دخولتسجيل الدخول

سورة الأنبياء 04 | تأملات في آيات

أحمد بن خالد الهاجريالشيخ أحمد بن خالد الهاجري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله والصلاة والسلام على خير خلق الله، على نبينا وقائدنا محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، ثم أما بعد. فحياكم الله إخواني جميعًا وبياكم، وسدد على طريق الخير خطاكم.

نكمل مدارسة سورة الأنبياء، وكنا قد توقفنا عند قول الله تعالى: ﴿لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَن وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلَا عَن ظُهُورِهِمْ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ * بَلْ تَأْتِيهِم بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ ۖ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلَا هُمْ يُنظَرُونَ﴾ [الأنبياء: 42-43]. ثم قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الأنبياء: 41].

الآن هؤلاء الكفار يطعنون ويستهزئون ويكذبون، وكل ما يرون النبي عليه الصلاة والسلام يخاطبونه بعبارات التحقير والاستهزاء إلى آخره. هنا الله سبحانه وتعالى يصلي النبي عليه الصلاة والسلام ويبين له بأن هذه سنة؛ فكل نبي وقع معه مثل هذا، كل رسول بعث الله سبحانه وتعالى إلى الناس قابله الناس بمثل ما يقابلك هؤلاء.

لماذا يذكر هذا الأمر في هذه السورة؟ يذكر من باب التطمين؛ هذه السنة لابد أن تقع معك كما وقعت مع من قبلك، ثم في النهاية ستكون النتيجة لك وليست لهم، لكن هناك مدة زمنية لابد أن تمضي، ثم بعد ذلك يكون النصر بإذن الله. وهذا فيه تسلية وتطمين.

الفائدة الثانية أن رسل الله سبحانه وتعالى ثبتوا، وصبروا، وقابلوا هذه البلاءات الكبيرة التي سيذكر بعضها في قصة إبراهيم عليه السلام، وكذلك في قصص الأنبياء التي ستأتي، فأنت أولى من هؤلاء الرسل في الثبات، وأنت أولى من هؤلاء في تحقيق العبودية التي يحبها الله سبحانه وتعالى منك في هذه المواطن: ﴿اصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾.

القص من ذلك أن الله سبحانه وتعالى هنا يبين هذه السنة بأن الرسل يتم الاستهزاء بهم من أقوامهم، مثل ما كان يقول قوم نوح لنوح ويتهمونه بأنه في ضلال، فيقول: ﴿لَيْسَ بِضَلَالٍ﴾، وهم يقولون: ﴿إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾، وهو نوح عليه السلام يقول: ليس بضلال. وكذلك يتهمون صالحًا عليه السلام: «إنك لـ الحليم الرشيد»، ويتهمون هودًا عليه السلام ويقولون: «ما نقول إلا أن قد ساء بك بعض آلهتنا»، فيقول: ﴿إِنِّي لَسَفِيهٌ وَإِنِّي لَكَ لَخَصْمٌ مُّبِينٌ﴾.

انظر كيف يخاطب هؤلاء، ومع ذلك هم ثبتوا، وصبروا، وحققوا العبودية لله سبحانه وتعالى على أتم وأكمل وجه. أنت أولى من هؤلاء جميعًا لأنك خير الأنبياء، فمثل هذه الآيات تسلي النبي عليه الصلاة والسلام، وتثبته، بل تدفع النبي عليه الصلاة والسلام للمزيد من الثبات والمزيد من العطاء والمزيد من الاستمرار في هذا الطريق الذي يعيش مع القرآن الكريم بهذه الطريقة، ويستقي من هذه الآيات هذه المعاني ويتفاعل معها.

متى يكثر الذنب الداعية؟ متى يتوقف؟ يتوقف لما يلام، لما يتم الطعن فيه، لما يتم احتقاره واستهزاؤه. هنا الداعية يسكت، يتوقف، ينحرج، يستحي، ويبتعد وربما يتوقف. وبعض الدعاة ما يتوقف عنده قوة لكنه يتأخر كثيرًا، فالموقف هذا الذي يقع معه لما ينكر على شخص أو لما يدعو شخص يتوقف أسبوعًا ما يدعو، طيب هذا الأسبوع من يعوضك إياه؟ ذهب! لماذا ذهب؟ لأن أثر هذه الكلمات كانت باقية عندك.

الكلمات تؤثر، ولكن ليس معنى هذا أن تتوقف. النبي عليه الصلاة والسلام كان هكذا مستمرًا معهم حتى يمنع، يعني هو ما كان يتوقف، بل حتى لما منع بعد ما رجع من الطائف أصبح يدعو القبائل، هم يسبونه ويشتمونه ومع ذلك مستمر عليه الصلاة والسلام. هذا الاستمرار في الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى مع كل هذه البلاءات هو بحد ذاته معجزة.

كيف استمر عليه الصلاة والسلام في هذه السنوات كلها بهذه الطريقة حتى إنه عليه الصلاة والسلام في آخر حياته كان يصلي وهو جالس؟ لماذا ما توقف؟ استمر استمر حتى استنفذ كل طاقته عليه الصلاة والسلام؛ لأن هذه الآيات كانت تنزل، فهو يعلم بأن هذه سنة، ويعلم بأن الله سبحانه وتعالى سينصره.

انظروا الآن كم دافع للاستمرار: رقم واحد ستنصر، أنت منصور، هذه سنة؛ الباطل الآن ينتفش ثم بعد ذلك سيدمغ بالحق ولن يكون إلا الحق. وكذلك الله الجليل العظيم الكريم سبحانه وتعالى يحب منك الثبات، يحب منك الصبر. إذاً الذي يحب الله سبحانه وتعالى أن يحبه، فثلاثة من الأنبياء صبروا؛ الرسل صبروا. انظر إلى صبر موسى، انظر إلى صبر نوح، انظر إلى صبر إبراهيم، أنت أولى من هؤلاء.

لذلك كان علي رضي الله عنه وأرضاه لما جاء أبو سفيان، وكان قد أفحش القول في النبي عليه الصلاة والسلام، وكان عنده جاريتان تغنيان، وسأل عن النبي عليه الصلاة والسلام، فكان هذا ثقيلًا على الرجل الشريف، فلما أتى أبو سفيان لم يستقبله حتى ذهب إليه، وتعرض له أبو سفيان وقال له: تالله لقد أثرك الله علينا. مباشرة النبي عليه الصلاة والسلام قال: «لا تثريب عليكم اليوم، غفر الله لكم». انظروا كيف علي رضي الله عنه كان فاهمًا النبي عليه الصلاة والسلام كيف كان يتأثر، فمباشرة لا، ما يسبقني يوسف عليه السلام، هو يكون أولى من يوسف عليه السلام بهذه المقامات.

هذه الآيات هي هكذا تنزل حتى تثبت الداعي إلى الله سبحانه وتعالى، حتى تصبره، وحتى تبين له هذه السنة، فهذا أمر طبيعي؛ لما تدعو إلى الله تعالى يسبونك ويشتمونك، الرسل شتموا، الرسل سبوا، الرسل اتهموا. فلما تتهم، هذا الأمر لا يأخذ منك أكبر مما يستحق؛ يعني هو نعم يؤثر في الإنسان، لكن التأثير مراتب.

هناك تأثير لا يجرح الإنسان ولكن لا يقعده، وطيب لماذا هذا أقعده وهذا لم يقعده؟ هذا أقعده أنه استسلم له، استسلم للكلام، وهو هكذا معلق مرتبته أو منزلته بما يقوله الناس، يعني هو ما عنده أصلاً تقدير لذاته، ما عنده كرامة لنفسه، ولا ينظر كثيرًا إلى نظر الله سبحانه وتعالى.

تقول طيب إذاً ما يتأثر؟ قلت لا، هذه الثانية يتأثر؛ لأنه إنسان، الله يقول: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ﴾ [الحجر: 97]. نعم يقع هذا الشيء ويتأثر الإنسان، لكن التأثير شيء، والإقعاد شيء، وعدم الاستمرار في طريق الدعوة شيء آخر، وانقلاب الداعية عن طريق الدعوة شيء آخر. انتبه انتبه أن تقعد عن الدعوة أو أن تغير الدعوة حتى ما يحدث معك مثل ما حدث مع الأنبياء. انظر كيف المعنى الآن يكون له قوة وله تأثير على الإنسان.

إن الشخص يريد أن يغير الطريق حتى ما يصيبه الذي أصاب الأنبياء، حتى ما يسير على طريق الأنبياء. هكذا بكل صراحة، حتى ما يسير على طريق الأنبياء، لا؛ هذا ليس لك. الأنبياء قيل لهم كذا وكذا وكذا، تشبه بالأنبياء تصبر كما تصبر الأنبياء.

إذاً هنا الله يقول: ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الأنبياء: 41]. كان هؤلاء يستعجلون بالعذاب، يستعجلون بالعقوبة، استهزأوا فحل بهم العقاب، نزلت بهم البلايا ووقعت عليهم المصائب وانتصر الرسل، وهذه سنة ماضية متكررة عبر التاريخ.

ثم قال الله: ﴿قُلْ مَن يَكْلَؤُكُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ﴾ [النساء: 81]. من الذي يحفظكم ويحرسكم؟ بدل "الرحمن" هنا، إن أمكن أن تكون بدلية، فالمعنى: من الذي يحفظكم ويحرسكم بدل الله سبحانه وتعالى؟ هنا أوتي باسم الله الرحمن ليلًا على سعة، هذه الرحمة الكبيرة.

أنت لما تنام، من الذي يحفظك؟ من الذي يحميك من هذه الحوادث؟ من الذي يحميك من قوارص الأرض؟ من الذي يحميك مما يقع في هذه الأرض؟ الله سبحانه وتعالى هو الذي يحمي، سبحانه وتعالى. هل هذا الإله يحمي؟ هل أنت تستطيع أن تحمي نفسك؟ لا تستطيع، إذاً من هو الحامي لهذا الإنسان؟ الله سبحانه وتعالى.

﴿قُلْ مَن يَكْلَؤُكُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ﴾، يحفظكم ويحرسكم بالليل والنهار، بدل "الرحمن" لا أحد، هو سبحانه وتعالى الحامي. المعنى الآخر: من الذي يحميكم من الله سبحانه وتعالى؟ لو أراد الله سبحانه وتعالى أن ينزل عليكم العقوبة، من يستطيع؟ من يستطيع؟ هنا أوتي باسم الله الرحمن ليلًا على أن الذنب الذي اقترفتموه ما تسعه سعة رحمة الله سبحانه وتعالى، فذنبكم عظيم جدًا حتى الرحمن هذا الذنب ما يتجاوز عنه.

﴿قُلْ مَن يَكْلَؤُكُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ ۗ بَلْ هُمْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِم مُّعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء: 42]. هؤلاء الكفار معرضون عن ذكر الله سبحانه وتعالى، لا يتفكرون ولا يعتبرون بهذه المواعظ الكبيرة والكثيرة والمتكررة. كم آية ينزلها الله سبحانه وتعالى؟ الآية الواحدة منهم كافية لإقامة الحجة، ولكن مع ذلك الله يتابع الآيات ويكرر الآيات ويثني الآيات، وما تلك الكفار ما ينتفعون من هذه الآيات ولا يستفيدون منها.

لماذا؟ العقول معطلة. لماذا؟ لأنهم أعرضوا عن ذكر الله، الحسد أعمى قلوبهم، الكبر، العلو، الطغيان، البغي، هذا كله جعلهم لا ينتفعون بهذه المواعظ ولا يتذكرون ولا يستفيدون، وحملهم على الإعراض عن مواعظ هذا الكتاب الجليل العظيم.

ثم قال الله سبحانه وتعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُم مِّن دُونِنَا﴾ [الأنبياء: 43]. هل عند هؤلاء الكفار آلهة تستطيع أن تحميهم؟ تستطيع هذه الآلهة أن تنصرهم؟ قال الله سبحانه وتعالى بعد ذلك: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنفُسِهِمْ﴾ [الأنبياء: 43]. ولا هم منا يصحبون. هذه الآلهة لا تستطيع أن تنصر نفسها، فضلًا عن أن تنصر غيرها، لا تستطيع.

هنا استفهام توبيخي لهؤلاء الكفار: هل هي التي تستطيع أن تحميكم؟ هل اللات تستطيع أن تحميكم؟ هل منات تستطيع؟ ﴿أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُم مِّن دُونِنَا﴾. ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنفُسِهِمْ﴾ بيان الضعف والعجز، ثم قال: ﴿وَلَا هُم مِّنَّا يُصْحَبُونَ﴾، أي هم منا ما يجارون.

كان رجل من العرب إذا مر على أحياء العرب وكان بينه وبينهم خلاف أو نزاع أو خشي على نفسه منهم، كان يطلب الجوار، فيجيره رجل من العظماء من الكبار الذي يستطيع أن يجير، فيقول: «أنا لك صاحب» من هؤلاء. فالناس هنا لما يعلمون بأن هذا دخل في جوار فلان، صُحب فلان، ما يتعرض له أحد؛ لماذا؟ تقديرًا لفلان ولقوة فلان ومكانة فلان إلى آخره. هذا ما يكون مع الله سبحانه وتعالى، ﴿وَلَا هُم مِّنَّا يُصْحَبُونَ﴾؛ هم منا ما يجارون، هو الذي يجير سبحانه وتعالى، ولا يجار على الله. «يا فاطمة بنت محمد، سليني من مال ما شئتِ، لا أغني عنك من الله شيئًا»، لا أحد يجير على الله سبحانه وتعالى.

وكذلك هم ما يمنعون، ما يستطيعون يمنعونهم من الله سبحانه وتعالى لو أراد الله أن يحل بهم العذاب والعقوبة. هذا يرجع إلى معنى الجوار والمصاحبة، قال الله هنا: ﴿وَلَا هُم مِّنَّا يُصْحَبُونَ﴾. ثم بين الله سبحانه وتعالى سبب تعفن قلوب هؤلاء، سبب تكلس عقول هؤلاء، قال الله: ﴿بَلْ مَتَّعْنَا هَٰؤُلَاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّىٰ طَالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ﴾ [السبأ: 36].

هؤلاء مُتعوا، وطال أمد المتعة والترف والحياة حتى ظنوا بأن هذا هو المعيار، مثلما قال صاحب الجنتين: ﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾. هو هكذا تفكيره، أني أنا في الدنيا الله سبحانه وتعالى أعطاني المال وأكرمني بهذه العطيات، إذاً هذا المعيار بالنسبة له سيكون كذلك في الآخرة لو كانت هناك آخرة، لماذا يقول: «لأن في الدنيا الله سبحانه وتعالى أعطاني هذا»؟ هذا التعفن بالفكر والعقل سببه طول الأمد، سبب الركون إلى الدنيا.

هذا خطير جدًا على الإنسان، شخص لما هكذا يركن إلى الدنيا ويطول أمد النعيم فيها من غير أن يكون عنده تجديد للإيمان، من غير أن يكون عنده ممارسة للدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، يبدأ يركن. نعم ممكن ما يصل إلى حال الكفار، لكن هكذا يركن ويقصر كثيرًا. هؤلاء طال عليهم الأمد، طال فيهم العمر، فطال هذا العمر في حياة معينة محددة، فظنوا بأن هذه الحياة ستنتقل كذلك إلى الآخرة، واغتروا بهذه الحياة. هذا طول الأمد بهذه الطريقة في السلطان والتأثير على الناس، حملهم على أن يمنعوا أي شيء يأتيهم أو لا يستجيبوا لدعوات الأنبياء، وهذا هو الذي كان يقع مع جميع أعداء الرسل.

إذاً نستفيد من هذه الآية فائدة عظيمة جدًا متعلقة بالإنسان: طول أمد الإنسان في النعيم قد يكون من أعظم موانع قبول الدعوة. طول أمد الإنسان في النعيم والترف يكون من أعظم الموانع في قبول الدعوات، لماذا؟ خلاص هو اعتاد على حياة معينة. «يطبعون أمرنا» كما كان الكفار يكررون كثيرًا، يعني هم الآن يريدون أن يسلبوا منا هذا الشيء، هم الآن يريدون منا أن نكون مثل الضعفاء والمساكين. طال عليهم العمر في المتعة فلا يريد أن يصبح مثلهم، وهكذا صُنعت عندهم أعراف معينة فجعلت هذه كلها مانعة من قبول هذه الدعوة.

ولا هم يعلمون بأنه نبي، ويعلمون بأن هذا الكتاب كتاب الله سبحانه وتعالى، وأن هذا الكلام ما خرج إلا من إله، لكن هذه كلها نوازع النفس مع ثقل الحياة وطول الأمد، هذه كلها أثرت في الإنسان فمنعته من تقبل الدعوة، كون الله يقول: ﴿بَلْ مَتَّعْنَا هَٰؤُلَاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّىٰ طَالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ﴾.

ثم قال الله مذكرًا لهؤلاء، ومحييًا لهذه القلوب والنفوس وهذه العقول، خطاب مباشر مذكر لهؤلاء، وفي باطنه تذكير وتخويف: ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ [الرعد: 41]. أفهم الغالبون؛ تخويف لأن نفس السنّة.

الثقيلة ما ينفع معها مجرد الكلام العادي، لابد أن يكون كلاماً هكذا قوياً. أنتم تمرون على مدائن صالح وتعرفون قصة عاد، تعرفون ما الذي جرى في ثمود وعاد، ما الذي حل بهؤلاء؟ ما الذي وقع معهم؟ أليس إحلال العقوبة؟ ألم ينزل الله سبحانه وتعالى بهم هذه العقوبات وأنتم تعرفون هذا؟

إذاً لماذا أنتم لا تستجيبون؟ لماذا أنتم هكذا؟ فظنوا بأنه لن يقع عليكم مثل الذي وقع عليهم، وأنتم تنظرون إلى الأموات كيف يموتون، وأنتم تعرفون من خلال هذا الكتاب العظيم، وكذلك من خلال كتب الأنبياء، من خلال التوراة؛ هذا ذكر من معي وذكر من قبلي. تعرفون بأن الأنبياء انتصروا، وكان الله سبحانه وتعالى يفتح لهم البلاد وتسقط البلاد لهم تبعاً، أنتم تعرفون هذا. أنتم ما تخافون أن يحل بكم هذا الشيء؟ أفلا يرون؟

﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْزِنُهُمْ﴾، ظهور الإسلام على الكفر كما يقول عامة المفسرين هنا؛ ظهور الإسلام دائماً ينتصر على الكفر. لم يكن صراعاً؛ الكفر في البداية ينتفش، ثم بعد ذلك يزمغ هذا الباطل وينتصر الحق، هذا في التاريخ كله. انظروا إلى نوح عليه السلام كيف انتصر، انظروا إلى هود كيف انتصر، انظروا إلى صالح كيف انتصر، انظروا إلى إبراهيم عليه السلام، انظروا إلى لوط عليه السلام، انظروا إلى موسى عليه السلام، انظروا هكذا قصص الأنبياء، سليمان وداوود وهكذا. إذاً النتيجة معكم ستكون مثل ما وقع لبقية أعداء الأنبياء.

أعداء الأنبياء كيف أن أعداء الأنبياء وقعت عليهم العقوبات وحلت بهم المثولات؟ أنتم كذلك. أفلا يرون؟ هنا إما أن تكون رؤية بصرية، أي أنهم يمرون على مدائن صالح وكذلك يعرفون، أو يمرون كذلك على ديار عاد، هم من العرب تعرفون هذا، تكون رؤية بصرية؛ كيف أن هذه البلدان تم القضاء عليها وكيف أن الله سبحانه وتعالى نصر أولياءه. طبعاً هذا على المعنى الأول، الرؤية البصرية. والمعنى الثاني الرؤية العلمية، يعني أنتم تعرفون الذي وقع لأعداء الأنبياء وكيف الله سبحانه وتعالى نصر الأنبياء على أعدائه.

ثم قال الله: ﴿أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾. «أفهم الغالبون» يعني هنا استفهام تقريري إنكاري توبيخي لهؤلاء: هل أنتم ستغلبون؟ لما الله سبحانه وتعالى يقدر نزول العقوبة عليكم، هل تستطيعون تمنعها؟ لا تستطيعون، إنما سينتصر الرسول كما انتصر الرسل، وهذا هو الذي وقع؛ لما جاءت بدر كان النبي عليه الصلاة والسلام يمر على هؤلاء القتلى ويقول: «تسمعون يا معشر قريش؟». فكان يقول لعمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه: يا رسول الله إنما هم موتى! قال: «ما أنتم بآسمع لما أقول منهم، تسمعون يا معشر قريش؟ لقد وجدت ما وعدني ربي حقاً، فهل وجدتم ما وعد ربكم حقاً؟». هذه هي السنة المتكررة.

ثم قال الله سبحانه وتعالى: ﴿قُلْ يَا مُحَمَّدُ قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرْتُمْ بِالْوَحْيِ أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾، أنا بشر وظيفتي الإنذار، وظيفتي البيان بالوحي، بما أنزل الله سبحانه وتعالى، أنا لم آتِ بأي شيء من قبلي، إنما وظيفتي أن أبلغكم ما أمرني الله سبحانه وتعالى بتبليغه وبيانه. ثم قال الله: ﴿وَلَا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ﴾. هؤلاء مشكلتهم في الاستجابة. هذه الاستجابة لماذا؟ ما يستجيبون لأنهم لا يريدون.

من باب التقريب، الآن شخص لما تكلمه في معنى حق لكن هو لا يريد أن يسمعه كيف يتعامل معه؟ يتعامل معه بطريقة أنه كأنه لم يسمع. طيب، هذا من أجلك أنت، لكن هو يعرض، لماذا؟ كبر وطغيان، لا يريد أن يسمع، أو يبدأ يسمع سماع الذي يريد أن يرد عليك وليس سماع الشخص الذي يريد أن يفهم. لذلك هنا قال: ﴿وَلَا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ﴾. هؤلاء ما يسمعون الذي يقوله الرسول، لماذا؟ الكبر والطغيان منعهم، فعطلت عندهم هذه الحاسة، ما يسمعون إلا الذي يريدون سماعه، أما الحق المبين الظاهر لا يريدونه.

لماذا لا يريدونه؟ ﴿لِأَنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا﴾، لماذا لا يريدونه؟ كيف يكون الرسل بشراً؟ لأنهم يبتزون أمرنا، لا نريد أن نكون مثل سلمان ومثل بلال وعمار وصهيب. موانع نفسية، كلها موانع نفسية، ما عندهم مانع عقلي قوي، كل موانع نفسية اجتمعت عليهم هذه الموانع، عطلت عندهم حاسة السمع، هي موجودة هم يسمعون، لكن سماع الذي لا يستجيب، سماع الذي لا يريد أن يفهم. وفرق كبير بين شخص يريد أن يفهم وشخص لا يريد أن يفهم؛ الذي لا يريد أن يفهم هو من البداية لو أتيت بما أتيت لن يستجيب، لأن هنا المشكلة متعلقة فيه هو.

لكن مع ذلك الله سبحانه وتعالى يريد أن يقيم الحجة، وما أحد أحب إليه العذر من الله سبحانه وتعالى. إذا كنا أوتينا حساسية السمع، فالإنسان الشيء الذي لا يريده يصنع أنه لم يسمع، أو يسمع سماع الذي يريد أن يرد، ليس الذي يريد أن يستجيب أو حتى الذي يريد أن يفهم. ﴿وَلَا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ﴾، إذاً ما ينذرون؛ مشكلة هؤلاء أنهم ما يسمعون الإنذار، لا يتعظون. الله سبحانه وتعالى يخوفهم ويذكرهم ومع ذلك لا يتعظون ولا يستجيبون.

استمعوا إذاً: ﴿وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذَابِ رَبِّكَ﴾. نفحة، مستهم نفحة، المس اللمس الخفيف، ونفحة تفيد هنا أنها نفحة واحدة، والنفحة هي البلاء الخفيف. النفحة الآن لما تقول نفحة الطيب، ليست الرائحة بقوتها لما تكون قريباً منها، إنما هكذا نسناس، هذه الرائحة، يعني أثر هذه الرائحة. هؤلاء مستهم نفحة واحدة، والنفحة الشيء اليسير، يعني عذاب يسير جداً ومرة واحدة، وهذا العذاب يصيبهم مرة واحدة وليس بثقله، إنما مس نفحة. الله يقول: ﴿وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذَابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾.

«يا ويلنا»، يا هلاكنا، هكذا يدعون على أنفسهم بالويل كما كانت الأمم السابقة لما يقع عليها العقاب وتحل بها العقوبة، كذلك كانوا يتعاملون مع الواقع. كما قال الله سبحانه وتعالى في مطلع السورة لما قال: ﴿ارْكُضُوا إِلَى مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ * ارْكُضُوا إِلَى مَآتِكُمْ وَمَسَاكِنِكُمْ﴾، قالوا: ﴿يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾. لا تفسير الكلام، سنة متكررة عبر التاريخ، هؤلاء فقط تأتيهم هذه المسة، هذه النفحة، هذا المس الخفيف.

هنا لماذا يذكر العذاب بهذه الطريقة؟ هؤلاء لا يحتاجون إلى إقامة حجة عقلية، لكن الله سبحانه يقيم عليهم الحجة العقلية حتى ما يكون لهم عذر يوم القيامة، لكن هذه النوعية من الناس تصدم بهذه الطريقة، لا بد أن يتم توبيخهم. ما الفائدة من التوبيخ؟ الفائدة أن التوبيخ إذا كانت في بقية حياة سيتاثر، لماذا؟ يخف، وإذا لم تكن في بقية حياة فهذا فيه تقوية لنفوس المؤمنين وكذلك تحقيق لهؤلاء الكفار، أي إيذاء لهم بمجرد سماعهم مثل هذا الكلام.

﴿وَلِأَن مُّسْتَهِمُ نَفْحَةٍ مِّنْ عَذَابٍ رَّبِّكَ لَيَقُولُنَّ يَا وَيْلَنَا أَنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ [الأنعام: 54]. هذا تثبيت للنبي ﷺ وللصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم؛ أن هذا ترونه الآن فقط، لكن لما تأتي فقط هكذا النفحة من العذاب سيتغيرون تمامًا، هذا الكبر كله سيذهب، هذا الطغيان وهذا العلو كله سيذهب.

ثم قال الله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَىٰ بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: 47]. سيضع الله سبحانه وتعالى الموازين القسط، أي العدل، الميزان هذا دقيق جدًا؛ فلا تظلم نفس شيئًا، لا يزاد عليها ولا ينقص، لا يزاد عليها من الذنوب والمعاصي ولا ينقص من حسناتها، ميزان دقيق جدًا.

ونضع الموازين القسط يوم القيامة، كل كلمة وكل فعل سيأتي: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: 7-8]. كانت أم عائشة رضي الله عنها وأرضاها وعن أبيها، لم يأتِها رجل مسكين يطلب هكذا الطعام، كانت تعطيه تمرة، تعطيه عنبة، وتقول: كم فيها من مثقال ذرّة؟ كم فيها من مثقال ذرّة؟

﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا﴾؛ هنا دلالة على دقة هذا الميزان، لو كان حبة من خردل -يعني مثال لأحقر الأشياء وأدق الأشياء وأصغر الأشياء- أتينا بها. لكن الكفار يقولون: ﴿مَا لِيَ لِهَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾ [الكهف: 49]، ﴿وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: 49]، ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا أَحْضَرَتْ﴾ [النازعات: 39]، ﴿وَكَفَىٰ بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: 47]، وكفى بنا محصين، كفى بنا عالمين؛ فالله سبحانه وتعالى هو الذي سيجازيهم وهو الذي أحصى كل شيء فعلوه، أحصاه الله ونسوه هم.

ثم انتقل الحديث بعد ذلك عن أنبياء الله سبحانه وتعالى، وافتتح الحديث عن الأنبياء بموسى وهارون وبكتاب الله سبحانه وتعالى التوراة: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِّلْمُتَّقِينَ﴾ [الجاثية: 11]. الله سبحانه وتعالى أتى موسى بالأصل، ثم هارون كان تابعًا لموسى، هو نبي وهو نبي من أنبياء الله سبحانه وتعالى، شفع له موسى عليه السلام حتى شرف الله سبحانه وتعالى بأن يبعثه مع موسى.

﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ﴾ أي التوراة، هذا الكتاب الذي يفرق بين الحق والباطل، وكذلك القرآن الكريم من أسمائه الفرقان، يقول الله: ﴿وَأَنزَلْنَا الْفُرْقَانَ﴾. ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً﴾؛ هذا الكتاب ضياء، أي هذا كتاب نور عظيم يكشف للناس، يبين للناس الذين يحب الله سبحانه وتعالى.

﴿وَذِكْرًا لِّلْمُتَّقِينَ﴾؛ هذا الكتاب كذلك ذكر، لكن لمن؟ للمتقين. لماذا هنا خص المتقين؟ لأنهم هم الذين ينتفعون من هذا الكتاب. قسم من الناس يزيد هذا الكتاب هدى، زادهم هدى وزادهم إيمانًا، وقسم من الناس -نسأل الله السلامة والعافية- زادتهم رجسًا إلى رجسهم. هذا الكتاب ذكر للمتقين وضياء للمتقين.

ثم قال الله: من هؤلاء المتقون يا ربي؟ ﴿الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ﴾؛ أي الذين يخافون الله سبحانه وتعالى ويعظمونه ويعرفونه وهم لم يروه، أو الذين يخافون الله سبحانه وتعالى ويعظمونه في حال ابتعادهم عن الناس؛ لماذا؟ لأن الله سبحانه وتعالى ينظر إليهم وهم يستشعرون نظر الله سبحانه وتعالى. قال جبريل للنبي ﷺ: «ما الإحسان؟» قال: «أن تعبد الله كأنك تراه»، فإنه لم تكن تراه فإنه يراك. مرتبة عالية جدًا؛ هو يستشعر نظر الله سبحانه وتعالى إليه، هؤلاء هم المتقون الذين يخشون ربهم بالغيب.

﴿وَهُم مِّنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ﴾؛ هم الذين يخافون مما سيقع في ذلك اليوم العظيم، لماذا؟ لأن ذلك اليوم يغضب الله فيه، هم يعرفون بأن الله سبحانه وتعالى يغضب غضبًا شديدًا، ﴿إِنَّ رَبِّي يَغْضَبُ الْيَوْمَ غَضَبًا لَّمْ أَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ وَلَن أَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ﴾ [الأعراف: 150]. نفسي نفسي نفسي، هذا كلام الأنبياء ودعاء الرسل، يومئذ ولا يتكلم إلا الرسل، اللهم سلم سلم، اللهم سلم سلم؛ لذلك هم يخافون.

وانظروا الآن كيف القرآن الكريم يقيم تصوراته؛ هؤلاء الكفار ينكرون ويستبعدون وجود يوم القيامة، والقرآن الكريم يقرر يوم القيامة ويذكر من يخاف من يوم القيامة بهذه الطريقة. هكذا تقام التصورات، وهكذا يتم تكسير وتحطيم التصورات الباطلة. وأهم من ذلك -وأكرر هذا في هذه المجالس- أن التصور الباطل يتم تغييره بالأسلوب اللين أو بالمعنى اللين، يعني تأتي تقول طيب هذا قولك وأنا قولي فهو كذا، ثم تتعامل، أبداً لا يمكن، الباطل لابد أن يدمغ بالحق، بل نقذف بالحق على الباطل؛ هذا هو قذف الحق على البطل.

هؤلاء يستنكرون ما في يوم قيامة ويستبعدونه، هنا يأتي الحديث عن يوم القيامة باعتبار حقيقة راسخة ولا بد أن تأتي، وأنتم سيصيبكم العذاب في ذلك اليوم، وهناك قسم من الناس يخاف من يوم القيامة تربية للمؤمنين. لذلك انتقل الناس من ﴿إِذَا كُنَّا عِظَامًا نَّخِرَةً * أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ إلى ﴿لَوْلَا السَّاعَةَ﴾؛ هذا الانتقال الهائل في هذه البقعة من الأرض كيف كان بهذه الطريقة في العرض.

ذاك وأهم وأهم من ظن بأن التصورات تغير بـ 40 سنة أو بـ 1000 سنة أو بـ 20 جيلاً، هذا كلام غير واقعي. التصورات بجيل واحد تتغير، جيل واحد لكن يكون قويًا في طرحه، تطرح التصور بهذه الطريقة ويكون معه استمرار، يعني طرح قوي مع استمرار مع ثقة من الطارح أنه واثق بأن هذا حق. هذه الطريقة في الطرح: ثقة مع الاستمرار مع التنويع مع القوة في الطرح، هذه الأربعة هي التي تغير التصورات، أما غير ذلك فإنسان يعيش في وهم كبير.

التصورات ما تتغير بأسلوب أو بالمعنى اللين وقولكم كذا وقولنا كذا، أبداً، ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾؛ هكذا تغير التصورات، القرآن ما يسمي الكافرين إلا بهذا، ما يسميهم اسم لطيف، ما يقول الآخر ما يقول الطاغوت، يقول الكافرون؛ هكذا مصطلحات القرآن، هكذا تغير التصورات، هكذا تقام التصورات الحقيقية ويتم القضاء على التصورات الباطلة.

﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِّلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ وَهُم مِّنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ﴾؛ إذاً موسى أوتي هذا الكتاب فرقاناً وضياءً وذكراً للمتقين، وهناك أناس استجابوا لموسى، ﴿وَمِن قَوْمِ مُوسَىٰ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ [الأعراف: 159]؛ من أتباع موسى عليه السلام هكذا كانوا صالحين ويقضون بالحق. فلا بد أن يكون من أتباع النبي ﷺ من هو مثلهم يهدون بالحق وبه يعدلون، إذاً لابد أن يوجد من أصحاب النبي ﷺ من أتباع النبي ﷺ من هو بهذه الطريقة، وهذه إشارة لأصحاب النبي ﷺ وإرشاد لهم بأن من أتباع موسى كانوا هكذا، إذاً لا تتأثروا بما يقول أهل الباطل.

ثم قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَهَذَا ذِكْرٌ مُّبَارَكٌ أَنزَلْنَاهُ ۚ أَفَأَنتُمْ لَهُ مُنكِرُونَ﴾ [الأنبياء: 50]. هذا الكتاب العظيم ذكر لمن يتذكر، ذكر لمن يتعب، لمن يستوعب، لمن يريد أن يعيش مع القرآن، لمن يريد أن يفهم هذا الكلام العظيم، لمن يريد أن يطبق، لمن يريد أن يمتثل.

ووصف الله سبحانه وتعالى ذلك بأنه مبارك، البركة كثرة الخير، وهذا الكتاب لا تحصى بركته، لا تحصى خيراته، خيرات عظيمة في الدنيا وكذلك في الدين، فيه توجيه لما يحب الله سبحانه في التوحيد، فيه الحديث عن الله سبحانه وتعالى، عن أسمائه وصفاته، فيه بيان ما يحب الله سبحانه وتعالى من أعمال، فيه الصلاة، فيه الزكاة، فيه الصيام، فيه الأعمال التي تثمر التقوى، خير عظيم جدا.

وكذلك ما يحتاج الإنسان إليه في الدنيا، وكذلك خير في الدنيا، فلما تمتثل أمر الله سبحانه وتعالى يبارك لك في الأمور المتعلقة بالدنيا، هناك ارتباط وثيق بين هذا العالم، عالم الغيب وعالم الشهادة، فخيراته عظيمة جدا وكبيرة، إذا امتثلتم ما في هذا الكتاب تدين لكم العرب وتؤدي لكم العجم الجزية، كما قالها النبي عليه الصلاة والسلام، هذه من خيارات من بركة هذا الكتاب، ساس الناس، هؤلاء ساسوا الناس وحكموا البلدان وخضعوا العبيد لدين رب العبيد سبحانه، بماذا؟ وجاهدوهم به بالقرآن الكريم جهادا كبيرا.

ثم قال الله: وهذا ذكر مبارك أنزلناه أفأنتم له منكرون؟ كيف أنتم يا معشر العرب تنكرون هذا الكتاب وهو في غاية الوضوح، في غاية البيان، في غاية الظهور، وأنتم أولى الناس بالإيمان بهذا الكتاب، لكن لا يهدي إلا من يستحق الهداية، لا يهدي إلا من يهديه الله سبحانه وتعالى، حكمة بالغة، فما تغني النذر، أنتم نزل هذا القرآن على لسانكم وتعرفون عظمة هذا الكتاب وتعرفون هذا النبي وهو أمامكم، ولقد لبثت فيكم عمرا من قبله أفلا تعقلون.

لكن مع ذلك يتعاملون مع هذا التعامل، داعي هنا ما يأس ولا يحزن، يأتي رجل من فارس ويسلم ويتبع النبي عليه الصلاة والسلام وينصر دينه، وهؤلاء الذين هم أقرب الناس نسب للنبي عليه الصلاة والسلام لا ينقادون ولا يستجيبون ولا ينتفعون وهم يعرفونه ويعرفون نسبه ويعرفون أمانته وصدقه، لكن هذه حكمة بالغة، فما تغني النذر.

ثم انتقل بعد ذلك الحديث عن قصة نبي الله إبراهيم عليه السلام، وهذه قصة ذكرها بشيء من التوسع، نتكلم عنها إن شاء الله تعالى في الدرس القادم، هذا والله أعلى وأعلم، وصلى الله وسلم على نبينا.