دخولتسجيل الدخول

سورة الأنبياء 06 | تأملات في آيات

أحمد بن خالد الهاجريالشيخ أحمد بن خالد الهاجري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله، والصلاة والسلام على خير خلق الله، على نبينا وقائدنا محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، ثم أما بعد.

فحيّاكم الله إخواني جميعًا وبيّاكم، وسدّد على طريق الخير خطاي وخطاكم. لنكمل مدارسة سورة الأنبياء، كنا قد توقفنا عند قول الله تعالى: ﴿وَلُوطًا آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا * وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَت تَّعْمَلُ الْخَبَائِثَ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ﴾ [الأنبياء: 74].

بعد ما ذكر الله سبحانه وتعالى وقصّ قصة إبراهيم عليه السلام مع قومه، وما منّ الله سبحانه وتعالى به على إبراهيم عليه السلام من هذه الذرية الطيبة المباركة، انتقل الآن الحديث إلى لوط عليه السلام. ولوط ممن آمن بإبراهيم، وهاجر مع إبراهيم عليه وعلى كليهما السلام. قال: ﴿وَلُوطًا آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا﴾. هنا الله سبحانه وتعالى يبين بأن لوطًا من الأنبياء الذين اختارهم الله سبحانه وتعالى من ذرية آدم الذين اصطفاهم الله سبحانه وتعالى، ومنّ عليهم بالعلم، وكذلك الحكم.

هنا بعض العلماء يقول بأن الحكم المراد به النبوة، ومنهم من يقول الإصابة بالحق، أو إصابة الحق، وحسن التقدير، والفهم السديد، أي الحكمة. وكذلك أوتي علمًا، أوتي علمًا، وهذه منّة من الله سبحانه وتعالى عظيمة يعطيها من يشاء من عباده. قال الله: ﴿وَلُوطًا آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا * وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ﴾ التي كانت تعمل الخبائث، أي القوم الذين بعث إليهم كانوا يقطعون السبيل، وكانوا يعملون العمل الخبيث، فالله سبحانه وتعالى امتنّ عليه بهذه النجاة، أنه نجاه من هؤلاء.

وحفظ كذلك الله سبحانه وتعالى له بيته، فلم تقع بنات لوط فيما لا يحب لوط عليه السلام، ولم يؤمن بلوط عليه السلام إلا ابنتاه. قال الله: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَت تَّعْمَلُ الْخَبَائِثَ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ﴾. الآن الله سبحانه وتعالى يبين منته على لوط بالعلم وكذلك النبوة والفهم السديد والحكمة، وهذا كذلك هو الذي وقع مع النبي عليه الصلاة والسلام؛ فالله منّ عليه بالعلم وكذلك بالحكمة، هو أكمل الناس عقلًا بأبي وأمي عليه الصلاة والسلام، وأكثرهم كذلك علمًا وأزكاهم نفسًا.

ثم هنا ذكر الله سبحانه وتعالى: ﴿وَنَجَّيْنَاهُم﴾. إذن هذه سنة الصراع بين الحق والباطل لا بد أن تكون موجودة، ثم بعد ذلك تكون النتيجة لأهل الحق. فبين الله سبحانه وتعالى هذه المعاني في قبل ذكره لقصص الأنبياء، ثم بعد ذلك ذكرها بهذه القصص؛ أي هذا هو الذي وقع مع الأنبياء الذين بعثوا قبل النبي عليه الصلاة والسلام، وسننظر الآن في قصص الأنبياء كيف أن الأنبياء ابتلوا ثم بعد ذلك كيف الله سبحانه وتعالى أنجاهم من هذه البلاءات.

فالله سبحانه وتعالى حفظ أنبياءه، أكرم أنبياءه، وأنعم على أنبيائه، وكذلك امتن الله سبحانه وتعالى عليهم بالنصر والحفظ والكلاءة والثبات وعدم التأثر بما يقول أهل الباطل، أو عدم التأثر كذلك في البلاء الذي يثمر ما لا يحب الله سبحانه وتعالى. فهنا فيه بيان لمنة الله على الأنبياء، بيان كذلك لهذه السنة أن البلاء لا بد أن يقع ولا بد أن يصيب عباد الله سبحانه وتعالى الصالحين، ثم الانتصار في هذا البلاء أياً كان نوع هذا البلاء.

فهنا الله يقص لنا بلاءات الأنبياء مع أقوامهم، ثم سيأتينا الحديث عن أنبياء ابتلوا ببلاءات أخرى؛ مثل ما وقع لداود وسليمان بلاء نعمة. وهنا الآن بلاء صراع مع الأقوام، ثم تأتي قصة داود وسليمان في بلاء النعمة، ثم بعد ذلك تأتي قصة أيوب عليه السلام في بلاء البدن، بلاء المال، بلاء الأهل، ثم تأتي قصة يونس عليه السلام، ثم تأتي قصة كذلك زكريا عليه السلام، ثم قصة مريم وابنها، وهكذا. فهذه بلاءات، هنا الله يكشف لنا صور هذه البلاءات وتنوع هذه البلاءات.

ولكن النتيجة النهائية أن الأنبياء هم الذين ينتصرون، النتيجة النهائية الأنبياء هم الذين يفوزون. ﴿وَلُوطًا آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ﴾ كما أنجى الله سبحانه وتعالى لوطًا عليه السلام سينجيك يا محمد، لكن إلى الآن لم تأتي اللحظة، إلى الآن لم تأتي اللحظة التي يقدرها الحكيم سبحانه وتعالى والتي يعرفها العليم سبحانه وتعالى. ﴿وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَت تَّعْمَلُ الْخَبَائِثَ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ * وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الأنبياء: 74-75]. امتن الله عليه بأن أدخله في رحمته الواسعة، لماذا؟ لأنه كان من عباد الله سبحانه وتعالى الصالحين.

هذا كذلك فيه بيان وإبراز لعبودية الأنبياء، كما قال الله قبل ذلك: ﴿وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ﴾. وأدخلناه في رحمتنا إنه من الصالحين. ثم انتقل الآن الحديث إلى نوح عليه السلام، قال الله: ﴿وَنُوحًا إِذ نَادَى مِن قَبْلُ﴾ [الأنبياء: 76]، أي قبل جميع هؤلاء الأنبياء. نوح أول الرسل إلى أهل الأرض، أول رسول بعثه الله سبحانه وتعالى هو نوح عليه السلام، قال الله: ﴿وَنُوحًا إِذ نَادَى مِن قَبْلُ﴾، أي لما دعا ربه سبحانه وتعالى بالانتصار على هؤلاء: ﴿رَبِّ إِنِّي مَظْلُومٌ فَانْتَصِرْ﴾ [القمر: 10]. دعا نوح عليه السلام ربه على هؤلاء الكفار بعد ما امتن الله عليه بثباته على الدعوة وتبليغ الرسالة على أتم وأكمل وجه. ﴿وَنُوحًا إِذ نَادَى مِن قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾ [الأنبياء: 76].

هنا نوح عليه السلام وقع عليه بلاء كبير واستمر هذا البلاء. نوح عليه السلام دعا قومه ألف سنة إلا خمسين عامًا، وأخذ قوم نوح يسبون نوحًا ويطعنون في نوح ويسبون كذلك أتباع نوح، ويصفون نوحًا عليه السلام بأوصاف عجيبة، ثم بعد ذلك أمر الله سبحانه وتعالى نبيه نوحًا بأن يبني السفينة، فكانوا كذلك يستمرون بالسب والطعن فيه. الكرب كان عظيمًا، الكرب كان عظيمًا، لذلك دعوة نوح عليه السلام كانت منبثقة من هذا.

كانت دعوة نوح عليه السلام: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا * إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ [نوح: 26-27]. بعد تسعمئة وخمسين سنة دعاهم سرًا وجهارًا، ليلًا ونهارًا، أعلن لهم وأسر لهم في الدعوة. استمرت دعوة نوح عليه السلام دعوة طويلة جداً، وهو مع ذلك صابر محتسب حتى بلغ الأمر مداه، حتى بلغ الأمر مداه. وهذه سنة الله سبحانه وتعالى، ما يأتي الفرج إلا بعد ما يصل البلاء إلى مداه.

هنا لوط عليه السلام ما نزل عليه النصر إلا بعد ما وصل إلى أن يقول: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ [هود: 80]. هنا نوح عليه السلام كذلك، الله هنا وصف هذا الكرب بالعظيم: ﴿فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾، كان كربًا عظيمًا والغم كان كثيرًا، ونزل هذا البلاء العظيم الذي هو الطوفان، فالله سبحانه وتعالى أنجاه، أما البقية كلهم ذهبوا.

طيب، هنا الله يقول: وأهله. وابنه عليه السلام ما نجا، قال الله: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ [هود: 46]. هذا ليس من أهلك، هذا أهل بالنسب نعم، لكن بالدين هو ليس من أهلك: ﴿إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ [هود: 46]. فنجيناه وأهله من الكرب العظيم، نزل هذا البلاء العظيم، هذا الطوفان الكبير الذي أغرق الأرض، وأنجى الله سبحانه وتعالى نوحًا ومن آمن معه.

ثم قال الله: ﴿وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ﴾. ونصرناه، فعل نصر يعدى بـ (على): انتصر على. ولكن هنا الله يقول: نصرناه من. هنا ضمن فعل النصر معنى المنع، معنى الحفظ، أي حفظناه من القوم، منعناه من القوم، نجيناه من القوم. ﴿وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ [الأنبياء: 77]، هذه سنة. كما نصر الله نوحًا عليه السلام ولوطًا، سينصرك يا محمد، لكن اثبت كما ثبتوا، واصبر كما صبروا.

﴿وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأنبياء: 77]. تم القضاء على هؤلاء أجمعين، ولم يبقَ إلا نوح ومن كان معه في السفينة، وجعلنا ذريته هم الباقين.

ثم قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ﴾ [الأنبياء: 78]، الآن انتقال. الآن انتقال إلى نبيين كريمين مكن الله سبحانه وتعالى هذين النبيين حتى استقر لهم الحكم والسلطان؛ داود وسليمان. وأبرز الله سبحانه وتعالى هنا هذه القضية، لأن الحديث هنا الآن عن العلم والحكمة، حديث عن العلم والحكمة. ﴿وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾ [الأنبياء: 78].

الله قال قبل ذلك في قصة إبراهيم عليه السلام، قال: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ [الأنبياء: 51]. إذن قصة إبراهيم كانت كاشفة لهذا الرشد، يعني كاشفة لعقل إبراهيم عليه السلام، ليس فقط لدينه وقوة دينه، بل كذلك حكمة إبراهيم عليه السلام في إيصال الرسالة، كيف استخدم هذا الأسلوب، كيف أرجعهم إلى أنفسهم، كيف خطط بأن يكسر هذه الأصنام. وكذلك هنا الله ذكر علم وحكمة لوط، وكذلك الله سبحانه وتعالى الآن يبرز هذا المعنى بمشهد، يبرز هذا المعنى بمشهد بقصة.

قال الله: ﴿وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾. الآن داود هو النبي المبعوث من قبل الله سبحانه وتعالى، ابنه سليمان عليه السلام. الحكم كان لداود. وقعت حادثة؛ رجل كان عنده غنم وآخر كان صاحب زرع. هذا صاحب الغنم نفشت غنمها في هذا المكان، في مكان في مزرعة صاحب زرع. نفشت أي دخلت ليلًا، أي رعت ليلًا. فهذا الإنسان دخلت غنمها في مزرعة الآخر فأفسدت الزرع.

قال الله: ﴿إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾. ما الذي حكم به نبي الله داود عليه السلام؟ حكم بأن هذه الغنم التي أفسدت الزرع تعطى لأصحاب الزرع وقُيِّمت قيمة الزرع وقيمة الغنم فكانت متساوية، فأعطى صاحب الزرع هذه الغنم. قال الله: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ [الأنبياء: 79]. سليمان كيف كان حكمه؟ لم يكن حكمًا بهذه الطريقة. النبي سليمان كان يرى بأن الأفضل ألا يكون الحكم بهذه الصورة. طيب، كيف يكون الحكم؟ يكون الحكم بتقدير نبي الله سليمان عليه السلام بأن يعطى صاحب الزرع الغنم، ولكن لا يعطى تملكًا، أي لا يتملكها، إنما ينتفع منها حتى يصلح صاحب الغنم الزرع. فلما يصلح صاحب الغنم الزرع، يرد صاحب الزرع الغنم لصاحبها، وبهذه الطريقة ما يخسر صاحب الغنم، ولا يخسر صاحب الزرع.

هنا الله ماذا قال؟ ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾. ثم قال الله: ﴿وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء: 79]. ما المعنى؟ المعنى أن قد يستوي الإنسان، قد يستوي الناس بالعلم، لكن طريقة تطبيق هذا العلم يختلفون، ويكون هذا حكمه حق، ولكن هذا حكمه حق وليس معه إضرار. الآن إنسان عنده هكذا مجموعة من العبيد أو الغلمان، هؤلاء الغلمان أخطأوا مثلا في حق شخص آخر، ممكن يأخذهم ويقيم قيمة هذا العبد المملوك ويعطيهم إياه، بينما كان يستطيع أن يجعل هؤلاء يصلحون الذي أفسدوه، وذاك ينتفع بهم حتى يتم إصلاح ما أفسدوه؛ فالأول ما يخسر غلمانه، والثاني يعود له ماله كما كان، يعود له ماله كما كان.

فالحكم الأول صحيح، والحكم الثاني صحيح، لكن الفرق بين الحكمين أن الحكم الأول ما مع الحكم ضرر. الحكم الأول الذي يكون معه أنه يعطى هؤلاء الغلمان حتى يصلحوا وينتفع منهم حتى يصلحوا ثم يرجعوا بعد ذلك إلى سيدهم، ما يكون معه ضرر. وأما الثاني أنه يقوّم هؤلاء؛ كم قيمتهم؟ قيمتهم كذا وكذا. كم أفسدوا؟ أفسدوا كذا وكذا. يعطيهم إياه، هنا يقع ضرر، هنا يقع ضرر. نعم هو حكم حق، ولكن فقه تطبيق الحكم، فقه تطبيق الحكم هذا يحتاج إلى علم، هذا يحتاج إلى فتح. فالناس تستوي بأصل العلم، لكن يفترقون كثيرا في فقه تنزيل الحق وفي فقه تطبيق الحق، فقه تنزيل الحق وفقه تطبيق الحق.

وهذا العلم، أي هذه المرتبة، هي من الله سبحانه وتعالى. لذلك الله هنا ماذا قال؟ قال: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾. يعني شخص هذه لا تؤخذ بالكتب، هذه الطريقة في سياسة الناس وفي تربية الناس وفي توجيه الناس وفي الإصلاح بين المتخاصمين لا تؤخذ من الكتب، يعني ما تقرأها من الكتب ثم بعد ذلك ستصلح بين الناس بهذه الطريقة أبدًا، إنما هذه من الله سبحانه وتعالى. لذلك لما سئل علي رضي الله عنه وأرضاه: هل عندكم شيء؟ فقال: والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، ما عندنا شيء إلا ما في هذه الصحيفة أو فهم أعطيه رجل في كتابه، فهم.

لكن يقول ابن القيم: الفهم عن الله سبحانه وتعالى أعظم منّة بعد الإيمان بالله سبحانه وتعالى ورسوله عليه الصلاة والسلام. الفهم عن الله، الناس يستوون بأصل المعنى، لكن في تمام المعنى، في طريقة تطبيق العلم في فقه سياسة الناس من غير أن يكون معه أضرار أو ظلم، هذه المرتبة مرتبة فتح. فإذ كان الله قال: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾، ثم قال: ﴿وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾، يعني حكم داود لم يكن حكم ظالم، لا، ولكن حكم سليمان كان أفضل، كان أصلح من حكم داود. هذه المسألة بين الصالح والأصلح وكلا الحكمين ما يكون خطأ، هذه تحتاج إلى توفيق وإلى فتح من الله سبحانه وتعالى.

هنا الله سبحانه وتعالى يبرز هذا المعنى. لماذا يتم إبرازه في مكة؟ لماذا يتم إبراز هذا المعنى في مكة؟ لأن الدعوة في مكة كانت النفس حاضرة بها بقوة فيما يظهر لي والله أعلم، فالنفس لما تكون حاضرة يحتاج الشخص إلى هدوء في النفس حتى لا تؤثر النفس في فقه التطبيق. فقد يكون هناك تقدير في إيصال الرسالة في الدعوة أفضل من الذي يفعل، لكن بسبب حضور النفس ما تستطيع أن تقدر التقدير الصحيح. ليس معنى حضور النفس أن الشخص لا يشد، لا، ممكن يشد، لكن تقدير هذه الطريقة بالدعوة أنسب.

من هذه الطريقة بالدعوة. معنى هذه الطريقة ليست خاطئة ثانية، لكن الأولى أنسب منها، فالإنسان يحتاج إلى أن يدبر لدعوته، الإنسان يحتاج أن يخطط. طبعًا هذا التخطيط كله خاضع لفتح الله سبحانه وتعالى والاستعانة به سبحانه وتعالى. فهذه مثل ما ذكرت هي فتوح وكرامات إلهية.

وهذا الباب تفصيله كبير، لكن قسم من ذلك فقط هنا من باب التقريب، أن نفس تطبيق العلم، ونفس سياسة الناس، ونفس توجيه الناس، ونفس الحكم بين الناس والإصلاح بين المتخاصمين؛ ليس فقط قائمًا على الصواب والخطأ، ليس قائمًا على الحق والباطل، إنما هو قائم على الحق من غير إضرار. نعم، ممكن تحكم بالحق، ولكن هذا الحكم بالحق، هناك حكم ثاني أفضل منه؛ لأن هذا الحكم معه شيء من الضرر، أما الثاني فلا ضرر معه، فيكون أنسب وأفضل.

وبعض الناس لما يحكم بين الناس يحكم بينهم ويفسد علاقة بينهم، مع أنه هو كان يستطيع أن يحكم من غير أن يفسد. هذا كذلك يعني من فتح الله سبحانه وتعالى على بعض الناس. يعني هو يستطيع أن يحكم، لا تعرفون المتخاصمين، كل واحد أحيانًا يظن أن الحق معه، عندك الآن قضية، تستطيع أنك تحكم من غير أن يختلف الاثنان ولا تتنازل عن الحق، يعني هنا لا يجوز أن شخص يأخذ حق شخص من أجل آخر، لا.

لكن تحكم بينهم بصورة تجمع بين القلوب، مثل ما فعل النبي عليه الصلاة والسلام مع الزبير وجاره، كيف أن الماء اشتكى رجل إلى النبي عليه الصلاة والسلام من الزبير يعني كان يسقي الماء قبلها، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: اسقي يا زبير ثم أرسل الماء إلى جارك. فقبل بذلك والحق للزبير. فقال ذاك الرجل: إن كان ابن عمتك. فغضب النبي عليه الصلاة والسلام، يعني كيف تقول هذه الكلمة؟ فقال: اسقي يا زبير، واحسب الماء حتى يبلغ الجدر، ثم أرسل الماء إلى جارك. يعني أعطاه حقه كاملًا وافيًا، معناه قبل ذلك كان الحكم به نوع تقريب.

لكن بعد ما قال هذا الشخص ما قال، هنا بين النبي عليه الصلاة والسلام بأن هذه من مصلحتك أنت ومن أجل كذا، لكن مع ذلك لن يكون لك الحكم الأول. القصد من هذا الكلام كله أن الحكم نفسه، طريقة تطبيق الحكم هذه تحتاج إلى فهم، فبعض الناس يحكم بطريقة صحيحة، ولكن معها شيء من الفساد، أو معها شيء من الضرر، أو يخرج الناس والقلوب غير متصالحة. تقول: طيب، طبيعي، أقول لك: نعم، هو طبيعي في صور، لكن أنا أقول: إذا كنت تستطيع أنك تحكم من غير أن يوجد ضرر، فهذا لا شك أن الحكم أنسب وأفضل، وهذه موهبة عطية من الله، كرامة من الله سبحانه وتعالى.

والله سبحانه وتعالى يصطفي من يشاء، والحكماء موجودون في كل زمان، وكان الناس في السابق هكذا يبحثون عن الحكماء، لماذا؟ لأن الحكيم لما يحكم يحكم بطريقة يراعي فيها النفوس ويراعي فيها الحق، والحق أولى من النفوس، لكن يجمع بغاية ما يستطيع.

لذلك لما جاء وفد من وفود النبي عليه الصلاة والسلام، فكان أحد هؤلاء يلقب بأبي الحكم، فقال النبي عليه الصلاة والسلام لما تلقب بأبي الحكم: يا رسول الله إن قومي كانوا إذا اختصموا لجأوا إليّ فحكمت فرضيه -هذه كلمة فرضيه كلا الفريقين- قال: ما أحسن هذا! النبي عليه الصلاة والسلام رجل حكيم، هذا يجمع الناس، هذا يعرف كيف يؤلف بين القلوب، هذا ما يفرق الناس بالحق، هذا يجمع الناس بالحق.

بعض الناس يفرق بالحق وبعض الناس يجمع بالحق، طبعًا هذه في القضايا الشخصية إن صحت العبارة، وليس معنى هذا أن الشخص يتنازل عن الدين، لا لا، لكن أقصد فيه فقه التطبيق هذا فقط.

قال: ما لك من الولد؟ فقال: شريح وعبد الله ومسلم. قال: من أكبرهم؟ قال: شريح. قال: أنت أبو شريح؛ لأن الله هو الحكم وإليه يرجع الحكم، فلما تكنى بأبي الحكم فذكر له هذا السبب. والقصد من ذلك أن هكذا بعض الناس يكون عنده حكمة ويفهم ومعلم من الله سبحانه وتعالى، فيعرف كيف يجمع بين الناس، يعرف كيف يوفق، ولا يفقر هذا الإنسان على حساب إقامة الحق، أبدا إنما هو يقيم الحق مع عدم إفقار هذا الإنسان.

وهذا الباب يحتاج إلى شرح أطول من هذا، لكن هذا كله من باب التقريب. والنبي عليه الصلاة والسلام هو سيد الحكماء.

لكن مع ذلك يقول الله: ﴿وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء: 79]، ثم قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: 79]. الآن الله سبحانه وتعالى يبرز ميزة نبي الله داوود، وعطايا الله سبحانه وتعالى لهذا النبي الكريم الذي أحب الله سبحانه وتعالى واختاره حتى يكون نبيًّا من أنبياء الله سبحانه وتعالى.

قال: ﴿وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: 79]. داوود عليه السلام أوتي صوتًا حسنًا، فكان داوود عليه السلام إذا قرأ القرآن تتردد معه الجبال، يا جبال أوبي معه والطير، وكانت الجبال تسبح وكذلك الطير. كيف تسبح؟ الله أعلم، كيف تسبح الجبال؟ الله أعلم. ولكن النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «إني كنت أعلم حجرًا يسلم علي في مكة». وصحابي يقول: كنا نسمع تسبيح طعام بين يديه. والله يقول: ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: 44].

فالقصد من ذلك أن داوود عليه السلام الله سبحانه وتعالى سخر له الجبال وكذلك الطير تسبح معه، ثم قال الله: ﴿وَكُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: 79] أي كنا قادرين على أن نفعل هذا.

ثم قال الله: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ﴾ [الأنبياء: 80]. داوود عليه السلام ألان الله له الحديد، قال الله: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ لِتُحْصِنَكُم مِّن بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنتُمْ شَاكِرُونَ﴾ [الأنبياء: 80]. الله سبحانه وتعالى علم داوود عليه السلام كيف يصنع دروعًا. وققبل ذلك كان الناس يلبسون هكذا الحديد عبارة عن صفائح، لكن داوود عليه السلام الله سبحانه وتعالى ألان له الحديد، وقال: «وقدر في السرد». فكان يضع هكذا الفتحات الصغيرة التي تدخل فيها المسامير حتى يكون هذا درعًا للمقاتل لتحصنكم بأسكم؛ أي لتحميكم وتحفظكم من القتال ومن السيوف إلى آخره، ففيه حماية.

والله يمتن على هؤلاء بهذه المنة العظيمة التي يحمى بها الإنسان من القتل، ثم قال: ﴿فَهَلْ أَنتُمْ شَاكِرُونَ﴾ [الأنبياء: 80] لله سبحانه وتعالى على هذه النعم؟

ثم قال الله: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ﴾ [الأنبياء: 78]. الله يقول: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِي الشَّكُورُ﴾ [سبأ: 13]. فكان داوود عليه السلام حريصًا على شكر الله سبحانه وتعالى، وكان يقول: يا ربي كيف أشكرك وشكرك يحتاج إلى شكر، وشكرك نعمة منك علي؟ قال: الآن شكرتني يا داوود؛ فهذا الشكر نفسه يحتاج إلى شكر. ومرة من المرات دعا الله سبحانه وتعالى كذلك بهذه الدعوة: الحمد لله كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك. قال الله له: أتعبت الحفظة يا داوود، أتعبت الحفظة يا داوود.

وكذلك سليمان عليه السلام كان حريصًا: ﴿هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾ [النمل: 40]. هنا نعمة السراء، يعني هنا بلاء إبراهيم ولوط ونوح بلاء مع أقوامهم، أما هنا البلاء بالشكر، والبلاء بالشكر ليس سهلًا، ابتلينا بالضراء مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فصبرنا، ثم ابتلينا بالسراء بعده فلم نصبر. داوود عليه السلام كان شاكرًا لله سبحانه وتعالى، كذلك سليمان عليه السلام.

ثم قال الله هنا، قال: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ [الأنبياء: 81] أي أرض الشام. الله سبحانه وتعالى سخر لسليمان الريح، فكانت الريح تجري بأمر نبي الله سليمان عليه السلام، قال: ﴿تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ﴾ [الأنبياء: 81] أي عالمين بجميع الأمور، عالمين بالمصالح، عالمين بصلاحية سليمان لهذه النعم الكبيرة، عالمين بصلاحية داوود عليه السلام، ﴿وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ﴾ [الأنبياء: 81].

ثم قال الله: ﴿وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَن يَغُوصُونَ لَهُ﴾ [الأنبياء: 82]. الله سبحانه وتعالى امتن عليه حتى سخر له شياطين، وهذه منة خاصة لسليمان، لأن سليمان قال: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَّا يَنبِغِي لِأَحَدٍ مِّن بَعْدِي﴾ [ص: 35]. ولما كان مرة النبي عليه الصلاة والسلام يصلي عرض له شيطان، ثم أخذ النبي عليه الصلاة والسلام الشيطان بيده، قال: «فأذعته حتى وجدت برد لحافه على يدي، ولولا أن ذكرت دعوة أخي سليمان لعلقتُه في المسجد، لكن ذكر دعوة نبينا سليمان: ربي هب لي ملكًا لا ينبغي لأحد من بعدي». فالله سبحانه وتعالى امتن عليه بهذه العطايا الكبيرة، وهو أملك من حكم الأرض أربعة وقيل خمسة، أملك هؤلاء الخمسة كان نبينا سليمان عليه السلام.

قال الله: ﴿وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَن يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ﴾ [الأنبياء: 82]. يغوصون في البحار حتى يأتون باللؤلؤ وهذه الخيرات، ويعملون عملًا دون ذلك في البناء إلى آخره من الأعمال الكثيرة التي كان سليمان عليه السلام يأمر الجن والشياطين بأن يقوموا بها، ثم قال الله: ﴿وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ﴾ [الأنبياء: 82] أي حفظنا سليمان من شر هؤلاء، حفظنا أعمال هؤلاء وأحصينا عدد هؤلاء، حفظنا هؤلاء من أن يفسدوا على سليمان ملكه وسلطانه، وهكذا فكلمة هنا حافظين تشمل هذا كله، وكذلك كانوا منفذين لما يقوله سليمان ولا يخرجون عن أمر سليمان عليه السلام.

ثم انتقل الحديث بعد ذلك للحديث عن نبينا أيوب عليه السلام وما ابتلاه الله سبحانه وتعالى به، نتكلم عنه إن شاء الله تعالى في الدرس القادم، هذا والله أعلى وأعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.