت له من الله منزلة في الجنة لم يبلغها بعمله ابتلاه الله في جسده وماله وولده حتى يبلغه تلك المنزلة. لا يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة حتى يمشي على الأرض ليس عليه خطيئة. فالبلاء يكفر الذنوب وكذلك يرفع الدرجات، لكن هذا بلاء إيش؟ بلاء الكرامة، هذا بلاء الرفعة، بلاء التكفير، هذا بلاء النعمة. يعني الله يبتلي الإنسان حتى يكرمه، حتى ينعم عليه بهذه المنة والعطية.
طبعًا يأتي السؤال الآن المشهور: كيف أععرف؟ أقول لك لا تستطيع أنك تضع فاصلًا هكذا دقيقًا بحد دقيق بالمعرفة، أقول لك ثمرة هذا هو الذي يكشف لك، وحالك قبل البلاء. يعني الإنسان قبل البلاء ما حاله؟ هل هو إنسان صاحب طاعات وعبادات وكثير التوبة والاستغفار، يعني هو بالأصل حياته على استقامة؟ هذا لما ينزل عليه البلاء نعم يكون بإذن الله تكفير ورفعة، مثل ما نزل البلاء على الأنبياء، هذا هو الأصل.
طيب، هذا الإنسان بالأصل حياته عبارة عن معاصي وذنوب وكبائر، انتبه قد يكون عقوبة، قد يكون عقوبة. طيب ماذا أفعل؟ تتوب إلى الله وتستغفر فينتقل من عقوبة إلى تكفير أو إلى رفعة بالدرجات. إذن الشخص يعرف نفسه قبل البلاء، لما ينزل عليه البلاء هو قبل ذلك ما حاله؟ هل الأصل فيه الاستقامة والسداد، أو الأصل فيه تفريط وتقصير؟
ثم بعد ذلك لما ينزل عليه البلاء، كيف يتعامل مع البلاء؟ هذا التعامل يكشف لك ذلك. هذا التعامل يكشف أن هذا الإنسان إذا كان صابر فهذه علامة خير، كان راضي هذه علامة على كرم، شاكر هذه مرتبة عالية، يعني هذه كرامة كبيرة لهذا العبد. أما لا، جزع، أوه، هذا خطر، خطر كبير، لازم أن يجزع ودائمًا يتشكى ودائمًا يتلوم، هذا خطر كبير جدا.
طيب، شخص يقع عليه البلاء وهو قبل ذلك كان عنده ذنوب ومعاصي، ولما يقع عليه البلاء لأن هذا البلاء كبير، أقول لك: اصبر وتصبر وتب إلى الله. المفترض أنك تتوب قبل أن ينزل، لكن تأخر الإنسان، التأخر مشكلة، لكن لو تأخر نعم ممكن يكون هذا البلاء حتى يعيد الله سبحانه وتعالى الععبد إليه. والله سبحانه وتعالى إذا أحب الإنسان يبتليه، فممكن يكون هو عاصي، هو صاحب كبائر، فينزل عليه البلاء، هذا البلاء الهدف منه أن العبد يرجع إلى الله، وهذا رأيناه كثيرًا.
لكن ابن القيم ذكر بكلام جميل ونفيس ويدل على معرفة عالية لهذا الإمام بهذه المعاني، يقول بأن الله سبحانه وتعالى إذا أحب الإنسان وكان هذا الإنسان يعمل بنعم الله في معاصيه -يعني شخص الآن عنده الله معطيه نعمة البصر ونعمة القوة، وهذا يستغل بنعم بصره في السء، والاستثمار يكون بالحسن، فيستغلها في المعاصي، وكذلك في القوة هذه يعمل بها في معاصي الله سبحانه وتعالى- هذا إذا نزل عليه بلاء، إذا أراد الله به خيرًا يكسره ويرجعه إليه، فيكون هذا الإنسان ابتلاه الله وسلب منه هذه النعمة حتى يعود إلى الله. وهذه كرامة، هذه عطية من الله، هذه رحمة من الله سبحانه وتعالى.
أما إذا لم يرد الله سبحانه وتعالى به هذا، فقد يبتلى، يكون بلاء عقوبة، يسلب النعمة وكذلك تكون عقوبة، وقد يترك، قد يترك هذا الإنسان حتى يستكثر من معاصي الله سبحانه وتعالى بهذه النعم فيوافيه الله سبحانه وتعالى بها يوم القيامة، وهذا أخطر. يعني يصير هذا ما يحسب له أي شيء؛ عشرين سنة، ثلاثين سنة، أربعين سنة بنعمة الله يعصيه والله ما يسلب منه النعمة ولا يبتليه بلاء كبير، ولا يبتليه بلاء عقوبة، فيترك، هذا خطر جدا.
لذلك لما جاء رجل إلى النبي عليه الصلاة والسلام كما في النسائي من حديث أبي هريرة، وفيه أنه قال: يا رسول الله، أنا ما أعرف الصداع. فبين له النبي عليه الصلاة والسلام الصداع بأنه عرق يضرب بالرأس. قال: ما وجدت ذلك قط، ما وجد يعني في حياته كلها ما صدع. ثم قال: هل مرت بك حمى قط؟ قال: وما الحمى؟ ما يعرف الحمى. قال: حر يكون بين الجلد واللحم. قال: يا رسول الله، ما وجدت ذلك قط، في حياته كلها ما أصيب بالحمى.
فسكت النبي عليه الصلاة والسلام، ثم انصرف الرجل. فلما انصرف قال النبي عليه الصلاة والسلام: «من سره أن ينظر إلى رجل من أهل النار فلينظر إلى هذا». لماذا؟ لأن هذا الإنسان ما ابتلي، هذا الإنسان ما وقع عليه شيء، والحمى حظ المؤمن من النار. لا صداع ولا حمى أبدا، هذه مشكلة.
وكذلك لما جاءت امرأة وعرضت ابنتها على النبي عليه الصلاة والسلام تريد من النبي عليه الصلاة والسلام أن يتزوجها، فأخذت تعدد فضائل ومميزات هذه البنت، حتى قالت: يا رسول الله وما مرضت قط، وما مرضت قط. قال: «لا حاجة لي بها». لا حاجة، كيف ما مرضت؟ هذا كافر. الكافر إذا الله سبحانه وتعالى ما عاقبه وتكون عقوبته أخروية، يستكثر من هذه النعم حتى ما يأتي ويقول بأن لي حسنات، لا، يعطى هذه في الدنيا، هو يتصدق ممكن يعطي الفقراء، لكن هو ما عنده كلمة التوحيد، هذا يجزى عليها في الدنيا، هذه الأعمال يجزى عليها في الدنيا، أما في الآخرة جهنم وبئس المصير.
فالقصد من ذلك الإنسان إذا الله سبحانه وتعالى أعطاه نعمة ثم ابتلي هذا الإنسان، فأحد أمرين: إما أن تكون عقوبة، أو تكون هذا بلاء حتى يرجع الإنسان، حتى يرجع الإنسان. القصد من ذلك أن هذا الباب يضبط بهذه الصورة وهذه الطريقة، فننظر إلى حال الإنسان قبل أن ينزل عليه بلاء وحاله بعد البلاء. فحاله قبل البلاء يكشف أن هذا البلاء عقوبة ولا بلاء رفعة وتكفير، بعد البلاء كذلك يكشف هل البلاء هذا كان رحمة ولا كان البلاء والعياذ بالله إبعاد من الله سبحانه وتعالى لهذا الإنسان.
فإذا رجع هو ممكن يكون عاصي، ممكن يكون متكبر، لكن يبتليه الله فيرجع ويتوب وندم على كل ما فعل، هذه خير، هذا البلاء خير له، هذا البلاء خير له. حتى لو سلبت النعمة، نعم هذه النعمة التي أخذها الآن والذي حصلها أعظم بكثير من النعمة التي سلبت منه؛ نعمة الهداية لا تقارنها نعمة ولا تساويها نعمة.
القصد أن أيوب عليه السلام كان من عباد الله سبحانه وتعالى، وكان من الأولياء، وكان كذلك من الأنبياء. فأيوب عليه السلام سنة الله سبحانه وتعالى في هذا النفر من الناس البلاء، بل على جميع الناس البلاء. ولكن بلاءات الأنبياء ثقيلة، صعبة، شديدة، ليست مثل بلاءات عامة المؤمنين. ومن يريد أن يعرف هذا فليقرأ بلاءات الأنبياء وليعش معها، لا يقرأها قراءة هكذا عادية، لا، عش مع البلاء، بلاء ثقيل جدا ثم قس نفسك عليه.
يعني لما تنظر في بلاء أيوب عليه السلام كيف البلاء هذا استمر طيلة هذه السنوات وذهب الأبناء وذهبت الأموال، وكذلك البدن كان ثقيل، والناس هجروه، حتى الناس هجروه. يعني أيوب عليه السلام اجتمعت عليه أصناف البلاء. تذكر لما وقع موقف هكذا مع شخص بينك وبينه محبة ثم بعد ذلك هو لم يعد يرد عليك، كيف أن الآن لما فقدت أحد تحبه وقريب منك، أو تفكر أنك تفقد هذا القريب إذا كان ابن، إذا كنت أب، أو إذا كنت أم، هذا الابن كيف يكون البلاء؟
ثم شخص فقد ماله، تذكر لما فقدت جزء من مالك، كيف حزنت وجلست أيام تحزن عليه مع أنه جزء يسير. أيوب عليه السلام اجتمعت عليه وطالت مدة، يعني بلاء ثقيل بكميته وثقيل بكيفيته، فالكيف كان ثقيل يعني نوعية البلاء ثقيلة، وطول مدة البلاء، بلاء لم يكن شهر شهرين إنما كان مدة طويلة جدا، ثمان عشرة سنة يبتلى بهذا البلاء وهو صابر محتسب ولم تخرج منه كلمة فيها تذمر ولا جزع ولا أبدا، حتى وصل البلاء إلى مداه.
إلى درجة البلاء يزيد ويزيد، وهذه بلاءات المؤمنين. بلاءات المؤمنين تكبر لا تصغر. فيزيد ويزيد ويزيد ويرتفع حتى وصل البلاء إلى حد أيوب عليه السلام تأثر فيه. الله أعلم، بعضهم يقول بأن الشيطان جاء عند زوجة أيوب وقال لها اذبحيه، هذا أي للشيطان، فغضب أيوب عليه السلام. يعني وصل الأمر إلى التوحيد. ونذر أن يضرب زوجته إذا عافاه الله سبحانه وتعالى. ومنهم من يقول إنه وجد أن زوجته أصبحت تعمل عند الناس وقصت ضفيرتيها.
وهذا ثقيل على رجل شريف، والأنبياء هم أشرف خلق الله سبحانه وتعالى. يعني يصل الأمر إلى محارم الإنسان هكذا. وبعضهم يقول كذلك أن كان اتهام، أن شخص يقول إن أيوب عليه السلام عمل عمل عظيماً حتى أن الله عاقبه بهذا، وهذا كذلك ثقيل جداً. هذا ثقيل. وهنا كان أيوب عليه السلام خاف أن الله سبحانه وتعالى يكون قد يعني أعرض عنه، أو أن الله سبحانه وتعالى، الله أعلم.
لكن هو بلاء ثقيل، يعني هو وصل إلى درجة جعلت أيوب عليه السلام يقول هذه الكلمات الإيمانية العظيمة والعالية جداً. طيب، لماذا ما قالها أيوب قبل ذلك؟ ما قالها قبل ذلك لأن أيوب عليه السلام يريد أن يثبت لله سبحانه وتعالى الحب والتعظيم. لكن لما وصل الأمر إلى أنه خشي، هذا هو هو خشي أن الآن تصدر منه كلمة الله ما يحبها. فخشي أن البلاء يوصل إلى درجة أنه ما يستطيع يقاوم وهذا يقع، هذا يقع مع الناس.
فمو كل شخص يصبر شهرين، لكن بعد شهرين يضعف. ممكن يصبر أربعة أشهر، لكن بعدها ممكن يضعف، وطبيعي هذا الشيء. عمر الخطاب دعا الله سبحانه وتعالى بأن يقبضه لما قال كبرت سني وضعفت قوتي فاقبضني إليك غير مضيع ولا مفرط، لا أريد أن أضيع وأفرط. والإنسان في البداية يصبر ويتصبر، لكن لما يطول يطول هنا يصل درجة إلى درجة ﴿حَتَّىٰ إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا﴾ [يوسف: 110]. انظر، حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله. متى يقول الرسول والذين آمنوا معه هذه الكلمات؟ هذه ما يقولونها في البداية، هذه يقولونها لما يزيد ويزيد ويزيد البلاء، يصل إلى درجة يقول الرسول متى نصر الله، متى يقول أتباع الرسل متى نصر الله. لكن هذا صاحب الإيمان الضعيف يقولها بسرعة، لكن صاحب الإيمان القوي يصبر ويتصبر ويجتهد ويبذل كل ما يستطيع، حتى بعد مدة من الزمن يقول هذه الكلمة.
هنا أيوب عليه السلام وصل إلى حال خاف، خشي، تأثر. هنا قال كلمات عظيمة مليئة بالتعظيم لله والحب له وتملق الله وافتقار إلى الله سبحانه وتعالى. حتى ما دعا الله مباشرة، يعني هو ما قال يا ربي اكشف عني البلاء، ما قال هذه الكلمة، إنما تملق الله سبحانه وتعالى تملق الأنبياء، فأظهر افتقاره. والآن نحن في هذه القصص الآن نعيش مع عبودية الأنبياء، والأنبياء هم أعلم الناس بالله، هم أعلم الناس بالله. فكيف الأنبياء عبدوا الله سبحانه وتعالى؟ أيوب عليه السلام لما وصل به الحال إلى هذه الدرجة وخشي قال: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾ [الأنبياء: 83].
هنا نادى ربه، أي نادى المربي، نادى الرحيم، نادى السيد، نادى المالك، نادى القادر، نادى الخالق، نادى المعتني به، الرب المعتني به. نادى ربه: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾، أنا وصلت يا ربي إلى درجة أن الضر مسني. هذا الآن كشف لحال أيوب عليه السلام، وإظهار لافتقار أيوب عليه السلام، أنه يا ربي أنا وصلت إلى درجة أني الآن أخاف على نفسي، أخاف على ديني. يا ربي أنا بذلت واجتهدت، لكن يا ربي طاقتي بدأت تنتهي، أني مسني الضر، يعني أخاف أن يأتي بلاء بعد هذا البلاء هو ما يقوى عليه، فيظهر شيء هو ما يحبه.
ما أستطيع، كما قال يوسف عليه السلام: ﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ﴾ [يوسف: 33]. يا ربي أنا أبذل وأجتهد، والله يحب من العبد هذا الصبر وهذه المصابرة وإظهار، لكن كذلك ما يتعلق بجهده، إنما الله يريد منه أن يبذل: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ [مريم: 25]، لازم تهز. اركض برجلك، ابذل سبب، واجتهد، ثم استسلم لله سبحانه وتعالى. ويبدل، يبدل حتى بعد ما يبدل كل الذي يستطيع عليه، يقول: يا ربي هذه طاقتي، يا ربي لا تفتني، لا تجعلني أشقى خلقك، يا ربي ثبتني، يا ربي لا تزغ قلبي.
وأيوب عليه السلام وصل إلى هذا: ربي أني مسني الضر، إذ نادى ربه أني مسني الضر، يا ربي أنا وصلت إلى حال أنت أعلم به، وأنا يا ربي أكشف لك حالي، وأنت أعلم مني بحالي، ولكن هذا الافتقار يحب الله سبحانه وتعالى، ويعرف كيف يتعامل مع الله سبحانه وتعالى، يعرف كيف ينادي ربه. لما يظهر العبد افتقار إلى الله سبحانه وتعالى، هنا الله سبحانه وتعالى ينتشل هذا العبد. الله ما يحب من العبد أن يظهر عزته معه، أن يظهر قوته معه، أظهر قوتك وعزتك مع غير الله، لكن مع الله أته بكامل ضعفك، كما خلقك الله، وكما أنت على وجه الحقيقة.
هنا قال: أني مسني الضر، اعتراف، تذلل، انكسار، هذه العبودية التي يتميز بها الأنبياء وجميع العبوديات يتميز بها. لكن هذا الباب هذا خاص للأنبياء وللصفوة من أتباع الأنبياء، هذا الباب ليس للجميع، وهذا الباب بالأصل هو عطية من الله، هذا باب وهبي، ولكن هناك أسباب تبذل، ولكن هو في نهاية هذا الباب أو الوصول إلى دخوله وفتح الباب لا، هذه كرامة. الناس ممكن يصلون يصومون يعملون، لكن ينكسرون لله ما يكون انكسار كلامي، لأن انكسار كلامي سهل، تأتي بكلام قيم كلام فلان وتقول هذا سهل، لكن بالحقيقة وصل إلى القلب وإلا ما وصل. طيب هو كيف يصل إلى القلب؟ لما يكون مثل أيوب عليه السلام.
لما يكون مثل أيوب عليه السلام، هنا الله يكشف الآن لخطاب للنبي عليه الصلاة والسلام، خطاب لأتباع الأنبياء، الآن انظروا كيف صورة الأنبياء انتقلت فينا من الكفار وحال الكفار وما يقول الكفار إلى أن يعيش النبي عليه الصلاة والسلام والصحابة في عالم آخر. هذه الصناعة القرآنية الفريدة العجيبة، الشخص ما يعيش يعني ما يجعل واقعه الضيق يحصر عالم الغيب الواسع، وهنا لما يكبر عنده هذا الباب العيش مع الأنبياء، العيش مع أيوب مع سليمان مع داوود مع إبراهيم مع نوح مع لوط مع أنبياء الله، واقعه ما يكسره، ما يحصره، إنما هو يخرج من هذا العالم كله، خلاص هذه الساعات وخرج فيها، الآن هو يعيش في روحانية سماوية عالية، الروح الآن تعيش، فكل مشاكله كل همومه كل هذه لم تعد حاضرة عنده، ولما يرجع إليها يرجع إليها ويحجمها، ما تأخذ أكبر من حجمها، ما تشغله. لماذا؟ لأنه هو عنده شيء أكبر من هذا أشغله، عنده شيء أعظم من هذا أشغله.
في البداية اقتربت في بداية هذه السورة الله سبحانه وتعالى يذكر باقتراب الساعة وأن الناس في غفلة، فالقصد من ذلك أن هنا الإنسان لما يعيش بهذه الطريقة يبدأ هذا الباب عنده ويضمر عنده باب الدنيا والعيش مع الدنيا أو حتى المشاكل الدنيوية، بل حتى نفس دعوته التي بها مصادمة مع الكفار ما تأخذ من قلبه شيء كبير. ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مَّعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء: 1]، خلاص يعيش الآن عالم آخر. ثم يأتي الآن عيش الأنبياء وعبودية الأنبياء، لم تعد الآن الدنيا ضامرة وتصاغرت حتى أخذت حجمها الطبيعي، وأخذ العيش مع هذا العالم حجم كبير الذي الإنسان يعيش فيه، يعني في عامة يوم أو أكثر حياته بالوضع الطبيعي. طبعاً ليس العيش من غير تطبيق، لا، تطبيق، لكن المشاكل التطبيقية هذه ما تكون كبيرة عنده لأن هذا الباب كبير عنده.
وأيوب إذ نادى ربه أني مسني الضر. ثم انظر الآن إلى الاسم الذي اختاره نبي الله المعلم، قال: ﴿وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأنبياء: 83]. الله أكبر، يعني الآن هو أظهر كامل افتقاره لله سبحانه وتعالى وقال إذ نادى ربه توحيد لله سبحانه وتعالى، ثم قال وأنت أرحم الراحمين. أرحم الراحمين كيف سيتعامل معه؟ أرحم الراحمين الذي يدعوه العبد بهذه الصورة، صبر عظيم جداً حتى ضرب به المثل عبر التاريخ. ويقول أني مسني الضر مع هذا الصبر افتقار كبير لله سبحانه وتعالى، ثم يتملق الله سبحانه وتعالى ويسأله بهذا الاسم العظيم وأنت أرحم الراحمين.
الإجابة ستكون مباشرة فورية: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِم من ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ﴾ [الأنبياء: 84]. فاستجبنا له مباشرة، رفع الله سبحانه وتعالى عنه هذا البلاء هذا الضر، فكشفنا ما به من ضر وآتيناه أهله ومثلهم معهم، رحمة من عندنا وذكرى للعابدين. هذه كلها رحمة من الله سبحانه وتعالى لهذا النبي الكريم الصابر المحتسب. وقال: وذكرى للعابدين. وفي سورة ص قال: وذكرى لأولي الألباب. وهنا قال: أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين. هناك قال: أني مسني الشيطان بنصب وعذاب، هناك تأدب مع الله سبحانه وتعالى بنسبة المرض والعذاب أو البلاء لشيطان، وهنا تملق الله سبحانه وتعالى.
الله يريد من العبد أن يقول مثل هذه العبارات بعد البلاء. يعني الله لما يبتلي عبده صالحاً، هو ليس القصد من البلاء أن العبد يعذب، لا أبداً، حاشا لله سبحانه وتعالى، إنما القصد منه أن ينقى، أن يصفى، وأن تصدر منه هذه الكلمات الإيمانية، أن يفهم العبد الحكمة من هذا البلاء. فلما يقع عليك بلاء معين وتقول: لماذا؟ الله يريد منك كلمات، افهم، الله يريد منك كلمات معينة تقولها، أنت ما قلتها إلى الآن، ما زلت مقصراً في الدعاء، ما زلت ما هديت إلى الحكمة من هذا البلاء.
فالله يريد منك أن تقول: أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين. لكن قلها، لا تقولها كلام لساني، إنما قلها كلام قلبي، يعني هذه الكلمات حاول هكذا أنك تعيش معها، حتى يفتح الله سبحانه وتعالى عليك. قال: فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضر وآتيناه أهله ومثلهم معه. هو الآن سأل الله، هو لم يسأل الله سؤالاً مباشراً، إنما تملق الله، ذكر الله، الله سبحانه وتعالى أعطاه فوق الذي يريد، قال: فكشفنا ما به من ضر وآتيناه أهله ومثلهم معهم.
آتيناه أهله قيل أولاده الذين ماتوا أحياهم الله، وقيل إن الله سبحانه وتعالى أعطاه أولاداً مثلهم، أولاد هؤلاء كلهم في الجنة الأوائل. القصد من ذلك أن الله سبحانه وتعالى أعطاه فوق الذي طلب، أو فوق الذي قصد. فالله لم يكشف فقط عنه ضر، بل مع كشف الضر الله سبحانه وتعالى قال: وآتيناه أهله ومثلهم معهم، رحمة من عندنا وذكرى للعابدين. المال أصبح يتساقط عليه من السماء، حتى أصبح أيوب عليه السلام يجمع المال، حتى أصبح أيوب عليه السلام يجمع المال بثوبه، ينزل عليه المال مثل الجراد، من الذهب، مثل الجراد من الذهب ينزل عليه بصورة جراد من الذهب من السماء.
فالله يقول: يا أيوب، ألم أكن أغنيتك عما ترى؟ قال: بلى يا ربي، ولكن لا غنى لي عن بركتك يا رب، لا غنى لي عن بركتك يا رب. فأكرمه الله بالمال وأكرمه الله سبحانه وتعالى بالأبناء، ثم قال الله: وذكرى للعابدين. يعني هذا البلاء جعل الله أيوب عليه السلام هو النبراس، هو النموذج الذي يتذكر الإنسان لما يبتلى. وحتى ما يظن الولي، ما يظن العبد الصالح لما الله يبتليه بالمرض أو بالسجن أو بفقد الأحباب أن هذه عقوبة، لا، الله يحب أوليائه، لكن الله يبتليهم حتى يقربهم، الله يبتليهم حتى يوصلهم إلى المراتب العالية.
وهذه ذكرى، ذكرى لهذا القسم من الناس أن الله لما يبتلي الولي ليس هذا البلاء هنا بلاء إسقاط، إنما هو بلاء رفع، إنما هو بلاء رفع. قد يتشابه الأمر عند عامة الناس لكنه ليس بهذه الطريقة، إنما هذا الإنسان الله يحبه، فلما أحب الله سبحانه وتعالى جعله يسلك هذا الطريق، طريق الأنبياء، ويصيبه ما يصيب الأنبياء. قال: رحمة من عندنا وذكرى للعابدين.
ثم قال الله: ﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلِّ مِّنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنبياء: 85]. إسماعيل ابن إبراهيم عليهم السلام، وإدريس نبي من أنبياء الله سبحانه وتعالى، والله سبحانه ذكر هنا وذكر في سورة مريم، إذ قال هناك: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ [مريم: 57]، وصفه بأنه كان صديقاً نبياً. قال: وإسماعيل وإدريس وذا الكفل. العلماء اختلفوا في ذي الكفل، منهم من يقول بأنه نبي، ومنهم من يقول بأنه ولي صالح، لكن الذي يظهر أنه نبي لأنه في سياق الأنبياء. قال: وإسماعيل وإدريس وذا الكفل كل من الصابرين، أثنى الله على هؤلاء الثلاثة بهذه العبودية، عبودية الصبر، أن هؤلاء صبروا، صبروا على ماذا يا ربي؟ صبروا على طاعة الله، وصبروا عن معصية الله، وصبروا على أقدار الله التي كانت تنزل وتحل بهم.
فالقصد إبراز نفس عبادة الأنبياء، الآن نحن في سياق إبراز عبادة الأنبياء، وليس تفصيل ذكر قصص الأنبياء، إنما إبراز هذه الميزة في هؤلاء الأنبياء. ﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ ۖ كُلٌّ مِّنَ الصَّابِرِينَ * وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُم مِّنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الأنبياء: 85-86]. قيل في نبوتنا، وقيل في الجنة، القصد أن الله سبحانه وتعالى امتن على هؤلاء بأن رحم هؤلاء، فمن عليهم بالصبر، ومن عليهم كذلك بالشكر، ومن عليهم بالمراتب العالية، ومن الله عليهم بالاستعمال. وأدخلناهم في رحمتنا إنهم من الصالحين.
ثم انتقل الآن الحديث عن نبي آخر، قال الله: ﴿وَذَا النُّونِ إذ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ﴾ [الأنبياء: 87]. وذا النون أي صاحب الحوت، والمقصود به نبي الله يونس عليه السلام.
فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ. قِصَّةُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ فُصِّلَتْ فِي سُوَرٍ أُخْرَى، وَلَكِنْ هُنَا تَمَّ إِبْرَازُ مَا فَعَلَهُ يُونُسُ عَلَيْهِ السَّلَامُ. قِصَّةُ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أُبْرِزَتْ فِي قِصَصٍ أُخْرَى، وَلَكِنْ هُنَا تَمَّ إِبْرَازُ عِبَادَةِ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَلَكِنْ عِبَادَةُ يُونُسَ كَانَ قَبْلَهَا شَيْءٌ. الشَّيْءُ هَذَا هُوَ أَنَّهُ خَرَجَ مُغَاضِبًا لِقَوْمِهِ؛ يَعْنِي هُوَ مَا اسْتَمَرَّ، مَا صَبَرَ، صَبَرَ إِلَى أَنْ بَقِيَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، أَوْ مُدَّةً يَسِيرَةً، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ خَرَجَ؛ غَضِبَ وَخَرَجَ. وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ، ظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ، أَيْ أَنْ لَنْ نُضَيِّقَ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ مِنَ الْقُدْرَةِ، إِنَّمَا هُنَا الْمَقْصُودُ وَأَنْ لَنْ نَقْدِرَ، أَيْ أَنْ لَنْ نُضَيِّقَ عَلَيْهِ.
خَرَجَ يُونُسُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، تَرَكَ هَؤُلَاءِ، كَيْفَ يَعْصُونَ اللَّهَ، كَيْفَ لَا يَسْتَجِيبُونَ لِدَعْوَتِهِ؟ وَأَخَذَ يَدْعُوهُمْ قِيلَ ثَلَاثُونَ سَنَةً وَهُوَ يَدْعُوهُمْ، حَتَّى لَمَّا بَقِيَ شَيْءٌ يَسِيرٌ، يُونُسُ عَلَيْهِ السَّلَامُ خَرَجَ، وَتَرَكَ هَؤُلَاءِ حَتَّى يَدْعُوَ غَيْرَهُمْ، حَتَّى يَذْهَبَ إِلَى أَقْوَامٍ آخَرِينَ. هَذَا الْخُرُوجُ هَلْ كَانَ بِإِذْنٍ مِنَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَوْ لَيْسَ بِإِذْنٍ؟ قَالَ: لَمْ يَكُنْ بِإِذْنٍ. لَكِنِ انْتَبِهْ أَيُّهَا الدَّاعِي، انْتَبِهْ أَيُّهَا النَّبِيُّ؛ هَذَا خِطَابٌ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، أَنَّ صِرَاعَكَ مَعَ قَوْمِكَ يَحْمِلُكَ عَلَى الْخُرُوجِ مِنْ غَيْرِ إِذْنٍ، أَوْ أَنْ تْتْرُكَ الدَّعْوَةَ! لَا، اسْتَمِرَّ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، فَإِنَّ الدَّاعِيَ أَحْيَانًا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَدْعُوَ هَؤُلَاءِ، لَكِنْ يَدْعُو مَرَّةً مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يَقُولُ لَا خَلَاصَ، مَا أَدْعُو؛ لَا تَدْعُ، إِلَى مَتَى؟ حَتَّى يَشَاءَ اللَّهُ.
مَتَى أَنْتَقِلُ؟ أَقُولُ لَكَ: هَذِهِ حِسْبَةٌ أُخْرَى، هَلِ الِانْتِقَالَ هَذَا لَهُ تَقْدِيرٌ؟ وَتَقْدِيرٌ لَعَلَّهُ يَكُونُ فِي مَوَاطِنَ أُخْرَى، لَكِنْ قَصْدِي الْآنَ فَقَطْ حَتَّى لَا نَخْرُجَ عَنْ سِيَاقِ الْآيَاتِ، بِأَنَّ النَّبِيَّ يَدْعُو، وَالدَّاعِيَ يَدْعُو كَذَلِكَ فِي الْمَكَانِ الَّذِي يَكُونُ مَوْجُودًا فِيهِ، هُوَ مَا عِنْدَهُ إِلَّا هَذَا الْمَكَانُ، خَلَاصَ تَدْعُو فِي هَذَا الْمَكَانِ، نَحْنُ مَا عِنْدِلَا وَعْيٌ. فَهُنَا الصُّورَةُ أَنَّ الشَّخْصَ لَمَّا لَا يَكُونُ عِنْدَهُ مَكَانٌ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَدْعُوَ إِلَى اللَّهِ مِنْ خِلَالِهِ إِلَّا هَذَا الْمَكَانِ، اسْتَمِرَّ فِي الدَّعْوَةِ فِي هَذَا الْمَكَانِ، حَتَّى مَتَى؟ حَتَّى يَأْذَنَ اللَّهُ، حَتَّى يَأْتِيَ قَدَرُ اللَّهِ، أَوْ يَفْتَحَ لَكَ بَابًا آخَرَ.
مَا فَتَحَ؟ خَلَاصَ أَدْعُو، تَقُولُ مَا يَسْتَجِيبُونَ؟ أَقُولُ لَكَ: اسْتَمِرَّ، النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَمْ سَنَةً يَدْعُو إِلَى اللَّهِ؟ مَا تَدْرِي، مُمْكِنِ الْمَرَّةُ الْمِئَةُ يَسْتَجِيبُونَ، مُمْكِنِ الْمَرَّةُ المِئَةُ وَعِشْرُونَ يَسْتَجِيبُونَ، مُمْكِنِ الْمَرَّةُ الْأَلْفُ يَسْتَجِيبُونَ، مَا تَدْرِي، الْقُلُوبُ هَذِهِ مَا تَدْرِي مَتَى تُفْتَحُ، هَذِهِ عِنْدَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، إِنَّمَا أَنْتَ عَبْدٌ فَبَلِّغْ كَمَا يُرِيدُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مِنْكَ أَنْ تُبَلِّغَ؛ يَعْنِي اللَّهُ هُنَا يُرِيدُ مِنْكَ الصَّبْرَ، يُرِيدُ مِنْكَ الثَّبَاتَ، هَذِهِ هِيَ الْعِبَادَةُ الَّتِي يُرِيدُهَا اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، أَمَّا هِدَايَةُ النَّاسِ هَذِهِ لَيْسَتْ لَكَ، هَذَا لِلَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، مِنَ الْبِدَايَةِ اعْتَقِدْ هَذَا، اعْتَقِدْ لَيْسَ كَلَامَ ظَنٍّ أَوْ اعْتِبَارَ عِبَارَةِ ظَنٍّ، لَا، اجْعَلْهُ عَقِيدَةً أَنَّ قُلُوبَ النَّاسِ لَيْسَتْ لِي، أَنَا مَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَهْدِيَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، فَمَا أَدْخُلُ زِيَادَةً عَنْ اللَّزُومِ فِي هَذِهِ الدَّائِرَةِ، بَلْ مَا أَدْخُلُ فِيهَا أَبَدًا إِلَّا فِي التَّقْدِيرِ أَنِّي كَيْفَ أَدْعُو بَسْ، كَيْفَ أَدْعُو، كَيْفَ أُخَطِّطُ مِثْلَ مَا خَطَّطَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، كَيْفَ أُقَدِّرُ، لَكِنْ نَفْسُ فَتْحِ الْقَلْبِ هَذَا لَيْسَ لِي، هَذَا عِنْدَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.
حَتَّى مَا نَرْبِطَ دَعْوَتَنَا دَائِمًا بِاسْتِجَابَةِ النَّاسِ، مَا نَرْبِطَ دَعْوَتَنَا دَائِمًا بِتَأَثُّرِ النَّاسِ، هَذَا التَّأَثُّرُ لَيْسَ لَنَا، وَحَتَّى نَضْبُطَ الْمَوَازِينَ، لِيَكُونِ الْهَمُّ الْأَكْبَرُ عِنْدَنَا: هَلْ أَنَا دَعَوْتُ؟ يَعْنِي تَمُرُّ عَلَى شَخْصٍ تَنْصَحُهُ، تُنْكِرُ عَلَيْهِ مَا يَرُدُّ عَلَيْكَ، طَيِّبِ الْآنَ تَقُولُ بَيْنَكَ وَبَيْنَ نَفْسِكَ: لَوْ مَا أَنْكَرْتُ عَلَيْهِ أَحْسَنُ؟ خَطَأٌ، لَا، إِنْكَارُكَ هَذَا هُوَ الْأَجْرُ لَكَ، حَتَّى لَوْ مَا اسْتَجَابَ، هَذَا اسْتَجَابَ هَذَا زِيَادَةٌ، يَعْنِي هَذِهِ لَيْسَتْ لَنَا. تَمُرُّ عَلَى شَخْصٍ وَاقِعٍ فِي مَعْصِيَةٍ تَقُولُ: يَا أَخِي مَا يَجُوزُ، مَا دَخْلُكَ يَقُولُ لَكَ! هُنَا أَنْتَ تَقُولُ: لَيْتَنِي مَا دَعَوْتُهُ، لَوْ أَنِّي مَا دَعَوْتُهُ أَفْضَلُ، مُصِيبَةٌ! لَا، دَعْوَتُكَ هَذِهِ هِيَ الْآنَ فُزْتَ. تَمُرُّ عَلَى شَخْصٍ تَقُولُ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، مَا يُسَلِّمُ عَلَيْكَ، مَا يَرُدُّ السَّلَامَ، تَقُولُ: إِذًا خَلَاصَ لَنْ أُسَلِّمَ مَرَّةً ثَانِيَةً عَلَى أَحَدٍ! أَقُولُ لَكَ: أَنْتَ الْآنَ أَخَذْتَ الْأَجْرَ، هُوَ رَدَّ أَوْ مَا رَدَّ هَذَا لَيْسَ لَكَ، أَنْتَ الْآنَ فَعَلْتَ، اجْعَلْ تَفْكِيرَكَ هَكَذَا، هَذَا هُوَ الْأَكْبَرُ.
إِذَا عَكَسْنَا الْعَمَلِيَّةَ وَجَعَلْنَا اسْتِجَابَةَ النَّاسِ هِيَ الْأَصْلَ، وَبَذَلْنَا وَعَمِلْنَا هَذَا تَابِعٌ لِاسْتِجَابَةِ النَّاسِ، أَقُولُ لَكَ هُنَا خَسِرْنَا كَثِيرًا مِنَ الْأَعْمَالِ؛ لِأَنَّ الْعَمَلَ مِعْيَارُ النَّجَاحِ فِيهِ هُوَ الصِّدْقُ مَعَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَالْإِخْلَاصُ وَبَذْلُ الْمُسْتَطَاعِ بَسْ، مَا يَأْتِي بَعْدَ ذَلِكَ يَحْضُرُ دَرْسٌ وَاحِدٌ أَلْفٌ عَشَرَةُ آلَافٍ يَسْتَفِيدُ مَا يَسْتَفِيدُ هَذَا لَيْسَ لَكَ. الْمِعْيَارُ الْأَوَّلُ -وَقَلِيلٌ وَاللَّهِ مِنَ النَّاسِ مَنْ يُحْسِنُ تَطْبِيقَ هَذَا الْعَمَلِ- هَذِهِ كَرَامَةٌ كَذَلِكَ؛ لِمَ النَّاسُ دَائِمًا يَتَعَلَّقُونَ بِهِدَايَةِ النَّاسِ، يَتَعَلَّقُونَ بِأَثَرِ النَّاسِ؟ هَذَا الْأَثَرُ لَيْسَ لَكَ، مُمْكِنِ مَا يَتَأَثَّرُ أَحَدٌ، يَأْتِي نَبِيٌّ وَلَيْسَ مَعَهُ وَاحِدٌ، مُمْكِنِ تَعْمَلُ بَرْنَامَجًا وَبَرْنَامَجًا وَبَرْنَامَجًا وَتَبْذُلُ وَتَجْتَهِدُ وَتَنْصَحُ وَمَعَ ذَلِكَ مَا خَلَاصَ، أَجْرُكَ مَرْصُودٌ كُلُّ يَوْمٍ هَذَا فِيهِ أَجْرٌ، كُلُّ يَوْمٍ أَجْرٌ. اللَّهُ لَوْ أَرَادَ هِدَايَةَ النَّاسِ لَهَدَاهُمْ مِنْ غَيْرِكَ، اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لَوْ كَانَ يُرِيدُ أَنْ يَهْدِيَ جَمِيعَ النَّاسِ، اللَّهُ يُرِيدُ إِقَامَةَ الْحُجَّةِ، أَمَّا الْهِدَايَةُ لَيْسَتْ لَكَ، لَكِنَّ اللَّهَ يُرِيدُ مِنَّا أَنْ نُقِيمَ الْحُجَّةَ، إِقَامَةُ الْحُجَّةِ هِيَ الْمَقْصُودَةُ بِالْأَصْلِ ثُمَّ تَأْتِي بَعْدَ ذَلِكَ الْهِدَايَةُ، لِذَلِكَ جَاءَتِ الْآيَاتُ الْقُرْآنِيَّةُ كَثِيرَةً فِي بَيَانِ هَذَا الْمَعْنَى لِلصَّالِحِينَ: ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [الرعد: 31]، هُوَ لَوْ يَشَاءُ لَأَنْزَلَ عَلَيْهِمْ آيَةً مِنَ السَّمَاءِ فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ.
فَاللَّهُ لَوْ أَرَادَ لَهَدَى النَّاسَ مِنْ غَيْرِ دَعْوَةٍ وَيُلْزِمُهُمْ إِلْزَامًا، لَكِنْ هَذِهِ لَيْسَتْ هِيَ الْمَقْصُودَةَ، إِنَّمَا الْمَقْصُودُ هُوَ الدَّاعِي يُبَلِّغُ، إِقَامَةُ الْحُجَّةِ، لَيْسَ أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ الْعُذْرُ مِنَ اللَّهِ، اللَّهُ يُرِيدُ: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: 6]، اللَّهُ يُرِيدُ مِنْكَ هَذَا، أَنَّكَ تُبَلِّغُ الرِّسَالَةَ وَتُقِيمُ الْحُجَّةَ، هَذَا هُوَ الْمِعْيَارُ الْأَصْلُ، بِالْأَصْلِ لَيْسَ الْعَكْسُ خَطَأٌ، عَكْسُ هَذِهِ الْمَعَايِيرِ وَانْقِلَابُهَا تَجْعَلُ الشَّخْصَ لَا يَعْمَلُ بِطَرِيقَةٍ صَحِيحَةٍ، وَتَجْعَلُ الْمُشْكِلَةَ الْأَكْبَرَ أَنَّ تَقْدِيرَهُ كُلَّهُ يَكُونُ خَطَأً، وَدَعْوَتَهُ تَكُونُ غَيْرَ عَلَى سُنَنٍ وَعَلَى نَهْجِ الْأَنْبِيَاءِ.
هَذِهِ الْمَعَايِيرُ لَا بُدَّ أَنْ نَأْخُذَهَا مِنْ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ، وَنَعْرِفَ كَيْفَ نُقِيمُ الدِّينَ وَكَيْفَ نُطَبِّقُ الْعُبُودِيَّةَ، وَنُحَقِّقَ الْعُبُودِيَّةَ كَمَا يُحِبُّ اللَّهُ مِنَّا أَنْ نُحَقِّقَ. الْآنَ هَذِهِ الْآيَةُ نَزَلَتْ فِي مَكَّةَ تَنْزِلُ عَلَى النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ تُبَيِّنُ لَهُ بِأَنَّ هَذَا لَيْسَ لَكَ، إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ مَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا أَحَدٌ، أَخَذُوهُ أَرَادُوا أَنْ يُحْرِقُوهُ بِالنَّارِ، مَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا لُوطٌ بَسْ، نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ مَا آمَنَ إِلَّا قَلِيلٌ، وَانْظُرِ الْبَلَاءَ الْكَبِيرَ الَّذِي وَقَعَ عَلَيْهِ، لُوطٌ مَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا ابْنَتَاهُ بَسْ، بَقِيَ قَوْمُهُ كُلُّهُمْ مَا آمَنُوا. لِمَاذَا يَدْعُو لُوطٌ؟ يَدْعُو لُوطٌ حَتَّى تُقَامَ الْحُجَّةُ، كَذَلِكَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ مَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ، وَهَكَذَا.
فَهُنَا أَيُّوبُ عَلَيْهِ السَّلَامُ تَرَكُوهُ، مَا بَقِيَتْ مَعَهُ إِلَّا زَوْجَتُهُ، حَتَّى زَوْجَتُهُ يَعْنِي وَقَعَ مِنْهَا شَيْءٌ جَعَلَ نَبِيَّ اللَّهِ أَيُّوبَ يَغْضَبُ حَتَّى يَعْلَمَ بِأَنَّي يَضْرِبُهَا مِئَةَ ضَرْبَةٍ. وَلَنْ نَأْتِيَ إِلَى يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلَامُ؛ يُونُسُ مَا الَّذِي فَعَلَهُ؟ خَرَجَ. لَا، هُنَا لَا يَنْبَغِي لَكَ أَنْ تَفْعَلَ هَذَا، لِذَلِكَ قِصَّةُ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا تُبْرَزُ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ تُبْرَزُ بِمَعْنَيَيْنِ؛ مَعْنَى أَنَّكَ لَا تَقْتَدِي بِنُوحٍ: ﴿وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ﴾ [القلم: 48]، لَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ؛ يَعْنِي لَا تَفْعَلْ فِعْلَ صَاحِبِ الْحُوتِ، لَا تَخْرُجْ مِنْ غَيْرِ إِذْنِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، لَا تَفْعَلْ شَيْئًا اللَّهُ مَا يُرِيدُهُ، لَا تَدْخُلْ فِي دَائِرَةِ الْقَدَرِ هَذِهِ لَا تَقْتَرِبْ مِنْهَا، عَلَيْكَ تَسْلِمْ لِلَّهِ. وَإِبْرَازُ عُبُودِيَّةِ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلَامُ.
وَحَتَّى مَا يَفْهَمْ شَخْصٌ هَذَا الْمَعْنَى خَطَأً لَمَّا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ، بَيَّنَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِأَنَّهُ: «لَا يَنْبَغِي لِعَبْدٍ أَنْ يَقُولَ أَنَا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى»، فيُونُسُ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، أَفْضَلُ مِنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، أَفْضَلُ مِنْ بَقِيَّةِ الْأَصْحَابِ؛ لِأَنَّهُ نَبِيٌّ، لَكِنْ إِبْرَازُ هَذَا الْمَعْنَى، يُونُسُ عَلَيْهِ السَّلَامُ صَاحِبُ عِبَادَةٍ عَظِيمَةٍ، لَكِنْ هُنَا لَمَّا وَقَعَ فِي هَذَا الْأَمْرِ، هُنَا اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَمَرَ الْحُوتَ بِأَنْ يَلْتَهِمَهُ، فَالْتَهَمَهُ الْحُوتُ وَقَالَ اللَّهُ: ﴿وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ [الصافات: 142]، أَيْ هُوَ مُلَامٌ عَلَى مَا فَعَلَ؛ لِأَنَّهُ خَرَجَ مِنْ غَيْرِ إِذْنٍ مِنَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ، لَكِنِ الْمَقْصُودُ الآنَ فِي هَذَا السِّيَاقِ لَيْسَ إِبْرَازَ هَذَا، إِنَّمَا الْمَقْصُودُ الْآنَ إِبْرَازُ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ، هَذَا هُوَ الْمَقْصُودُ.
هُوَ الآنَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَمَرَ الْحُوتَ بِأَنْ يَلْتَهِمَهُ، فَالْتَهَمَهُ الْحُوتُ، ظُلْمَةُ اللَّيْلِ وَظُلْمَةُ الْبَحْرِ وَظُلْمَةُ بَطْنِ الْحُوتِ. هُنَا الْآنَ يُونُسُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي مَكَانٍ كَيْفَ يَخْرُجُ مِنْهُ؟ الآنَ يُونُسُ كَيْفَ يَخْرُجُ؟ انْظُرُوا إِلَى فَهْمِ الْأَنْبِيَاءِ وَإِلَى تَمَلُّكِ الْأَنْبِيَاءِ. الآنَ الْوَاحِدُ مِنَّا يُخْطِئُ، أَحْيَانًا يُخْطِئُ فِي دَعْوَتِهِ، أَحْيَانًا يُخْطِئُ فِي عِبَادَتِهِ، أَحْيَانًا يُخْطِئُ فِي تَعَامُلِهِ مَعَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، يَقَعُ فِي ذُنُوبٍ وَعِصْيَانٍ، قَدْ يَقَعُ بِكَبِيرَةٍ أَحْيَانًا، وَقَدْ يَقَعُ بِذَنْبٍ كَبِيرٍ فَيَشُقُّ عَلَيْهِ هَذَا. طَيِّبِ الآنَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مُمْكِنِ يَكُونُ غَضِبَ مِنْكَ، غَضِبَ مِنْكَ وَمُمْكِنِ تُسْلَبُ مِنْكَ الْحِمَايَةُ وَالْوِلَايَةُ فَتَقَعُ بِذُنُوبٍ أُخْرَى بَعْدَ هَذَا الذَّنْبِ. مَاذَا تَفْعَلُ؟ افْعَلْ كَمَا فَعَلَ يُونُسُ عَلَيْهِ السَّلَامُ.
إِيشْ سَوَى يُونُسُ عَلَيْهِ السَّلَامُ؟ قَالَ: قَامَ وَصَلَّى فِي بَطْنِ الْحُوتِ، انْظُرُوا! صَلَّى فِي بَطْنِ الْحُوتِ وَعَبَدَ اللَّهَ فِي مَكَانٍ مَا عَبَدَ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِيهِ أَحَدٌ غَيْرُ يُونُسَ، وَأَخَذَ يُونُسُ يَذْكُرُ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، انْظُرُوا الآنَ إِلَى مَا يَقُولُهُ النَّبِيُّ: كَيْفَ الْآنَ الْعَبْدُ يَتَمَلَّقُ لَهُ؟ كَيْفَ الْآنَ الْعَبْدُ يُزِيلُ عَتَبَ اللَّهِ عَلَيْهِ؟ كَيْفَ يُزِيلُ الْعَبْدُ غَضَبَ اللَّهِ أَوْ عَتَبَ اللَّهِ عَلَيْهِ؟ قَالَ: فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ: مَاذَا قَالَ يُونُسُ؟ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ.
كَلِمَةُ التَّوْحِيدِ، قَالَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ: يَا رَبِّ عَلِّمْنِي دُعَاءً أَدْعُوكَ بِهِ وَأَذْكُرُكَ بِهِ. فَقَالَ: قُلْ يَا مُوسَى: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. فَقَالَ: يَا رَبِّ كُلُّ عِبَادِكَ يَقُولُونَ هَذَا. قَالَ: يَا مُوسَى لَوْ أَنَّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعَ وَعَامِرَهُنَّ غَيْرِي وَالْأَرَاضِينَ السَّبْعَ فِي كِفَّةٍ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فِي كِفَّةٍ، مَالَتْ بِهِنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. كَلِمَةٌ عَظِيمَةٌ! كَلِمَةٌ عَظِيمَةٌ! الْإِيمَانُ يَخْلَقُ فِي جَوْفِ الْإِنْسَانِ، يَخْلَقُ كَمَا يَخْلَقُ وَشْيُ الثَّوْبِ، فَقَالَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «أَكْثِرُوا مِنْ قَوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ»، أَكْثِرُوا إِنَّ الْإِيمَانَ لَيَخْلَقُ فِي جَوْفِ أَحَدِكُمْ. مَاذَا نَفْعَلُ؟ اسْأَلِ اللَّهَ أَنْ يُجَدِّدَ الْإِيمَانَ فِي قُلُوبِكُمْ، جَدِّدُوا الْإِيمَانَ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا نَصْنَعُ؟ قَالَ: «أَكْثِرُوا مِنْ قَوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ»، هَذِهِ كَلِمَةُ التَّوْحِيدِ عَظِيمَةٌ عَظِيمَةٌ.
هُنَا قَالَ هَذِهِ الْكَلِمَةَ يُونُسُ، يَعْرِفُ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يُحِبُّ هَذِهِ الْكَلِمَةَ، وَيَعْرِفُ أَنَّ هَذِهِ الْكَلِمَةَ هِيَ أَعْظَمُ مَا يَقُولُهَا الْإِنْسَانُ، لِذَلِكَ اللَّهُ اخْتَارَ آيَةَ الْكُرْسِيِّ حَتَّى تَكُونَ أَعْظَمَ آيَةٍ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، وَعَظَّمَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مِنْ شَأْنِ سُورَةِ الْإِخْلَاصِ لِأَنَّهَا صِفَةُ الرَّبِّ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وَجَاءَ فِي بَعْضِ الْآثَارِ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تَقْرَأُ سُورَةَ الْإِخْلَاصِ حَتَّى يَزُولَ غَضَبُ الرَّبِّ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، اللَّهُ يَغْضَبُ غَضَبًا شَدِيدًا فَتَقْرَأُ الْمَلَائِكَةُ هَذِهِ السُّورَةَ وَلَمْ تَزَلْ مَعَكَ تَقْرَأُهَا حَتَّى يَذْهَبَ هَذَا الْغَضَبُ.
فَالْقَصْدُ مِنْ هَذَا أَنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يَقَعُ فِي الذُّنُوبِ وَالْمَعَاصِي وَيُسْلَبُ شَيْءٌ مِنَ الْكَرَامَةِ، تَفُوتُهُ بَعْضُ الْعِبَادَاتِ، يَخَافُ هَذَا الْإِنْسَانُ أَنْ يَكُونَ قَدْ سَقَطَ مِنْ عَيْنِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، فَمَاذَا يَفْعَلُ؟ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ هِيَ الْعِلَاجُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ هِيَ الْكَلِمَةُ الَّتِي تُرْضِي اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَتُعِيدُ هَذَا الْعَبْدَ إِلَى مَقَامٍ أَعْلَى مِنَ الْمَقَامِ الْأَوَّلِ، تُعِيدُ الْعَبْدَ إِلَى مَقَامٍ أَعْلَى مِنْ مَقَامٍ. فَالْإِنْسَانُ قَدْ يُبْتَلَى، قَدْ يُخْطِئُ، قَدْ يُقَصِّرُ، طَيِّبِ مَاذَا نَفْعَلُ؟ قُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، ثُمَّ قُلْ سُبْحَانَكَ، سُبْحَانَكَ أَيْ تَنْزِيهٌ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، مَنْ أَنَا حَتَّى أَعْصِيَكَ يَا رَبِّ؟ مَنْ أَنَا حَتَّى أَفْعَلَ هَذَا الْفِعْلَ؟ يَعْنِي إِظْهَارٌ لِلِافْتِقَارِ وَتَعْظِيمٌ؛ سُبْحَانَكَ كَلِمَةُ تَسْبِيحٍ فِيهَا تَعْظِيمٌ وَتَنْزِيهٌ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَتَنْزِيهٌ لَهُ عَمَّا لَا يَلِيقُ بِهِ، سَوَاءٌ كَانَ مِنَ الْأَقْوَالِ الَّتِي يَقُولُهَا الْعِبَادُ أَوْ مِنَ الْأَفْعَالِ الَّتِي يَفْعَلُهَا الْعِبَادُ.
لِذَلِكَ اسْتُحِبَّ التَّسْبِيحُ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا، وَالتَّسْبِيحُ قَدْ يَكُونُ بِالصَّلَاةِ وَيَكُونُ التَّسْبِيحُ بِطَبْعِنَا صَلَاةِ الْفَجْرِ أَوْ صَلَاةِ الْعَصْرِ، أَوْ يَكُونُ تَسْبِيحَ ذِكْرٍ: سُبْحَانَ اللَّهِ. لِمَاذَا؟ لِأَنَّ هُنَا بَعْضَ النَّاسِ يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ، وَالشَّيْطَانُ هَكَذَا يَجْعَلُ قَرْنًا بَيْنَ الشَّمْسِ وَكَأَنَّ الشَّمْسَ تَسْجُدُ لَهُ، فَهُنَا نَحْنُ نَقُولُ: سُبْحَانَ اللَّهِ، سُبْحَانَ وَتَعَالَى لِلَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مِمَّا يَفْعَلُ هَؤُلَاءِ، تَنْزِيهٌ لَهُ كَذَلِكَ مِمَّا يَفْعَلُهُ هَؤُلَاءِ.
فَهُنَا يُونُسُ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ يَعْرِفُ كَيْفَ يَتَعَامَلُ مَعَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، كَيْفَ يُزِيلُ عَتَبَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَلَيْهِ: لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ؛ تَنْزِيهٌ لَكَ يَا رَبِّ، أَنَا أَخْطَأْتُ، أَنَا يَا رَبِّ أَخْطَأْتُ لَمَّا خَرَجْتُ، أَنَا أَعْتَذِرُ يَا رَبِّ، مَنْ أَنَا حَتَّى أُخَالِفَكَ؟ سُبْحَانَكَ، ثُمَّ اعْتِرَافٌ؛ اعْتِرَافٌ قَوِيٌّ: وَظَالِمٌ، إِنِّي كُنْتُ مِنَ جُمْلَةِ الظَّالِمِينَ.
إني كنت من الظالمين، ظالم لنفسي، كيف أنا فعلت هذا الفعل؟ هذا المقصود من البلاء، يعني شخص لما يبتلى، المقصود منه أن يعرف خطأه، وأن يعود إلى ربه عود العبد إلى الرب، عود الضعيف إلى القوي، عود الفقير إلى الغني، هذا هو المقصود.
والبلاء يكون على نوعين: إما يكون بلاء بذنوب ومعاصي، أو يكون البلاء عبارة عن مرض، وعبارة عن هكذا يعني أمر قدري يقع عليه، ذهاب مال، إلى آخره، فالبلاء يشمل نوعين. بلاء بذنب هو ما كان يفعله، ثم فعله هو، هو نفسه يقول أنا كيف فعلت هذا الذنب؟ فعلت هذا الذنب، هذا دليل على أنك وقعت في معصية، وأنك ما لم تشكر الله أن عندك مشكلة.
طيب أنا وقعت بالذنب، ترجع ولا ما ترجع؟ تعرف من هو الله؟ تعرف من هو الحافظ؟ تعرف أن الذي يكون كل الذي يعني العصمة هذه كانت من الله ليست منك، تعرف هذا أو لا؟ ما تفهم المقصود من البلاء. هذا بلاء لذلك الله يوقظ قلوب أوليائه أحيانا بالذنوب، ربما معصية أورثت ذلا وانكسارا.
كيف تصحيح المعصية؟ هو اعتاد على الطاعة، يعتاد يعتاد يعتاد ويغفل، الاعتياد يضعف الشكر، يضعف الشكر عند الإنسان، فالإنسان يصل لدرجة أني أنا اللي فعلت، لا، لست أنت اللي فعلت، الله هو الذي أعانك، لكن هو ينسى، ممكن يقولها بلسانه، لكن بقلبه ينسى، فيأتي هكذا يقع بذنب هو ما يقع فيه، هو لم يسبق أن وقع فيه ويسلم، ثم هذا الذنب يحرك فيه أشياء ما كانت حاضرة عنده، هذا التحريك مقصود.
لذلك الله يبتلي الإنسان بهذا النوع، والذي نفس محمد بيده، لو لم تذنبوا لذهب الله بكم وجاء بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر الله لهم، القصد هو هذا. هنا قال: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، هذا الاعتراف، هذا يحبه الله سبحانه وتعالى من العبد، ثم الله أمر الحوت هنا مباشرة بأن يخرجه، قال الله: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ﴾ [الأنبياء: 88] مباشرة، لأنه وصل إلى حقيقة العبودية، هو عرف الآن مراد الله، هكذا الأنبياء يتعبدون الله، هكذا ينبغي علينا أن نعبد الله سبحانه وتعالى، فتققع في كذا قل: يا ربي لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، أنا آسف يا ربي، أنا أعتذر إليك.
ثم قال الله: فاستجبنا له مباشرة لأنه فهم المقصود، ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ ۚ وَكَذَلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنبياء: 88]. هكذا ينجي الله سبحانه وتعالى المؤمنين. ثم قال الله: وزكريا، الانتقال إلى نبي من أنبياء بني إسرائيل هو زكريا عليه السلام، كان هو سيد بني إسرائيل في زمانه، سيد بني إسرائيل، وكانوا يرجعون إليه بفتوى وأمور الدين.
كبر زكريا عليه السلام، ولما كبر ما كان أحد يخلفه، وانتشر الفساد في بني إسرائيل، فخشي زكريا على الدين، وخاف أن لا يخلفه أحد في بني إسرائيل، فماذا قال زكريا عليه السلام؟ طبعا هو دعا الله سبحانه، وذكرى قصته مذكورة في سورة مريم، وكذلك ذكر دعائه في سورة آل عمران، وهنا الله سبحانه وتعالى يبرز لنا عبودية زكريا، ﴿وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ﴾ [الأنبياء: 89].
ربي ربي، قيل أنه دعا الله قال: ربي ربي ربي، وكان في جوف الليل، فقال الله: لبيك لبيك لبيك. فسأل الله سبحانه وتعالى سؤال مذكور في سورة مريم، قصد أنه هنا قال: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ﴾ [الأنبياء: 89]. انظر الآن قال: ربي لا تذرني فردا، لا تجعلني وحيدا، وأنت يا ربي خير من يبقى، خير الوارثين، أنت يا ربي خير من يبقى، الكل يموت وتبقى أنت يا ربي، وهذا فيه مدح لله سبحانه وتعالى بأنه هو الباقي، ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: 26-27].
طيب لماذا يقول زكريا وأنت خير الوارثين؟ حتى ما تخدش العبادة، يعني حتى هو لا يريد الولد الذي يزاحم الله سبحانه وتعالى في قلبه أبدا، هو لا يريد هذا، ويعلم أن الله هو خير الوارثين، لكن هو يريد الولد من أجل الدين، يريد الولد حتى يحمي الله سبحانه وتعالى به الدين، حتى ما يذهب الدين، ويريد الولد حتى يعينه على هذه الرسالة، هو عنده هدف حياته كلها من أجل هذا الدين، ويريد ولد يعينه على أن يحمل هذه الرسالة، ولا يبقى هكذا لوحده وقد كبر وضعف.
﴿رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا﴾ [الأنبياء: 89]. لا تتركني وحيدا بلا ولد ولا وارث، ثم قال: ﴿وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ﴾ [الأنبياء: 89]. تعلمون أن زكريا لما دعا هذه الدعوة كان قد كبر وبلغ من الكبر عتيّا، حتى يقال بأنه بلغ مئة سنة، واشتعل الرأس شيبا، خلاص كبير جدا، وزوجة زكريا كانت كبيرة، وكانت كذلك عاقر عقيم ما تلد، لكن هو لما رأى إلى حال مريم والكرامات التي تقع معها، هنا دعا زكريا ربه.
فدعا الله سبحانه وتعالى وقال هذه الكلمات: ربي لا تذرني فرداً، وأنت خير الوارثين، أنت خير من يبقى. قال الله: فاستجبنا له مباشرة، وهبنا له يحيى، والله هو الذي سماه بيحيى، وأصلحنا له زوجه، زوجته ما كانت تلد، أصبحت تلد. طيب كيف امرأة عمرها تسعون سنة وعاقر؟ الله على كل شيء قدير، الله سبحانه وتعالى على كل شيء قدير. قال: فاستجبنا له وهبنا له يحيى وأصلحنا له زوجه.
طيب يا ربي، لماذا تمت الاستجابة لهؤلاء الأنبياء الصالحين بهذه الصورة وهذه الطريقة؟ أنجى الله إبراهيم، أنجى الله لوط، وكذلك نوح، وحمى الله سبحانه وتعالى داوود وسليمان، وأعانهم على إقامة ما يحب الله سبحانه وتعالى منهم، وأيوب وبقية الأنبياء، إسماعيل وإدريس وذو الكفل ويونس عليه السلام وزكريا.
لماذا هذا كله يا ربي مع هؤلاء؟ قال الله مبينًا السبب: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ [الأنبياء: 90]. هؤلاء حياتهم كلها عبارة عن عمل، حياتهم كلها عبارة يعني مشروعهم في الحياة أن يحققوا العبادة لله سبحانه وتعالى، مشروعهم في الحياة: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56]، عرفوا هذا المعنى فكانت حياتهم كلها عبادة، يسارعون، شيء فيه خير يسارعون.
قال الله: ﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾ [الأنبياء: 90]. رجاء وخوف، رغبًا يطلبون ما عندنا، يريدون الجنة، يريدون رضا الله سبحانه وتعالى، يرجون الله سبحانه وتعالى. رهبًا يخافون من عقاب الله سبحانه وتعالى، يخافون من جهنم. رغبًا ورهبًا جمعوا بين الخوف والرجاء، ويدعوننا رغبًا ورهبًا.
﴿وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء: 90]. كانوا متذللين خاضعين لله سبحانه وتعالى، يخافونه بالسر والعلن، أصبح الخشوع سمة ظاهرة، أصبح وصفا لازما لهم، دائما هؤلاء كانوا خاشعين لله سبحانه وتعالى، خاضعين مستكينين ساكنين، يخافون من الله سبحانه وتعالى، يخضعون له، متذللين له، مخبتين.
ثم انتقل الحديث إلى عيسى عليه السلام، قال الله: ﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾ [الأنبياء: 91] أي مريم، ﴿فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا﴾ [الأنبياء: 91] أي جبريل، ﴿وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِّعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 91]. عادة تذكر قصة عيسى أو قصة زكريا ويحيى، وتأتي بعدها قصة عيسى، وتأتي بعدها قصة مريم وعيسى، لما فيها من الآية التي أعظم من آية زكريا ويحيى. زكريا ولد له هذا الابن وهو كبير في السن، وزوجته كذلك كانت عاقر، أما هنا قصة في قصة مريم، الله سبحانه وتعالى رزقها بابن من غير أب، لذلك الله هنا قال: وجعلناها آية للعالمين، آية على قدرتنا، دليل على قوة الله سبحانه وتعالى وقدرة الله سبحانه وعظم هذه القدرة، أن الآن امرأة تأتي بابن من غير أب، كيف هذا؟ آية، علامة على قدرة الله سبحانه وتعالى.
ثم قال الله: ﴿إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: 92]. هذه عبودية الأنبياء، دين واحد، عقيدة واحدة، والرب واحد سبحانه وتعالى، قال: وأنا ربكم فاعبدون، أنا خالقكم، أنا رازقكم، أنا المعطي، أنا المحيي والمميت، هو الملك سبحانه وتعالى، هو السيد.
ثم قال: فاعبدوه، توحيد الربوبية يستلزم توحيد الألوهية، بما أنك تؤمن بأنه هو الرب سبحانه وتعالى، إذا لماذا تعبد غيره؟ لابد أن تكون العبادة موجهة له هو وحده سبحانه وتعالى. ثم انتقل الحديث بعد ذلك عن الذي وقع من الناس، قال: ﴿وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ ۖ كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ﴾ [الأنبياء: 93]. نتكلم عنه إن شاء الله تعالى في الدرس القادم، هذا والله أعلى وأعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
الشيخ أحمد بن خالد الهاجري