دخولتسجيل الدخول

سورة الأنبياء 05 | تأملات في آيات

أحمد بن خالد الهاجريالشيخ أحمد بن خالد الهاجري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله، الصلاة والسلام على خير خلق الله، على نبينا وقائدنا محمد بن عبد الله، وآله وصحبه ومن والاه. ثم أما بعد؛ فأحياكم الله إخواني جميعًا وإياكم، وسدد على طريق الخير خطاي خطاكم. نكمل مدارسة سورة الأنبياء، وكنا قد توقفنا عند قول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وَكُنَّا بِه عَالِمِينَ * إذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَٰذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ [الأنبياء: 51-52]. ذكر الله سبحانه وتعالى في مطلع هذه القصص، قصة موسى وهارون، ومر عليهما مرورًا سريعًا، ثم بعد ذلك توقف عند قصة إبراهيم عليه السلام. وأطال نوعًا ما في الحديث عن قصة هذا النبي الكريم.

ذكر الله سبحانه وتعالى هنا مشهد دعوة إبراهيم عليه السلام لقومه. لماذا تم ذكر إبراهيم عليه السلام بهذه الصورة وهذه الطريقة؟ وما الذي تم إبرازه في هذه القصة؟ تم ذكر صورة قصة إبراهيم عليه السلام بهذه الصورة وهذه الطريقة، وهكذا التوسع في هذه القصة مع ذكر هذا المشهد بالذات؛ لكون إبراهيم عليه السلام هو أبو العرب، والعرب تفتخر بإبراهيم وتزعم بأنها على دين إبراهيم، لذلك كان يقول زيد بن عمرو بن نفيل: يا معشر قريش، والله ما منكم من أحد على دين إبراهيم غيري. فكانوا هم يظنون بأنهم على دين إبراهيم.

انظروا الآن إبراهيم عليه السلام وحيد، فرد لوحده، وقومه كلهم كانوا على الشرك، فأقام هذه الدعوة وبين الحق عند قومه، هذا الرجل أنتم تنتسبون إليه. والد إبراهيم كان كافرًا على دين قومه. هؤلاء لما حاججهم إبراهيم عليه السلام، ما هي الحجة التي كانت عندهم؟ الآباء والأجداد، نفس حجتكم أنتم. يعني هؤلاء لما حاججهم إبراهيم عليه السلام وقام عليهم الحجة والبينة والدليل أن هذه الآلهة لا تتكلم، لا تنفع، لا تضر، وليست هي التي خلقتكم، ما وجدوا إجابة، الإجابة فقط أن هذا دين الآباء والأجداد، نفس ما يقوله هؤلاء الكفار.

إذن هنا ذكر قصة إبراهيم عليه السلام لبيان من هو الذي حقيقة على دين إبراهيم؛ هل محمد عليه الصلاة والسلام، أو أنتم يا معشر كفار مكة؟ من الذي على دين إبراهيم؟ إبراهيم ما الذي فعله؟ الذي فعله هو الذي يفعله الآن معكم النبي عليه الصلاة والسلام، ودين إبراهيم مختلف عن دينكم. إذن هنا ذكر قصة إبراهيم عليه السلام فيها هذه المعاني، ثم ننظر بعد ذلك في هذه القصة ما الذي تم إبرازه؛ تم إبراز قوة إبراهيم عليه السلام، تم إبراز ثبات إبراهيم عليه السلام، تم إبراز عقل إبراهيم عليه السلام، تم إبراز دعوة إبراهيم عليه السلام وما فعل هؤلاء الأعداء.

لذلك كذلك هنا إشارة للنبي عليه الصلاة والسلام وتثبيت للنبي عليه الصلاة والسلام، وبيان لطريقة تحقيق العبادة التي يحبها الله سبحانه وتعالى منهم. إبراهيم كان لوحده، هو لوحده صدم هؤلاء وفاجأ هؤلاء ولم يقبل بما يفعل هؤلاء الكفار. وكذلك إشارة لأصحاب النبي عليه الصلاة والسلام؛ لأنهم ليسوا بكثرة، انتبهوا العبرة ليست بالكثرة، المعيار ليس معيار الصواب والخطأ ليس متعلقًا بكثرة الناس، ولا متعلقًا بمن يتكلم به، ولا متعلقًا بكذا وكذا، إنما متعلق بذاته هو. تلقى الحق إذا سمعته، فإن على الحق نورًا، كما يقول معاذ بن جبل رضي الله عنه، مبينًا طبيعة الحق؛ فالرجال هم الذين يعرفون بالحق وليس الحق الذي يعرف بالرجال.

إذن هذه القصة فيها بيان نفس هذه المعايير كيف نأخذها؟ ما هو المعيار الحقيقي؟ ثم بعد ذلك الثبات على المعيار الحقيقي. يعني الآن عندنا الأمر الأول؛ عندنا أعراف، هذه الأعراف هل هي حق؟ هل هي صائبة أو خاطئة؟ هل هي موافقة للحق أو مخالفة له؟ هذا الأمر الأول. الأمر الثاني؛ إذا كانت مخالفة للحق، ماذا نفعل؟ بعض الناس يعرف بأن هذا خطأ، لكن مع ذلك يجاري الناس، هذا هو الإمعة. العرف خاطئ، العرف ليس صحيح، العرف مخالف للحق، العرف شيطاني، العرف ليس إسلاميًا، ومع ذلك تعامل معه بحجة أن هذا أمر تجذر في الناس والناس اعتادت عليه.

إذاً ما هو الحق؟ إذاً كيف يكون الثبات على الحق؟ إذاً كيف يكون هناك تقرير للحق، إذا كان الشخص يتعامل مع العرف على أنه هو الحق حتى لو كان هو يعتقد بأنه خاطئ، يعتقد بأن هذا العرف غير مصيب؟ وهذا هو الفارق، هذا هو الفارق الكبير بين دعوة الأنبياء ودعوة غير الأنبياء. بعض الناس ممكن يكون يرى بأنهم على باطل لكن ما يصدم هؤلاء، ولا يقيم الحق عليهم، ولا يظهر المخالفة لهم، إنما يكون هكذا ساكت ومختبئ، ويقول هكذا يطبقه فقط على نفسه، هذه ليست دعوة الأنبياء، بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق، ليس بهذه الطريقة. القصة من قصة إبراهيم عليه السلام قصة مليئة بالعبر، مليئة بالفوائد، مليئة بالحكم.

هنا الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وَكُنَّا بِه عَالِمِينَ﴾ [الأنبياء: 51]. الله سبحانه وتعالى هو الذي آتى إبراهيم هذا الفضل الكبير، الله سبحانه وتعالى هو الذي أعطاه هذه الهداية الكبيرة. قيل هنا الرشد النبوة، وقيل الإصابة؛ يعني هو ما كان مثل قومه، ما كان يتأثر بما يقوله الناس، ما كان يتأثر بالأعراف السائدة، ما كان يتأثر بالحكم العام، هو يرى بأن هذا غير صحيح، هذا مخالف للعقل، هذا مخالف للصواب. الله هنا يقول: ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل.

الزمخشري يقول بالكشاف بأن إبراهيم كانت فيه سجايا وصفات وكانت عنده أحوال هي التي أهلته أن يمن الله عليه بما من به عليه. ﴿وَكُنَّا بِه عَالِمِينَ﴾ [الأنبياء: 51]؛ أي هو يصلح أن يتحمل أعباء الرسالة. الله سبحانه وتعالى يعلم بأن هذا الإنسان لما يؤمر بالبيان والبلاغ سيقوم بالرسالة على أتم وأكمل وجه. ﴿وَكُنَّا بِه عَالِمِينَ﴾ [الأنبياء: 51]، الله سبحانه وتعالى عالم به، عالم بخلاله، بأوصافه، بأحواله؛ لذلك الشخص إذا أراد أن يصيب الخير، وأن يثبت على الخير، وأن يحسن التفاعل مع الخير، فليصفِ نفسه، لينقِ نفسه، ليكتسب الصفات الحسنة، ليكتسب صفة الكرم والجود والشجاعة والصدق، هذه كلها تعينك على تطبيق الإسلام، وتعينك على حسن الامتثال للإسلام.

الناس معادن؛ كمعادن الذهب والفضة، هذا المعدن الذهبي تفاعله مع الإسلام ليس مثل المعدن الفضي، والفضي ليس مثل من هو أقل منه. قد يكون هذا أسبق وأكثر بالعلم إلى آخره، لكن هذا الثاني تفاعله أقوى، وهذا من أسرار تميز الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم، ووصولهم إلى المراتب العالية بالمدة الزمنية القصيرة. القصة أن إبراهيم عليه السلام كان صالحًا، لذلك إبراهيم عليه السلام تفاعله مع الحق كان جادًا سريعًا، وكان جادًا قويًا، وبهذه القوة وهذه الصلابة هو لوحده يصيب الحق، وهو على الحق، ومع ذلك ما يتأثر بالجمهور، ما يتأثر بضغط المجتمع، ما يتأثر بضغط الوالد، ما يتأثر بضغط الأهل والأقارب، ومع ذلك لم يؤمن به إلا زوجته سارة وابن أخيه لوط. لكن مع ذلك صبر واستعان بالله سبحانه وتعالى وصدق مع الله سبحانه وتعالى.

﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وَكُنَّا بِه عَالِمِينَ﴾ [الأنبياء: 51]؛ عالمين بأنه صالح للرسالة، عالمين بأنه صالح للنبوة، عالمين بأنه صالح لأن يقيم الحق في الأرض وأن يكون هذا الاسم بهذه المنزلة في التاريخ. قال: من قبل. قيل من قبل؛ أي من قبل التوراة، أي من قبل موسى عليه السلام وهارون. وقيل من قبل؛ أي وهو صغير، فالله سبحانه وتعالى آتاه الرشد وهو صغير، وامتن عليه بالخلة وهو كبير، واتخذ الله إبراهيم خليلًا. متى هذا؟ بعد ما انتقل إبراهيم عليه السلام في مدارج العبودية، حقق كل ما يريد الله، ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ [النجم: 37]، ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ [البقرة: 124]، بلغ هذه المرتبة.

﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وَكُنَّا بِه عَالِمِينَ * إذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَٰذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ [الأنبياء: 51-52]. هو كان عاكفًا على عبادة الله سبحانه وتعالى، وهم عاكفون على عبادة الأصنام، التمثال هو الصنم الذي له صورة. إذ قال لأبيه وقومه: ما هذه التماثيل؟ تحقير وتصغير وتجاهل لهذه التماثيل، هو يعرفها، لكن هو الآن انظروا إلى القوة في الطرح، هكذا الحق، هكذا الحق تتم إقامته. لذلك الله ذكر في هذه السورة بالحق وبالنقد على الباطل، ثم فصل كيف يقام؟ كيف يقذف؟ كيف يقذف الحق على الباطل؟ ما هي طريقة قذف الحق على الباطل؟

إذ قال لأبيه وقومه: ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون؟ تصغير وتحقير، هو يعرف هذه التماثيل، ويعرف بأن هؤلاء كانوا يعبدونها، لكن هو الآن يقول: كيف تعبدون هذه التماثيل؟ هذه أحجار لا تنفع ولا تضر. انظروا الآن إلى رد هؤلاء الكفار، مثل رد كفار قريش؛ ﴿قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ﴾ [الأنبياء: 53]، فقط! ما في حجة أخرى؛ آباءنا كانوا يعبدون هذه الأصنام. طيب، هذه يعني من أين أتيتم بأن رأي الآباء وحكم الآباء صواب؟ قد يكون الآباء كانوا ضالين، قد يكون الآباء كانوا هكذا مجرمين ظالمين.

قالوا: وجدنا آباءنا لها عابدين، فقط، هذه هي الحجة. إذن هنا عندنا عرف متمكن، وعرف تمكنه بسبب قوة النفس، والعقل معطل، لا يوجد عقل، الآن النفس فقط؛ أبي فعل كذا إذن أنا أفعل مثل ما فعل أبي. إذن النفس هنا قوية والنفس متمكنة والعقل معطل. انظروا ماذا فعل إبراهيم عليه السلام، قال: ﴿لَقَدْ كُنتُمْ أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ [الأنبياء: 54]. صدمة! الآن فرد واحد شاب يصدم الآن الجميع، الجميع! الكل يقول: أنتم وآباؤكم كلكم كنتم في ضلال، لا، ليس فقط في ضلال، بل في ضلال مبين.

الكفار كانوا هكذا يسبون النبي عليه الصلاة والسلام ويطعنون في الصحابة، وكذلك أعداء الأنبياء بادي الرأي، هؤلاء الذين ما يفكرون هم الذين يتبعونك؛ الأتباع كلهم الضعفاء، يعني هؤلاء الذين لا يفكرون، ليسوا من العلية، ليسوا من أصحاب ﴿لَوْلَا نُزِّلَ هَٰذَا الْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: 31]. يعني ما يتبعك إلا الناس العاديون، الضعفاء، المساكين الذين ما يفكرون، ليسوا أصحاب الشهادات، ليسوا أصحاب المناصب، أصحاب هكذا الوجاهة، لا، ناس ما يملكون شيئًا، ضعفاء، فقراء، مساكين، طيب، هؤلاء هم أتباع الأنبياء، هؤلاء هم عادة أتباع الأنبياء، وأتباع كل داعية صالح في كل عصر هم هؤلاء أتباع الأنبياء في العادة.

هنا إبراهيم عليه السلام صدم هؤلاء، وهذا من قذف الحق على الباطل. هو ما استعمل معهم أسلوب المداراة، الآن نأخذ دعوة إبراهيم عليه السلام وننظر دعوة النبي عليه الصلاة والسلام، النبي عليه الصلاة والسلام كان يستعمل اللين ويستعمل الرفق، لكن المعاني كلها كانت ثقيلة، واضحة وبينة، لذلك كانوا يشتكون: يسفه أحلامنا، ويسب آلهتنا، يسفه أحلامنا، ويسب في عقولنا، يطعن في آبائنا، وهذا كان متكررًا من الكفار. يعني النبي عليه الصلاة والسلام كان يتكرر هذا منهم كثيرًا، فكان يسفه عقولهم ويسفه آباءهم، بل وصل به الحال إلى أن يسب آلهتهم، حتى هم بدأوا يسبون الله سبحانه وتعالى، فنهى الله سبحانه وتعالى عن سب هذه الآلهة ليس من أجلها، لكن حتى لا يسبوا الله سبحانه وتعالى، لكن تسفيه الأحلام هذا مستمر في الدعوة كلها، وتسفيه الآباء والأجداد هذا مستمر، وتضليلهم مستمر؛ لأنها هكذا يقام الحق.

النفس هنا مشكلة نفسية، والمشكلة النفسية ما تقبل المداراة، يعني النفس لما تكون متصلبة في شيء معين هي ما تقبل الاقتناع، لابد أنك تكسرها، يعني لابد أنك تصدمها بالكلام. لذلك هم صدموا وقالوا: ﴿أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ﴾ [الأنبياء: 55]؛ يعني الآن أنت تقول كلام حقيقي كلام تقصده ولا أنت هكذا تستهزئ وتمزح؟ فرد عليهم هكذا بكل قوة ووضوح وبيان، قال: ﴿بَل رَّبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَىٰ ذَلِكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [الأنبياء: 56]. يعني أنتم من تعبدون؟ تعبدون أحجار لا تنفع ولا تضر؟ الرب هو الذي فطر السماوات والأرض، الرب هو الذي خلق السماوات والأرض، الرب هو مالك السماوات والأرض سبحانه وتعالى.

الآن هو يستدل عليهم بتوحيد الربوبية، قال: بل ربكم رب السماوات والأرض الذي فطرهن وأنا على ذلكم من الشاهدين؛ أنا شهيد بأن الله سبحانه وتعالى هو الذي يستحق العبادة، أنا شهيد بأن الله سبحانه وتعالى هو الذي فطر السماوات والأرض. ثم قال جزمًا: ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُم بَعْدَ أَن تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ﴾ [الأنبياء: 57]. حلف بالله توكيد.

هنا هذه الكلمات يقال بأن إبراهيم عليه السلام كان في يوم عيد، ووالد إبراهيم لما شاف ابنه بدأ يتغير وابنه طبعا لم يعبد الأصنام، لكن القصد أنه شعر بأن ابنه الآن بدأ يظهر ما لا يحب، بدأ والد إبراهيم يتألف إبراهيم، فيقول: يا بني عندنا اليوم عيد، ما رأيك أن تذهب معنا؟ ما رأيك أن تفعل كذا؟ هكذا بدأ يتألف ابنه كما يظن هذا الأب المسكين. إبراهيم عليه السلام خرج في البداية كما تذكر الروايات، ثم في الطريق قال: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: 89]، قيل إنه ألقى بنفسه واشتكى من رجله أو غير ذلك، القصد من ذلك أنه قال: إني سقيم، كما ذكر الله سبحانه وتعالى في سورة الصافات. فرجع إبراهيم عليه السلام، لكن وهو راجع قال: وتالله لأكيدن أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين. اذهبوا جميعًا، سمع بعض الناس، قيل الضعفاء الذين كانوا في آخر الركب بس سمعوا ما يقوله هذا الشاب القوي الشجاع.

فرجع إبراهيم عليه السلام وأخذ القدوم، وأخذ يكسر هذه الأصنام صنمًا صنمًا. أخذ يحطم هذه الأصنام ويكسرها قطعًا صغيرة، فجعلهم جذاذًا، أي كسر الأصنام حتى جعلها مثل الفتات هكذا الحطام؛ إلا كبيرًا لهم لعلهم إليه يرجعون، إلا الصنم الذي هم كانوا يعدون مثل ما يعد كفار قريش هبل، أن أكبر الأصنام والبقية تبع له، وضع الفأس بيده بيد هذا الصنم.

فجعلهم جذاذًا أي هكذا رفاتًا حطامًا، إلا كبيرًا لهم لماذا؟ لعلهم إليه يرجعون. لعلهم يرجعون إلى الصنم فيسألونه من، يعني الآن إبراهيم عليه السلام وضع خطة. وضع خطة الآن إبراهيم عليه السلام يريد أن يقيم الحجة عليهم، طيب ما الحل، ما هي الطريقة، نريد أن نبذل الآن جميع الأسباب. انظروا الآن إلى رشد إبراهيم عليه السلام، شوفوا يا شباب هذه القصص لا تمر مرورًا سريعًا، هذه لازم نقف عندها طويلاً. هؤلاء ما اهتدوا هؤلاء إي نعم، لكن أقام الحجة ولا ما أقامها؟ وهل أقامها بطريقة لم يعد عندهم مزيد أو أقامها بطريقة ضعيفة؟ هم كانوا هكذا يردون عليه ويستمرون في النقاش والحوار. انظر الشخص قد يقيم الحجة لكن ما تكون إقامته على أتم وأكمل وجه، فما يكون هو قد حقق إقامة الحق كما ينبغي، فالحجة ما أقيمت كما يحب الله سبحانه وتعالى.

هنا إبراهيم، لكن الله سبحانه يحب من الداعي أن يبلغ الحجة حتى ينقطع الذي أمامه، حتى ينقطع الذي أمامه. لذلك إبراهيم عليه السلام هنا مشهد سورة البقرة مشهد آخر، وذكر لما قال ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ [البقرة: 258] أتى برجلين، ذبح واحد قتل واحد وأحيا الثاني، قال: انظر هنا إبراهيم عليه السلام ما ناقشه في هذا، لماذا؟ لأن الآن ما في فائدة، ما أنك تدخل معه في نقاش مثل هذا، هو يعرف الذي تريده، لا، انتقل معه مباشرة وقال: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾ [البقرة: 258] خلاص فبهت. انظروا الآن إلى المصطلح القرآني: ﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ [البقرة: 258] هذه بهت الله يحبها، الله يريد أن خلاص يسكت ما يعرف يتكلم الذي أمامك يصدم، خلاص الآن أقمت الحجة عليه.

لذلك هنا إبراهيم عليه السلام فعل هذا، وهو نعم ما آمن به هؤلاء لأن هذه ليست بيد إبراهيم عليه السلام، هداية الناس لا يملكها الداعية هذه عند الله سبحانه وتعالى حكمة بالغة ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص: 56]. لكن الذي يريد الله سبحانه وتعالى، يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك بلغ. طيب كيف يكون البيان والبلاغ؟ انظر إلى قصص الأنبياء، انظر كيف الواحد منهم كان يفكر، كان يفكر في طريقة إقامة الحق. هنا إبراهيم عليه السلام أول شيء صدمهم بالكلام، ثم بعد ذلك أقام عليهم الحجة في بيان أن الله هو الذي فطر السماوات والأرض، هو المالك، هو السيد سبحانه وتعالى.

ثم بعد ذلك رجع وحطم الأصنام، طيب لماذا ما حطمهم كلهم؟ لا، هو الآن هو عنده هدف، هو كان يستطيع يحطمهم كلهم، لكن هو عنده هدف. ما هو الهدف؟ أن يبقي هذا الكبير حتى من خلاله يبالغ في إقامة الحجة عليهم. فرجع إبراهيم عليه السلام وحطم هؤلاء الأصنام، ثم جعل الفأس بيد الكبير. رجع هؤلاء، وكانوا يقولون إذا رجعوا يعني من عيدهم، أول ما يبدأون بآلهتهم، فكانوا يتعبدون عندها ثم يذهبون ويمضون إلى بيوتهم. قال الله: ﴿فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَّهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ﴾ [الأنبياء: 58].

رجع هؤلاء، فلما رجعوا ونظروا إلى هذا المشهد: من الذي يجرؤ أن يحطم الآلهة؟ الآلهة مقدسة، الآلهة معظمة. من الذي يقوى أن يفعل هذا؟ قالوا: من فعل هذا بآلهتنا؟ من فعل هذا؟ انظر الآن إلى الوصف، آلهة تحطم وهم يقولون آلهتنا. طيب كيف هذه الآلهة، آلهة تمزق، آلهة تكسر؟ انظروا إلى الفرق بين هؤلاء وبين ذاك الرجل الأنصاري، الذي قال: أرب يبول ثعلبان عليه؟ لا خير فيمن بالت عليه الثعالب. وترك، لما رأى لما كان يأتي أناس من الأنصار، من شبان الأنصار، ويأخذون الصنم ويلقونه، فيأتي هذا وينظر إلى الصنم، فيأتي ويعدل الصنم مرة ثانية، ثالثة، حتى جاء ونظر إلى هكذا إلى الثعلب تبول عليه فقال ايش هذا إله؟ انظروا الفارق. انظروا الفارق. ذاك المشهد أثر فيه، هز المشهد وهذا كذلك من فقه الأنصار رضي الله عنهم في تطبيق ما يتعلمونه من قصة إبراهيم عليه السلام، فهم كانوا يقرأون القصص قراءة تطبيق، قراءة فهم وليست قراءة هكذا حفظ فقط ومرور. هذه نزلت في مكة، الأنصار استعملوها في المدينة، رضي الله عنهم وأرضاهم.

قالوا من فعل هذا بآلهتنا إنه لمن الظالمين. قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم. يعني هذا كيف تجرأ أن يفعل هذا، هذا من الظالمين الذين يفعلون هذا الفعل بالآلهة. قالوا سمعنا فتى. هذا القسم الباقي الذي استمع إلى كلام إبراهيم عليه السلام. قالوا سمعنا فتى. قيل بأن إبراهيم عليه السلام هنا كان صغير السن. كان صغير في السن، منهم من يقول كان عمره هكذا 16 عامًا وقيل غير ذلك. ومنهم من يقول هنا قالوا فتى تصغيرًا، كما كان يقول كفار وغلام قريش، فتى قريش. احذر فتى قريش وعمره جاوز 40، عمره ناهز 50 أو حتى تجاوز 50 أو قريب منها، فتى قريش. كيف فتى قريش؟ هنا كلمة فتى، كلمة غلام لها إطلاقان، إطلاق حقيقي متعلق بالسن وإطلاق ثاني سياقي متعلق بالتصغير.

وقد يكون تصغير لكن ليس المقصود تصغير يعني تحقير لا، لكن المقصود أنه شخص كبير في السن، فينظر إلى أناس أصغر منه فيقول ما كنت أظن بأن كما كان يقول أبو سفيان لما اجتمع قادة الجيوش أبو عبيدة وعمرو بن العاص وخالد بن الوليد ويزيد بن أبي سفيان وشرحبيل بن حسنة وأبو سفيان أكبر منهم بـ20 سنة تقريبًا، فقال ما كنت أظن بأن فتية قريش أو غلمة قريش يجتمعون ويتركون شيخهم، بهذا الاعتبار. القصة أنه هو هذا الإطلاق الثاني يكون من باب التصغير، سواء كان التصغير المقصود منه التحقير أو كان التصغير المقصود منه أنكم أصغر مني سنًا وهكذا ليس التحقير الذي فيه استهزاء إلى آخره. لكن الإطلاق الأول هو الإطلاق المتعلق بالعمر، هنا يحتمل هذا ويحتمل هذا، أنه سمعنا فتى يعني كان صغير سن، كان صغير السن ولم يكن كبير السن، هو كان صغير وفعل هذا، لذلك قالوا سمعنا فتى.

طيب هنا فتى، هل هذه حجة؟ الآن نفترض الآن أن شخص صغير في السن قال قولًا أو فعل فعلًا، يأتي الكبير يقول له أخطأت، طيب أخطأت كيف، هل صغر السن خطأ أو سبب للخطأ؟ هل قد يصيب الصغير ويخطئ الكبير؟ طيب كيف نعرف؟ نعرف أن الحق نفسه لابد أن نحاكمه إلى معايير الحق. الحق نفسه نعرضه على الكتاب والسنة وننظر هل هذا صواب أو خطأ؟ أما أنه لأنه فتى أخطأ، هذه مشكلة عقلية، هذه مشكلة في الترتيب العقلي، هذا سبب وليس هو الخطأ.

قالوا سمعنا فتى، وعلى فكرة هذه ترى ما يخرج منها إلا قليل من الناس إلا من تصفو نفسه، بعض الناس لما يأتي شخص أصغر منه وينصحه ويبين له ويكون الحق معه، ما يتقبل لماذا؟ لأنه أصغر منه، طيب هذا أصغر منه ترى ليس معيار ديني، انتبه. انتبه هذا كبر، هذا كبر إذا ما تقبلت الحق من كل من يعرض عليك، هذا كبر. لازم يقول الحق شخص أكبر منك، لازم يقول الحق شخص أعلى منك اجتماعيًا، أعلى منك في ميزان الناس؟ هذه مشكلة، هذا إذا هو الاتباع ليس الحق، والإسلام يجرد الإنسان من هذه المعايير الزائفة، من هذه المشاعر الكاذبة. الإسلام يريد منك أنك تعرف أن الحق هو الحق، لذلك لما مر النبي عليه الصلاة والسلام برجلين. الأول صاحب مكانة اجتماعية كبيرة، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: ما تعدون هذا فيكم؟ قالوا: يا رسول الله، هذا فلان، حري أن ينكح، وإن تكلم أن يسمع، وإن شفع أن يشفع. فسكت النبي عليه الصلاة والسلام.

ثم مر آخر، قال: ما تعدون هذا فيكم؟ قال: يا رسول الله، هذا فلان، حري إذا نكح ألا ينكح، وإذا تكلم ألا يسمع له، وإذا شفع ألا يشفع، ما له قيمة. فقال النبي عليه الصلاة والسلام بين المعيار الإسلامي: «هذا خير من ملء الأرض من هذا». ولما صعد عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وهو الصحابي الجليل، وجاءت ريح وهبت على عبد الله بن مسعود وكان قد صعد النخلة فكشفت ساقيه، وكان دقيق الساقين، فضحك بعض الناس. فقال: تضحكون من دقة ساقيه؟ لهي في الميزان أثقل من جبل أحد. الموازين مختلفة، ونضع الموازين القسط ليوم القيامة، هناك الميزان الأخروي ليس هذا الميزان الذي عند الناس في الدنيا.

قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم. قالوا فأتوا به على أعين الناس لعلهم يشهدون. ائتون بإبراهيم أمام الناس، دعونا نحاكمه محاكمة علنية أمام الناس. وسبحان الله هذا الذي يريده إبراهيم، لماذا؟ لأنه هنا إقامة الحق تكون دعوة عامة. الدعوة الفردية دعوة لها تقدير معين وعمر معين، لكن تريد أن تقيم الحق الكامل لابد من الدعوة الجماعية، لابد من الموقف العام. لذلك موسى عليه السلام كان يريد يوم الزينة، قال: ﴿مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَن يُحْشَر النَّاسُ ضُحًى﴾ [طه: 59]. والنبي عليه الصلاة والسلام لما أمر الله سبحانه وتعالى بالبيان والبلاغ صعد على الصفا وأخذ يهتف ينادي: يا بني فلان، يا بني عدي، حتى اجتمعوا إليه، حتى إن الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولًا، حتى اجتمع الناس. فقال: أرأيتم لو أخبرتكم بأن خيلًا تخرج من سفح هذا الجبل أكنتم مكذبين؟ قالوا: ما جربنا عليك كذبًا. قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد. إقامة حق عام حتى ما يأتي أحد من هؤلاء يقول: ما سمعت، حتى ما يأتي أحد من هؤلاء يقول: ما في أحد بلغني، ما في أحد أقام الحجة علي. وهنا إقامة الحجة العامة مقصودة للدين، ولا بد منها حتى لو لم ينقَد أحد.

هنا إبراهيم عليه السلام هؤلاء دعوه، هو فعل فعلًا كبيرًا، أحدث هكذا ضجة كبيرة فدعوه. قالوا: أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم؟ يعني هل أنت يا إبراهيم اللي حطمت هذه الآلهة وكسرت هذه الأصنام وفعلت الذي فعلته؟ فرد عليهم إبراهيم عليه السلام، هذا هو الآن عقل إبراهيم في إقامة الحجة على هؤلاء. قال: بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون. قال: لا، هذا الصنم الكبير الذي معه الفأس هو الذي غار، ما استطاع أن يحتمل أن تعبدوا معه هذه الآلهة، فأخذ الفأس وحطم هذه الآلهة وبقي هو لوحده، فاسألوهم إن كانوا ينطقون. اسألوا هذه الأصنام، اسألوا هذه الأوثان التي تعبدونها من دون الله سبحانه وتعالى إن كانت هذه تنطق وتتكلم.

وهو وهم يعرفون بأنها لا تتكلم، لكن مرات يا شباب الشخص يغطي عقله، يعني هو يكون عنده تناقض، لكن هو مو مستحضر أنه متناقض، هو غير مستحضر بأنه متناقض، يعني يفعل كذا ويفعل كذا، هذا تناقض، فتكون نفسه مؤثرة فيحتاج الشخص أن يزحزح هذه النفس ويزيلها، حتى عقله تبتعد عن المؤثرات فيبدأ يفكر. لذلك هذا الذي وقع معهم، يعني هو لما أقام عليهم الحجة بهذه الطريقة الواضحة البينة التي لم يعد عندهم فيها أي دليل، ولم تعد النفس الآن حاضرة بقوة لما أقام عليهم هذه الحجة الصادمة، فرجعوا إلى أنفسهم، رجعوا إلى عقولهم، رجعوا فيما بينهم وبين أنفسهم يفكرون فقالوا: إنكم أنتم الظالمون. هذه التي يريدها الله سبحانه وتعالى، أن الشخص خلاص الآن نعم نحن لسنا على صواب، نحن مخطئين وهذا الكلام الذي يقوله حق. هم رجعوا الآن إلى أنفسهم بعد ما هز إبراهيم عليه السلام هذه النفس هذه الهزة القوية، ولكن رجعوا بعد ذلك ونكسوا على رؤوسهم.

لماذا؟ الله يقول في كتابه العظيم: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام: 110]. الله سبحانه وتعالى حليم، والله سبحانه وتعالى رحيم، والله سبحانه وتعالى رحمن. الله سبحانه وتعالى لا أحد أحب إليه العذر من الله سبحانه وتعالى، فلذلك الله سبحانه وتعالى كان يشتم ابن آدم ويقول ليس له ذلك، شتم ابن آدم ومع ذلك الله سبحانه وتعالى يحلم عنه ويملي له. الله سبحانه وتعالى يبصر هذا الشخص بالحق فيرى هو الحق، ولذلك أبو جهل قال: والله ما كذب محمد قط، يعرفون بأنه نبي، لكن لماذا ما يتبعون، لماذا ما يستجيبون؟ لأن أول مرة ما قادوا، يعني أول مرة الآن خلاص لم يعد بينك وبين الحق أي شيء، تستطيع الآن أن تمشي فقط. لكن هو ايش يفعل؟ يرجع يقول لا، لا بآبائنا وأجدادنا، لا إن قلت كذا هذا الآن وسواس نفس مع تسلط شيطان. إن إذا فعلت كذا أو قلت كذا ممكن الناس يتهموني يتكلمون فيني، طيب أنت الآن أبصرت الحق تستطيع الآن أن تفعله، لا تأتي النفس.

الآن هو لو فعل في البداية ما حدث هذا كله، لكنه لأنه ما فعل، جاءت النفس والوسواس وبدأ الشيطان يؤثر عليه: كيف أنت تفعل كذا؟ كيف تفعل؟ فيتراجع، خلاص الصحوة هذه تذهب وتأتي الغفلة نسأل الله السلامة والعافية. لذلك الله هنا قال: ﴿ثُمَّ نُكِسُواْ عَلَى رُؤُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَٰؤُلَاءِ يَنطِقُونَ﴾ [الأنبياء: 65].

هو يريد أن يستنطقهم، هو يريد أن يقيم عليهم الحجة في المعنى نفسه. انظروا الآن إلى رد إبراهيم عليه السلام، قال: ﴿أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ﴾ [الأنبياء: 66]. الآن هم قالوا: الآن تعرف أن هؤلاء ما فيهم من يتكلم، كيف نسألهم؟ فرد إبراهيم عليه السلام بعد ما هكذا انكسروا واستحوا.

قال: ﴿أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ﴾، الآن تعبدون هذه الأصنام التي ما تنفع، لا تملك نفسها نفعًا ولا ضرًا، ما تملك نفسها شيئًا، لا تملك لا نفعًا ولا ضرًا، ما تستطيع هذه الأوثان أن تفعل شيئًا. انظر الآن إلى الحليم لما يقول هذه الكلمات؛ إبراهيم عليه السلام الله سبحانه وتعالى وصفه في القرآن الكريم بعدد من الأوصاف، والنبي عليه الصلاة والسلام وصفه كذلك بنفس أوصاف القرآن. إبراهيم عليه السلام من أخص أوصافه الحلم، هو رجل حليم، حتى إن الملائكة لما مرت عليه يريدون لما بشروه هو مع زوجته ثم انطلقوا بعد ذلك إلى قوم لوط حتى يهلكوا تلك القرية، إبراهيم عليه السلام لم يزل يجادلهم، حليم إبراهيم عليه السلام هذا من أخص أوصافه، حتى لما دعا الله سبحانه وتعالى قال: ﴿رَّبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ ۖ فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي ۖ وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [إبراهيم: 36].

يعني إبراهيم عليه السلام هذا الوصف كان قويًا جدًا فيه، وأشبه الناس به من الصحابة أبو بكر، إن مثلك يا أبا بكر كمثل إبراهيم إذ قال. الحلم هو الغالب عليه، هو خلقه الأصلي خلق الحلم، موسى عليه السلام شدة، لكن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «وإنما مثلك يا عمر كمثل موسى»، لكن إبراهيم الأصل الحلم. الحليم يقول هذه العبارة التي ستأتينا الآن، إي نعم يقولها، متى يقولها الحليم؟ يقولها الحليم لما يضيق الأمر، لما تقام الحجة وتقام وتقام وتكون بينة واضحة وجلية ومع ذلك ما يستجيبون. الحليم هنا يقول: لقد جئتكم بالذبح، مع أنه هو الحليم، أحلم الناس النبي عليه الصلاة والسلام، أحلم الناس يقول: «لقد جئتكم بالذبح»، يقولها لكن متى يقولها؟ يقولها لما الأمر يصل إلى مداه، لما الأمر لم يعد يحتمل، لم يعد الشخص يستطيع أن يحتمله، هنا الحليم يقول هذه العبارات، لكن قبل ذلك ما يقولها الحليم.

لذلك هنا الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ * أُفٍّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ۖ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [الأنبياء: 66-67]. هكذا قذف بالحق على الباطل، وهنا الأسلوب شديد وقوي لأن هؤلاء لم يتركوا مساغًا للأسلوب اللين السهل؛ أقمنا الحجة العقلية وبينا لهم وكسرنا الأصنام واستنطقناهم ونطقوا، ومع ذلك ما استجابوا، إذن الآن لابد من إظهار العاطفة الإيمانية بأجلى صورها وأوضح حالها. الله يحب الآن أن تظهر هذه العاطفة، هذا التفرغ بالإيمان، هذا الاعتزاز بالدين، هذا الفخر: فزت ورب الكعبة، الآن الله يحب من العبد أن يظهر بهذه الطريقة حتى يتمايز الصفان ولو كان هو واحدًا.

هؤلاء الكفار لم يعد يستطيعون أن يحتملوا ما يقوله نبي الله إبراهيم عليه السلام، ففعلوا ما يفعل الطغاة في كل عصر لما يعجزون عن إقامة أو مقابلة الحجة بالحجة والبرهان بالبرهان، مباشرة قالوا: حرقوه وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين. جمعوا الحطب حتى أضرموا نارًا عظيمة يقال بأنهم جمعوها لمدة شهر كامل، حتى إن الطير كان إذا طار فوق هذه النار كان يسقط من شدة هذه النار وقوة هذه النار وتوهجها. ثم بعد ذلك لم يعرفوا كيف يقذفون إبراهيم عليه السلام، فأتاهم الشيطان، أتاهم الشيطان يا أبتي لا تعبد الشيطان، الشيطان موجود في قصص جميع الأنبياء هو موجود مع كل إنسان، أتى إبليس نفسه فجاء إبليس وعلمهم كيف يصنعون المنجنيق حتى يقذفوا إبراهيم عليه السلام من بعيد، فعلمهم الشيطان، لكن ماذا ينفع كيد الشيطان ومكر الشيطان إذا كان هذا مقابل كيد الله سبحانه وتعالى ومكر الله سبحانه وتعالى؟

قلنا يا نار بعد ما أتوا بإبراهيم عليه السلام ووضعوه في المنجنيق وأرادوا قذفه، هنا قال إبراهيم عليه السلام: حسبنا الله ونعم الوكيل، يققال بأن أتاه جبريل عليه السلام فقال: ألك إلي حاجة؟ ويقال بأن الملائكة ضجت وقالت: أي ربي، فأتوا بإبراهيم، فأثنى الله سبحانه وتعالى على إبراهيم عليه السلام ثم قال للملائكة: أيكم استغاث به إبراهيم فلينصره. ولكن العجيب في سيرة هذا الإمام العظيم هذا النبي الكريم هذا الرسول أبو الأنبياء هذا الخليل خليل الرحمن أنه في هذا الموقف الصعب لم يلتفت قلبه إلى أحد أبدا، حتى جبريل وهو جبريل ما التفت إليه ولم يطلب منه شيئًا، لكن قال: حسبنا الله ونعم الوكيل، الله سبحانه وتعالى هو أعلم بحالي وهو الذي سيكفيني سبحانه وتعالى.

أمر الله سبحانه وتعالى النار، قلنا: ﴿يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء: 69]. خاصية النار، خاصية الحرارة ذهبت، وأصبحت النار بردًا وسلامًا. ويقال بأن إبراهيم عليه السلام قام وأخذ يصلي داخل النار، ويقال بأن والد إبراهيم عليه السلام لما رأى هذا المشهد وتعجب منه كيف نار لا تحرق، قال: نعم الرب ربك يا إبراهيم، ويقال بأن والدته دخلت عليه كذلك في النار، هذه كلها إسرائيليات، المقصود من ذلك أن إبراهيم عليه السلام لم تحرقه هذه النار، فقدت النار خاصيتها، وهذه كذلك إقامة للحجة على هؤلاء الكفار.

فلما رأوا هذا المشهد خافوا من إبراهيم فتركوا إبراهيم عليه السلام، وخرج إبراهيم عليه السلام وهاجر إلى الله سبحانه وتعالى. وأرادوا به كيدًا فجعلناهم الأخسرين، أراد هؤلاء أن يكيدوا بإبراهيم وأن يحرقوه في النار وأن ينتصروا لآلهتهم، فجعلناهم الأخسرين؛ أخسر الناس هؤلاء الذين كادوا نبي الله إبراهيم عليه السلام. ثم قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَنَجَيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 71]. آمن له لوط فاتبع لوط إبراهيم عليه السلام، وهو ابن أخ إبراهيم عليه السلام.

انتقل هو مع لوط عليه السلام إلى بلاد الشام ومكثوا في هذه البلاد، طبعا إبراهيم ذهب إلى مصر ثم بعد ذلك انتقل إلى الشام، ولوط عليه السلام بعثه الله سبحانه وتعالى إلى سدوم. اختار الله هذه الأرض، أي بلاد الشام، وجعلها مباركة، وفيها بركة دينية وبركة دنيوية. أما البركة الدينية فلكثرة الأنبياء الذين بعثوا فيها، فذرية إبراهيم عليه السلام كلهم كانوا في الشام إلا خاتم الأنبياء وكذلك نبي الله إسماعيل ابن إبراهيم، فإسماعيل كان في جزيرة العرب في الحجاز في مكة، ثم جاء من نسل إسماعيل عليه السلام سيد الأنبياء وأشرف الأنبياء وسيد ولد آدم عليه الصلاة والسلام، كذلك كان من جزيرة العرب في مكة المكرمة، لكن بقية الأنبياء ذرية إسحاق كلهم كانوا في بلاد الشام.

هذه البلاد أصبحت بلادًا طيبة ومباركة لوجود الأنبياء وكثرة الأنبياء فيها وكثرة كذلك الخير الموجود فيها، وهي مباركة لأنها بلاد الخيرات بلاد الزروع والزيتون إلى آخره من هذه الخيرات التي بارك الله سبحانه وتعالى واختار هذه البلاد حتى تكون بها هذه الخيرات، وكذلك في آخر الزمان تكون معقلًا من معاقل الإسلام وهي أرض المحشر والمنشر. قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَنَجَيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 71].

ثم قال الله ممتنًا الآن على إبراهيم، الآن إبراهيم فعل هذه الأفعال وقدم لله سبحانه وتعالى هنا ما قدم، خرج بعد ذلك ثم دعا الله سبحانه وتعالى أنه ما عنده أهل، أنه ترك الأهل وترك العشيرة وترك المال، ترك هذا كله، لذلك هو أول منهاجر، قال: ﴿إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الصافات: 99]. ثم قال: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحينَ﴾ [الصافات: 100]، فمنَّ الله سبحانه وتعالى عليه بإسماعيل. لكن هو قدر الله له المقادير، الآن الله يصنع حياة هذا الإنسان الذي يتعلق به، ذهب إلى مصر، القصد من الذهاب إلى مصر أن يأخذ هاجر، وهاجر هي التي تستحق أن تكون زوجة لإبراهيم وأن تكون أمًا لإسماعيل، ثم انتقل بعد ذلك إلى بلاد الشام ومكث فيها، فحملت هاجر ورزق نبي الله إبراهيم بإسماعيل. ثم بعد ذلك منَّ الله عليه بإسحاق من زوجته الثانية سارة، ثم بعد ذلك امتن الله عليه بيعقوب من ذرية إسحاق، لذلك الله يقول وهبنا له هبة إلهية عطية كرم من الرب سبحانه وتعالى، أصبح البيت هذا كله مباركًا: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: 33].

هو ترك الأب وترك الوالد والأهل والأم، ترك الجميع لله سبحانه وتعالى فمنَّ الله عليه أن تكون النبوة من ذريته، ويكون بيته كله مباركًا، لذلك نحن نقول في التشهد: اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم. ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ [الأنبياء: 72]، منَّ الله عليه بإسحاق ثم يعقوب نافلة، ومن العلماء من يقول: نافلة تعود إلى إسحاق ويعقوب لأن الله منَّ عليه قبل ذلك بإسماعيل، ودعا أن يمن الله عليه بالولد، فمنَّ الله عليه وأعطاه إسماعيل، ثم زاد بإسحاق ثم من وراء إسحاق يعقوب. وقيل هنا نافلة تعود إلى يعقوب، فالله دعاه هو أن يرزق به الابن الصالح فمنَّ الله عليه بيعقوب ثم منَّ الله عليه بإسحاق ثم بعد ذلك من وراء إسحاق يعقوب، هذه زيادة من كرم الرب سبحانه وتعالى.

لذلك الذي يدعو الله سبحانه وتعالى ويتعلق به أحياناً هو يريد شيئًا، فالله سبحانه يعطيه فوق الذي يريده، هذا كله دليل على كرم الرب سبحانه وتعالى. ثم قال الله زيادة على ذلك: ﴿وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ﴾ [الأنبياء: 72]، كرم الله عظيم، كلهم صالحون؛ إسماعيل صالح، وإسحاق صالح، ويعقوب صالح، والبيت كله بيت صلاح وتقوى وبر. ثم قال الله: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾ [الأنبياء: 73]، ليس فقط صالحين، بل هم سادة الصالحين، ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ ۖ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ﴾ [الأنبياء: 73].

وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا، قيل أي بوحينا، وقيل يهدون بأمرنا أي بإذننا. والله سبحانه وتعالى امتن عليهم بهذا الوحي ويسر لهم الطريق وأعانهم على إقامة الحق في الأرض؛ اختارهم الله سبحانه وتعالى لشرف هذا الأب الصالح ولتحقيق هذا الأب لهذه العبودية، لذلك الله يمن على الداعية بحفظ بيته وحفظ أسرته وحفظ أبنائه بنفس صلاحه، ﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا﴾ [الكهف: 82]. أثر صلاح الأب عظيم على الأبناء، ليس كما يظن الناس بأن هنا فقط تربية مباشرة، لا، ليس هذا الطريق، لأن هنا إبراهيم عليه السلام أحسن مع والده يا أبتي، فمنَّ الله عليه بأبناء يحسنون إليه، الجزاء من جنس العمل، وكذلك هو دعا ربه سبحانه وتعالى وحقق لله العبودية فالله بارك له في ذريته.

وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة، أعظم العبادات العملية الصلاة، وإيتاء الزكاة العبادة المالية، وكانوا لنا عابدين وكانوا لنا موحدين مخلصين صالحين. ثم انتقل بعد ذلك الحديث عن نبي الله لوط عليه السلام، نتكلم عنه إن شاء الله تعالى في المجلس القادم، هذا والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.