دخولتسجيل الدخول

سورة الإسراء 01 | تأملات في آيات

أحمد بن خالد الهاجريالشيخ أحمد بن خالد الهاجري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله، والصلاة والسلام على خير خلق الله، على نبينا وقائدنا محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، ثم أما بعد، فحيّاكم الله إخواني جميعًا وبياكم، وسدّد على طريق الخير خطاي وخطاكم. نكمل هذا البرنامج الطيب المبارك الذي عنون برحلة مع القرآن، ونبدأ إن شاء الله تعالى في هذه الليلة بسورة جديدة، وهي سورة الإسراء.

وقبل الحديث عن مقصود هذه السورة، بودي أن أذكر نفسي وإياكم بأمرين اثنين رئيسيين. الأمر الأول المتعلق بشكر الله سبحانه وتعالى على نعمة القرآن، ونعمة العيش مع القرآن الكريم؛ هذه نعمة عظيمة جدًا، وهذه النعمة تستوجب الشكر، والله يقول: ﴿وَلَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: 7]. والله يقول: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: 58]. فضل الله سبحانه وتعالى ورحمته؛ الإسلام والقرآن، فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون.

لما جاءت أموال أسرى إلى عمر رضي الله عنه وأرضاه بعد معركة القادسية، نظر إليها عمر متأملًا متدبرًا أحوال الأمم، وكيف سقطت هذه المملكة التي دامت قرونًا عديدة، ونظر إلى هذا المال ثم قال: والله ما زوى الله هذا المال عن رسوله عليه الصلاة والسلام وعن أبي بكر لخير فيه، وبكى رضي الله عنه وأرضاه. فقال له بعض جلسائه: قل بفضل الله ورحمته فبذلك فليفرحوا. فأنكر عليه عمر وقال: هذا مما يجمعون، أما فضل الله سبحانه وتعالى ورحمته فإسلام مع القرآن؛ ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: 58]، وهذا مما يجمعون.

نحن الآن نعيش مع هذا الكتاب العظيم بعد هذه المدة التي فتح الله سبحانه وتعالى ومنّ سبحانه وتعالى على العديد ممن دخل معنا في هذا البرنامج الطيب، وهذه نعمة تستحق الشكر بل الشكر الطويل والكبير والعظيم. ولا أدري والله كيف لعبد يشكر الله سبحانه وتعالى على نعمة القرآن؛ يعني ما أدري كيف أن شخصًا يحمد الله سبحانه وتعالى على هذه النعمة، لكن استشعار العبد هذا المقصود، ﴿ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: 32]. الله سبحانه وتعالى أعطاك شيئًا ما أعطاه إلا القليل من الناس؛ المسلمون ليسوا بكثرة، المسلمون قلة نسبيًا، والصالح من المسلمين قليل، والذي يعيش مع القرآن الكريم من طلاب الحلقات ومن الدعاة وممن يطلب العلم إلى آخره، هؤلاء نادر جدا في كل عصر.

وبدأ هذا التحول أي في التعامل مع القرآن الكريم الذي يوصل العبد إلى الله سبحانه وتعالى في أواخر زمان الصحابة؛ في أواخر زمان الصحابة بدأ هناك التغير والتحول. فمن كان في القرن الخامس عشر وما زال على الهدي الأول، ما زال على الطريق الأول، ما زال يتلقى القرآن كما تلقاه أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، ويعيش مع آي القرآن الكريم، وفتح الله عليه بحيث أن أصبحت آيات القرآن تصل إلى قلبه مباشرة، ثم بعد ذلك الجوارح تتفاعل مع هذه الآيات؛ هذه كرامة إلهية، هذه أعظم من الدنيا ومن كل ما يمكن أن يعطاه الإنسان.

هذا الباب ما يستطيع أن يستمر الشخص فيه إلا بتوفيق عظيم من الله سبحانه وتعالى، والعبد يحتاج إلى الاستمرار في هذا الطريق، هو مفتقر إلى الله سبحانه وتعالى في كل لحظة في كل حين. فمن يفتح الله عليه فليستحضر نعمة الشكر؛ فبالشكر تدوم النعم. والذي لا يستحضر نعمة الشكر، إنما يفتح الله عليه ويعطيه ثم هو يظن بأن هذا بقدرته أو هذا هكذا، يستحضر بأنه هو الذي فعل، ستسلب منه هذه النعمة ولن يستمر في هذا الطريق، لن يستمر في هذا الطريق، هذا الطريق الحرب مع الشيطان فيه قوية، خاصة في هذا المشروع، أي العيش مع القرآن الكريم.

العيش مع القرآن الكريم هذا المشروع ثقيل جدا على الشيطان، والشيطان حرص من البداية أن يحرف الناس عن التعامل الصحيح مع القرآن الكريم. لذلك فتح لهم باب الحفظ، فتح لهم باب العناية بكذا وكذا وكذا، وإن كان هذا من الخير، ولكن ليس هذا ترتيبه في الدين؛ إنما الترتيب في الدين هو أن شخص يعيش مع القرآن الكريم، ويتأمل في هذا الكتاب العظيم، وتصل آي القرآن الكريم إلى قلبه، ثم يثمر هذا الكتاب العظيم العمل للدين والانتصار للإسلام، وأن يعمل القرآن فيه حتى يصنع هذا الكتاب العظيم كما صنع أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام.

فليس الكل يوفق إلى أن يعيش مع كتاب الله سبحانه وتعالى، إنما يوفق للعيش مع القرآن أقل القليل. الكثير ممكن يتوجه إلى الحلقات، يتوجه إلى المساجد، يريد أن يطلب العلم، يريد أن يعيش مع القرآن الكريم، ولكن أقل القليل؛ أقل القليل من يفتح الله سبحانه وتعالى عليه حتى يعيش مع آي القرآن الكريم. هذا الذي يفتح الله عليه لابد أن يشكر الله، لابد أن يشكر الله كثيرا وليس قليلًا، حتى تدوم هذه النعمة وليقن هذا العبد الذي دائما يعيش مع كتاب الله، ولا يكاد يمر عليه يوم إلا وهو يتفقه في دين الله، ويكون حاله مثل حال الصحابة الأجلاء الذين كانت تنزل عليهم العشر آيات، فما يتجاوزون هذه الآيات العشر حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل، فأخذوا العلم والعمل جميعًا.

هكذا كان الصحابة يعلمون من بعدهم كما يقول أبو عبد الرحمن السلمي: حدثنا الذين كانوا يقرؤون القرآن كعثمان بن عفان وعبد الله بن مسعود، فكانوا هكذا يأخذون القرآن هكذا علموا أتباعهم.

القسم من ذلك أننا في زمان متأخر، والناس في تعاملهم مع القرآن الكريم لا يخرجون عن ثلاثة أقسام: قسم لا يقرأ القرآن ولا يلتفت إليه، وبعضهم هكذا في يوم الجمعة فقط يقرأ سورة الكهف، يعني عادي يمر عليه اليوم أربع وعشرون ساعة، ثمان وأربعون ساعة، ولا يفتح القرآن ولا يقرأ صفحة واحدة من كتاب الله سبحانه وتعالى.

وقسم ثان من الناس من يهتم بالقرآن، لكن يهتم بالقرآن بالطريقة المغايرة للطريقة الأولى، أي ممكن يقرأ كثيرا، ممكن يعتني بالتجويد، هكذا بقراءات، لكن ما يعتني بفهم القرآن الكريم ولا يعيش معه. هذا القسم الثاني الذي هجر تدبر القرآن، هجر العيش مع القرآن، هجر العمل بالقرآن، إنما أصبح هذا الإنسان همه فقط أن يضبط حروف القرآن ولا يضبط المعاني، وهذا ليس محمود. وذكر هذا جماعة من العلماء، بل جاءت الأحاديث والنصوص بذلك.

إنكم في زمان يقول ابن مسعود: كثير فقهاؤه، قليل قراؤه، وسيأتي عليكم زمان كثير قراؤه، قليل فقهاؤه. ويقول ابن عبد البر: هذا فيه بيان أن الزمان الذي يكثر فيه القراء ليس بمحمود، إنما المحمود الزمان الذي يكثر فيه الفقهاء، أي من يعرف القرآن الكريم حتى لو ما كان من الحفظة، لكن هو يفهم مراد الله، ويصل القرآن إلى قلبه، ثم يثمر هذا في جوارحه ما أثمر في الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم.

إذن هذا القسم الثاني. القسم الثالث من الناس من يصل إلى القرآن الكريم بحيث يكون القرآن هو الواعظ الأول له؛ هذا الإنسان هو الذي ينتفع، هذا الإنسان هو الذي ما يستطيع عليه الشيطان، هذا الإنسان ما يقوى عليه الشيطان، خلاص هذا الإنسان وصل إلى حصن قوي، الشيطان يحاول أن يخرجه بنسبة النعمة له، بنسيان شكر الله، بإبعاده، لكن هذا الإنسان معه حصن عظيم، هذا الإنسان معه إيمان كبير.

والقرآن نور، وهذا الإنسان معه نور عظيم يقشع ظلمات الشيطان، يقشع ظلمات المعاصي، يقشع الفتن، فما تقول الفتن ولا المعاصي والذنوب على هذا الإنسان؛ لماذا؟ لأن هذا الإنسان معه هذا النور القوي. هذا النور كاشف لخطط الشيطان وحبال الشيطان ومكائد الشيطان فيحمى بإذن الله، وهذا هو سر ثبات أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام. الصحابة فهموا القرآن وعاشوا مع القرآن فلم يكن شيطان يستطيع عليهم، بخلاف من يأتي بعد ذلك ممكن يحفظ القرآن لكن ما يستطيع، لماذا؟ لأن النور معه ليس كالنور الذي عند الصحابة، هو لم يستخدم النور.

لذلك أخبر إمام العلماء رضي الله عنه وهو معاذ بن جبل: يفتح القرآن حتى يأخذه الصغير والكبير والذكر والأنثى والحر والعبد. قال: وللمؤمن وللمنافق. كيف؟ مؤمن ومنافق؟ نعم، حتى المنافق يحفظ لكن ما يفهم، لكن يجتمع فيه علم وإيمان هذا لا يمكن أن يضل، كما يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، فالعلم هو هذا الكتاب العظيم، العلم كله في القرآن الكريم.

فالقصد أن هذا العيش اليومي مع كتاب الله سبحانه وتعالى هذه نعمة عظيمة تستوجب الشكر العظيم والجزيل حتى ييسر الله العبد الاستمرار والمضي في هذا الطريق. هذا الأمر الأول.

الأمر الثاني المتعلق بهذه المقدمة والذكرى التي لابد أن نذكر أنفسنا بها كثيرا، المتعلقة بتحقيق الإيمان. القرآن لما نقرأه ينفعنا لما يكون معنا إيمان؛ ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات: 55]. ﴿إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَٰنَ بِالْغَيْبِ﴾ [يس: 11]. فينتفع بهذا الكتاب العظيم الذي يستمع له ويحضر قلبه له؛ هذا هو الذي ينتفع، صاحب الإيمان هو الذي ينتفع. لكن الشخص لما ما يكون صاحب إيمان يعني قلبه ليس مصفى، إنما قلبه ملطخ بشبهات بنجاسات إلى آخره، لما يدخل القرآن الكريم ربما ما يتأثر كثيرا.

بخلاف القلب لما يكون مصفى؛ لما يصفي العبد قلبه ويأخذ المعاني الإجمالية المتعلقة بالإيمان، المتعلقة بحب الله وتعظيم الله سبحانه وتعالى، الجنة، النار، يوم القيامة، حب النبي عليه الصلاة والسلام، وهكذا؛ هذا يكون القلب مصفى، فلما يصب القرآن الكريم وهو الماء الصافي بهذا القلب النقي يثمر فيه ما أثمر في الصديق، يثمر فيه ما أثمر بالفاروق، يثمر فيه ما أثمر بهؤلاء العظماء رضي الله عنهم وأرضاهم.

«كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فتيانا حزاويرا، تعلمنا الإيمان قبل أن نتعلم القرآن»، يقولها جندب بن عبد الله، وكذلك عبد الله بن عمر يقول: وإن أحدنا ليؤتى الإيمان قبل القرآن. فكان يستنكر أن يؤتى شخص القرآن قبل الإيمان؛ كيف هذا الشيء؟ كنا قبل ذلك نؤتى الإيمان ثم بعد ذلك نؤتى القرآن. والمقصود هنا بالإيمان أي المعاني العامة الإجمالية؛ فالشخص يكون عنده تعظيم لله، عنده محبة للنبي عليه الصلاة والسلام، فلما يحل القرآن الكريم في قلبه هذا يثمر فيه إثمارًا عظيمًا من الخير والصلاح والهدى والتقوى والبصيرة.

فمن المهم جدا دائما أن نطهر قلوبنا. ايش معنى هذا الكلام؟ أن الشخص ما يعيش مع القرآن الكريم حتى يطهر قلبه، يعني يقول أنا سأجلس هكذا وأزكي نفسي، لا ليس هذا المقصود. القرآن نزل من البداية: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: 1]، ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ [المدثر: 1]، ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ [المزمل: 1]، لكن مع هذا الشخص يكون مستحضرا دائما هكذا التعظيم لله وحب الله سبحانه وتعالى وتنفيذ المراد لما يقرأ، وهكذا حتى يطيب هذا القلب فيحل الإيمان في هذا القلب الطيب النقي فيثمر النور العظيم بإذن الله. إذا هذا المعنى الثاني.

سنبدأ إن شاء الله تعالى في هذه الرحلة بقراءة سورة الإسراء. سورة الإسراء من السور التي نزلت على النبي عليه الصلاة والسلام في مكة، وكان يقول عبد الله بن مسعود الصحابي الجليل رضي الله عنه وأرضاه بأن سورة بني إسرائيل والكهف ومريم وطه والأنبياء هن من العتاق الأول. هن من العتاق الأول وهن من تلادي؛ من العتاق الأول أي من السور التي نزلت قديما، العتيق القديم، وكذلك العتيق الذي بلغ الغاية في الجودة، فهذا فيه تفضيل لهذه السور، قالوا هن من تلادي، أي هن من حفظ القديم، فالطارئ القديم والطارف الجديد.

فعبد الله بن مسعود يبين بأن هذه السور نزلت في مكة لما كان الناس قلة، لما كان أهل الإيمان قلة، وكان من هؤلاء القلة الذين آمنوا وقادوا بدعوة النبي عليه الصلاة والسلام مبكرا الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود، فهذه السور من السور التي حفظها هذا الصحابي رضي الله عنه وأرضاه في المراحل الأولى من الدعوة الإسلامية.

وهذه السورة سميت بسورة بني إسرائيل لذكر بني إسرائيل فيها، وكذلك سورة الإسراء للإسراء الذي وقع للنبي عليه الصلاة والسلام في بداية السورة؛ بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ [الإسراء: 1]. فالنبي عليه الصلاة والسلام أسري به من مكة إلى بيت المقدس، فسميت هذه السورة بسورة الإسراء وكذلك بسورة بني إسرائيل.

هذه السورة تتكلم عن العقيدة، ومن أخص ما تكلمت عنه هذه السورة الحديث عن القرآن الكريم. فالله سبحانه وتعالى ذكر في مطلع هذه السورة إسراء الله سبحانه وتعالى بنبيه عليه الصلاة والسلام، وهذه هي إشارة للمكانة التي قدرها الله لهذا النبي، فالنبي عليه الصلاة والسلام سيجمع بين البيت الحرام وبين بيت المقدس. وتعلمون بأن الأنبياء كان قسم منهم في البيت الحرام مثل ما كان إسماعيل عليه السلام، وقسم منهم كان في بيت المقدس وهذا عامة أنبياء بني إسرائيل من إسحاق عليه السلام إلى عيسى عليه السلام، كان الأنبياء في بني إسرائيل عند بيت المقدس. أما إسماعيل عليه السلام فكان في هذا المكان، أي في مكة.

والذي بنى المسجد الحرام بنته الملائكة كما يقال، وكذلك بناه آدم عليه السلام، وكذلك بناه إبراهيم عليه السلام مع ابنه إسماعيل عليه السلام. وكان بين المسجدين أربعون سنة؛ بين المسجد الحرام وبين المسجد الأقصى أربعون سنة. وعلى هذا فالذي بنى المسجد الأقصى هو إبراهيم عليه السلام، وقيل بأن الذي بناه هو يعقوب عليه السلام، فقس على ذلك أن أنبياء بني إسرائيل أي أبناء

يعقوب عليه السلام كانوا كلهم في الشام، كانوا كلهم في الشام. وفي جزيرة العرب كان إسماعيل عليه السلام، وإبراهيم عليه السلام هو الذي جمع بين هذين الموطنين المباركين أي الحجاز مكة والمدينة وكذلك أو الحجاز مكة في زمان لم تكن المدينة إلى الآن ظاهرة البركة، فبوركت المدينة بهجرة النبي عليه الصلاة والسلام إليها، وكذلك بلاد الشام المباركة وخصها بيت المقدس.

فإبراهيم عليه السلام فتح الله عليه ومن الله عليه حتى أصبح هو أبو الأنبياء، ومن ذريته إسماعيل وإسحاق. فإسحاق من ذريته أنبياء بني إسرائيل، وإسماعيل من ذريته سيد الأنبياء على الإطلاق ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم. والنبي عليه الصلاة والسلام تم مبعثه في هذا المكان المبارك المعظم أحب البلاد إلى الله سبحانه وتعالى مكة المكرمة. ثم بعد ذلك تم الإسراء به إلى بيت المقدس وجمع الأنبياء فصلى بهم إماماً بأبي وأمي عليه الصلاة والسلام. هذه إشارة أنه خاتم الأنبياء وأن كل الأنبياء تبع له بأبي وأمي عليه الصلاة والسلام.

إذا هذه السورة نزلت على النبي عليه الصلاة والسلام في مكة، وعلى المشهور أن حادثة الإسراء وكذلك المعراج أي المعراج به إلى السماوات العلا وفرض الصلوات ولقاء مع الله سبحانه وتعالى وكذلك مع أنبياء الله سبحانه وتعالى كانت في السنة العاشرة. كانت في السنة العاشرة بعد موت خديجة وكذلك أبي طالب أي في عام الحزن. فالله سبحانه وتعالى سلى نبيه عليه الصلاة والسلام بهذه الرحلة، سلى نبيه عليه الصلاة والسلام بهذه الرحلة ومن الله عليه بهذه المنة العظيمة التي كان بها إشارة إلى أنه خير الأنبياء وأنه بلغ هذه المرتبة العالية المنيفة عند الله سبحانه.

فالله سبحانه وتعالى جمع له الأنبياء في بيت المقدس، والله سبحانه وتعالى رفعه فوق موسى وإبراهيم عليهما السلام، في السماء السادسة التقى مع موسى عليه السلام وفي السماء السابعة التقى مع إبراهيم عليه السلام. فلما ارتقى عليه الصلاة والسلام حتى جاوز مرتبة موسى عليه السلام بكى موسى عليه السلام. فقيل له: ما يبكيك؟ فيقول: أي ربي، هذا الغلام الذي بعث بعدي يدخل الجنة من أمته أفضل ما يدخل أمتي. وفي رواية أنه قال: أي ربي ما ظننت أن ترفع علي أحدا.

فالله سبحانه وتعالى رفع من شأن النبي عليه الصلاة والسلام حتى تجاوز مرتبة موسى، ثم التقى مع أبيه إبراهيم عليه السلام. وبعد ذلك رفع الله سبحانه وتعالى حتى وصل إلى مستوى يسمع فيه صريف الأقلام عليه الصلاة والسلام. بلغ الله هذه المرتبة حتى جبريل عليه السلام لم يصل إلى هذه المرتبة إنما توقف قبل ذلك، أما نبينا عليه الصلاة والسلام فبلغ الله سبحانه وتعالى هذه المرتبة العالية المنيفة، ومنا الله عليه بهذه المنزلة الشريفة جزاء صبره وثباته وبذله وتضحيته بأبي وأمي عليه الصلاة والسلام.

والقصد من ذلك أن هذه السورة تكلمت عن هذا المعنى وتكلمت عن بني إسرائيل، تكلمت عن بني إسرائيل وعن انتقال الإمامة وانتقال الخلافة، انتقال الريادة من بني إسرائيل إلى أمة النبي عليه الصلاة والسلام. فبني إسرائيل فضلهم الله سبحانه وتعالى على العالمين، أمتنا أمة نبينا محمد عليه الصلاة والسلام هي خير أمة أخرجت للناس: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: 110]. فنحن أفضل الأمم على الإطلاق، كما أن نبينا عليه الصلاة والسلام هو أفضل الأنبياء على الإطلاق.

فهذه السورة فيها بيان هذا الانتقال، فيها بيان هذا الانتقال وفيها الثناء على التوراة كتاب موسى عليه السلام: ﴿وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا﴾ [الإسراء: 2]. ثم فيها بيان عظمة هذا الكتاب العظيم الذي هو أعلى من التوراة، فالتوراة هو أعظم الكتب السماوية قبل نزول القرآن الكريم، والإنجيل تابع للتوراة. أما القرآن الكريم فهو أعلى وهو المهيمن على هذه الكتب جميعاً، يقول الله: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هي أَقْوَمَ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: 9].

وكذلك يقول الله سبحانه وتعالى في هذا الكتاب العظيم في هذه السورة الجليلة: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: 88]. وكذلك يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾ [الإسراء: 89]. وكذلك الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ [الإسراء: 82]. القصد من ذلك أن تففضيل القرآن الكريم وبيان عظمة هذا الكتاب العظيم مقصودة في هذه السورة.

فهذه السورة فيها بيان انتقال الخلافة في الأرض من بني إسرائيل إلى أمة النبي عليه الصلاة والسلام، والانتقال من التوراة إلى القرآن الكريم. ثم الله بين لنا في خاتمة هذه السورة بعد ما أثنى على القرآن الكريم في هذه السورة عدد مرات وتحدى الكفار وتحدى الإنس والجن بأن يأتوا بمثله، يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ [الإسراء: 105-106].

فهذا قرآن تم إنزاله بهذه الصورة على مكث، فرقناه لماذا؟ حتى يستوعب الناس القرآن الكريم. لذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لا يفقه القرآن من قرأه في أقل من ثلاث»، ومن أراد أن يستوعب القرآن الكريم فليقرأ على مكث، يعني لابد أن يكون عندك ورد يومي تعيش مع القرآن الكريم من خلاله، كل يوم عندك عشر آيات، كل يوم عندك وجه، وجهين، هذا غير الحفظ، هذا غير القراءة التي تقرأ القرآن فيها تختم خلال شهر كأقصى حد أو أقل من ذلك إذا كانت عندك قدرة تفعل كما فعل الصحابة في كل سبع.

العيش مع الكتاب، أي الوصول إلى فهم هذه المعاني، عمر بن الخطاب مكث سنوات في حفظ سورة البقرة، لماذا؟ كان يعيش مع هذه المعاني ويطبق هذه المعاني، فجمع بين الحفظ وبين العمل، هكذا ينتفع الشخص بالقرآن الكريم. أما الذي يقرأ القرآن هذرمة أو يأخذ كتاب تفسير صغير الحجم ويقرأ كل يوم جزء مثلاً خلال شهر يقرأ تفسير كامل، هذا ما يصل للقرآن إليه.

بخلاف الذي يقرأ تفسير متوسط وكل يوم يعيش مع عشر آيات، مع خمس آيات، سبع آيات، عشرين آية، يعني وجه، وجهين، رجل كل يوم يعيش ساعة، نصف ساعة، يعيش مع هذه الآيات، هذا هو الذي يقرأ القرآن على مكث، هذا لما يقرأ القرآن بهذه الطريقة ينتفع بالتفسير وتصل المعاني إليه، ثم خلال سنة يختم ختمة هداية هكذا خلال نصف سنة، ستة أشهر، خلال ثمانية أشهر، ثم يقرأ قراءة ثانية، ثم ثالثة، هذا حتى قراءته التي هو يقرأها كل أسبوع مثلاً تتغير عليه.

يعني هذا الذي يقرأ كل أسبوع يختم القرآن الكريم مثلاً، أو كل أسبوعين يقرأ كل جزء، جزئين كل يوم مثلاً يقرأها بسرعة فما تصل المعاني إليه. نعم هذه قراءة مهمة تحصل منها الأجر إن شاء الله تعالى، الشخص يأخذ الأجر إن شاء الله تعالى عليه، لكن نفس استحضار المعاني نفس العيش مع المعاني ممكن ما يأخذها الشخص.

طيب لما يعيش مع القرآن الكريم مثل ما عاش الصحابة عشر آيات، ما يتجاوزون عشر آيات عشر آيات حتى يتعلموا ما فيها. هكذا كما قال ابن مسعود رضي الله عنه: ثوروا القرآن. هذا يقوم بتثوير القرآن الكريم، هذا ما ينتهي من القرآن الكريم من ختمه إلا وهو إنسان آخر. يعني كل يوم عشر آيات يعني يقرأ القرآن الكريم هكذا في سنة ونصف مثلاً أو في سنتين أو يختم في سنة إذا كان يقرأ ربع، كل يوم مثلاً أربعمائة وعشرين يوماً ويومين يجعلها مراجعة لما قرأ، هذا هو الذي تصل المعاني إليه، هذا الذي تصل المعاني.

فلما يختم القرآن الكريم ختمة هداية من الفاتحة إلى الناس بهذه الطريقة، هذا إنسان يعيش مع هذا الكتاب وسيشعر بأنه إنسان آخر وسيفهم الإسلام. الذي ما يقرأ بهذه الطريقة ما يفهم الإسلام، لكن هذا سيصل إلى العبادة، هذا سيصل إلى الإيمان، سيصل إلى التقوى، سيصل إلى تحصيل النور العظيم المكنون في هذا الكتاب العظيم، سيصل إلى الفرقان.

فهذه هي الطريقة، والإنسان ما دام فوق الأرض فليبادر، ما دام الشخص يعيش الآن فوق الأرض فليبادر قبل أن تذهب الأيام. كل يوم يذهب ترى معه نور وهداية، كل يوم يذهب ما تقرأ تفسير العشر آيات وتعيش معها ترى ذهبت هداية هذا اليوم، ذهب نور هذا اليوم، يكفي الذي ذهب، استدرك فيما مضى يغفر لك بإذن الله، استدرك فيما يأتي يغفر لك بإذن الله ما مضى.

فمن اليوم خلاص كل يوم هكذا عندي عشر آيات، عندي وجه، عندي وجهين، حدد الورد اليومي واستعن بالله واستمر، هذه قراءة على مكث. لما تستمر يوم مع يوم، كل يوم تعظم عندك الهداية، كل يوم يعظم عندك الإيمان، كل يوم، كل يوم تعيش سنة، سنتين، أربع، عشر، عشرين سنة، كم ستصل إليه من هداية؟ وكل ختمة ستلاحظ نفسك بأنك بدأت الإسلام من جديد، كل ختمة ستعرف أن الله سبحانه وتعالى معها وستشعر بأنك إلى الآن ما وصلت، ثم الختمة التي تليها ستصل إلى درجة أعلى وهكذا وهكذا.

فهنا الله يعلمنا أن هذا القرآن فرقناه لتقرأه على الناس، يعني هذا القرآن نزل المقصود بهذه الطريقة، كان يمكن ينزل هذا القرآن مرة واحدة لكن ليس هذا المقصود، إنما المقصود أن ينزل القرآن على مكث حتى تصل هذه المعاني. القرآن ثقيل: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ [المزمل: 5]. قول ثقيل، هذا القول الثقيل تأخذه هكذا على مكث ويكون مفرق، تستفيد وتنتفع وتعيش معه، بخلاف الذي يريد أن يقرأ هكذا قراءة سريعة، يعني هذا كهد الشعر كما قال عبد الله بن مسعود، فهذا ما يتصل مع القرآن كما تصل معاني القرآن إلى من يقرأ بهذه الصورة التي ذكرها الله سبحانه وتعالى.

وأختم هذه المقدمة: إذا أردنا أن ننتفع كثيراً من العيش مع هذه السورة لابد أن نقرأ السياق التاريخي لها. هذه السورة نزلت في مكة ونازلت بالأصل في حادثة الإسراء يعني في السنة العاشرة، فمن المهم أن الشخص يعيش مع مرحلة الدعوة في مكة حتى يفهم مقصد الآيات. اقرأ مرحلة الدعوة المكية خاصة من السنة الثالثة من البعثة يعني من أول ما جهر النبي عليه الصلاة والسلام بدعوته إلى هذه المرحلة، حتى تعرف سياق هذه الآيات.

فلما تعيش الآن مع النبي عليه الصلاة والسلام ومع الصحابة رضي الله عنهم في مكة، لا تعيش الآن وأنت تقرأ هذه الآيات إنما بعد فتح مكة، أو تعيش مع هذه الآيات وأنت في القرن الخامس عشر لا، إنما اقرأ هذه الآيات وعش الآن أنك الآن في مكة وبدأ النبي عليه الصلاة والسلام بالجهر بدعوته وأصبح الكفار يردون عليه والقرآن ينزل يدافع عن النبي عليه الصلاة والسلام والنبي عليه الصلاة والسلام يجاهد الكفار به جهاداً كبيراً وأنت تعيش الآن مع بلال بن رباح ويعذب في بطحاء مكة ويأتي الصديق ويعتقه، تعيش مع إسلام عمر بن الخطاب، تعيش مع إسلام حمزة قبل ذلك، تعيش مع جهر عبد الله بن مسعود رضي الله عنهم أجمعين بالقرآن الكريم، تعيش مع البلاء الذي وقع على النبي عليه الصلاة والسلام من تكذيب والفتن الكبيرة التي وقعت عليه في مكة واجتماع الكفار عليه، عش في هذا الجو واستحضر أنك واحد الآن معهم، أنت الآن تعيش مع النبي عليه الصلاة والسلام في بلاء شديد.

في هذا السياق اقرأ سورة الإسراء، لما تقرأ بهذا السياق تفهم الذي فهمه الصحابة، أما إذا ما قرأتها بهذا السياق ما تفهم كثيراً، لذلك لابد أن نعرف أسباب النزول ولابد أن نعرف الواقع والسياق التاريخي الذي نزلت فيه هذه السور حتى ننتفع بإذن الله وننتأثر إن شاء الله تعالى. فأنا أنصحكم بقراءة السيرة خاصة السيرة المكية في هذه المرحلة من السنة الثالثة من البعثة إلى السنة العاشرة إلى حادثة الإسراء والمعراج حتى نعرف السياق الذي نزلت فيه هذه الآيات ولننتفع إن شاء الله تعالى منها انتفاعاً عظيماً، هذا ما يتعلق بهذه المقدمة والله أعلى وأعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد.