دخولتسجيل الدخول

سورة الأنبياء 02 | تأملات في آيات

أحمد بن خالد الهاجريالشيخ أحمد بن خالد الهاجري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله، الصلاة والسلام على خير خلق الله، على نبينا وقائدنا محمد، وعلى آله وصحبه ومن والاه، ثم أما بعد، فحيّاكم الله إخواني جميعًا وإياكم. وسدد على طريق الخير خطاي وخطاكم. نكمل مدارسة سورة الأنبياء. وكنا قد توقفنا عند قول الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ * لَوْ أَرَدْنَا أَن نَّتَّخِذَ لَهْوًا لَّاتَّخَذناهُ مِن لَّدُنَّا إِن كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: 16-17].

بعد ما ذكر الله سبحانه وتعالى ما حل بالأمم السالفة من العقوبة والنكال، وكذلك ردة فعل هذه الأمم، فما زالت تلك دعواهم حتى جعلناهم حصيدًا خامدين. أي لم تزل تلك الأمم لما تنزل عليها العقوبة يرددون كلمات الحسرة والويل والهلاك حتى تم القضاء عليهم. ثم انتقل الله سبحانه وتعالى للحديث بأنه لم يخلق السماوات والأرض وما بينهما لاعبين. ولو أراد الله سبحانه وتعالى أن يتخذ لهوًا لاتخذناه من لدنا، إن كنا فاعلين، أي وما كنا فاعلين. لو أراد الله سبحانه وتعالى أن يتخذ زوجة أو ولد، لكان هذا الاتخاذ من عنده سبحانه وتعالى، وليس كما يزعم هؤلاء المجرمين، هؤلاء الكفار الذين تجاوزوا الحد حتى تكلموا عن الرب سبحانه وتعالى ونسبوا له ما لا يليق.

فأنتم الذين تلعبون، أنتم الذين تلهون، أما الله سبحانه وتعالى لا لهو ولا لعب، ولم يخلق الله السماوات والأرض من أجل اللعب. أفحسبتم أنما خلقناكم عبثًا وأنكم إلينا لا ترجعون، فتعالى الله، فتعالى الله الملك الحق. فالله سبحانه وتعالى ينزه نفسه ويعظم نفسه من أن يفعل هذه الأفعال. فالله سبحانه وتعالى هو الحكيم، الله سبحانه وتعالى هو الحكيم. والحكيم لا يقدر الأمور إلا من أجل غاية، إلا من أجل مقصد. الله سبحانه وتعالى ما خلق السماوات والأرض ولا خلق الملائكة والجن وكذلك الإنس من أجل اللهو واللعب. إنما خلقت السماوات والأرض من أجل تحقيق العبادة له سبحانه وتعالى. وكل مخلوقات الله سبحانه وتعالى مخلوقة من أجل غايات معينة محددة. وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين. لو أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا إن كنا فاعلين. أي وما كنا فاعلين، وما كنا فاعلين. فهنا إن النافية التي بمعنى ما، وما كنا فاعلين.

ثم قال الله سبحانه وتعالى منتقلا من هذا الخطاب إلى خطاب آخر. قال: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ ۚ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾ [الأنبياء: 18]. بالبداية رد على ما يقوله هؤلاء الكفار والفساق. وهؤلاء الكفار الذين اعتادوا على اللعب واعتادوا على اللهو فكانت حياتهم كلها عبارة عن لعب ولهو. تجرأوا حتى وصل بهم الحال إلى أن يتهموا الرب سبحانه وتعالى بذلك، بأنه له صاحبة وأن له أبناء أو بنات. بل تطور بهم الحال حتى وصفوا هذا الشيء. فالقصد من ذلك أن الله سبحانه وتعالى رد عليهم وبين لهم أنه سبحانه وتعالى لم يخلق السماوات والأرض من أجل اللعب، سبحانه وتعالى.

ثم قال الله: بل نقذف بالحق. كان انتقال. بل نقذف بالحق. الحق لما يطرح على الباطل ما يطرح بيسر ولين، إنما يطرح كالقذيفة. فيدمغه. أي يصيب في دماغه. فإذا هو زاهق. أي فإذا هو مضمحل، ذاهب، يتم القضاء عليه. وهكذا سنة الصراع بين الحق والباطل. لذلك لا بد أن يعي أصحاب الحق طبيعة طرح الإسلام للحق. الإسلام لا يجامل في التصورات أبداً. ولا يداري بها. ولا يراعي حتى بها. التصورات الإسلامية لا توجد فيها أي مراعاة، إنما فيها البيان الواضح البين الجلي. المراعاة تكون بالأسلوب، بطريقة الطرح، لكن بنفس الطرح، بنفس المضمون، هذا لا مجاملة فيه، ولا يحق للداعية أبداً أن يدخل في هذا.

وانظروا في دعوة الأنبياء جميعاً، وعلى وجه الخصوص دعوة النبي عليه الصلاة والسلام. كيف كانت دعوة النبي عليه الصلاة والسلام مع أهل مكة؟ هو الحليم، هو الرحيم، هو الصادق الأمين. لما دعاهم، دعاهم عليه الصلاة والسلام، مبيناً التصورات الإسلامية كما هي، وكان يسفه الأحلام، وكان يطعن بآلهة الكفار، ولم يكن يبالي بذلك. واستمر صراعه مع الكفار حتى وصل الحال بالكفار إلى أن يذهبوا إلى أبي طالب، ويطلبوا منه أن يكف عن تسفيه الأحلام. أن يكف عن تسفيه الأحلام. أي ليس في عقولنا.

وكذلك وصل بهم الحال إلى أن يعرضوا على النبي عليه الصلاة والسلام الأموال والمناصب إلى آخره. بل وصل بهم الحال إلى درجة بأنهم مستعدون لأن يتنازلوا عن عبادة آلهتهم، بشرط أن يتنازل النبي عليه الصلاة والسلام عن عبادة الله سبحانه وتعالى. ستة أشهر بستة أشهر، أو سنة بسنة. فأنزل الله سبحانه وتعالى مباشرة: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون: 1]. لا أعبد ما تعبدون. ولا أنتم عابدون ما أعبد. ولا أنا عابد ما عبدتم، ولا أنتم عابدون ما أعبد، لكم دينكم ولي دين.

فيصل التصورات الإسلامية لا تعرف أن تكون ضبابية، إنما لا بد أن تكون واضحة وبينة وجلية. أما الأسلوب فيختلف على حسب الحال، على حسب الحال، لكن نفس التصور الإسلامي لا بد أن يكون بهذه الطريقة، وهذا التصور هو الموافق للفطرة، وهذا التصور هو الموافق للفطرة، وهذا التصور لما يقذف على الباطل يدمر الباطل، فلا يقوى الباطل على محاججة الحق، ولا يقوى الباطل على مصارعة الحق. فيذهب الباطل ويلتمس قوة الإعلام، يلتمس قوة السلاح إلى آخره، لكن في البيان والمحاججة لا يقوى الباطل أبداً على الحق، فالحق يقذف على الباطل فيدمر الباطل، فإذا هو زاهق.

لذلك لا ينبغي على الداعية أن يستحضر هذه المعاني، بأن بمجرد أن يقذف الداعية بالحق لا بد أن تظهر التصورات الإسلامية، ولا بد أن يدمر هذا الباطل، ولن يقوى الباطل على محاججة أصحاب الحق إلا بالتلبيس والتدليس والكذب والافتراء، ولكن على المحاججة وإسقاط التصورات الحقة، هذا لا يمكن. لكن لا بد أن يحسن الداعية طرح الحق، حتى يقيم التصورات، حتى يقيم حجة على الناس، ثم الذي يهتدي يهتدي، والذي لا يهتدي لا يهتدي، وهنا لن تكون هداية من لا يهتدي مبنية على العقل، إنما متعلقة بالنفس، أمراض النفس. تعصب، الالتفات إلى الكثرة، النظر إلى القوي، إلى آخره، لكن نفس البيان لا بد أن يكون واضح. وأهل الحق لما يطرحون الحق بهذه الطريقة، سيتضح الحق ويظهر للناس، لكن تبقى نفوس البشر، تبقى نفوس البشر.

هنا الله يقول: بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه، فإذا هو زاهق، ثم جاء التهديد والوعيد لهؤلاء الكفار اللعابين. ولكم الويل، كلمة تهديد من الرب سبحانه وتعالى، من العزيز سبحانه وتعالى، من القوي سبحانه وتعالى، ولكم الويل مما تصفون. ما الذي كانوا يصفونه؟ وتصف ألسنتهم الكذب. انظر الآن كيف الله سبحانه وتعالى وصف هؤلاء، بأن كان الكذب هو كلامهم، يعني أصبح كلامهم هو هو معيار الكذب. أضرب لكم مثال، تعرفون الآن لما يكون شخص جميل مثلا، فيقال بأن هذا هو معيار الجمال. وكذلك لما يكون قوي، يقال بأن هذا هو معيار القوة. هؤلاء أصبح معيار الكذب هم. وتصف ألسنتهم الكذب.

وهنا الله يقول: ولكم الويل مما تصفون، زعمكم بأن الله له ولد، زعمكم بأن الله سبحانه وتعالى، تعالى الله عما تقولون، له صاحبة، زعمكم بأن هذا القرآن عبارة عن شعر، عبارة عن سحر، إلى آخره، وما تقولون كذلك في النبي عليه الصلاة والسلام اتهامات، لكم الويل، تهديد ووعيد مباشر لهؤلاء الكفار الأفاكين. ثم قال الله سبحانه وتعالى مبينا عظمة الرب سبحانه وتعالى، قال: وله من في السماوات والأرض، هنا وقف. إن الله سبحانه وتعالى مالك كل من في السماوات، وكل من في الأرض، كلهم عبيد، مربوبون، مقهورون لحكم الله سبحانه وتعالى.

هنا فيه بيان شمول ربوبية الرب سبحانه وتعالى. فالرب واحد، والكل خاضعون لهذا الرب، إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا، لقد أحصاهم وعدهم عدا، وكلهم آتيه يوم القيامة فردا. ثم قال الله: ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون، لا تظنوا يا معشر البشر بأن الله سبحانه وتعالى مفتقر إلى عبادتكم. الله هو الغني. الله هو الذي يملك السماوات والأرض. لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئًا. هو مالك السماوات والأرض. لن يزيد في ملكي شيئًا. ولو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئًا. إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها. فمن وجد خيرًا فليحمد الله. ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه.

ومن عنده، أي عند الله سبحانه وتعالى في السماء، لا يستكبرون عن عبادته. أي هم خاضعون لله سبحانه وتعالى، منكسرون له سبحانه وتعالى. ولا يستحسرون. يعني الله سبحانه وتعالى هنا يصف هؤلاء الملائكة بوصفين اثنين. الوصف الأول خضوع القلب. والوصف الثاني دوام العمل. وهذا هو الفارق الكبير بينكم وبين الملائكة. الملائكة أقوى منكم. الملائكة أعظم منكم. الملائكة يستطيعون على ما لا تستطيعون. ومع ذلك هؤلاء الملائكة ما كانوا يستكبرون. ولا كانوا يأنفون. طيب كيف أنتم الذين خلقتم من ماء مهين؟ خلقتم من طين. كيف تتعاملون مع الرب سبحانه وتعالى بهذه الصورة وهذه الطريقة؟

وكذلك هؤلاء الملائكة لا يستحسرون. يعني ما يملون ولا يتعبون. إنما عبادتهم دائمة للرب سبحانه وتعالى. مستديمة هذه العبادة. ما تتوقف ولا تنقطع. فالكون هذا كله يعبد الله سبحانه وتعالى. ولا يخالف أمر الله سبحانه وتعالى إلا عاصي الإنس والجن فقط. أما هذا الكون كله يسير في طريق واحد. الشمس ما يأتي يوم تقول يا رب أنا لا أريد اليوم الخروج على بني آدم. ما يأتي القمر يقول يا رب أنا لا أريد اليوم أن أظهر. أبدًا. ما يأتي الليل ما يأتي النهار ويقول أنا لا أريد. الكل مسخر، والكون ذا كله لما تنظر له من نظر بعيد، تجد الكون كله يسير في العبادة إلا عاصي الإنس والجن، هؤلاء فقط هم المخالفون. أما بقية المخلوقات هذه كلها تسير لتحقيق العبودية، لتحقيق الذي يريد الله سبحانه وتعالى منها. لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون.

طيب، هل ممكن البشر يكونوا مثل الملائكة؟ أقول نعم. بعض البشر كان يريد أن ينافس الملائكة بالعبادة. فكان أويس القرني يقول: لأعبدن الله في الأرض كما تعبده الملائكة في السماء. وكان بعض السلف الصالح يدعو الله سبحانه وتعالى بألا ينام، لماذا؟ يقول: حتى أعبد الله سبحانه وتعالى في الأرض كما تعبده الملائكة في السماء. ولكن عبادة بني آدم في تفصيلها مختلفة عن عبادة الملائكة، فالملائكة لا تنام، لكن بنو آدم ينامون.

طيب، هل ممكن شخص يؤجر في النوم؟ نعم، كما قال معاذ بن جبل لأبي موسى الأشعري، قال: إني أحتسب عند الله نومتي كما أحتسب عند الله قومتي. فالإنسان إذا احتسب جميع أعماله يؤجر، فتكون عبادته مستمرة. لأن العبادة في الإسلام ليست خاصة بالصلاة مثلاً أو بالصيام، لا، إنما هي عبادة شمولية، بالصلاة، بالصيام، ببر الوالدين، صلة الرحم، وهكذا، عبادات كثيرة. العبادة اسم جامع لكل ما يحب الله سبحانه وتعالى ويرضاه، من أقوال وأفعال ظاهرة وباطنة. حتى المباحات لو نواها الإنسان أن يتقوى بها في العبادة تكون عبادة، يعني مباح يصبح عبادة، فتكون عبادة هذا الإنسان شبيهة بعبادة الملائكة.

والسعيد والله من يكون وقته كله بهذه الطريقة، يعني يحتسب في كل شيء. وهذا الاحتساب، النية، الاحتساب هذه عبادة الأصفياء، الأولياء، الذين ما يفوتهم شيء، يحتسب عند الله في كل شيء، ذهب في زيارة أخ في الله يحتسب هذه الزيارة، في جلوسه يحتسب هذا الجلوس، وحتى في الرجوع يحتسب. يحتسب في كل شيء. يحتسب في كل شيء. وكان يقول الشيخ ابن سعدي رحمه الله تعالى الشيخ عبد الرحمن بن سعدي كان يقول أنا أذهب إلى المسجد وأحتسب وأنوي أربع وعشرين نية. أربع وعشرين نية. ذكر نية أني أرد السلام أو أسلم على من لقيت. أني أنكر المنكر. أني أفعل كذا وكذا. أربع وعشرين نية. والننية تجارة العلماء كما يقولون. الننية تجارة العلماء.

في القسم من ذلك أن الله هنا سبحانه وتعالى يصف هؤلاء العبيد أنهم ما يستكبرون على الله سبحانه وتعالى. إذن العبد لما يعبد الله سبحانه وتعالى الله غير محتاج إليك. إفهم. إفهم يا أيها الإنسان. الله سبحانه وتعالى غير مفتقر. يعني لما تعبد الله لا تشمخ بك. لا تشمخ بك العبادة. لا تشعر أنك أنت الآن عبدت الله يعني. الله يقول: يمنون عليك أن أسلموا. قل: لا تمنوا علي إسلامكم. بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين. الله سبحانه وتعالى ما يحتاج إليكم. هو الغني سبحانه وتعالى. هو الصمد سبحانه وتعالى.

لذلك هذا الباب باب العبودية لازم يكون معه الذل والخضوع. بل لابد أن يكون معه غاية الذل وغاية الخضوع وغاية الحب لله سبحانه وتعالى. وأهم من ظن العبادة معها حضور. هذه العبادة تكون معها شموخ وعلو وارتفاع على الناس أو شعور الإنسان بينه وبين نفسه. هذا مخطئ في العبادة. هذا مقصر. هذا ملام. لذلك قال بعض العلماء: رب معصية أورثت ذلاً وانكساراً خير من طاعة أورثت عجباً واستكباراً. المعصية التي تورث الذل والانكسار والحياء من الله سبحانه وتعالى خير من الطاعة التي تورث العجب والاستكبار والنظر إلى الآخرين هكذا من برج عاجي.

ولما وقع داود عليه السلام بالمعصية الله سبحانه وتعالى قال: وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب. وكان يقال بأن الله كان يقول له كما ذكر ابن القيم وغيره من العلماء بأنه قال: يا داوود كنت تدخل علي دخول الملوك على الملوك، والآن تدخل علي دخول العبيد على الملوك. هذا الباب باب الذل باب الانكسار، كلما قوي عند الإنسان عظم أجر هذا العبد وارتقى.

هذا العبد في مدارج الولاية، في مدارج العبودية. ثم قال الله سبحانه وتعالى عن هؤلاء الملائكة: يسبحون الليل والنهار لا يفترون. يذكرون الله سبحانه وتعالى بالليل والنهار، منذ خلقهم الله سبحانه وتعالى إلى أن تقبض أرواحهم. وهم لا شغل لهم ولا عمل لديهم إلا ذكر الله سبحانه وتعالى.

ثم قال الله سبحانه وتعالى منتقلاً الآن بالخطاب إلى هؤلاء الكفار: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِّنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنشِرُونَ﴾ [الأنبياء: 21]. هل هؤلاء اتخذوا آلهة؟ هل هؤلاء عندهم آلهة؟ هنا تعجب، بل اتخذ هؤلاء آلهة من الأرض؟ طيب، هذه الآلهة هل تستطيع أن تحيي الموتى؟ هم ينشرون أي يحيون الموتى؟ لا تستطيع. إذاً لماذا تعبدونها؟ وكيف جعلتموها آلهة؟ يعني ما هو المستند؟ ما هو البرهان الذي من خلاله جعلتم هذه آلهة؟ وهل هي تستحق الألوهية؟ إذا ما كان الإله يملك أو له صفات الرب، كيف يكون إله؟

﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: 22]. لو كانت هناك آلهة غير الله سبحانه وتعالى لفسدت السماوات وفسدت الأرض لوجود تنازع، لوجود خلاف. وهذا الدليل يسمى بدليل التمانع، وهو مشهور عند العلماء. ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الأنبياء: 22]. تنزيه وتعظيم لله سبحانه وتعالى، رب مالك العرش الذي هو أعظم المخلوقات وسقف المخلوقات، عما يصف هؤلاء الكفار.

ثم قال الله سبحانه وتعالى ممجدًا نفسه، معظمًا نفسه: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: 23]. سبحانه وتعالى، لماذا؟ هو المتكبر، هو القوي، هو العزيز، هو الملك. اعرفوا يا معشر البشر من الذي تكلم بهذا الكلام؟ من صاحب هذا الكتاب؟ سبحانه وتعالى، اعرفوا من هو الله واعرفوا من أنتم. أنتم لا شيء. لا يسأل عما يفعل سبحانه وتعالى، لا معقب لحكمه، وهو الذي يجير ولا يجار عليه.

هو الذي سبحانه وتعالى يسأل ولكن لا يسأل، ولا يحق لأحد بأن يسأله سبحانه وتعالى. لماذا؟ هو العليم. لماذا؟ هو الخبير. لماذا؟ هو العظيم. لماذا؟ هو الحكيم. لماذا؟ هو المتكبر. لماذا؟ هو الله الخالق سبحانه، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون. لكن البشر تماذون ولا يعرفون من هو الرب سبحانه وتعالى، لذلك يطلقون إطلاقات لا يدري الإنسان كيف يطلقها. الإنسان مخلوق من ماء مهين، الله سبحانه وتعالى يتابع الإنسان كل يوم، كل يوم ضعفه. ينام ما يستطيع ما يقوى، يقاوم ثم يذهب عقله لابد أن ينام، يجوع ما يستطيع ما يقوى ولو صبر سيذهب عقله، يمرض، يحتاج إلى الهواء، يحتاج إلى شراب، ينسى، يذهل. يتابع الله سبحانه وتعالى عليه ضعفه كل يوم، كل لحظة، مفتقر إلى الهواء، مفتقر إلى أشياء كثيرة. ضعيف، هذا كله تذكير لك أيها الإنسان، حتى تعرف من أنت، حتى لما تقرأ القرآن، حتى لما تعبد الله تستحضر من أنت.

أصلك من ماء مهين، هذا أصلك. ثم في النهاية إذا طال عمرك سترجع إلى أرض العُمر، أرض العُمر مع ضعفك: ﴿وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ﴾ [يس: 68]. يعني حتى لو عمرت سترضعف وتكون مثل الطفل، ترجع مثل ما كنت ضعيف في البدن، ضعيف في العقل: ﴿لِكَيْ لَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا﴾ [النحل: 70]. خلاص يذهب علمه، هذا لو طال عمرك. طيب إذا أنت بين ضعفين، وأنت ضعيف حتى في بين هذين الضعفين. بدايتك ماء مهين، طفل صغير ما تعرف، ما تعرف أن تفعل شيء، تلقى الكلام من والدك، من والدتك، ثم هكذا شيئاً فشيئاً تبدأ تتعلم، ثم في النهاية لو عمرت سترجع مرة أخرى إلى الضعف، إلى الهوان، إلى الذل، إلى الانكسار.

لكن هذا الإنسان كأنه لا يبصر هذه الحياة، ومع ذلك يتأله، كيف يقول هذا الكلام؟ ومع من؟ يعني ليس مع حاكم من الحكام، هو ما يستطيع يقولها للحكام، هؤلاء الحكام ضعفاء وما يستطيع، بل أغلب الحكام ما يستطيع يقولها لأصحاب الشرطة لأصحاب المناصب وما يستطيع يقولهم هذا الكلام، ولا يستطيع يعارضهم، إنما يكون هكذا ذليل منكسر عندهم. هؤلاء كلهم ضعاف، هؤلاء كلهم لا يملكون شيء. لا يسأل عما يفعل سبحانه وتعالى وهم يسألون.

ثم قال الله: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء: 24]. بل اتخذ هؤلاء من دون الله سبحانه وتعالى آلهة يتذللون لها ويعبدونها ويخضعون لها ويصرفون العبادة إليها. قل هاتوا برهانكم، من أين أتيتم بهذه الآلهة؟ أعطونا هذا الدليل على أن مناة وأن اللات والعزى وهبل إلى آخره آلهة من دون الله، تستحق أن تكون هذه آلهة؟ من أين أتيتم بالشرك؟

هذا ذكر من معي أي القرآن الكريم، وذكر من قبلي أي التوراة والإنجيل الكتب التي سبقت القرآن بالنزول. أين يوجد فيها الشرك؟ من أين أتيتم بهذا الدين؟ أنتم تزعمون بأنكم على ملة إبراهيم، من أين أتيتم بهذا الدين؟ أي نبي من الأنبياء كان يدعو إلى هذه الدعوة؟ الدعوة إلى الشرك بالله سبحانه وتعالى من أين أتيتم بتعداد الآلهة من أين أتيتم به؟ ثم كيف تتخذون آلهة من حجر؟ من أين أتيتم ب؟ يعني هذه الافتراءات ما مصدرها؟

هذا ذكر من معي وذكر من قبلي بل أكثرهم لا يعلمون الحق فهم معرضون، أي بل أكثر هؤلاء المشركين لا يعلمون التوحيد ولا يعرفونه، فهم معرضون عن النظر والتأمل في دلائل الإيمان وبراهين التوحيد يعني هؤلاء لا عقول لهم فلا يفكرون، إنما هكذا يأخذون الكلام الذي تلقوه ممن قبلهم ثم يقولون خلاص هذا هو الصواب، طيب صواب بناء على ماذا؟ بناء على الحجة والبيان والدليل والبرهان، أو بناء فقط على النقل، بناء على ما قاله الأسلاف وما قاله الآباء ومنهم هؤلاء الآباء؟

ثم قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: 25]. جميع الرسل كانت دعوتهم دعوة التوحيد، دعوة إلى لا إله إلا الله، لا معبود بحق إلا الله، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله. لما أرسل النبي عليه الصلاة والسلام معاذ بن جبل إلى اليمن أمره بهذا، بأن أول ما يبدأ به الدعوة إلى لا إله إلا الله. وهذه دعوة جميع الرسل، جميع الرسل يدعون إلى هذه الكلمة العظيمة كلمة التوحيد، لا إله إلا الله.

ثم قال الله: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ [الأنبياء: 26]. يزعمون بأن الله سبحانه وتعالى اتخذ ولد، سبحانه، تنزيه له سبحانه وتعالى. إنما يتخذ ولد ولا يفرح بالولد إلا الضعيف الذي يحتاج إلى الولد، فهو يتزوج حتى يرزق بأبناء، حتى في المستقبل يحمل الأبناء، حتى يعينه الأبناء هكذا. لكن الله سبحانه وتعالى غير مفتقر، الله هو الغني سبحانه وتعالى.

وقالوا اتخذ الرحمن ولدا، سبحانه، تعظيم له سبحانه وتعالى وتنزيه له سبحانه وتعالى، بل عباد مكرمون. قسم من العرب كان يزعم بأن الملائكة هم بنات الله، فالله سبحانه وتعالى بين هنا بأن هؤلاء أي الملائكة هم عباد مكرمون، هم عباد مبجلون، عباد اصطفاهم الله سبحانه وتعالى وأكرمهم عنده في المنازل العالية. وهم كذلك في غاية الذل والخضوع والانكسار له سبحانه وتعالى، لا يسبقونه بالقول، أي الملائكة، ما يتقدمون بين يدي الله سبحانه وتعالى ولا يقولون شيئاً هو ما أمر به سبحانه وتعالى، إنما فقط يستجيبون لأمره وينفذون الذي يقول سبحانه وتعالى، لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون. يعملون بما يأمر الله سبحانه وتعالى به ولا يتجاوزونه.

﴿وَلَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء: 27-28]. يعلم الله سبحانه وتعالى ما بين أيديهم وما خلفهم، الله سبحانه وتعالى محيط علمه بهم، فيعلم الله سبحانه وتعالى حاضرهم وماضيهم سبحانه وتعالى. ما بين أيديهم هي الحاضر وما خلفهم أي الماضي.

ولا يشفعون إلا لمن ارتضى. الملائكة تشفع يوم القيامة، فيشفع القرآن وتشفع الملائكة ويشفع الأنبياء ويشفع أهل الإيمان أو من اختاره الله سبحانه وتعالى من أهل الإيمان. فالملائكة تشفع لكن تشفع لمن؟ لمن يحب الله سبحانه وتعالى، لمن يرضى الله سبحانه وتعالى، لمن رضي الله سبحانه وتعالى عنه. ولا يشفعون إلا لمن ارتضى، أي لا يشفعون يوم القيامة إلا لمن رضي الله سبحانه وتعالى عنه، وهم أهل الشهادة، أهل لا إله إلا الله.

قال: وهم من خشيته مشفقون، أي هم يرتعدون من خشية الله كما يقول الحسن البصري. هم يخافون خوف عظيم من الله سبحانه وتعالى. لماذا؟ لقربهم منه. لماذا؟ لعلمهم به سبحانه وتعالى. لما التقى النبي عليه الصلاة والسلام مع جبريل في رحلة المعراج ودنا جبريل من الله سبحانه وتعالى، يقول النبي عليه الصلاة والسلام: نظرت إلى جبريل كالحلس البالي، كالثوب الخلق من شدة خوف جبريل ورعب جبريل وخشية جبريل. هؤلاء عرفوا من هو الله سبحانه وتعالى وهم من خشيته مشفقون.

ثم قال الله: ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: 29]. ومن يقل منهم لم يقل أحد، لكن لو قال لو قال أحد من هؤلاء أنه إله، لو أحد من الملائكة ادعى بأنه إله، مباشرة ستكون النتيجة جهنم. ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم كذلك نجزي الظالمين. ولكن ما قالت الملائكة هذا والملائكة معصومون عن دعوى الألوهية، ولكن لو قال أحد من الملائكة أو أحد من الرسل لو قال هذا مباشرة تتم العقوبة: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر: 65]. ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ * فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ [الحاقة: 44-47].

هذا خطاب الملك، هذا الخطاب العام هو خطاب السيد سبحانه وتعالى، خطاب الإله سبحانه وتعالى، خطاب الرب سبحانه، خطاب العظيم، خطاب القوي سبحانه وتعالى. انظر الآن إلى الخطاب القرآني كيف كان يصطدم الكفار وكيف كان يدمغ الكفار. الكفار الآن في مكة لما يسمعون مثل هذه الآيات هم كانوا يستهزئون وكانوا يضحكون ويريدون أن يأتي النبي عليه الصلاة والسلام بآية كما يريدونها هم، وكيف يكون النبي بشراً؟ ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ [الأنبياء: 3]. ويستقبلون الآيات باللعب. انظروا كيف القرآن يرد عليهم بهذه الطريقة، بهذا الخطاب العظيم المجلجل المخيف المرعب بنفس هؤلاء الملائكة الذين أثنى الله سبحانه وتعالى عليهم، لو واحد منهم ادعى مثل هذا الادعاء لكانت النتيجة مباشرة جهنم.

إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، هذه هذا الذنب الذي ما يغفر الله سبحانه وتعالى إلا إذا تاب الإنسان، لكن هو لا يدخل تحت المشيئة. هذه هي السيئة التي تحيط بجميع الأعمال الصالحة: إنه لم يقل يوماً: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين، وأحاطت به خطيئته. خطيئة الشرك، شرك عظيم. شرك عظيم أن تجعل لله نداً وهو خلقك. أي ذنب عند الله أكبر؟ أي ذنب عند الله أعظم؟ لما سئل النبي عليه الصلاة والسلام فقال: «أن تجعل لله نداً وهو خلقك».

قال: ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم كذلك نجزي الظالمين. ثم ننتقل بعد ذلك الحديث عند القدرة، نتكلم عنها إن شاء الله تعالى في المجلس القادم. هذا والله أعلم وأحكم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.