دخولتسجيل الدخول

سورة الأنبياء 03 | تأملات في آيات

أحمد بن خالد الهاجريالشيخ أحمد بن خالد الهاجري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

حياكم الله إخواني جميعاً وبياكم، وسدد على طريق الخير خطاكم. نكمل سورة الأنبياء، وكنا قد توقفنا عند قول الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنبياء: 30]. بعد ما ذكر الله سبحانه وتعالى الملائكة وبين عبودية الملائكة، وكذلك ذكر لو أن أحداً من هؤلاء الملائكة ادعى الألوهية من دون الله سبحانه وتعالى لكان عذابه مباشرة جهنم؛ ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم كذلك نجزي الظالمين.

ثم أخذ الله سبحانه وتعالى الآن يعدد نعم على الناس، وكذلك يعدد آياته الدالة على قدرته العظيمه سبحانه وتعالى. قال الله: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾، هنا اختلف العلماء في معنى رتقاً، الرتق هو السد، لكن ما المراد بالسد؟ ما المراد بالتلاصق؟ هل السماوات كانت متلاصقة والأراضين كذلك كانت متلاصقة؟ أو أن السماوات كانت متلاصقة بالأراضين وفتقت هذه بماذا وهذه بماذا؟ هل الفتق هو فصل السماء عن الأرض؟ أو المراد بالفتق هنا فتق السماء بالمطر وفتق الأرض للنبات؟ أو المراد الهواء الذي كان بين السماوات والأرض؟ أو المراد الضياء؟

وسئل ابن عباس رضي الله عنهما عن ذلك، عن الظلمة والضياء أيهما كان أول؟ فقال بأن الظلام كان أول ثم بعد ذلك جاء النور. القصد من ذلك أن هذه الآية من الآيات الدالة على عظمة الرب سبحانه وتعالى، وهذا الاستفهام هنا: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾ استفهام توبيخي، يوبخ الله سبحانه وتعالى هؤلاء الذين كفروا، الذين يدعون مع الله سبحانه وتعالى آلهة أخرى، من الذي فتق السماوات؟ من الذي فتق الأراضين؟ من الذي فتق السماوات عن الأرضين؟ ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾، إذاً هنا الفتق يكون بالمطر فتق السماء، وكذلك فتق الأرض بالنبات، وكذلك بالهواء، وكذلك بالضياء.

ثم قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾. قبل ذلك، هذه الآية: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا﴾ يستدل بها كثيراً أصحاب الإعجاز العلمي بنظرية الانفجار العظيم الشهيرة، وليس من الصواب أن يتم إخضاع القرآن الكريم لهذه النظريات العلمية، لماذا؟ لأن النظريات العلمية تبقى نظرية، والحقائق العلمية بها خلاف، فنفس العلماء مختلفون فيما يقع في الكون، هل ما يقع في الكون هناك شيء يسمى حقيقة علمية؟ أو كلها عبارة عن نظريات افتراض؟ ثم الافتراض يصبح نظرية، ثم بعد ذلك هذه النظرية تصبح حقيقة؟ القصد من ذلك هو ليس بصواب، ولا أريد الآن الخوض بتفاصيل هذا؛ لأن في هذا الزمان كثر الحديث عن الإعجاز العلمي خاصة في السنوات الماضية، ربما أكثر من الآن، الحديث كثير عن الإعجاز العلمي، وأن القرآن هكذا به آيات دالة على الإعجاز، وهذا لا ينكر، ولكن ليس بصواب أن يتم مبالغة فيه، وللعلماء ضوابط من المعاصرين أقصد يعني، هذه المسالة ليس بصواب التوسع بها التوسع الكبير، حتى ما يخرج القرآن الكريم عن القصد الذي من أجله نزل.

فالقرآن هو كتاب هداية، القرآن نزل من أجل أن يهدي الإنسان، والله سبحانه وتعالى أقام الحجج والبينات الظاهرات على صحة هذا الكتاب العظيم، ثم بعد ذلك إذا سلم الإنسان إلى هذا الأمر تكون الأوامر، يكون الاستسلام لله سبحانه وتعالى. الله يقول في كتابه العظيم: أول ما أنزل في هذا الكتاب العظيم: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾ [العسق: 1-2]. انظر إقامة الآن وبيان الله سبحانه وتعالى خلق هذا الإنسان من علق، نطفة ثم أصبحت هذه النطفة علقة، بعد ذلك: ﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: 3-5]. فالله سبحانه وتعالى هنا يأمر الإنسان ممثلاً النبي عليه الصلاة والسلام بأن يقرأ مستعيناً بالله متلبساً بهذه الاستعانه، ويبين له من هو الذي خلق، وكذلك هو الأكرم سبحانه وتعالى. بعد ذلك سيصل الإنسان إلى التسليم لهذا الدين، لما يسلم هنا لابد أن يستسلم، أي لما يصدق الإنسان والله سبحانه وتعالى يقيم هذه الدلائل الكثيرة على صحة هذا الكتاب العظيم، إذاً هنا تستسلم ما الموجود في القرآن الكريم؟ الموجود الذي يريد الله سبحانه وتعالى من الأوامر والنواهي التي كلها تدور حول التوحيد، تدور حول التوحيد، وحديث القرآن كله عن هذا.

فإخراج القرآن الكريم من هذه الدائرة إلى دائرة الحديث عن الاختراعات، أو الحديث عن علم الفيزياء والكيمياء والجيولوجيا إلى آخره، هذا ليس بصواب، هذا ليس بصواب، فلا ولا نخضع، يعني ليس بصواب أننا نخضع للضغط العالمي الذي يقع، هذه الطريقة بالتعامل مع القرآن ليس بطريقة سديدة، طبعا أقصد هنا من يبالغ، أما إذا كان شخص مقتصداً فالامر يكون أيسر، الأمر يكون أيسر ولهذا يعني تفصيل ليس هذا محله، لكن فقط هنا يكون من باب التنبيه. فالله يقول هنا: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾، الله سبحانه وتعالى جعل من الماء كل شيء حي، الله خلق الإنسان من نطفة من ماء مهين، وكذلك الله سبحانه وتعالى جعل قوام هذه الحياة الماء، فالإنسان والحيوان والنبات لا يمكن أن تستمر هذه الحياة من غير الماء، لا يمكن أن تستمر هذه الحياة من غير الماء، فالله سبحانه وتعالى هنا يمتن على العباد: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾، ألا يؤمن هؤلاء الكفار ويصدقون بقدرة الله سبحانه وتعالى كيف أن هذا الماء هو مادة هذه الحياة؟

هنا مثل هذه الآيات يقف الإنسان عندها، ينظر إلى هذه السماوات العظيمة، كيف أن هذه السماوات كانت لا تمطر ثم أصبحت تمطر، كيف أن هذه السماوات كانت ملتصقة مع الأرض ثم بعد ذلك فتق الله سبحانه وتعالى السماء على الأرض، كيف كان هناك ظلام ثم بعد ذلك جاء هذا الضياء، كيف أنه لم يكن هناك هواء ثم أصبح الآن هذا الهواء الذي نشم ونعيش بسببه؟ القصد أن هذه آيات عظيمة دالة على القدرة، لكن مشكلة الناس أنهم يعرضون عنها وسيأتينا.

ثم قال الله: ﴿وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِهِمْ﴾، جعل الله سبحانه وتعالى في الأرض رواسي أي جبالاً، ﴿أَن تَمِيدَ بِهِمْ﴾ أي وجعلنا في الأرض رواسي أن تميد بهم، أي جعلنا في الأرض رواسي جبال لئلا تميد، لئلا تضطرب لا تتحرك هذه الأرض بالناس، إذاً هذه الجبال أوتاد، هذه الجبال أوتاد مثبته للأرض. ثم قال الله: ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا﴾ أي في الجبال وقيل في الأرض، ﴿فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [الأنبياء: 31]، يعني جعلنا في هذه بين هذه في هذه الجبال الثغرات والطرق، وكذلك في الأرض التي يستطيع الإنسان من خلالها أن ينتقل من مكان إلى مكان لعلهم يهتدون. هنا الله يمتن على هؤلاء، وتعرفون مكة الحجاز عموماً سميت الحجاز بالحجاز لوجود هذه الجبال، سلسلة الجبال الكبيرة التي تفصل بينها وبين البلاد الأخرى، فالله سبحانه وتعالى امتن على الناس بجعل هذه الجبال مثبته للأارض، ولو لم تكن هذه الجبال موجودة لكانت الزلازل هي الأصل، لكان اضطراب الأرض هو الأصل.

ثم الله سبحانه وتعالى امتن على الناس بوجود هذه الثغرات، بوجود هذه الفتحات، بوجود هذه الطرق التي يستطيع الإنسان من خلالها أن ينتقل من مكان إلى مكان. تقول لي: أنا لم يسبق لي أن استشعرت هذه النعم؟ أقول لك: سبب هذا هو الألفان؛ يستشعر الشيء الذي يقع عليه هو لوحده،، لكن ما يستشعر عادة ما يقع على الناس أجمعين، الآن الإنسان لما تقع عليه هو هكذا منة خاصة، بزواج مثلاً، أو وظيفه عمل، أو يرزق به ابن، أو يشفى من مرض يستشعر هذا وهذا حق ولا باس به وهذا صواب، ولكن المشكلة لما تكون المنة ما يستشعرها كثيراً، فما يستشعر منة الله سبحانه وتعالى بوجود الشمس، منة الله سبحانه وتعالى بوجود الجبال، سبب هذا أن هذه منة عامة، طيب وإن كانت منة عامة فهي عليك أنت، يعني أنت من ضمن المقصودين بهذا، لكن هنا يغفل الإنسان كثيراً وليس قليل.

قال: وجعلنا ذلك، الله سبحانه وتعالى كرر كثيراً كثيراً هذه الآيات في القرآن الكريم، كرر كثيراً هذه الآيات الدالة على العظمة والقدرة في هذا الكتاب العظيم، لكن الناس يتفاوتون في العيش مع هذه المعاني: ﴿وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾.

ثم قال الله: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا﴾ [الأنبياء: 32]، جعل الله سبحانه وتعالى السماء على الأرض مثل القبة، محفوظاً أي مرفوعاً، وقيل محفوظاً أي من الشياطين، وقيل حفظت السماء بالنجوم وهذا يعود إلى القول الذي قبله، فهي محفوظة بالنجوم من الشياطين، وقيل محفوظاً أي ليس فيها فطور، فارجع البصر هل ترى من فطور؟ ليس فيها شقوق، ليس فيها فروج حتى يأتي قضاء الله سبحانه وتعالى فتنشق السماء وتتفطر السماء، إذا السماء انشقت وإذا السماء انفطرت. القصد من ذلك هنا الله سبحانه وتعالى كذلك يمتن على بني آدم بأنه جعل السماء فوق الأرض، وجعلها محفوظة، ولو أراد لسقطت السماوات على الأرضين، الله سبحانه وتعالى هو الذي يمسك سماوات الأرض أن تزولا، من الذي يمسك هذه السماء؟ الله سبحانه وتعالى، ولو أراد لسقطت هذه السماء على الأرض وهلك جميع الناس. إذاً هذه منة عظيمة، أولا منة عظيمة؟ وهذه كذلك آية دالة على القدرة، ولا آية عظيمة دالة على القدرة، لكن الإنسان ما يستحضر، وسبب عدم الاستحضار الغفلة.

وهنا فائدة عظيمة عظيمة القدر، الإنسان الذي يستحضر في مواطن عدم استحضار الناس هذا إنسان حياة قلبه عالية، لذلك النبي عليه الصلاه والسلام كان يصوم شهر شعبان، فقيل له في ذلك فقال: شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان، رمضان شهر معظم ورجب كذلك من الأشهر الحرم، طيب شعبان الناس يغفلون هنا، فكان يصوم، فالعبادة في زمان الغفلة عظيمة جداً، العبادة عبادة في الهرج، لماذا؟ لغفلة الناس. كذلك هنا الذي يعيش هكذا مع السماوات، مع هكذا الآيات العظيمة، ويخلص منها إلى توحيد الله سبحانه وتعالى، وإلى تعظيم الله سبحانه وتعالى، هذه علامة قوية على حياة قلب هذا الإنسان، وعبادة التفكر من أعظم العبادات، عبادة التفكر من أعظم العبادات، ولما سئلت أم الدرداء عن عبادة زوجها أبي الدرداء رضي الله عنه وأرضاه ذكرت بأن عبادتها كانت التدبر والتفكر.

لماذا التفكر؟ يثمر التعظيم، الله يقول: ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران: 191]، ثم هذه هذا التفكر يحملهم على قول ما خلقت هذا باطلاً سبحانك فقنا عذاب النار، الناس كثير منهم يقولون فقنا عذاب النار، لكن قبل ذلك هذا الذي يثمر التعظيم في القلب ما يحرس عليه كثيراً، فيكون الكلام قريب من اللسان، يعني ما يصل قلب أو يكون صله القلب وصول ليس قوي، فكل لما يتكلم كلم عن النار إلى آخره، ما يعني تكون دعوته فيها تكلف ليست دعوة حقيقية، لأن القلب ما امتلا بالتعظيم والخوف والاجلال، طيب هذا التعظيم والخوف والجلال من أين يأتي؟ أقول لك ياتي من التفكر، وياتي من التذكر، ياتي من عبودية الذكر، وكذلك من عبودية التذكر في آيات الله سبحانه وتعالى المنظورة والمسطورة، ويخسر الإنسان كثيراً لما يتاخر في تعبد الله سبحانه وتعالى بهذه الطريقة، هذا باب سريع للوصول إلى تعظيم الله سبحانه وتعالى.

ومرة كنت مع هكذا، كنا جالسون في مجلس، كان معنا أحد الصالحين يعني أصحاب القلوب هكذا الحية حياة كبيرة، فكان هكذا في في التلفاز طائرات كبيرة وهذه الطائرات تحمل كانت السيارات وتحمل كذلك هكذا المدرعات إلى آخره، والجلوس هكذا ينظرون إلى هذا المشهد، هذا كلام قديم كانت هناك هكذا حرب إلى آخره، فالقصد من ذلك هذا في مجلس، فلما رأى المجلس كله ينظر إلى هذا -طبعاً هنا طبيعي الناس عادة ايش يعني ينظرون إلى هكذا قوة القوة المادية إلى آخره أو ما يفكرون كثيراً- هو بكى، قال: إذا كان الناس يتعجبون من وجود طائرة تحمل هذه السيارات، كيف بهذا الكون، من الذي يحمل هذا الكون كله؟ من الذي يحمل السماوات هذه؟ أنزولا هذه أنتزولا؟ من الذي من الذي يمسك سماوات الأرض؟ طيب هذا من يتفكر فيها؟ يعني هذه الطريقة بالتفكير من يصل إليها؟ هذه ما يصل إليها إلا أصحاب حياة القلوب، لذلك الله هنا يكرر ويكرر ويكرر، فالإنسان إما أن يقبل، أو يكون من المعرضين والعياذ بالله كما سياتينا.

﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا﴾ مرفوعاً، تذكر الآن ايش الآن مع هذه الآية اختلف العلماء فيها، والخلاف كله مفسر بالقران؛ محفوظاً أي مرفوعاً، الله سبحانه وتعالى قال: السقف المرفوع، والسقف المرفوع، كذلك محفوظاً أي من الشياطين، فالله حرس هذه السماوات من الشياطين، محفوظاً أي بالنجوم، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «أنا أمن لأصحابي، فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمن لأمتي، فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون»، وقبل ذلك قال: «النجوم أمن للسماء، فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد». كذلك: ﴿هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ﴾، هل فيها من فروج؟ إذاً مع هذه الآيات وهذه الآيات كلها تحتمل هذه الآية.

ثم قال الله: ﴿وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء: 32]، آيات عظيمة جداً، آيات السماوات، هذه النجوم، القمر، الشمس، اختلاف الليل والنهار، آيات عظيمة يكررها الله سبحانه وتعالى كثيراً، حتى يصحو هذا الإنسان من غفلته، حتى يحيا قلبه، حتى يغرس بعد ذلك إلى معرفة من من.

الذي يدبر هذا الكون؟ من الذي يصرف هذا الكون؟ دعك من الأمور الصغيرة التي تعيشها كل يوم، هكذا تذهب وتأتي، هذه أمور صغيرة، لكن هذه آيات عظيمة باهرة الكل ينظر إليها والكل هكذا يعني خاضع، لكن قليل من يتأمل ويتدبر، والشيطان حريص أن يمنع الإنسان من هذه العبادة، كما أنه حريص أن يمنع الإنسان من العيش مع القرآن الكريم. الشيطان لا يريد الإنسان أن يصل إلى عبودية التفكر، سواء كانت في آيات الله سبحانه وتعالى التي أنزلها على الأنبياء أي كتبه سبحانه وتعالى وكلامه، أو كانت هذه الآيات العظيمة التي أكثر وتعالى من ذكرها في بيان الدلالة على قدرته العظيمة والجليلة، قالوا هم عن آياتها معرضون، معرضون عن هذه الآيات لا يتفكرون ولا يتأملون ولا ينظرون فيها، مع أن هذه الآيات موصله إلى الإيمان مباشرة ومقوية له ومثبته له.

ثم قال الله: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [الأنبياء: 33]. الآن كذلك الله سبحانه وتعالى يلفت هذا الإنسان إلى النظر في الليل وكذلك في النهار كيف يطول هذا ويقصر هذا، كيف تكون هذه آية الشمس وهذا آية القمر، كيف يكون أحيانا الجو هكذا بارد وأحيانا يكون حار، كيف تتقلب هذه الفصول على الناس، وهو الذي خلق الليل والنهار والشمس والقمر كل في فلك يسبحون. الشمس والقمر والليل والنهار في فلك يسبحون، أي يسيرون ويسرعون في هذا السير. هذا الكون كله مدبر، هذا الكون كله له قانون يسير وفق هذا القانون ولا يخالف أحد أمر الله سبحانه وتعالى إلا الشواذ من عصاة الإنس والجن فقط، فقط هؤلاء شادين عن سيد هذا الكون كله. الملائكة لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، وهكذا الليل والنهار والشمس والقمر كلهم بفلك يسبحون إلا هذا القسم فقط من الناس من الإنس والجن من العصاة، هؤلاء الذين يخالفون أمر المالك سبحانه وتعالى.

ثم قال الله: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ ۖ أَفَإِن مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ [الأنبياء: 34]. كان الكفار يقولون: شاعر نتربص به ريب المنون. الكفار لما صدمهم النبي عليه الصلاه والسلام ودمغهم الله سبحانه وتعالى بهذه الآيات العظيمة، الكفار اخذوا هكذا يفكرون في ما يقولون في القرآن وما يقولون في النبي عليه الصلاه والسلام وكذلك في طريقة التعامل مع النبي عليه الصلاه والسلام. فيريدون مرة أن يسكتوه، مرة يذهبون إلى أبي طالب عدة مرات: يا محمد افعل كذا، يا أبا طالب خذ لنا بابن أخيك، حتى خافوا بعد ذلك أن يموت أبو طالب فيقتل مثلا النبي عليه الصلاه والسلام بعد ما يموت أبو طالب فتعيرهم العرب بذلك. فالكفار هكذا اضطربوا في التعامل مع النبي عليه الصلاه والسلام، من ضمن ما كانوا يقولونه هو في النهاية سيموت، هكذا يعني في النهاية هذا الذي أسف أحلامكم وسب آلهتكم وفعل الذي فعل هو في النهاية سيموت، إذا مات انتهت هذه الحادثة أو الذي وقع عليكم، فكانوا يقولون: شاعر نتربص به ريب المنون.

فققال الله: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ﴾، أي الكل سيموت، ﴿أَفَإِن مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾، يعني جميع أبناء آدم لابد أن يموتوا. يقول النبي عليه الصلاه والسلام فيما يرويه عن ربه عز وجل في الحديث القدسي: «وما ترددت في شيء أنا فاعله ترددي بقبض نفس عبد المؤمن يكره الموت ويكره مساءته ولا بد له منه». لماذا هذا؟ لأن الله هو الواحد القهار. ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: 26-27]. الكل لابد أن يموت، كُلُّ مَن مَّيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ. وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد، الأنبياء كلهم ماتوا، الرسل ماتوا، الصالحون ماتوا وكذلك الكفار ماتوا والكل سيموت ولن يبقى إلا هو سبحانه وتعالى. وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفإن مت فهم الخالدون، أي إذا مت أنت يا محمد هم سيخلدون؟ هم كذلك سيموتون ولكن شتان شتان بين الذي ستلقاه أنت وبين الذي سيلقاه هؤلاء الكفار، أنت ستصير إلى رحمة الله سبحانه وتعالى إلى جنة عرضها السماوات والأرض وكل من اتبعك على ذلك، لكن هؤلاء ستكون نتيجة صادمة لهم كما سياتي.

أفإن مت فهم الخالدون، ثم قال الله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ۗ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً ۖ وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [الأنبياء: 35]. كل إنسان لابد أن يموت، ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْفَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ﴾ [الجمعة: 8]. أين ستذهب؟ يمين سياتيك، يسار سياتيك، سترحل سياتيك، وتعرفون قصة الرجل الذي كان مع سليمان عليه السلام. كان جالس مرة رجل مع سليمان ودخل ملك الموت، فلما دخل عليه ملك الموت تعجب ملك الموت لما رأى هذا الرجل عند سليمان، وكان حاد النظرة يحد النظر إليه، فلما خرج خاف هذا الرجل فقال لسليمان عليه السلام: من هذا؟ طبعا هذا من الإسرائيليات التي تروى هكذا، فقال: هذا ملك الموت، فطلب منه أن ينقل إلى مكان بعيد فنقلته الريح قيل إلى الهند وقيل غير ذلك، فتلقاه ملك الموت هناك ثم رجع بعد ذلك إلى سليمان، قال: ما صنعت؟ قال: قبضت روح فلان وكنت قد تعجبت أن فلان هذا كيف هو عندك والله سبحانه وتعالى أمرني بأن أقبض روحه فذهب ملك الموت إلى ذاك المكان فاذا الرجل هناك، لن يفر، لن يستطيع أحد أن يفر من الموت، الموت لابد أن يصيبك ولو كنت في أي مكان لابد لابد ولو كنتم في بروج مشيدة، أينما تكونوا يدرككم الموت لابد أن يصيبك الموت، كل نفس ذائقة الموت.

ثم قال الله: ونبلوكم بالشر والخير فتنة. نبلوكم أي نختبركم بالشر والخير أي بالرخاء والشدة، بالصحة والمرض، بالغنى والفقر، فتنة. حياة الإنسان كلها عبارة عن فتنة، لكن فتنة بالسراء وفتنة بالضراء. طيب، أي الفتنتين أصلح من حيث الأصل؟ السراء من حيث الأصل وليس معنى هذا على الكل لا، لكن بعض الناس فتنة الضراء عليه أصعب، وبعض الناس فتنة السراء عليه أصعب، لكن من حيث الأصل فتنة السراء أصعب من فتنة الضراء، تقول لماذا؟ اقول لك أكثر الأغنياء، أكثر الأغنياء هل يتقون الله في المال؟ هل يشكرون الله سبحانه وتعالى؟ الجواب لا. طيب، أكثر الفقراء أليسوا على خير واستقامة؟ الجواب بلى، أو نسبيا نقول هم أكثر، يعني من الذي يصلي أكثر؟ من الذي من هم اتباع الرسل؟ من هم؟ هل يتبع الرسل عادة الأقوياء هكذا المنعمون أو عادة الضعفاء؟ عادة الضعفاء كما يعني جاء في حديث ابن عباس في قصه مع أبي سفيان. طيب لماذا؟ لماذا؟ لأن هؤلاء داعي الفساد عندهم أضعف من أولئك، طبعا هذا كله من حيث الأصل.

ويقول عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه الصحابي الجليل مبينا الفارق بين الفتنتين: ابتلينا بالضراء فصبرنا، ابتلينا بالضراء مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فصبرنا، ثم ابتلينا بعده بالسراء فلم نصبر، لأن عبودية الشكر ينساها الإنسان بخلاف عبودية الصبر تكون ملازمة له، عبودية الشكر عبودية اختيارية، عبودية الصبر عبودية اضطرارية. لكن فارق كبير بين بلاء يوسف عليه السلام مع أخوته وبين بلاءه مع امرأة العزيز، هنا بلاء اختياري أي مع امرأة العزيز والنسوه وهنا بلاء اضطراري، بلاء الاختيار أصعب. القصد من ذلك أن أكثر الناس بلاء السراء لهم أشق من بلاء الضراء، وحياة المسلم هي بين السراء والضراء. عجبا لأمر المؤمن يقول النبي عليه الصلاه والسلام إن أمر كله له خير إن اصابته سراء شكر فكان خيرا له وإن اصابته ضراء صبر فكان خيرا له، المؤمن بين هذا وهذا. ولكن من الذي يشكر لما يعطى؟ وكيف هو شكر الله سبحانه وتعالى؟ والله سبحانه وتعالى يرضى من الشكر بالقليل، والله سبحانه وتعالى من أسمائه الشكور أن يجازي على القليل بالكثير سبحانه وتعالى. إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها ويشرب الشربة فيحمده عليها، انظر يرضى سبحانه وتعالى. ونوح عليه السلام سماه الله سبحانه وتعالى عبدا شكورا، كان يشكر الله سبحانه وتعالى في كل شيء، لما يأكل يشكر الله سبحانه وتعالى على الطعام، لما يلبس يشكر الله سبحانه وتعالى على هذه المنّة هذه العطية.

وكان أبو بكر الصديق الصحابي الجليل رضي الله عنه وأرضاه يقول: لأن أعافى فأشكر أحب إلي من أن أبتلى فأصبر. لكن هذا لقسم من الناس، يعني قسم من الناس يكون قلبه حي مثل أبي بكر فهو يقول عبودية الشكر والمعافاة أفضل من البلاء. وحياة الإنسان كلها بين هذا وهذا، فالقصد من ذلك أن الله سبحانه وتعالى يبتلي الإنسان، فلا تظن لأن البلاء الذي تراه على غيرك أنت لست مبتلى، أنت مبتلى كذلك، البلاء الآن مثلا على غزة بلاء صعب وثقيل لكن أنت كذلك مبتلى بالنصره، هم مبتلون وانت مبتلى، هم سيسألون وأنت تسأل، هم يسالون عن الصبر والثبات إلى آخره وأنت تسأل عن النصرة التي تستطيعها، الكل مبتلى لا تظن أن هذه الحياة لا بلاء فيها، هي كلها بلاء، هي كلها اختبار، المقصود بلاء هنا أي اختبار، هي كلها اختبار، لكن كيف تتعامل مع اختبارات؟ والله ذكر في كتابه العظيم عن أيوب عليه السلام وصف بأنه نعم العبد إنه أواب، وصف كذلك سليمان عليه السلام نعم العبد إنه أواب. هذا العبد ابتلي فصبر وهذا العبد ابتلي فشكر، فكان سليمان عليه السلام يعلم بأن الذي يقع له عباره عن اختبار، ﴿هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ [النمل: 40]. قلوب حية، قلوب حية، فالإنسان حياته كلها بين هذا وبين هذا، فهنا يصبر وهنا يشكر، هنا يصبر وهنا يشكر، هكذا.

كل نفس ذائقة الموت ونبلوكم بالشر والخير فتنة، ثم قال الله: ﴿وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [الأنبياء: 35]. هذا الآن اختبار ستموتون وسترجعون إلى الله سبحانه وتعالى، وسيختبركم الله سبحانه وتعالى في هذه الحياة ثم ترجع إليه فيحاسبك ويجازيك، إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه.

ثم قال الله: ﴿وَإِذَا رَأَكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَٰذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُم بذكر الرحمن هم كافرون خلق الانسان من عجل ساريكم آياتي فلا تستعجلون﴾ [الأنبياء: 36-37]. الله يقول هنا: هؤلاء الكفار إذا راوا النبي عليه الصلاه والسلام إن يتخذوك إن يتخذونك إلا هزوا، يعني دائما يتعاملون مع النبي عليه الصلاه والسلام تعامل هكذا مبني على الاستهزاء والعلو عليه والترفع ويجتمعون بأنه مذمم، حتى يعني زوجة أبي لهب تأتي وتطعم به وتلقي الشوك في طريقه بابي أمه عليه الصلاه والسلام. فهذا الله سبحانه وتعالى يكشف طبيعة ما كان يقع مع النبي عليه الصلاه والسلام، وبعد ذلك سيقول الله سبحانه وتعالى بأن هذا وقع كذلك مع الأنبياء: ولقد استهزئ برسل من قبلك، يعني هذه سنة متكررة. لذلك الشخص لما يلتزم ويستقيم هو لابد أن يستحضر أن هذا الطريق من ضمن علاماته أو إماراته أو معالمه وجود هؤلاء. لكن في النهاية غلب الحق، الحياة هذه كلها عبارة عن اختبار، الحياة هذه كلها عبارة عن اختبار وسيقع هذا الاستهزاء ولكن عادة ما يكون الاستهزاء أقل بكثير مما يقع للأنبياء والمرسلين. النبي عليه الصلاه والسلام هو أعلى الناس، هو أشرف أبناء آدم، أنسب العرب، أفصح العرب، أكمل الناس عقلا وعمره هنا جاوز عليه الصلاه والسلام أربعين في مكة، النبي عليه الصلاه والسلام بعث على رأس أربعين من عمره، فهو شريف هذه كلها ثقيلة على النفس ومع ذلك يأتي هؤلاء الكفار ولا يتعاملون معه إلا هذا التعامل، تعامل مبني على الاستهزاء، مبني على هكذا السخرية إلى آخره.

وإذا راك الذين كفروا إن يتخذونك إلا هزوا، أهذا الذي يذكركم (يعني الآن هذا يعني متعجبين هكذا) هذا هو الذي يذكركم، استفهام إنكاري تعجبي: هذا الذي يسب آلهتكم؟ هذا هو الذي يسف أحلامكم؟ هذا هو الذي يطعن بابائكم؟ فيرد الله سبحانه وتعالى: هم أي هؤلاء الكفار بذكر الرحمن هم كافرون. يعني هؤلاء يستهزئون بالنبي عليه الصلاه والسلام بأنه يطعن بآلهتهم التي هي عبارة عن أحجار هم صنعوها، هم شكلوها، وهم في نفس الوقت بذكر الرحمن هم كافرون بالله سبحانه وتعالى وكافرون بهذا الكتاب العظيم الذي أنزل الله سبحانه وتعالى على رسوله الأمين. يعني أين عقولكم أنتم يا معشر الكفار لما تطعنون بهذا الرسول الذي جاءكم بهذه الآيات البينات الظاهرات؟ ثم هو ما الذي يقوله؟ هو يسب أحلامكم؟ نعم، أحلامكم لا شك أنها عقولكم، لا شك بأنها عقول تاففة. كيف واحد يعبد صنم؟ كيف واحد يعبد حجر؟ كيف؟ يعني أين عقل هذا الإنسان؟ ما الذي تنتظرونه؟ يعني ما الذي تريدون من الرسول أن يقوله لكم؟ هل تريدون من رسولنا المبعوث من قبلنا أن هكذا يعظم عقولكم مثلا بأنكم أصحاب عقول رشيدة إلى آخره وأنتم تعبدون أصناما وأنتم تشركون بالله الذي خلق السماوات والأراضين والذي فتق السماوات والذي جعل الليل والنهار والشمس والقمر، هذا الإاله العظيم تشركون معه هذه الأصنام ثم تريدون من الرسول أخوة؟

يعني هذه المواقف أو هذه الآيات عيشوا معها من منظور القرآن ليس من منظور الواقع. يعني الآن لما يأتي النبي عليه الصلاه والسلام، هؤلاء الكفار نعم لهم القوة، لهم الغلبة، هم الكثرة، هم أصحاب المال إلى آخره، صح. هل المنتظر الآن من الرسول أن يتساهل معهم بالمعاني؟

بالأسلوب: نعم يخاطبهم: «أفرغت يا أبا الوليد؟». ما في مشكلة؛ لأن الآن نريد أن ندعوهم، فقولا له قولا لينا. هذا بالأسلوب، لكن بالمعنى، بالمعنى: هل تريدون أن يتم تغيير المعاني، ونقول: لا، عندكم رأي لكن رأينا أفضل من رأيكم؟ هكذا لا مستحيل، ولا يمكن أن تقوم الدعوة بهذه الطريقة، ولا يقوم الحق. الله يقول: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ﴾، يعني في التصورات، في معركة التصورات لا مجاملة فيها ولا مداراة فيها، يعني بالآراء لما يكون الرأي هذا الذي يقوله الشخص هو مصادم لشيء ديني، هذا لا كرامة له، لا كرامة الإنسان هذا. ممكن يتعامل معه باللين معه هو؛ حتى يتم تقريبه للحق، لكن رأيه نسفه! نسفه الرأي، ونقول بأن هذا رأي لا يخرج إلا من عقل فاسد، هذا رأي لا يقوله إنسان عاقل. هكذا كان النبي عليه الصلاة والسلام يسفه أحلام هؤلاء، هو طبيعي يسفه أحلام هؤلاء، هو مبعوث من قبل الله سبحانه وتعالى يريد أن يقر الحق، وعقولهم غريبة. المنطلق لابد أن يكون قرآنيًّا. هذا الكلام لابد أن نفهمه في التطبيق الواقعي، يعني ما نأتي في الواقع وننسى هذا كله، ونقف فقط عند الأسلوب وننسى المضامين، هذا ليس هو الإسلام.

ثم قال الله سبحانه وتعالى هنا: ﴿وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ﴾، يعني هم يسفهون ويستهزئون بالنبي عليه الصلاة والسلام، وهم في نفس الوقت يكفرون بالله سبحانه وتعالى. أوتي باسم الرحمن، اسم الرحمن يؤتى كثيرا في سياق العذاب: ﴿إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ﴾. لماذا؟ لأن الذنب الذي وقعت فيه الذي هو الشرك، ما تسع رحمة الرحمن: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾، ذنب عظيم جدا! هؤلاء وهم بذكر الرحمن هم كافرون، عجيب عجيب شأن هؤلاء!

ثم قال الله: ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾. هنا لما ذكر الله سبحانه وتعالى ما يفعل هؤلاء الكفار، ورد على هؤلاء وبين سفاهة هؤلاء الكفار، هنا قد يستعجل الإنسان: طيب يا ربي الآن تنزل عقوبة عليهم؟ الآن تحل بهم الآيات؟ الله يقول هنا: ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾، لا أحد يكون المدبر له حكيم، الله سبحانه وتعالى له حكمة، وليس أحد أحب إليه العذر من الله سبحانه وتعالى، فالله يريد أن يقيم الحجة، ويريد أن يبالغ في إقامة الحجة؛ لذلك تأتي الآيات كثيرا؛ حتى ما يأس الداعيه، حتى ما يتوقف الداعي، ليس فقط اليأس، لا، حتى ما يتوقف؛ لأن الله يحب المبالغة في إقامة الحجة. حتى ما يأتي شخص ويأتي يوم القيامة يقول: يا ربي ما أتانا رسول، ما في أحد أخبرنا. لا، أخبركم وليس مرة واحدة، إنما مرات عديدة وكثيرة، لكن الإنسان هكذا عجول، إنسان عجول، إنسان يريد لما يكون شيء هو يريده يريد الآن يقع، ولكن لما يكون شيء عليه لا يريد هكذا، يعني طبيعة الإنسان سبحان الله، لما يريد شيء تكون الثواني تمر عليه كأنها ساعات، لما هو يكون منتظر يريد أن يحقق هذا الشيء. ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾، هذه الآيات كاشفة الإنسان، تكشف طبيعة هذا المخلوق. هذا إنسان مخلوق هكذا، يريد يستعجل، يريد أن يقع هذا الآن، يريد يتم القضاء على الكفار الآن، يريد، لن يكون هناك سنة؟ هناك سنة، وأنت مطلوب منك تعمل، يعني لا تخالف هذه السنن.

﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ﴾، أي كما يقول بعض المفسرين مثل ابن كثير وغيره: آياتي أي انتقامي واقتداري وقوتي، فلا تستعجلون، ستنزل الآيات وتحل بهم العقوبات، وهذا مثل ما يقول شخص: اللهم أرنا بهم آية. هذه آية يعني عقوبة، علامة تدل على هكذا على قوتك يا ربي، وكذلك على إهلاك هؤلاء. وقيل هنا: آياتي آياتي الدالة يعني على هكذا عظمتي، وكان الكفار يطلبون من النبي عليه الصلاة والسلام الآيات التي هي من جنس آيات الأنبياء. ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ﴾.

ثم يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ﴾، ويقولون هؤلاء الكفار المشركين على سبيل هكذا الاستهزاء والسخرية: متى هذا العذاب؟ متى سيحل بنا هذا العذاب يا محمد؟ ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾، فيرد الله سبحانه وتعالى عليهم قائلا: لو يعلم الذين كفروا، لو يعلم الذين كفروا عظمة هذا العذاب، لو يعلم الذين كفروا شدة هذا العذاب، لو يعلم الذين كفروا فضاعة هذا العذاب، لو يعلم الذين كفروا حين لا يكفون عن وجوههم النار ولا عن ظهورهم ولا هم ينصرون!

﴿بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾. بل تأتيهم بغته، أي الساعة هكذا تأتيه فجأة، لما تأتيه ما يستطيعون أن يردوا وأن يصرفوا هذه الساعه وتاتيهم هكذا ويصدمون منها يدهشون. ﴿بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾، لا يستطيعون رد ساعة ولا يؤخرون: ﴿رَبَّنَا ارْجِعْنَا وَنَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ﴾ وجاءكم. انتهى خلاص، إذا جاءت الساعه مات الإنسان وجاء يوم القيامة خلاص لن يعود هذا الإنسان انتهى، فإن اليوم عمل ولا حساب، وغدا حساب ولا عمل.

أسأل الله سبحانه وتعالى أن يحفظنا وإياكم وأن يثبتنا يا رب العالمين على هذا الدين العظيم، انفعنا بهذه الآيات العظيمات، نقف عند هذا ونكمل في الدرس القادم إن شاء الله، هذا والله أعلى وأعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.